← Тафсир

Тафсир · id 37048

شرح تفسير ابن كثير - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (873 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

معنى المُهل قال المؤلف ﵀: [قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٩]. قال ابن عباس: المهل: الماء الغليظ مثل دردي الزيت]. يعني: أنه ثخين مثله. قال المؤلف ﵀: [وقال مجاهد: هو كالدم والقيح, وقال عكرمة: هو الشيء الذي انتهى حره، وقال آخرون: هو كل شيء أذيب، وقال قتادة: أذاب ابن مسعود شيئاً من الذهب في أخدود فلما انماع وأزبد قال: هذا أشبه شيء بالمهل، وقال الضحاك: ماء جهنم أسود, وهي سوداء, وأهلها سود]. فهو كالشيء الأسود الثخين -نسأل الله السلامة- وإذا استغاث أهل النار -والعياذ بالله- يغاثوا بماء كالمهل, أي: بماء أسود ثخين كالعكر من الزيت نسأل الله السلامة والعافية. قال المؤلف ﵀: [وهذه الأقوال ليس شيء منها ينفي الآخر فإن المهل يجمع هذه الأوصاف الرديئة كلها، فهو أسود منتن غليظ حار، ولهذا قال: ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف:٢٩]، أي من حره إذا أراد الكافر أن يشربه وقربه من وجهه شواه, وحتى يسقط جلد وجهه فيه]. فهو أسود ثخين ذائب حار وغليظ منتن الرائحة, والعياذ بالله. ومن شدة حرارته أنه إذا قربه إلى وجهه سقط لحم وجهه، والعياذ بالله نسأل الله السلامة والعافية. قال المؤلف ﵀: [كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بإسناده المتقدم في سرادق النار عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ماء كالمهل, قال: كعكر الزيت فإذا قربه إليه سقطت فروة وجهه فيه) وهكذا رواه الترمذي في صفة النار من جامعه من حديث رشيدين بن سعد]. ورشدين ضعيف. قال: [عن عمرو بن الحارث عن دراج به ثم قال: لا نعرفه إلا من حديث رشدين، وقد تكلم فيه من قبل حفظة هكذا]. يعني: أنه ضعيف، سيء الحفظ. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: وقد رواه الإمام أحمد كما تقدم، عن حسن الأشيب عن ابن لهيعة عن دراج والله أعلم. وقال عبد الله بن المبارك وبقية بن الوليد عن صفوان بن عمرو عن عبد الله بن بشر عن أبي أمامة عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم:١٦ - ١٧] قال: (يقرب إليه فيتكرهه, فإذا قرب منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه, فإذا شربه قطع أمعائه يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [الكهف:٢٩]). وقال سعيد بن جبير: إذا جاع أهل النار استغاثوا فأغيثوا بشجرة الزقوم فأكلوا منها فاختلبت جلود وجوههم, فلو أن ماراً مر بهم يعرفهم لعرف جلود وجوههم فيها ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل]. الأقرب: أنها يسلط عليهم العطش فيستغيثون, يعني: يبتلون بالعطش فإذا ابتلوا بالعطش استغاثوا, فيغاثون بهذا الماء، والعياذ بالله. وفي تعليق للشيخ عبد الرحمن السعدي في قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] قال: هذه الآية فيها تهديد ووعيد, والأمر للتهديد. فالأمر يأتي لعدة معان, ومنها التهديد، كما في هذه الآية: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف:٢٩]. أي: أن الحق واضح ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩] والله تعالى قد بين للإنسان طريق الخير وطريق الشر, فمن آمن فله الجنة والكرامة, ومن كفر فله النار والإهانة، والعياذ بالله. قوله: (فاختلبت جلود وجوههم) وفي نسخة أخرى: فاجتثت جلود وجوههم وهو الأقرب. وقول ابن جبير: (ثم يصب عليهم) بمعنى: يسلط عليهم العطش. واجتثت: من الاجتثاث وهو: السقوط يعني: سقطت جلود وجوههم. قال المؤلف ﵀: [ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل وهو الذي قد انتهى حره فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره، لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود. ولهذا قال تعالى بعد وصفه هذا الشراب بهذه الصفات الذميمة القبيحة: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [الكهف:٢٩]، أي: بئس هذا الشراب كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:١٥] وقال تعالى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية:٥]، أي: حارة كما قال: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن:٤٤] ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٩]، أي: ساءت النار منزلاً ومقيلاً ومجتمعاً وموضعاً للارتفاق كما قالت الآية الأخرى: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان:٦٦]]. وهذا بسبب كفرهم، والعياذ بالله؛ لأنهم جحدوا توحيد الله, وصرفوا محض حقه الذي لا يستحقه غيره إلى مخلوق ضعيف فوقعوا في أظلم الظلم, وأقبح القبيح, وعدلوا غير الله بالله, وماتوا على الشرك، وعلى الكفر فكان جزاؤهم النار نسأل الله السلامة والعافية لأن من مات على الكفر لا حيلة تنفعه. كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨].

стр. 422

نجاسة المشرك ونجاسة المشرك نجاسة عينية لا يطهرها الماء, ولا تطهرها النار وهذا بخلاف العصاة الذين يدخلون النار بسبب معاصيهم، فإن معاصيهم كالنجاسة الطارئة التي تصيب الثوب ثم تغسل, فيطهرون بالنار إذا لم يعف الله عنهم, ثم يخرجون منها وأما الذين ماتوا على الشرك وعلى الكفر فلا حيلة فيهم, ونجاستهم نجاسة عينية, فيلقون في النار ويستمرون فيها أبد الآبدين نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 423

تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا * أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٣٠ - ٣١]. قال المؤلف رحمخه الله تعالى: [لما ذكر الله تعالى حال الأشقياء ثنى بذكر السعداء الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين فيما جاءوا به, وعملوا بما أمروهم به من الأعمال الصالحة, فلهم جنات عدن والعدن: الإقامة, ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ [الكهف:٣١]، أي: من تحت غرفهم ومنازلهم قال فرعون: ﴿وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١]، الآية ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ [الكهف:٣١]، أي: من الحلية، ﴿فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الكهف:٣١] وقال في المكان الآخر: ﴿وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج:٢٣] وفصله هاهنا فقال: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف:٣١] فالسندس: ثياب رفاع رقاق كالقمصان وما جرى مجراها وأما الإستبرق: فغليظ الديباج، وفيه بريق. وقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ﴾ [الكهف:٣١] الاتكاء: قيل: الاضطجاع وقيل: التربع في الجلوس وهو أشبه بالمراد هاهنا ومنه الحديث الصحيح (أما أنا فلا آكل متكئا) فيه القولان. والأرائك: جمع أريكة. وهي: السرير تحت الحجلة والحجلة كما يعرفه الناس في زماننا هذا بالبشخانة. والله أعلم]. فهذه الآية الكريمة فيها: بيان جزاء الموحدين الذين آمنوا وعملوا الصالحات, وأن لهم الجنة فالله تعالى أعد دار كرامته وجنته للمؤمنين الموحدين, وحرمها على الكافرين, فمن مات على الشرك وعلى الكفر فالجنة عليه حرام، كما قال الله : ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢]. وثبت في الحديث الصحيح (أن النبي ﷺ أمر منادياً ينادي في بعض غزواته: أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة). وكذلك بعث مؤذنين ﵊, يؤذنون في الناس في منى في الحج في السنة التاسعة: (لا يحج بعد العام مشرك, ولا يطوف بالبيت عريان, ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة, ومن كان له عهد فهو إلى عهده, ومن ليس له عهد فمدته أربعة أشهر) كذلك بعث أبو بكر أبا هريرة مع المؤذنين ينادي في الناس في منى في السنة التاسعة من الهجرة. فالجنة أعدها الله للمؤمنين الموحدين, فمن مات على التوحيد والإيمان فله الجنة والكرامة، ومن مات على الشرك فالجنة عليه حرام. نسأل الله السلامة والعافية. ولهذا قال في سورة الكهف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف:١٠٧] وقال هنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا * أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٣٠ - ٣١] فهذا جزاء من آمن بالله ووحده, وأخلص له العبادة وبقى على التوحيد الخالص الخالي من الشرك والبدع والكبائر ومات عليه، فإنه يدخل الجنة من أول وهلة, فضلاً من الله وإحساناً. والذين يدخلون الجنة من أول وهلة صنفان من الناس. الصنف الأول: السابقون المقربون، الذين وحدوا الله وتقربوا إليه بأداء الفرائض, ونشطوا أيضاً فابقوا في نوافل العبادات وتركوا المحرمات، ونشطوا أيضاً فتركوا المكروهات وفضول المباحات. والصنف الثاني: أصحاب اليمين الذين أدوا الفرائض والواجبات، ولم يكن عندهم نشاط في فعل المستحبات والمندوبات, وتركوا المحرمات، ولم يكن عندهم نشاط في ترك المكروهات وفضول المباحات. وأما الصنف الثالث: فهم الظالمون لأنفسهم الذين وحدوا الله وأخلصوا له العبادة ولم يقعوا في الشرك ولكنهم ماتوا على كبائر من غير توبة، فهذا مات على الزنى, وهذا على السرقة, وهذا على شرب الخمر, وهذا على عقوق الوالدين, وهذا على قطيعة الرحم, فهؤلاء على خطر, فمنهم من يعذب في القبر كما في قصة الرجلين الذين رآهما النبي ﷺ يعذبان كما في حديث ابن عباس في قبريهما؛ لأن أحدهما كان يمشي بالنميمة، والآخر كان لا يستتر من بوله، وقد يعفى عنه كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨] فقد يعفو الله عنه بالتوحيد والإيمان والإسلام، وقد يعذبه فقد ثبت أن بعض أهل الكبائر لا تأكل النار وجوههم، ولكنهم ماتوا على كبائر من غير توبة فهم يعذبون في النار على قدر ذنوبهم، ثم في النهاية يخرجون منها إلى الجنة والكرامة ولا يبقى في النار إلا الكفرة. فأهل التوحيد هم أهل الجنة والكرامة، فأما السابقون والمقربون فيدخلون الجنة من أول وهلة، وأما المقتصدون فمنهم من يدخلها من أول وهلة ويعفى عنهم, ومنهم من لا يعفى عنه, ومنهم من يعذب في قبره, ومنهم من تصيبه الأهوال والشدائد, ومنهم من يشفع فيه فلا يدخل النار, ومنهم من يدخل النار ثم يخرج منها في النهاية بعد أن يطهر من هذه النار. وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ [الكهف:٣١] والجنات: البساتين, وعدن: إقامة، قال تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ [الكهف:٣١]، أي: أنهار اللبن, وأنهار الماء, وأنهار الخمر, وأنهار العسل. قال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الكهف:٣١] ويحلون: يلبسون الحلي في الجنة، ولو كانوا رجالاً, وأما في الدنيا فالحلية للنساء, وفي الجنة يحلى المؤمن ولو كان رجلاً, فيحلى في يديه، كما قال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾ [الكهف:٣١]، أي: يلبس في يديه أساور من ذهب, قال تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا﴾ [الكهف:٣١] أي: ثياباً حريراً, وفي الدنيا يحرم على الرجل أن يلبس الحرير, وأما في الآخرة فله ذلك, قال النبي ﷺ : (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة). وقوله: خضراً هي نوعان من الحرير: نوع رقيق، ويقال له: السندس، ونوع غليظ، ويقال له: الإستبرق، وله بريق ولمعان، قال تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ﴾ [الكهف:٣١] وقد ذكر الحافظ ﵀ هنا أن الاتكاء إما اضطجاعاً وإما تربعاً. وقد ذكر بعض أهل العلم في قوله ﷺ : (أنا لا آكل متكئاً) , أن الاتكاء هو: التربع. كما فسرها الخطابي، وقال بعضهم: هو أن يتكئ إما على يده اليمنى وإما على يده اليسرى. وهذا هو الأقرب فيكون معنى متكئاً: معتمداً على شيء. والأرائك: جمع أريكة وهي كما قال الحافظ: معروفة وتسمى بشخانة باللغة الفارسية وهي: الحجلة، أي: قبة في وسطها سرير، وقد ذكرها ابن القيم ﵀ في النونية الكافية الشافية, وتسمى في اللغة العربية الأريكة، نسأل الله من فضله. قال المؤلف ﵀: [قال عبد الرازق أخبرنا معمر عن قتادة ﴿عَلَى الأَرَائِكِ﴾ [الكهف:٣١] قال: هي الحجال، قال معمر: وقال غيره السرر في الحجال. وقوله: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٣١]، أي: نعمت الجنة ثواباً على أعمالهم ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٣١] أي: حسنت منزلاً ومقيلاً ومقاماً, كما قال في النار: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف:٢٩] وهكذا قابل بينهما في سورة الفرقان في قوله: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان:٦٦]. ثم ذكر صفات المؤمنين فقال: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان:٧٥ - ٧٦]]. وفي هذه الآية الكريمة دليل على: أن الجنة أعدها الله للمؤمنين, وأن المؤمنين الموحدين هم أهل الجنة والكرامة, وفي الآية السابقة دليل على أن النار أعدها الله للكفار. فالمؤمنون الموحدون أعد الله لهم الجنة, والعاصي بين بين، فهو من أهل الجنة لكنه قد يعذب بمعاصيه إذا مات على الكبائر, وقد يعفى عنه، وقد يعذب في النار ثم يخرج منها.

стр. 424

تفسير سورة الكهف [٣٢ - ٤٤] ضرب الله تعالى في كتابه الكريم مثل رجلين أنعم الله تعالى على أحدهما بجنتين عظيمتين فقابل نعمة الله تعالى بالكفر والعناد والغرور، وقذف في قلب الآخر جنة عظيمة من الإيمان به تعالى وخوفه، فقابل ذلك بشكر الله تعالى وابتغاء فضله والنصح لخلقه، فنصح صاحبه الذي ظن أن ملكه لا يبيد وأن له عند الله لو بعث المزيد، فدعا عليه فأباد الله تعالى جنته وحقت العاقبة للتقوى.

стр. 425

تفسير قوله تعالى: (واضرب لهم مثلاً رجلين) قال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف:٣٢ - ٣٦]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى بعد ذكره المشركين المستكبرين عن مجالسة الضعفاء والمساكين من المسلمين, وافتخروا عليهم بأموالهم وأحسابهم, فضرب لهم ولهم مثلاً برجلين] يعني: لهؤلاء وهؤلاء [جعل الله لأحدهما جنتين -أي: بستانين- من أعناب محفوفتين بالنخيل المحدقة في جنباتهما, وفي خلالهما الزروع, وكل من الأشجار والزروع مثمر مقبل في غاية الجودة, ولهذا قال: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾، أي: أخرجت ثمرها ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾، أي: ولم تنقص منه شيئاً. ﴿وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا﴾ أي: والأنهار متفرقة فيهما هاهنا وهاهنا ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف:٣٤] قيل: المراد به المال، روي عن ابن عباس وعن مجاهد وقتادة، وقيل: الثمار، وهو أظهر هاهنا]. فالأظهر: أنه الثمار على ظاهر الآية: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويؤيده القراءة الأخرى: (وكان له ثُمْر)، بضم الثاء وتسكين الميم, فيكون جمع ثمرة، كخشبة وخشب, وقرأ آخرون: (ثَمَر) بفتح الثاء والميم. (فَقَالَ)، أي: صاحب هاتين الجنتين ﴿لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾، أي: يجادله ويخاصمه, يفتخر عليه ويترأس، ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ أي: أكثر خدماً وحشماً وولداً. قال قتادة: تلك -والله- أمنية الفاجر، كثرة المال وعزة النفر. وقوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [الكهف:٣٥] أي: بكفره وتمرده وتكبره وتجبره وإنكاره المعاد, ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف:٣٥] وذلك اغترار منه لما رأى فيها من الزروع والثمار والأشجار والأنهار المطردة في جوانبها وأرجائها ظن أنها لا تفنى ولا تقرض ولا تهلك ولا تتلف, وذلك لقلة عقله وضعف يقينه بالله وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها, وكفره بالآخرة, ولهذا قال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف:٣٦] أي: كائنة ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف:٣٦] أي: ولئن كان معاد ورجعة ومرد إلى الله ليكونن لي هناك أحسن من هذا الحظ عند ربي, ولولا كرامتي عليه ما أعطاني هذا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت:٥٠]، وقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم:٧٧]، أي: في الدار الآخرة، تألى على الله , وكان سبب نزولها في العاص بن وائل كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان].

