Полный текст (873 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
موقف موسى ﵇ من قتل الخضر للغلام
قال: [(ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده فقتله، فقال له موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف:٧٤])، قال: وهذه أشد من الأولى ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف:٧٦]].
هذه المسألة الثانية هي أشد وأشنع من الأولى، فكانت الأولى في البحر، والثانية في الساحل، فإنه لما نزل من السفينة وجد غلاماً يلعب مع الصبيان، فأخذ برقبته وانتزعها ورماه في الأرض، فانزعج موسى انزعاجاً عظيماً، وأنكر عليه أشد الإنكار، وقال: (أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا) أي: قتلت نفساً زكية معصومة بغير مسوغ للقتل؟! ولهذا قال: (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا) إذ القتل لا يجوز إلا بمقابل، فكيف تقتل غلاماً يلعب مع الصبيان بدون سبب؟! فقال له الخضر: (أَلَمْ أَقُلْ لَكَ)، فأكد بقوله: (لك)؛ لأنه قال له في الأولى: (أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)، أما هنا فقال له: (أَلَمْ أَقُلْ لَكَ) ففيه زيادة تأكيد، وهذا يدل على أنه فعل هذا بوحي من الله، وهذا مما يؤيد أن الخضر نبي يوحى إليه.
стр. 457
إثبات نبوة الخضر ﵇
يرى كثير من العلماء أن الخضر ليس نبياً، وأنه عبد صالح، وأنه فعل هذا بإلهام من الله، وهذا ليس بسديد، بل هو قول مرجوح وإن قال به الكثير، والصواب أنه لا يمكن أن يفعل هذا إلا بوحي من الله، ولهذا قال: (أنا على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه)، ثم قال في آخر القصة: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢] أي أنه إنما فعل هذا عن وحي من الله، فالصواب أنه نبي يوحى إليه، كما بين الله في آخر القصة، كما أنه قال: ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ [الكهف:٨٠]، وفي قراءة: (وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين) فكيف يعلم الخضر أنه لو عاش لكان كافراً، وأنه سيرهق أبويه طغياناً وكفراً؟! إنما يعلم ذلك بوحي، وإن الله تعالى أمره بقتله، وأبدل الله أبويه خيراً من هذا الغلام ركاة وأقرب رحماً.
وكذلك الجدار، فمن كان يعلم أن تحته كنزاً، وأنه لغلامين يتيمين في المدينة؟! والقول بأن هذا بإلهام من الله ومن العلم اللدني هو من خرافات الصوفية الذين يفعلون الفواحش ويقولون: هذا بإلهام من الله.
وفي آخر القصة قال: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢] يعني أنه قاله عن أمر الله.
стр. 458
إعذار موسى للخضر بمفارقته بعد الاعتراض
قوله: [قال: وهذه أشد من الأولى: (قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا)].
يعني: قال له موسى: إن سألتك عن شيء بعدها فأنت معذور بمفارقتي وعدم مصاحبتي، فأمهلني مرة واحدة فقط، فإن لم أصبر ففارقني ولا تصاحبني بعدها، ولهذا فارقه الخضر بعدها.
стр. 459
موقف موسى ﵇ من بناء الجدار
قال: [﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾ [الكهف:٧٧] أي: مائلاً، فقال الخضر بيده ﴿فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف:٧٧]، فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٧ - ٧٨].
فقال رسول الله ﷺ : (وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما)].
стр. 460
الحكمة من خرق الخضر للسفينة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال سعيد بن جبير: كان ابن عباس يقرأ: (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً)].
يعني أن الخضر أراد أن يجعل في السفينة عيباً حتى لا تؤخذ.
قوله: (وَكَانَ وَرَاءَهُمْ) يعني: أمامهم (ملك) ظالم، (يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ) أي: صالحة، أما السفينة التي فيها عيب فلا يأخذها، فأراد الخضر أن يجعل فيها عيباً حتى تبقى السفينة للمساكين.
وهذا فيه دليل على أن المسكين يكون عنده شيء من المال، فهو أحسن حالاً من الفقير، إذ الفقير هو الذي لا يجد شيئاً، أو يجد أقل من نصف كفايته، فيعطى كفاية لمدة سنة، والمسكين يجد أكثر من النصف، إلا أنه لا يجد الكفاية، فيعطى ما يكفيه لمدة سنة نفقة وكسوة وسكنى، فهؤلاء كانوا مساكين، ومع ذلك يملكون سفينة.
إذاً: فالخضر أراد أن يجعل في السفينة عيباً حتى تبقى لهم، ولا يأخذها هذا الملك الظالم؛ لأنها لو بقيت سليمة لأخذها، فكان يرسل من ينظر في السفن، فالتي فيها عيب يتركونها، والسفينة الصالحة يأخذونها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكان يقرأ: (وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين)].
هذه ليست قراءة سبعية، وإنما تحمل على أنها تفسير، ومعلوم أن القراءة الشاذة تحمل على أنها تفسير.
стр. 461
ذكر بعض روايات البخاري للقصة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم رواه البخاري عن قتيبة عن سفيان بن عيينة فذكر نحوه، وفيه: (فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نون ومعهما الحوت، حتى انتهيا إلى الصخرة فنزلا عندها، قال: فوضع موسى رأسه فنام).
قال سفيان: وفي حديث غير عمرو قال: (وفي أصل الصخرة عين يقال لها: الحياة، لا يصيب من مائها شيء إلا حيي، فأصاب الحوت من ماء تلك العين فتحرك وانسل من المكتل، فدخل البحر، فلما استيقظ قال موسى لفتاه: (آتِنَا غَدَاءَنَا) كذا قال، وساق الحديث: ووقع عصفور على حرف السفينة، فغمس منقاره في البحر فقال الخضر لموسى: ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره) وذكر تمامه بنحوه].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال البخاري أيضاً: حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار عن سعيد بن جبير يزيد أحدهما على صاحبه، وغيرهما قد سمعته يحدث عن سعيد بن جبير قال: إنا لعند ابن عباس في بيته إذ قال: سلوني، فقلت: أي أبا عباس -جعلني الله فداك-! بالكوفة رجل قاص يقال له: نوف يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل.
أما عمرو فقال لي: قال: كذب عدو الله، وأما يعلى فقال لي: قال ابن عباس: حدثني أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : (موسى رسول الله ذكّر الناس يوماً حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ولى، فأدركه رجل فقال: أي رسول الله! هل في الأرض أحد أعلم منك؟)].
قوله: (أي) حرف نداء، مثل: (يا)، والمعنى: يا رسول الله! قال الحريري في الملحة: وناد من تدع بيا أو بأيا أو همزة أو أي وإن شئت هيا قال: [(فأدركه رجل فقال: أي رسول الله! هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال: لا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله، قيل: بلى، قال: أي رب! وأين؟ قال: بمجمع البحرين، قال: أي رب! اجعل لي عَلَماً أعلم ذلك به.
قال لي عمرو: قال: حيث يفارقك الحوت)].
العَلَم هو العلامة، كما في قوله تعالى في شأن عيسى ﵇: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ [الزخرف:٦١] وفي قراءة: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة) أي أن نزول عيسى في آخر الزمان علامة من علامات الساعة، ومنه قول زكريا لما سأل الله الولد: ﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ [آل عمران:٤١]، أي: علامة: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران:٤١].
قال: [وقال لي يعلى: (خذ حوتاً ميتاً حيث ينفخ فيه الروح، فأخذ حوتاً فجعله في مكتل، فقال لفتاه: لا أكلفك إلا أن تخبرني حيث يفارقك الحوت)].
يعني حين كلفه بهذه المهمة قال له: كن معي بحيث تكون مهمتك أن تكلمني إذا فقدت الحوت؛ لأنه جُعل لموسى علامة، لكن أنساه الشيطان حتى سارا مسافة يوم وليلة.
قال: [قال: (ما كلفت كبيراً)].
أي: ليس هو أمراً شاقاً.
فكان الحوت علامة، ويحتمل أن يكون معهما طعام آخر، لكن جاء في بعض الروايات أن الحوت طعامهما، والله أعلم.
قال: [فذلك قوله: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ)، يوشع بن نون -ليست عند سعيد بن جبير - قال: (فبينا هو في ظل صخرة في مكان ثريان)].
قال في القاموس: ولبس أعرابي عريان فروة فقال: التقى الثريان، أي: شعر العانة ووبر الفروة، ويقال ذلك -أيضاً- إذا رسخ المطر في الأرض حتى التقى ونداها.
يعني: جلسا في مكان مبلول.
قال: [(إذ تضرب الحوت وموسى نائم، فقال فتاه: لا أوقظه، حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره، وتضرب الحوت حتى دخل البحر، فأمسك الله عنه جرية الماء، حتى كأن أثره في حجر)].
والمعنى: كأن أثره في حجر مثل الصخرة.
ففيه أن موسى حين نام اضطرب الحوت ودخل في البحر ويوشع يشاهده، فقال: لا أوقظه، فلما استيقظ موسى نسي يوشع أن يخبره، حتى سارا يوماً وليلة ثم أخبره.
قال: [فقال لي عمرو (هكذا كأن أثره في حجر، وحلق بين إبهاميه والتي تليهما)].
يعني: كأنه في حجر وليس في ماء.
قال: [(قال: (لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا)، قال: وقد قطع الله عنك النصب، -ليست هذه عند سعيد بن جبير أخبره-، فرجعا فوجدا خضراً، قال: قال عثمان بن أبي سليمان: على طنفسة خضراء على كبد البحر)].
يعني أن الخضر كان على طنفسة -أي: بساط- على ساحل البحر.
قال: [قال سعيد بن جبير: (مسجى بثوب قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه عند رأسه، فسلم عليه موسى فكشف عن وجهه وقال: هل بأرضي من سلام؟!)].
أي أن السلام لا يعرف في هذه الأرض.
قال: [(قال: من أنت؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟! قال: نعم، قال: فما شأنك؟ قال: جئتك لتعلمني مما علمت رشداً.
قال: أما يكفيك التوراة بيديك، وأن الوحي يأتيك؟!)].
يعني: يكفيك التوراة التي أعطاك الله، ففيها علم عظيم، حتى إن الله تعالى كلف بني إسرائيل الذين أتوا بعد موسى كلهم أن يعملوا بالتوراة، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ﴾ [المائدة:٤٤]، حتى جاء عيسى فأنزل الله عليه التخفيف، فخفف بعض الأحكام وأحل لهم بعض الذي حرم عليهم، وقال: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران:٥٠].
قال: [(يا موسى! إن لي علماً لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علماً لا ينبغي لي أن أعلمه، فأخذ طائر بمنقاره من البحر فقال: والله ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر.
حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر صغاراً تحمل أهل هذا الساحل إلى هذا الساحل الآخر عرفوه فقالوا: عبد الله الصالح -قال: فقلنا لـ سعيد بن جبير: خضر؟ قال: نعم- ما نحمله بأجر، فخرقها ووتد فيها وتداً)].
قوله: (معابر) يعني: قوارب صغيرة، وكانت تحملهم من ساحل إلى ساحل، ومن جزيرة إلى جزيرة في البحر، فلما وثبوا إليها خرقها وجعل فيها وتداً حتى لا يدخل الماء، وإنما أراد أن يجعل فيها عيباً، حتى إذا جاء الذي ينظر في السفن وجد فيها عيباً فيتركها.
قال: [(قال موسى: (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا؟!) قال مجاهد: منكراً (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)، كانت الأولى نسياناً والوسطى شرطاًَ والثالثة عمداً: (قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ﴾ [الكهف:٧٣ - ٧٤] قال يعلى: قال سعيد: وجد غلماناً يلعبون فأخذ غلاماً كافراً ظريفاً فأضجعه ثم ذبحه بالسكين، فقال: أقتلت نفساً زكية لم تعمل الحنث؟!)].
(الحنث) هو الإثم، والمعنى أنه لم يبلغ حداً يؤاخذ فيه عليه؛ لأنه لم يبلغ الحلم، فهو غلام غير مكلف، حتى ولو قتل؛ لأن قتل الصبي يعتبر خطأً؛ لأنه ما بلغ الحلم.
قال: [وابن عباس قرأها: زكية زاكية مسلمة، كقولك: غلاماً زكياً].
وهذه القراءة تدخل في التفسير، أعني زيادة (مسلمة)، أما (زاكية) فهي قراءة من القراءات.
قال: [﴿فَانطَلَقَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف:٧٧] قال بيده هكذا -ودفع بيده- فاستقام ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف:٧٧] قال يعلى: حسبت أن سعيداً قال: فمسحه بيده فاستقام ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف:٧٧] قال سعيد: أجراً نأكله، وكان وراءهم ملك، وكان أمامهم، قرأها ابن عباس: أمامهم ملك، يزعمون عن غير سعيد أنه هدد بن بدد، والغلام المقتول اسمه -يزعمون- حيسور].
وهذا كله من أخبار بني إسرائيل، والله أعلم، ولا يترتب على معرفة اسم الملك ولا اسم الغلام شيء، ولو كان يترتب عليه شيءٌ لبينه الله.
قال: [(مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا) فأردت إذا هي مرت به أن يدعها بعيبها].
يعني: يتركها ولا يأخذها، وهذا بيان من الخضر، يقول: أردت من خرقها أنهم إذا رأوا بها عيباً تركوها للمساكين.
قال: [فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها].
أي: إذا انتهى التفتيش، فقد كانوا يفتشون على المعابر، فالتي يجدون فيها عيباً يتركونها، فإذا جاوزوا أتوا بالخشب ووضعوه في مكانه وثبتوه بمسامير، وزال المحذور.
قال: [منهم من يقول: سدوها بقارورة، ومنهم من يقول: بالقار].
قال: [﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ [الكهف:٨٠] وكان هو كافراً ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف:٨٠] أي: يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه، ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ [الكهف:٨١] كقوله: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف:٧٤]].
أي: يحملهما حبه على متابعته في الكفر، نعوذ بالله،
стр. 462
ذكر رواية عبد الرزاق لقصة موسى والخضر ﵉
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (خطب موسى ﵇ بني إسرائيل فقال: ما أحد أعلم بالله وبأمره مني، فأُمر أن يلقى هذا الرجل) فذكر نحو ما تقدم بزيادة ونقصان، والله أعلم].
стр. 463
تفسير سورة الكهف [٦٠ - ٧٠]
يذكر الله تعالى قصص الأولين عبرة لأولي الألباب، وتذكرة لذوي الأبصار، وفي قصة موسى والخضر ﵉ عظات وعبر، ففيها بيان تواضع موسى ﵇، وفضيلة العلم، والتلطف في سؤال أهل العلم، وضحالة علم المخلوقين أمام علم الله الذي وسع كل شيء علماً.
стр. 464
تفسير قوله تعالى: (وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين)
стр. 465
رواية ابن إسحاق لقصة موسى والخضر ﵉
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال محمد بن إسحاق عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن سعيد بن جبير قال: جلست عند ابن عباس وعنده نفر من أهل الكتاب، فقال بعضهم: يا أبا العباس! إن نوفاً ابن امرأة كعب يزعم عن كعب أن موسى النبي الذي طلب العالم إنما هو موسى بن ميشا.
قال سعيد: فقال ابن عباس: أنوف يقول هذا يا سعيد؟! قلت له: نعم، أنا سمعت نوفاً يقول ذلك، قال: أنت سمعته يا سعيد؟! قال: قلت: نعم، قال: كذب نوف، ثم قال ابن عباس: حدثني أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ : (أن موسى بني إسرائيل سأل ربه فقال: أي رب! إن كان في عبادك أحد هو أعلم مني فدلني عليه، فقال له: نعم، في عبادي من هو أعلم منك، ثم نعت له مكانه، وأذن له في لقيه، فخرج موسى ومعه فتاه ومعه حوت مليح، قد قيل له: إذا حيي هذا الحوت في مكان فصاحبك هنالك، وقد أدركت حاجتك، فخرج موسى ومعه فتاه، ومعه ذلك الحوت يحملانه، فسار حتى جهده السير، وانتهى إلى الصخرة وإلى ذلك الماء، وذلك الماء ماء الحياة، من شرب منه خلد، ولا يقاربه شيء ميت إلا حيي)].
قوله: (خلد) أي: خلد تخليداً مؤقتاً، وليس المراد التخليد المؤبد؛ لأن الخلود خلودان: خلود مؤبد لا نهاية له، وهذا كخلود الكفرة في النار، وخلود مؤمد، كخلود العصاة في النار، ولهذا قال الله تعالى في القاتل العمد: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء:٩٣]، فخلوده خلود مؤمد، إلا إذا استحله؛ لأنها دون الشرك، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، كما أن الله حرم الجنة على الكفار، وهذا ليس بكافر، إلا إذا استحل فإنه حينها يكفر، والفرق بين من يستحل وبين الذي يفعل المعصية أن من قتل شخصاً متعمداً طاعة للهوى والشيطان فقد ارتكب كبيرة من الكبائر وجريمة، وهو متوعد بوعيد شديد، لكن لا يكفر، وكذلك من زنى أو سرق أو شرب الخمر أو تعامل بالربا أو أكل مال اليتيم أو عق والديه، كل هؤلاء عصاة، لكن من قال: الزنا حلال، أو الخمر حلال، أو الربا حلال، أو عقوق الوالدين حلال، أو القتل حلال؛ فهو كافر؛ لأنه أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، وكذلك من أنكر وجوب الصلاة، وقال: الصلاة ليس بواجبة، أو الزكاة ليس بواجبة، أو الصوم ليس بواجب، أو الحج ليس واجباً، فهذا يكفر بلا خلاف.
