← Тафсир

Тафсир · id 37048

شرح تفسير ابن كثير - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (873 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

تفسير قوله تعالى: (حتى إذا بلغ مطلع الشمس) قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا * كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف:٨٩ - ٩١]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى: ثم سلك طريقاً فسار من مغرب الشمس إلى مطلعها، وكان كلما مر بأمة قهرهم وغلبهم ودعاهم إلى الله ، فإن أطاعوه وإلا أذلهم وأرغم آنافهم واستباح أموالهم وأمتعتهم، واستخدم من كل أمة ما تستعين به جيوشه على قتال الإقليم المتاخم لهم]. يعني أن الله سبحانه مكنه وهيأ له الأسباب؛ لأنه ملك عادل صالح، وكان يسير في الأرض، فمن وجده موحداً أكرمه، ومن كان مشركاً أهانه وأذله واستخدمه واستباح ماله ودمه؛ لأنه كافر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وذكر في أخبار بني إسرائيل أنه عاش ألفاً وستمائة سنة يجوب الأرض طولها والعرض حتى بلغ المشارق والمغارب، ولما انتهى إلى مطلع الشمس من الأرض كما قال الله تعالى: ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ﴾ [الكهف:٩٠] أي: أمة، ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ [الكهف:٩٠] أي: ليس لهم بناء يكنهم، ولا أشجار تظلهم وتسترهم من حر الشمس، قال سعيد بن جبير: كانوا حمراً قصاراً مساكنهم الغيران، أكثر معيشتهم من السمك]. يعني أن هؤلاء ليس لهم بيوت تظلهم ولا أشجار، وإنما يعيشون في الغيران أو في أسراب تحت الأرض. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا سهل بن أبي الصلت سمعت الحسن وسئل عن قوله تعالى: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ [الكهف:٩٠] قال: إن أرضهم لا تحمل البناء، فإذا طلعت الشمس تغوروا في المياه، فإذا غربت خرجوا يتراعون كما ترعى البهائم، وقال الحسن: هذا حديث سمرة]. يعني أن أرضهم كانت رخوة لا يستقر عليها البناء، لأن الماء قريب منها، ومعنى (تغوروا في المياه) أي: كل واحد منهم غار بجسمه في المياه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال قتادة: ذكر لنا أنهم بأرض لا تنبت لهم شيئاً، فهم إذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب، حتى إذا زالت الشمس خرجوا إلى حروثهم ومعايشهم، وعن سلمة بن كهيل أنه قال: ليست لهم أكنان، إذا طلعت الشمس طلعت عليهم، فلأحدهم أذنان يفرش إحداهما ويلبس الأخرى]. وهذا من أخبار بني إسرائيل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ [الكهف:٩٠] قال: هم الزنج. وقال ابن جرير في قوله: ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ [الكهف:٩٠] قال: لم يبنوا فيها بناءً قط، ولم يبن عليهم فيها بناء قط، كانوا إذا طلعت الشمس دخلوا أسراباً لهم حتى تزول الشمس، أو دخلوا البحر، وذلك أن أرضهم ليس فيها جبل، جاءهم جيش مرة فقال لهم أهلها: لا تطلعن عليكم الشمس وأنتم بها، قالوا: لا نبرح حتى تطلع الشمس، ما هذه العظام؟ قالوا: هذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فماتوا، قال: فذهبوا هاربين في الأرض. وقوله: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف:٩١] قال مجاهد والسدي: علماً. أي: نحن مطلعون على جميع أحواله وأحوال جيشه لا يخفى علينا منها شيء، وإن تفرقت أممهم وتقطعت بهم الأرض، فإنه تعالى ﴿لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران:٥]]. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف:٩٢]].

стр. 492

تفسير سورة الكهف [٩٢ - ٩٨] يذكر الله تعالى من شأن ذي القرنين أنه بلغ في تطوافه موضع يأجوج ومأجوج بين السدين، وهما أمتان من نسل آدم ﵇ تعيثان في الأرض فساداً، فسخر الله تعالى ذا القرنين لنجدة أناس طالهم السوء من تلك الأمتين، فبنى لهم ردماً عظيماً سد به مخرج يأجوج ومأجوج معترفاً بمنة الله تعالى عليه في تمكينه له، وبقدرة الله تعالى على دك السد حين يأذن بخروج يأجوج ومأجوج، وكان وعد الله تعالى حقاً.