стр. 426

تفسير قوله تعالى: (قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب) قال الله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ [الكهف:٣٧ - ٤١]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى مخبراً عما أجابه به صاحبه المؤمن واعظاً له وزاجراً عما هو فيه من الكفر بالله والاغترار: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآية، وهذا إنكار وتعظيم لما وقع فيه من جحود ربه الذي خلقه وابتدأ خلق الإنسان من طين, وهو آدم ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة:٨]، كما قال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة:٢٨] الآية، كيف تجحدون ربكم ودلالته عليكم ظاهرة جلية كل أحد يعلمها من نفسه؟! فإنه ما من أحد من المخلوقات إلا ويعلم أنه كان معدوماً ثم وجد, وليس وجوده من نفسه ولا مستنداً إلى شيء من المخلوقات؛ لأنه بمثابته، فعلم إسناد إيجاده إلى خالقه، وهو الله لا إله إلا هو خالق كل شيء، ولهذا قال المؤمن: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ أي: لكن أنا لا أقول بمقالتك، بل أعترف لله بالوحدانية والربوبية ﴿وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ أي: بل هو الله المعبود وحده لا شريك له]. هذه قصة رجلين أحدهما كان كافراً بما أنعم الله عليه وبما أعطاه من الأموال, حتى جره ذلك إلى إنكار الساعة, وشك في القيامة والبعث, ومن شك في البعث فهو كافر بإجماع المسلمين، ولهذا قال له صاحبه: ﴿أَكَفَرْتَ﴾ والكفر في قوله: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ يعني: أشك في قيام الساعة. ومن شك في القيامة، أو شك في البعث، أو شك في الجنة أو في النار, أو شك في الملائكة أو في واحد منهم، أو في الرسل، أو في الكتب, أو شك في ربوبية الله, أو إلهيته أو وحدانيته فهو كافر. فالكفر يكون بالشك, ويكون -أيضاً- بالجحود, فإذا شك في القيامة كفر، وكذلك لو شك في الله أو في ربوبيته أو في أسمائه أو في صفاته, أو في الملائكة أو في واحد منهم, أو في الكتب أو في الرسل، أو في البعث أو في القيامة أو في الجنة أو في النار، ويكون -أيضاً- بالجحود، كما لو جحد ربوبية الله أو إلهيته أو أسماءه أو صفاته, أو اسماً من أسمائه، أو جحد ملكاً من الملائكة, أو جحد كتاباً من الكتب المنزلة, أو جحد البعث، أو جحد القيامة، أو جحد الجنة أو جحد النار, أو جحد أمراً معلوماً من الدين بالضرورة وجوبه, مثل أن يجحد وجوب الصلاة، أو يجحد وجوب الزكاة، أو يجحد وجوب الحج، أو وجوب الصوم، أو جحد تحريم محرم من محرمات الإسلام المعلومة بالضرورة, كأن يجحد تحريم الزنا، أو تحريم الربا، أو تحريم الخمر، أو تحريم العقوق؛ فإنه يكفر. وقد يكون الكفر أيضاً بالقول: كما لو سب الله, أو سب الرسول, أو سب دين الإسلام, أو استهزأ بالله أو ملائكته أو كتبه أو رسله فإنه يكفر بهذا القول قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦]. ويكون الكفر أيضاً بالفعل: كما لو سجد لصنم, أو دعا غير الله، أو ذبح لغير الله، أو نذر لغير الله, أو داس المصحف بقدميه إهانة له، أو لطخه بالنجاسة، فإنه يكفر بهذا الفعل. وقد يكون الكفر بالترك والإعراض أيضاً, كما لو أعرض عن دين الله لا يتعلمه ولا يعبد الله به، فإنه يكفر. وصاحب الجنتين هذا كفر بالشك في القيامة, فقد أعطاه الله تعالى جنتين -أي: بستانين- وحفهما بنخل وزرع، فاغتر ودخل الجنة وهو ظالم لنفسه, أي: بكبره واستكباره وتعاظمه على أخيه. قال تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف:٣٥ - ٣٦] يعني: ما أظن أن تفنى هذه الجنتان أو أن يصيبهما الفناء ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف:٣٦] يعني: لو قدر أن هناك بعثاً فسيكون خير الدنيا موصولاً بخير الآخرة، كما قال الله في الإنسان الكافر في سورة فصلت: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت:٥٠]، وكما قال عن العاص بن وائل: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم:٧٧]. فنصحه صاحبه وقال له: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾؟! والمعروف أن الخائن أقرب ليد الله، وهذا معروف لكل أحد، وكل أحد يعلم بنفسه أنه مخلوق، وأنه لم يخلقه مخلوق مثله؛ لأنه كان معدوماً ثم وجد، فلو لم يكن مخلوقاً لما سبقه العدم، فلابد من أن يكون وجوده بإيجاد خالق، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥]، فلا يكون المرء خالقاً لنفسه، ولا يخلقه مخلوق. فلابد من أن يكون مخلوقاً لخالقه واجب الوجود في ذاته ، ولهذا قال: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ ثم قال: (لكنا) أي: لكن أنا، فحذفت الهمزة ثم أدغمت النون في النون، ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ أي: لكن أنا أوحد الله واعترف بعبوديته وإلهيته، ولا أشرك مع الله في عبادته أحداً.

стр. 427

تفسير قوله تعالى: (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قال: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [الكهف:٣٩]، هذا تحضيض وحث على ذلك، أي: هلا -إذ أعجبتك حين دخلتها ونظرت إليها- حمدت الله على ما أنعم به عليك وأعطاك من المال والولد ما لم يعطه غيرك، وقلت: ما شاء الله لا قوة إلا بالله؟! ولهذا قال بعض السلف: من أعجبه شيء من حاله أو ماله أو ولده فليقل: (ما شاء الله لا قوة إلا بالله)، وهذا مأخوذ من هذه الآية الكريمة، وقد روي فيه حديث مرفوع أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا جراح بن مخلد حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عيسى بن عون، حدثنا عبد الملك بن زرارة عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد فيقول: (ما شاء الله لا قوة إلا بالله) فيرى فيه آفة دون الموت)، وكان يتأول هذه الآية ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. قال الحافظ أبو الفتح الأزدي: عيسى بن عون عن عبد الملك بن زرارة عن أنس لا يصح حديثه، وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة وحجاج، حدثني شعبة عن عاصم بن عبيد الله عن عبيد مولى أبي رهم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا قوة إلا بالله)، تفرد به أحمد، وقد ثبت في الصحيح عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال (ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله)]. هذه الآيات تفيد هذا، فإذا أعجبك شيء فقل: (ما شاء الله لا قوة إلا بالله)، حتى وإن لم يصح الحديث، وفي الآيات دليل على أن من شك في القيامة فهو كافر، وفيها دليل على أنه يشرع للمرء إذا أعجبه شيء أن يقول: (ما شاء الله لا قوة إلا بالله) كما في الآية، فالمقصود أنه يشرع أن يقول: (ما شاء الله لا قوة إلا بالله). وكذلك تقول: (ما شاء الله لا قوة إلا بالله) حتى لا تصيب غيرك بالعين دون اختيارك، فلا شك في أن التبريك يمنع من العين، والعين تحصل من العائن من دون اختياره، فإذا قال العائن: (ما شاء الله لا قوة إلا بالله) امتنع من الإصابة بالعين، فإذا ذكر العائن الله كان هذا من أسباب منع وقوع العين؛ لأن بعض الناس قد تخرج بعين دون خياره. فالتبريك يمنع حصول العين، فلكيلا تصيب أخاك تبرك وتقول إذا أعجبك شيء: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. ولهذا نصح المؤمن الكافر وقال له: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد: حدثنا بكر بن عيسى، حدثنا أبو عوانة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون قال: قال أبو هريرة رضي لله عنه: قال لي رسول الله ﷺ : (يا أبا هريرة ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة تحت العرش؟ قال: قلت نعم فداك أبي وأمي، قال: أن تقول: لا قوة إلا بالله)]. أبو بلج -بفتح أوله وسكون اللام- بعدها جيم وهو الفزاري الكوفي ثم الواسطي الكبير، اسمه يحيى بن سليم، أو ابن أبي سليم أو ابن أبي الأسود صدوق ربما أخطأ من الخامسة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال أبو بلج: وأحسب أنه قال: فإن الله يقول: أسلم عبدي واستسلم. قال فقلت لـ عمرو: قال أبو بلج: قال عمرو: قلت لـ أبي هريرة: (لا حول ولا قوة إلا بالله) فقال: لا إنها في سورة الكهف ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. وقوله: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾، أي: في الدار الآخرة ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا﴾، أي: على جنتك في الدنيا التي ظننت أنها لا تبيد ولا تفنى ﴿حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، قال ابن عباس، والضحاك، وقتادة، ومالك عن الزهري أي: عذاباً من السماء. والظاهر أنه مطر عظيم مزعج يقلع زرعها وأشجارها، ولهذا قال: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾، أي: بلقعاً تراباً أملس لا يثبت فيه قدم. وقال ابن عباس: كالجرز الذي لا ينبت شيئا. وقوله: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ أي: غائراً في الأرض، وهو ضد النابع الذي يطلب وجه الأرض، فالغائر يطلب أسفلها، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك:٣٠] أي: جارٍ وسائح، وقال هاهنا: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾، والغَوْر: مصدر بمعنى: غائر، وهو أبلغ منه]. الغَوْراً أبلغ من الغائر، فقوله تعالى: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾، يعني: غائراً نازلاً في الأرض. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما قال الشاعر: تظل جياده نَوحْاً عليه تقلده أعنتها صفوفاً بمعنى: نائحات عليه]. يعني أن (نَوْحاً) أبلغ من (نائح)، مثل: (غَوْر) أبلغ من (غائر) فقوله: (تظل جياده نوحاً عليه) يعني: نائحات، فعبر بالنوح وحده عن النائحات، كما عبر بـ (غور) عن غائر.

стр. 428

تفسير قوله تعالى: (وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها) قال الله تعالى: [قوله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا * هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الكهف:٤٢ - ٤٤]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ بأمواله أو بثماره على القول الآخر، والمقصود أنه وقع بهذا الكافر ما كان يحذر مما خوفه به المؤمن من إرسال الحسبان على جنته التي اغتر بها وألهته عن الله ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا﴾. وقال قتادة: يصفق كفيه متأسفاً متلهفاً على الأموال التي أذهبها عليها]. وهكذا يقلب كفيه، فهو متأسف من شدة التأثر والتحسر يقلب كفيه على ما أنفق فيها، فقد صارت صعيداً زلقا ليس فيها شيء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ﴾ [الكهف:٤٢ - ٤٣]، أي: عشيرة أو ولد كما افتخر بهم واستعز ﴿يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا * هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ [الكهف:٤٣ - ٤٤]، اختلف القراء هاهنا فمنهم من يقف على قوله: ﴿وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا * هُنَالِكَ﴾ [الكهف:٤٣ - ٤٤]، أي: في ذلك الموطن الذي حل به عذاب الله فلا منقذ له منه ويبتدئ بقوله: ﴿الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ [الكهف:٤٤]، ومنهم من يقف على ﴿وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا﴾ [الكهف:٤٣]، ويبتدئ بقوله: ﴿هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ [الكهف:٤٤]، ثم اختلفوا في قراءة الولاية، فمنهم من فتح الواو من الولاية، فيكون المعنى هنالك الموالاة لله، أي: هنالك كل أحد مؤمن أو كافر يرجع إلى الله وإلى موالاته والخضوع له إذا وقع العذاب، كقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر:٨٤]، وكقوله إخباراً عن فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٩٠ - ٩١]، ومنهم من كسر الواو من الولاية، أي: هنالك الحكم لله الحق، ثم منهم من رفع الحق على أنه نعت للولاية، كقوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان:٢٦]، ومنهم من خفض القاف على أنه نعت لله ، كقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام:٦٢]، الآية، ولهذا قال تعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا﴾، أي: جزاء ﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾، أي: الأعمال التي تكون لله ثوابها خير وعاقبتها حميدة رشيدة كلها خير]. قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ﴾ [الكهف:٤٥]].

стр. 429

تفسير الإمام السعدي لآيات قصة صاحب الجنتين قال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: [يقول تعالى لنبيه ﷺ : اضرب للناس مثل هذين الرجلين الشاكر لنعمة الله والكافر لها، وما صدر لكل منهما من الأقوال والأفعال، وما حصل بسبب ذلك من العقاب العاجل والآجل والثواب؛ ليعتبروا بحالهما ويتعظوا بما حصل عليهما، وليس معرفة هذين الرجلين وفي أي زمان أو مكان هما فيه فائدة أو نتيجة، فالنتيجة تحصل من قصتهما فقط، والتعرض لما سوى ذلك من التكلف، فأحد هذين الرجلين الكافر بنعمة الله الجليلة جعل الله له جنتين، أي: بستانين حسنين من الأعناب ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾، أي: في هاتين الجنتين من كل الثمرات، وخصوصاً أشرف الأشجار: العنب والنخل، فالعنب وسطها، والنخل قد حف بذلك ودار به، فحصل فيه من حسن المنظر وبهائه، وبروز الشجر والنخل للشمس والرياح التي تكمل بها الثمار وتنضج وتتجوهر، ومع ذلك جعل بين تلك الأشجار زرعا، فلم يبق عليهما إلا أن يقال: كيف ثمار هاتين الجنتين، وهل لهما ماء يستقيهما؟ فأخبر تعالى أن كلاً من الجنتين آتت أكلها -أي: ثمرها وزرعها- ضعفين، أي: متضاعفة، وأنها لم تظلم منه شيئا، أي: لم تنقص من أكلها أدنى شيء، ومع ذلك فالأنهار في جوانبهما سارحة]. قوله تعالى: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ [البقرة:٢٦٥]، يعني: مضاعفاً، أي: حُملت الثمار ضعفين، يعني: أثمرت ثماراً كثيرة. قال رحمه الله تعالى: [وكان له -أي: لذلك الرجل- ثمر، أي: عظيم كما يفيده التنكير، أي: قد استكملت جنتاه ثمارهما، وارجحنت أشجارهما، ولم تعرض لهما آفة أو نقص، فهذا غاية منتهى زينة الدنيا في الحر، ولهذا اغتر هذا الرجل وتبجح، وافتخر ونسى آخرته، (فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً) أي: فقال صاحب الجنتين لصاحبه المؤمن وهما يتحاوران -أي: يتراجعان الكلام بينهما في بعض الماجريات المعتادة مفترخاً عليه: (أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً). ﴿لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف:٣٦]، أي: ليعطيني خيراً من هاتين الجنتين، وهذا لا يفهم منه إلا أمران: إما أن يكون عالماً بحقيقة الحال، فيكون كلامه هذا على وجه التهكم والاستهزاء، فيكون زيادة كفر إلى كفره، وإما أن يكون هذا ظنه في الحقيقة، فيكون من أجهل الناس وأبخسهم حظاً من العقل].

