← Тафсир

Тафсир · id 37048

شرح تفسير ابن كثير - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (873 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

سبب نزول سورة الكهف قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد ذكر محمد بن إسحاق سبب نزول هذه السورة الكريمة فقال: حدثني شيخ من أهل مصر قدم علينا منذ بضع وأربعين سنة عن عكرمة عن ابن عباس، قال: بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة، فقالوا لهم: سلوهم عن محمد وصفوا لهم صفته وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى أتيا المدينة فسألوا أحبار يهود، عن رسول الله ﷺ ، ووصفوا لهم أمره وبعض قوله، وقالا: إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا، قال: فقالوا لهم سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإلا فرجل متقول فتروا فيه رأيكم: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم، فإنهم قد كان لهم حديث عجيب؟ وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح ما هو؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم، فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش فقالا: يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور فأخبروهم بها، فجاءوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد أخبرنا، فسألوه عما أمروهم به، فقال لهم رسول الله ﷺ : (أخبركم غداً عما سألتم عنه) ولم يستثن، فانصرفوا عنه ومكث رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة لا يحدث الله له في ذلك وحياً، ولا يأتيه جبرائيل ﵇ حتى أرجف أهل مكة، وقالوا: وعدنا محمد غداً، واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء عما سألناه عنه، وحتى أحزن رسول الله ﷺ مكث الوحي عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبرائيل ﵇ من الله بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف، وقول الله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء:٨٥] الآية].

стр. 387

تفسير قوله تعالى: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم) قال الله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا * إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف:٦ - ٨]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى مسلياً لرسوله صلوات الله وسلامه عليه في حزنه على المشركين، لتركهم الإيمان وبعدهم عنه, كما قال تعالى ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر:٨] وقال: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [الحجر:٨٨] وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣]. باخع أي: مهلكن نفسك بحزنك عليهم، ولهذا قال: ((فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ)) يعني: القرآن، (أسفا) يقول: لا تهلك نفسك أسفاً. قال قتادة: قاتل نفسك غضباً وحزناً عليهم، وقال مجاهد: جزعاً, والمعنى متقارب، أي: لا تأسف عليهم، بل أبلغهم رسالة الله، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات]. يقول تعالى في هذه الآية: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦] المراد بالحديث في هذه الآية القرآن، ففيها عناية الله تعالى برسوله ﷺ , وفيها تسلية له، حتى تخفف من حزنه, قال تعالى: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر:٨] وقال: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [الشورى:٤٨] وقال: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٥ - ٢٦] وقال: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [المائدة:٩٩] وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥] فالله تعالى يسلي نبيه ويصبره ويعتني به، لشدة شفقته ﷺ وحرصه على هدايتهم, حتى إنه من حرصه ﵊ وحزنه على عدم إيمانهم يكاد يقتل نفسه، ولهذا قال سبحانه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦] وقال: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر:٨] وقال: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] وذلك لما توفي عمه أبو طالب ومات على الشرك سلاه بهذه الآية، وهنا قال له سبحانه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦].

стр. 388

حقيقة الدنيا ومآلها قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم أخبر تعالى أنه جعل الدنيا داراً فانية، مزينة بزينة زائلة، وإنما جعلها دار اختبار لا دار قرار، فقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف:٧] قال قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)، ثم أخبر تعالى بزوالها وفنائها وفراغها وانقضائها وذهابها وخرابها، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف:٨] أي: وإنا لمصيروها بعد الزينة إلى الخراب والدمار، فنجعل كل شيء عليها هالكاً صعيداً جرزاً لا ينبت ولا ينتفع به، كما قال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ يقول: يهلك كل شيء عليها ويبيد. وقال مجاهد: صعيداً جرزاً بلقعاً، وقال قتادة: الصعيد الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات، وقال ابن زيد: الصعيد الأرض التي ليس فيها شيء، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة:٢٧]. وقال محمد بن إسحاق: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف:٨] يعني: الأرض، وأن ما عليها لفان وبائد، وأن المرجع لإلى الله، فلا تأس ولا يحزنك ما تسمع وترى] قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف:٧] هذه الآية الكريمة فيها دليل على أن الله تعالى جعل مع الأرض زينة لها للابتلاء والامتحان لعباده أيهم أحسن عملاً, وفيه أنما على الأرض فان وزائل، وأن الدنيا دار ممر لا دار قرار، والله جعل ما عليها من زينة ابتلاءً وامتحاناً، فكل ما عليها زائل, وسيضمحل ولا يبقى, ولهذا قال: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف:٨] والصعيد هو الذي لم يكن فيه شيء لا نبات ولا غيره، والجرز الأرض التي لا تنبت، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾ [السجدة:٢٧] يعني: أن الأرض الميتة يسوق الله إليها الماء فتنبت. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف:٧] كما قال : ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك:٢] يعني: الله تعالى جعل في هذه الدنيا زينة؛ ليبلو الناس أيهم أحسن عملاً، فمنهم من ينخدع بالدنيا وزينتها وزخرفها ويفضلها على الآخرة , ومنهم من يعصمه الله فلا يغتر بالدنيا.

стр. 389

ما جاء في تفسير الخازن عند قوله تعالى: (الحمد الله الذي أنزل على عبده الكتاب) وجاء في تفسير الخازن عند هذه الآية أنه قال: (قوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف:١] أثنى الله على نفسه بإنعامه على خلقه وعلم عباده كيف يثنون عليه ويحمدونه على أجزل نعمائه عليهم وهي الإسلام وما أنزل على عبده محمد ﷺ , من الكتاب الذي هو سبب نجاتهم وفوزهم، وخص رسوله ﷺ بالذكر لأن إنزال القرآن كان نعمة عليه على لخصوص وعلى سائر الناس على العموم). فمن الفوائد التي تستنبط من قوله تعالى: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ)) أن نزول القرآن نعمة على عبده محمد على الخصوص ونعمة على العباد على العموم؛ لأن الله شرفه بإنزال هذا الكتاب عليه فهو تشريف له وهو نعمة على العباد جميعاً لأن الله أخرجهم به من الظلمات إلى النور. قال: (وقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف:١] أي شيئاً من العوج والعوج قط في المعاني كالعوج في الأعيان). يعني: العوج يكون في المعاني ويكون في الأعيان التي هي الذوات، فالإنسان قد يكون عنده اعوجاج في رجليه أو في يديه فهذا عوج في الأعيان، والمعاني إذا كانت غير سليمة صارت فيها اعوجاج وإذا كانت مستقيمة لا يكون فيها اعوجاج، فالاعوجاج يكون في الذوات والأعيان ويكون في المعاني. قال: (والمراد نفي الاختلاف والتناقض عن معانيه). أي: لا اختلاف في هذا القرآن ولا تناقض في معانيه بل هو يصدق بعضه بعضاً. قال: (وقيل معناه لم يجعله مخلوقاً، وروي عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر:٢٨] قال غير مخلوق). ((قَيِّمًا)) أي: مستقيماً، وقال ابن عباس عدلاً، وقيل: قيماً على الكتب كلها مصدقاً لها وناسخاً لشرائعها, ((لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا)) معناه: لينذر الذين كفروا بأساً شديداً, وهو قوله : ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف:١٦٥]، ((مِنْ لَدُنْهُ)) أي: من عنده، ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ [الكهف:٢] يعني: الجنة ((مَاكِثِينَ فِيهِ)) أي: مقيمين فيه أبداً ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [الكهف:٤] ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الكهف:٥] أي: بالولد وباتخاذه، يعني: أن قولهم لم يصدر عن علم بل عن جهل فقط، فإن قلت: اتخاذ الله ولداً في نفسه محال، فكيف قيل: ما لهم به من علم؟ قلت: انتفاء العلم قد يكون للجهل بالطريق الموصل إليه وقد يكون في نفسه محالاً لا يستقيم تعلق العلم به). يعني هنا: إن القائلين بهذا ليس لهم علم لجهلهم أو لأن هذا الأمر لا يتعلق به العلم لاستحالته. قال: (وقوله: ((وَلا لِآبَائِهِمْ)) [الكهف:٥] أي: ولا لأسلافهم من قبل، ((كَبُرَتْ)) أي: عظمت ﴿كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف:٥] أي: هذا القول الذي يقولونه لا تحكم به عقولهم ولا فكرهم البتة، ((إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا))، ثم قال: (وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ﴾ [الكهف:٦] أي: قاتل نفسك، ((عَلَى آثَارِهِمْ)) أي: من بعدهم، ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ [الكهف:٦] يعني: القرآن ((أَسَفًا)) حزناً، وقيل: غيظاً ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ [الكهف:٧] أي: مما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن منها، وقيل: يعني النبات والشجر والأنهار، وقيل: أراد بها الرجال خاصة، وقيل: أراد به العلماء والصلحاء, وقيل: جميع ما في الأرض هو زينة لها، فإن قلت: أي زينة في الحياة والعقارب والشياطين؟ قلت: زينتها كونها تدل على وحدانية الله وكمال قدرته، وقيل: إن جميع ما في الأرض ثلاثة: معدن ونبات وحيوان، وأشرف أنواع الحيوان الإنسان، قيل: الأولى ألا يدخل في هذه الزينة المكلف، بدليل قوله تعالى: ((لِنَبْلُوَهُمْ)) فمن يبلو يجب ألا يدخل في ذلك ومعنى (لنبلوهم) نختبرهم، ((أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)) أي: أصلح عملاً، وقيل: أيهم أترك للدنيا وأزهد فيها ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا﴾ [الكهف:٨] أي: من الزينة ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف:٨] يعني: مثل الأرض لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء.

стр. 390

تفسير سورة الكهف [٩ - ١٧] من أحسن القصص التي ذكرها الله في القرآن قصة أهل الكهف، فهي ذكرى وعظة لكل من آمن بربه وسلك طريق الدعوة إليه، وقد بشر الله سبحانه أنه سيحسن عاقبته ويحفظه ويحفظ له دينه.

стр. 391

تفسير قوله تعالى: (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً) قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف:٩ - ١٢]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [هذا إخبار من الله تعالى عن قصة أصحاب الكهف على سبيل الإجمال والاختصار، ثم بسطها بعد ذلك فقال: ((أَمْ حسبت)) يعني: يا محمد ((أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا)) أي: ليس أمرهم عجيباً في قدرتنا وسلطاننا؛ فإن خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار وتسخير الشمس والقمر والكواكب وغير ذلك من الآيات العظيمة الدالة على قدرة الله تعالى، وأنه على ما يشاء قادر ولا يعجزه شيئ أعجب من أخبار أصحاب الكهف، كما قال ابن جريج عن مجاهد: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف:٩] يقول: قد كان من آياتنا ما هو أعجب من ذلك. وقال العوفي: عن ابن عباس ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف:٩] يقول: الذي آتيتك من العلم والسنة والكتاب أفضل من شأن أصحاب الكهف والرقيم. وقال محمد بن إسحاق: ما أظهرت من حججي على العباد أعجب من شأن أصحاب الكهف والرقيم، وأما الكهف فهو الغار في الجبل، وهو الذي لجأ إليه هؤلاء الفتية المذكورون، وأما الرقيم فقال العوفي: عن ابن عباس: هو وادٍ قريب من أيلة، وكذا قال عطية العوفي وقتادة. وقال الضحاك: أما الكهف فهو غار الوادي، والرقيم اسم الوادي وقال مجاهد: الرقيم كتاب بنيانهم ويقول بعضهم: هو الوادي الذي فيه كهفهم]. الرقيم هو لوح كتب فيه أسماء أصحاب الكهف وقصتهم، ثم وضع على باب الكهف، وكان من الرصاص، وقيل: من حجارة، وعن ابن عباس: أن الرقيم اسم الوادي الذي فيه أصحاب الكهف، وقال كعب الأحبار: هو اسم للقرية التي خرج منها أصحاب الكهف، وقيل: اسم الجبل الذي فيه أصحاب الكهف، أو هو اسم للوح الذي كتب فيه أسماؤهم، أو اسم للوادي، أو اسم الجبل القريب، والأقرب أن الرقيم هو الكتاب قال تعالى: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين:٩] مرقوم يعني: مكتوب يكتب فيه. إذاً: الرقيم هو الشيء الذي يكتب فيه، هذا هو الأقرب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس، ﵄ في قوله: ((الرقيم)) كان يزعم كعب أنها القرية، وقال ابن جريج عن ابن عباس: الرقيم الجبل الذي فيه الكهف، وقال ابن إسحاق: عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال: اسم ذلك الجبل بنجلوس، وقال ابن جريج: أخبرني وهب بن سليمان عن شعيب الجبائي أن اسم جبل الكهف بنجلوس، واسم الكهف حيزم، والكلب حمران]. اسم الكلب واسم الجبل والبنيان كل هذه الأشياء لا يترتب عليها كبير فائدة، وهي من أخبار بني إسرائيل، وليس عليها دليل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال عبد الرزاق: أنبأنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: القرآن أعلمه إلا حناناً والأواه والرقيم. وقال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة يقول: قال ابن عباس: ما أدري ما الرقيم كتاب أم بنيان. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الرقيم الكتاب وقال سعيد بن جبير: الرقيم لوح من حجارة كتبوا فيه قصص أصحاب الكهف، ثم وضعوه على باب الكهف. وقال عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم: الرقيم الكتاب، ثم قرأ: ((كتاب مرقوم)) وهذا هو الظاهر من الآية، وهو اختيار ابن جرير، قال: الرقيم فعيل بمعنى مرقوم، كما يقال للمقتول: قتيل، وللمجروح جريح والله أعلم.

стр. 392

تفسير قوله تعالى: (إذ أوى الفتية إلى الكهف) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف:١٠] يخبر تعالى عن أولئك الفتية الذين فروا بدينهم من قومهم، لئلا يفتنوهم عنه، فهربوا منهم فلجئوا إلى غار في جبل ليختفوا عن قومهم، فقالوا حين دخلوا سائلين من الله تعالى رحمته ولطفه بهم: ((رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً)) أي: هب لنا من عندك رحمة ترحمنا بها وتسترنا عن قومنا، ((وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا)) أي: وقدر لنا من أمرنا رشداً هذا، أي: اجعل عاقبتنا رشداً، كما جاء في الحديث: (وما قضيت لنا من قضاء فاجعل عاقبته رشدا)، وفي المسند من حديث بسر بن أرطأة عن رسول الله ﷺ أنه كان يدعو: (اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي النار وعذاب الآخرة)]. هذا حديث مشهور، لم يذكر المؤلف سنده.

стр. 393

تفسير قوله تعالى: (فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ [الكهف:١١] أي: ألقينا عليهم النوم حين دخلوا إلى الكهف، فناموا سنين كثيرة]. هذه الآيات فيها أن هؤلاء الفتية فروا بدينهم من الفتن، وهذا له أصل في شريعتنا, فإن النبي ﷺ قال: (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن) قال العلماء: إن هذا يكون عند فساد الزمان وخلو المدن والقرى من العلم والخير، بحيث لا يكون فيها جمعة ولا جماعة ولا نصيحة، فحينئذ يفر المسلم من الفتن، يفر بدينه إلى البوادي والصحاري ويتبع بغنمه شعف الجبال، وإلا فلا يجوز الفرار إلى البوادي، وترك الجمعة والجماعة؛ لأنه قد جاء الوعيد الشديد لمن رجع أعرابياً بعد أن كان من أهل المدينة أو القرية كما جاء في الحديث. إذاً: فالمقصود أن التعرب والسكن في البادية لا يجوز إلا عند خلو المدن والقرى من الخير، بحيث لا يكون فيها جمعة ولا جماعة ولا أمر ولا نهي، وخاف الإنسان على نفسه، فله أن يفر بدينه من الفتن، وهؤلاء الفتية أصحاب الكهف فروا بدينهم؛ لئلا يفتنهم قومهم، فقد أرادوهم على الشرك ففروا بدينهم، فأووا إلى الكهف، وهؤلاء الفتية شباب فروا بدينهم، وولجئوا إلى الله وسألوه أن يهيئ لهم من أمرهم رشداً، فجعلهم آية وعبرة.