أما من أنكر شيئاً مختلفاً فيه فلا يكفر، فلو قال مثلاً: الدخان ليس بحرام لا يكفر؛ لأن المسألة فيها شبهة، كما أن بعض الناس يفتي بأنه ليس بحرام فله شبهة.
وكذلك أيضاً من أنكر الوضوء من لحم الجزور؛ لأن المسألة مختلف فيها، فلا يكفر.
إذاً: القتل حرام بإجماع المسلمين، فإذا استحله المرء كفر، أما إذا قتل طاعة للهوى والشيطان، وهو يعلم أنه محرم ويعلم أنه عاص فلا يكفر، كما لو تعامل بالربا، بأن غلبه حب المال والجشع، وهو يعلم أن الربا حرام، فلا يكفر، ولو فعل الزنا، بأن غلبته الشهوة وهو يعلم أن الزنا حرام ولم يستحله لا يكفر.
فالصواب أن القاتل عمداً لا يخلد في النار خلود الكفار، وإنما يخلد خلود العصاة.
والقتل العمد العدوان يتعلق به ثلاثة حقوق لا بد من أدائها: الحق الأول: حق أولياء القتيل، فلابد من أن يسلم نفسه إليهم، فإذا سلم نفسه إلى أولياء القتيل فهم مخيرون بين قتله، أو أخذ الدية، أو العفو عنه، فإذا قتلوه، أو أخذوا الدية منه، أو عفوا عنه سقط حقهم.
الحق الثاني: حق الله، فإذا تاب توبة نصوحاً بشروطها، بأن يندم على ما مضى، ويقلع عن المعصية، ويعزم عزماً جازماً على ألا يعود إليها، سقط حق الله.
الحق الثالث: حق القتيل، وهذا يطالب به يوم القيامة، فإذا أدى حق أولياء القتيل وأدى حق الله وتاب؛ فالله تعالى يرضي عنه القتيل ويعطيه من الثواب والأجر الجزيل ما يسمح به عن أخيه، فيسقط حقه.
فلابد من هذه الحقوق الثلاثة كلها.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: إن القاتل لا توبة له، وروي عنه أنه قال: إن له توبة، والصواب أن له توبة؛ لأن القتل دون الشرك، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فهو تحت المشيئة فيما دون الشرك، ويقول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣]، وأجمع العلماء على أن هذه الآية نزلت في التائبين، فمن تاب من أي ذنب تاب الله عليه.
ومعنى قول ابن عباس: (لا توبة له) أي: لابد من أن يعذب بالنار، ثم يخرج منها إلى الجنة، وليس معنى ذلك أنه يخلد في النار، هذا معنى قوله: (لا توبة له)، أما من قال: (إن له توبة)، فيعني أنه إذا تاب تاب الله عليه ومحي عنه الذنب.
والصواب أن له توبة، وليس هناك ذنب ليس له توبة، فكل من تاب قبل الموت تاب الله عليه، حتى الشرك الذي هو أعظم الذنوب من تاب منه تاب الله عليه.
وكذلك قاتل نفسه مثل قاتل غيره، فهو مرتكب لكبيرة ومتوعد بالوعيد الشديد، لكن لا يكفر إلا إذا استحله، فإذا استحله كفر.
فلما نزلا ومس الحوت الماء حيي، فاتخذ سبيله في البحر سرباً، فانطلقا، فلما جاوزا المنقلة وهي المرحلة من السفر يقطعها المسافر في نحو يوم قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف:٦٢].
قال الفتى وذكر: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ [الكهف:٦٣])].
قال ابن عباس: (فظهر موسى على الصخرة، حتى إذا انتهيا إليها فإذا رجل متلفف في كساء له، فسلم موسى فرد عليه العالم السلام، ثم قال له: ما جاء بك؟! إن كان لك في قومك لشغل قال له موسى: جئتك لتعلمني مما علمت رشداً)].
فهذا موسى ﵇ -وهو نبي الله وكليم الله، وهو الذي آتاه الله التوراة، وهو في الفضل بعد إبراهيم ومحمد ﵊ يأتي إلى الخضر ويتواضع ويقول: جئتك لتعلمني، والله تعالى قال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]، وهذا يدل على فضل العلم وشرف العلم، وأن الإنسان لا يزال يطلب العلم مهما بلغ، ولهذا قال بعض العلماء: من المحبرة إلى المقبرة.
يعني: لا يزال الإنسان يستفيد من العلم مهما بلغ فيه، وقد كان سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه كثيراً ما تمر عليه في الدرس بعض الأشياء ويقول: هذه أول مرة أسمعها، وهذه أول مرة تمر علي.
وهو -رحمة الله عليه- معروف باستغلاله الوقت وإمضائه الأوقات الطويلة في التعلم والتعليم، ومع ذلك يقول هذا.
وهذا موسى كليم الله آتاه الله التوراة، ومع ذلك يقول للخضر: جئتك لتعلمني مما علمت رشداً.
يريد أن يتعلم ويستفيد ويجلس مجلس المتعلم، وقد قال العلماء: إن الإنسان لا ينبل حتى يأخذ ممن فوقه وممن دونه وممن هو مماثل له؛ فقد يكون عند الطالب ما ليس عند المدرس في بعض الجزئيات، فيستفيد، ولا يزال المرء يستفيد، ولا يستنكف طالب العلم من الفائدة التي يحصل عليها، سواء أكانت ممن هو دونه، أم ممن هو فوقه، أم ممن هو مماثل له.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)، وكان رجلاً يعلم علم الغيب قد علم ذلك، فقال موسى: بلى، قال: (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا) أي: إنما تعرف ظاهر ما ترى من العدل، ولم تحط من علم الغيب بما أعلم].
هذا مما يؤيد أن الخضر نبي يوحى إليه، فقد كان يعلم علم الغيب مما علمه الله، ويرى أكثر العلماء أن الخضر عبد صالح وليس نبياً، والقول الثاني لأهل العلم بأنه نبي هو الصواب، وإن كان خلافاً لقول الأكثرين، وهذا المذكور مما يؤيد القول الثاني، كما يؤيده تلك الأمور العظيمة التي فعلها الخضر، ولا يمكن أن تصدر إلا بوحي، أي: كونه يخرق السفينة ويقتل غلاماً -وهو أشدها- وغير ذلك.
أما من قالوا: إنه رجل صالح فقالوا: هذه الأمور كانت بإلهام.
وهذا القول فيه فتح باب للصوفية الذين يفعلون الفواحش ويقولون: هذا بإلهام.
والصواب أن الخضر نبي يوحى إليه، ويؤيد هذا أنه قال في آخر القصة: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي)، أي: لم أفعل إلا عن أمر الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف:٦٩]، وإن رأيت ما يخالفني ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ [الكهف:٧٠]، وإن أنكرته ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف:٧٠]، فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرضان الناس، يلتمسان من يحملهما، حتى مرت بهما سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما من السفن أحسن ولا أجمل ولا أوثق منها، فسألا أهلها أن يحملوهما، فحملوهما، فلما أطمأنا فيها ولجت بهما مع أهلها أخرج منقاراً له ومطرقة، ثم عمد إلى ناحية منها فضرب فيها بالمنقار حتى خرقها، ثم أخذ لوحاً فطبقه عليها، ثم جلس عليها يرقعها، فقال له موسى ورأى أمراً أفظع به: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا *
стр. 466
رواية العوفي عن ابن عباس لقصة موسى والخضر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال العوفي عن ابن عباس قال: لما ظهر موسى وقومه على مصر أنزل قومه مصر، فلما استقرت بهم الدار أنزل الله أن: ذكرهم بأيام الله، فخطب قومه، فذكر ما آتاهم الله من الخير والنعمة، وذكرهم إذ نجاهم الله من آل فرعون، وذكرهم هلاك عدوهم وما استخلفهم الله في الأرض، وقال: كلم الله نبيكم تكليماً، واصطفاني لنفسه، وأنزل علي محبة منه، وآتاكم الله من كل ما سألتموه، فنبيكم أفضل أهل الأرض، وأنتم تقرءون التوراة، فلم يترك نعمة أنعم الله عليهم إلا وعرفهم إياها، فقال له رجل من بني إسرائيل: هم كذلك يا نبي الله، قد عرفنا الذي تقول، فهل على الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟ قال: لا، فبعث الله جبرائيل إلى موسى ﵇ فقال: إن الله يقول: وما يدريك أين أضع علمي؟! بلى إن على شط البحر رجلاً هو أعلم منك.
قال ابن عباس: هو الخضر، فسأل موسى ربه أن يريه إياه، فأوحى إليه أن ائت البحر، فإنك تجد على شط البحر حوتاً، فخذه فادفعه إلى فتاك، ثم الزم شاطئ البحر، فإذا نسيت الحوت وهلك منك فثم تجد العبد الصالح الذي تطلب، فلما طال سفر موسى نبي الله ونصب فيه سأل فتاه عن الحوت، فقال له فتاه وهو غلامه: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف:٦٣] لك، قال الفتى: لقد رأيت الحوت حين اتخذ سبيله في البحر سرباً، فأعجب ذلك موسى، فرجع حتى أتى الصخرة فوجد الحوت، فجعل الحوت يضرب في البحر ويتبعه موسى، وجعل موسى يقدم عصاه يفرج بها عنه الماء يتبع الحوت، وجعل الحوت لا يمس شيئاً من البحر إلا يبس عنه الماء، حتى يكون صخرة، فجعل نبي الله يعجب من ذلك، حتى انتهى به الحوت إلى جزيرة من جزائر البحر، فلقي الخضر فسلم عليه، فقال الخضر: وعليك السلام، وأنى يكون السلام بهذه الأرض؟! ومن أنت؟ قال: أنا موسى، فقال الخضر: صاحب بني إسرائيل؟ قال: نعم، فرحب به وقال: ما جاء بك؟ قال: جئتك ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف:٦٦ - ٦٧]، يقول: لا تطيق ذلك، قال موسى: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف:٦٩]، قال: فانطلق به، وقال له: لا تسألني عن شيء أصنعه حتى أبين لك شأنه، فذلك قوله: ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف:٧٠]].
стр. 467
رواية الزهري لقصة موسى والخضر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى، فقال ابن عباس: هو الخضر، فمر بهما أبي بن كعب فدعاه ابن عباس، فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقيه، فهل سمعت رسول الله ﷺ يذكر شأنه؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بينا موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل فقال: هل تعلم مكان رجل أعلم منك؟ قال: لا، فأوحى الله إلى موسى: بلى، عبدنا خضر، فسأل موسى السبيل إلى لقيه، فجعل الله له الحوت آية، وقيل له: إذا فقدت الحوت فهو ثم، فارجع فإنك ستلقاه، فكان موسى يتبع أثر الحوت في البحر، فقال فتى موسى لموسى: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف:٦٣]، قال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف:٦٤]، فوجدا عبدنا خضراً فكان من شأنهما ما قص الله في كتابه)].
стр. 468
معاتبة الله تعالى لأنبيائه ورسله
في قصة موسى والخضر دليل على أن الأنبياء -وإن كانوا أنبياء- قد يعتب الله عليهم، كما عتب الله على موسى لما سأله رجل: هل هناك أحد أعلم منك؟ فقال: لا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأخبره الله أن هناك عبداً أعلم منه في مجمع البحرين، وقيل: إن الأنبياء قد يفعل أحدهم خلاف الأولى.
وكذلك عاتب الله نبينا محمداً ﷺ فقال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس:١ - ٤]، وذلك لما جاء عبد الله بن أم مكتوم يسأل النبي ﷺ أن يعلمه، وكان النبي ﷺ مشغولاً بصناديد قريش يرجو إسلامهم.
لكن الأنبياء معصومون عن الشرك، وعن الكبائر، وعن الخطأ فيما يبلغون به عن الله، وقد يفعلون خلاف الأولى فيعتب الله عليهم، وإن كانت منزلتهم عالية، فهذا نبينا -وهو أفضل الخلق- قال الله له: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس:١ - ٢].
وكذلك في قصة زينب وزوجها زيد قبل أن يتزوجها النبي ﷺ قال الله له: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب:٣٧].
وقد أخبر الله أنه غفر للأنبياء وهذا يعني أن لهم ذنوباً، فقال تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ [الفتح:٢]، وقال سبحانه: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩]، وقال حكاية عن موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص:١٦]، وعن داود ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص:٢٤] وعن سليمان ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ [ص:٢٥]، وقال حكاية عن ذي النون: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧].
стр. 469
تفسير قوله تعالى: (قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشداً)
قال الله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا * قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا * قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا * قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف:٦٦ - ٧٠]].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يخبر تعالى عن قيل موسى ﵇ لذلك الرجل العالم، وهو الخضر الذي خصه الله بعلم لم يطلع عليه موسى].
لا شك في أن موسى أفضل من الخضر؛ لأن موسى هو من أولي العزم الخمسة، وهو في المرتبة الثالثة في الفضل بعد نبينا محمد ﷺ وإبراهيم، وأما الخضر فهو مختلف في نبوته.
وفي هذه القصة من الفوائد أن المفضول قد يكون عنده من العلم ما ليس عند الفاضل، فالخضر كان عنده علم لم يعلمه موسى مع أن موسى أفضل منه.
وفيها دليل على أن الفضيلة الخاصة لا تقضي على الفضائل العامة، فهذه الفضيلة والمنقبة للخضر فضيلة خاصة، لكن موسى له فضائل كثيرة، ومن ذلك ما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (إن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور)، فهذه منقبة لموسى، وهي أن النبي ﷺ عندما يفيق من الصعقة يوم القيامة يجد موسى آخذاً بقائمة من قوائم العرش، فلا يدري هل هو أفاق قبله، أو أنه لم يصعق، وهذه الصعقة حين يأتي الله لفصل القضاء في موقف القيامة، وسببها تجلي الله للخلائق، فيحتمل أن موسى لم يصعق؛ لأنه صعق يوم الطور، ويحتمل أنه صعق وأفاق قبل النبي ﷺ ، لكن هذه فضيلة خاصة.
وكذلك ما ورد من أن الناس يحشرون يوم القيامة عراة ليس عليهم ثياب كما ولدتهم أمهاتهم حفاة غرلاً غير مختونين، وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵊، فهذه منقبة خاصة له ﵇.
وستكون في الدنيا نفختان: الأولى: نفخة الصعق، وهي نفخة إسرافيل، فأولها فزع وآخرها صعق، أي: غشي وموت، وهذا هو الصواب، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [النمل:٨٧] في آية النمل، وفي الزمر: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الزمر:٦٨]، فهذه نفخة واحدة يطولها إسرافيل، فيبدأ الصوت خافتاً فلا يزال يقوى حتى يموت الناس، هذه هي النفخة الأولى.
النفخة الثانية: نفخة البعث، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ [الزمر:٦٨]، وهي نفخة البعث، وبينهما أربعون، فينزل الله مطراً تنبت منه أجساد الناس، وينشأ الناس تنشئة غير التنشئة التي في الدنيا، فإذا كمل خلقهم أذن الله لإسرافيل فنفخ في الصور فتطايرت الأرواح وعادت إلى أجسادها، فقام الناس من طورهم.
وهناك نفخة ثالثة، وهذه تكون يوم القيامة، وتكون إذا تجلى الله لفصل القضاء والناس واقفون في موقف القيامة، فيصعقون صعقة غشي لا موت، كما في الصحيحين (إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق) أي: إفاقة من الغشي.
وجاء في الحديث الآخر: (نفخات ثلاث) لكن الحديث من رواية إسماعيل بن رافع وهو ضعيف، والصواب أنها نفختان، والنفخة الأولى أولها فزع وآخرها موت.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨] قال العلماء: من شاء الله ألا يموت، مثل الأرواح؛ فإنها تظل باقية، وكذا الولدان والحور في الجنة لا يموتون؛ لأن الله استثناهم.
стр. 470
التلطف للمشايخ والعلماء عند طلب العلم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما أنه أعطى موسى من العلم ما لم يعطه الخضر ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ [الكهف:٦٦]، سؤال بتلطف لا على وجه الإلزام والإجبار، وهكذا ينبغي أن يكون سؤال المتعلم من العالم].
أي: ينبغي أن يكون السؤال للعلماء بتلطف، وهذا فيه أدب المتعلم مع المعلم، كما قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف:٦٦]، كما أن السؤال إذا جاء على وجه الاستفسار والاستفهام ينشط له المعلم، وينشرح صدره، ويعطي من العلم ما عنده، لكن إذا كان السؤال على وجه إعجازه أو إيقاعه في العنت، أو على وجه الكبر والرياء، فهذا ممنوع، وهو داخل في السؤال المذموم، وقد يفوت السائل على نفسه الفائدة، وكذلك سؤال المال ممن لا يستحق فهو مذموم أيضاً.