стр. 430

فوائد قصة صاحب الجنتين قال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: [ففي هذه القصة العظيمة اعتبار بحال الذي أنعم الله عليه نعماً دنيوية فألهته عن آخرته وأبغته، وعصى الله فيها، وأن مآلها الانقطاع والاضمحلال، وأنه وإن تمتع فيها قليلاً فإنه يحرمها طويلا، وأن العبد ينبغي له إذا أعجبه شيء من ماله أو ولده أن يضيف النعمة إلى موليها ومحصيها، وأن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله؛ ليكون شاكراً متسبباً لبقاء نعمته عليه، لقوله: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾. وفيها الإرشاد إلى التخلي عن لذات الدنيا وشهواتها بما عند الله من الخير، لقوله: ﴿إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ [الكهف:٣٩ - ٤٠]، وفيها أن المال والولد لا ينفعان إن لم يعينا على طاعة الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [سبأ:٣٧]، وفيه الدعاء يتلف مال من كان ماله سبب طغيانه وكفره وخسرانه، خصوصاً إن فضل نفسه بسببه على المؤمنين وفخر عليهم]. ففي هذه الآية ما دعا المؤمن على الكافر بأن يرسل الله تعالى على جنته حسباناً من السماء، ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾، فاستجاب الله دعاءه. قال: [وفيها أن ولاية الله وعدمها إنما تتضح نتيجتها إذا انجلى الغبار وحق الجزاء ووجد العاملون أجرهم، فهناك ﴿الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ [الكهف:٤٤]، أي: عاقبة ومآلاً]. وهذه أمور كلها واضحة بأحكامها وفوائدها، فالإنسان الذي يبتلى بشيء من المال فيغتر، يتمتع به قليلاً ثم سرعان ما يزول، وتبقى عليه حسرة مع ما حرم من ثواب الآخرة، ويستمر على كفره وعناده، وكما أن الإنسان إذا تعجب من شيء أو من نفسه أو أهله يبرك ويقول: (ما شاء الله لا قوة إلا بالله)، والتبريك هو السبب في دفع العين، ومعروف في قصة العائن أن النبي ﷺ قال: (علام يقتل أحدكم أخاه؟ ألا بركتا) وكذلك العاقبة إنما تكون للشاكرين المؤمنين، ويقول تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾.

стр. 431

تفسير سورة الكهف [٤٥ - ٤٩] لقد تعرض القرآن الكريم لبيان حقيقة الدنيا في أكثر من آية بأبلغ عبارة وأعظم نذارة، مستعملاً في ذلك ضرب الأمثال والوصف المباشر وغيرهما، ليبين للعباد أن ما يلهيهم فيها من زينة الأموال والأولاد لا يعد وأن يكون من متاع الدنيا المحتقرة، وأن ما ينبغي عليهم الاشتغال به هو الباقيات الصالحات التي يجدون ثوابها عند ربهم يوم تسير الجبال وتنصب الموازين وتتطاير الصحف، ليجد كل امرئ ما عمله مسطراً في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة.

стр. 432

تفسير قوله تعالى: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا) قال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف:٤٥ - ٤٦]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى: واضرب -يا محمد- للناس مثل الحياة الدنيا -في زوالها وفنائها وانقضائها- كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض -أي: ما فيها من الحب- فشب وحسن وعلاه الزهر والنور والنضرة. ثم بعد هذا كله (فَأَصْبَحَ هَشِيمًا)، يابساً (تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ)، أي: تفرقه وتطرحه ذات اليمين وذات الشمال (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا)، أي: هو قادر على هذه الحال وهذه الحال، وكثيراً ما يضرب الله مثل الحياة الدنيا بهذا المثل، كما قال تعالى في سورة يونس ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ﴾ [يونس:٢٤]، الآية، وقال في الزمر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ [الزمر:٢١] الآية، وقال في سورة الحديد: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد:٢٠] الآية، وفي الحديث الصحيح (الدنيا خضرة حلوة)، وقوله: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٤٦] كقوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ﴾ [آل عمران:١٤]]. هذه الآية ضرب الله تعالى فيها مثل الحياة الدنيا، فالله تعالى كثيراً ما يضرب الأمثال في كتابه، وكذلك الرسول ﵊ يضرب الأمثال في سنته، وذلك لأن المثل يقرب المعقول فيكون كالمحسوس، وكان كثيراٌ من السلف يبكي الواحد منهم إذا لم يعلم المثل، لقول الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣]، فالمثل ينتقل بالإنسان من الشيء المعقول إلى الشيء المحسوس الموجود، والله تعالى ضرب مثل الحياة الدنيا بماء مطر أنزله من السماء على الأرض، فأنبتت الأرض (فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ) وصار أخضر، ثم سرعان ما يبس وذبل، وكذلك الدنيا، فهي سريعة الزوال. والإنسان في هذه الدنيا في شبابه وفي صحته سرعان ما ينتهي ويصل إلى الأجل، والدنيا كلها سريعة الانقضاء، قال ﵊ (مالي وللدنيا، إنما أنا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها)، فهذه هي الدنيا، فالإنسان كالمتنزه الذي يذهب للنزهة مدة ثم ينصرف، فكذلك الدنيا يمكث الإنسان فيها ما شاء الله ثم يرحل.

стр. 433

بيان معنى الباقيات الصالحات قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، كقوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ﴾ [آل عمران:١٤] الآية، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن:١٥]. أي: الإقبال عليه والتفرغ لعبادته خير لكم من اشتغالكم بهم والجمع لهم والشفقة المفرطة عليهم، ولهذا قال: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف:٤٦]. قال ابن عباس ﵄، وسعيد بن جبير، وغير واحد من السلف: الباقيات الصالحات: الصلوات الخمس، وقال عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وهكذا سئل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ عن الباقيات الصالحات: ما هي؟ فقال: هي لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، رواه الإمام أحمد]. الصواب أن (الباقيات الصالحات) عام لجميع الأعمال الصالحة، والصلوات الخمس من الباقيات الصالحات، والزكاة، والصوم، والحج، والتسبيح والتهليل، وقراءة القرآن، لكن عادة السلف أنهم يفسرون الشيء ببعض معناه، فالصلوات الخمس بعض من الأعمال الصالحات، و (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) من الباقيات الصالحات، وكذلك جميع الأعمال الصالحة كلها من الباقيات الصالحات. والأعمال الصالحة هي التي تنفع الإنسان، فهي الباقية، حيث يبقى ثوابها، وثوابها الجنة، والمال والبنون زينة الحياة، والدنيا زائلة، فالمال منته والبنون كذلك، فزينة الحياة الدنيا منتهية والأعمال الصالحة يبقى ثوابها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو عبد الله المقري، حدثنا حيوة، حدثنا أبو عقيل أنه سمع الحارث مولى عثمان بن عفان ﵁ يقول: جلس عثمان يوماً وجلسنا معه، فجاءه المؤذن، فدعا بماء في إناء -أظنه سيكون فيه مد- فتوضأ، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وضوئي هذا ثم قال: (من توضأ وضوئي هذا ثم قام فصلى صلاة الظهر غفر له ما كان بينها وبين الصبح، ثم صلى العصر غفر له ما بينها وبين الظهر، ثم صلى المغرب غفر له ما بينها وبين العصر، ثم صلى العشاء غفر له ما بينها وبين المغرب، ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته، ثم إن قام فتوضأ وصلى صلاة الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء، وهي الحسنات يذهبن السيئات)]. فالصلوات تكفر السيئات، فهذا صلى الظهر فكفر الله خطاياه إلى صلاة العصر، أما الكبائر التي توعد عليها بالنار أو اللعنة أو الغضب -كالسرقة، والزنا، وشرب الخمر، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، وشهادة الزور، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وجحد حقوق الناس، والغيبة والنميمة -فلابد لها من توبة، ولا يكفي في تكفيرها صلاة الفرائض، لكن من صلى الفرائض كفر الله عنه الصغائر، كما قال الله : ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] أي: الصغائر، وقال ﵊: (الصلاة الخمس، والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)، فإذا اجتنب الإنسان الكبائر كفر الله بالصلوات وبالزكاة وبالصوم الصغائر، أما إذا لم يجتنب الكبائر عوقب على الصغائر والكبائر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قالوا هذه الحسنات، فما الباقيات الصالحات يا عثمان؟ قال: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. تفرد به]. أي: تفرد به الإمام أحمد عن الكتب الستة، والمراد أن من الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وليست كلها، بل هي منها، والصلوات الخمس منها، وكذلك جميع الأعمال الصالحة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى مالك عن عمارة بن عبد الله بن صياد عن سعيد بن المسيب قال: الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقال محمد بن عجلان عن عمارة قال: سألني سعيد بن المسيب عن الباقيات الصالحات فقلت: الصلاة والصيام، فقال: لم تصب، فقلت: الزكاة والحج، فقال: لم تصب، ولكنهن الكلمات الخمس: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله]. هذا مقطوع على سعيد، وفيه: وقال محمد بن عجلان عن عمارة، ولم يذكر السند، والصواب أنها الأعمال الصالحة كلها من الباقيات الصالحات، كالصلاة والزكاة والصوم والحج والتسبيح والتهليل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خيثم عن نافع عن سرجس أنه أخبره أنه سأل ابن عمر عن الباقيات الصالحات، قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال ابن جريج: وقال عطاء بن أبي رباح مثل ذلك. وقال مجاهد: الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الحسن وقتادة في قوله: (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ)، قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله هن الباقيات الصالحات. قال ابن جرير: وجدت في كتابي عن الحسن بن الصباح البزار عن أبي نصر التمار عن عبد العزيز بن مسلم عن محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر هن الباقيات الصالحات)، قال: وحدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث أن دراجاً أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: (استكثروا من الباقيات الصالحات، قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: الملة، قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: التكبير، والتهليل، والتسبيح، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله)، وهكذا رواه أحمد من حديث دراج به. قال وهب: أخبرني أبو صخر أن عبد الله بن عبد الرحمن مولى سالم بن عبد الله حدثه قال: أرسلني سالم إلى محمد بن كعب القرظي في حاجة فقال: قل له: القني عند زاوية القبر، فإن لي إليك حاجة، قال: فالتقيا فسلم أحدهما على الآخر، ثم قال سالم: ما تعد الباقيات الصالحات؟ فقال: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فقال له سالم: متى جعلت فيها (لا حول ولا قوة إلا بالله)؟ قال: ما زلت أجعلها، قال: فراجعه مرتين أو ثلاثا فلم ينزع، قال: فأبيت؟ قال سالم: أجل، فأبيت؛ فإن أبا أيوب الأنصاري حدثني أنه سمع رسول الله ﷺ وهو يقول: (عُرِج بي إلى السماء فرأيت إبراهيم ﵇ فقال: يا جبريل! من هذا الذي معك؟ فقال: محمد، فرحب بي وسهل، ثم قال: مر أمتك فلتكثر من غراس الجنة، فإن تربتها طيبة، وأرضها واسعة، فقلت: وما غراس الجنة؟ فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله). وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن يزيد عن العوام، حدثني رجل من الأنصار من آل النعمان بن بشير قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في المسجد بعد صلاة العشاء، فرفع بصره إلى السماء ثم خفض حتى ظننا أنه قد حدث في السماء شيء، ثم قال: (أما إنه سيكون بعدي أمراء يكذبون ويظلمون، فمن صدقهم بكذبهم ومالأهم على ظلمهم فليس مني ولست منه، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يمالئهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، ألا وإن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هن الباقيات الصالحات). وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبان، حدثنا يحيى بن أبي كثير عن زيد عن أبي سلام عن مولى لرسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: (بخٍ بخٍ لخمس ما أثقلهن في الميزان: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، والولد الصالح يتوفى فيحتسبه والده! وقال: بخ بخ لخمس من لقي الله مستيقناً بهن دخل الجنة: يؤمن بالله، واليوم الآخر، وبالجنة، وبالنار، وبالبعث بعد الموت، وبالحساب!). وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: كان شداد بن أوس

стр. 434

تفسير قوله تعالى: (ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة) قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا * وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٧ - ٤٩]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يخبر تعالى عن أهوال يوم القيامة وما يكون فيه من الأمور العظام، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الطور:٩ - ١٠] أي: تذهب من أماكنها وتزول، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل:٨٨]، وقال تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة:٥]، وقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه:١٠٥ - ١٠٧]. يذكر تعالى بأنه تذهب الجبال وتتساوى المهاد، وتبقى الأرض قاعاً صفصفا -أي: سطحاً مستوياً- لا عوج فيه ولا أمتا، أي: لا وادي ولا جبل، ولهذا قال تعالى: (وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً)، أي: بادية ظاهرة ليس فيها معلم لأحد، ولا مكان يواري أحدا، بل الخلق كلهم ضاحون لربهم لا تخفى عليه منهم خافية، قال مجاهد، وقتادة (وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً)، لا حجر فيها ولا غيابة]. قال قتادة: لا بناء ولا شجر]. وقد يكون لفظهما (لا خمر فيها ولا غيابة)، والخمر: الشيء الذي يغطي، ومنه الخمر، سمي خمراً لأنه يغطي العقل، ومنه خمار المرأة، سمي خماراً لأنه يسترها ويستر وجهها، أي: ليس هناك شيء يغطي شيئاً، فكل الناس موقوفون لله حفاة عراة لا يسترهم شيء ولا يغطيهم شيء، فقوله: (لا حجر) له معنى، لكن (لا خمراً) قد تكون أقرب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا)، أي: وجمعناهم الأولين منهم والآخرين فلم نترك منهم أحداً لا صغيراً ولا كبيراً، كما قال: ﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة:٤٩ - ٥٠]، وقال: ﴿َذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود:١٠٣]، وقوله: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف:٤٨]، يحتمل أن يكون المراد أن جميع الخلائق يقومون بين يدي الله صفاً واحداًَ، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ:٣٨]، ويحتمل أنهم يقومون صفوفاً صفوفا، كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢]. وقوله: (لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)، هذا تقريع للمنكرين للمعاد وتوبيخ لهم على رءوس الأشهاد، ولهذا قال تعالى مخاطباً لهم: (بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا)، أي: ما كان ظنكم أن هذا واقع بكم، ولا أن هذا كائن. وقوله: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ)، أي: كتاب الأعمال الذي فيه الجليل، والحقير، والفتيل والقطمير، والصغير والكبير (فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ)، أي: من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة (وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا)، أي: يا حسرتنا وويلنا].