стр. 394

تفسير قوله تعالى: (ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً) قال الله تعالى: [﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾ [الكهف:١٢]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أي: من رقدتهم تلك، وخرج أحدهم بدراهم معه ليشتري لهم بها طعاماً يأكلونه كما سيأتي بيانه وتفصيله، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ [الكهف:١٢] أي: المختلفين فيهم، ﴿أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف:١٢] قيل: عدداً، وقيل: غاية، فإن الأمد الغاية كقوله: سبق الجواد إذا استولى على الأمد]. الأمد يطلق على العدد، كأن حزبين اختلفا في مدتهم، فالله تعالى قص عليهما قصة أصحاب الكهف، فقال: أي الحزبين موافق للصواب.

стр. 395

تفسير قوله تعالى: (نحن نقص عليك نبأهم بالحق) قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف:١٣] ذكر الله تعالى قصة أصحاب الكهف مختصرة ثم هاهو يذكرها مفصلة فقال: ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص﴾ [الكهف:١٣]، وهذا أسلوب بلاغي معروف في اللغة العربية، وهو أن يذكر الشيء مختصراً مجملاً ثم يفصل بعد ذلك، فالله تعالى أجملها ثم فصلها، قال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الكهف:١٣] فهنا بدأ في التفصيل، بعد أن ذكرها مجملة فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف:٩ - ١٢] ثم فصلها سبحانه بعد ذلك فقال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الكهف:١٣]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [من هاهنا شرع في بسط القصة وشرحها، فذكر الله تعالى أنهم فتية وهم الشباب، وهم أقبل للحق وأهدى للسبيل من الشيوخ الذين قد عتوا وانغمسوا في دين الباطل، ولهذا كان أكثر المستجيبين لله تعالى ولرسوله ﷺ شباباً، وأما المشايخ من قريش فعامتهم بقوا على دينهم، ولم يسلم منهم إلا القليل. وهكذا أخبر تعالى عن أصحاب الكهف أنهم كانوا فتية شباباً]. يعني: أن الشباب هم أقبل للحق من غيرهم، أما الشيوخ الكبار الذين شاخوا على معتقداتهم مثل: شيوخ الرافضة وشيوخ البهائية والبابية وغيرهم فيثبتون على عقائدهم الفاسدة، وإنما الذي يتأثر منهم بالحق هم الشباب، وكذلك أيضاً الدعوات الهدامة يقبلها في الغالب الشباب، أما الشيوخ الكبار الذين تربوا على الحق وشابوا لا يقبلونها، فالشباب هم المحك، وهم عماد الأمة، وهم الذين تبني عليهم الأمم الآمال، وهم عماد المستقبل، والشباب سريعو التأثر، فأصحاب الكهف فتية كانوا شباباً آمنوا بربهم، ثبتهم الله لما آمنوا، وزادهم هدى، وهذا فيه أن الإيمان يزيد وينقص، ولهذا قال تعالى: ((وَزِدْنَاهُمْ هُدًى)). إذاً: الشباب هم أقبل للدعوات، للحق وللباطل من غيرهم، وهؤلاء الشباب أصحاب الكهف لما آمنوا واستجابوا وانقادوا أثابهم الله وزادهم هدى، وربط على قلوبهم وثبتهم، وهؤلاء الشباب لجئوا إلى الله وتضرعوا إليه ودعوه أن يهيئ لهم من أمره رشداً، فعلى المؤمن أن يفعل الأسباب ويلجأ إلى الله ، ويجاهد نفسه على العمل الصالح، ويضرع إلى الله أن يثبت قلبه، وإلا يزيغ قلبه بعد أن هداه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال مجاهد: بلغني أنه كان في آذان بعضهم القرطة. يعني الحلق، فألهمهم الله رشدهم وآتاهم تقواهم فآمنوا بربهم أي اعترفوا له بالوحدانية، وشهدوا أنه لا إله إلا هو ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ استدل بهذه الآية وأمثالها غير واحد من الأئمة كـ البخاري وغيره ممن ذهب إلى زيادة الإيمان وتفاضله وأنه يزيد وينقص، ولهذا قال تعالى: ((وَزِدْنَاهُمْ هُدًى)) كما قال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧] وقال ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤] وقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك]. يعني: الآيات الدالة على أن الإيمان يزيد وينقص كثيرة، وكذلك النصوص في أن الكفر يزيد وينقص، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٥] فالإيمان يزيد وينقص والكفر أيضاً يزيد وينقص، هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة، خلاف أهل البدع الذين يقولون: إن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، وإيمان أهل السماء وإيمان أهل الأرض واحد، والتفاوت بينهم بالأعمال، وهذا باطل؛ لأن النصوص في أن الإيمان يزيد وينقص كثيرة منها قوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤] وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤] وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤] وقوله: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١] فالإيمان يزيد وينقص ويقوى ويضعف، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد ذكر أنهم كانوا على دين المسيح عيسى ابن مريم، فالله أعلم، والظاهر أنهم كانوا قبل ملة النصرانية بالكلية، فإنهم لو كانوا على دين النصرانية لما اعتنى أحبار اليهود بحفظ خبرهم وأمرهم لمباينتهم لهم]؟ يعني: يقول: إن هؤلاء لم يكونوا في زمن المسيح أو قبله؛ لأن أحبار اليهود اعتنوا بحفظ خبر هؤلاء الفتية، ولو كانوا في زمن المسيح لما اعترفوا بهم؛ للعداوة التي بينهم وبين النصارى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد تقدم عن ابن عباس: أن قريشاً بعثوا إلى أحبار اليهود بالمدينة، يطلبون منهم أشياء يمتحنون بها رسول الله ﷺ ، فبعثوا إليهم أن يسألوه عن خبر هؤلاء، وعن خبر ذي القرنين، وعن الروح، فدل هذا على أن هذا أمر محفوظ في كتب أهل الكتاب، وأنه متقدم على دين النصرانية والله أعلم].

стр. 396

تفسير قوله تعالى: (وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض) قال الله تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف:١٤]. قال المؤلف ﵀: [يقول تعالى: وصبرناهم على مخالفة قومهم ومدينتهم، ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد والسعادة والنعمة، فإنه ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف أنهم كانوا من أبناء ملوك الروم وسادتهم، وأنهم خرجوا يوماً في بعض أعياد قومهم، وكان لهم مجتمع في السنة يجتمعون فيه في ظاهر البلد، وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت، ويذبحون لها، وكان لهم ملك جبار عنيد يقال له: دقيانوس، وكان يأمر الناس بذلك ويحثهم عليه ويدعوهم إليه، فلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم، ونظروا إلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم، عرفوا أن هذا الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم والذبح لها لا ينبغي إلا الله الذي خلق السماوات والأرض، فجعل كل واحد منهم يتخلص من قومه وينحاز منهم، ويتبرز عنهم ناحية، فكان أول من جلس منهم وحده أحدهم، جلس تحت ظل شجرة فجاء الآخر فجلس إليها عنده، وجاء الآخر فجلس إليهما، وجاء الآخر فجلس إليهم، وجاء الآخر وجاء الآخر، ولا يعرف واحد منهم الآخر، وإنما جمعهم هناك الذي جمع قلوبهم على الإيمان. كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري تعليقاً من حديث يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ ، والناس يقولون: الجنسية علة الضم، والغرض أنه جعل كل أحد منهم يكتم ما هو عليه عن أصحابه خوفاً منهم، ولا يدري أنهم مثله حتى قال أحدهم: تعلمون والله يا قوم إنه ما أخرجكم من قومكم وأفردكم عنهم إلا شيء، فليظهر كل واحد منكم بأمره، فقال آخر: أما أنا فإني والله رأيت ما قومي عليه فعرفت أنه باطل، وإنما الذي يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به شيء هو الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما، وقال الآخر: وأنا والله وقع لي كذلك، وقال الآخر كذلك، حتى توافقوا كلهم على كلمة واحدة، فصاروا يداً واحدة، وإخوان صدق، فاتخذوا لهم معبداً يعبدون الله فيه، فعرف بهم قومهم، فوشوا بأمرهم إلى ملكهم، فاستحضرهم بين يديه فسألهم عن أمرهم وما هم عليه، فأجابوه بالحق ودعوه إلى الله ، ولهذا أخبر تعالى عنهم بقوله: ((وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا)) و (لن) لنفي التأبيد، أي: لا يقع منا هذا أبداً؛ لأنا لو فعلنا ذلك لكان باطلاً، ولهذا قال عنهم: ((لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا)) أي: باطلاً وكذباً وبهتاناً].

стр. 397

تفسير قوله تعالى: (هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة) قال تعالى: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الكهف:١٥]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أي: هلا أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلاً واضحاً صحيحاً، ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ يقولون: بل هم ظالمون كاذبون في قولهم ذلك، فيقال: إن ملكهم لما دعوه إلى الإيمان بالله أبى عليهم وتهددهم وتوعدهم، وأمر بنزع لباسهم عنهم الذي كان عليهم من زينة قومهم، وأجلهم لينظروا في أمرهم لعلهم يرجعون عن دينهم الذي كانوا عليه، وكان هذا من لطف الله بهم، فإنهم في تلك النظرة توصلوا إلى الهرب منه، والفرار بدينهم من الفتنة]. يعني: استدل المؤلف الحافظ ابن كثير ﵀ على أن أصحاب الكهف الذين فروا بدينهم من قومهم لم يتعارفوا، وإنما جمعهم الإيمان، واستدل بقوله ﷺ : (الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف) وأن أرواحهم ائتلفت بعضها ببعض، ولهذا هرب كل واحد من قومه واجتمعوا في مكان واحد، ثم بعد ذلك أظهر كل واحد منهم ما عنده. فهذا سبب في انضمام بعضهم إلى بعض، فهم اجتمعوا وأبدوا ما عندهم، ثم بعد ذلك اجتمعوا في مكان يعبدون الله؛ فعلم بهم هذا الملك -ملكهم الظالم- فدعاهم، فجاءوا ودعوه إلى الله وإلى توحيده وإخلاص الدين له، فأبى عليهم وهددهم وتوعدهم، وبينوا له صحة التوحيد ووجوبه، وأن الشرك باطل وأظلم الظلم. ولهذا قالوا له: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الكهف:١٥]. وقالوا: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف:١٤]؛ ولهذا يستفاد من قصة أصحاب الكهف صحة التوحيد وبطلان الشرك، فهذا من أعظم الفوائد. فأصحاب الكهف دعوا مكلهم إلى توحيد الله ، قال : ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الكهف:١٣ - ١٤]. وقبل هذه الآيات قال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف:٩]، الكهف: هو الغار في الجبل، والرقيم: هو الكتاب المرقوم الذي كتبت فيه قصتهم. يقول : إن قصة أصحاب الكهف والرقيم ليس عجيباً في سلطاننا وقدرتنا؛ فخلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وتسيير الشمس والقمر والنجوم أعجب من ذلك: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف:٩]. ومن فوائد هذه القصة: أن من أسلوب القرآن البلاغي الإجمال ثم التفصيل؛ فإن الله تعالى أجمل قصة أصحاب الكهف ثم فصلها، فهذا أسلوب بلاغي معروف في اللغة العربية، والقرآن في الأسلوب البلاغي وصل إلى درجة عالية، فهو حجة في الأسلوب البلاغي؛ ولهذا فإن الله أجمل قصة أصحاب الكهف ثم فصلها. وبين أن أصحاب الكهف دعوا إلى توحيد الله ، وأظهروا التوحيد ودعوا إليه، وبينوا بطلان الشرك، ولهذا قال سبحانه: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف:١٣ - ١٤]. فيه: أن الله تعالى من عليهم وهداهم. وفيه: أن الشباب أقرب إلى الحق من الشيوخ الذين نشئوا على الشرك والباطل، فالشباب في الغالب هم الذين يقبلون الحق، أما الشيوخ الذين نشئوا على الشرك وشاخوا عليه ففي الغالب أنهم لا يتزحزحون. وفيه: منة الله على أصحاب الكهف، حيث قال سبحانه: ((وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ))، حيث ثبتهم على التوحيد والإيمان مع شدة الفتنة، وتركوا زينة الدنيا ومظاهرها والترف، وكان قومهم أصحاب ترف. وكذلك أنهم أبناء ملوك، ومع ذلك ثبتهم الله على التوحيد وهداهم، وربط على قلوبهم، ففارقوا قومهم وفارقوا ما هم فيه من الترف ورغد العيش، وثبتوا على التوحيد والإيمان، ودعوا قومهم إلى التوحيد وناظروهم وبينوا لهم بطلان الشرك. ولهذا أخبر الله عنهم، فقال: ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ [الكهف:١٤] يعني: قولاً باطلاً. قوله: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ [الكهف:١٥] هذا فيه دليل على أن قومهم كانوا على الشرك، ﴿لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ [الكهف:١٥]، يعني: هلا أتوا عليهم بسلطان، ولا يوجد سلطان ولا دليل على الشرك، فالشرك واضح، ولهذا قال : ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الكهف:١٥]. وفي هذه القصة: إثبات النبوة لنبينا ﷺ ؛ فإنه أخبر عن هذه القصة وهي وقعت في الدهر الأول، ولا يعلم هذا إلا من الوحي، ولهذا استدل بذلك اليهود على صحة نبوة النبي ﷺ ، فهم سألوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين، وقالوا: لا يعلم بهذا إلا نبي، فكان هذا دليلاً على نبوته ﵊. وفي هذا دليل على إثبات البعث والمعاد، فإن الله تعالى أنامهم ثلاثمائة سنة وتسع سنين، ثم أيقظهم بعد ذلك. وفيه دليل على أن اليقظة بعد النوم تسمى بعثاً، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ [الكهف:١٢]، فاليقظة بعد النوم: بعث، والنوم في الليل: وفاة صغرى، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف:١٢]. وقال في آية سورة الأنعام: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام:٦٠]، فسمى النوم بالليل وفاة، وسمى اليقظة بالنهار بعثاً. فهذه القصة فيها هذه الفوائد العظيمة: صحة التوحيد ووجوبه، وبطلان الشرك، وإثبات النبوة، وإثبات البعث والمعاد. أما قول المؤلف: (إن لن للنفي المؤبد المستقبلي) فهي لنفي المستقبل، لكنها لا تدل على التأبيد على الصحيح، ولهذا أخبر الله عن الكفار أنهم لن يتمنوه، قال: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة:٩٥]، ثم أخبر في آية أخرى أنهم تمنوه في النار، قالوا: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧]، فلو كانت للتأبيد لما تمنوا الموت. ولهذا يقول ابن مالك ﵀ في ألفيته: ومن رأى النفي بلن مؤبداً فقوله اردد وسواه فاعضدا أي: قوله مردود وضعيف، والصواب: أن لن ليست للتأبيد، وإنما هي للنفي في المستقبل، لكنها لا تدل على التأبيد حتى ولو قيدت للتأبيد، كما قيدها الله في قوله: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة:٩٥]؛ لأنها لو كانت للتأبيد لما أجاز تحديد الفعل بعدها في قول الله تعالى عن إخوة يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف:٨٠]. ((فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ)) ثم جاء تحديدها بقوله: ((حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي)) فليست للتأبيد؛ لأنه حدد الفعل بعد لن. حتى لو قيدت للتأبيد فلا تدل على دوام النفي في الآخرة، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة:٩٥]، ثم أخبر أنهم تمنوا الموت في النار، فقال الله عنهم: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] وهذا تمنٍ للموت. المعتزلة يقولون: إن الله تعالى لا يُرى في الآخرة، واستدلوا بقول الله تعالى عن موسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، قالوا: لن تفيد النفي المؤبد. فبين العلماء أنها لا تدل على النفي المؤبد، وإنما ((لَنْ تَرَانِي)) المراد لن تراني في الدنيا؛ لأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا هو المشروع عند وقوع الفتن في الناس أن يفر العبد منهم خوفاً على دينه، كما جاء في الحديث: (يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنمًا يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن)، ففي هذه الحال تشرع العزلة عن الناس ولا تشرع فيما عداها؛ لما يفوت بها من ترك الجماعات والجمع]. نعم هذا هو المشروع للمسلم أن يبقى في المدن والقرى يشهد الجمعة والجماعة والدعوة إلى الله وحلق الذكر والتعليم. فالمدن والقرى إذا كان فيها خير فلا يجوز للإنسان أن يخرج إلى البراري ويتعرب، ويكون في البادية، بل إن التعرب جاء النهي عنه، التعرب والسكنى في الصحراء والبادية منهي عنه، وهو من المعاصي؛ لأن التعرب والسكنى في الصحراء يفوت الجمع والجماعات، ويفوت سماع الذكر والخير، ولو لم يفت عليه إلا الجمعة وسماع الخطبة التي هي موعظة الأسبوع، وكذلك الجماعة لما فيها من الخير، وكذلك سماع النصائح. ولهذا فإن الأعراب أخبر الله عنهم بقوله: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيم

стр. 398

تفسير قوله تعالى: (وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلما وقع عزمهم على الذهاب والهرب من قومهم، واختار الله تعالى لهم ذلك، وأخبر عنهم بذلك في قوله: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [الكهف:١٦] أي: وإذا فارقتموهم وخالفتموهم بأديانكم في عبادتهم غير الله، ففارقوهم أيضًا بأبدانكم، ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الكهف:١٦] أي: يبسط عليكم رحمة يستركم بها من قومكم، ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ﴾ [الكهف:١٦] أي: الذي أنتم فيه، ﴿مِرفَقًا﴾ [الكهف:١٦] أي: أمرًا ترتفقون به، فعند ذلك خرجوا هرباً إلى الكهف، فأووا إليه، ففقدهم قومهم من بين أظهرهم، وتطلبهم الملك فيقال: إنه لم يظفر بهم، وعمى الله عليه خبرهم، كما فعل بنبيه محمد ﷺ وصاحبه الصديق، حين لجآ إلى غار ثور، وجاء المشركون من قريش في الطلب، فلم يهتدوا إليه مع أنهم يمرون عليه، وعندها قال النبي ﷺ حين رأى جزع الصديق في قوله: يا رسول الله! لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميه لأبصرنا، فقال: (يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟)، وقد قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٤٠]]. وهذه معية خاصة، فمعية الله للنبي ﷺ وأبي بكر، هي معية خاصة عند أهل العلم، وهي معية نصر وتأييد وتوفيق وتسديد. وهناك معية أخرى تسمى المعية العامة، فهذه المعية تحصل لكل أحد، وهي عامة للمؤمن والكافر، ومقتضاها الاطلاع والإحاطة والمحاسبة والمجازاة، أما المعية الخاصة فهي معية نصر وتأييد، ومقتضاها الحفظ والكلاءة والنصرة والتأييد. فالمؤمن له المعيتان: المعية العامة والمعية الخاصة، والله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] وقال: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦] هذه معية خاصة. وينفرد الكافر بالمعية العامة، فالمعية العامة من مقتضاها الإحاطة والاطلاع، وتأتي في سياق المحاسبة والمجازاة والتخويف، والمعية الخاصة مقتضاها النصر والتأييد والحفظ والكلاءة، وتأتي في سياق المدح والثناء. فالمؤمن تجتمع في حقه المعيتان، والكافر له المعية العامة، فالعامة للمؤمن والكافر، والمعية الخاصة خاصة بالمؤمن. والمعية مقتضاها المصاحبة ولا تقتضي الاختلاط والامتزاج كما قد يفهمه بعض أهل الزيغ والضلال، فهو مع كل أحد باطلاعه وعلمه وإحاطته ومحاسبته ومجازاته، ومع المؤمنين بنصره وتأييده وهو فوق العرش ، لا يخفى عليه خافية. فإن العرب تقول: مازلنا نسير والقمر معنا، مازلنا نسير والنجم معنا، والقمر فوقهم، فهذه معية تقتضي المصاحبة. ولها معانٍ متعددة منها: أن يكون الإنسان ذاته مع الشخص، فيقول: أنا معك يعني: بذاته. ومن معانيها: أن يكون معهم بقوته، فيقول: اذهب وأنا معك، يعني: بقوتي، ويقول الملك: اذهب وأنا معك، يقصد الجيش معه بالقوة وهو في مكانه. ومن معانيها: أن يكون معه بالمال كأن يقول: اذهب وأنا معك يعني: بمالي، وتقول العرب: فلان وزوجته معه، وقد تكون هي في المشرق وهو في المغرب، فهذه المعية لا تقتضي المماسة ولا المحاذاة. ويطلع الإنسان على الصبي وهو يبكي أسفل ويكون في الدور الثاني أو الثالث، فيقول للطفل: أنا معك، فيسكت الطفل، فهذه معية. وبالمناسبة الأحناف يقولون: لو تزوج مشرقي من مغربية يعني: رجل في المشرق تزوج امرأة في المغرب، ثم أتت منه بولد في ستة أشهر، ألحقنا الولد به ولو لم يستطع الاتصال، وكان في ذلك الوقت يصعب الاتصال بين الناس بالمشرق والمغرب. ولهذا بقية بن مخلد سافر من الأندلس في المغرب إلى المشرق في العراق إلى الإمام أحمد خلال سنتين وهو في الطريق، يريد أن يطلب الحديث عنه فلما جاء وجده مفتوناً بخلق القرآن فدق عليه الباب، وقال: إنني جئت لأطلب الحديث، فأخبره أنه مفتون، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أسافر مدة سنتين ومفتون! فأمره بأن يأتيه كل يوم على شكل شحات، يأتي ويملي عليه الحديث أو الحديثين. فالاتصال من المشرق إلى المغرب في ذلك الوقت شبه مستحيل، والمواصلات صعبة ومع ذلك يقول الأحناف: نلحق به الولد؛ حفظاً للأنساب ولجواز أن يكون من أهل الخطوة، يعني: الكرامة، من أنه جاء واستغفل بها، وإلا ما يمكن؛ لأن المدة طويلة يقطعها من المشرق إلى المغرب. لكن الآن المواصلات سهلة، ففي نصف يوم يأتي من المشرق إلى المغرب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقصة هذا الغار أشرف وأجل وأعظم وأعجب من قصة أصحاب الكهف]. أي قصة الغار الذي اختفى فيه النبي ﷺ وأبو بكر لما طلبهم قريش لا شك أنه أشرف وأعلى وأفضل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد قيل: إن قومهم ظفروا بهم ووقفوا على باب الغار الذي دخلوه، فقالوا: ما كنا نريد منهم من العقوبة أكثر مما فعلوا بأنفسهم، فأمر الملك بردم بابه عليهم ليهلكوا مكانهم ففعلوا ذلك، وفي هذا نظر. والله أعلم. فإن الله تعالى قد أخبر أن الشمس تدخل عليهم في الكهف بكرة وعشياً، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف:١٧]. فهذا فيه دليل على أن باب هذا الكهف كان من نحو الشمال؛ لأنه تعالى أخبر أن الشمس إذا دخلته عند طلوعها تزاور عنه ((ذَاتَ الْيَمِينِ)) أي: يتقلص الفيء يمنة كما قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة: ((تَزَاوَرُ)) أي: تميل؛ وذلك أنها كلما ارتفعت في الأفق تقلص شعاعها بارتفاعها حتى لا يبقى منه شيء عند الزوال في مثل ذلك المكان، ولهذا قال: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف:١٧] أي: تدخل إلى غارهم من شمال بابه وهو من ناحية المشرق فدل على صحة ما قلناه، وهذا بين لمن تأمله وكان له علم بمعرفة الهيئة وسير الشمس والقمر والكواكب، وبيانه أنه لو كان باب الغار من ناحية الشرق لما دخل إليه منها شيء عند الغروب، ولو كان من ناحية القبلة لما دخله منها شيء عند الطلوع ولا عند الغروب ولا تزاور الفيء يميناً ولا شمالاً؛ ولو كان من جهة الغرب لما دخلته وقت الطلوع، بل بعد الزوال ولم تزل فيه إلى الغروب فتعين ما ذكرناه ولله الحمد]. وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه على أصحاب الكهف؛ وذلك أنهم لجئوا إلى الله وسألوه أن يلطف بهم وأن يجعل عاقبتهم رشداً، قال تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف:١٠]، فيه اللجوء إلى الله والضراعة إليه عند الملمات والشدائد. فأصحاب الكهف لجئوا إلى الله وتضرعوا إليه، وسألوه أن يلطف بهم ويرحمهم، وأن يجعل عاقبتهم رشداً، فلطف بهم ، وحفظهم من قومهم، وأراحهم وجعلهم آية وعبرة في هذا الكهف، حيث أنامهم هذه المدة الطويلة، ومن فضله وإحسانه إليهم أن جعل باب الغار جهة الشمال حتى لا تحرقهم الشمس، إذ لو كانوا في الشرق أو الغرب لأحرقت الشمس أبدانهم، ولكن لما كانوا جهة الشمال صارت الشمس تزاور عن كهفهم ذات اليمين، وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال. وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه إليهم، حيث حفظ أبدانهم عن الفساد وجعلهم آية، وحفظهم من قومهم لئلا يفتنوهم في دينهم. فكان من نعمة الله تعالى على هؤلاء المؤمنين أن قبل دعاءهم لما فعلوا الأسباب وفروا بدينهم، ولجئوا إلى الله وتضرعوا إليه وسألوه أن يلطف بهم، وأن يجعل عاقبتهم رشداً. فهم فعلوا الأسباب حين فروا بدينهم من قومهم، وبذلوا ما يستطيعون من الأسباب بعد أن دعوا قومهم إلى الله وبينوا ما هم عليه من الشرك والباطل، لذلك فإن الله تعالى حفظهم، وحفظ دينهم وأبدانهم، وجعلهم عبرة وآية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: (تقرضهم) تتركهم، وقد أخبر الله تعالى بذلك وأراد منا فهمه وتدبره، ولم يخبرنا بمكان هذا الكهف في أي البلاد من الأرض، إذ لا فائدة لنا فيه ولا قصد شرعي، وقد تكلف بعض المفسرين فذكروا فيه أقوالاً، فتقدم عن ابن عباس أنه قال: هو قريب من أيلة، وقال ابن إسحاق: هو عند نينوى، وقيل: ببلاد الروم، وقيل: ببلاد البلقاء، والله أعلم بأي بلاد الله هو]. وهذه الأقوال كلها لا دليل عليها، كونه من أيلة، أو بنينوى في العراق، أو بلاد البلقاء، أيضاً كذلك في الشام، أو في بلاد الروم، فكل هذه الأقوال تخمين لا دليل عليها. ولا يترتب على معرفة المكان فائدة، ولو كان يترتب عليه فائدة لبينه الله لنا، إنما الفائدة في قصتهم وما جرى لهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولو كان لنا فيه مصلحة دينية لأرشدنا الله تعالى ورسوله إليه، فقد قال ﷺ : (ما تركت شيئاً يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أعلمتكم به) فأعلمنا تعالى بصفته ولم يعلمنا بمكانه فقال: ﴿وَتَرَى الشَّم

стр. 399

تفسير سورة الكهف [١٨ - ٢١] من أعظم الدلالات على قدرة الله ووحدانيته وإحيائه للموتى وبعثه لمن في القبور ما حكاه سبحانه لنا عن أصحاب الكهف، حيث ناموا بأمر الله ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعاً، ثم بعثهم الله ليكونوا عبرة لمن خلفهم وآية على أن الله يحيي الموتى ويبعث من في القبور.