قال المؤلف: [وقوله: (أَتَّبِعُكَ) أي: أصحبك وأرافقك، (عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) أي: مما علمك الله شيئاً أسترشد به في أمري، من علم نافع وعمل صالح].
وإذا كان هذا موسى ﵊ يسترشد ويسأل الخضر لعله يفيده علماً فيعمل به عملاً صالحاً، وموسى له هذه المكانة، وعنده التوراة، فكيف بغيره ممن هو دونه؟!
стр. 471
عموم شريعة محمد ﷺ
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فعندها قال الخضر لموسى: (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) أي: إنك لا تقدر على مصاحبتي؛ لما ترى مني من الأفعال التي تخالف شريعتك؛ لأني على علم من علم الله ما علمكه الله، وأنت على علم من علم الله ما علمنيه الله].
وهذا دليل على أن الخضر له شريعة غير شريعة موسى، وأن الخضر ليس مأموراً باتباع موسى؛ لأن له شريعة مستقلة، وموسى لم يرسل إلى أهل الأرض كافة، وإنما أرسل إلى بني إسرائيل، وإنما الشريعة العامة شريعة نبينا محمد ﷺ ، فهي شريعة للثقلين: الجن والإنس، أما شريعة موسى فهي خاصة ببني إسرائيل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فكل منا مكلف بأمور من الله دون صاحبه، وأنت لا تقدر على صحبتي، (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا) وأنا أعرف أنك ستنكر علي ما أنت معذور فيه، ولكن ما اطلعت على حكمته ومصلحته الباطنة التي اطلعت أنا عليها دونك، قال له موسى: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا) أي: على ما أرى من أمورك، (وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا).
أي: ولا أخالفك في شيء، فعند ذلك شارطه الخضر ﵇، (قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ) أي: ابتداءً (حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا) أي: حتى أبدأك أنا به قبل أن تسألني].
قوله: [شارطه] يعني: اشترط عليه شرطاً، فقال: (قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي)، و (إن) حرف شرط ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف:٧٠] أي: إذا كنت عازماً على أن تتبعني، فإني أشترط عليك شرطاً فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك من أمره خبراً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن جرير: حدثنا حميد بن جبير حدثنا يعقوب عن هارون عن عبيدة، عن أبيه عن ابن عباس قال: سأل موسى ربه فقال: أي رب! أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني، قال: فأي عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى، قال أي رب! أي عبادك أعلم؟ قال الذي يبتغي علم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدى، أو ترده عن ردى، قال: أي رب! فهل في أرضك أحد أعلم مني؟ قال: نعم، قال: فمن هو؟ قال: الخضر، قال: وأين أطلبه؟ قال على الساحل عند الصخرة التي ينفلت عندها الحوت، قال: فخرج موسى يطلبه، حتى كان ما ذكر الله، وانتهى موسى إليه عند الصخرة فسلم كل واحد منهما على صاحبه، فقال له موسى: إني أحب أن أصحبك، قال: إنك لن تطيق صحبتي، قال: بلى، قال: فإن صحبتني (فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا) قال: فسار به في البحر حتى انتهى إلى مجمع البحور، وليس في الأرض مكان أكثر ماء منه، قال: وبعث الله الخطاف، فجعل يستقي منه بمنقاره، فقال لموسى: كم ترى هذا الخطاف رزأ من هذا الماء؟].
يعني: نقص، وفي الأحاديث الأخرى أنه عصفور [قال: ما أقل ما رزأ، قال: يا موسى! فإن علمي وعلمك في علم الله كقدر ما استقى هذا الخطاف من هذا الماء].
قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: هذا أوسع ما سمعناه في علم الله.
يعني: علم موسى وعلم الخضر وعلم السلف كلهم في جنب علم الله كنسبة ما يأخذه هذا العصفور بمنقاره من هذا البحر المتلاطم الذي هو أربعة أخماس العالم، فإذا أخذ العصفور بمنقاره فكم سيأخذ؟! وهكذا نسبة علم الخلائق إلى علم الله، ولهذا خلق الله الخلق لعبادته وتوحيده، ولأجل أن يعرفوه بأسمائه وصفاته، وليعلموا أنه على كل شيء قدير، وأنه قد أحاط بكل شيء علماً، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢].
قال رحمه الله تعالى: [وكان موسى قد حدث نفسه أن ليس أحد أعلم منه أو تكلم به، فمن ثم أمر أن يأتي الخضر، وذكر تمام الحديث في خرق السفينة، وقتل الغلام، وإصلاح الجدار، وتفسيره له لذلك].
стр. 472
حديث أبي أمامة في قصة مؤاجرة الخضر نفسه
قال الطحاوي: حدثنا أبو أمية حدثنا سليمان بن عبيد الله الأنصاري الرقي حدثنا بقية بن الوليد حدثنا محمد بن زياد الألهاني عن أبي أمامة الباهلي أن النبي ﷺ قال ذات يوم لأصحابه: (ألا أحدثكم عن الخضر قالوا: بلى يا رسول الله، قال: بينا هو ذات يوم يمشي في سوق بني إسرائيل أبصره رجل مكاتب، فقال: تصدق علي بارك الله فيك، فقال الخضر: آمنت بالله ما يريد الله من أمر يكون، ما عندي شيء أعطيكه، فقال المسكين: أسألك بوجه الله لما تصدقت علي إني نظرت إلى سيماء الخير في وجهك ورجوت البركة عندك، فقال الخضر: آمنت بالله ما عندي شيء أعطيكه إلا أن تأخذني فتبيعني، فقال المسكين: هل يستقيم هذا؟ قال: نعم، الحق أقول لك: لقد سألتني بأمر عظيم، ما لي لا أجيبك لوجه ربي؟ فبعني، فقدمه إلى السوق فباعه بأربعمائة درهم، فمكث عند المشتري زماناً لا يستعمله في شيء، فقال الخضر: إنك إنما ابتعتني التماس خيري فأوصني بعمل، قال: أكره أن أشق عليك وأنت شيخ كبير، قال: ليس يشق علي، فقال: قم فانقل هذه الحجارة وكان لا ينقلها دون ستة نفر في يوم فخرج الرجل ليقضي حاجته ثم انصرف وقد نقل الحجارة في ساعة، فقال له أحسنت وأحكمت وأطقت مالم أرك تطيقه، ثم عرض للرجل سفر فقال: إني أحسبك أميناً فاخلفني في أهلي خلافةً حسنة، قال: أوصني بعمل، قال: إني أكره أن أشق عليك ومضى الرجل لسفرة فرجع وقد شد بناءه، فقال الرجل: أسألك بوجه الله ما حسبك وما أمرك؟ فقال: سألتني بوجه الله ووجه الله أوقعني في العبودية، قال: سأخبرك من أنا، أنا الخضر الذي سمعت به، سألني رجل مسكين صدقة فلم يكن عندي شيء أعطيه، ثم سألني بوجه الله فأمكنته من رقبتي فباعني، وأخبرك أنه من سئل بوجه الله فرد سائله وهو يقدر وقف يوم القيامة وليس بوجهه جلد ولا لحم ولا دم ولا عظم يتقعقع، قال: آمنت بذلك شققت عليك يا رسول الله، احكم في أهلي ومالي بما أراك الله ، أو أخيرك فأخلي سبيلك قال: أحب أن تخلي سبيلي يا عبد الله، فخلى سبيله، فقال الخضر: الحمد الله الذي أوقعني في العبودية وأخرجني منها)، أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار.
وإسناده حسن، فـ أبو أمية شيخ الطحاوي وهو - محمد بن القاسم - المعروف بـ سحيم الحراني قال فيه أبو حاتم في الجرح والتعديل: صدوق، وتابعه غيره كما عند النقاش في فنون العجائب، والطبراني في المعجم الكبير، وابن عساكر في تاريخ دمشق وسليمان بن عبيد الله الأنصاري الرقي صدوق أيضاً كما في التقريب، وبقية مدلس وقد صرح بالتحديث ومحمد بن زياد الألهاني أخرج له البخاري والأربعة وهو ثقة، ونقل النقاش عن أبي بكر بن أبي عاصم قوله: هذا خبر ثابت من جهة النقل وفيه فوائد.
وهذا الخبر إن صح فهو محمول على أن هذا جائز في شريعة الخضر، أما في شريعة الإسلام لا يجوز للإنسان أن يبيع نفسه، لأن حر، جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله وذكر منهم: من باع حراً فأكل ثمنه).
وفي هذا دليل على أنه نبي.
وهذا تخريج مشهور حسن سلمان وخرجه شعيب الأرناءوط في مشكل الآثار.
وهذا الحديث فيه سليمان بن عبيد الله الرقي وإن كان فيه كلام لكنه قد توبع، وبقية بن الوليد نقموا عليه بكثرة تدليسه عن الضعفاء فلا يحتج به إذا انفرد بشيء فيكون الحديث ضعيفاً.
ورواه الطبراني عن حسن بن علي المعمري، وأبو نعيم في أخبار أصفهان من طريق أحمد بن عمرو بن أبي عاصم فيه كلاهما عن محمد بن علي بن ميمون الرقي وعن سليمان بن عبيد الله الخطاب الأنصاري بهذا الإسناد، ورواه الطبراني أيضاً عن عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الحمصي عن محمد بن الفضل بن عمران الكندي عن بقية به، وقال الهيثمي في المجمع بعد أن نسبه إلى الطبراني: رجاله موثقون إلا أن بقية مدلس، لكنه ثقة.
وقال الحافظ ابن كثير في قصص الأنبياء بعد أن أورده عن أبي نعيم عن الطبراني بالطريق الثاني: وهذا الحديث رفعه خطأ والأشبه أن يكون موقوفاً وفي رجاله من لا يعرف والله أعلم.
وقد رواه ابن الجوزي في كتابه (عجالة المنتظر في شرح حالة الخضر) من طريق عبد الوهاب بن الضحاك وهو متروك عن بقية، وعلى هذا يكون الحديث ضعيفاً.
стр. 473
تفسير سورة الكهف [٧١ - ٨٢]
صحب موسى ﵇ الخضر قاصداً أن يعلمه مما علمه الله تعالى، وقد امتلأ موسى ﵇ استنكاراً واستغراباً من تصرفات الخضر المخالفة في ظاهرها لشرعته، فلما بلغ معه حد الفراق بالشرط بين له حقائق أفعاله، وأنها صادرة عن وحي من الله تعالى وليست تصرفاً إلهامياً، فكشف عن نبوته، وتبين لموسى ﵇ أن الله تعالى قد أطلع الخضر على علم من الغيب، ولله الحكمة البالغة.
стр. 474
تفسير قوله تعالى: (فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها)
قال الله تعالى: ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف:٧١ - ٧٣].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى مخبراً عن موسى وصاحبه -وهو الخضر - أنهما انطلقا لما توافقا واصطحبا، واشترط عليه ألا يسأله عن شيء أنكره حتى يكون هو الذي يبتدئه من تلقاء نفسه بشرحه وبيانه، فركبا في السفينة.
وقد تقدم في الحديث كيف ركبا في السفينة، وأنهم عرفوا الخضر، فحملوهما بغير نول -يعني بغير أجرة- تكرمة للخضر، فلما استقلت بهم السفينة في البحر ولججت -أي: دخلت اللجة- قام الخضر فخرقها واستخرج لوحاً من ألواحها ثم رقعها، فلم يملك موسى ﵇ نفسه أن قال منكراً عليه: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف:٧١]، وهذه اللام لام العاقبة لا لام التعليل، كما قال الشاعر: لدوا للموت وابنوا للخراب].
يعني: أنتم تلدون للموت، فهل الموت علة في الولادة؟ لا، بل المراد العاقبة، يعني: لدوا والعاقبة الموت، وكذلك قوله: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾، فهل الخضر خرقها لأجل أن يغرق أهلها؟! لا، بل مراد موسى: أن تكون العاقبة الغرق، وإن كان الخضر لا يريد الغرق، ومثل قوله تعالى في موسى حينما أخذه فرعون في سورة القصص: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص:٨]، فلماذا التقط فرعون موسى؟! لقد التقطه ليكون قرة عين له لا عدواً له، فهذه اللام تسمى لام العاقبة، يعني: التقطه آل فرعون والعاقبة أنه كان عدواً لهم وحزناً، وإلا فقد التقطه لأجل أن يكون له كما قالت امراته: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [القصص:٩]، لكن العاقبة أن كان عدواً وحزناً، فهذه تسمى لام العاقبة.
وكذلك قوله: (وابنوا للخراب)، فالناس لا يبنون للخراب، لكن العاقبة الخراب، فالدنيا ما لها قرار، وإلا فإن الناس يبنون للبقاء، وهل يبني الإنسان بيته للخراب أم يبنيه ليبقى؟! قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ قال مجاهد: منكراً، وقال قتادة: عجباً.
فعندها قال له الخضر مذكراًَ بما تقدم من الشرط: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ يعني: وهذا الصنيع فعلته قصداً، وهو من الأمور التي اشترطت معك ألا تنكر علي فيها؛ لأنك لم تحط بها خبراً، ولها دخل هو مصلحة ولم تعلمه أنت (قال) أي: موسى: ﴿قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾، أي: لا تضيق علي وتشدد علي.
ولهذا تقدم في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: (كانت الأولى من موسى نسياناً)].
стр. 475
تفسير قوله تعالى: (فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله)
قال الله تعالى: ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف:٧٤ - ٧٦].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى: (فَانطَلَقَا) أي: بعد ذلك، (حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ) وقد تقدم أنه كان يلعب مع الغلمان في قرية من القرى، وأنه عمد إليه من بينهم -وكان أحسنهم وأجملهم وأوضأهم فقتله- وروي أنه احتز رأسه، وقيل: رضخه بحجر، وفي رواية: اقتلعه بيده، والله أعلم].
أي أنه قتله، وفي بعض الروايات أنه اقتلعه بيده وألقاه كما ترمى الكرة، وفي بعضها أنه رضخه وفي بعضها أنه احتز رأسه بالسكين، فالمهم أنه قتله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلما شاهد موسى ﵇ هذا أنكره أشد من الأول، وبادر فقال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾، أي: صغيرة لم تعمل الحنث، ولا حملت إثماً بعد فقتلته؟].
الحنث: الإثم، يعني: لم يبلغ أن يحمل الإثم، وإذا لم يبلغ فليس عليه حنث، ولهذا يقول العلماء: عمد الصبي والمجنون خطأ، فالصبي والمجنون إذا فعلا شيئاً يعتبر خطأً، كما لو قتل الإنسان خطأً، فلا يؤاخذ به الإنسان، ومثله عمد الصبي والمجنون؛ لأن الصبي لا فعل له، فلو تعمد الصبي وفعل شيئاً يكون حكمه حكم الخطأ، وكذلك المجنون، وهذا ما بلغ الحنث، ولا يمكن أن يؤاخذ.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أي: بغير مستند لقتله: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾، أي: ظاهر النكارة].
وكان إنكاره عليه هنا أشد من إنكاره على خرق السفينة، وقال: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾، وفي الأول قال: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾، فرد عليه الخضر رداً أقوى ليناسب إنكاره، ففي الأول قال الخضر: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، وفي قتل الغلام لما شدد عليه في الإنكار رد عليه رداً قوياً فقال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ تأكيداً، ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، فكان الرد مناسباً للإنكار.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، فأكد -أيضاً- في التذكار بالشرط الأول، فلهذا قال له موسى: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا﴾ أي: إن اعترضت عليك بشيء بعد هذه المرة ﴿فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ أي: قد أعذرت إلي مرة بعد مرة.
قال ابن جرير: حدثنا عبد الله بن زياد، حدثنا حجاج بن محمد، عن حمزة الزيات عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: (كان النبي ﷺ إذا ذكر أحداً فدعا له بدأ بنفسه، فقال ذات يوم: رحمة الله علينا وعلى موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب، لكنه قال: ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾) مثقلة].
يعني: أن الذي شرط على نفسه هو موسى، فقال: هذه آخر مرة، فإن سألتك بعدها انتهت الصحبة، قال النبي ﷺ : (رحمة الله علينا وعلى موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب)، ويعني: ليته صبر، وليته لم يشترط حتى يقص الله علينا من خبرهما من القصص ما نستفيد منه.
وضعوا قوسين [مثقلة]، قال في الحاشية: هذه زيادة من (ف) (أ)، يعني أن الطبري زادها.
ويعني بقوله [مثقلة]: أن نون (لدني) مشددة، وهي قراءة السبعة ما عدا نافعاً، فإنه قرأها (من لدني) بالتخفيف، والقراءة المشهورة قراءة حفص، وهي (من لدُنّي) بالتشديد والتثقيل.
стр. 476
تفسير قوله تعالى: (فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها)
قال الله تعالى: ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٧ - ٧٨].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى مخبراً عنهما أنهما انطلقا بعد المرتين الأولين: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾.
روى ابن جرير عن ابن سيرين أنها الأيلة].