стр. 435

ذكر أهوال البعث والنشور والحساب والجزاء فهذا اليوم -وهو يوم القيامة- يوم عظيم، يوم تسير فيه الجبال، ويبعث الناس من قبورهم، وينفخ في الصور بعد أن ينزل الله مطراً تنبت منه أجساد الناس، وينشئون تنشئة غير هذه التنشئة، فالذوات يعيدها الله، ويركب الإنسان من عجب الذنب، وهو العصعص آخر فقرة في العمود الفقري، وهو لا يبلى، قال ﵊ (كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق ابن آدم ومنه يركب)، فيبقى العصعص لا تأكله الأرض، ومع هذا تأكل الأرض الأجساد ثم يعيدها الله؛ لأن الله عليم بذلك وقادر، كما قال : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩]. فهو يقرر إثبات الإعادة بكمال علمه وكمال قدرته، وهو عالم بالذرات التي استحالت، وهو قادر على إعادتها، وله الحكمة البالغة، فيعيد الناس ويبعثهم ليجازي كلاً بعمله، فإن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً، فيأمر الله إسرافيل فينفخ في الصور النفخة الأولى، فيصعق الناس فيموتون إلا من شاء الله، ثم ينزل الله مطراً تنبت منه أجساد الناس، وينشئ نفس التنشئة، وتبدل الصفات والذوات، فإذا اكتمل خلقهم أمر الله إسرافيل فنفخ في الصور النفخة الثانية، فعادت الأرواح إلى أجسادها؛ لأن الأرواح باقية لا تموت، والمؤمن إذا مات كانت روحه في الجنة ولها صلة بالجسد، والكافر إذا مات وكانت روحه في النار ولها صلة بالجسد، والجسد يبلى، وأجساد الأنبياء لا تبلى، فقد حرم الله على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، فإذا نفخ في الصور النفخة الثانية عادت الأرواح إلى أجسادها، وقام الناس من قبورهم، فينفضون التراب عن رءوسهم واقفين بين يدي الله حفاة لا نعال لهم عراة لا ثياب عليهم، غرلاً غير مختونين، فالجلدة التي قطعت من أعلى الذكر تعود إليه، فيعود الناس على هذه الحال شاخصة أبصارهم إلى السماء، قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم:٤٢]. وقد قالت عائشة: لرسول الله ﷺ حين أخبرها بحشر الناس عراة: وسوأتاه! والرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض! فقال لـ عائشة: (الأمر أشد من ذلك)، أي: أهم من ذلك، فكل شخص بصره إلى السماء تهمه نفسه، ولا أحد يلوي على أحد، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٣ - ٣٧]. فلا أحد يلوي على أحد، والإنسان إذا دهش وأصابه فزع شديد تجده لا يحس بما هو أمامه، وتجده يلقى بعض الناس ولا يحس، فيقول بعض الناس: لقيته فلا هو سلم علي ولا رد السلام. لأنه مندهش، وهذا بسبب شدة الفرح أو شدة الحزن، فكيف بأهوال يوم القيامة؟! فلا أحد يلوي على أحد ولا أحد ينظر إلى أحد، والمقام ليس بمقام نظر، بل هو مقام شدة وهول، فكل تهمه نفسه، وكل يريد أن يتخلص، ويقف الناس على هذه الحال بين يدي الله في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، وتدنو الشمس من الرءوس ويزاد في حرارتها، فيصيبهم العرق على حسب الأعمال، ويموج الناس بعضهم في بعض، ويفزع بعضهم إلى بعض يسألون الشفاعة، فيأتون إلى آدم يسألونه الشفاعة فيعتذر ويقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم؟! فيعتذر بأنه أكل من الشجرة، ويأمرهم بأن يذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحاً فيقولون: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، وصفك الله بأنك عبد شكور اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟! فيعتذر ويقول: إنه دعا على أهل الأرض دعوة أغرقتهم، ويقول لهم: اذهبوا إلى إبراهيم؛ فإنه خليل الرحمن، فيأتون إبراهيم، ويقولون: يا إبراهيم! أنت خليل الرحمن، اشفع لنا إلى ربك. فيعتذر ويقول: كذبت بلساني ثلاث كذبات. وهي قوله في زوجته: هي أختي، وهي أخته في الإسلام، ولما وضع الفأس على الصنم الكبير قال: هو هذا الذي كسر أصنامكم، والثالثة حين نظر في النجوم وقال: إني سقيم فيعتذر إبراهيم ويرشدهم إلى موسى ﵉، فيقول: اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى فيقولون: أنت كليم الله، فيعتذر ويقول: إن ربي غضب غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها -يعني: قتله القبطي قبل النبوة- ولكن اذهبوا إلى عيسى، فيعتذر عيسى فيقول: اذهبوا إلى محمد؛ فإنه خاتم النبيين ﵊، فيأتون النبي ﷺ فيقول: أنا لها أنا لها، فيذهب فيسجد تحت العرش فيفتح الله عليه بمحامد لا يحسنها في دار الدنيا، فيأتيه الإذن من الرب، ويقول الرب : يا محمد! ارفع رأسك وسل تعطه، واشفع تشفع. فهذا هو الإذن ولابد من الإذن، حتى في حق نبينا ﷺ أشرف الخلق، فمن ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه، فلا أحد يشفع إلا بإذنه سبحانه، بخلاف الملوك والرؤساء والأمراء في الدنيا، فكل يدخل عليه ويشفع عنده من دون إذنه، أما الله فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يشفع إلا فيمن رضيه الله، وهم أهل التوحيد ممن زاد الله في قوله وعقله، فيشفع الله نبيه ﷺ فيقضي بين العباد، ويحاسبهم ويفرغ من حسابهم في منتصف النهار، ويقيل أهل الجنة في الجنة قيلولة، قال الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤]، وتتطاير الصحف، فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله، وتنصب الموازين لزنة الأعمال، وينصب الصراط على متن جهنم، ويمشي الناس عليه، فمن جاوزه فإلى الجنة، ومن سقط فإلى النار نسأل الله السلامة والعافية. وفي الجنة لأهلها أرائك، وفرق بين الحجلة والأريكة، فالحجلة: هي القبة ليس فيها سرير، وإذا كان فيها سرير في وقتها سميت أريكة، وتسمى (بشخانة) باللغة الفارسية. وفي الحديث: (أَلا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أَرِيكَتِه فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله) والأَرِيكة: السرير في الحَجَلة من دونه سِتْر، ولا يسمَّى منفرداً أَريكةً، وقيل: هو كُلّ ما اتُّكِئَ عليه من سرير أَو فِراش أَو مِنَصَّةٍ. والظاهر أن الأريكة هي السرير في وسط الحجلة، فأهل الجنة على سرر وفي قبب من ذهب ومن فضة ومن زمرد تسمى بشخانة، وهي كلمة فارسية اشتهرت في زمن الحافظ ابن كثير، وزمن الحافظ ابن القيم، فكانت تسمى في زمانهم (بشخانة)، والبشخانة باللغة الفارسية هي الأريكة، ذكرها ابن القيم في صفة الجنة في الكافية الشافية، فقال: تسمى (بشخانة) في اللغة الفارسية. وفي يوم القيامة تسير الجبال، كما قال الله ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ [الكهف:٤٧]، هذه الجبال الثقيلة تكون كالعهن المنفوش، وكالصوف المتناثر في الهواء من شدة الهول، وتبدل الأرض غير الأرض كما يبدل الأديم، ويزال ما عليها من بناء وغيره، وتكون قاعاً صفصفاً مستوية ﴿لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه:١٠٧]، فتكون الأرض بارزة والناس بارزين ضاحين، والشمس فوق رءوسهم يزاد في حرارتها، إلا الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم سبعة، ففي الحديث: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)، فهؤلاء السبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، والباقون في الشمس، فيصيبهم العرق على حسب الأعمال، فمنهم من يصيبه العرق إلى ركبتيه، وإلى حقويه، وإلى حلقه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، ومنهم من يذهب عرقه مسافات في الأرض على حسب الأعمال، والأرض تكون بارزة، ويحشرهم الله، قال تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٧]، وعرضوا على الله صفاً كل واحد منهم ينتظر ما يحصل له، وهو يعرف أن الله تعالى يقول: (إني خلقتكم وأنصت لكم منذ خلقتكم، فأنصتوا لي) ويوبخ الكفرة الذين ينكرون البعث، فيقول تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف:٤٨]، أي: إن كنتم تنكرون البعث وتظنون أنه لا يحصل هذا الموعد. ثم يوضع الكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ولا الفتيل والقطمير.

стр. 436

بيان معنى قوله تعالى: (ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ)، أي: كتاب الأعمال الذي فيه الجليل، والحقير، والفتيل، والقطمير، والصغير، والكبير (فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ)، أي: من أعمالهم السيئة، وأفعالهم القبيحة (وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا)، أي: يا حسرتنا وويلنا على ما فرطنا في أعمارنا (مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا)، لا يترك ذنباً صغيراً ولا كبيراً ولا عملاً وإن صغر (إلا أحصاها) أي: ضبطها وحفظها. وروى الطبراني بإسناده المتقدم في الآية قبلها إلى سعد بن جنادة قال: (لما فرغ رسول الله ﷺ من غزوة حنين نزلنا قفراً من الأرض ليس فيه شيء، فقال النبي ﷺ : اجمعوا، من وجد عوداً فليأت به، ومن وجد حطباً أو شيئاً فليأت به، قال: فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركاما، فقال النبي ﷺ : أترون هذا؟ فكذلك تجمع الذنوب على الرجل منكم كما جمعتم هذا فليتق الله رجل، ولا يذنب صغيرة ولا كبيرة فإنها محصاة عليه). وهذا الحديث فيه تمثيل الذنوب بالقوم يجتمعون في البرية وليس عندهم شيء ينضجون به طعامهم، فيجمع هذا عوداً وهذا عوداً، فيجمعون كوماً فيؤججونها ناراً فيستفيدون منها وينضجون بها طعامهم. وكذلك الذنوب تجتمع على الإنسان حتى تهلكه، فهذه صغيرة وهذه صغيرة وهذه صغيرة يجتمعن حتى يهلك الإنسان، وفي الحديث الآخر: (إياكم ومحقرات الذنوب، وما محقرات الذنوب؟ قال: الصغائر تتجمع على الإنسان حتى تهلكه، فإن مثل ذلك مثل قوم نزلوا منزلاً فحضر صنيعهم -يعني: طعامهم- فلم يبق عندهم ما ينضجون به طعامهم، فأتى هذا ببعرة وهذا بعود وهذا، فجمعوا كوماً فأججوه ناراً وأنضجوا فيه طعامهم، فكذلك الذنوب تجتمع على الإنسان حتى تهلكه). فالإنسان لا يُظلَم مقدار ما يكون في شق النواة يوم القيامة، فالله هو أحكم الحاكمين وأعدل العادلين، فلا يظلم أحداً . قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [الكهف:٤٩]، أي: من خير وشر، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران:٣٠]، الآية، وقال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة:١٣]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق:٩]، أي: تظهر المخبآت والضمائر. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة عن ثابت عن أنس عن النبي ﷺ قال: (لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به)، أخرجاه في الصحيحين، وفي لفظ: (يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه، يقال: هذه غدرة فلان بن فلان)]. قوله: (عند استه) يعني: مقعدته، فكل غادر ينصب له لواء عند استه، والاست: مقعدة الإنسان، يعني: عند دبره ينصب له لواء يوم القيامة، ويقال: هذه غدرة فلان ابن فلان، وهذه فضيحة، نسأل الله العافية. غدرة فلان. ويجب الحذر من الغدر، أن يغدر الإنسان في العهود وفي الأمانات، فينقض العهد مع غيره ويغدر، فيجب الحذر من الغدر والخيانة في العهود والأمانات، وكذلك البيعة، فإذا أعطى بيعة لولي الأمر ثم غدر وخان فإنه خائن غادر.

стр. 437

بيان معنى قوله تعالى: (ولا يظلم ربك أحداً) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، أي: فيحكم بين عباده في أعمالهم جميعا، ولا يظلم أحداً من خلقه، بل يعفو ويصفح ويغفر ويرحم ويعذب من يشاء بقدرته وحكمته وعدله، ويملأ النار من الكفار وأصحاب المعاصي، ثم ينجي أصحاب المعاصي ويخلد فيها الكافرين، وهو الحاكم الذي لا يجور ولا يظلم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء:٤٠]، وقال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء:٤٧] إلى قوله ﴿حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، والآيات في هذا كثيرة]. والله نفى عن نفسه الظلم فقال: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠]، وهو قادر ، ولكنه تنزه عن الظلم، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، كأن يُنقص أحداً من ثوابه وحسناته، أو يحمله أوزار غيره، فهذا تنزه عنه ، وأمن عباده منه وهو قادر عليه، ولهذا قال: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:٤٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢]، وقال تعالى: ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧]. وفي الحديث القدسي: عن أبي ذر عن النبي ﷺ فيما روى عن ربه: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا)، فالظلم مقدور لله، إلا أن الله حرمه على نفسه ولم يحرمه عليه أحد، وليس فوقه أحد، بل هو حرمه على نفسه من نفسه، وتنزه عن الظلم ونفاه عن نفسه، وقالت الجبرية من الجهمية وغيرهم: إن الظلم غير مقدور لله، ففسروا الظلم بأنه الذي لا يدخل تحت القدرة، وقالوا: كل ما يقدر الله عليه فله أن يفعله، ولا يكون ذلك ظلماً، وقالوا: إن الله تعالى له أن يقلب التشريعات والجزاءات، فيجعل العفة حراماً والزنا واجباً، ويبطل حسنات الأبرار والمتقين والأنبياء، ويحملهم أوزار الفجار، ولا يكون هذا ظلماً؛ لأنه له أن يتصرف في خلقه كيف يشاء؛ لأن الظلم هو تصرف المالك في غير ملكه، والله مالك كل شيء، فإن تصرف في ملكه فلا يكون ذلك ظلماً، هكذا يقولون، وهذا من أبطل الباطل، ومعناه أنه ليس هناك معنى للظلم عندهم، والظلم هو الذي لا يدخل تحت قدرة الله كالجمع بين الضدين، والجمع بين الممتنعين، وكالمستحيل الذي لا يمكن وجوده، هذا هو الظلم، وهذا من أبطل الباطل؛ لأنه لو كان الظلم لا يدخل تحت القدرة لما أمن الله عباده، قال: ﴿فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢]. فهل يخاف الإنسان الشيء الذي لا يدخل تحت القدرة؟! أي: أيخاف المستحيل؟! لا يمكن هذا، وهذا من أبطل الباطل، والصواب أن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وهذا هو المعنى اللغوي، كأن يحمل أحداً أوزار غيره، أو يمنعه من ثوابه وحسناته، فقد تنزه الله عن هذا الفعل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد، حدثنا يزيد، أخبرنا همام بن يحيى، عن القاسم بن عبد الواحد المكي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: بلغني حديث عن رجل سمعه عن النبي ﷺ ، فاشتريت بعيراً ثم شددت عليه رحلاً فسرت عليه شهراً حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أنيس ﵁، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب: فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم، فخرج يطأ ثوبه]. حذف حرف الاستفهام للعلم به، فقال ابن عبد الله؟! يعني: أأنت جابر بن عبد الله؟! فقال: نعم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فخرج يطأ ثوبه، فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يحشر الله الناس يوم القيامة -أو قال: العباد- عراة غرلاً بهماً، قلت: وما بهماً؟ قال: ليس معهم شيء. ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب)]. قوله: (عراة) يعني: لا ثياب عليهم، أي: كما ولدتهم أمهاتهم، ولكنهم شاخصة أبصارهم، فلا أحد يستطيع أن ينظر إلى أحد. فهم عراة لا ثياب عليهم، وحفاة لا نعال لهم، وهم ليس عندهم شيء، ولا يوجد معهم شيء. قوله: (ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب)، هذا فيه إثبات الصوت لله ، وفيه رد على الأشاعرة والكلابية الذين يقولون: كلام الله معنى قائم بنفسه، ليس بحرف ولا صوت، وفي هذا الحديث أن كلام الله حرف وصوت، وأنه يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، وكلام الله بخلاف كلام المخلوق، فكلام المخلوق يسمعه القريب فقط، وأما البعيد فلا يسمعه، وأما كلام الله فيسمعه من بعد كما يسمعه من قرب على حد سواء. قال: [(ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه). ]. وهذه اللفظة يصلح فيها (أقضيه) (أقصه)، ولكن الثابت في الحديث (أقصه) أي: أقتص له حقه. قال: [(ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وله عند رجل من أهل النار حق حتى أقصه منه، حتى اللطمة. قال: قلنا: كيف وإنما نأتي الله حفاة عراة غرلاً بهماً؟ قال: بالحسنات والسيئات)].