стр. 400

تفسير قوله تعالى (وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود) قال الله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف:١٨]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر بعض أهل العلم أنهم لما ضرب الله على آذانهم بالنوم لم تنطبق أعينهم لئلا يسرع إليها البلى، فإذا بقيت ظاهرة للهواء كان أبقى لها]. يعني: بقيت أعينهم مفتوحة، وهذا من حفظ الله لهم، ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف:١٨]، فإذا جاء أحد ودخل الغار وجد أعينهم مفتوحة أصابه الرعب وخاف؛ لأنه يرى أنهم أيقاظ بينما هم في الحقيقة نائمون، ولهذا حفظهم الله هذه المدة، فناموا ثلاثمائة سنة بالسنة الشمسية، وثلاثمائة وتسع سنين بالسنة القمرية؛ لأن السنة القمرية تزيد على السنة الشمسية في كل مائة ثلاث سنوات، وفي كل مائتي سنة ست سنوات، وفي كل ثلاثمائة سنة تسع سنوات. ولهذا قال سبحانه: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ [الكهف:٢٥] يعني: بالسنة الشمسية، ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف:٢٥] بالسنة القمرية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذكر بعض أهل العلم أنهم لما ضرب الله على آذانهم بالنوم لم تنطبق أعينهم لئلا يسرع إليها البلى، فإذا بقيت ظاهرة للهواء كان أبقى لها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف:١٨]، وقد ذكر عن الذئب أنه ينام فيطبق عيناً ويفتح عيناً ثم يفتح هذه ويطبق هذه وهو راقد كما قال الشاعر: ينام بإحدى مقلتيه ويتقي بأخرى الرزايا فهو يقظان نائم]. هذا الذئب، وهو معروف بشدة الحذر، إحدى العينين تنام والأخرى مفتوحة، ثم تنام الأخرى وتفتح الثانية. ينام بإحدى مقلتيه قوله: الرزايا في البيت معروف، وقيل: المنايا، ولعله رواية له. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف:١٨] قال بعض السلف: يقلبون في العام مرتين، قال ابن عباس: لو لم يقلبوا لأكلتهم الأرض. وقوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف:١٨] قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة: الوصيد الفناء، وقال ابن عباس: بالباب، وقيل: بالصعيد وهو التراب، والصحيح أنه بالفناء وهو الباب، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ﴾ [الهمزة:٨] أي: مطبقة مغلقة، ويقال: وصيد وأصيد]. يعني: إن الكلب أصابه ما أصابهم من نوم، نام مثلهم في الباب، باسط ذراعيه في باب الغار، فالكلب أصابه ما أصابهم. وهذا من حفظ الله لهم أن جعل أعينهم مفتوحة؛ حتى تأتي عليها الريح، ويقلبون ذات اليمين وذات الشمال حتى لا تأكلهم الأرض. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ربض كلبهم على الباب كما جرت به عادة الكلاب]. فالكلب ربض على الباب وأصابه ما أصابهم. والإيصاد: هو الإغلاق، قال تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ﴾ [الهمزة:٨] يعني: مغلقة مطبقة، والوصيد: الباب، فيغلق عليهم الباب حراسة، فالكلب بسط ذراعيه بالباب؛ فأصابه ما أصابهم، ونام معهم هذه المدة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن جريج: يحرس عليهم الباب، وهذا من سجيته وطبيعته، حيث يربض ببابهم كأنه يحرسهم، وكان جلوسه خارج الباب؛ لأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب -كما ورد في الصحيح- ولا صورة ولا جنب ولا كافر كما ورد به الحديث الحسن]. لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة، ثبت في الحديث أن جبرائيل واعد النبي ﷺ أن يأتي يوماً فتأخر؛ فشق ذلك على النبي ﷺ ، ثم جاء بعد ذلك فقال له النبي ﷺ : (تأخرت، فقال: إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة، وكان في الحجرة ستر فيه تمثال، فقال جبرائيل: مر بالتمثال فيقطع، فيكون قطعتين -ووجد جرواً وهو كلب صغير للحسن - وأمر بجرو الكلب فيخرج؛ فأخرج فدخل جبرائيل). التمثال: صورة في ستر أو خرقة يستر بها الباب؛ فقطعت الصورة وأخرج الجرو فدخل جبرائيل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [شملت كلبهم بركتهم فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال، وهذا فائدة صحبة الأخيار فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن]. هذه فوائد صحبة الأخيار، حيث استفاد الكلب، وهو الآن معروف أنه من أخس الحيوانات، ومع ذلك لما صاحب الأخيار صار له شأن وذكر، فذكر معهم في القرآن وأصابه ما أصابهم، فمصاحبة الأخيار فيها خير، وبين النبي ﷺ أن صحبة الأخيار فيها فائدة عظيمة، حيث قال: (مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحاً طيبة)، يعني: هو مستفيد على كل حال، إما أن يعطيك، وإما أن يبيع عليك، وإما أن يعلق فيك رائحة طيبة، كذلك الجليس الصالح: إما أن يأمرك بالخير، وإما أن ينهاك عن الشر، وإما أن يدعوك إلى الخير ويحضك عليه، فأنت مستفيد. قال ﷺ : (وجليس السوء كنافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً كريهة)، فكذلك جليس السوء إما أن يزهدك من الخير أو يرغبك في الشر، فأنت متضرر على كل حال. فهذا الكلب لما صاحب الأخيار صار له ذكر وأصابه ما أصابهم، كما أن الكلب المعلم لما تعلم صار له ميزة بالعلم، وصار يصيد بالتعليم، وله حكم يختلف عن بقية الكلاب. فأباح النبي ﷺ صيد الكلب المعلم، قال: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل)، وقال تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤]، فالكلاب صار لها شرف بالعلم، فهذا يدل على شرف العلم، حتى الكلاب إذا تعلمت صار لها شرف ومزية على غيرها. جاء في الصحيح: (أن عمر سأل النبي ﷺ أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم إذا توضأ). وهذا لا شك أن فيه رخصة على أن للجنب إذا توضأ له أن ينام، لكن الحديث في السنن، ليس فيه جنب، فيحتاج إلى تأمل في صحته، أما حديث: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة ولا كلب ولا جنب) فهذا صحيح ثابت. أما: (ولا جنب ولا كافر) فيحتاج إلى تأمل ونظر في صحة الحديث. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد قيل: إنه كان كلب صيد لأحدهم وهو الأشبه وقيل: كلب طباخ الملك وقد كان وافقهم على الدين وصحبه كلبه فالله أعلم، وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة همام بن الوليد الدمشقي: سمعت الحسن البصري يقول: كان اسم كبش إبراهيم ﵊ جرير، واسم هدهد سليمان عنقز، واسم كلب أصحاب الكهف، قطمير، واسم عجل بني إسرائيل الذي عبدوه بهموت، وهبط آدم ﵇ بالهند، وحواء بجدة، وإبليس بدست بيسان، والحية بأصفهان، وقد تقدم عن شعيب الجبائي أنه سماه حمران]. والجبائي سماه حمران يعني: كلبهم، وكل هذه من أخبار بني إسرائيل ما عليها دليل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واختلفوا في لونه على أقوال لا حاصل لها، ولا طائل تحتها، ولا دليل عليها، ولا حاجة إليها، بل هي مما ينهى عنه، فإن مستندها رجم بالغيب]. صدق ﵀، ما عليها دليل ولا يترتب عليها شيء. ولا يهمنا اسمه حمران أو غير ذلك، المهم القصة وما فيها من العبرة والفوائد، أما كون الاسم حمران أو غير حمران أو عنقز أو غير ذلك كل هذا من أخبار بني إسرائيل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف:١٨] أي: أنه تعالى ألقى عليهم المهابة بحيث لا يقع نظر أحد عليهم إلا هابهم؛ لما ألبسوا من المهابة والذعر؛ لئلا يدنو منهم أحد، ولا تمسهم يد حتى يبلغ الكتاب أجله وتنقضي رقدتهم التي شاء الله ﵎ فيهم؛ لما له في ذلك من الحكمة والحجة البالغة والرحمة الواسعة]. فمن حفظ الله لهم أنه لا يدنو منهم أحد إلا أصابه الرعب؛ حتى لا يمسهم أحد، وحتى تنتهي الرقدة التي قدر الله أنهم ينامونها لما له في ذلك من الحكمة. وفي هذا دليل على البعث، فهو من أوضح الأدلة على البعث بعد الموت, وكان المشركون ينكرون البعث بعد الموت، فالذي أنامهم هذه المدة الطويلة ثم أحياهم قادر على البعث. فالله أنامهم ثلاثمائة سنة وتسع سنين، وهي مدة طويلة، ولما استيقظوا ظنوا أنه يوم واحد. قال بعضهم: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف:١٩]، قال بعضهم: لبثنا يوماً، وبعضهم قال: نصف يوم؛ لأنهم لما ناموا في أول النهار استقيظوا في آخره فظنوا أنه هذا اليوم الأول وقد مضى عليهم ثلاثمائة سنة وتسع سنين، ولا شك أن هذا من الأدلة على قدرة الله تعالى على البعث، والله تعالى لا يعجزه شيء، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].

стр. 401

تفسير قوله تعالى: (وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم) قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا * إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف:١٩ - ٢٠]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى: كما أرقدناهم بعثناهم صحيحة أبدانهم وأشعارهم وأبشارهم لم يفقدوا من أحوالهم وهيئاتهم شيئاً؛ وذلك بعد ثلاثمائة سنة وتسع سنين، ولهذا تساءلوا بينهم: ((كَمْ لَبِثْتُمْ)) أي: كم رقدتم؟ ((قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ))؛ لأنه كان دخولهم إلى الكهف في أول النهار، واستيقاظهم كان في آخر نهار؛ ولهذا استدركوا فقالوا: ((أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ)) أي: الله أعلم بأمركم، وكأنه حصل لهم نوع تردد في كثرة نومهم فالله أعلم. ثم عدلوا إلى الأهم في أمرهم إذ ذاك وهو احتياجهم إلى الطعام والشراب، فقالوا: ((فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ)) أي: فضتكم هذه؛ وذلك أنهم كانوا قد استصحبوا معهم دراهم من منازلهم لحاجتهم إليها، فتصدقوا منها، وبقي منها، فلهذا قالوا: ((فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ)) أي: مدينتكم التي خرجتم منها والألف واللام للعهد. ((فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا)) أي: أطيب طعاماً؛ كقوله: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور:٢١]، وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى:١٤]، ومنه الزكاة التي تطيب المال وتطهره، وقيل: أكثر طعاماً، ومنه زكا الزرع إذا كثر قال الشاعر: قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة والسبع أزكى من ثلاث وأطيب والصحيح الأول؛ لأن مقصودهم إنما هو الطيب الحلال سواء كان كثيراً أو قليلاً. فأزكى طعاماً في اللفظ، أي: أطيب طعاماً. قال بعضهم: أكثر، والصواب: أن المراد الطعام الطيب الحلال، وليس المراد الكثرة. وهذا من حكمة الله تعالى، فقد أحسوا بالجوع لما استيقظوا، فأرسلوا واحداً منهم يشتري طعاماً حتى يطلع الناس عليهم، ويعلموا خبرهم، فلما ذهب وجد المدينة تغيرت والناس قد تغيروا، وكذلك أيضاً العملة تغيرت، فاستغربوا لما أعطاهم العملة ووقد مضى عليها ثلاثمائة وتسع سنين! فالعملة قد تغيرت، وتغيرت البلاد ومن عليها، وتغير الناس والملوك؛ فظنوا أن ملكهم الأول ما زال باقياً، فخافوا منه. قوله: ((كَمْ لَبِثْتُمْ))؟ قال بعضهم: ((لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ))، فهم يتكلمون فيما بينهم. وفيه: أنه يجب على الإنسان أن يكل العلم إلى الله في الشيء الذي لا يعلمه. وفيه: أن اليقظة بعد النوم تسمى بعثاً، والوفاة بالليل تسمى الموتة الصغرى، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر:٤٢]، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام:٦٠]. فالنوم في الليل وفاة صغرى، واليقظة بعد ذلك حياة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (يتلطف) أي: في خروجه وذهابه، وشرائه وإيابه، يقولون: وليختف كل ما يقدر عليه ((وَلا يُشْعِرَنَّ)) أي: ولا يعلمن ((بِكُمْ أَحَدًا))، ((إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ)) أي: إن علموا بمكانكم ((يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ)) يعنون أصحاب دقيانوس يخافون منهم أن يطلعوا على مكانهم فلا يزالوا يعذبونهم بأنواع العذاب إلى أن يعيدوهم في ملتهم التي هم عليها أو يموتوا، فإن وافقتموهم على العود في الدين فلا فلاح لكم في الدنيا ولا في الآخرة. ولهذا قال: ((وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا))]. يعني: أنهم أرسلوا واحداً منهم ليشتري الطعام، وقالوا: اختف عن الناس، وظنوا أن ملكهم باقٍ، فقالوا: اختف واشتر بخفية وائت لئلا يطلع عليك؛ لأنهم إن اطلعوا علينا وعرفوا مكاننا: إما أن يفتنونا عن ديننا وإما أن يرجمونا، وإذا فتنونا في ديننا ووافقناهم هلكنا أبد الدهر. ولا يلزم من هذا أنهم يؤاخذون بالإكراه يعني: قد يفتنوهم في دينهم من شدة الفتنة يوافقونهم، فقد يكره الإنسان ثم يوافق بعد ذلك. ولهذا قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]، قال العلماء: إلا من فعل الكفر متعمداً فهذا يكفر، ومن فعل الكفر هازلاً يكفر، ومن فعل الكفر خائفاً يكفر، ومن فعل الكفر مكرهاً واطمأن قلبه بالكفر يكفر، ومن فعل الكفر واطمأن قلبه بالإيمان لا يكفر. فإذاً: قد يكره الإنسان ثم بعد ذلك يطمئن قلبه بالكفر والعياذ بالله نسأل الله السلامة والعافية. فهذه خمس حالات أربع حالات منها يكفر فيها، ولا يكفر إذا فعل الكفر مكرهاً وقلبه مطمئن بالإيمان. فهذا هو الاطمئنان، قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦]. فهذه خمس حالات، الإنسان في الحالات الأربع يكفر، وفي الحالة الأخيرة لا يكفر، وهي: ما إذا أكره واطمأن قلبه بالإيمان، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 402