стр. 493

تفسير قوله تعالى: (ثم أتبع سبباً . حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولاً) قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ [الكهف:٩٢ - ٩٣]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى مخبراً عن ذي القرنين: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ أي: ثم سلك طريقاً من مشارق الأرض، ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ وهما جبلان متناوحان] يعني: جبلان متقابلان بينهما ثغرة يخرج منها يأجوج ومأجوج على بلاد الترك، فيعيثون فيها فساداً، ويهلكون الحرث والنسل]. ويأجوج ومأجوج أمتان من بني آدم على الصحيح، وسميتا بيأجوج ومأجوج لكثرة لغطهم وأصواتهم. وما ذكره بعضهم من أن آدم احتلم في الأرض، وأن الله خلقهما باحتلامه؛ فهو باطل لا أصل له، والصواب أنهما أمتان من بني آدم كافرتان تعيثان في الأرض فساداً، ولهذا ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (يقول الله تعالى: يا آدم! أخرج بعث النار. فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسمعائة وتسعة وتسعون في النار وواحد إلى الجنة، فشق ذلك على الصحابة، وقالوا: يا رسول الله! أينا ذلك الواحد؟! فقال: أبشروا، فإن منكم رجلاً ومن يأجوج ومأجوج ألفاً) وفي الحديث الآخر: (أنهما أمتان ما كانتا في شيء إلا كثرتاه) فهما أمتان كافرتان. وثبت في الحديث الصحيح أن ذا القرنين -كما في الآية- بنى السد، وأنهم يخرجون في آخر الزمان ويفسدون في الأرض، فيخرجون في زمن عيسى ﵇ حين ينزل من السماء، وهو العلامة الثالثة من العلامات الكبرى للساعة، فأولها المهدي، يخرج في آخر الزمان في وقت ليس للناس فيه إمام، ويبايع بين الركن وباب الكعبة، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، فهو محمد بن عبد الله المهدي، والفتن تحصر أهل السنة وأهل الحق في الشام، وتحصل حروب في زمانه بين النصارى والمسلمين، وتفتح القسطنطينية، ويعلق المسلمون سيوفهم بالزيتون بعد فتح القسطنطينية وانتصار المسلمين، فبينما هم كذلك إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح الدجال قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون، وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام خرج. فخروجه يعتبر العلامة الثانية من أشراط الساعة الكبرى، ثم ينزل عيسى بن مريم من السماء في وقت الدجال وفي زمن المهدي، فنزول عيسى هو العلامة الثالثة من أشراط الساعة، فيقتل عيسى ﵊ الدجال، فمسيح الهدى يقتل مسيح الضلالة. ثم بعد ذلك يخرج يأجوج ومأجوج في زمان عيسى، فهذه أربع علامات متتالية في وقت واحد: المهدي، ثم الدجال، ثم نزول عيسى بن مريم، ثم خروج يأجوج ومأجوج، فيتحرز نبي الله عيسى ومن معه من المؤمنين بجبل الطور، فيوحي الله إلى عيسى أن: (حرز عبادي إلى الطور، فإني سأخرج عباداً لي لا يدان لأحد بهم)، فقوله: (عباداً لي) يعني العبودية العامة؛ لأن العبودية نوعان: عبودية عامة تشمل كل الناس كافرهم ومؤمنهم، بمعنى أنه تنفذ فيهم قدرة الله ومشيئته وإرادته، فلا يخرجون عنها، مثل قول الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣]. النوع الثاني: العبودية الخاصة، وهذه خاصة بالمؤمنين، أي: من يعبد الله باختياره، ولهذا يوحي الله إلى عيسى أن: (حرز عبادي إلى الطور؛ فإني مخرج عباداً لي لا يدان لأحد بهم)، يعني: لا قدرة ولا طاقة لأحد بهم، فيتحرز نبي الله عيسى ومن معه إلى جبل الطور، فيخرج يأجوج ومأجوج ويفسدون في الأرض، فيدعو نبي الله عيسى ومن معه عليهم فيهلكهم الله كموت نفس واحدة، حتى يكونوا كالجبال وكالتلال بعضهم فوق بعض، فيرسل الله طيراً كالبخت -أي: الإبل- تأخذهم فتلقيهم في البحر، فينزل الله مطراً فيطهر الأرض به، وهذا من رحمة الله؛ لأنهم