стр. 438

الرحلة في طلب العلم هذا الحديث فيه دليل على مشروعية الرحلة في طلب العلم، وذلك أن جابر بن عبد الله الصحابي الجليل اشترى بعيراً لهذه المهمة، ورحل مسافة شهر من المدينة إلى الشام في طلب حديث واحد، وهو صحابي، وقد رحل إلى صحابي آخر، فهو يدل على الرحلة في طلب العلم، فالرحلة إلى العلماء لطلب العلم سنة، والبخاري ﵀ ذكر هذا الحديث معلقاً، وترجم له بقوله: (ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر في طلب حديث واحد) وقال البخاري في صحيحه في موضع آخر: ويذكر عن جابر بن عبد الله أنه رحل إلى عبد الله بن أنيس في طلب حديث واحد، وهو هذا الحديث. فلما وصل جابر دق الباب فخرج البواب، فقال له: قل له جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟! قال: نعم. فلما جاء عبد الله بن أنيس عانقه، فقال: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه. فالرحلة في طلب العلم سنة، وانظر إلى المشقة العظيمة التي تحملها جابر، فهي مشقة مالية وبدنية، فقد اشترى بعيراً لهذه الرحلة، وسافر مسافة شهر لطلب حديث واحد، ونحن الآن عندنا الأحاديث -بحمد الله- مدونة في الكتب والسنن والمسانيد والأجزاء، وحلقات الدروس موجودة، فعلى الإنسان أن يقرأ ويتعلم، ولكن الناس في هذه الأيام منشغلون لا يقرءون، وإذا قرأوا لا يفهمون، وإذا فهموا لا يعملون. فينبغي على طالب العلم أن يحرص على طلب العلم ويجد ويجتهد فيه مادام أنه في وقت الإمكان وفي وقت الشباب.

стр. 439

القصاص يوم القيامة قال المؤلف ﵀: [وعن شعبة عن العوام عن مزاحم عن أبي عثمان عن عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة)]. والجماء هي: الدابة التي ليس لها قرن من المعز أو من الضأن، فإذا اعتدت دابة لها قرن على دابة أخرى ليس لها قرن ونطحتها؛ فإنهما تبعثان يوم القيامة، فتقتص الجماء التي ليس لها قرن من القرناء التي نطحتها في الدنيا، وتأخذ حقها منها وتنطحها كما نطحتها في الدنيا، فإذا اقتصت منها قال الله لها: كوني تراباً. فلا جنة ولا نار للحيوانات، ولهذا فإن الكافر إذا رأى أن الدواب يقال لها: (كوني تراباً) يتمنى أن يكون تراباً، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠]. فالجماء التي لا قرن لها تقتص من القرناء التي لها قرن، وهذا من كمال عدل الله . وقول المؤلف: [وعن شعبة عن العوام عن مزاجم] الأقرب أنه: مراجم. قال المؤلف ﵀: [رواه عبد الله بن الإمام أحمد، وله شواهد من وجوه أخر، وقد ذكرناها عند قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧]، وعند قوله تعالى: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام:٣٨]]. وحديث عبد الله بن أنيس في القصاص في سنده عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو سيء الحفظ، ولكن له شواهد، وذكر ابن القيم أن الجهمية وأهل الكلام طعنوا في الحديث وقالوا: هذا الحديث ضعيف، وفيه عبد الله بن عقيل، وقصدهم بذلك أن ينكروا إثبات الصوت لله، وإنكار كلام الله؛ لأن الحديث فيه: (ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب). فأهل البدع يقولون: إن الله لا يتكلم، وينكرون كلام الله، وينكرون إثبات الصوت له ، فقالوا: إن هذا الحديث ضعيف؛ لأن في سنده عبد الله بن عقيل، وهو لا يحتج به. وقد رد عليهم ابن القيم في (الصواعق) وقال: إن هذه علة باردة تعلل بها البدع. فقولهم: إن عبد الله بن محمد بن عقيل ضعيف قول مسلم به، ولكن إنما يرد حديثه إذا خالف الثقات، وهو هنا قد وافق الثقات ولم يخالفهم؛ فالصوت ثابت لله في أحاديث كثيرة وفي نصوص كثيرة، ثم إن هذا الحديث له شواهد، وعبد الله بن محمد بن عقيل سيء الحفظ، ولكن لا يرد حديثه إلا إذا خالف الثقات، وهو هنا قد وافقهم، فدل هذا على أنه قد ضبط هذا الحديث، وأنه لم يخطئ.

стр. 440

تفسير سورة الكهف [٥٠ - ٥٩] يخبر الله تعالى في كتابه الكريم عباده المؤمنين بعاقبة المتكبر عن طاعة أمره، والمعرض عما أراده له ربه، وهو إبليس إمام العصاة والمستكبرين، وينهى تعالى عباده عن اتخاذه وذريته أولياء من دونه تعالى، ويحذرهم ببيان عاقبة متبع إبليس باتخاذ الشركاء مع الله تعالى، حيث يأمرهم يوم القيامة بطلب الشركاء لينفعوهم في ذلك اليوم فلا يجدون أذناً صاغية، ولا يداً باذلة، كيف وهم عاجزون عن أن ينفعوا أنفسهم بشيء؟!

стр. 441

تفسير قوله تعالى: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف:٥٠]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى منبهاً بني آدم على عداوة إبليس لهم ولأبيهم من قبلهم، ومقرعاً من اتبعه منهم وخالف خالقه ومولاه وهو الذي أنشأه وابتداه، وبألطافه رزقه وغذاه، ثم بعد هذا كله والى إبليس وعادى الله، فقال تعالى: ((وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ))، أي: لجميع الملائكة، كما تقدم تقريره في أول سورة البقرة ((اسْجُدُوا لِآدَمَ))، أي: سجود تشريف وتكريم وتعظيم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر:٢٨ - ٢٩]، وقوله: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة:٣٤]]. وهذا السجود سجود تشريف لآدم، وهو عبادة لله ؛ لأنهم امتثلوا أمر الله، فهم يعبدون الله بهذا السجود، فالملائكة عبدوا الله بهذا السجود، فقد امتثلوا أمره، حيث أمرهم بالسجود، وهو تشريف لآدم، فقد شرفه الله عندما أمر الملائكة بأن يسجدوا له. قال المؤلف ﵀: [وقوله: ((فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ)) أي: خانه أصله؛ فإنه خلق من مارج من نار، وأصل خلق الملائكة من نور، كما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم)]. قوله في الحديث: إن إبليس خلق من مارج من نار، أي: لهب النار الصافي. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فعند الحاجة نضح كل وعاء بما فيه]. أي: نضح وعاء إبليبس بما فيه؛ لأنه خلق من النار فظهر طيشه وحمقه وعدم رزانته ورجع إلى أصله؛ لأن أصل النار الخفة والطيش والعلو، وهي تحرق ما حولها، فلا تبقي ولا تذر، وأما آدم فأصله التراب والطين، وطبيعة التراب والطين السكون والركود والرزانة، وينبت ما حوله ويزكو، فكل رجع إلى أصله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فعند الحاجة نضح كل وعاء بما فيه، وخانه الطبع عند الحاجة، وذلك أنه كان قد توسم بأفعال الملائكة، وتشبه بهم وتعبد وتنسك]. يعني أن إبليس كان قد توسم بأفعال الملائكة. قال المؤلف ﵀: [ولهذا دخل في خطابهم وعصى بالمخالفة، ونبه تعالى هاهنا على أنه من الجن، أي: على أنه خلق من نار، كما قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص:٧٦]، قال الحسن البصري: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم ﵇ أصل البشر. رواه ابن جرير بإسناد صحيح عنه]. وقال الشاعر العربي: وسل أبا الجن اللعين فقل له أتعرف الخلاق أم أنت ذا نكران فإبليس هو أبو الجن، وهو الشيطان. وقوله تعالى: ((وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ))، إذا قيل: إن إبليس كان معهم، وإنه تشبه بهم، وإنه من طائفة منهم كان الاستثناء متصلاً، وإذا قيل: ليس منهم كان منقطعاً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الضحاك عن ابن عباس: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم: الجن، خلقوا من نار السموم من بين الملائكة، وكان اسمه الحارث، وكان خازناً من خزان الجنة، وخلقت الملائكة من نور، غير هذا الحي]. يعني أن الملائكة كلهم خلقوا من نور، إلا هذا الحي الذين منهم إبليس فقد خلقوا من نار. قال المؤلف ﵀: [قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت]. أي: وهو الذي خلق منه إبليس. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الضحاك -أيضاً- عن ابن عباس: كان إبليس من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازناً على الجنان، وكان له سلطان السماء الدنيا وسلطان الأرض، وكان مما سولت له نفسه من قضاء الله أنه رأى أن له بذلك شرفاً على أهل السماء، فوقع من ذلك في قلبه كبر لا يعلمه إلا الله، واستخرج الله ذلك الكبر منه حين أمره بالسجود لآدم: ﴿وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤]. قال ابن عباس: قوله: ((كَانَ مِنَ الْجِنِّ))، أي: من خزان الجنان، كما يقال للرجل: مكي ومدني وبصري وكوفي. وقال ابن جريج عن ابن عباس نحو ذلك. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: هو من خزان الجنة، وكان يدبر أمر السماء الدنيا. رواه ابن جرير من حديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد به. وقال سعيد بن المسيب: كان رئيس ملائكة سماء الدنيا، وقال ابن إسحاق عن خلاد بن عطاء عن طاوس عن ابن عباس قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل، وكان من سكان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهاداً وأكثرهم علماً، فذلك دعاه إلى الكبر، وكان من حي يسمون جناً. وقال ابن جريج عن صالح مولى التوأمة وشريك بن أبي نمر -أحدهما أو كلاهما- عن ابن عباس قال: إن من الملائكة قبيلة من الجن، وكان إبليس منها، وكان يسوس ما بين السماء والأرض، فعصى فسخط الله عليه فمسخه شيطاناً رجيماً لعنه الله ممسوخاً، قال: وإذا كانت خطيئة الرجل في كبر فلا ترجه، وإذا كانت في معصية فارجه]. يعني: إذا كانت خطيئة الرجل في الكبر فلا ترج فيه الخير، وإذا كانت في غير الكبر فارج فيه الخير. قال المؤلف ﵀: [وعن سعيد بن جبير أنه قال: كان من الجنَّانين الذين يعملون في الجنة. وقد روي في هذا آثار كثيرة عن السلف، وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها، والله أعلم بحال كثير منها]. أي: كل هذه الأقوال التي ذكرت مأخوذة عن بني إسرائيل، من عند نقل المؤلف عن سعيد بن المسيب ومن بعده، بل ومن عند نقله عن ابن عباس، فإنه كان ينقل عن بني إسرائيل، والله أعلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد روي في هذا آثار كثيرة عن السلف، وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها، والله أعلم بحال كثير منها، ومنها ما قد يقطع بكذبه؛ لمخالفته للحق الذي بأيدينا، وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة؛ لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، وقد وُضع فيها أشياء كثيرة، وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذين ينفون عنها تحريف الغالين]. يعني إن بني إسرائيل ليس عندهم حفاظ كما هو الحال عند المسلمين. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذين ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين، كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء والسادة والأتقياء والبررة والنجباء، من الجهابذة النقاد والحفاظ الجياد، الذين دونوا الحديث وحرروه، وبينوا صحيحه من حسنه من ضعيفه من منكره، وموضوعه ومتروكه ومكذوبه، وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولين، وغير ذلك من أصناف الرجال، كل ذلك صيانة للجناب النبوي والمقام المحمدي خاتم الرسل وسيد البشر ﷺ أن ينسب إليه كذب أو يحدث عنه بما ليس منه، فرضي الله عنهم وأرضاهم وجعل جنات الفردوس مأواهم، وقد فعل]. يعني: وقد فعل ، فرضي عنهم وأرضاهم.

стр. 442

الموقف من أخبار أهل الكتاب وما جاء في كتب أهل الكتاب على ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما جاء شرعنا بموافقته، فهذا حق مطلوب؛ لأنه وافق شرعنا. القسم الثاني: ما جاء شرعنا بإبطاله، فهذا باطل مردود. القسم الثالث: ما سكت عنه شرعنا، ولم يأت فيه ما يدل على بطلانه أو ما يدل على إثباته، فهذا لا يصدق ولا يكذب، كما في الحديث: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، فإنهم قوم قد كان فيهم الأعاجيب) وفي رواية: (لا تصدقوهم ولا تكذبوهم). فلا يصدق خبرهم؛ لاحتمال أن يكون كذباً، ولا يكذب؛ لاحتمال أن يكون صدقاً، فمرويات بني إسرائيل لا تصدق ولا تكذب، إلا إذا جاء في شرعنا ما يدل على تصديق بعضها فنصدقه، وأما إذا جاء في شرعنا ما يدل على بطلانها فنبطلها ونكذبها. وقد ذكر هنا الحافظ ابن كثير ﵀ أن هذه الأمة خصها الله بالمحدثين والنقاد، والأئمة والجهابذة من العلماء الذين ينفون عن الدين تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، وقد نقحوا السنة وطهروها ونظفوها، وميزوا الوضاعين من الكذابين ومن المجهولين ومن الثقات، وأما الأمم السابقة فليس عندهم شيء من هذا، وليس لديهم إسناد، وإنما الإسناد خاص بهذه الأمة، ولهذا كثر التحريف والتبديل في الكتب السابقة، وأما القرآن الكريم فقد حفظه الله بنفسه، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، فهو محفوظ بحفظ الله، وأما السنة فقد قيض الله لها الجهابذة والنقاد والعلماء يحفظونها، وأما الكتب السابقة فإن الله تعالى لم يتول حفظها، بل وكل حفظها إليهم فلم يحفظوها، كما قال سبحانه تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة:٤٤]. أي: استحفظهم الله على حفظها فلم يحفظوها، فحرفت وبدلت، وأما القرآن فقد تولى الله حفظه بنفسه، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]. قال المؤلف ﵀: [وقوله: ((فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ))، أي: فخرج عن طاعة الله؛ فإن الفسق هو الخروج، يقال: فسقت الرطبة: إذا خرجت من أكمامها. وفسقت الفأرة من جحرها: إذا خرجت منه للعيث والفساد]. أصل كلمة (الفسق): الخروج، وسمي الفاسق فاسقاً لخروجه عن طاعة الله، والعاصي يسمى فاسقاً، وكذلك مرتكب الكبيرة؛ لخروجهما عن طاعة الله، وسميت الفأرة فاسقة لأنها تخرج من جحرها للعيث والفساد، وتسمى الفويسقة؛ لأنها خرجت عن طبيعة غيرها بالإيذاء، ومن ذلك قوله ﵊: (خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور، والغراب). فسميت هذه فواسق لأنها خرجت عن طبيعة غيرها من الحيوانات بالإيذاء والإفساد، وسمي الفاسق فاسقاً لخروجه عن طاعة الله إلى المعصية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قال تعالى مقرعاً وموبخاً لمن اتبعه وأطاعه: ((أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي)) أي: بدلاً عني. ولهذا قال: ((بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا)) وهذا المقام كقوله بعد ذكر القيامة وأهوالها ومصير كل من الفريقين السعداء والأشقياء في سورة يس: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٩] إلى قوله: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٢]].