تفسير قوله تعالى: (وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق) قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: أطلعنا عليهم الناس ((لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا)) ذكر غير واحد من السلف أنه كان قد حصل لأهل ذلك الزمان شك في البعث وفي أمر القيامة، وقال عكرمة: كان منهم طائفة قد قالوا تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد فبعث الله أهل الكهف حجة ودلالة وآية على ذلك]. وهذا قول الفلاسفة يقولون: تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد، وهذا كفر وضلال بإجماع المسلمين، فمن قال: إن الجسد لا يبعث فهو كافر بإجماع المسلمين ونص القرآن. قال الله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن:٧] أمر الله نبيه أن يقسم ويحلف على القيامة والساعة في ثلاثة مواضع من كتابه العزيز، هذا الموضع الأول في سورة التغابن. الموضع الثاني في سورة يونس: قال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾ [يونس:٥٣] يعني: البعث بعد الموت، ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس:٥٣] أمره أن يحلف ((قُلْ إِي وَرَبِّي)). الموضع الثالث في سورة سبأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ:٣]. فهذه المواضع الثلاثة أمر الله نبيه فيها أن يقسم على الساعة والبعث. فمن أنكر بعث الأجساد فهو كافر بإجماع المسلمين، والفلاسفة ينكرون البعث، كـ ابن سينا، وبعض الناس يقولون: إنه الفيلسوف الإسلامي، واغتر به بعض الصحفيين والمذيعين فقالوا: الفيلسوف الإسلامي، وهو كافر ملحد أنكر البعث. ويقول عن نفسه كما نقل ابن القيم ﵀ في إغاثة اللهفان: أنا وأبي من دعوة الحاكم العبيدي، والحاكم العبيدي رافضي خبيث لا يؤمن بالله، ولا ملائكته، ولا كتبه، ولا رسله، ولا اليوم الآخر، ولا القدر، نسأل الله السلامة والعافية! وهو الذي حاول أن يقرب الفلسفة من دين الإسلام؛ لأن ابن سينا يسمى المعلم، ولو سميت باسمه المدارس ومستشفيات فهو ملحد، وهو طبيب أيضاً له كتاب: القانون في الطب، لكنه ملحد حاول أن يجمع بين الفلسفة والإسلام، فـ أرسطو وهو المعلم الأول للفلاسفة المتأخرين، ثم أبو نصر الفارابي المعلم الثاني، ثم المعلم الثالث أبو علي ابن سينا حاول أن يقرب الفلسفة من دين الإسلام، لكنه في محاولته الشديدة لم تصل إلى ما وصلت إليه الجهمية الغالية في التجهم، فالجهمية الغالية في التجهم أشد وأصح مذهباً من مذهب ابن سينا. فالفلاسفة ينكرون بعث الأجساد ويقولون: البعث إنما هو للأرواح، والذي فتح لهم الباب الجهم بن صفوان؛ لأن الجهم بن صفوان قال: إن هذه الأجساد إذا بليت لا تبعث، وإنما تبعث أجساد أخرى. فـ الجهم يقول: هذه الأجسام تستحيل تراباً ولا تبعث، وإنما تبعث أجساد أخرى، وهذا من أبطل الباطل؛ لأن معناه: تبعث أجساد أخرى ما عصت الله وتكون في النار والعياذ بالله! وهذا معناه أن يوصف الله تعالى بالظلم. فهذه الأجساد -الذرات- التي استحالت يعيدها الله، فالإنسان يبلى إلا عجب الذنب، وهو آخر فقرة في العمود الفقري، فهذا لا تأكله الأرض وإنما يبقى، فمنه خلق ابن آدم كما في الحديث: (كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق ابن آدم، ومنه يركب) ويعيد الله الذرات التي استحالت تراباً كما أخبر الله سبحانه. قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩] فهو سبحانه عليم بالذرات التي استحالت فيعيدها، حتى ولو استحالت تراباً، ولو أكل الإنسان السباع، وأكلت السباع سباع أخرى، أو أكلته الحوت وأكل الحوت حوت آخر، أو صارت المقبرة في مزرعة وزرعت. فالله تعالى يعيد الذرات التي استحالت خلقاً جديداً، نفس الذوات هي هي! ولكن تبدل الصفات، فينشأ الناس تنشئة قوية يتحملون فيها الوقوف يوم القيامة هذه المدة الطويلة، ويتحملون فيها رؤية الله ، فالصفات هي التي تبدل. وكذلك الأرض قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ والسَّمَوَات﴾ [إبراهيم:٤٨]، تبديل صفات لا تبديل ذوات، وبين الله هذه الحكمة من اطلاع الناس على أهل الكهف: ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها، ليعلموا أن وعد الله حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وكأن أهل ذلك الزمان شكُّوا في البعث وفي القيامة، فأطلع الله عليهم أهل الكهف؛ ليعلموا أن وعد الله حق، وليعلموا صحة البعث، فالذي أنامهم ثلاثمائة سنة وتسع سنين ثم أيقظهم قادر على أن يبعث الإنسان بعد موته. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وذكروا أنه لما أراد أحدهم الخروج ليذهب إلى المدينة في شراء شيء لهم ليأكلوه تنكر وخرج يمشي في غير الجادة حتى انتهى إلى المدينة، وذكروا أن اسمها دقسوس وهو يظن أنه قريب العهد بها، وكان الناس قد تبدلوا قرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل، وأمة بعد أمة، وتغيرت البلاد ومن عليها، كما قال الشاعر: أما الديار فإنها كديارهم وأرى رجال الحي غير رجاله فجعل لا يرى شيئاً من معالم البلد التي يعرفها، ولا يعرف أحداً من أهلها لا خواصها ولا عوامها؛ فجعل يتحير في نفسه ويقول: لعل بي جنوناً أو مساً أو أنا حالم، ويقول: والله ما بي شيء من ذلك، وإن عهدي بهذه البلدة عشية أمس على غير هذه الصفة]. يعني: أنهم دخلوا عند طلوع الشمس واستيقظوا عند غروبها، فظنوا أنه يوم واحد، كيف تغيرت الدار في يوم واحد؟! قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قال: إن تعجيل الخروج من هاهنا لأولى لي، ثم عمد إلى رجل ممن يبيع الطعام فدفع إليه ما معه من النفقة وسأله أن يبيعه بها طعاماً، فلما رآها ذلك الرجل أنكرها وأنكر ضربها، فدفعها إلى جاره وجعلوا يتداولونها بينهم، ويقولون: لعل هذا وجد كنزاً فسألوه عن أمره، وهو من أين له هذه النفقة؟ لعله وجدها من كنز وممن أنت؟! فجعل يقول: أنا من أهل هذه البلدة وعهدي بها عشية أمس وفيها دقيانوس؛ فنسبوه إلى الجنون فحملوه إلى ولي أمرهم، فسأله عن شأنه وخبره حتى أخبرهم بأمره وهو متحير في حاله وما هو فيه، فلما أعلمهم بذلك قاموا معه إلى الكهف -ملك البلد وأهلها- حتى انتهى بهم إلى الكهف فقال لهم: دعوني حتى أتقدمكم في الدخول لأعلم أصحابي، فدخل، فيقال: إنهم لا يدرون كيف ذهب فيه، وأخفى الله عليهم خبرهم، ويقال: بل دخلوا عليهم ورأوهم وسلم عليهم الملك واعتنقهم وكان مسلماً فيما قيل، واسمه يندوسيس؛ ففرحوا به وآنسوه بالكلام، ثم ودعوه وسلموا عليه وعادوا إلى مضاجعهم وتوفاهم الله . فالله أعلم. قال قتادة: غزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمة فمروا بكهف في بلاد الروم فرأوا فيه عظاماً، فقال قائل: هذه عظام أهل الكهف، فقال ابن عباس: لقد بليت عظامهم من أكثر من ثلاثمائة سنة، رواه ابن جرير. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف:٢١] أي: كما أرقدناهم وأيقظناهم بهيئاتهم أطلعنا عليهم أهل ذلك الزمان ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ [الكهف:٢١] أي: في أمر القيامة، فمن مثبت لها ومن منكر، فجعل الله ظهورهم على أصحاب الكهف حجة لهم وعليهم. ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ [الكهف:٢١] أي: سدوا عليهم باب كهفهم، وذروهم على حالهم. ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١]. حكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين: أحدهما: إنهم المسلمون منهم، والثاني: أهل الشرك منهم، فالله أعلم، والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هل هم محمودون أم لا؟ فيه نظر؛ لأن النبي ﷺ قال: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد) يحذر ما فعلوا، وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق أمر أن يخفى عن الناس وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدوها عنده فيها شيء من الملاحم وغيرها] ولا شك أن الذين قالوا: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١] فهو مخطئون سواء كانوا مسلمين أو غير ذلك، فإن قيل: إنهم مسلمون فهم عصاة، وإن قيل: إنهم كفار فلا إشكال، لكن إذا كانوا مسلمين فهم عصاة؛ لأن هذا من وسائل الشرك، فبناء المساجد على القبور والجلوس عندها وكتابة الأسماء عليها، ووضع الزهور والرياحين، وبناء القبب، كل هذه من وسائل الشرك. يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك). فلعل الذين أمروا بأن يتخذ عليهم مسجداً هم أصحاب الكلمة

стр. 403

تفسير سورة الكهف [٢٢ - ٢٦] الأصل في القصص القرآني أن تؤخذ منه العبرة والفائدة، أما الخوص فيما لا فائدة فيه كعدد أصحاب الكهف وأسمائهم واسم كلبهم فليس هذا من العلم الضروري، ولا ينبغي الخوض فيه بلا علم.

стр. 404

تفسير قوله تعالى: (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم) قال الله تعالى: [﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٢]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى مخبراً عن اختلاف الناس في عدة أصحاب الكهف، فحكي ثلاثة أقوال فدل على أنه لا قائل برابع، ولما ضعف القولين الأولين بقوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف:٢٢] أي: قولاً بلا علم كمن يرميه إلى مكان لا يعرفه، فإنه لا يكاد يصيب وإن أصاب فبلا قصد، ثم حكى الثالث وسكت عليه أو قرره بقوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف:٢٢] فدل على صحته وأنه هو الواقع في نفس الأمر. وقوله: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ [الكهف:٢٢] إرشاد إلى أن الأحسن في مثل هذا المقام رد العلم إلى الله تعالى، إذ لا احتياج إلى الخوض في مثل ذلك بلا علم، لكن إذا أطلعنا على أمر قلنا به وإلا وقفنا]. فهذا هو الواجب على المسلم، فالشيء الذي لا يعرفه يكل علمه إلى الله، وإذا أطلعه الله على شيء قال به وإلا فيتوقف ويقول: الله أعلم. وكذلك ثبت عن ابن مسعود ﵁ أنه أنكر على أناس يتكلمون، وقال: الناس يتكلمون بغير علم؛ من سئل عن شيء لا يعلمه، فليقل: الله أعلم، فإن الله قال لنبيه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦]. وكان الصحابة في حياة النبي ﷺ إذا سئلوا أو سألهم قالوا: الله ورسوله أعلم؛ لأنه ينزل عليه الوحي حال حياته وأما بعد موته ﵊ فيقال: الله أعلم. بين الله أن الناس اختلفوا في عدة أصحاب الكهف على ثلاثة أقوال: قيل: ثلاثة والرابع الكلب. وقيل: خمسة والسادس الكلب. وقيل: سبعة والثامن الكلب. أما القولان الأولان: فبين الله بطلانها في قوله ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف:٢٢]، يعني: قول لا دليل عليه، كالرامي الذي يرمي بغير قصد فلا يصيب، وإن أصاب فتكون رمية من غير رام، وأما الثالث فسكت عنه، ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف:٢٢]. فبين أن الأمثل والأحسن في مثل هذا أن يوكل العلم إلى الله، ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [الكهف:٢٢]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [الكهف:٢٢] أي: من الناس. قال قتادة: قال ابن عباس: أنا من القليل الذي استثنى الله كانوا سبعة، وكذا روى ابن جرير عن عطاء الخراساني عنه أنه كان يقول: أنا ممن استثنى الله ، ويقول عدتهم سبعة. وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [الكهف:٢٢] قال: أنا من القليل كانوا سبعة، فهذه أسانيد إلى ابن عباس أنهم كانوا سبعة، وهو موافق لما قدمناه. وقال محمد بن إسحاق بن يسار عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد قال: لقد حدثت أنه كان على بعضهم من حداثة سنه وضح الورق. قال ابن عباس: فكانوا كذلك ليلهم ونهارهم في عبادة الله يبكون ويستغيثون بالله وكانوا ثمانية نفر مكسلمينا، وكان أكبرهم، وهو الذي كلم الملك عنهم، ويمليخا ومرطونس وكسطونس وبيرونس ودنيموس ويطبونس وقالوش]. وهذه كلها أسماء أعجمية ولا دليل على صحتها، وكلها من أخبار بني إسرائيل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [هكذا وقع في هذه الرواية، ويحتمل أن هذا من كلام ابن إسحاق ومن بينه وبينه، فإن الصحيح عن ابن عباس أنهم كانوا سبعة وهو ظاهر الآية، وقد تقدم عن شعيب الجبائي أن اسم كلبهم حمران، وفي تسميتهم بهذه الأسماء، واسم كلبهم نظر في صحته والله أعلم، فإن غالب ذلك متلقى من أهل الكتاب وقد قال تعالى: ﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف:٢٢] أي: سهلاً هيناً فإن الأمر في معرفة ذلك لا يترتب عليه كبير فائدة. ﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٢] أي: فإنهم لا علم لهم بذلك إلا ما يقولونه من تلقاء أنفسهم رجماً بالغيب أي: من غير استناد إلى كلام معصوم، وقد جاءك الله يا محمد بالحق الذي لا شك فيه ولا مرية فيه، فهو المقدم الحاكم على كل ما تقدمه من الكتب والأقوال]. ولا شك أن هذه الأقوال في أسمائهم لا دليل عليها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٢]، لا تجادل فيهم ولا تستفت منهم أحداً، فإنهم ليس عندهم دليل إلا ما يقولون من تلقاء أنفسهم، والله تعالى جاء نبيه بالحق الواضح الذي لا مرية فيه.

стр. 405

تفسير قوله تعالى: (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً) قال الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [هذا إرشاد من الله تعالى لرسوله ﷺ إلى الأدب فيما إذا عزم على شيء ليفعله في المستقبل أن يرد ذلك إلى مشيئة الله علام الغيوب الذي يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (قال سليمان بن داود ﵉: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة -وفي رواية-: تسعين امرأة، وفي رواية: -مائة امرأة- تلد كل امرأة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقيل له -وفي رواية: قال له الملك-: قل إن شاء الله، فلم يقل فطاف بهن فلم يلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان، فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركاً لحاجته، وفي رواية: ولقاتلوا في سبيل الله فرساناً أجمعين). وقد تقدم في أول السورة ذكر سبب نزول هذه الآية في قول النبي ﷺ لما سئل عن قصة أصحاب الكهف: (غداً أجيبكم) فتأخر الوحي خمسة عشر يوماً]. فهذه الآية فيها إرشاد من الله لنبيه ﷺ -وهو إرشاد لأمته- ألا يقول لشيء إنه سيفعله في المستقبل إلا أن يشاء الله، فيقيد ذلك بمشيئة الله، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤]. فإذا أراد الإنسان أن يفعل شيئاً أو يقول شيئاً، فإنه يقول: إن شاء الله. فهذا تقييد بمشيئة الله؛ لأن الله هو الذي بيده الأمر، وهو علام الغيوب، وهو يعلم ما كان في الماضي ويعلم ما يكون في المستقبل، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون. فإن الله سبحانه أخبر أنه يعلم الشيء الذي لا يكون، قال عن المنافقين: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة:٤٧]، فأخبر ماذا سيعملون لو خرجوا؟! وهم ما خرجوا. ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٦ - ٤٧]. فأخبر عن حالهم لو خرجوا، ماذا سيعملون؟! ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣]. وقال سبحانه عن أهل النار لما طلبوا الإعادة والرجعة إلى الدنيا: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨]. فهذا من علمه سبحانه بما لم يكن لو كان كيف يكون. وفي قصة سليمان ﵊ أنه ترك التقييد بالمشيئة، فلم يقل: إن شاء الله، بل قال: (لأطوفن الليلة على سبعين امرأة -وفي رواية-: تسعين امرأة تلد كل واحدة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله). وهذا من عنايته واهتمامه بالجهاد ﵊، وفيه دليل على أن الأنبياء أعطاهم الله القوة على جماع تسعين امرأة في ليلة، فهذا شيء عظيم! ونبينا ﷺ طاف على نسائه في حجة الوداع في وقت واحد ﵊، وجاء أيضاً في الحديث في المدينة أنه طاف على نسائه بغسل واحد ﵊. فالأنبياء أعطاهم الله قوة، فمثل هذا لا يستطيع أحد من البشر أن يطوف على تسعين امرأة في ليلة واحدة. وفيه دليل على أن شريعة بني إسرائيل فيها توسع في النساء، ثم قصر الله هذه الأمة على أربع نسوة، كذلك داود ﵊ كان عنده عدد كثير من النساء، واليهود يعيبون على المسلمين الآن التعدد، والنصارى يعيبون على المسلمين التعدد إلى أربع نسوة، ويرون الاقتصار على واحدة، وهم في شريعتهم -شريعة بني إسرائيل- يجوز فيها التعدد الكثير، وهذا من ظلمهم وجهلهم! فالمقصود: أن هذه الآية فيها إرشاد من الله لنبيه وللأمة أن يقيدوا أقوالهم وأفعالهم بالمشيئة، وأن يوكلوا الأمر إلى الله ، قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤]، ولكن سليمان ﵊ لما قال: إنه سيطوف على تسعين امرأة تلد كل واحدة منهن غلاماً، لم يقل: إن شاء الله، وفي لفظ: أنه نسي، وفي لفظ: أنه قال له صاحبه: قل إن شاء الله؟ فلم يقل، فطاف عليهن، ولم تلد إلا واحدة منهن شق إنسان أي: نصف إنسان، فقال النبي ﷺ : (والذي نفسي بيده لو قال: إن شاء الله لم يحنث، وكان دركاً لحاجته، ولقاتلوا في سبيل الله فرساناً أجمعين). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد تقدم في أول السورة ذكر سبب نزول هذه الآية في قول النبي ﷺ لما سئل عن قصة أصحاب الكهف (غداً أجيبكم) فتأخر الوحي خمسة عشر يوماً. وقد ذكرناه بطوله في أول السورة فأغنى عن إعادته]. وهذا موجود هذا في أول سورة الكهف لما ذهب كفار قريش وسألوا النبي ﷺ بأمر من اليهود عن ثلاث: عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح فقال: (أخبركم غداً عما سألتم عنه) ولم يستثن، فانصرفوا عنه، فمكث رسول ﷺ خمس عشرة ليلة، ثم نزل عليه الوحي فأخبره. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٤] قيل معناه: إذا نسيت الاستثناء فاستثن عند ذكرك له، قاله أبو العالية والحسن البصري، وقال هشيم عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس في الرجل يحلف قال: له أن يستثني ولو إلى سنة، وكان يقول: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٤]، في ذلك قيل للأعمش: سمعته عن مجاهد؟ فقال: حدثني به ليث بن أبي سليم يرى ذهب كسائي هذا]. قوله: (وقال هشيم عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس في الرجل يحلف له، قال: له أن تستثني ولو إلى سنة، وكان يقول: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٤]). هذا قول ضعيف، فالاستثناء لابد يكون متصلاً بالمستثنى منه، فإذا قال: والله لا أكلم زيداً غداً إن شاء الله، فإذا لم يكلمه لم يحنث، لكن إذا قام من مجلسه ثم أراد أن يستثني لا ينفع هذا، فالصواب: أنه لابد أن يكون الاستثناء متصلاً بالمستثنى منه، أما كونه يستثني بعد سنة على هذه الرواية عن ابن عباس إن صحت، كأن يحلف ألا يدخل بيت فلان، فإذا مرت سنة قال: إن شاء الله! فلن يحنث أحد أبداً، وكل من أراد ألا يحنث قال: إن شاء الله. وهذا قول ضعيف، ومردود؛ لأنه يلزم من هذا ألا يحنث أحد في يمين. فالصواب: أنه لابد أن يكون المستثنى متصلاً بالمستثنى منه، فإذا قال: والله لا أكلم زيداً غداً، ثم قال: إن شاء الله لا يحنث، لكن لابد أن يكون متصلاً. أما إذا قال: والله لا أكلم زيداً، ثم قام من مجلسه، وبعد ساعة أو ساعتين استثنى فلا يفيده هذا الاستثناء. قوله: (قيل للأعمش: سمعته عن مجاهد؟ قال: حدثني به ليث بن أبي سليم يرى ذهب كسائي هذا). يعني: ذهب الكسائي إلى هذا القول. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ورواه الطبراني من حديث أبي معاوية عن الأعمش به، ومعنى قول ابن عباس أنه يستثني ولو بعد سنة أي: إذا نسي أن يقول في حلفه أو كلامه: إن شاء لله، وذكر ولو بعد سنة، فالسنة له أن يقول ذلك؛ ليكون آتياً بسنة الاستثناء حتى ولو كان بعد الحنث]. ولو استثنى لكن ما يفيده في كونه لا يحنث لكن يقول: إن شاء الله، تطبيقاً للسنة ومن باب التبرك، وإذا حنث لابد أن يكفر عن يمينه، إلا إذا كان الاستثناء متصلاً بالمستثنى منه. فإذا قال: والله لا آكل طعام فلان إن شاء الله، ثم أكل لا يحنث، لكن إذا تأخر الاستثناء وانقطع الكلام أو قام من مجلسه ثم استثنى يحنث في يمينه، ولا يفيده في عدم الحنث. قال المؤلف ﵀: [حتى ولو كان بعد الحنث قاله ابن جرير ﵀ ونص على ذلك، لا أن يكون ذلك رافعاً لحنث اليمين]. وهذا هو الصواب فهو لا يرفع اليمين، ولكنه من باب التبرك باسم الله وفعل السنة ولا يرفع حنث اليمين إلا إذا كان متصلاً بالكلام. قال المؤلف ﵀: [لا أن يكون ذلك رافعاً لحنث اليمين ومسقطاً للكفارة، وهذا الذي قاله ابن جرير ﵀ هو الصحيح وهو الأليق بحمل كلام ابن عباس عليه والله أعلم. وقال عكرمة: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٤] إذا غضبت وهذا تفسير باللازم. وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني حدثنا سعيد بن سليمان عن عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن يعلى بن مسلم عن جابر بن زيد عن ابن عباس: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا

стр. 406

بيان أن ذكر الله يطرد الشيطان قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويحتمل في الآية وجه آخر وهو: أن يكون الله تعالى قد أرشد من نسي الشيء في كلامه إلى ذكر الله تعالى؛ لأن النسيان منشؤه من الشيطان، كما قال فتى موسى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف:٦٣] وذكر الله تعالى يطرد الشيطان، فإذا ذهب الشيطان ذهب النسيان، فذكر الله تعالى سبب للتذكر، ولهذا قال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٤]]. فذكر الله تعالى سبب للتذكر، أو فذكر الله تعالى سبب للذُكر، والذُّكر ضد النسيان. أما الذكر: الأذكار المعروفة. هذا المعنى له وجه كما قال الحافظ ﵀ يعني: إذا نسيت أن تذكر الله؛ لأن النسيان من الشيطان، وذكر الله يطرد الشيطان وإذا طرد الشيطان تذكرت ما نسيته قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٤]، يعني: إذا نسيت شيئاً اذكر الله؛ لأن الذي أنساك هو الشيطان، وذكر الله يطرد الشيطان، وإذا ذهب الشيطان تذكرت حاجتك، وهذا فهم جيد من الآية. قال المؤلف ﵀: [وقوله: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف:٢٤]، أي: إذا سئلت عن شيء لا تعلمه فاسأل الله فيه وتوجه إليه في أن يوفقك للصواب والرشد في ذلك، وقيل في تفسيره غير ذلك والله أعلم]. يعني: إذا لم يعلم الإنسان شيئاً فليتوجه إلى الله ويسأله الرشد في هذا الأمر حتى يوفقه ويعلمه.

стр. 407

تفسير قوله تعالى: (ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين) قال الله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا * قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٥ - ٢٦]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [هذا خبر من الله تعالى لرسوله ﷺ بمقدار ما لبث أصحاب الكهف في كهفهم منذ أرقدهم إلى أن بعثهم الله وأعثر عليهم أهل ذلك الزمان, وأنه كان مقداره ثلاثمائة سنة تزيد تسع سنين بالهلالية وهي ثلاثمائة سنة بالشمسية، فإن تفاوت ما بين كل مائة سنة بالقمرية إلى الشمسية ثلاث سنين فلهذا قال بعد الثلاثمائة: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف:٢٥]]. لأن الفرق بين السنة القمرية والشمسية عشرة أيام تقريباً، فالسنة الشمسية ثلاثمائة وستون يوماً تقريباً، وهي الأصل، ولكن السنة القمرية تنقص في الأشهر، ففي الغالب أن ستة أشهر منها تكون تسعة وعشرين يوماً، وستة أشهر تكون ثلاثين. قال المؤلف ﵀: [وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [الكهف:٢٦] أي: إذا سئلت عن لبثهم وليس عندك علم في ذلك, وتوقيف من الله تعالى فلا تتقدم فيه بشيء، بل قل في مثل هذا: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الكهف:٢٦] أي: لا يعلم ذلك إلا هو ومن أطلعه عليه من خلقه وهذا الذي قلناه عليه غير واحد من علماء التفسير كـ مجاهد وغير واحد من السلف والخلف. وقال قتادة في قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ [الكهف:٢٥]، الآية، هذا قول أهل الكتاب وقد رده الله تعالى بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [الكهف:٢٦] قال: وفي قراءة عبد الله: (وقالوا: وَلَبِثُوا) يعني: أنه قاله الناس]. وقراءة عبد الله بن مسعود هذه قراءة شاذة كما قال الحافظ: والقول الأول، وهو أن هذا خبر من الله عن مدة لبثهم، وأنهم لبثوا ثلاثمائة سنين بالسنة الشمسية، وازدادوا تسعاً بالسنة القمرية. قال المؤلف ﵀: [وهكذا قال قتادة ومطرف بن عبد الله، وفي هذا الذي زعمه قتادة نظر فإن الذي بأيدي أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة من غير تسع يعنون: بالشمسيةولو كان الله قد حكا قولهم لما قال: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف:٢٥] والظاهر من الآية إنما هو إخبار من الله، لا حكاية عنهم وهذا اختيار ابن جرير ﵀، ورواية قتادة قراءة ابن مسعود منقطعة ثم هي شاذة بالنسبة إلى قراءة الجمهور فلا يحتج بها والله أعلم]. أي: أن قراءة عبد الله بن مسعود شاذة ومنقطعة ولم يتصل سندها فلا يعول عليها. والصواب: أن هذا خبر من الله وليس من كلام أهل الكتاب، فتكون الآية فيها قولان: القول الأول: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ [الكهف:٢٥]، أن هذا خبر من الله أخبرناه: كيف لبثوا في نومهم ثلاثمائة سنة بالسنة الشمسية، وازدادوا تسعاً بالسنة القمرية. والقول الثاني: أن هذا من قول أهل الكتاب، واحتجوا بقراءة عبد الله بن مسعود: (وقالوا وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ) ولكن هذه القراءة شاذة ومخالفة لقراءة الجمهور، وأيضاً منقطعة؛ فإن قتادة لم يسمع من ابن مسعود.

стр. 408

إشكال وجوابه وأما قول النبي ﷺ : (من أحب أن يسمع هذا القرآن غضاً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد). يعني: في غير الشيء الذي يجتهد فيه، والقرآن متواتر، وهذا شاذ، لم يثبت عن ابن مسعود، ولو ثبت فيحمل على أنه تفسير واجتهاد منه. وسند هذه القراءة منقطع.

стр. 409

معنى قول الله تعالى: (أبصر به وأسمع) قال المؤلف ﵀: [وقوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ [الكهف:٢٦]، أي: إنه لبصير بهم سميع لهم. قال ابن جرير: وذلك في معنى المبالغة في المدح، كأنه قيل: ما أبصره وأسمعه. وتأويل الكلام: ما أبصر الله لكل موجود وأسمعه لكل مسموع، لا يخفى عليه من ذلك شيء. ثم روي عن قتادة في قوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ [الكهف:٢٦] فلا أحد أبصر من الله ولا أسمع. وقال ابن زيد: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ [الكهف:٢٦]، يرى أعمالهم ويسمع ذلك منهم سميعاً بصيراً].

стр. 410

إثبات صفتي السمع والبصر لله وفيه إثبات السمع والبصر لله ، وأنه لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد, بل يسمع أصواتهم، ولا يخفى عليه شيء من أعمالهم، ويرى حركاتهم من فوق عرشه، وهو سبحانه فوق العرش. فيرى البعوضة وهي أصغر المخلوقات في سواد الليل، ويرى مخ ساقها ، ولا يخفى عليه شيء، ويسمع الأصوات الخفية.

стр. 411

سبب نزول قوله تعالى (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) وقد ثبت في سبب نزول قول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١]، أن المجادلة وهي خولة بنت حكيم جاءت تشكي إلى النبي ﷺ لما ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت وقال: إنها عليه كظهر أمه. وجاءت تجادل النبي ﷺ وتقول: يا رسول الله! إنه ظاهر مني، وإني أشكو إلى الله صبية إن ضممتهم إلي جاعوا وإن ضممتهم إليه ضاعوا، فقال لها النبي: (ما أراك إلا قد حرمت عليه) وجعلت تكرر ذلك وتقول: أشكو إلى الله صبية إن ضممتهم إلي جاعوا وإن ضممتهم إليه ضاعوا إنه تزوجني وأنا شابة، حتى إذا نثر بطني وأكل مالي جعلني كظهر أمه فهل تجد لي شيئاً أو كما قالت فقال النبي: (ما أراك إلا حرمت عليه)، وكانت قد جاءت تشتكي إلى الله, وتقول: أشكو إلى الله فأنزل الله هذه الآية: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة:١] فجاء الفرج. قالت عائشة ﵂: سبحان من وسع سمعه الأصوات، فقد جاءت المجادلة وهي تتكلم مع النبي ﷺ وإنه يخفى علي بعض كلامها، وقد سمع الله ذلك من فوق سبع سماوات وأنزل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١] ثم جاء الفرج بالكفارة، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة:٣] فكفر ثم رجعت إليه زوجته.

стр. 412

بيان تفرد الله في حكمه قال المؤلف ﵀: [وقوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٦]. أي: أنه تعالى هو الذي له الخلق والأمر, الذي لا معقب لحكمه وليس له وزير ولا نصير ولا شريك ولا مشير، تعالى وتقدس].

стр. 413

أقسام الحكم قوله تعالى: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٦] , يشمل الحكم الكوني القدري, والحكم الشرعي الديني فإنه الحاكم في خلقه قضاء وقدراً وخلقاً وتدبيراً. والحكم الكوني القدري هو: ما يجري على الإنسان من التقديرات من المصائب والمسرات وغيرهما، فلا أحد يشاركه فيها ولا أحد يمنعه فمثلاً: إذا حكم الله على أحد بالموت فلا أحد يمنعه، وكذلك إذا أعطى الله أحداً نعمة فلا أحد يستطيع منعها عنه وإذا أراد الله بأحد ضراً فلا أحد يستطيع دفعه، قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٢]. وحكمه الشرعي هو: شريعته التي أنزلها ليحكم بها بين عبادة في الدنيا، وحكمه الجزائي يكون يوم القيامة فيجازي العباد بأعمالهم إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. فليس له شريك لا في حكمه الكوني القدري, ولا في حكمه الشرعي, ولا في حكمه الجزائي يوم القيامة. إذاً: فحكم الله ثلاثة أنواع: حكم كوني، وهو الذي يقدره الله على العباد من سقم ومرض وغنى وصحة وموت وحياة، وهذه الأحكام الكونية القدرية لا أحد يستطيع أن يمنعها، أو أن يشارك الله فيها. والثاني: الحكم الشرعي، وهو شريعة الله التي أنزلها ليُحكم بها بين عباده، وهي كتاب الله وسنة رسوله. وحكم الله الشرعي لا يشاركه أحد فيه. والثالث: الحكم الجزائي، ويكون يوم القيامة، عندما يجازي الله عباده، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، ولا أحد يشاركه في ذلك . قال ابن عاشور في التحرير والتنوير: (في قول الله : ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف:٢٣]، وقد جمعت هذه الآية كرامة للنبي ﷺ من ثلاث جهات: الأولى: أنه أجاب على سؤاله، فبين لهم ما سألوه إياه على خلاف عادته في مكابريه. والثانية: أنه علمه علماً عظيماً من أدب النبوة. والثالثة: أنه ما علمه ذلك إلا بعد أن أجاب على سؤاله، استئلافاً لنفسه أن لا يبادره بالنهي عن ذلك قبل أن يجيبه؛ كي لا يتوهم أن النهي يقتضي الإعراض عن إجابة سؤاله، وكذلك شأن تأديب الحبيب المكرم ومثلهما في الصحيح: أن حكيم بن حزام قال: (سألت رسول الله ﷺ فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم سألته فأعطاني، ثم قال: يا حكيم! إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع واليد العليا خير من اليد السفلى)، إلى آخر الحديث. وأما في قول الله : ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ﴾ [الكهف:٢٦]، إلى آخر الآية. قوله: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٦]، قال: هو رد على زعمهم بأن الله اتخذ آلهتهم شركاء له في ملكه). والمعروف عن كفار قريش أنهم لم يزعموا أن آلهتهم شريكة لله في الملك وإنما كانوا يعبدونها ويزعمون أنها تشفع لهم عند الله, وأنها تقربهم إلى الله زلفى، ولم يعتقدوا أنها تشارك الله في ملكه كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، يعني: قائلين. وقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨]. وفي هذه الآية: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٦]، دليل على: أن الله تعالى ليس له شريك في حكمه، لا في حكمه الكوني القدري, ولا في حكمه الشرعي, ولا في حكمه الجزائي.

стр. 414

تفسير سورة الكهف [٢٧ - ٣١] يدعو الله سبحانه نبيه ﷺ -وهو خطاب لجميع أمته- أن يصبر نفسه مع المؤمنين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي. ثم يخبر الله تعالى عن حال الكافرين في النار وما أعد لهم من العذاب الأليم، ويثني بذكر ما أعد للمتقين من نعيم مقيم في جنة عرضها السماوات والأرض.