لو بقوا لأوخمت الأرض وهلك الناس. فهذه أربع علامات من أشراط الساعة الكبرى كلها متتالية، والمقصود أن يأجوج ومأجوج أمتان كافرتان مفسدتان في الأرض، ولهذا لما وصل إليهم ذو القرنين ﵀ وشكى إليه الترك فساد يأجوج ومأجوج فقالوا: إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فاجعل بيننا وبينهم سداً، وسنعطيك مالاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً، فقال ذو القرنين: ﴿مَا مَكَّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ يعني: أنا عندي من المال ما يكفيني، لكن أعينوني بقوة ورجال، ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ فأعانوه فبنى السد بينهم وبين يأجوج ومأجوج. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويأجوج ومأجوج من سلالة آدم ﵇، كما ثبت في الصحيحين: (إن الله تعالى يقول: يا آدم. فيقول: لبيك وسعديك. فيقول: ابعث بعث النار. فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، فحينئذ يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، فقال: إن فيكم أمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج)]. هذا الحديث فيه إثبات الكلام لله ، وأن الله يتكلم بصوت وحرف، خلافاً للجهمية والمعتزلة والأشاعرة الذين أنكروا الصوت، فهو يناديهم، وفي الحديث الآخر: (أن الله ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب). والمعتزلة والأشاعرة والجهمية أنكروا الكلام، فقال الأشاعرة: إن الكلام معنى قائم بالنفس لا يسمع، ليس بحرف ولا صوت، وهذا الحديث فيه الرد عليهم، فهو سبحانه يتكلم بحرف وصوت، لكن الله لا يشبه المخلوقين في شيء من صفاتهم، فصوت الله لا يشبه صوت المخلوق، ولهذا فإن كلام الله يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، بخلاف صوت المخلوق، فلا يسمعه إلا القريب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد حكى النووي ﵀ في شرح مسلم عن بعض الناس أن يأجوج ومأجوج خلقوا من مني خرج من آدم فاختلط بالتراب، فخلقوا من ذلك]. هذا ذكره النووي في شرح صحيح مسلم، وهو ضعيف وليس بصحيح. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فعلى هذا يكونون مخلوقين من آدم وليسوا من حواء، وهذا قول غريب جداً، ثم لا دليل عليه لا من عقل ولا من نقل، ولا يجوز الاعتماد هاهنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب؛ لما عندهم من الأحاديث المفتعلة، والله أعلم]. الصواب أنهم خلقوا من آدم وحواء وهما أمتان من آدم وحواء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي مسند الإمام أحمد عن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: (ولد نوح ثلاثة: سام أبو العرب، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك) فقال بعض العلماء: هؤلاء من نسل يافث أبي الترك، قال: إنما سموا هؤلاء تركاً لأنهم تركوا من وراء السد، وإلا فهم أقرباء أولئك، ولكن كان في أولئك بغي وفساد وجراءة]. يعني: صاروا خارج السد، فسموا الترك، وبقي داخل السد يأجوج ومأجوج. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد ذكر ابن جرير هاهنا عن وهب بن منبه أثراً طويلاً عجيباً في سير ذي القرنين وبنائه السد وكيفية ما جرى له، وفيه طول وغرابة ونكارة في أشكالهم وصفاتهم وطولهم وقصر بعضهم وآذانهم]. ومن ذلك: أن الواحد منهم يفترش إحدى الأذنين ويلتحف بالأخرى، ووهب بن منبه يأخذ عن بني إسرائيل كما ذكر الحافظ ابن كثير، والأقرب أن ذلك من أخبار بني إسرائيل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى ابن أبي حاتم أحاديث غريبة في ذلك لا تصح أسانيدها، والله أعلم. وقوله: ﴿لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ أي: لاستعجام كلامهم وبعدهم عن الناس].