الأيلة قرية في الشام، يعني: بعدما نزلا من السفينة أتيا هذه القرية، فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض، واستطعما أهلها، فكانوا قوماً لئاماً لم يضيفوها، بل ردوهما، فمر الخضر بجدار يريد أن ينقض -أي: يسقط- فأخذ يعمل ليقيمه، فأنكر عليه موسى فقال: كانوا قوماً لئاماً لم يضيفونا، فمنعوا الواجب وهو الضيافة، فكيف تعمل عندهم بدون أجرة؟ فبين له الخضر وجه الحكمة في هذا، وهو أنه لا يعمل لأجل المال، ولكن تحته كنز لأيتام، والله تعالى أراد أن يبلغا أشدهما ويستخرجا الكنز من تحت الجدار، فلو تركه وسقط لضاع الكنز، ولكنه يريد أن يقيمه حتى يكون الجدار قائماً، فيعرف الكنز تحته، فلو تركه لسقط وانهدم ولضاع الكنز ولم يكن له معلم يعرف به.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الحديث: (حتى إذا أتيا أهل قرية لئاما) أي: بخلاء ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾، إسناد الإرادة هاهنا إلى الجدار على سبيل الاستعارة، فإن الإرادة في المحدثات بمعنى الميل، والانقضاض هو السقوط].
يعني أن إسناد الإرادة إلى الجدار من باب المجاز؛ لأن الجدار ليس له إرادة، فالإرادة إنما تكون للحي، وهذا على القول بأن اللغة فيها مجاز، والصواب الذي عليه المحققون أنه ليس في القرآن مجاز ولا في السنة مجاز ولا في اللغة، وأن هذا القول بالمجاز والاستعارة محدث لم يعرفه العرب في لغتهم، ولا هو معروف في عهد الصحابة، بل ولا في عهد الأئمة الأربعة، وإنما هو محدث، والإرادة في اللغة العربية واسعة، فللإنسان إراد تليق به، والجدار له إرادة تليق به.
فاللغة العربية واسعة، حيث تطلق اللفظ على هذا وعلى هذا، فتقول: رأيت أسداً يتكلم، والأسد يطلق على الحيوان، ويطلق على الرجل الشجاع، وإذا قلت: (رأيت أسداً) ينصرف المعنى إلى الحيوان المفترس، وإذا أردت غير الحيوان فلابد من أن تأتي بالقرينة، فتقول: رأيت أسداً يتكلم، أي: الرجل الشجاع، فاللغة العربية أساليبها واسعة، ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف:٨٢] أي: واسأل أهل القرية.
وأول من قال بالمجاز أهل البدع، كالجهمية والمعتزلة، يريدون به نفي الصفات، وقالوا: إن إثبات صفة الله مجاز، فالاستواء على العرش مجاز، وعلمه مجاز، وقدرته وإرادته مجاز، والمجاز يصح نفيه، فيقال: ليس في القرآن كلام الله وهذا من أبطل الباطل، فالقرآن كله حقيقة ليس فيه مجاز، فالمصحف فيه كلام الله، ولهذا يقول الأشاعرة: المصحف ليس فيه كلام الله، وقالوا: هذا القرآن مجاز عن كلام الله؛ لأن كلام الله تعدى بهذا القرآن، أو يقولون: إن كلام الله معنى قائم بنفسه، والمصحف ليس فيه كلام الله وإذا قالوا: المصحف كلام الله، قالوا: المراد به المجاز؛ لأنه تعدى به كلام الله، وإلا فليس فيه كلام الله، وهذا من أبطل الباطل.
فالمقصود أن المجاز يصح نفيه، والحقائق لا يصح نفيها.
والصواب أن الجدار له إرادة تليق به، فقد جعل الله له إرادة، وسماها الله إرادة: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]، أي: كل موجود من الكائنات إلا العدم -فالعدم لا يسمى شيئاً- يسبح، فكيف يسبح؟ الله أعلم، وكيف يريد؟ الله أعلم.
ومن هذا الباب حنين الجذع وتسبيح الحصى والطعام، وقوله ﷺ عن جبل أحد: (جبل يحبنا ونحبه)، فجعل الله فيه صفات، وقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٧٤] أي: الحجارة، فيهبط الجبل من خشيته وهو جبل أصم، والنبي ﷺ خاطب أُحداً لما تحرك وهو عليه والصديق وعمر وعثمان أيضاً فقال: (أثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿فَأَقَامَهُ﴾ أي: ورده إلى حالة الاستقامة.
وقد تقدم في الحديث أنه رده بيديه ودعمه حتى رد ميله، وهذا خارق].
يعني: خارق من خوارق العادات، وهو أنه لم يتعب في إصلاحه، فرده بيده ودعمه فاستقام.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فعند ذلك قال موسى له: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾، أي: لأجل أنهم لم يضيفونا كان ينبغي ألا تعمل لهم مجاناً.
﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ أي: لأنك شرطت عند قتل الغلام أنك إن سألتني عن شيء بعدها فلا تصاحبني، فهو فراق بيني وبينك، ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ﴾ أي: بتفسير ﴿مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾].
والتأويل يطلق على التفسير، ويطلق على الحقيقة التي يئول إليها الكلام، والمراد هنا التفسير، مثل قول ابن جرير: (القول في تأويل قول الله تعالى) يعني التفسير، ويطلق التأويل على العاقبة، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، أي العاقبة التي يئول إليها الكلام، مثل تأويل حقائق الآخرة.
стр. 477
تفسير قوله تعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر)
قال الله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف:٧٩].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [هذا تفسير ما أشكل أمره على موسى ﵇، وما كان أنكر ظاهره، وقد أظهر الله الخضر ﵇ على حكمة باطنه].
يعني: على حكمة الشيء، والباطن: الشيء الخفي، أطلع الله الخضر على الحكمة الخفية، وموسى لا يعلم إلا الظاهر، والخضر أعطي علم الباطن، ولهذا قال بعضهم: إن الخضر ألهمه الله العلم اللدني الباطني، ويحتج الصوفية بأنهم يعلمون مثل ما يعلم الخضر، والخضر الصواب في نشأته أنه نبي يوحى إليه، وأعطاه الله حكمة باطن هذه الأشياء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقال: إن السفينة إنما خرقتها لأعيبها؛ لأنهم كانوا يمرون بها على ملك من الظلمة، ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ صالحة، أي: جيدة ﴿غَصْبًا﴾، فأردت أن أعيبها لأرده عنها لعيبها، فينتفع بها أصحابها المساكين الذين لم يكن لهم شيء ينتفعون به غيرها، وقد قيل: إنهم أيتام].
وهذا يدل على أن المسكين يكون عنده شيء من المال ويسمى مسكيناً، فهؤلاء مساكين يملكون سفينة، والمسكين عند العلماء هو: الفقير الذي لا يجد تمام الكفاية لمدة سنة من نفقة وكسوة وسكنى، فيعطى ما يتمم كفايته، كأن يكون عنده ما يكفيه لنصف السنة أو ثلثي السنة أو ثلاثة أرباع السنة، فيعطى من مال الزكاة ما يكفيه لمدة سنة كسوة وسكنى وطعاماً له ولعائلته، والفقير أشد حاجة منه، فالفقير هو المعدم الذي لا يجد شيئاً أو يجد أقل من نصف الكفاية، أما المسكين فيجد نصف الكفاية، إلا أنه لا يجد تمام الكفاية، ولذلك بدأ الله بالفقراء في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠]، وإذا أطلق المسكين وحده دخل فيه الفقير، وإذا أطلق الفقير وحده دخل فيه المسكين، وإذا اجتمعا فسر الفقير بأنه المعدم الذي لا يجد شيئاً أو يجد أقل من النصف، والمسكين الذي يجد نصف الكفاية ولا يجد تمام الكفاية، وفي الحديث: (ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، إنما المسكين الذي لا يجد غنىً يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس) يعني: هذا أشد مسكنة، فالمسكين هو الذي يأتي ويدق الأبواب ويمد يده، فيعطيه هذا لقمة وهذا أكلة، وهذا ريالاً، وأشد منه المسكين الذي يستحي، فلا يقوم فيسأل الناس، ولا يفطن له فيتصدق عليه؛ لأن عليه علامة غنى، قال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة:٢٧٣]، فهذا هو الذي ينبغي البحث عنه، فهو ليس عنده شيء، وقد يموت في بيته ولا يعلم عنه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد روى ابن جريج عن وهب بن سليمان عن شعيب الجبائي أن اسم ذلك الملك هدد بن بدد].
هذا من أخبار بني إسرائيل، والله أعلم بأسمائهم، ولو كان في اسمه مصلحة لسماه الله لنا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد تقدم -أيضاً- في رواية البخاري، وهو مذكور في التوراة في ذرية العيص بن إسحاق، وهو من الملوك المنصوص عليهم في التوراة، والله أعلم].
стр. 478
تفسير قوله تعالى: (وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين)
قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف:٨٠ - ٨١].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قد تقدم أن هذا الغلام كان اسمه جيسور، وفي هذا الحديث عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال: (الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافراً) رواه ابن جرير من حديث ابن إسحاق عن سعيد عن ابن عباس به، ولهذا قال: ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ أي: يحملهما حبه على متابعته على الكفر.
قال قتادة: قد فرح به أبواه حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء الله؛ فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب].
لا شك في ذلك، ففي الحديث يقول النبي ﷺ : (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له)، فالمؤمن كل أمره له خير في السراء والضراء، فهو في السراء شاكر وفي الضراء صابر، والشاكر مثاب والصابر مثاب، والمؤمن يتقلب بين السراء وبين الضراء وبين التوبة من الذنب، وهذا عنوان السعادة، فعنوان السعادة الشكر عند السراء والصبر عند الضراء والتوبة عند الذنب، والإنسان يتقلب بين هذه الأحوال الثلاثة، فهو إما في نعمة، فلابد لها من الشكر، وإما في مصيبة، فلابد لها من الصبر، وإما في ذنب، فلابد له من توبة.
فإذا كان وقع في الذنب تاب وبادر بالتوبة ولم يصر على المعصية، وهذه علامة المستقيم، قال الله تعالى في وصف المتقين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٣٥]، وليس من شأن المؤمن أنه لا يخطئ، فالمؤمن يقع في الذنب، وليس بمعصوم، لكن لا يصر على المعصية، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران:١٣٥ - ١٣٦]، فالمؤمن إما في ذنب فيحتاج إلى التوبة، وإما في مصيبة فيحتاج إلى صبر، وإما في نعمة فيحتاج إلى شكر، فإذا كان المسلم يصبر عند الضراء، ولا يجزع ولا يتسخط، ولا يتكلم بلسانه ما يغضب الله، ولا يعمل بجوارحه ما يغضب الله، كشق الثوب ولطم الخد ونتف الشعر، بل يصبر ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ويشكر عند النعمة، ويتوب عند المعصية والذنب، فهذه علامة السعادة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وصح في الحديث: (لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له)، وقال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦].
وقوله تعالى: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾، أي: ولداً أزكى من هذا وهما أرحم به منه، قاله ابن جريج.
وقال قتادة: أبر بوالديه.
وقد تقدم أنهما بدلا جارية، وقيل: لما قتله الخضر كانت أمه حاملاً بغلام مسلم، قاله ابن جريج].
стр. 479
تفسير قوله تعالى: (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة)
قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٨٢].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [في هذه الآيةِ دليل على إطلاق القرية على المدينة؛ لأنه قال أولاً: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾، وقال هاهنا: ﴿فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد:١٣]].
وهي مكة، فمكة تسمى قرية وهي مدينة، فالمدينة تسمى قرية، والقرية تسمى مدينة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] يعني: مكة والطائف، ومعنى الآية أن هذا الجدار إنما أصلحته لأنه كان لغلامين يتيمين في المدينة ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا﴾ [الكهف:٨٢].
قال عكرمة وقتادة وغير واحد: كان تحته مال مدفون لهما.
وهذا ظاهر السياق من الآية، وهو اختيار ابن جرير ﵀.
وقال العوفي عن ابن عباس: كان تحته كنز علم، وكذا قال سعيد بن جبير، وقال مجاهد: صحف فيها علم، وقد ورد في حديث مرفوع ما يقوي ذلك.
قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده المشهور: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا بشر بن المنذر، حدثنا الحارث بن عبد الله اليحصبي، عن عياش بن عباس الغساني عن أبي حجيرة عن أبي ذر رفعه قال: (إن الكنز الذي ذكر الله في كتابه لوح من ذهب مصمت مكتوب فيه: عجبت لمن أيقن بالقدر لم نصب؟ وعجبت لمن ذكر النار لم ضحك؟ وعجبت لمن ذكر الموت لم غفل؟) لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وبشر بن المنذر هذا يقال له: قاضي المصيصة، قال الحافظ أبو جعفر العقيلي: في حديثه وهم].
الأقرب أن الكنز المال، والحديث هذا لا يثبت؛ لأن فيه ضعفاً، فالأقرب أن الكنز المال، ويحتمل أنه كنز العلم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد روي في هذا آثار عن السلف، وقال ابن جرير في تفسيره: حدثني يعقوب، حدثنا الحسن بن حبيب بن ندبة، حدثنا سلمة عن نعيم العنبري -وكان من جلساء الحسن - قال: سمعت الحسن -يعني البصري -يقول في قوله: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا﴾، قال: لوح من ذهب مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن؟ وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح؟ وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟ لا إله إلا الله، محمد رسول الله].
هذا مقطوع على الحسن البصري، والحسن البصري تابعي، والأقرب أنه من أخبار بني إسرائيل؛ لأن هذا لا يعلم إلا من جهة المعصوم ﷺ ، ولو ثبت عن النبي ﷺ لقلنا به، فلوح مختوم فيه هذا الكلام يحتاج إلى دليل، لكن هذا من أخبار بني إسرائيل والله أعلم، وهذا لا يصدق ولا يكذب، لكن الله تعالى أخبرنا أن تحته كنز لهما، أما هذا اللوح المكتوب فيه هذه الكلمات فالله أعلم.
ومن الرواة الذين رووا ذلك الحسن بن حبيب بن نَدَبة -بفتح النون والدال والموحدة- التميمي أبو سعيد البصري الكوسجي، روى عن هشام بن عروة وأبي حمزة، وعنه الخلال وابن المثنى وعلي بن حسين الدرهمي، وثقه النسائي، قال مطين: توفي سنة سبع وعشرين ومائة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى نقلاً عن ابن جرير: [حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبد الله بن عياش، عن عمر مولى غُفْرَة قال: إن الكنز الذي قال الله في السورة التي يذكر فيها الكهف: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا﴾ قال: كان لوحًا من ذهب مصمت مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجبت لمن عرف النار ثم ضحك! عجبت لمن أيقن بالقدر ثم نصب! عجبت لمن أيقن بالموت ثم أمن! أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله].
قوله: [عجبت لمن أيقن بالنار كيف نصب؟] يعني: تعب، أي: كيف يتعب وهو يعلم أن الله قدر كل شيء، وهذه كلمات وعظ، وفيها الشهادة بالوحدانية، لكن هذا الكلام موقوف على السابقة، عمر مولى غفرة، وكل هذه الأخبار من أخبار بني إسرائيل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وحدثني أحمد بن حازم الغفاري، حدثتنا هنادة بنت مالك الشيبانية قالت: سمعت صاحبي حماد بن الوليد الثقفي يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول في قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا﴾، قال: سطران ونصف لم يتم الثالث: عجبت للموقن بالرزق كيف يتعب؟].
يعني: من أيقن أن الله تعالى يرزق، وأن الله تعالى تكفل بالرزق، كيف يتعب وينصب والله تعالى تكفل بالرزق؟ فالموقن لا يتعب.
قال: [وعجبت للموقن بالحساب كيف يغفُل؟ وعجبت للموقن بالموت كيف يفرح؟ وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾، قالت: وذكر أنهما حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاح، وكان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء، وكان نساجاً.
وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة، وورد به الحديث المتقدم -وإن صح- لا ينافي قول عكرمة أنه كان مالاً؛ لأنهم ذكروا أنه كان لوحاًَ من ذهب وفيه مال جزيل، أكثر ما زادوا أنه كان مودعاً فيه علم، وهو حكم ومواعظ، والله أعلم].
كأن كلام الحافظ: (والحديث إن صح) بدون واو، أي: سياق الكلام يقتضي هذا، فكأن الحافظ شك في صحته، ولا يصح الحديث، لكن لو صح الحديث مع هذه الآثار، فإنه لا ينافي أن يكون كنزاً، أو لوح كنز مكتوباً فيه هذه الحكم، فإن لم يصح فالله أعلم بهذه الكلمات، إلا أنه كنز، والله أعلم بكيفية الكنز، فهل هو لوح أو غير لوح؟ لكن الحديث إن صح مع هذه الآثار يحمل على أنه لوح من ذهب مكتوب فيه هذه الحكم، لكن الحديث لا يصح بهذا السند، وكأن الحافظ رأى أن تلك الآثار متابعة له، لكنها آثار مقطوعة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ فيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة، بشفاعته فيهم ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة، لتقر عينه بهم، كما جاء في القرآن ووردت السنة به].
وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور:٢١].
قال المؤلف ﵀: [قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر لهما صلاح].