стр. 415

تفسير قوله تعالى: (واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك) قال الله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٧ - ٢٨]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى آمراً رسوله ﷺ بتلاوة كتابه العزيز وإبلاغه إلى الناس: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف:٢٧]، أي: لا مغير لها ولا محرف ولا مزيل. وقوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف:٢٧]، عن مجاهد: ﴿مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف:٢٧] قال: ملجئاً. وعن قتادة: ولياً ولا مولى. قال ابن جرير: يقول: إن أنت يا محمد لم تتل ما أوحي إليك من كتاب ربك فإنه لا ملجأ لك من الله كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص:٨٥] أي: سائلك عما فرض عليك من إبلاغ الرسالة. وقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨] أي: اجلس مع الذين يذكرون الله ويهللونه ويحمدونه ويسبحونه ويكبرونه ويسألونه بكرة وعشياً من عباد الله, سواء كانوا فقراء أو أغنياء أو أقوياء أو ضعفاء].

стр. 416

سبب نزول قوله تعالى: (واصبر نفسك) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقال: إنها نزلت في أشراف قريش حين طلبوا من النبي ﷺ أن يجلس معهم وحده ولا يجالسهم بضعفاء أصحابه كـ بلال وعمار وصهيب وخباب وابن مسعود وليخرج أولئك بمجلس على حدة، فنهاه الله عن ذلك، فقال: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام:٥٢] الآية، وأمره أن يصبر نفسه في الجلوس مع هؤلاء، فقال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف:٢٨]، الآية، قال مسلم في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي عن إسرائيل عن المقدام بن شريح عن أبيه عن سعد - هو ابن أبي وقاص - قال: (كنا مع النبي ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان نسيت اسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه فأنزل الله : ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام:٥٢]). انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري].

стр. 417

بيان تطبيق الرسول العملي لقوله تعالى: (واصبر نفسك) قال المؤلف ﵀: [وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي التياح قال: سمعت أبا الجعد يحدث عن أبي أمامة قال: (خرج رسول الله ﷺ على قاص يقص فأمسك، فقال رسول الله ﷺ : قص، فلأن أقعد غدوة إلى أن تشرق الشمس أحب إلي من أعتق أربع رقاب). وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا هاشم حدثنا شعبة عن عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت كردوس بن قيس - وكان قاص العامة بالكوفة]. يعني واعظاً يعظ. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكان قاص العامة بالكوفة يقول: أخبرني رجل من أصحاب بدر أنه سمع النبي ﷺ يقول: (لأن أقعد في مثل هذا المجلس أحب إلي من أعتق أربع رقاب)]. يعني في مجلس الوعظ. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال شعبة: فقلت: أي مجلس؟ قال: كان قاصاً. وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا محمد حدثنا يزيد بن أبان عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (لأن أجالس قوماً يذكرون الله من صلاة الغداة إلى طلوع الشمس أحب إلي مما طلعت عليه الشمس، ولأن أذكر الله من صلاة العصر إلى غروب الشمس أحب إلي من أن أعتق ثمانية من ولد إسماعيل دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفاً) فحسبنا دياتهم ونحن في مجلس أنس فبلغت ستة وتسعين ألفاً وهاهنا من يقول: أربعة من ولد إسماعيل، والله ما قال إلا (ثمانية، دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفاً). وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا عمرو بن ثابت عن علي بن الأقمر عن الأغر أبي مسلم - وهو الكوفي - (أن رسول الله ﷺ مر برجل يقرأ سورة الكهف، فلما رأى النبي ﷺ سكت، فقال رسول الله ﷺ : هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم)]. يعني: هذا كله في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨] أي: الذين يدعون الله ويذكرونه فقد أمر النبي ﷺ بأن يصبر نفسه معهم وإذا كان هذا في الذين يدعون الله ويذكرونه فمجالس العلم أولى وأفضل، ومجالس الذكرهي: التي يُذكر الله فيها ويسبح ويُهلل ومجالس العلم هي: التي يُقرأ فيها القرآن، ويقرأ فيها العلم ويدرس، ويتعلم فيها الأحكام والحلال والحرام. فهذا من أفضل المجالس فينبغي للإنسان أن يصبر نفسه فيها وأن يحرص على مجالس الذكر. وقد ثبت في صحيح البخاري في كتاب العلم: (أن النبي ﷺ كان يحدث أصحابه في حلق -والرسول ﵊ هو أول من جعل حلقاً للعلم- فجاء ثلاثة نفر، فأما أحدهم فوجد فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلف الحلقة، وأما الثالث فأدبر ذاهباً فلما قضى النبي ﷺ حديثه قال: ألا أنبئكم بخبر الثلاثة؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: أما الأول فأوى فآواه الله، وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه). فلا ينبغي للإنسان أن يكون معرضاً عن حلقات العلم، وعن أن يتعلم فيها الحلال والحرام والأحكام، من الواجب والمحرم والمندوب والمكروه والمباح ومن أن يسمع إلى قال الله وقال رسوله، ويصلي على نبيه ﷺ . فحلق الذكر ومجالسه والحلقات والدروس العلمية تدخل دخولاً أولياً في قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨]. وتعلم العلم أفضل من الذكر المجرد، وأفضل من أن يجلس الإنسان يذكر الله وحده أو يقرأ القرآن وحده إلا إذا تدبر وتأمل فيه؛ لأن هذا ذكر خاص، وهذا نفعه متعدٍ؛ لأن تعلم العلم أفضل العبادات ولهذا قال الإمام أحمد: تعلم العلم لا يعدله شيء. وقال العلماء: إن تعلم العلم أفضل من نوافل العبادة، فهو أفضل من نوافل الصلاة، ومن نوافل الصيام وغيرهما؛ لأن نوافل الصلاة ونوافل الصيام نفعها قاصر على الشخص, وأما تعلم العلم فنفعه متعد للغير. والذكر الجماعي ليس له أصل، ولا دليل عليه؛ وإنما كان كل أحد يذكر الله وحده.

стр. 418

الأمر بصحبة الأخيار والآية فيها: الأمر بصحبة الأخيار, ومجاهدة النفس على صحبتهم ومخالطتهم وإن كانوا فقراء, فإن في صحبتهم من الفوائد مالا يحصى، لأن الجليس الصالح يرغبك في الخير ويحثك عليه ويزهدك في الشر، أما الجليس السوء فإنه يزهدك في الخير ويرغبك في الشر, ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحاً طيبة). يعني: أنك مستفيد منه على كل حال فهو إما أن يرغبك في الخير ويدعوك إليه، أو يزهدك في الشر. قال ﷺ : (ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحاً كريهة) أي: أنك متضرر على كل حال من جليس السوء. فهو يحسن لك الشر ويزهدك في الخير فأنت متضرر منه على كل حال، ولا شك أن مصاحبة الأخيار ولو كانوا فقراء ولزومهم فيها فوائد عظيمة. وجملة: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨]، في موضع الحال ومن قال: إن وجه الله هنا مجاز، وهو كناية على إقباله على العبد كـ الأشعري فقوله غلط فإن الآية فيها: إثبات الوجه لله وهي مثل قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧] فيها إثبات الوجه وإثبات الذات جميعاً، والصواب: أنه ليس في القرآن مجاز ولا في السنة. فإن المجاز لم يعرف إلا بعد الأئمة الأربعة، وحتى الأئمة الأربعة لم يتكلموا في المجاز ولم يكن العرب يعرفون المجاز، ولم يعرفه الصحابة، ولا الأئمة الأربعة وإنما تعلق المتأخرون بكلمة قالها الإمام أحمد، عندما قال: المجاز عن كذا. وهو لا يريد بها المجاز، وإنمان يريد بها جواز الشيء، والمقصود: أن لله وجهاً حقيقياً والذين أولوه هم الأشاعرة وغيرهم من أهل الكلام. فالآية فيها إثبات الوجه والذات جميعاً كما قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن:٢٧] والذين ينكرون الصفات أو يتأولونها يقولون: ويبقى ذاته. وقصدهم من ذلك إنكار الوجه ونفيه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [هكذا رواه أبو أحمد عن عمرو بن ثابت عن علي بن الأقمر عن الأغر مرسلاً, وحدثنا يحيى بن المعلى عن منصور حدثنا محمد بن الصلت حدثنا عمرو بن ثابت عن علي بن الأقمر عن الأغر أبي مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا (جاء رسول الله ورجل يقرأ سورة الحجر أو سورة الكهف فسكت، فقال رسول الله ﷺ : هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم). وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر حدثنا ميمون المرئي حدثنا ميمون بن سياه عن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله لا يريدون بذلك إلا وجهه, إلا ناداهم مناد من السماء: أن قوموا مغفوراً لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات). تفرد به أحمد ﵀]. والحديث الأول الذي فيه الرجل الذي يقرأ وقال فيه رسول الله ﷺ : (أمرت أن أصبر نفسي مع هذا)، دليل على: أن حلق الذكر والحلق العلمية تدخل في هذه الآية دخولاً أولياً؛ لأن القرآن هو منبع العلوم وأصلها. والذكر هنا عام يشمل: ذكر المصلي والصائم وقارئ القرآن ومتعلم العلم ومعلمه وهكذا. والذكر في المسجد أفضل؛ لحديث: (إن لله ملائكة سياحين يتتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوها قالوا: هذه طلبتكم). فلا شك في أن المساجد أفضل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الطبراني: حدثنا إسماعيل بن الحسن حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب عن أسامة بن زيد عن أبي حازم عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف قال: (نزلت على رسول الله ﷺ وهو في بعض أبياته: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف:٢٨]، الآية. فخرج يلتمسهم فوجد قوماً يذكرون الله, منهم ثائر الرأس وجاف الجلد وذو الثوب الواحد، فلما رآهم جلس معهم وقال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني الله أن أصبر نفسي معهم). عبد الرحمن هذا ذكره أبو بكر بن أبي داود في الصحابة، وأما أبوه فمن سادات الصحابة ﵃]. قال في الحاشية: [وتعقبه ابن الأثير بقوله: ولا يصح. وإنما الصحبة لأبيه ولأخيه أبي أمامة، وله رؤية]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٢٨]، قال ابن عباس: ولا تجاوزهم إلى غيرهم، يعني: تطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة. ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف:٢٨] أي: شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]، أي: أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع ولا تكن مطيعاً له ولا محباً لطريقته ولا تغبطه بما هو فيه، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٣١] ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الكهف:٢٩]]. وهذا إرشاد للنبي ﷺ وهو إرشاد لأمته في أنه ينبغي للإنسان أن يصحب الأخيار ويصاحبهم ويجالسهم ويصبر نفسه معهم، وأنه لا ينبغي له أن يركن إلى أصحاب الدنيا والذين غفلوا عن الآخرة, والذين صار أمرهم فرطاً، وصارت أهواءهم تبعاً للدنيا وإنما يلزم الأخيار ويصاحبهم، ويصاحب أهل الذكر والعلم؛ حتى يستفيد منهم وألا يطع أهل الدنيا والمغفلين, والذين ركنوا إلى الدنيا واطمأنوا إليها، وكانت أمورهم فرطاً، وأهواؤهم تبعاً للدنيا. ولكن إذا زارهم للتذكير وللدعوة فلا بأس، وأما كونه يصحبهم ويركن إليهم ويكون واحداً منهم فهذا معناه أنه يكون كأمثالهم فيغفل عن الآخرة ويركن إلى الدنيا، فيؤثرون عليه.

стр. 419

تفسير قوله تعالى: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) قال الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٩]. يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى لرسوله محمد ﷺ : وقل يا محمد للناس: هذا الذي جئتكم به من ربكم هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك. ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، هذا من باب التهديد والوعيد الشديد، ولهذا قال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ [الكهف:٢٩] أي: أرصدنا ((لِلظَّالِمِينَ)) وهم الكافرون بالله ورسوله وكتابه. ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف:٢٩] أي: سورها. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لسرادق النار أربعة جدر، كثافة كل جدار مثل مسافة أربعين سنة)]. وهذا الحديث ضعيف السند؛ لأن فيه ابن لهيعة وهو ضعيف، وفيه: دراج عن أبو الهيثم وهو ضعيف أيضاً.

стр. 420

بيان أنه لا يستحق الإمامة إلا أهل الإيمان وقد دلت الآية على أنه ينبغي أن يطاع ويصير إماماً للناس من امتلأ قلبه بمحبة الله، وفاض ذلك على لسانه فلهج بذكر الله وقدم مراضي ربه على هواه، فحفظ بذلك وقته، وصلحت أحواله، واستقامت أفعاله، ودعا الناس إلى ما من الله به عليه فحقيق بذلك أن يتبع ويجعل إماماً، والصبر المذكور في هذه الآية هو: الصبر على طاعة الله الذي هو أعلى أنواع الصبر، وبتمامه يتم باقي الأقسام. وأما الغافل المعرض المشتت فهو الذي ركن إلى الدنيا، وهو الذي نهانا الله عن طاعته بقوله: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]. قوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف:٢٨] فيه استحباب الذكر والدعاء, والعبادة طرفي النهار؛ لأن الله مدحهم بفعلها. والغداة والعشي طرفي النهار، فالغداة طرف، والعشي طرف وهما أول النهار وآخره وهذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه:١٣٠]. وكل فعل مدح الله فاعله دل ذلك على أن الله يحبه، وإذا أحبه فإنه يأمر به ويرغب فيه، وهذا من أساليب توحيد العبادة، فإذا مدح الله الشيء أو أثنى على صاحبه فقد أمر به في المعنى. قال المؤلف ﵀: [وأخرجه الترمذي في صفة النار وابن جرير في تفسيره من حديث دراج أبي السمح به. وقال ابن جريج: قال ابن عباس: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف:٢٩] قال: حائط من النار. قال ابن جرير: حدثني الحسين بن نصر والعباس بن محمد قالا: حدثنا أبو عاصم عن عبد الله بن أمية حدثني محمد بن يحيى بن يعلى عن صفوان بن يعلى عن يعلى بن أمية]. ويقال: ابن منية فينسب إلى أمه وينسب إلى أبيه فأمه منية وأبوه أمية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [عن يعلى بن أمية قال: قال رسول الله ﷺ : (البحر هو جهنم، قال: فقيل له: كيف ذلك؟ فتلا هذه الآية أو قرأ هذه الآية: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف:٢٩] ثم قال: والله لا أدخلها أبداً، أو: ما دمت حياً لا تصيبني منها قطرة)] وهذا ليس بصحيح وهو شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة، والبحر لا بأس بدخوله، ولا بأس بإصابة شيء منه، وقد جاء ما يدل على أن البحار تكون جزءاً من جهنم فإنها تسجر يوم القيامة وتكون من جهنم ولكنه في الدنيا ليس جزءاً من جهنم، ولا بأس في دخوله والسباحة فيه.