стр. 494

تفسير قوله تعالى: (قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض) قال الله تعالى: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف:٩٤]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس: أجراً عظيما. يعني أنهم أرادوا أن يجمعوا له من بينهم مالاً يعطونه إياه، حتى يجعل بينهم وبينهم سداً، فقال ذو القرنين بعفة وديانة وصلاح وقصد للخير: ﴿مَا مَكَّنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ أي: إن الذي أعطاني الله من الملك والتمكين خير لي من الذي تجمعونه، كما قال سليمان ﵇: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ [النمل:٣٦]، وهكذا قال ذو القرنين: الذي أنا فيه خير من الذي تبذلونه، ولكن ساعدوني بقوة، أي: بعملكم وآلات البناء ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ [الكهف:٩٥ - ٩٦] والزبر: جمع زبرة، وهي القطعة منه، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة، وهي كاللبنة، يقال: كل لبنة زنة قنطار بالدمشقي أو تزيد عليه. (حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ) أي: وضع بعضه على بعض من الأساس، حتى إذا حاذى به رءوس الجبلين طولاً وعرضاً، واختلفوا في مساحة عرضه وطوله على أقوال (قَالَ انفُخُوا) أي: أجج عليه النار حتى صار كله ناراً (قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة والسدي: هو النحاس. وزاد بعضهم: المذاب، ويستشهد بقوله تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ [سبأ:١٢]، ولهذا يشبه بالبرد المحبر]. أي: القماش الذي فيه النقوش. والسدي الكبير ثقة معروف، يروي عن أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس، وأما السدي الصغير فكذاب. والمعنى أنه أتى بزبر الحديد -أي: قطع الحديد- كأنها لبن، وجعل يصف قطع الحديد بين السدين حتى وصل إلى رءوس الجبال فسدها، ثم أججها بالنار، ثم صب عليها النحاس المذاب حتى يُمسك ما بين قطع الحديد، فصار يأجوج ومأجوج من ورائه لا يستطيعون الخروج، فإذا جاء أمر الله في آخر الزمان خرجوا، قال تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف:٩٧] أي: لا يستطيعون نقبه؛ لأنه حديد ونحاس، وليس عندهم آلات، فإذا جاء وعد الله خرجوا، كما قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ [الكهف:٩٨] أي أنهم سيخرجون بعد نزول عيسى ﵇. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن جرير: حدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة قال: (ذكر لنا أن رجلاً قال: يا رسول الله! قد رأيت سد يأجوج ومأجوج، قال: انعته لي قال: كالبرد المحبر، طريقة سوداء وطريقة حمراء، قال: قد رأيته). هذا حديث مرسل]. يعني: كان فيه خطوط سوداء وخطوط حمراء، فقد خلط فيه نحاساً بحديد، يعني: قطع حديد كأنها لبن، فأحمى النحاس بالنار حتى ذاب وصبه عليه؛ حتى يمسك ما بين لبن الحديد فتتماسك، فعل ذلك من الأساس حتى حاذى رؤوس رأسي الجبلين. وفي الحاشية: وقد روي موصولاً من طرق، رواه ابن مردويه في تفسيره -كما في تخريج الكشاف- من طريق أبي الجماهر عن سعيد بن بشير عن قتادة عن رجل عن أبي بكرة الثقفي: (أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: إني قد رأيته) فذكر نحوه. ورواه البزار في مسنده -كما في تخريج الكشاف- من طريق عبد الملك بن أبي نعامة عن يوسف بن أبي مريم عن أبي بكرة بنحوه مطولاً، ورواه ابن مردويه أيضاً من طريق سفيان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن رجل من أهل المدينة أنه قال للنبي ﷺ ، فذكر نحوه، انتهى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد بعث الخليفة الواثق في دولته بعض أمرائه وجهز معه جيشاً سرية لينظروا إلى السد ويعاينوه وينعتوه له إذا رجعوا، فتوصلوا من بلاد إلى بلاد، ومن ملك إلى ملك، حتى وصلوا إليه، ورأوا بناءه من الحديد ومن النحاس، وذكروا أنهم رأوا فيه باباً عظيماً، وعليه أقفال عظيمة، ورأوا بقية اللبن والعمل في برج هناك، وأن عنده حرساً من الملوك المتاخمة له، وأنه عال منيف شاهق لا يستطاع ولا ما حوله من الجبال، ثم رجعوا إلى بلادهم، وكانت غيبتهم أكثر من سنتين، وشاهدوا أهوالاً وعجائب]. يعني: وذلك لأنه لم تكن لديهم مواصلات سريعة مثل الحال الآن، فلم تكن لديهم سيارات ولا طائرات ولا قطارات ولا بواخر في البحر كما هو الحال اليوم.