قال تعالى: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) فحفظ المال بصلاح أبيهما، وأما هما فلم يكن لهما صلاح، أو كانا يتيمين لم يبلغا بعد، فحفظا وحفظ مالهما بصلاح أبيهما، قال تعالى: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾، والرجل الصالح تحفظ ذريته بسببه، ويشفع لهم في الآخرة ويرفعون إلى درجته، وإن كانت منزلتهم أقل، لكي تقر عينه بهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور:٢١]، فذريته تلحقه وترفع إلى درجة أعلى، من غير أن ينقص من ثوابه شيء، ولهذا قال: (وَمَا أَلَتْنَاهُمْ) يعني: ما نقصناهم من ثوابهم من شيء.
وهذا من الثواب المعجل للمؤمن، فالمؤمن يثاب عاجلاً وآجلاً، فمن الثواب المعجل أن الله تعالى يحفظ ذريته به، ومن الثواب المعجل الثناء الحسن، والرؤيا الصادقة، كما قال الله تعال: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٤]، فالبشرى في الدنيا فسرت بالثناء الحسن وبالرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر لهما صلاح، وتقدم أنه كان الأب السابع، فالله أعلم].
وظاهره أنه أبوهما المباشر، وكونه الأب السابع يحتاج إلى دليل.
стр. 480
دلائل نبوة الخضر ﵇
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا﴾، هاهنا أسند الإرادة إلى الله تعالى؛ لأن بلوغهما الحلم لا يقدر عليه إلا الله].
الحُلْم والحُلُم كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ [النور:٥٩] يعني: سن التكليف.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال في الغلام: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ [الكهف:٨١]، وقال في السفينة: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف:٧٩]، فالله أعلم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ أي: هذا الذي فعلته في هذه الأحوال الثلاثة إنما هو من رحمة الله بمن ذكرنا من أصحاب السفينة ووالدي الغلام وولدي الرجل الصالح، ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾، أي: لكني أمرت به ووقفت عليه، وفيه دلالة لمن قال بنبوة الخضر ﵇].
وهذه دلالة واضحة، وهذا هو الصواب؛ لأنه قال: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ أي: إنما فعله بوحي من الله، والجمهور يرون أنه عبد صالح، والصواب أنه نبي يوحى إليه؛ لما في الآية الكريمة: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾، إنما فعله بوحي من الله، ولأن هذه الأعمال لا يمكن أن يفعلها الإنسان بالإلهام، وإنما يفعلها بوحي من الله، فالإقدام على قتل الغلام، وخرق السفينة، وكذلك بناء الجدار، وإخبار موسى بأنه ليتيمين في المدينة، وأنهما سيبلغان أشدهما لا يعلم كل هذا إلا الله، ومن يعلم أن هذين اليتيمين سيعيشان ويكبران ويأخذن كنزهما بغير وحي من الله؟! ثم القول بأنه فعل هذه الأشياء بالإلهام هو من كلام الصوفية الذين يقدمون على الأفعال المحرمة ويدعون أن هذا بإلهام، ويحتجون بقصة الخضر.
والصواب أن الخضر نبي يوحى إليه، كما هو صريح في قوله: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾.
وهذا له نظائر؛ لأن الفضل والخير يضاف إلى الله، والشر لا يضاف إلى الله -وإن كان الله خالق الجميع- من باب الأدب، كما قال الله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:٢]، قال تعالى عن الجن: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:١٠]، فالشر ما أضافوه إلى الله، بل قالوا: ((أَشَرٌّ أُرِيدَ))، والخير أضافوه إلى الله فقالوا: ((أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا)) وهذا من أدب الجن، وهذا هو معنى قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (والشر ليس إليك)، يعني: الشر المحض الذي لا حكمة في إيجاده لا ينسب إلى الله ولا يضاف إلى الله، مع أن الله تعالى خالق كل شيء، لكن الشر لا يضاف إلى الله من باب الأدب، والخير يضاف إليه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفيه دلالة لمن قال بنبوة الخضر ﵇، مع ما تقدم من قوله: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾.
وقال آخرون: كان رسولاً، وقيل: بل كان ملكاً، نقله الماوردي في تفسيره، وذهب كثيرون إلى أنه لم يكن نبياً، بل كان ولياً، فالله أعلم].
قيل: إنه ولي وعبد صالح، وقيل: إنه كان نبياً، وقيل: إنه كان رسولاً، وقيل: إنه كان ملكاً، فهذه أربعة أقوال، والأكثرون على أنه عبد صالح، وأنه قال هذه الأشياء بإلهام وتعريف من الله، وهذا هو علم اللدني، حيث قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾، وذهب إلى هذا الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ وكثير من أهل العلم.
والقول الثاني: أنه نبي، والقول الثالث: أنه رسول، والقول الرابع: أنه ملك، والصواب: أنه نبي يوحى إليه.
стр. 481
دلائل موت الخضر ﵇
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وذكر ابن قتيبة في المعارف أن اسم الخضر بليا بن ملكان بن فالغ بن غابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح ﵇, قالوا: وكان يكنى أبا العباس ويلقب بـ الخضر، وكان من أبناء الملوك، ذكره النووي في تهذيب الأسماء، وحكى هو وغيره في كونه باقياً إلى الآن ثم إلى يوم القيامة قولين، ومال هو وابن الصلاح إلى بقائه، وذكروا في ذلك حكايات وآثار عن السلف وغيرهم، وجاء ذكره في بعض الأحاديث، ولا يصح شيء من ذلك، وأشهرها أحاديث التعزية، وإسناده ضعيف].
يعني: أن العلماء لهم في بقائه قولان: قول بأنه موجود وأنه باق إلى يوم القيامة، وقال آخرون: إنه مات، وهذا هو الصواب؛ لأنه لو كان باقياً لجاء إلى النبي ﷺ وآمن به، والله تعالى أخذ الميثاق على كل نبي: لئن بعث محمد وهم أحياء ليتبعنه وينصرنه، وعيسى ﵊ إذا نزل في آخر الزمان يكون فرداً من أفراد الأمة المحمدية، ويحكم بشريعة نبينا ﷺ ، فلا يمكن أن يكون الخضر -وهو نبي أو عبد صالح- في عهد النبي ﷺ ، ولا يأتي ليؤمن به ويبايعه، ثم إنه ثبت أن النبي ﷺ في آخر حياته خطب الناس بعد العشاء وقال: (إنه على رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض اليوم أحد)، والمعنى: أن مائة سنة تخرم ذلك القرن، والحديث رواه البخاري في صحيحه.
يعني: بعد مائة سنة من حديث النبي ﷺ يموت من هو موجود على الأرض ويأتي جيل جديد، فلو كان الخضر موجوداً على قيد الحياة لشمله هذا الحديث ومات.
وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ له في مجموع الفتاوى قولان: قول: أنه مات، وهذا هو الصواب، والقول الثاني أنه باق، وأجاب عن هذا بأنه ليس على وجه الأرض، وإنما هو في البحر، ولعله رجع عن هذا القول، ولكنه نقل القولين، وكأن الذي نقله عنه لا يعرف المتقدم من المتأخر، والصواب أنه مات، وليس على قيد الحياة، وبعض الناس يرى أن الخضر وإلياس من المعمرين، وأنهما باقيان إلى يوم القيامة، والصواب أنهما ليسا باقيين، ولو كانا موجودين على عهد النبي ﷺ لجاءا وآمنا به.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ورجح آخرون من المحدثين وغيرهم خلاف ذلك، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء:٣٤]، وبقول النبي ﷺ يوم بدر: (اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض)، وبأنه لم ينقل أنه جاء إلى رسول الله ﷺ ولا حضر عنده ولا قاتل معه، ولو كان حياً لكان من أتباع النبي ﷺ وأصحابه؛ لأنه ﵇ كان مبعوثاً إلى جميع الثقلين: الجن والإنس، وقد قال: (لو كان موسى وعيسى حيين ما وسعهما إلا اتباعي).
وأخبر قبل موته بقليل: (أنه لا يبقى ممن هو على وجه الأرض إلى مائة سنة من ليلته تلك عين تطرف)، إلى غير ذلك من الدلائل].
أي: لو كان موجوداً لكان من تلك العصابة؛ لأنه يعبد الله في الأرض، ولأنه نبي أو عبد صالح، فقوله: (إن تهلك هذه العصابة) معناه: ليس في الأرض أحد في ذلك الوقت مؤمن إلا غيرهم.
وقوله: [(لو كان موسى وعيسى حيين ما وسعهما إلا اتباعي)] لعل هذا مما أخطأ فيه الكاتب، أو زاده زنديق على التفسير، فإن هذا القول يرده ما تواتر من النصوص على نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان.
فالصحيح: (ولو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي) منافاة، فموسى لا شك في أنه توفى، وعيسى مرفوع؛ ولو كان موسى حياً لاتبعه، ولو كان عيسى موجوداً على وجه الأرض لاتبعه؛ لكنه مرفوع، وقد أخبر في الأحاديث الصحيحة بأنه ينزل في آخر الزمان ويتبع النبي ﷺ .
وقد ذكره ابن أبي العز في شرح الطحاوية في السياق، وعلق عليه الشيخ ناصر الألباني ﵀ في تخريج الطحاوية بقوله: (كذا الأصل)، وكأنه يشير إلى الحديث الذي ذكره شيخه ابن كثير في تفسير سورة الكهف بلفظ: (لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي)، وهو حديث محفوظ دون ذكر عيسى فيه، فإنه منكر عندي، لم أره في شيء من طرقه، وهي مخرجة في إرواء الغليل برقم ألف وخمسمائة وتسعة وثمانين.
والصحيح أن ذكر عيسى وهم، أو خطأ مطبعي، وقوله: (كانا حيين)، الصحيح: حي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك عن معمر، عن همام بن منبه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ في الخضر قال: (إنما سمي خضراً لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تحته تهتز خضراء) ورواه -أيضاً- عن عبد الرزاق، وقد ثبت -أيضاً- في صحيح البخاري عن همام عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء).
والمراد بالفروة هاهنا: الحشيش اليابس.
стр. 482
بيان معنى قوله تعالى: (ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾، أي: هذا تفسير ما ضقت به ذرعاً، ولم تصبر حتى أخبرك به ابتداء، ولما أن فسره له وبينه ووضحه وأزال المشكل قال: ما لم (تسطع)، وقبل ذلك كان الإشكال قوياً ثقيلاً فقال: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾، فقابل الأثقل بالأثقل، والأخف بالأخف، كما قال تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف:٩٧]، وهو الصعود إلى أعلاه، ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف:٩٧]، وهو أشق من ذلك، فقابل كلاً بما يناسبه لفظاً ومعنى والله أعلم].
يعني: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، ففي خرقه السفينة لما أنكر عليه إنكاراً أقل قابله بالأقل، حيث قال موسى: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾، فقابله الخضر بقوله: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، ولما شدد عليه في الإنكار في المرة الثانية فقال: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾، شدد عليه الخضر وأكده فقال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ فأتى بزيادة (لك)، وهنا لما كان الإشكال قوياً قال: ﴿لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾، فلما فسر له هذه الأشياء التي فعلها، وزال الإشكال قال: ﴿مَا لَمْ تَسْطِعْ﴾ وحذف التاء للتخفيف، وكذلك في يأجوج ومأجوج، حيث قال تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف:٩٧] يعني: ما استطاعوا أن يصعدوا إلى أعلى، لأن الصعود إلى أعلى خفيف، وأما النقب والخرق فقال عنه: ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف:٩٧]؛ لأن النقب أشد، وهذا يدل على ما قاله بعضهم من أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.
стр. 483
ذكر خبر يوشع بن نون بعد لقي الخضر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن قيل: فما بال فتى موسى ذكر في أول القصة ثم لم يذكر بعد ذلك؟ فالجواب أن المقصود بالسياق إنما هو قصة موسى مع الخضر، وذكر ما كان بينهما، وفتى موسى معه تبع، وقد صرح في الأحاديث المتقدمة في الصحاح وغيرها أنه يوشع بن نون وهو الذي كان يلي بني إسرائيل بعد موسى ﵉].
ويوشع بن نون نبي، وهو الذي فتح بيت المقدس، ودخل بيت المقدس بعد وفاة موسى ﵊، فموسى توفي في التيه وسط صحراء سيناء التي بين مصر وفلسطين، والله تعالى عاقب بني إسرائيل بالتيه، وحرم عليهم دخول البلد؛ لأنهم امتنعوا ورفضوا أمر الله لما طلب منهم موسى أن يذهبوا معه وليقاتلوا الجبابرة ويفتحوا بيت المقدس، وأخبرهم بأن الله وعد بالفتح، فرفضوا ذلك وقالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]، فالله تعالى عاقبهم فقال: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [المائدة:٢٦]، وهذا تحريم قدري، إذ إن التحريم ينقسم إلى قسمين: تحريم قدري وتحريم شرعي، فالتحريم الكوني القدري مثل قوله : ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [المائدة:٢٦]، ومثل قوله: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص:١٢]، فهذا تحريم قدري، يعني: لا يقبل ثدي امرأة إلا ثدي أمه.
والنوع الثاني: تحريم شرعي، مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة:٣]، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء:٢٣] فهذا تحريم شرعي، والتحريم الأول تحريم قدري، والمعنى أن الله منعهم، فقال: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [المائدة:٢٦]، فصاروا كلما مشوا رجعوا إلى مكانهم لا يهتدون إلى البلد أربعين سنة، حتى ماتوا في التيه، ومات معهم موسى عليه الصلاة السلام.
ثم بعد ذلك ولي الأمر يوشع بن نون فتاه الذي ذهب معه إلى البحر، وصار نبياً، وفتح بهم بيت المقدس، وحبست له الشمس؛ لأنه كاد أن يفتح المدينة قبيل غروب الشمس ليلة السبت، وكان في شريعتهم أن يوم السبت ليس فيه قتال، فنادى يوشع الشمس وقال: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، فحبسها الله، فوقفت حتى تم الفتح قبل غروب الشمس، ثم دخل المدينة، ولم تحبس الشمس لأحد إلا ليوشع بن نون.
وجاء في أحاديث ضعيفة أنها حبست لـ علي، وثبت أنها من موضوعات الشيعة، وأنها حبست لنبينا ﷺ ، وهذا لم يثبت.
والصواب أن الشمس ما حبست إلا ليوشع بن نون حتى تم الفتح، وهذا ثابت في الحديث الصحيح.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا يدل على ضعف ما أورده ابن جرير في تفسيره حيث قال: حدثنا ابن حميد حدثنا سلمة حدثني ابن إسحاق عن الحسن بن عمارة عن أبيه عن عكرمة قال: قيل لـ ابن عباس: لم نسمع لفتى موسى بذكر حديث، وقد كان معه؟ قال ابن عباس فيما يذكر من حديث الفتى قال: شرب الفتى من الماء فخلد، فأخذه العالم فطابق به سفينة ثم أرسله في البحر، فإنها لتموج به إلى يوم القيامة؛ وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه فشرب.
وإسناده ضعيف، والحسن متروك، وأبوه غير معروف].
قلت: المتروك هو المتهم بالكذب، وعلى هذا فيكون الحديث ضعيفاً جداً، فيه عنعنة ابن إسحاق، فالحديث ضعيف جداً ولا يصلح لأن يتقوى بالمتابعة، ثم لو صح السند لكان شاذاً؛ لأنه مخالف للحديث الصحيح الذي فيه أنه كان نبي بني إسرائيل، وأنه فتح بيت المقدس، فكيف يقال: إنه في سفينة في البحر تموج به إلى يوم القيامة؟! فلو صح السند واستقام مثل الشمس فإنه يكون شاذاً؛ لمخالفته للحديث الصحيح.
стр. 484
تفسير سورة الكهف [٨٣ - ٩١]
لقد حفلت سورة الكهف بجملة من القصص القرآنية العظيمة، ومنها قصة ذي القرنين الذي مكن الله تعالى له في الأرض، فبلغ مغرب الشمس، وقهر من مر بهم واستمكن منهم، وأقام حكم الله تعالى بولايته، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
стр. 485
تفسير قوله تعالى: (ويسألونك عن ذي القرنين)
قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف:٨٣ - ٨٤].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى لنبيه ﷺ ((وَيَسْأَلُونَكَ)) يا محمد ((عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ))، أي: عن خبره، وقد قدمنا أنه بعث كفار مكة إلى أهل الكتاب يسألونهم ما يمتحنون به النبي ﷺ ].
أي: يطلبون منهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقالوا: سلوه عن رجل طواف في الأرض، وعن فتية ما يدرى ما صنعوا، وعن الروح، فنزلت سورة الكهف.
وقد أورد ابن جرير هاهنا والأموي في مغازيه حديثاً أسنده -وهو ضعيف- عن عقبة بن عامر: أن نفراً من اليهود جاءوا يسألون النبي ﷺ عن ذي القرنين، فأخبرهم بما جاءوا له ابتداءً، فكان فيما أخبرهم به أنه كان شاباً من الروم، وأنه بنى الإسكندرية، وأنه علا به ملك إلى السماء، وذهب به إلى السد، ورأى أقواماً وجوههم مثل وجوه الكلاب.