стр. 443

تفسير قوله تعالى: (ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم) قال الله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف:٥١]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول الله تعالى: هؤلاء الذين اتخذتموهم أولياء من دوني عبيد أمثالكم لا يملكون شيئاً، ولا أشهدتهم خلق السماوات والأرض، ولا كانوا إذ ذاك موجودين. يقول تعالى: أنا المستقل بخلق الأشياء كلها، ومدبرها ومقدرها وحدي، ليس معي في ذلك شريك ولا وزير ولا مشير ولا نظير، كما قال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٢ - ٢٣] الآية. ولهذا قال: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف:٥١]. قال مالك: أعواناً]. هذه الآية فيها توبيخ للذين يتخذون الشيطان ولياً من دون الله، قال سبحانه: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ﴾ [الكهف:٥١]. يعني: هؤلاء الذين اتخذتموهم أولياء من دون الله ما شهدوا خلق السماوات ولا خلق الأرض، ولم يكونوا موجودين في ذلك الوقت. ولم يشهدوا خلق أنفسهم، وليس لهم من الأمر شيء، فكيف تتخذونهم أولياء من دون الله؟! وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف:٥١]. يعني أن المضلين لم يتخذهم الله أعواناً له، فهؤلاء الذين عُبدوا من دون الله واتُخذوا أولياء من دونه ليس لهم من الأمر شيء، ولم يشهدهم الله خلق السماوات والأرض، ولا خلق أنفسهم، فليس لهم في الأمر شيء، ولم يتخذهم الله أعواناً ولا أنصاراً، بل هو الكامل في ذاته وصفاته، الغني عن كل أحد، فلا يحتاج إلى أحد. وكل من يقول: إن لبعض الأشخاص تصرفاً في الكون فقوله لا دليل عليه، وقد قال الله: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ﴾ [الكهف:٥١] فمن قال ذلك الكلام فإنه يرد عليه بهذه الآية، وكذلك الذين يعبدون غير الله ، والذين يقولون: إن المتصرف في هذا الكون الكواكب أو غيرها، كل هؤلاء يرد عليهم بهذه الآية: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف:٥١].

стр. 444

تفسير قوله تعالى: (ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم) قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا * وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف:٥٢ - ٥٣]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى مخبراً عما يخاطب به المشركين يوم القيامة على رءوس الأشهاد تقريعاً لهم وتوبيخاً: ﴿نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ [الكهف:٥٢]. أي: في دار الدنيا، ادعوهم اليوم ينقذونكم مما أنتم فيه. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤]. وقوله: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ [الكهف:٥٢] كما قال: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ [القصص:٦٤]، الآية، وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ [الأحقاف:٥]، الآيتين، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم:٨١ - ٨٢]. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف:٥٢]. قال ابن عباس وقتادة وغير واحد: مهلكاً، وقال قتادة: ذكر لنا أن عمراً البكائي حدث عن عبد الله بن عمرو قال: هو واد عميق فرق به يوم القيامة بين أهل الهدى وأهل الضلالة. وقال قتادة: موبقاً: وادياً في جهنم]. وهذه الآية فيها إثبات الكلام لله ، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ﴾ [الكهف:٥٢]. ففيها إثبات القول والكلام لله، وأن الله يتكلم، وفيها رد على من أنكر كلام الله وقال: إنه ليس بحرف ولا صوت، من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة. وهذه الآية فيها التوبيخ للمشركين الذين عبدوا آلهة مع الله، فإن الله يناديهم ويقول لهم: ﴿نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ [الكهف:٥٢] أي: الذي زعمتم أنهم شركاء لله وعبدتموهم معه، قال تعالى: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ [الكهف:٥٢] أي أنهم دعوهم ولكنهم لم يستجيبوا لهم ولم ينفعوهم، وجعل الله بينهم وبينهم مهلكاً، فتبين هلاكهم وخسارتهم، فأهلكهم الله وسبقوا إلى النار، والعياذ بالله، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم:٨٥ - ٨٦]، فمن عبد غير الله ومات على الشرك فليس له إلا النار، فيُساق إلى جهنم سوقاً، والعياذ بالله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن جرير: حدثني محمد بن سنان القزاز حدثنا عبد الصمد حدثنا يزيد بن زريع سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول في قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف:٥٢]، قال: واد في جهنم من قيح ودم. وقال الحسن البصري: موبقاً: عداوة. والظاهر من السياق هاهنا أنه المهلك، ويجوز أن يكون وادياً في جهنم أو غيره. والمعنى أن الله تعالى بين أنه لا سبيل لهؤلاء المشركين ولا وصول لهم إلى آلهتهم التي كانوا يزعمون في الدنيا، وأنه يفرق بينهم وبينها في الآخرة، فلا خلاص لأحد من الفريقين إلى الآخر، بل بينهما مهلك وهول عظيم وأمر كبير. وأما إن جُعل الضمير في قوله: (بَيْنَهُمْ) عائداً إلى المؤمنين والكافرين -كما قال عبد الله بن عمرو: إنه يفرق بين أهل الهدى والضلالة به- فهو كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم:١٤]، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم:٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٩]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس:٢٨] إلى قوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [يونس:٣٠]، وقوله: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف:٥٣]، أي أنهم لما عاينوا جهنم حين جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك، فإذا رأى المجرمون النار تحققوا لا محالة أنهم مواقعوها، ليكون ذلك من باب تعجيل الهم والحَزَن لهم، فإن توقع العذاب والخوف منه قبل وقوعه عذاب ناجز]. أي: عذاب معجل، فكون الإنسان يخاف ويرهب ويتوقع أن يأتيه شر في المستقبل عذاب معجل، ثم إذا جاءه العذاب انتقل من عذاب إلى عذاب، والعياذ بالله، كما قال سبحانه: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف:٥٣]، فتبرز النار -والعياذ بالله- يوم القيامة، وإذا برزت ورآها الكفار تقاد يتيقنوا أنهم مواقعوها، فيزداد همهم وخوفهم ورعبهم وحزنهم، وهذا عذاب معجل لهم قبل أن يصلوا إليها، ثم يساقون إليها والعياذ بالله، ونسأل الله السلامة والعافية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف:٥٣]. أي: ليس لهم طريق يُعدل بهم عنها، ولابد لهم منها. قال ابن جرير: حدثني يونس أخبرنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الكافر ليرى جهنم فيظن أنها مواقعته من مسيرة أربعمائة سنة)]. وهذا الحديث ضعيف، ففيه دراج عن أبي الهيثم وهو ضعيف، والآية واضحة وصريحة في أن الكفار يرونها ويظنون أنهم مواقعوها. قال المؤلف ﵀: [وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ينصب الكافر مقدار خمسين ألف سنة كما لم يعمل في الدنيا، وإن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة)]. وهذا ضعيف؛ فإن فيه ابن لهيعة، ودراج عن أبي الهيثم.

стр. 445

تفسير قوله تعالى: (ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل) قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:٥٤]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى: ولقد بينا للناس في هذا القرآن ووضحنا لهم الأمور وفصلناها؛ كيلا يضلوا عن الحق ويخرجوا عن طريق الهدى، ومع هذا البيان وهذا الفرقان الإنسان كثير المجادلة والمخاصمة والمعارضة للحق بالباطل، إلا من هدى الله وبصره لطريق النجاة]. هذا هو أصل الإنسان، وهو أنه كثير الجدل وكثير المعارضة للحق، إلا من هداه الله، وقد بين الله تعالى هذا القرآن ووضحه وبين للناس فيه طريق الخير وطريق الشر، ومع ذلك فالإنسان كثير الجدل وكثير المعارضة للحق، إلا من هداه الله ووفقه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني علي بن الحسين أن حسين بن علي أخبره أن علي بن أبي طالب ﵁ أخبره (أن رسول الله ﷺ طرقه وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ليلة، فقال: ألا تصليان؟! فقلت: يا رسول الله! إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا. فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إلي شيئاً، ثم سمعته وهو مول يضرب فخذه ويقول: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:٥٤]) أخرجاه في الصحيحين]. فقول علي: (أنفسنا بيد الله)، يعني: سننام، فإن شاء الله بعثنا. فلم يعجب النبي ﷺ هذا القول، فولى ولم يرجع لهما قولاً، وضرب بيديه على فخذه، وقال: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:٥٤]. يعني: ما كان ينبغي هذا من علي ﵁، وكان ينبغي له أن يقول -مثلاً-: سنفعل إن شاء الله، وسنبذل الأسباب. وأما قوله: (أنفسنا بيد الله)، فمعناه: إننا لا ننام باختيارنا. فلم يعجب قوله الرسول ﵊، فولى وهو يضرب يده في فخذه، ويقول: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:٥٤] يعني أن هذا من الجدل.

стр. 446

تفسير قوله تعالى: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى) قال الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا * وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ [الكهف:٥٥ - ٥٦]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يخبر تعالى عن تمرد الكفرة في قديم الزمان وحديثه، وتكذيبهم بالحق البين الظاهر مع ما يشاهدون من الآيات والدلالات الواضحات، وأنه ما منعهم من اتباع ذلك إلا طلبهم أن يشاهدوا العذاب الذي وعدوا به عياناً، كما قال أولئك لنبيهم ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الشعراء:١٨٧]]. وهم قوم شعيب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وآخرون ﴿قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت:٢٩]]. وهم قوم لوط. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقالت قريش: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢]]. وهذا من الشقاء والعياذ بالله، ولو وفقوا لقالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له ووفقنا له واجعلنا نقبله ونرضى به ونختاره. لكن الشقاوة غلبت عليهم -نسأل الله العافية- فقالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال:٣٢] أي: الذي جاء به محمد ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢] نعوذ بالله من الخذلان. ومع ذلك حكم الله تعالى عليهم ولم يعاجلهم بالعقوبة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الحجر:٦ - ٧]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك. ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ [الكهف:٥٥]، من غشيانهم بالعذاب وأخذهم عن آخرهم، ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ [الكهف:٥٥]. أي: يرونه عياناً مواجهة ومقابلة. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [الأنعام:٤٨]، أي: قبل العذاب مبشرين من صدقهم وآمن بهم، ومنذرين لمن كذبهم وخالفهم. ثم أخبر عن الكفار بأنهم: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحق﴾ [غافر:٥]، أي: ليضعفوا به الحق الذي جاءتهم به الرسل، وليس ذلك بحاصل لهم. ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ [الكهف:٥٦]. أي: اتخذوا الحجج والبراهين وخوارق العادات التي بعث بها الرسل وما أنذروهم وخوفوهم به من العذاب ﴿هُزُوًا﴾ [الكهف:٥٦]. أي: سخروا منهم في ذلك، وهو أشد التكذيب]. أي: سخر الكفرة من الآيات ومن النذر، والذي منعهم من الإيمان هو: ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ [الكهف:٥٥]، فتعسفوا ولم يقبلوا الحق وأنكروه، فلم يبق إلا ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ [الكهف:٥٥]، نسأل الله العافية.

стр. 447

تفسير قوله تعالى: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها) قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا * وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا * وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف:٥٧ - ٥٩]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى: وأي عباد الله أظلم ممن ذكر بآيات الله فأعرض عنها؟! أي: تناساها وأعرض عنها ولم يصغ لها ولا ألقى إليها بالاً (وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) أي: من الأعمال السيئة والأفعال القبيحة (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ) أي: قلوب هؤلاء (أَكِنَّةً) أي: أغطية وغشاوة (أَنْ يَفْقَهُوهُ) أي: لئلا يفهموا هذا القرآن والبيان، (وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا) أي: صمماً معنوياً عن الرشاد (وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا)]. وهذا -نسأل الله العافية- بسبب عنادهم وكفرهم وعدم قبولهم للحق، فقد جعل الله على قلوبهم أكنة، أي: غشاوة وغطاء معنوياً يمنعهم من قبول الحق؛ بسبب عدم قبولهم للحق لما جاءهم وردهم له، كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥]، وكما قال سبحانه: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:١١٠]، فلما جاءهم الحق ووضحه الله لهم وردوه عن بصيرة لا عن جهل عاقبهم الله، وجعل على قلوبهم أكنة، فلا يفقهون هذا القرآن، نسأل الله العافية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ)، أي: ربك -يا محمد- غفور ذو رحمة واسعة (لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ) كما قال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر:٤٥]، وقال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد:٦]، والآيات في هذا كثيرة شتى. ثم أخبر أنه يحلم ويستر ويغفر، وربما هدى بعضهم من الغي إلى الرشاد، ومن استمر منهم فله يوم يشيب فيه الوليد، وتضع كل ذات حمل حملها، ولهذا قال: ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف:٥٨]. أي: ليس لهم عنه محيص ولا محيد ولا معدل. وقوله: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف:٥٩]، أي: الأمم السالفة والقرون الخالية أهلكناهم بسبب كفرهم وعنادهم. ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف:٥٩]، أي: جعلناه إلى مدة معلومة ووقت معين، لا يزيد ولا ينقص. أي: وكذلك أنتم -أيها المشركون- احذروا أن يصيبكم ما أصابهم، فقد كذبتم أشرف رسول وأعظم نبي، ولستم بأعز علينا منهم، فخافوا عذابي ونذر]. وهذا فيه تهديد ووعيد لكفار قريش بأن الله مع كونه الغني ذا الرحمة لا يعاجلهم بالعقوبة، فهو غني وذو رحمة واسعة، ولا يعاجلهم بالعقوبة، بل يحلم عليهم ويمهلهم، كما قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف:٥٨]. ثم بين أن الأمم السابقة أهلكهم الله بسبب ظلمهم وشركهم وعنادهم وتكذيبهم الأنبياء، وجعل لذلك وقتاً محدداً، ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف:٥٩]. يعني: فاحذروا -أنتم أيها الكفار- أن تستمروا على تكذيب محمد ﷺ وعدم قبول الحق فيصيبكم ما أصابهم.