стр. 495

تفسير قوله تعالى: (فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً) قال الله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف:٩٧]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى مخبراً عن يأجوج ومأجوج أنهم ما قدروا على أن يصعدوا فوق هذا السد، ولا قدروا على نقبه من أسفله، ولما كان الظهور عليه أسهل من نقبه قابل كلاً بما يناسبه، فقال: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾، وهذا دليل على أنهم لم يقدروا على نقبه ولا على شيء منه]. يعني: ما استطاعوا أن يصعدوه ويظهروه وما استطاعوا نقبه، وصعوده أسهل عليهم من نقبه؛ لأن نقب الحديد ليس بسهل، ولم يكن عندهم من الآلات الحديثة كما عندنا الآن، وفهم لا يستطيعون نقبه ولا يستطيعون صعوده، ولذلك قال: (فما اسطاعوا أن يظهروه) وهذا أسهل (وما استطاعوا له نقباً) وهذا أشد، فزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا روح حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة حدثنا أبو رافع عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غداً، فيعودون إليه كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله، فيستثني، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس، فينشفون المياه، ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع وعليها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء، فيبعث الله عليهم نغفاً في رقابهم فيقتلهم بها، قال رسول الله ﷺ : والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكراً من لحومهم ودمائهم)]. قوله: (فيستثنى) يعني: يقول: إن شاء الله، قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف:٢٣ - ٢٤] والاستثناء فيه فائدة هنا؛ لأن الاستثناء فيه جعل الأمر إلى الله ، ولهذا لو حلف واستثنى ثم لم يفعل لم يحنث، فإذا قال: والله لا أدخل بيت زيد غداً إن شاء الله ثم دخله لا يحنث؛ لأن الله لم يشأ ذلك، فهذه فائدة الاستثناء، ولو قال: والله لا أزور فلاناً إن شاء الله، ثم زاره لا يحنث، لكن لابد من أن يكون الاستثناء متصلاً، فإن قال: والله لأزورن زيداً غداً، ثم قال بعد يوم: إن شاء الله، لا يكون استثناءً؛ لأنه لابد من أن يكون متصلاً. وهذا الحديث -كما سيذكر: المؤلف ﵀ مخالف للآية، فإن الآية الكريمة فيها أنهم ما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً، فإذا جاء أمر الله جعله دكاً في آخر الزمان، ويصيبهم النغف في رقابهم، وهذا حينما ينزل عيسى ﵊ ويأذن الله لهم بالخروج فيخرجون فيفسدون في الأرض، فيأمر الله عيسى ﵇ أن (حرز عبادي إلى الطور؛ فإني مخرج عباداً لي لا يدان لأحد بهم)، يعني: لا قوة لأحد بهم، فسماهم عباداً من باب العبودية العامة، لكونهم عباداً تنفذ فيهم قدرة الله ومشيئته، والعبودية نوعان: عبودية عامة وعبودية خاصة، فالعبودية العامة تشمل جميع الناس مؤمنهم وكافرهم، والجن والإنس والشياطين، فلا أحد يستعصي على قدرة الله ومشيئته، قال سبحانه: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣]، يعني: معبداً مقهوراً تنفذ فيه قدرة الله ومشيئته، ليس له من نفسه تصرف ولا امتناع. أما العبودية الخاصة فهي خاصة بالمؤمنين الذين يعبدون الله باختيارهم عن طواعية. وقوله ﷺ : (والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكراً من لحومهم ودمائهم) معناه أنهم يكونون كالجبال وكالتلال بعضهم فوق بعض من كثرتهم، ثم يبعث الله طيراً كالبخت فتأخذهم فتلقيهم في البحر، ثم يرسل الله مطراً فيغسل الأرض ويطهرها، وهذا من رحمة الله؛ لأنهم لو بقوا لأوخمت الأرض ومات الناس، فالله تعالى من رحمته بعباده يرسل طيراً فتأخذهم وتلقيهم في البحر، ثم يرسل الله مطراً يغسل الأرض من آثارهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ورواه أحمد -أيضاً- عن حسن -هو ابن موسى الأشيب - عن سفيان عن قتادة به. وكذا رواه ابن ماجه عن أزهر بن مروان]. ابن ماجه تقرأ بالهاء وصلاً ووقفاً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذا رواه ابن ماجه عن أزهر بن مروان عن عبد الأعلى عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: حدث أبو رافع. وأخرجه الترمذي من حديث أبي عوانة عن قتادة ثم قال: غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه. وهذا إسناد قوي، ولكن متنه في رفعه نكارة؛ لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه؛ لإحكام بنائه وصلابته وشدته]. يعني أن الحديث -وإن كان سنده قوياً- متنه شاذ منكر؛ لأنه يعارض ظاهر الآية، ولأن من شرط الحديث الصحيح أن يكون برواية العدل الضابط تام الضبط عن مثله من أول السند إلى منتهاه، من غير شذوذ ولا علة، فإذا كان متنه مخالفاً للأحاديث الصحيحة أو للقرآن أو للقواعد العامة وأصول الشريعة فإنه يكون شاذاً، ولو كان سنده ظاهره الصحة، فهذا الحديث متنه شاذ مخالف للآية، يقول الله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾، وهذا الحديث فيه أنهم ينقبونه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولكن هذا قد روي عن كعب الأحبار أنهم قبل خروجهم يأتونه فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل، فيقولون: غداً نفتحه، فيأتون من الغد وقد عاد كما كان، فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل، فيقولون كذلك، فيصبحون وهو كما كان، فيلحسونه ويقولون: غداً نفتحه، ويلهمون أن يقولوا: إن شاء الله، فيصبحون وهو كما فارقوه فيفتحونه، وهذا متجه، ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب؛ فإنه كان كثيراً ما كان يجالسه ويحدثه، فحدث به أبو هريرة، فتوهم بعض الرواة عنه أنه مرفوع فرفعه، والله أعلم]. هذا توجيه من المؤلف، وهو أن الحديث -وإن كان سنده قوياً- يحمل على أنه من كلام كعب الأحبار، وكعب الأحبار من بني إسرائيل أسلم في زمن عمر بن الخطاب ﵁، وكان ينقل عن بني إسرائيل كثيراً، وكان يجالس أبا هريرة كثيراً، فلعل بعض الرواة وهم فرفع هذا الخبر إلى النبي ﷺ ، وإلا فإن أبا هريرة رواه عن كعب، وكعب أخذه عن بني إسرائيل، لكن وهم بعض الرواة فظن أنه رفعه إلى النبي ﷺ . ويشبه هذا ما ورد في صحيح مسلم في قصة خلق المخلوقات، فقد ورد في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁: (أن الله تعالى خلق التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة فيما بين العصر إلى الليل)، فهذا الحديث قد رواه بعضهم عن أبي هريرة عن كعب الأحبار وهو الأصح، وهذا الحديث مخالف لظاهر القرآن؛ لأن ظاهر القرآن أن يوم السبت لم يخلق الله فيه شيئاً، وأن أول المخلوقات في يوم الأحد وآخرها في يوم الجمعة، ولهذا قالت اليهود قبحهم الله: إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام أولها الأحد وآخرها الجمعة، ثم تعب فاستراح في يوم السبت، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] يعني: من تعب وإعياء. فهذا الحديث في صحيح مسلم، إلا أن النقاد بينوا أن رفع هذا الحديث من الخطأ، وأنه من كلام أبي هريرة، وأن أبا هريرة رواه عن كعب الأحبار، فوهم بعضهم ورفعه إلى النبي ﷺ ، فهذا الحديث يكاد يكون الوحيد في صحيح مسلم مما انتقد عليه من ناحية الصحة، والنقد فيه من جهة رفعه إلى النبي ﷺ ، وهو مأخوذ من كلام كعب الأحبار، وإلا فمعلوم أن الصحيحين تلقتهما الأمة بالقبول. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويؤيد ما قلناه من أنهم لم يتمكنوا من نقبه ولا نقب شيء منه، ومن نكارة هذا المرفوع قول الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن زينب بنت أبي سلمة عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان عن أمها أم حبيبة عن زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ -قال سفيان: أربع نسوة- قالت: (استيقظ النبي ﷺ من نومه وهو محمر وجهه، وهو يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا وحلق، قلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث) هذا حديث صحيح اتفق البخاري ومسلم على إخراجه من حديث الزهري، ولكن سقط في رواية البخاري