وفيه طول ونكارة، ورفعه لا يصح، وأكثر ما فيه أنه من أخبار بني إسرائيل، والعجب أن أبا زرعة الرازي -مع جلالة قدره- ساقه بتمامه في كتابه (دلائل النبوة)، وذلك غريب منه، وفيه من النكارة أنه من الروم، وإنما الذي كان من الروم الإسكندر الثاني، وهو ابن فيليبس المقدوني الذي تؤرخ به الروم، فأما الأول فقد ذكر الأزرقي وغيره أنه طاف بالبيت مع إبراهيم الخليل ﵇ أول ما بناه، وآمن به واتبعه].
والإسكندر المقدوني هو الذي مهد الطريق للفلاسفة، ومنهم أرسطو الفيلسوف المعروف الذي ابتدع القول بقدم العالم، ويسمى المعلم الأول، ثم أتى بعده المعلم الثاني أبو نصر الفارابي، ثم أتى بعده المعلم الثالث أبو علي بن سينا، ويقال عن هؤلاء: فلاسفة، وهم ملاحدة، فهم الذين ابتدعوا القول بقدم العالم، وقد كان الفلاسفة قبلهم يعظمون الشرائع والأنبياء والإلهيات، ولا يتكلمون فيها، ويقولون: علومنا تتعلق بالرياضيات والطبيعة، فلما جاء الإسكندر المقدوني استوزر أرسطو، ويقال له: أرسطا طاليس.
وكان للإسكندر المقدوني شأن بسبب وزيره أرسطو، وكان الإسكندر المقدوني مشركاً يعبد الأصنام، وذلك قبل المسيح بثلاثمائة سنة كما ذكر ذلك ابن القيم ﵀ في (إغاثة اللهفان) وغيره، وأما الإسكندر الأول -وهو ذو القرنين - فكان قبله بدهور، ويقال: إنه كان في زمن إبراهيم ﵊، وأنه جاء وطاف بالبيت بعدما بناه إبراهيم ﵇، فعلى هذا يكون بينه وبين الإسكندر المقدوني قرابة سبعمائة سنة، أو ألف سنة، ثم جاء بعده الإسكندر المقدوني الذي كان وزيره أرسطو، فاشتبه هذا بذاك على بعض الناس، وبينهما فرق، فـ الإسكندر المقدوني كان مشركاً يعبد الأصنام، والإسكندر ذو القرنين كان رجلاً صالحاً، وهو الذي بنى السد، فهناك فرق بين الرجلين في الزمان وفي العمل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكان معه الخضر ﵇].
أي: وكان مع ذي القرنين الخضر ﵇، وفي بعض النسخ أن الخضر كان وزيره، كما تدل على ذلك أخبار الأزرقي في تاريخه، والأزرقي مؤرخ، والمؤرخون ليسوا كالمحدثين يمحصون الأخبار، ولهذا فإن أخبار المؤرخين لا يعتمد عليها، إلا إذا ثبتت بالأسانيد الصحيحة.
стр. 486
منهج ابن سينا وأرسطو وسائر الفلاسفة في العقائد
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما الثاني فهو اسكندر بن فيليبس المقدوني اليوناني وكان وزيره أرسطا طاليس الفيلسوف المشهور، والله أعلم، وهو الذي تؤرخ من مملكته ملة الروم، وقد كان قبل المسيح ﵇ بنحو ثلاثمائة سنة].
هذا كما ذكره ابن القيم في إغاثة اللهفان، وذكرت مصادر أخرى أنه كان قبله بألف سنة، لكن هذا وهم، والإسكندر المقدوني هذا هو الذي استوزر أرسطو، وهو من فلاسفة اليونان الذين يسمون بالفلاسفة المشائين، وهم ملاحدة، وأول من ابتدع القول بقدم العالم هو أرسطو، والقول بقدم العالم معناه إنكار أن الله خلق العالم وإنكار لوجود الله، فالملاحدة لا يقولون: إن الله خلق العالم باختياره ومشيئته وإرادته، بل يقولون: إن العالم قديم، بخلاف الفلاسفة القدامى قبل أرسطو.
وأول من وضع التعاليم الحرفية -المنطق- أرسطو الذي استوزره الإسكندر المقدوني، ثم جاء بعده أبو نصر الفارابي فأخرجه إلى الصوت حيث جعله أصواتاً وأوزاناً، فعلى هذا يكون أول من ابتدع التعاليم الصوتية أبو نصر الفارابي، وأول من ابتدع التعاليم الحرفية المنطقية أرسطو.
ثم جاء أبو علي بن سينا الذي يسمونه المعلم الثالث، وهو الذي حاول بجهده أن يقرب الفلسفة من دين الإسلام ويجمع بينهما، ورغم محاولته الشديدة إلا أنه لم يصل إلى ما وصلت إليه الجهمية الغالية في التجهم، فالجهمية الغلاة في التجهم أحسن حالاً وأرشد مذهباً من مذهب ابن سينا الذي افتتن به كثير من الناس في هذا العصر، فـ أبو علي بن سينا والفارابي وأمثالهما يسمونهم بالفلاسفة الإسلاميين، والإسلام منهم بريء، وقد سميت بأسمائهم مدارس ومستشفيات.
وكثير من الصحفيين والمذيعين يقولون: الفلاسفة الإسلاميون! وهم ملاحدة.
وابن سينا سماه ابن القيم في إغاثة اللهفان: (إمام الملحدين)، ويقول ابن سينا عن نفسه: أنا وأبي من دعاة الحاكم العبيدي والحاكم العبيدي رافضي خبيث لا يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ولا بالقدر.
ومحاولة ابن سينا التقريب بين الفلسفة والإسلام تدل على نفاقه وإلحاده.
إذاً: فالمعلم الأول أرسطو الذي لم يثبت وجوداً لله، إلا من جهة كونه مبدأً للفلك وعلة غائية لحركة الفلك فقط، حيث يقول: هذا الفلك مبدؤه هو الله وإلا فهو شيء واحد، وابن سينا أراد أن يقرب الفلسفة من الإسلام، فقال: هناك وجودان: وجود الخالق، ووجود المخلوق، لكن هذا الإثبات إنما هو في الذهن؛ لأنه لم يثبت، فهذا الخالق الذي أثبته عدم -والعياذ بالله- لم يثبت له شيئاً من الصفات، ولا من الأسماء، ولا قال: إنه خلق العالم باختياره، وإنما قال بالوجود المطلق فقط.
والوجود وجودان: وجود واجب ووجود ممكن، فالوجود الواجب هو وجود الله، والوجود الممكن هو وجود المخلوق، إلا أن الواجب ليس له اسم ولا صفة، فليس له سمع، ولا بصر، ولا علم، ولا إرادة، ولا هو فوق، ولا تحت، ولا في يمين ولا في شمال، وإنما وجوده وجود مطلق، فاشترط أن يكون وجوده وجوداً مطلقاً، والوجود المطلق هو الذي لم يقيد باسم ولا صفة، وهذا لا يكون إلا في الذهن وفي اللفظ، أما في الخارج فلم يثبت وجود لله، وقال عن الملائكة: إنهم أشباح وأشكال يتخيلها النبي، وإذا تقربوا إلى أهل الإسلام قال: إنما هي عبارة عن أمور عقلية معنوية، فالملائكة عبارة عن أمور عقلية تدعو إلى الخير والإحسان والكرم، والشياطين: هي الأشباح الرديئة التي تدعو إلى الظلم والعدوان.
أما الكتب المنزلة فقال عنها: إنها فيض، يعني أنها معان تفيض على هذا الرجل العبقري.
وقال عن النبي ﷺ : إنه رجل عبقري فيه خصائص من استكملها فهو نبي، مثل قوة الإدراك، حتى ينال من العلم أكثر من غيره، وقوة التخيل حتى يتخيل الملائكة، وقوة التأكيد، فهذه خصائص من استكملها فهو نبي.
وقال: إن النبوة ليست منحة ولا هبة ربانية، بل هي صنعة من الصناعات وسياسة من السياسات، فكل إنسان يستطيع أن يحصل عليها بالمران والخبرة، فهذا إيمانهم بالنبوة.
وأما إيمانهم بالبعث والنشور والحساب والجنة والنار فيقولون: هذه أمور خيالية لا حقيقة لها؛ لأنها من كذب هذا النبي، فالنبي يكذب على الناس حتى يستصلح أحوالهم، فهو يكذب لهم، ولا يكذب عليهم، فهو يخبرهم بأن هناك بعثاً وجزاء ونشوراً وجنة وناراً حتى يعيش الناس بسلام، وحتى لا يبغي أحد على أحد، أي: ليس هناك جنة ولا نار ولا بعث، والعياذ بالله، وهذا هو مذهب ابن سينا في محاولته الشديدة للتقريب بين الإسلام والفلسفة.
لذلك ينبغي على المسلم -لاسيما طالب العلم- ألا يغتر بهذه التخرصات؛ لأن هؤلاء الصحفيين والمذيعين ليس عندهم علم ولا بصيرة بحال هؤلاء الفلاسفة.
стр. 487
ذكر سبب تسمية الإسكندر بذي القرنين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فأما الأول المذكور في القرآن فكان في زمن الخليل كما ذكره الأزرقي وغيره، وأنه طاف مع الخليل بالبيت العتيق لما بناه إبراهيم ﵇، وقرب إلى الله قرباناً، وقد ذكرنا طرفاً صالحاً من أخباره في كتاب (البداية والنهاية) بما فيه كفاية ولله الحمد.
وقال وهب بن منبه: كان ملكاً، وإنما سمي ذا القرنين لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس، قال: وقال بعض أهل الكتاب: لأنه ملك الروم وفارس، وقال بعضهم: كان في رأسه شبه القرنين، وقال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي الطفيل قال: (سئل علي ﵁ عن ذي القرنين فقال: كان عبداً ناصحاً لله فناصحه].
النصح لله معناه: إخلاص العبادة لله ، كما في الحديث: (الدين النصيحة، قلنا لمن؟ قال: لله ولكتابه) فالنصح لله هو إخلاص العبادة وأداء حقه سبحانه، والنصح لكتابه معناه: العمل بالقرآن العزيز، والنصح لرسوله معناه: اتباعه ﵊ ومحبته.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كان عبداً ناصحاً لله فناصحه، دعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات فأحياه الله، فدعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات، فسمي ذا القرنين].
هذا الحديث صححه الحافظ ابن حجر بعد عزوه إلى المختارة للحافظ الضياء، وأخرجه الطبراني من طريق أبي الطفيل قال: سمعت علياً وسألوه، فذكر نحوه.
قال الحافظ الضياء المقدسي: أخبرنا أبو المجد زاهر بن أحمد بن حامد بن أحمد الثقفي قرأت عليه بأصفهان قال: قلت له: أخبركم أبو عبد الله الحسين بن عبد الملك بن الحسين الخلال قراءة عليه وأنت تسمع قال: حدثنا الإمام أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد بن الحسين بن بندار الرازي أنبأنا أبو الحسن أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن علي بن فراس حدثنا أبو جعفر محمد بن إبراهيم الديلي حدثنا أبو عبيد الله سعيد بن عبد الرحمن المخزومي حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي حسين عن أبي الطفيل قال: سمعت ابن الكواء يسأل علي بن أبي طالب ﵁ عن ذي القرنين، فقال علي: (لم يكن نبياً ولا ملكاً، بل كان عبداً صالحاً أحب الله فأحبه، وناصح الله فناصحه، بعث إلى قومه فضربوه على قرنه فمات، فبعثه الله، فسمي ذو القرنين).
وقال أيضاً: حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي الطفيل قال: سئل علي، وساق الحديث.
وهنا سند آخر، قال الضياء المقدسي: أخبرنا عبد العزيز أخبرنا عبد المعز بن محمد الهروي قراءة عليه بها قلت له: أخبركم محمد بن إسماعيل بن الفضيل قراءة عليه وأنت تسمع بأن محلم بن إسماعيل الضبي بأن الخليل بن أحمد الضبي بأن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الفراج حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو عوانة عن سماك عن حبيب بن حماد قال: (كنت عند علي بن أبي طالب ﵁ وسأله رجل عن ذي القرنين كيف بلغ المشرق والمغرب؟ قال: سبحان الله! سخر له السحاب ومدت له الأسباب وبسط له النور، فقال: أزيدك؟ قال: فسكت الرجل وسكت علي) رواه الضياء في المختارة، وصححه المحقق، ونقل توثيق العجلي في حديث ابن حماد.
والمختارة للضياء يقول عنها شيخ الإسلام ﵀ بأن أحاديثها أحسن من أحاديث مستدرك الحاكم، لكن الأمر يحتاج إلى نظر في الأسانيد التي سبق ذكرها في الحديث الموقوف على علي.
وكل ذلك من أخبار بني إسرائيل، أي: كونه أحياه الله مرتين، وكذا القول بأنه كان على جانبي رأسه صفحتان من النحاس، وهذا بعيد؛ لأن هذا مخالف لخلق بني آدم، فبنو آدم خلقهم الله من دم ولحم وعظم لا من نحاس، ولو كان هذا صحيحاً لورد في ذلك شيء من الأخبار.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذا رواه شعبة عن القاسم بن أبي بزة عن أبي الطفيل سمع علياً يقول ذلك، ويقال: إنما سمي ذا القرنين لأنه بلغ المشارق والمغارب من حيث يطلع قرن الشمس ويغرب].
ولعل هذا هو الأقرب، بلغ المشارق والمغارب، والدليل على هذا ما ذكر الله وبينه من أنه بلغ مطلع الشمس ومغربها.
стр. 488
بيان معنى قوله تعالى: (إنا مكنا له في الأرض)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ﴾ [الكهف:٨٤] أي: أعطيناه ملكاً عظيماً متمكناً فيه من جميع ما يؤتى الملوك من التمكين والجنود وآلات الحرب والحصارات، ولهذا ملك المشارق والمغارب من الأرض، ودانت له البلاد، وخضعت له ملوك العباد، وخدمته الأمم من العرب والعجم، ولهذا ذكر بعضهم أنه إنما سمي ذا القرنين لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها.
وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف:٨٤] قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي وقتادة والضحاك وغيرهم: يعني: علماً.
وقال قتادة -أيضاً- في قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف:٨٤] قال: منازل الأرض وأعلامها، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف:٨٤] قال: تعليم الألسنة، كان لا يغزو قوماً إلا كلمهم بلسانهم، وقال ابن لهيعة: حدثني سالم بن غيلان عن سعيد بن أبي هلال أن معاوية بن أبي سفيان قال لـ كعب الأحبار: أنت تقول: إن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا؟ فقال له كعب: إن كنت قلت ذلك فإن الله تعالى قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف:٨٤]، وهذا الذي أنكره معاوية ﵁ على كعب الأحبار هو الصواب].
هذا السند لا يصح؛ لأن فيه ابن لهيعة، وكعب الأحبار من بني إسرائيل أسلم، وهو يأخذ عن بني إسرائيل.
فقوله: (يربط خيله بالثريا) غير صحيح، ومعنى (آتاه الله من كل شيء سبباً) أي: آتاه من كل شيء يصلح للملوك ويؤتاه الملوك، ومكنه في الأرض، وهذا جدير بالإنكار، وابن لهيعة -أيضاً- ضعيف احترقت كتبه في آخر حياته.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والحق مع معاوية في ذلك الإنكار؛ فإن معاوية كان يقول عن كعب: إن كنا لنبلو عليه الكذب].
يعني: يؤثر عنه الكذب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يعني فيما ينقله، لا أنه كان يتعمد نقل ما ليس في صحفه].
يعني: ينقل عن بني إسرائيل ما هب ودب، فيقع في الكذب فيما ينقله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولكن الشأن في صحفه أنها من الإسرائيليات التي غالبها مبدل مصحف محرف مختلق، ولا حاجة لنا مع خبر الله تعالى ورسول الله ﷺ إلى شيء منها بالكلية، فإنه دخل منها على الناس شر كثير وفساد عريض.
وتأويل كعب قول الله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف:٨٤]، واستشهاده في ذلك على ما يجده في صحفه من أنه كان يربط خيله بالثريا غير صحيح ولا مطابق، فإنه لا سبيل للبشر إلى شيء من ذلك ولا إلى الترقي في أسباب السماوات، وقد قال الله في حق بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٢٣] أي: مما يؤتى مثلها من الملوك].
يعني أن قوله: (وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا)، أي: مما يؤتاه الملوك، وليس المراد العموم؛ لأن العموم قد يخصص بما يدل عليه الواقع والعقل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهكذا ذو القرنين يسر الله له الأسباب -أي: الطرق والوسائل- إلى فتح الأقاليم والرساتيق والبلاد].
الرساتيق كلمة أعجمية، أي: المدن والأقاليم، فـ ذو القرنين يسر الله له أسباب الفتح، كما يسر له بناء السد، وطلب من الناس أن يعينوه وأن يأتوه بالحديد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يسر الله له الأسباب -أي: الطريق والوسائل- إلى فتح الأقاليم والرساتيق والبلاد والأراضي وكسر الأعداء وكبت ملوك الأرض، وإذلال أهل الشرك، قد أوتي من كل شيء مما يحتاج إليه مثله سبباً، والله أعلم.
وفي المختارة للحافظ الضياء المقدسي من طريق قتيبة عن أبي عوانة عن سماك بن حرب عن حبيب بن حماد قال: (كنت عند علي ﵁ وسأله رجل عن ذي القرنين: كيف بلغ المشرق والمغرب؟ فقال: سبحان الله! سخر له السحاب وقدر له الأسباب وبسط له اليد)].