стр. 448

تفسير سورة الكهف [٦٠ - ٦٥] تعتبر القصص القرآنية جانباً من الجوانب العظيمة في عرض حقائق الدين، وبيان مآل المكذبين والمتقين، وقد حفلت سورة الكهف بجملة وافرة من تلك القصص الواقعة أحداثها في الزمن الغابر، ومن جملتها قصة موسى والخضر ﵉، المتضمنة بيان سعة علم الله تعالى، واختصاصه بإطلاع من يريد على جزء من المغيبات، وتواضع الأنبياء، وشرف طلب العلم، وغير ذلك.

стр. 449

تفسير قوله تعالى: (وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين) قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا * قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا * فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف:٦٠ - ٦٥]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [سبب قول موسى ﵊ لفتاه -وهو يوشع بن نون - هذا الكلام أنه ذكر له أن عبداً من عباد الله بمجمع البحرين عنده من العلم ما لم يحط به موسى، فأحب الرحيل إليه، وقال لفتاه ذلك: (لا أَبْرَحُ) أي: لا أزال سائراً، (حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ) أي: هذا المكان الذي فيه مجمع البحرين. قال الفرزدق: فما برحوا حتى تهادت نساؤهم ببطحاء ذي قار عياب اللطائم]. وهذا البيت مذكور في تفسير الطبري. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال قتادة وغير واحد: هما بحر فارس مما يلي المشرق، وبحر الروم مما يلي المغرب، وقال محمد بن كعب القرظي: مجمع البحرين عند طنجة، يعني: في أقصى بلاد المغرب. فالله أعلم. وقوله: (أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا) أي: ولو أني أسير حقباً من الزمان. قال ابن جرير ﵀: ذكر بعض أهل العلم بكلام العرب أن الحقب في لغة قيس سنة، ثم قد روى عن عبد الله بن عمر أنه قال: الحقب ثمانون سنة. وقال مجاهد: سبعون خريفاً. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا) قال: دهراً. وقال قتادة وابن زيد مثل ذلك]. فالحقب: السنون والدهور التي لا نهاية لها. فكلما انتهى حقب جاء حقب غيره، قال عن أهل النار: (لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا) يعني: دهوراً، كل ما انتهى حقب أعقبه آخر، وهكذا إلى ما لا نهاية. فكأن موسى ﵊ قال على جهة المبالغة: لا أزال أمضي حتى أبلغ مجمع البحرين وأجد هذا العبد الصالح لأتعلم منه، ولو أمضيت حقباً ودهوراً، يعني: لن أزال سائراً حتى أبلغ مجمع البحرين مهما كلف الأمر، ولو أمضيت دهوراً وحقباً من السنين. وهذا يدل على رغبته ﵊ في طلب العلم وحرصه العظيم عليه، فإذا كان موسى ﵊ -وهو نبي الله- يحرص هذا الحرص على طلب العلم، وسافر ورحل في طلبه، حتى ركب البحر من أجل طلبه وتعلمه، وقد أعطاه الله النبوة واصطفاه بالرسالة والتكليم، وهو من أولي العزم، ومع ذلك يسافر في طلب العلم، ويحرص كل هذا الحرص عليه، ويقول لفتاه: لا أزال أسير حتى أبلغ مجمع البحرين، أو أمضي حقباً، وإذا كان الله تعالى قد قال لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]، فأولى بطالب العلم أن لا يفتأ يتعلم ويستفيد ويحرص على طلب العلم، وقد كان الأئمة يكتبون الحديث ويتعلمون، حتى قال بعضهم: من المحبرة إلى المقبرة. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف:٦٠]، يعني: ولو أمضي حقباً حتى أصل إليه. وفتاه هذا هو يوشع بن نون، وقد أصبح نبياً بعد موسى ﵊، وهو الذي فتح بيت المقدس، وهو الذي حبست له الشمس، ولم تحبس لأحد؛ لأن موسى ﵊ مات في التيه في الصحراء فيما بين مصر وفلسطين، وهو التيه الذي عاقب الله به بني إسرائيل لما امتنعوا من دخول بيت المقدس وقتال الكفار، وقالوا لنبيهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]، وقال موسى ﵊: ﴿رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة:٢٥]، فقال الله: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة:٢٦] فحرمت عليهم تحريماً قدرياً، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ [القصص:١٢]، والتحريم قد يكون شرعياً وقد يكون قدرياً، فهذا تحريم قدري، فالله تعالى قدر عليهم العصيان وعاقبهم بالتيه، وقدر عليهم ألا يدخلوها، قال العلماء: مات هذا الجيل الذي تربى على الخوف من فرعون وامتنع عن دخول الأرض المقدسة، وخرج جيل جديد رباهم موسى ﵊ على الشجاعة والقوة، ثم توفي موسى ﵊ في التيه، ففتح فتاه يوشع بن نون بيت المقدس ودخلها، ولما فتحها كان قد قرب غروب الشمس لتدخل ليلة السبت، فقال للشمس يخاطبها: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا. فحبست الشمس حتى تم الفتح، فدخلها يوشع ﵊، ولم تحبس الشمس لأحد إلا له، وما جاء في بعض الآثار من أنها حبست لـ علي فهو أقوال ضعيفة من وضع الرافضة والشيعة، والصواب أن الشمس ما حبست إلا ليوشع بن نون ﵊.

стр. 450

بيان معنى قوله تعالى: (فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما) قال المؤلف ﵀: [وقوله: (فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا)، وذلك أنه كان قد أُمر بحمل حوت مملوح معه، وقيل له: متى فقدت الحوت فهو ثمة]. (ثَمَّ) ظرف مكان، يعني: فهو هناك. والمعنى: إذا فقدت الحوت فستجده هناك. وهذه علامة جعلها الله لموسى لما قال: يا رب! أين أجده؟ فقال: في مجمع البحرين. وجعل الله له ذلك علامة، وهي فقد الحوت، فإذا فقده رجع إليه ليجد هذا العبد - الخضر - هناك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فسارا حتى بلغا مجمع البحرين، وهناك عين يقال لها: عين الحياة، فناما هنالك، وأصاب الحوت من رشاش ذلك الماء فاضطرب، وكان في مكتل مع يوشع ﵇، وطفر من المكتل إلى البحر، فاستيقظ يوشع ﵇، وسقط الحوت في البحر فجعل يسير في الماء، والماء له مثل الطاق لا يلتئم بعده، ولهذا قال تعالى: (فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا)، أي: مثل السراب في الأرض]. وهذا من آيات الله العظيمة، وهو دليل على قدرته العظمة، ودليل على البعث، فإن هذا الحوت كان مملوحاً ومشوياً فأحياه الله، فاضطرب ودخل في البحر، وقد كان هذا الحوت المملوح المشوي غداءً لموسى ويوشع بن نون يحملانه في مكتل، فلما ناما أصابه رشاش من هذه العين، فأحياه الله، فاضطرب فقفز، و (طفر) بمعنى: (قفز) فقفز من المكتل وسقط في البحر وجعل يمشي فيه، وأمسك الله جرية الماء، كما جاء في بعض الآثار من أن الماء أصبح مثل الطاق يشاهده يوشع، وموسى ﵊ نائم، وهذا من آيات الله العظيمة، وهو دليل على قدرة الله العظيمة، وأنه لا يعجزه شيء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، وهو دليل على البعث وعلى أن الله يحيي الأرض بعد موتها، وهذه إحدى القصص التي فيها إحياء الله للموتى. وقد ذكر الله في سورة البقرة قصصاً أحيا الله فيها الموتى، منها قتيل بني إسرائيل، فقد أحياه الله لما ذبحوا البقرة وضربوه بشيء منها. ومنها: أن بني إسرائيل أصابتهم الصاعقة، ثم أحياهم الله بعد أن ماتوا، قال الله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:٥٦]، وذلك لما ذهبوا مع موسى وقالوا: أرنا الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة فماتوا، فجعل موسى ﵊ يبتهل إلى ربه ويسأله حتى أحياهم الله. وكذلك الذين خرجوا من ديارهم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة:٢٤٣]. وكذلك قصة عزير الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها فقال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟! فأماته الله هو وحماره، ثم أحياه الله وأحيا له حماره وهو ينظر إليه، وقد أماته الله مائة عام، وكان معه طعامه وماؤه فلم يتغيرا، ووجد أن فاكهته بعد مائة سنة على حالها لم تتغير، ولم يكن يوجد برادات ولا ثلاجات، وإنما الله تعالى لا يعجزه شيء. وكذلك طيور إبراهيم ﵊، فقد سأل ربه قائلاً: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠]، فإبراهيم ﵇ أراد أن ينتقل من علم اليقين إلى عين اليقين، وكان موقناً مصدقاً، ولكنه أراد أن ينتقل من درجة إلى درجة؛ ليترقى في المراتب من رتبة إلى رتبة، فأراد أن ينتقل من رتبة العلم إلى رتبة المعاينة؛ لأن رتبة المعاينة فوق رتبة العلم، فأمره الله أن يأخذ أربعة من الطير فيصرهن أي: يقطعهن، فقطع الطيور الأربعة، وجعل على كل جبل منهن جزءاً، وأخذ الرءوس بيده، فصارت تتطاير وهي جثث، فإذا ركب الرأس الذي ليس له امتنع حتى تأتي الجثة التي له فيركب فيها، وهذا من آيات الله العظيمة. وهذه القصة التي في سورة الكهف هي منها، وهي أن الله أحيا الحوت الميت المشوي الذي كان غداءً لهم، فأحياه الله بمجرد ما أصابه رشاش من هذه العين، فاضطرب وقفز من المكتل وسقط في البحر، وأمسك الله جرية الماء عنه، حتى صار مثل الطاق، وشاهده يوشع وهو يسير في البحر. ثم أنساه الله ذلك فنسي، وهو إنما جاء مع موسى لهذه المهمة، فقد كان عمله أن يحمل الغداء، ومع ذلك نسي وقال: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف:٦٣] وهذه الآية فيها دليل على أن عدو الله الشيطان يتسلط على الإنسان فينسيه، وفيها أنه قد يتسلط على الأنبياء وغيرهم، فسارا يوماً وليلة حتى أصاب موسى النصب، فقال: (آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ)؛ لأنه جُعل له علامة، فرجعا فوجدا الخضر هناك، كما جاء في الآثار. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن جريج: قال ابن عباس: صار أثره كأنه حجر]. أي: مثل الطاق. يعني: لما دخل الحوت في البحر صار أثره كأنه حجر، فكان أثره فرقاً في البحر مثل الطاق يشاهد، والماء لا يلتئم، ومشى الحوت مسافات ويوشع يشاهده. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال العوفي عن ابن عباس: جعل الحوت لا يمس شيئاً من البحر إلا يبس حتى يكون صخرة. وقال محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ حين ذكر حديث ذلك: (ما انجاب ماء منذ كان الناس)]. قوله (انجاب) أي: وقف الماء حتى صار كالطريق للحوت، يقول: ما انجاب الماء ولا انفتح إلا لهذا الحوت المذكور في هذه القصة. قال: [(ما انجاب ماء منذ كان الناس غير مسير مكان الحوت الذي فيه، فانجاب كالكوة حتى رجع إليه موسى فرأى مسلكه، فقال: (ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ))]. يعني: حتى رجع موسى وأراه يوشع الطريق، فقد كان الطريق مفتوحاً بعد أن سار فيه الحوت، كأنه طريق في البحر، فقد وقف الماء عن يمينه وعن شماله. ومحمد بن إسحاق مدلس، وقد عنعن، وهو ثقة. فقوله: (غير مسير ذلك الحوت الذي فيه) يعني: أن الماء سنة الله فيه أنه يمشي ولا يقف، فلم يقف إلا في هذه الحادثة، فقد انجاب وانفتح وانقبض وتجمع يميناً وشمالاً حتى صار كالطريق وكالكوة، وهذا من آيات الله العظيمة؛ لأن سنة الله الكونية في البحر أنه يمشي ولا يقف، ومثل هذا ما حدث عندما أمر الله موسى أن يضرب البحر بعصاه، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، وذلك لما تبعهم فرعون ومن معه، فصار اثني عشر طريقاً، وصار كالطود، أي: كالجبل، فقد صار يبساً في الحال، وأصبح طريقاً، وأصبح الماء عن اليمين وعن الشمال كالجبال، فدخل بنو إسرائيل هذه الطرق، فتبعهم فرعون وجنوده، فلما اكتمل خروج موسى وقومه من الجهة الأخرى، ودخل فرعون وجنوده فيه؛ أمر الله البحر بأن يعود إلى حالته فانطبق عليهم، وهذا من آيات الله العظيمة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال قتادة: سرب من البحر حتى أفضى إلى البر] يعني: قفز من المكتل وهو في البر فسقط في البحر [ثم سلك فيه فجعل لا يسلك طريقًا فيه إلا صار ماء جامداً]. وهذا فيه من آيات الله العظيمة وقدرته، فمن ذلك أن الله تعالى أحيا هذا الحوت بعد أن كان مشوياً مملوحاً معداً للأكل. وأمسك الله جرية الماء، فصار طريقاً، قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، وهو الذي خلق البحر وخلق الحوت، وسخر البحر، فبيده كل شيء، وبيده السنن الكونية، فلا يعجزه شيء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (فَلَمَّا جَاوَزَا) أي: المكان الذي نسيا الحوت فيه، ونسب النسيان إليهما -وإن كان يوشع هو الذي نسيه- كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:٢٢]، وإنما يخرج من المالح في أحد القولين]. يعني: نسبه تغليباً، فقال: (نَسِيَا حُوتَهُمَا) مع أن الذي نسيه هو يوشع، فقال: (نسيا) بالتثنية من باب التغليب، وإلا فالذي نسيه هو يوشع؛ لأنه كان هو الموكل بهذا الأمر، وقد أتى معه لهذه المهمة.