стр. 496

الجمع بين قوله تعالى: (فما اسطاعوا أني ظهروه وما استطاعوا له نقبا) وبين الأحاديث التي صرحت بذكر النقب ذكر الحافظ ابن كثير هنا أن هذا الحديث يعارض الآية: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾، لكن الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية عندما تكلم على يأجوج ومأجوج قال: فإن قيل: فما الجمع بين قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف:٩٧] وبين الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن زينب بنت جحش أم المؤمنين ﵂ قالت: (استيقظ رسول الله ﷺ من نومه محمراً وجهه وهو يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق تسعين)، الحديث. وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا)؟ ف الجواب أما على قول من ذهب إلى أن هذا إشارة إلى فتح أبواب الشر والفتن، وأن هذا استعارة محضة وضرب مثل فلا إشكال، وأما على قول من جعل ذلك إخباراً عن أمر محسوس -كما هو الظاهر المتبادر- فلا إشكال أيضاً؛ لأن قوله: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ أي: في ذلك الزمان؛ لأن هذه صيغة خبر ماض، فلا ينفي وقوعه فيما يستقبل بإذن الله لهم في ذلك قدراً، ولكن الحديث الآخر أشكل من هذا، وهو ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غداً) إلى آخر الحديث، فإن لم يكن رفع هذا الحديث محفوظاً، وإنما هو مأخوذ عن كعب الأحبار -كما قال بعضهم- فقد استرحنا من المؤنة، وإن كان محفوظاً فيكون محمولاً على أن صنيعهم هذا يكون في آخر الزمان عند اقتراب خروجهم. ثم قال: وعلى هذا فيمكن الجمع بين هذا وبين ما في الصحيحين عن أبي هريرة: (فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وعقد تسعين) أي: فتح فتحاً نافذاً فيه، والله أعلم. انتهى كلام ابن كثير من البداية والنهاية، وهو يدل على أنه لا تعارض بين الآية والأحاديث، فالنقب يكون عند الإذن بخروجهم في زمن عيسى ﵇. والمتأمل في قوله: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ يرى أنَّ ظاهر أن يأجوج ومأجوج ما استطاعوا نقبه وما استطاعوا مروره، وقوله ﷺ في الحديث: (فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج) ليس فيه أنهم هم الذين فتحوه، فيحتمل أنه فتح من قبل غيرهم، فقد يكون -مثلاً- بأمر الله من فعله وليس من فعلهم، وهذا يدل على اقتراب أجلهم، ويدل على هذا سبب الحديث، وهو أن النبي ﷺ استيقظ فزعاً محمراً وجهه يقول: (لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا) يعني أنه قد اقترب خروجهم، فإذا اقترب ذلك جعله الله دكاً، وليسوا هم الذين يجعلونه دكاً، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ [الكهف:٩٨] أي: يسويه بالأرض فيكون هذا الفتح من فعل الله وليس من فعلهم، وهذا إذا جاء الوعد الحق، كما قال الله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء:٩٧]. والمقصود أنه يظهر لي أن هذا يكون جواباً، وهو أن الفتح ليس من فعلهم، فإذا أذن الله بخروجهم جعله دكاً فيزول السد كاملاً، فإذا بهم يخرجون إلى الناس، وعلى هذا فلا يعارض الحديث الآية، بل الآية على ظاهرها أنهم ما استطاعوا له نقباً، والحديث ما قال النبي ﷺ فيه أنهم هم الذين فتحوه حتى يعارض الآية، بل قال: (فُتِحَ اليوم من ردم يأجوج ومأجوج). والشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة تكلم على الحديث فقال: [قلت: تنبيه: أورد الحافظ ابن كثير هذا الحديث من رواية الإمام أحمد ﵀ تحت تفسير آيات قصة ذي القرنين وبنائه السد، وقوله تعالى في يأجوج ومأجوج فيه: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾، ثم قال عقبه: وإسناده جيد قوي، ولكن متنه في رفعه نكارة؛ لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه لإحكام بنائه وصلابته وشدته. قلت: نعم، ولكن الآية لا تدل من قريب ولا من بعيد على أنهم لن يستطيعوا ذلك أبداً، فالآية تتحدث عن الماضي والحديث عن المستقبل الآتي، فلا تنافي ولا نكارة، بل الحديث يتمشى تماماً مع القرآن في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء:٩٦]]. إذاً: حاصله أنه -كما قال الحافظ - كالجواب الثاني عن حديث زينب، أي أن هذه الآية في الماضي، وهذا الحديث في المستقبل. ولكنه ظهر لي جواب آخر، وهو أن النبي ﷺ لم يقل: إنهم نقبوه ولا فتحوه، وإنما قال: (فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج)، والله قادر على أن يجعله ينفتح بدونهم وبدون سببهم.

стр. 497

تفسير قوله تعالى: (قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء) قال الله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف:٩٨]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ أي: لما بناه ذو القرنين ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ أي: بالناس، حيث جعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج حائلاً يمنعهم من العيث في الأرض والفساد، ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ أي: إذا اقترب الوعد الحق، ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ أي: ساواه بالأرض، تقول العرب: ناقة دكاء: إذا كان ظهرها مستوياً لا سنام لها، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف:١٤٣] أي: مساوياً للأرض. وقال عكرمة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ قال: طريقاً كما كان، ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ أي: كائناً لا محالة].

стр. 498

تفسير سورة الكهف [٩٩ - ١٠٦] يصف القرآن الكريم أحداث القيامة ومشاهدها في كثير من آياته الكريمات، ويأخذ ذلك الوصف جملة من آيات سورة الكهف تبدأ بذكر النفخ في الصور، وجمع الخلائق، متعرضة لعرض جهنم على الكافرين قبل دخولهم فيها إمعاناً في العذاب النفسي قبل العذاب الحسي، حيث أعرضوا عن الحق في الدنيا ولم يستعملوا ما وهبهم الله تعالى في تدبر آياته، فكفروا بآيات ربهم ولقائه، فحبطت أعمالهم، وخاب سعيهم، وضل ما كانوا يعملون.