قوله: (سخر له السحاب) يحتمل -والله أعلم- أنه بالأمطار أو بتظليل السحاب له.
стр. 489
تفسير قوله تعالى: (فأتبع سبباً .
حتى إذا بلغ مغرب الشمس)
قال الله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف:٨٥ - ٨٨].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن عباس: (فَأَتْبَعَ سَبَبًا)، يعني: بالسبب المنزل، وقال مجاهد: (فَأَتْبَعَ سَبَبًا)، منزلاً وطريقاً ما بين المشرق والمغرب، وفي رواية عن مجاهد (سَبَبًا) قال: طرفي الأرض].
قوله: (طرفي الأرض) الأقرب (طريق)، و (طرفي الأرض) لها معنى، يعني أنه بلغ المشارق والمغارب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال قتادة: أي اتبع منازل الأرض ومعالمها، وقال الضحاك: (فَأَتْبَعَ سَبَبًا)، أي: المنازل، وقال سعيد بن جبير في قوله: ((فَأَتْبَعَ سَبَبًا))، قال: علماً، وهكذا قال عكرمة وعبيد بن تعلى والسدي، وقال مطر: معالم وآثار كانت قبل ذلك].
стр. 490
بلوغ ذي القرنين مغرب الشمس
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف:٨٦] أي: فسلك طريقاً حتى وصل إلى أقصى ما يسلك فيه من الأرض من ناحية المغرب، وهو مغرب الأرض، وأما الوصول إلى مغرب الشمس من السماء فمتعذر، وما يذكره أصحاب القصص والأخبار من أنه سار في الأرض مدة والشمس تغرب من ورائه فشيء لا حقيقة له، وأكثر ذلك من خرافات أهل الكتاب واختلاق زنادقتهم وكذبهم].
يعني أن الله أعطى بني آدم من الأسباب ما يناسبهم، وكون الشمس تغرب من وراء ذي القرنين لا يعقل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف:٨٦]، أي: رأى الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط، وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله، يراها كأنها تغرب فيه، وهي لا تفارق الفلك الرابع الذي هي مثبتة فيه لا تفارقه].
يعني: أن الشمس في السماء في الفلك، لقوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠]، أي: الشمس والقمر، أي: تدور في فلكها وليست نازلة في الأرض، لكن من وصل إلى الساحل ونظر إلى الشمس حال غروبها فيظن أنها غربت في البحر، وهي في فلكها في السماء، مثل من يرى أن طرف السماء وصل بالأرض من البعد، والسماء معروف أن بينها وبين الأرض خمسمائة عام، لكن في مرأى العين يرى شيئاً، والواقع شيء آخر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والحمئة مشتقة -على إحدى القراءتين- من الحمأة، وهو الطين، كما قال تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر:٢٨] أي: طين أملس، وقد تقدم بيانه.
وقال ابن جرير: حدثني يونس أخبرنا ابن وهب أنبأنا نافع بن أبي نعيم سمعت عبد الرحمن الأعرج يقول: كان ابن عباس يقول: (في عين حمئة) ثم فسرها: ذات حمأة، قال نافع: وسئل عنها كعب الأحبار فقال: أنتم أعلم بالقرآن مني، ولكني أجدها في الكتاب تغيب في طينة سوداء، وكذا روى غير واحد عن ابن عباس، وبه قال مجاهد وغير واحد، وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا محمد بن دينار عن سعد بن أوس عن مصدع عن ابن عباس عن أبي بن كعب (أن النبي ﷺ أقرأه: (حمئة)) وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (وجدها تغرب في عين حامية) يعني: حارة، وكذا قال الحسن البصري، وقال ابن جرير: والصواب أنهما قراءتان مشهورتان، فأيهما قرأ القارئ فهو مصيب.
قلت: ولا منافاة بين معنييهما؛ إذ قد تكون حارة لمجاورتها وهج الشمس عند غروبها وملاقاتها الشعاع بلا حائل، وحمئة في ماء وطين أسود، كما قال كعب الأحبار وغيره].
يعني: تكون حارة لملاقاتها وهج الشمس، وهي حمئة؛ لأنها من طين أسود، فتجمع بين الأمرين: حمئة الطين والتراب، وحارة لملاقاتها شعاع الشمس ووهج الشمس.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا العوام حدثني مولى لـ عبد الله بن عمرو عن عبد الله قال: (نظر رسول الله ﷺ إلى الشمس حين غابت، فقال في نار الله الحامية: لولا ما يزعها من أمر الله لأحرقت ما على الأرض).
قلت: ورواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون، وفي صحة رفع هذا الحديث نظر، ولعله من كلام عبد الله بن عمرو من زاملتيه اللتين وجدهما يوم اليرموك، والله أعلم].
يعني: رفعه فيه نظر، وإلا فظاهر السند الصحة، لكن لعل بعضهم وهم فرفعه إلى النبي ﷺ وهو موقوف على عبد الله بن عمرو.
وقوله: [مولى لـ عبد الله بن عمرو] فيه جهالة؛ لأنه لم يذكر اسمه، ولعل هذا المولى هو الذي رفعه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم: حدثنا حجاج بن حمزة حدثنا محمد -يعني ابن بشر - حدثنا عمرو بن ميمون أنبأنا ابن حاضر: أن ابن عباس ذكر له أن معاوية بن أبي سفيان قرأ الآية التي في سورة الكهف: (تغرب في عين حامية)، قال ابن عباس لـ معاوية: ما نقرؤها إلا حمئة، فسأل معاوية عبد الله بن عمرو: كيف تقرؤها؟ فقال عبد الله: كما قرأتها، قال ابن عباس: فقلت لـ معاوية: في بيتي نزل القرآن، فأرسل إلى كعب فقال: أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟ فقال له كعب: سل أهل العربية فإنهم أعلم بها، وأما أنا فإني أجد الشمس تغرب في التوراة في ماء وطين، وأشار بيده إلى المغرب، قال ابن حاضر: لو أني عندك أفدتك بكلام تزداد فيه بصيرة في (حمئة)، قال ابن عباس: وإذا ما هو؟ قلت: فيما يؤثر من قول تبع فيما ذكر به ذا القرنين في تخلقه بالعلم واتباعه إياه: بلغ المشارق والمغارب يبتغي أسباب أمر من حكيم مرشد فرأى مغيب الشمس عند غروبها في عين ذي خلب وثأط حرمد فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم، قال: فما الثأط؟ قلت: الحمأة، قال: فما الحرمد؟ قلت: الأسود، قال: فدعا ابن عباس رجلاً أو غلاماً فقال: اكتب ما يقول هذا الرجل).
وقال سعيد بن جبير: (بينا ابن عباس يقرأ سورة الكهف فقرأ ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف:٨٦] قال كعب: والذي نفس كعب بيده ما سمعت أحداً يقرؤها كما أنزلت في التوراة غير ابن عباس، فإنا نجدها في التوراة تغرب في مدرة سوداء).
وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل حدثنا هشام بن يوسف قال في تفسير ابن جريج: (وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا) قال: مدينة لها اثنا عشر ألف باب، لولا أصوات أهلها لسمع الناس وجوب الشمس حين تجب].
ومعنى: (تجب) تسقط وتغرب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج:٣٦]، يعني: سقطت على الأرض.
يعني أن هذه المدينة قريبة من مغرب الشمس، ولولا أصوات الناس لسمعوا وجبتها وسقوطها عند الغروب.
وفي السند كعب، وهو يأخذ عن بني إسرائيل، وكان من أهل الكتاب فأسلم في زمن عمر بن الخطاب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله: ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾ [الكهف:٨٦] أي: أمة من الأمم، ذكروا أنها كانت أمة عظيمة من بني آدم.
وقوله: ﴿قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف:٨٦] معنى هذا أن الله تعالى مكنه منهم وحكمه فيهم وأظفره بهم وخيره إن شاء قتل وسبى، وإن شاء منَّ أو فدى، فعرف عدله وإيمانه فيما أبداه عدله وبيانه في قوله: (أَمَّا مَنْ ظَلَمَ) أي: استمر على كفره وشركه بربه، (فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ)، قال قتادة: بالقتل، وقال السدي: كان يحمي لهم بقر النحاس ويضعهم فيها حتى يذوبوا].
يعني: كان يحمي لهم قدر النحاس ويلقيهم فيها، وهذا هو الأقرب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال وهب بن منبه: كان يسلط الظُلْمَة فتدخل أفواههم وبيوتهم وتغشاهم من جميع جهاتهم، والله أعلم].
يعني أن الله تعالى أخبر بأنه كان يعذب، قال : ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ [الكهف:٨٧]، والله أعلم بكيفية العذاب، لكن الظاهر أن العذاب هو القتل؛ لأن جزاء المشرك القتل لا تسليط الظُلْمة عليه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا)، أي: شديداً بليغاً وجيعاً أليماً، وفيه إثبات المعاد والجزاء].
والجزاء والمعاد من الأصول التي جاءت بها الأنبياء جميعاً؛ لأن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والجزاء والحساب والجنة والنار أمور مجمع عليها، وأصول اتفق عليها الأنبياء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ﴾ [الكهف:٨٨]، أي: تابعنا على ما ندعوه إليه من عبادة الله وحده لا شريك له، ﴿فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ [الكهف:٨٨]، أي: في الدار الآخرة عند الله ، ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف:٨٨]، قال مجاهد: معروفاً].
стр. 491
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا بلغ مطلع الشمس)
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا * كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف:٨٩ - ٩١].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى: ثم سلك طريقاً فسار من مغرب الشمس إلى مطلعها، وكان كلما مر بأمة قهرهم وغلبهم ودعاهم إلى الله ، فإن أطاعوه وإلا أذلهم وأرغم آنافهم واستباح أموالهم وأمتعتهم، واستخدم من كل أمة ما تستعين به جيوشه على قتال الإقليم المتاخم لهم].
يعني أن الله سبحانه مكنه وهيأ له الأسباب؛ لأنه ملك عادل صالح، وكان يسير في الأرض، فمن وجده موحداً أكرمه، ومن كان مشركاً أهانه وأذله واستخدمه واستباح ماله ودمه؛ لأنه كافر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وذكر في أخبار بني إسرائيل أنه عاش ألفاً وستمائة سنة يجوب الأرض طولها والعرض حتى بلغ المشارق والمغارب، ولما انتهى إلى مطلع الشمس من الأرض كما قال الله تعالى: ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ﴾ [الكهف:٩٠] أي: أمة، ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ [الكهف:٩٠] أي: ليس لهم بناء يكنهم، ولا أشجار تظلهم وتسترهم من حر الشمس، قال سعيد بن جبير: كانوا حمراً قصاراً مساكنهم الغيران، أكثر معيشتهم من السمك].
يعني أن هؤلاء ليس لهم بيوت تظلهم ولا أشجار، وإنما يعيشون في الغيران أو في أسراب تحت الأرض.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا سهل بن أبي الصلت سمعت الحسن وسئل عن قوله تعالى: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ [الكهف:٩٠] قال: إن أرضهم لا تحمل البناء، فإذا طلعت الشمس تغوروا في المياه، فإذا غربت خرجوا يتراعون كما ترعى البهائم، وقال الحسن: هذا حديث سمرة].
يعني أن أرضهم كانت رخوة لا يستقر عليها البناء، لأن الماء قريب منها، ومعنى (تغوروا في المياه) أي: كل واحد منهم غار بجسمه في المياه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال قتادة: ذكر لنا أنهم بأرض لا تنبت لهم شيئاً، فهم إذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب، حتى إذا زالت الشمس خرجوا إلى حروثهم ومعايشهم، وعن سلمة بن كهيل أنه قال: ليست لهم أكنان، إذا طلعت الشمس طلعت عليهم، فلأحدهم أذنان يفرش إحداهما ويلبس الأخرى].
وهذا من أخبار بني إسرائيل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ [الكهف:٩٠] قال: هم الزنج.
وقال ابن جرير في قوله: ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ [الكهف:٩٠] قال: لم يبنوا فيها بناءً قط، ولم يبن عليهم فيها بناء قط، كانوا إذا طلعت الشمس دخلوا أسراباً لهم حتى تزول الشمس، أو دخلوا البحر، وذلك أن أرضهم ليس فيها جبل، جاءهم جيش مرة فقال لهم أهلها: لا تطلعن عليكم الشمس وأنتم بها، قالوا: لا نبرح حتى تطلع الشمس، ما هذه العظام؟ قالوا: هذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فماتوا، قال: فذهبوا هاربين في الأرض.
وقوله: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف:٩١] قال مجاهد والسدي: علماً.
أي: نحن مطلعون على جميع أحواله وأحوال جيشه لا يخفى علينا منها شيء، وإن تفرقت أممهم وتقطعت بهم الأرض، فإنه تعالى ﴿لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران:٥]].
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف:٩٢]].
стр. 492
تفسير سورة الكهف [٩٢ - ٩٨]
يذكر الله تعالى من شأن ذي القرنين أنه بلغ في تطوافه موضع يأجوج ومأجوج بين السدين، وهما أمتان من نسل آدم ﵇ تعيثان في الأرض فساداً، فسخر الله تعالى ذا القرنين لنجدة أناس طالهم السوء من تلك الأمتين، فبنى لهم ردماً عظيماً سد به مخرج يأجوج ومأجوج معترفاً بمنة الله تعالى عليه في تمكينه له، وبقدرة الله تعالى على دك السد حين يأذن بخروج يأجوج ومأجوج، وكان وعد الله تعالى حقاً.
стр. 493
تفسير قوله تعالى: (ثم أتبع سبباً .
حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولاً)
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ [الكهف:٩٢ - ٩٣].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى مخبراً عن ذي القرنين: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ أي: ثم سلك طريقاً من مشارق الأرض، ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ وهما جبلان متناوحان] يعني: جبلان متقابلان بينهما ثغرة يخرج منها يأجوج ومأجوج على بلاد الترك، فيعيثون فيها فساداً، ويهلكون الحرث والنسل].
ويأجوج ومأجوج أمتان من بني آدم على الصحيح، وسميتا بيأجوج ومأجوج لكثرة لغطهم وأصواتهم.
وما ذكره بعضهم من أن آدم احتلم في الأرض، وأن الله خلقهما باحتلامه؛ فهو باطل لا أصل له، والصواب أنهما أمتان من بني آدم كافرتان تعيثان في الأرض فساداً، ولهذا ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (يقول الله تعالى: يا آدم! أخرج بعث النار.
فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسمعائة وتسعة وتسعون في النار وواحد إلى الجنة، فشق ذلك على الصحابة، وقالوا: يا رسول الله! أينا ذلك الواحد؟! فقال: أبشروا، فإن منكم رجلاً ومن يأجوج ومأجوج ألفاً) وفي الحديث الآخر: (أنهما أمتان ما كانتا في شيء إلا كثرتاه) فهما أمتان كافرتان.
وثبت في الحديث الصحيح أن ذا القرنين -كما في الآية- بنى السد، وأنهم يخرجون في آخر الزمان ويفسدون في الأرض، فيخرجون في زمن عيسى ﵇ حين ينزل من السماء، وهو العلامة الثالثة من العلامات الكبرى للساعة، فأولها المهدي، يخرج في آخر الزمان في وقت ليس للناس فيه إمام، ويبايع بين الركن وباب الكعبة، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، فهو محمد بن عبد الله المهدي، والفتن تحصر أهل السنة وأهل الحق في الشام، وتحصل حروب في زمانه بين النصارى والمسلمين، وتفتح القسطنطينية، ويعلق المسلمون سيوفهم بالزيتون بعد فتح القسطنطينية وانتصار المسلمين، فبينما هم كذلك إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح الدجال قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام خرج.
فخروجه يعتبر العلامة الثانية من أشراط الساعة الكبرى، ثم ينزل عيسى بن مريم من السماء في وقت الدجال وفي زمن المهدي، فنزول عيسى هو العلامة الثالثة من أشراط الساعة، فيقتل عيسى ﵊ الدجال، فمسيح الهدى يقتل مسيح الضلالة.
ثم بعد ذلك يخرج يأجوج ومأجوج في زمان عيسى، فهذه أربع علامات متتالية في وقت واحد: المهدي، ثم الدجال، ثم نزول عيسى بن مريم، ثم خروج يأجوج ومأجوج، فيتحرز نبي الله عيسى ومن معه من المؤمنين بجبل الطور، فيوحي الله إلى عيسى أن: (حرز عبادي إلى الطور، فإني سأخرج عباداً لي لا يدان لأحد بهم)، فقوله: (عباداً لي) يعني العبودية العامة؛ لأن العبودية نوعان: عبودية عامة تشمل كل الناس كافرهم ومؤمنهم، بمعنى أنه تنفذ فيهم قدرة الله ومشيئته وإرادته، فلا يخرجون عنها، مثل قول الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣].