стр. 451

بيان معنى قوله تعالى: (فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلما ذهبا عن المكان الذي نسياه بمرحلة (قال) موسى: (لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا) أي: الذي جاوزا فيه المكان، (نَصَبًا)، يعني: تعباً. (قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) قال قتادة: وقرأ ابن مسعود: (أن أذكركه) ولهذا قال: (وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ)، أي: طريقه، (فِي الْبَحْرِ عَجَبًا)]. هنا تقديم وتأخير، والتقدير: وما أنسانيه أن أذكره إلا الشيطان، أي: ما أنساني ذكر الحوت إلا الشيطان. وقراءة ابن مسعود تحتمل: (أن أذكِّركه) وتحتمل: (أن أذكركه) بمعنى: أن أذكره لك، أي: أذكر لك خبر الحوت، فالمعنى: وكاف الخطاب يعود إلى موسى؛ لأنه هو المخاطب، والمتكلم فتاه يوشع. وفي نسخة أخرى: [وقرأ ابن مسعود: وما أنسانيه أن أذكره إلا الشيطان]. فلعل هناك تقديماً وتأخيراً في النسخ، والقراءة المشهورة هي: (أَنْ أَذْكُرَهُ) مع أن الحافظ يذكر القراءة، ويقول: هذه قراءة شاذة، أو قراءة كذا. قال أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله تعالى: [يقول تعالى ذكره: قال فتى موسى لموسى حين قال آتنا غداءنا لنطعم (أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ) هنالك: (وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ) يقول: وما أنساني الحوت إلا الشيطان، (أَنْ أَذْكُرَهُ) فـ (أن) في موضع نصب رداً على الحوت؛ لأن معنى الكلام: وما أنساني أن أذكر الحوت إلا الشيطان، سبق الحوت إلى الفعل]. ويمكن أن تكون الجملة: نسب الحوت إلى الفعل. قال: [ورد عليه قوله: (أَنْ أَذْكُرَهُ) وقد ذكر أن ذلك في مصحف عبد الله: وما أنسانيه أن أذكره إلا الشيطان]. وهذا يحتاج إلى رجوع إلى كتب القراءات، فإن ابن جرير يقول: إن في نسخة عبد الله (وما أنسانيه أن أذكره إلا الشيطان). والظاهر أن موسى لم ير الحوت لما سقط في البحر، وإنما رآه فتاه، ويحتمل أنه رآه بعد ذلك، فالله أعلم، والذي جاء في الحديث أن الذي رآه يوشع، كما جاء ذلك في الأثر الذي ذكره المؤلف، ولو رآه موسى لما قال له: (آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا) فموسى عندما قال: (آتِنَا غَدَاءَنَا)، كان يريد الحوت. قال المؤلف ﵀: [ولهذا قال: (وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ) أي: طريقه (فِي الْبَحْرِ عَجَبًا) (ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ) أي: هذا هو الذي نطلب (فَارْتَدَّا)، أي: رجعا (عَلَى آثَارِهِمَا)، أي: طريقهما، (قَصَصًا)، أي: يقصان أثر مشيهما ويقفوان أثرهما.

стр. 452

بيان معنى قوله تعالى: (فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [(فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) وهذا هو الخضر ﵇ كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ . قال البخاري: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو بن دينار أخبرني سعيد بن جبير قال: قلت لـ ابن عباس: إن نوفاً البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ﵇ ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل. قال ابن عباس: كذب عدو الله]. وهذا من باب الشدة في الإنكار، ومعنى (كذب): أخطأ. فمن أخطأ يقال له: كذب، وإن لم يتعمد الكذب، فهذا من باب الشدة في الإنكار، ومن الكلمات التي لا يراد بها معناها، ومن ذلك قوله ﷺ لـ صفية: (عقرى حلقى). وهذا لا يراد به حقيقته. فقول ابن عباس: (كذب عدو الله)، يعني: أخطأ في هذا، بل هو موسى بني إسرائيل. ومنه ما جاء في الحديث في قصة الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ وقال: (إن بطن أخي استطلق. فقال: أسقه عسلاً. فجاءه فقال له: زاد استطلاقه. فقال: اسقه عسلاً. فأتاه في المرة الثالثة، فقال: اسقه عسلاً، ثم قال: (صدق الله وكذب بطن أخيك). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال البخاري: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو بن دينار أخبرني سعيد بن جبير قال: (قلت لـ ابن عباس: إن نوفاً البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ﵇ ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل، قال ابن عباس: كذب عدو الله، حدثنا أبي بن كعب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: إن موسى قام خطيباً في بني إسرائيل فسئل: أي الناس أعلم؟ قال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: إن لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك، فقال موسى: يا رب! وكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتاً فتجعله بمكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثم، فأخذ حوتاً فجعله بمكتل ثم انطلق، وانطلق معه فتاه يوشع بن نون ﵇، حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رءوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سرباً، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: (آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا))]. أي: سارا يوماً وليلة، ونسي يوشع أن يخبر موسى بما رآه، ثم لما طلب موسى منه الغداء بعد أن أحس بالجوع والتعب أخبره بأنه نسي الحوت، وأنه ليس معهما شيء، فقال: (وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ)، وفيه تسلط الشيطان على الإنسان حتى في الأمور الواضحة؛ لأن أمراً مثل هذا لا ينسى؛ إذ إن مهمة يوشع هي أن يحمل المكتل، وليس معه شيء آخر يشغله، ومع ذلك نسي هذه المهمة التي هي حمل الغداء. قال: [(ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به قال له فتاه: (أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا)، قال: فكان للحوت سرباً ولموسى وفتاه عجباً)]. أي أن الله تعالى جعل لموسى علامة على العثور على الخضر، وذلك عند فقدانه للحوت، فأخبره فتاه أنه فقد الحوت، فقال: هذا هو الذي نريد، فقد حصلت العلامة، فرجعا إلى مكانهما فوجدا الخضر. قال: [(فقال: (ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا)، قال: فرجعا يقصان أثرهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوب، فسلم عليه موسى فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام؟! قال: أنا موسى. فقال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: ما جاء بك؟ قال: أتيتك لتعلمني مما علمت رشداً)]. وهذا فيه فوائد، منها أن السلام مشروع في الأمم السابقة، فلهذا سلم موسى، والسلام تحية المؤمنين في الدنيا وتحية المؤمنين في الجنة، فلما جاء موسى وفتاه وجدا هذا الرجل مسجى، أي: مغطى بثوب، فسلم موسى، فرفع الخضر رأسه لما سمع السلام، فقال: (وأنى بأرضك السلام؟!) أي: من أين أنت؟ وكأن -والله أعلم- أن هذه الأرض أرض سوء ليس فيها سلام، فالسلام محل استغراب، فقال له: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. وهذا فيه دليل واضح على أن موسى التي حصلت له القصة هو موسى بني إسرائيل، ويدل -أيضاً- على أن موسى مرسل إلى بني إسرائيل خاصة، وليست رسالته عامة كرسالة نبينا ﷺ ، لأن الخضر كان في أرض بعيدة، ولم يكن موسى مرسلاً إليه، ولا هو مكلف بشريعة موسى، ولهذا لما قال: أنا موسى قال: موسى بني إسرائيل؟! قال: ما جاء بك، قال: جئت لتعلمني مما علمت رشداً، وفي بعض الآثار أنه قال: (أما تكفيك التوراة التي أنزلها الله عليك؟!).

стр. 453

تواضع موسى ﵇ وصبره على طلب العلم قال: [(﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف:٦٧]، يا موسى! إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه، فقال موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف:٦٩]، قال له الخضر: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف:٧٠])]. وهذا فيه تواضع موسى ﵊، حيث قال: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) ولا شك في أن موسى أفضل من الخضر؛ لأن موسى من أولي العزم من الرسل، أما الخضر فمختلف في نبوته، فقيل: عبد صالح، وقيل: نبي، والصواب أنه نبي، كما جاء في الحديث أنه قال: (أنا على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمكه لا أعلمه) يعني: كل واحد منا عنده علم، وفيه دليل على أنه قد يكون عند المفضول ما ليس عند الفاضل، فالخضر كان عنده علم لا يعلمه موسى، فدل ذلك على أن العلم مشترك، وقد يكون عند الصغير ما ليس عند الكبير، وقد يكون عند التلميذ ما ليس عند الشيخ، فينبغي للإنسان أن يأخذ العلم من كل أحد، ممن فوقه وممن دونه وممن هو مماثل، ولهذا قال العلماء: لا ينبل الإنسان حتى يأخذ العلم ممن فوقه وممن دونه وممن هو مماثل له. وهناك رواية الأصاغر عن الأكابر، كما هو معلوم في مصطلح الحديث، وكذلك رواية الآباء عن الأبناء، فقد يستفيد الأب من ابنه، وقد يستفيد الشيخ من تلميذه، فهذا موسى ﵇ استفاد من الخضر لما كان عنده علم لا يعلمه موسى. وفيه أن الله تعالى عتب على موسى إذ لم يرد العلم إليه، فلما سئل: من أعلم أهل الأرض؟ فقال: أنا. وفيه أن النبي قد يغلط وقد يخطئ وقد يعتب الله عليه، ولا يقره على الخطأ. وفيه التواضع في طلب العلم. وفيه أنه لابد من الصبر، ولذا قال الخضر لموسى: إنك لا تستطيع أن تصبر، فأجابه: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا). وفيه تعليق الأمر بمشيئة الله في قوله: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ)، وكما في الآية: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤]، فعليك بتفويض الأمر إلى الله . وفيه سعة علم الله .

стр. 454

موقف موسى ﵇ من خرق الخضر للسفينة قال: [(فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول، فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قد حملونا بغير نول فعمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها؟ ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف:٧١])]. أي: حملوا الثلاثة: الخضر وموسى وفتاه بدون أجرة؛ لأنهم عرفوا الخضر، أما موسى فليس معروفاً في هذه الأرض البحرية البعيدة، وقوله: (لقد جئت شيئاً إمراً) أي: أمراً عظيماً. قال: [(فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواح السفينة بالقدوم)]. يعني: فاجأهم الخضر بأن أخذ الفأس وصار يضرب ضرباً قوياً حتى خرق السفينة، فانزعج موسى لهذا الأمر ولم يصبر، فموسى ﵇ كان شديداً في أمر الله، فقد جبله الله على الشدة والقوة وإنكار المنكر؛ لأنه يرى أن هذا مخالف لظاهر الشرع، فلذلك انزعج موسى واستغرب استغراباً عظيماً، وقال منكراً على الخضر: أناس حملونا بغير أجرة وأحسنوا إلينا تفسد عليهم سفينتهم، (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ)؟! فذكره الخضر بما قال له فقال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٢] أي: قد أخبرتك ابتداءً أنك لا تستطيع أن تصبر. قال: [﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف:٧٢ - ٧٣]]. يعني: ذكره الخضر بأنه اشترط عليه أن يصبر، فتذكر فقال: هذه نسيان مني. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: وقال رسول الله ﷺ : (فكانت الأولى من موسى نسياناً)].

стр. 455

سعة علم الله تعالى قال: [(قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة، فنقر في البحر نقرة أو نقرتين، فقال له الخضر: ما علمي وعلمك في علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر)]. هذا فيه سعة علم الله وإحاطته، قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: ما نعلم أنه جاء مثل هذا في بيان سعة علم الله، حيث قال: ما نقص علمي وعلمك إلا كما ينقص هذا العصفور بمنقاره من البحر، ولعمري ماذا ينقص من بحر متلاطم الأمواج وقد غطى أربعة أخماس العالم؟! فهذه نسبة علم موسى والخضر إلى علم الله. ولهذا خلق الله السماوات والأرض ليعلم الناس سعة علمه وإحاطته وعظيم قدرته، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢].

стр. 456

موقف موسى ﵇ من قتل الخضر للغلام قال: [(ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده فقتله، فقال له موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف:٧٤])، قال: وهذه أشد من الأولى ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف:٧٦]]. هذه المسألة الثانية هي أشد وأشنع من الأولى، فكانت الأولى في البحر، والثانية في الساحل، فإنه لما نزل من السفينة وجد غلاماً يلعب مع الصبيان، فأخذ برقبته وانتزعها ورماه في الأرض، فانزعج موسى انزعاجاً عظيماً، وأنكر عليه أشد الإنكار، وقال: (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا) أي: قتلت نفساً زكية معصومة بغير مسوغ للقتل؟! ولهذا قال: (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا) إذ القتل لا يجوز إلا بمقابل، فكيف تقتل غلاماً يلعب مع الصبيان بدون سبب؟! فقال له الخضر: (أَلَمْ أَقُلْ لَكَ)، فأكد بقوله: (لك)؛ لأنه قال له في الأولى: (أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)، أما هنا فقال له: (أَلَمْ أَقُلْ لَكَ) ففيه زيادة تأكيد، وهذا يدل على أنه فعل هذا بوحي من الله، وهذا مما يؤيد أن الخضر نبي يوحى إليه.

стр. 457

إثبات نبوة الخضر ﵇ يرى كثير من العلماء أن الخضر ليس نبياً، وأنه عبد صالح، وأنه فعل هذا بإلهام من الله، وهذا ليس بسديد، بل هو قول مرجوح وإن قال به الكثير، والصواب أنه لا يمكن أن يفعل هذا إلا بوحي من الله، ولهذا قال: (أنا على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه)، ثم قال في آخر القصة: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢] أي أنه إنما فعل هذا عن وحي من الله، فالصواب أنه نبي يوحى إليه، كما بين الله في آخر القصة، كما أنه قال: ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ [الكهف:٨٠]، وفي قراءة: (وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين) فكيف يعلم الخضر أنه لو عاش لكان كافراً، وأنه سيرهق أبويه طغياناً وكفراً؟! إنما يعلم ذلك بوحي، وإن الله تعالى أمره بقتله، وأبدل الله أبويه خيراً من هذا الغلام ركاة وأقرب رحماً. وكذلك الجدار، فمن كان يعلم أن تحته كنزاً، وأنه لغلامين يتيمين في المدينة؟! والقول بأن هذا بإلهام من الله ومن العلم اللدني هو من خرافات الصوفية الذين يفعلون الفواحش ويقولون: هذا بإلهام من الله. وفي آخر القصة قال: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢] يعني أنه قاله عن أمر الله.

стр. 458

إعذار موسى للخضر بمفارقته بعد الاعتراض قوله: [قال: وهذه أشد من الأولى: (قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا)]. يعني: قال له موسى: إن سألتك عن شيء بعدها فأنت معذور بمفارقتي وعدم مصاحبتي، فأمهلني مرة واحدة فقط، فإن لم أصبر ففارقني ولا تصاحبني بعدها، ولهذا فارقه الخضر بعدها.

стр. 459

موقف موسى ﵇ من بناء الجدار قال: [﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾ [الكهف:٧٧] أي: مائلاً، فقال الخضر بيده ﴿فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف:٧٧]، فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٧ - ٧٨]. فقال رسول الله ﷺ : (وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما)].

стр. 460

الحكمة من خرق الخضر للسفينة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال سعيد بن جبير: كان ابن عباس يقرأ: (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً)]. يعني أن الخضر أراد أن يجعل في السفينة عيباً حتى لا تؤخذ. قوله: (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ) يعني: أمامهم (ملك) ظالم، (يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ) أي: صالحة، أما السفينة التي فيها عيب فلا يأخذها، فأراد الخضر أن يجعل فيها عيباً حتى تبقى السفينة للمساكين. وهذا فيه دليل على أن المسكين يكون عنده شيء من المال، فهو أحسن حالاً من الفقير، إذ الفقير هو الذي لا يجد شيئاً، أو يجد أقل من نصف كفايته، فيعطى كفاية لمدة سنة، والمسكين يجد أكثر من النصف، إلا أنه لا يجد الكفاية، فيعطى ما يكفيه لمدة سنة نفقة وكسوة وسكنى، فهؤلاء كانوا مساكين، ومع ذلك يملكون سفينة. إذاً: فالخضر أراد أن يجعل في السفينة عيباً حتى تبقى لهم، ولا يأخذها هذا الملك الظالم؛ لأنها لو بقيت سليمة لأخذها، فكان يرسل من ينظر في السفن، فالتي فيها عيب يتركونها، والسفينة الصالحة يأخذونها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكان يقرأ: (وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين)]. هذه ليست قراءة سبعية، وإنما تحمل على أنها تفسير، ومعلوم أن القراءة الشاذة تحمل على أنها تفسير.
следующие страницы →