стр. 421

معنى المُهل قال المؤلف ﵀: [قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٩]. قال ابن عباس: المهل: الماء الغليظ مثل دردي الزيت]. يعني: أنه ثخين مثله. قال المؤلف ﵀: [وقال مجاهد: هو كالدم والقيح, وقال عكرمة: هو الشيء الذي انتهى حره، وقال آخرون: هو كل شيء أذيب، وقال قتادة: أذاب ابن مسعود شيئاً من الذهب في أخدود فلما انماع وأزبد قال: هذا أشبه شيء بالمهل، وقال الضحاك: ماء جهنم أسود, وهي سوداء, وأهلها سود]. فهو كالشيء الأسود الثخين -نسأل الله السلامة- وإذا استغاث أهل النار -والعياذ بالله- يغاثوا بماء كالمهل, أي: بماء أسود ثخين كالعكر من الزيت نسأل الله السلامة والعافية. قال المؤلف ﵀: [وهذه الأقوال ليس شيء منها ينفي الآخر فإن المهل يجمع هذه الأوصاف الرديئة كلها، فهو أسود منتن غليظ حار، ولهذا قال: ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف:٢٩]، أي من حره إذا أراد الكافر أن يشربه وقربه من وجهه شواه, وحتى يسقط جلد وجهه فيه]. فهو أسود ثخين ذائب حار وغليظ منتن الرائحة, والعياذ بالله. ومن شدة حرارته أنه إذا قربه إلى وجهه سقط لحم وجهه، والعياذ بالله نسأل الله السلامة والعافية. قال المؤلف ﵀: [كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بإسناده المتقدم في سرادق النار عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ماء كالمهل, قال: كعكر الزيت فإذا قربه إليه سقطت فروة وجهه فيه) وهكذا رواه الترمذي في صفة النار من جامعه من حديث رشيدين بن سعد]. ورشدين ضعيف. قال: [عن عمرو بن الحارث عن دراج به ثم قال: لا نعرفه إلا من حديث رشدين، وقد تكلم فيه من قبل حفظة هكذا]. يعني: أنه ضعيف، سيء الحفظ. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: وقد رواه الإمام أحمد كما تقدم، عن حسن الأشيب عن ابن لهيعة عن دراج والله أعلم. وقال عبد الله بن المبارك وبقية بن الوليد عن صفوان بن عمرو عن عبد الله بن بشر عن أبي أمامة عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم:١٦ - ١٧] قال: (يقرب إليه فيتكرهه, فإذا قرب منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه, فإذا شربه قطع أمعائه يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [الكهف:٢٩]). وقال سعيد بن جبير: إذا جاع أهل النار استغاثوا فأغيثوا بشجرة الزقوم فأكلوا منها فاختلبت جلود وجوههم, فلو أن ماراً مر بهم يعرفهم لعرف جلود وجوههم فيها ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل]. الأقرب: أنها يسلط عليهم العطش فيستغيثون, يعني: يبتلون بالعطش فإذا ابتلوا بالعطش استغاثوا, فيغاثون بهذا الماء، والعياذ بالله. وفي تعليق للشيخ عبد الرحمن السعدي في قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] قال: هذه الآية فيها تهديد ووعيد, والأمر للتهديد. فالأمر يأتي لعدة معان, ومنها التهديد، كما في هذه الآية: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف:٢٩]. أي: أن الحق واضح ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] والله تعالى قد بين للإنسان طريق الخير وطريق الشر, فمن آمن فله الجنة والكرامة, ومن كفر فله النار والإهانة، والعياذ بالله. قوله: (فاختلبت جلود وجوههم) وفي نسخة أخرى: فاجتثت جلود وجوههم وهو الأقرب. وقول ابن جبير: (ثم يصب عليهم) بمعنى: يسلط عليهم العطش. واجتثت: من الاجتثاث وهو: السقوط يعني: سقطت جلود وجوههم. قال المؤلف ﵀: [ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل وهو الذي قد انتهى حره فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره، لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود. ولهذا قال تعالى بعد وصفه هذا الشراب بهذه الصفات الذميمة القبيحة: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [الكهف:٢٩]، أي: بئس هذا الشراب كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥] وقال تعالى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية:٥]، أي: حارة كما قال: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن:٤٤] ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٩]، أي: ساءت النار منزلاً ومقيلاً ومجتمعاً وموضعاً للارتفاق كما قالت الآية الأخرى: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان:٦٦]]. وهذا بسبب كفرهم، والعياذ بالله؛ لأنهم جحدوا توحيد الله, وصرفوا محض حقه الذي لا يستحقه غيره إلى مخلوق ضعيف فوقعوا في أظلم الظلم, وأقبح القبيح, وعدلوا غير الله بالله, وماتوا على الشرك، وعلى الكفر فكان جزاؤهم النار نسأل الله السلامة والعافية لأن من مات على الكفر لا حيلة تنفعه. كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨].

стр. 422

نجاسة المشرك ونجاسة المشرك نجاسة عينية لا يطهرها الماء, ولا تطهرها النار وهذا بخلاف العصاة الذين يدخلون النار بسبب معاصيهم، فإن معاصيهم كالنجاسة الطارئة التي تصيب الثوب ثم تغسل, فيطهرون بالنار إذا لم يعف الله عنهم, ثم يخرجون منها وأما الذين ماتوا على الشرك وعلى الكفر فلا حيلة فيهم, ونجاستهم نجاسة عينية, فيلقون في النار ويستمرون فيها أبد الآبدين نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 423

تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا * أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٣٠ - ٣١]. قال المؤلف رحمخه الله تعالى: [لما ذكر الله تعالى حال الأشقياء ثنى بذكر السعداء الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين فيما جاءوا به, وعملوا بما أمروهم به من الأعمال الصالحة, فلهم جنات عدن والعدن: الإقامة, ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ [الكهف:٣١]، أي: من تحت غرفهم ومنازلهم قال فرعون: ﴿وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١]، الآية ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ [الكهف:٣١]، أي: من الحلية، ﴿فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الكهف:٣١] وقال في المكان الآخر: ﴿وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج:٢٣] وفصله هاهنا فقال: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف:٣١] فالسندس: ثياب رفاع رقاق كالقمصان وما جرى مجراها وأما الإستبرق: فغليظ الديباج، وفيه بريق. وقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ﴾ [الكهف:٣١] الاتكاء: قيل: الاضطجاع وقيل: التربع في الجلوس وهو أشبه بالمراد هاهنا ومنه الحديث الصحيح (أما أنا فلا آكل متكئا) فيه القولان. والأرائك: جمع أريكة. وهي: السرير تحت الحجلة والحجلة كما يعرفه الناس في زماننا هذا بالبشخانة. والله أعلم]. فهذه الآية الكريمة فيها: بيان جزاء الموحدين الذين آمنوا وعملوا الصالحات, وأن لهم الجنة فالله تعالى أعد دار كرامته وجنته للمؤمنين الموحدين, وحرمها على الكافرين, فمن مات على الشرك وعلى الكفر فالجنة عليه حرام، كما قال الله : ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢]. وثبت في الحديث الصحيح (أن النبي ﷺ أمر منادياً ينادي في بعض غزواته: أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة). وكذلك بعث مؤذنين ﵊, يؤذنون في الناس في منى في الحج في السنة التاسعة: (لا يحج بعد العام مشرك, ولا يطوف بالبيت عريان, ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة, ومن كان له عهد فهو إلى عهده, ومن ليس له عهد فمدته أربعة أشهر) كذلك بعث أبو بكر أبا هريرة مع المؤذنين ينادي في الناس في منى في السنة التاسعة من الهجرة. فالجنة أعدها الله للمؤمنين الموحدين, فمن مات على التوحيد والإيمان فله الجنة والكرامة، ومن مات على الشرك فالجنة عليه حرام. نسأل الله السلامة والعافية. ولهذا قال في سورة الكهف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف:١٠٧] وقال هنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا * أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٣٠ - ٣١] فهذا جزاء من آمن بالله ووحده, وأخلص له العبادة وبقى على التوحيد الخالص الخالي من الشرك والبدع والكبائر ومات عليه، فإنه يدخل الجنة من أول وهلة, فضلاً من الله وإحساناً. والذين يدخلون الجنة من أول وهلة صنفان من الناس. الصنف الأول: السابقون المقربون، الذين وحدوا الله وتقربوا إليه بأداء الفرائض, ونشطوا أيضاً فابقوا في نوافل العبادات وتركوا المحرمات، ونشطوا أيضاً فتركوا المكروهات وفضول المباحات. والصنف الثاني: أصحاب اليمين الذين أدوا الفرائض والواجبات، ولم يكن عندهم نشاط في فعل المستحبات والمندوبات, وتركوا المحرمات، ولم يكن عندهم نشاط في ترك المكروهات وفضول المباحات. وأما الصنف الثالث: فهم الظالمون لأنفسهم الذين وحدوا الله وأخلصوا له العبادة ولم يقعوا في الشرك ولكنهم ماتوا على كبائر من غير توبة، فهذا مات على الزنى, وهذا على السرقة, وهذا على شرب الخمر, وهذا على عقوق الوالدين, وهذا على قطيعة الرحم, فهؤلاء على خطر, فمنهم من يعذب في القبر كما في قصة الرجلين الذين رآهما النبي ﷺ يعذبان كما في حديث ابن عباس في قبريهما؛ لأن أحدهما كان يمشي بالنميمة، والآخر كان لا يستتر من بوله، وقد يعفى عنه كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨] فقد يعفو الله عنه بالتوحيد والإيمان والإسلام، وقد يعذبه فقد ثبت أن بعض أهل الكبائر لا تأكل النار وجوههم، ولكنهم ماتوا على كبائر من غير توبة فهم يعذبون في النار على قدر ذنوبهم، ثم في النهاية يخرجون منها إلى الجنة والكرامة ولا يبقى في النار إلا الكفرة. فأهل التوحيد هم أهل الجنة والكرامة، فأما السابقون والمقربون فيدخلون الجنة من أول وهلة، وأما المقتصدون فمنهم من يدخلها من أول وهلة ويعفى عنهم, ومنهم من لا يعفى عنه, ومنهم من يعذب في قبره, ومنهم من تصيبه الأهوال والشدائد, ومنهم من يشفع فيه فلا يدخل النار, ومنهم من يدخل النار ثم يخرج منها في النهاية بعد أن يطهر من هذه النار. وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ [الكهف:٣١] والجنات: البساتين, وعدن: إقامة، قال تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ [الكهف:٣١]، أي: أنهار اللبن, وأنهار الماء, وأنهار الخمر, وأنهار العسل. قال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الكهف:٣١] ويحلون: يلبسون الحلي في الجنة، ولو كانوا رجالاً, وأما في الدنيا فالحلية للنساء, وفي الجنة يحلى المؤمن ولو كان رجلاً, فيحلى في يديه، كما قال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾ [الكهف:٣١]، أي: يلبس في يديه أساور من ذهب, قال تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا﴾ [الكهف:٣١] أي: ثياباً حريراً, وفي الدنيا يحرم على الرجل أن يلبس الحرير, وأما في الآخرة فله ذلك, قال النبي ﷺ : (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة). وقوله: خضراً هي نوعان من الحرير: نوع رقيق، ويقال له: السندس، ونوع غليظ، ويقال له: الإستبرق، وله بريق ولمعان، قال تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ﴾ [الكهف:٣١] وقد ذكر الحافظ ﵀ هنا أن الاتكاء إما اضطجاعاً وإما تربعاً. وقد ذكر بعض أهل العلم في قوله ﷺ : (أنا لا آكل متكئاً) , أن الاتكاء هو: التربع. كما فسرها الخطابي، وقال بعضهم: هو أن يتكئ إما على يده اليمنى وإما على يده اليسرى. وهذا هو الأقرب فيكون معنى متكئاً: معتمداً على شيء. والأرائك: جمع أريكة وهي كما قال الحافظ: معروفة وتسمى بشخانة باللغة الفارسية وهي: الحجلة، أي: قبة في وسطها سرير، وقد ذكرها ابن القيم ﵀ في النونية الكافية الشافية, وتسمى في اللغة العربية الأريكة، نسأل الله من فضله. قال المؤلف ﵀: [قال عبد الرازق أخبرنا معمر عن قتادة ﴿عَلَى الأَرَائِكِ﴾ [الكهف:٣١] قال: هي الحجال، قال معمر: وقال غيره السرر في الحجال. وقوله: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٣١]، أي: نعمت الجنة ثواباً على أعمالهم ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٣١] أي: حسنت منزلاً ومقيلاً ومقاماً, كما قال في النار: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٩] وهكذا قابل بينهما في سورة الفرقان في قوله: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان:٦٦]. ثم ذكر صفات المؤمنين فقال: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان:٧٥ - ٧٦]]. وفي هذه الآية الكريمة دليل على: أن الجنة أعدها الله للمؤمنين, وأن المؤمنين الموحدين هم أهل الجنة والكرامة, وفي الآية السابقة دليل على أن النار أعدها الله للكفار. فالمؤمنون الموحدون أعد الله لهم الجنة, والعاصي بين بين، فهو من أهل الجنة لكنه قد يعذب بمعاصيه إذا مات على الكبائر, وقد يعفى عنه، وقد يعذب في النار ثم يخرج منها.

стр. 424

تفسير سورة الكهف [٣٢ - ٤٤] ضرب الله تعالى في كتابه الكريم مثل رجلين أنعم الله تعالى على أحدهما بجنتين عظيمتين فقابل نعمة الله تعالى بالكفر والعناد والغرور، وقذف في قلب الآخر جنة عظيمة من الإيمان به تعالى وخوفه، فقابل ذلك بشكر الله تعالى وابتغاء فضله والنصح لخلقه، فنصح صاحبه الذي ظن أن ملكه لا يبيد وأن له عند الله لو بعث المزيد، فدعا عليه فأباد الله تعالى جنته وحقت العاقبة للتقوى.

стр. 425

تفسير قوله تعالى: (واضرب لهم مثلاً رجلين) قال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف:٣٢ - ٣٦]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى بعد ذكره المشركين المستكبرين عن مجالسة الضعفاء والمساكين من المسلمين, وافتخروا عليهم بأموالهم وأحسابهم, فضرب لهم ولهم مثلاً برجلين] يعني: لهؤلاء وهؤلاء [جعل الله لأحدهما جنتين -أي: بستانين- من أعناب محفوفتين بالنخيل المحدقة في جنباتهما, وفي خلالهما الزروع, وكل من الأشجار والزروع مثمر مقبل في غاية الجودة, ولهذا قال: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾، أي: أخرجت ثمرها ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾، أي: ولم تنقص منه شيئاً. ﴿وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا﴾ أي: والأنهار متفرقة فيهما هاهنا وهاهنا ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف:٣٤] قيل: المراد به المال، روي عن ابن عباس وعن مجاهد وقتادة، وقيل: الثمار، وهو أظهر هاهنا]. فالأظهر: أنه الثمار على ظاهر الآية: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويؤيده القراءة الأخرى: (وكان له ثُمْر)، بضم الثاء وتسكين الميم, فيكون جمع ثمرة، كخشبة وخشب, وقرأ آخرون: (ثَمَر) بفتح الثاء والميم. (فَقَالَ)، أي: صاحب هاتين الجنتين ﴿لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾، أي: يجادله ويخاصمه, يفتخر عليه ويترأس، ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ أي: أكثر خدماً وحشماً وولداً. قال قتادة: تلك -والله- أمنية الفاجر، كثرة المال وعزة النفر. وقوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [الكهف:٣٥] أي: بكفره وتمرده وتكبره وتجبره وإنكاره المعاد, ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف:٣٥] وذلك اغترار منه لما رأى فيها من الزروع والثمار والأشجار والأنهار المطردة في جوانبها وأرجائها ظن أنها لا تفنى ولا تقرض ولا تهلك ولا تتلف, وذلك لقلة عقله وضعف يقينه بالله وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها, وكفره بالآخرة, ولهذا قال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف:٣٦] أي: كائنة ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف:٣٦] أي: ولئن كان معاد ورجعة ومرد إلى الله ليكونن لي هناك أحسن من هذا الحظ عند ربي, ولولا كرامتي عليه ما أعطاني هذا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت:٥٠]، وقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم:٧٧]، أي: في الدار الآخرة، تألى على الله , وكان سبب نزولها في العاص بن وائل كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان].
следующие страницы →