النوع الثاني: العبودية الخاصة، وهذه خاصة بالمؤمنين، أي: من يعبد الله باختياره، ولهذا يوحي الله إلى عيسى أن: (حرز عبادي إلى الطور؛ فإني مخرج عباداً لي لا يدان لأحد بهم)، يعني: لا قدرة ولا طاقة لأحد بهم، فيتحرز نبي الله عيسى ومن معه إلى جبل الطور، فيخرج يأجوج ومأجوج ويفسدون في الأرض، فيدعو نبي الله عيسى ومن معه عليهم فيهلكهم الله كموت نفس واحدة، حتى يكونوا كالجبال وكالتلال بعضهم فوق بعض، فيرسل الله طيراً كالبخت -أي: الإبل- تأخذهم فتلقيهم في البحر، فينزل الله مطراً فيطهر الأرض به، وهذا من رحمة الله؛ لأنهم لو بقوا لأوخمت الأرض وهلك الناس.
فهذه أربع علامات من أشراط الساعة الكبرى كلها متتالية، والمقصود أن يأجوج ومأجوج أمتان كافرتان مفسدتان في الأرض، ولهذا لما وصل إليهم ذو القرنين ﵀ وشكى إليه الترك فساد يأجوج ومأجوج فقالوا: إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فاجعل بيننا وبينهم سداً، وسنعطيك مالاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً، فقال ذو القرنين: ﴿مَا مَكَّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ يعني: أنا عندي من المال ما يكفيني، لكن أعينوني بقوة ورجال، ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ فأعانوه فبنى السد بينهم وبين يأجوج ومأجوج.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويأجوج ومأجوج من سلالة آدم ﵇، كما ثبت في الصحيحين: (إن الله تعالى يقول: يا آدم.
فيقول: لبيك وسعديك.
فيقول: ابعث بعث النار.
فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، فحينئذ يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، فقال: إن فيكم أمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج)].
هذا الحديث فيه إثبات الكلام لله ، وأن الله يتكلم بصوت وحرف، خلافاً للجهمية والمعتزلة والأشاعرة الذين أنكروا الصوت، فهو يناديهم، وفي الحديث الآخر: (أن الله ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب).
والمعتزلة والأشاعرة والجهمية أنكروا الكلام، فقال الأشاعرة: إن الكلام معنى قائم بالنفس لا يسمع، ليس بحرف ولا صوت، وهذا الحديث فيه الرد عليهم، فهو سبحانه يتكلم بحرف وصوت، لكن الله لا يشبه المخلوقين في شيء من صفاتهم، فصوت الله لا يشبه صوت المخلوق، ولهذا فإن كلام الله يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، بخلاف صوت المخلوق، فلا يسمعه إلا القريب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد حكى النووي ﵀ في شرح مسلم عن بعض الناس أن يأجوج ومأجوج خلقوا من مني خرج من آدم فاختلط بالتراب، فخلقوا من ذلك].
هذا ذكره النووي في شرح صحيح مسلم، وهو ضعيف وليس بصحيح.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فعلى هذا يكونون مخلوقين من آدم وليسوا من حواء، وهذا قول غريب جداً، ثم لا دليل عليه لا من عقل ولا من نقل، ولا يجوز الاعتماد هاهنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب؛ لما عندهم من الأحاديث المفتعلة، والله أعلم].
الصواب أنهم خلقوا من آدم وحواء وهما أمتان من آدم وحواء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي مسند الإمام أحمد عن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: (ولد نوح ثلاثة: سام أبو العرب، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك) فقال بعض العلماء: هؤلاء من نسل يافث أبي الترك، قال: إنما سموا هؤلاء تركاً لأنهم تركوا من وراء السد، وإلا فهم أقرباء أولئك، ولكن كان في أولئك بغي وفساد وجراءة].
يعني: صاروا خارج السد، فسموا الترك، وبقي داخل السد يأجوج ومأجوج.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد ذكر ابن جرير هاهنا عن وهب بن منبه أثراً طويلاً عجيباً في سير ذي القرنين وبنائه السد وكيفية ما جرى له، وفيه طول وغرابة ونكارة في أشكالهم وصفاتهم وطولهم وقصر بعضهم وآذانهم].
ومن ذلك: أن الواحد منهم يفترش إحدى الأذنين ويلتحف بالأخرى، ووهب بن منبه يأخذ عن بني إسرائيل كما ذكر الحافظ ابن كثير، والأقرب أن ذلك من أخبار بني إسرائيل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى ابن أبي حاتم أحاديث غريبة في ذلك لا تصح أسانيدها، والله أعلم.
وقوله: ﴿لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ أي: لاستعجام كلامهم وبعدهم عن الناس].
стр. 494
تفسير قوله تعالى: (قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض)
قال الله تعالى: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف:٩٤].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس: أجراً عظيما.
يعني أنهم أرادوا أن يجمعوا له من بينهم مالاً يعطونه إياه، حتى يجعل بينهم وبينهم سداً، فقال ذو القرنين بعفة وديانة وصلاح وقصد للخير: ﴿مَا مَكَّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ أي: إن الذي أعطاني الله من الملك والتمكين خير لي من الذي تجمعونه، كما قال سليمان ﵇: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ [النمل:٣٦]، وهكذا قال ذو القرنين: الذي أنا فيه خير من الذي تبذلونه، ولكن ساعدوني بقوة، أي: بعملكم وآلات البناء ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف:٩٥ - ٩٦] والزبر: جمع زبرة، وهي القطعة منه، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة، وهي كاللبنة، يقال: كل لبنة زنة قنطار بالدمشقي أو تزيد عليه.
(حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ) أي: وضع بعضه على بعض من الأساس، حتى إذا حاذى به رءوس الجبلين طولاً وعرضاً، واختلفوا في مساحة عرضه وطوله على أقوال (قَالَ انفُخُوا) أي: أجج عليه النار حتى صار كله ناراً (قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة والسدي: هو النحاس.
وزاد بعضهم: المذاب، ويستشهد بقوله تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ [سبأ:١٢]، ولهذا يشبه بالبرد المحبر].
أي: القماش الذي فيه النقوش.
والسدي الكبير ثقة معروف، يروي عن أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس، وأما السدي الصغير فكذاب.
والمعنى أنه أتى بزبر الحديد -أي: قطع الحديد- كأنها لبن، وجعل يصف قطع الحديد بين السدين حتى وصل إلى رءوس الجبال فسدها، ثم أججها بالنار، ثم صب عليها النحاس المذاب حتى يُمسك ما بين قطع الحديد، فصار يأجوج ومأجوج من ورائه لا يستطيعون الخروج، فإذا جاء أمر الله في آخر الزمان خرجوا، قال تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف:٩٧] أي: لا يستطيعون نقبه؛ لأنه حديد ونحاس، وليس عندهم آلات، فإذا جاء وعد الله خرجوا، كما قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ [الكهف:٩٨] أي أنهم سيخرجون بعد نزول عيسى ﵇.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن جرير: حدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة قال: (ذكر لنا أن رجلاً قال: يا رسول الله! قد رأيت سد يأجوج ومأجوج، قال: انعته لي قال: كالبرد المحبر، طريقة سوداء وطريقة حمراء، قال: قد رأيته).
هذا حديث مرسل].
يعني: كان فيه خطوط سوداء وخطوط حمراء، فقد خلط فيه نحاساً بحديد، يعني: قطع حديد كأنها لبن، فأحمى النحاس بالنار حتى ذاب وصبه عليه؛ حتى يمسك ما بين لبن الحديد فتتماسك، فعل ذلك من الأساس حتى حاذى رؤوس رأسي الجبلين.
وفي الحاشية: وقد روي موصولاً من طرق، رواه ابن مردويه في تفسيره -كما في تخريج الكشاف- من طريق أبي الجماهر عن سعيد بن بشير عن قتادة عن رجل عن أبي بكرة الثقفي: (أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: إني قد رأيته) فذكر نحوه.
ورواه البزار في مسنده -كما في تخريج الكشاف- من طريق عبد الملك بن أبي نعامة عن يوسف بن أبي مريم عن أبي بكرة بنحوه مطولاً، ورواه ابن مردويه أيضاً من طريق سفيان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن رجل من أهل المدينة أنه قال للنبي ﷺ ، فذكر نحوه، انتهى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد بعث الخليفة الواثق في دولته بعض أمرائه وجهز معه جيشاً سرية لينظروا إلى السد ويعاينوه وينعتوه له إذا رجعوا، فتوصلوا من بلاد إلى بلاد، ومن ملك إلى ملك، حتى وصلوا إليه، ورأوا بناءه من الحديد ومن النحاس، وذكروا أنهم رأوا فيه باباً عظيماً، وعليه أقفال عظيمة، ورأوا بقية اللبن والعمل في برج هناك، وأن عنده حرساً من الملوك المتاخمة له، وأنه عال منيف شاهق لا يستطاع ولا ما حوله من الجبال، ثم رجعوا إلى بلادهم، وكانت غيبتهم أكثر من سنتين، وشاهدوا أهوالاً وعجائب].
يعني: وذلك لأنه لم تكن لديهم مواصلات سريعة مثل الحال الآن، فلم تكن لديهم سيارات ولا طائرات ولا قطارات ولا بواخر في البحر كما هو الحال اليوم.
стр. 495
تفسير قوله تعالى: (فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً)
قال الله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف:٩٧].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى مخبراً عن يأجوج ومأجوج أنهم ما قدروا على أن يصعدوا فوق هذا السد، ولا قدروا على نقبه من أسفله، ولما كان الظهور عليه أسهل من نقبه قابل كلاً بما يناسبه، فقال: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾، وهذا دليل على أنهم لم يقدروا على نقبه ولا على شيء منه].
يعني: ما استطاعوا أن يصعدوه ويظهروه وما استطاعوا نقبه، وصعوده أسهل عليهم من نقبه؛ لأن نقب الحديد ليس بسهل، ولم يكن عندهم من الآلات الحديثة كما عندنا الآن، وفهم لا يستطيعون نقبه ولا يستطيعون صعوده، ولذلك قال: (فما اسطاعوا أن يظهروه) وهذا أسهل (وما استطاعوا له نقباً) وهذا أشد، فزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا روح حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة حدثنا أبو رافع عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غداً، فيعودون إليه كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله، فيستثني، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس، فينشفون المياه، ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع وعليها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء، فيبعث الله عليهم نغفاً في رقابهم فيقتلهم بها، قال رسول الله ﷺ : والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكراً من لحومهم ودمائهم)].
قوله: (فيستثنى) يعني: يقول: إن شاء الله، قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤] والاستثناء فيه فائدة هنا؛ لأن الاستثناء فيه جعل الأمر إلى الله ، ولهذا لو حلف واستثنى ثم لم يفعل لم يحنث، فإذا قال: والله لا أدخل بيت زيد غداً إن شاء الله ثم دخله لا يحنث؛ لأن الله لم يشأ ذلك، فهذه فائدة الاستثناء، ولو قال: والله لا أزور فلاناً إن شاء الله، ثم زاره لا يحنث، لكن لابد من أن يكون الاستثناء متصلاً، فإن قال: والله لأزورن زيداً غداً، ثم قال بعد يوم: إن شاء الله، لا يكون استثناءً؛ لأنه لابد من أن يكون متصلاً.
وهذا الحديث -كما سيذكر: المؤلف ﵀ مخالف للآية، فإن الآية الكريمة فيها أنهم ما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً، فإذا جاء أمر الله جعله دكاً في آخر الزمان، ويصيبهم النغف في رقابهم، وهذا حينما ينزل عيسى ﵊ ويأذن الله لهم بالخروج فيخرجون فيفسدون في الأرض، فيأمر الله عيسى ﵇ أن (حرز عبادي إلى الطور؛ فإني مخرج عباداً لي لا يدان لأحد بهم)، يعني: لا قوة لأحد بهم، فسماهم عباداً من باب العبودية العامة، لكونهم عباداً تنفذ فيهم قدرة الله ومشيئته، والعبودية نوعان: عبودية عامة وعبودية خاصة، فالعبودية العامة تشمل جميع الناس مؤمنهم وكافرهم، والجن والإنس والشياطين، فلا أحد يستعصي على قدرة الله ومشيئته، قال سبحانه: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣]، يعني: معبداً مقهوراً تنفذ فيه قدرة الله ومشيئته، ليس له من نفسه تصرف ولا امتناع.
أما العبودية الخاصة فهي خاصة بالمؤمنين الذين يعبدون الله باختيارهم عن طواعية.
وقوله ﷺ : (والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكراً من لحومهم ودمائهم) معناه أنهم يكونون كالجبال وكالتلال بعضهم فوق بعض من كثرتهم، ثم يبعث الله طيراً كالبخت فتأخذهم فتلقيهم في البحر، ثم يرسل الله مطراً فيغسل الأرض ويطهرها، وهذا من رحمة الله؛ لأنهم لو بقوا لأوخمت الأرض ومات الناس، فالله تعالى من رحمته بعباده يرسل طيراً فتأخذهم وتلقيهم في البحر، ثم يرسل الله مطراً يغسل الأرض من آثارهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ورواه أحمد -أيضاً- عن حسن -هو ابن موسى الأشيب - عن سفيان عن قتادة به.
وكذا رواه ابن ماجه عن أزهر بن مروان].
ابن ماجه تقرأ بالهاء وصلاً ووقفاً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذا رواه ابن ماجه عن أزهر بن مروان عن عبد الأعلى عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: حدث أبو رافع.
وأخرجه الترمذي من حديث أبي عوانة عن قتادة ثم قال: غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه.
وهذا إسناد قوي، ولكن متنه في رفعه نكارة؛ لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه؛ لإحكام بنائه وصلابته وشدته].
يعني أن الحديث -وإن كان سنده قوياً- متنه شاذ منكر؛ لأنه يعارض ظاهر الآية، ولأن من شرط الحديث الصحيح أن يكون برواية العدل الضابط تام الضبط عن مثله من أول السند إلى منتهاه، من غير شذوذ ولا علة، فإذا كان متنه مخالفاً للأحاديث الصحيحة أو للقرآن أو للقواعد العامة وأصول الشريعة فإنه يكون شاذاً، ولو كان سنده ظاهره الصحة، فهذا الحديث متنه شاذ مخالف للآية، يقول الله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾، وهذا الحديث فيه أنهم ينقبونه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولكن هذا قد روي عن كعب الأحبار أنهم قبل خروجهم يأتونه فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل، فيقولون: غداً نفتحه، فيأتون من الغد وقد عاد كما كان، فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل، فيقولون كذلك، فيصبحون وهو كما كان، فيلحسونه ويقولون: غداً نفتحه، ويلهمون أن يقولوا: إن شاء الله، فيصبحون وهو كما فارقوه فيفتحونه، وهذا متجه، ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب؛ فإنه كان كثيراً ما كان يجالسه ويحدثه، فحدث به أبو هريرة، فتوهم بعض الرواة عنه أنه مرفوع فرفعه، والله أعلم].
هذا توجيه من المؤلف، وهو أن الحديث -وإن كان سنده قوياً- يحمل على أنه من كلام كعب الأحبار، وكعب الأحبار من بني إسرائيل أسلم في زمن عمر بن الخطاب ﵁، وكان ينقل عن بني إسرائيل كثيراً، وكان يجالس أبا هريرة كثيراً، فلعل بعض الرواة وهم فرفع هذا الخبر إلى النبي ﷺ ، وإلا فإن أبا هريرة رواه عن كعب، وكعب أخذه عن بني إسرائيل، لكن وهم بعض الرواة فظن أنه رفعه إلى النبي ﷺ .
ويشبه هذا ما ورد في صحيح مسلم في قصة خلق المخلوقات، فقد ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁: (أن الله تعالى خلق التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة فيما بين العصر إلى الليل)، فهذا الحديث قد رواه بعضهم عن أبي هريرة عن كعب الأحبار وهو الأصح، وهذا الحديث مخالف لظاهر القرآن؛ لأن ظاهر القرآن أن يوم السبت لم يخلق الله فيه شيئاً، وأن أول المخلوقات في يوم الأحد وآخرها في يوم الجمعة، ولهذا قالت اليهود قبحهم الله: إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام أولها الأحد وآخرها الجمعة، ثم تعب فاستراح في يوم السبت، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] يعني: من تعب وإعياء.
فهذا الحديث في صحيح مسلم، إلا أن النقاد بينوا أن رفع هذا الحديث من الخطأ، وأنه من كلام أبي هريرة، وأن أبا هريرة رواه عن كعب الأحبار، فوهم بعضهم ورفعه إلى النبي ﷺ ، فهذا الحديث يكاد يكون الوحيد في صحيح مسلم مما انتقد عليه من ناحية الصحة، والنقد فيه من جهة رفعه إلى النبي ﷺ ، وهو مأخوذ من كلام كعب الأحبار، وإلا فمعلوم أن الصحيحين تلقتهما الأمة بالقبول.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويؤيد ما قلناه من أنهم لم يتمكنوا من نقبه ولا نقب شيء منه، ومن نكارة هذا المرفوع قول الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن زينب بنت أبي سلمة عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان عن أمها أم حبيبة عن زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ -قال سفيان: أربع نسوة- قالت: (استيقظ النبي ﷺ من نومه وهو محمر وجهه، وهو يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا وحلق، قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث) هذا حديث صحيح اتفق البخاري ومسلم على إخراجه من حديث الزهري، ولكن سقط في رواية البخاري
следующие страницы →