стр. 499

تفسير قوله تعالى: (وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض) قال الله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف:٩٩]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ أي: الناس يومئذ، أي: يوم يدك هذا السد ويخرج هؤلاء فيموجون في الناس، ويفسدون على الناس أموالهم ويتلفون أشياءهم، وهكذا قال السدي في قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ قال: ذاك حين يخرجون على الناس]. الصواب أن خروجهم بعد الدجال وبعد نزول عيسى ﵊، وخروجهم هو الشرط الرابع من أشراط الساعة التي تتلوها الساعة مباشرة؛ فنحن الآن نعيش مع أشراط الساعة الصغرى، وما زلنا فيها، وهي تزيد وتكثر، وأولها بعثة النبي ﷺ ، فإنه نبي الساعة، قال ﵊: (بعثت أنا والساعة كهاتين). ومن أشراط الساعة: موته ﷺ ، ومنها: فتح بيت المقدس، ومنها: الحروب التي جرت بين الصحابة، ومنها: إضاعة الأمانة وإسناد الأمور إلى غير أهلها، وتقارب الأيام، وغير ذلك مما ورد في الأحاديث، فهذه كلها أشراط الساعة الصغرى. ثم تليها أشراط الساعة الكبرى التي تتبعها الساعة مباشرة، وهي مشبهة بالعقد الذي إذا انقطع تساقط الخرز، وأولها: خروج المهدي، والمهدي رجل من سلالة فاطمة، اسمه كاسم النبي ﷺ ، وكنيته ككنيته، فهو محمد بن عبد الله المهدي، يملك الأرض ويملؤها عدلاً كما ملئت جوراً، ويبايع له في وقت ليس فيه إمام، ثم في زمن الفتن ونحصر الناس في الشام، ويقاتل المسلمون النصارى، والآن كثر النصارى كثرة هائلة، فيعقد المسلمون معهم صلحاً ثم يغدر النصارى ويكونون ثمانين راية تحت كل راية ثمانون ألفاً، وسيقاتلهم المسلمون، ثم تفتح القسطنطينية، وعند فتح القسطنطينية يعلق المسلمون سيوفهم بالزيتون، وهذا ظاهره أن الناس يرجعون إلى السلاح القديم، وأن هذه المخترعات تنتهي، فلهذا يقاتل الجيش الذي يخرج من المدينة المشركين، قال النبي ﷺ : (إني لأعرف أسماءهم وألوان خيولهم). ثم إذا فتحت القسطنطينية -كما في صحيح مسلم - صاح الشيطان: إن الدجال قد خلفكم في أهليكم. وقد صاح قبل هذه المرة وهو يكذب، وفي هذه المرة يخرج الدجال بعد فتح القسطنطينية، وخروج الدجال هو العلامة الثانية، ويكون في زمن المهدي، ثم ينزل عيسى بن مريم من السماء -وهو العلامة الثالثة- ويقتل الدجال، ثم تخرج يأجوج ومأجوج في زمن عيسى ﵇، وهم العلامة الرابعة، ثم تتابع بقية الأشراط، ومنها: هدم الكعبة والعياذ بالله، ونزع القرآن من الصدور والمصاحف، والدخان الذي يملأ الأرض، ثم طلوع الشمس من مغربها، ثم الدابة التي تسم الناس في وجوههم، ثم آخرها نار تخرج من قعر عدن -وهي العلامة العاشرة- تسوق الناس إلى المحشر، تبيت معهم إذا باتوا وتقيل معهم إذا قالوا، وتأتي ريح طيبة فتقبض أرواح المؤمنين والمؤمنات قبل قيام الساعة، فتقوم الساعة على الكفرة والعياذ بالله. وإذا خلت الأرض من التوحيد والإيمان، فلا يبقى فيها من يذكر الله ولا يقول كلمة التوحيد، حتى لا يقال: الله الله، حينها تقوم الساعة، وقبل ذلك تأتي ريح طيبة من جهة اليمن فتقبض أرواح المؤمنين والمؤمنات كما في الحديث، حتى لو كان أحدهم في كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه، فتقوم الساعة على الكفرة -والعياذ بالله- الذين لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً، يتسافدون ويتناكحون في الطرقات كالحمر والعياذ بالله، فعليهم تقوم الساعة، ولهذا يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد) فهم شرار الناس، فنعوذ بالله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا كله قبل يوم القيامة وبعد الدجال، كما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى- عند قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ الآية؛ وهكذا قال هاهنا: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ قال ابن زيد في قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ قال: هذا أول يوم القيامة. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ على أثر ذلك ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ وقال آخرون: بل المراد بقوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ أي: يوم القيامة يختلط الإنس والجن. روى ابن جرير عن محمد بن حميد عن يعقوب القمي عن هارون بن عنترة عن شيخ من بني فزارة في قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ قال: إذا ماج الإنس والجن قال إبليس: أنا أعلم لكم علم هذا الأمر، فيظعن إلى المشرق فيجد الملائكة قد بطنوا الأرض، ثم يظعن إلى المغرب فيجد الملائكة قد بطنوا الأرض، فيقول: ما من محيص، ثم يظعن يميناً وشمالاً إلى أقصى الأرض فيجد الملائكة قد بطنوا الأرض، فيقول: ما من محيص، فبينما هو كذلك إذ عرض له طريق كالشراك فأخذ عليه هو وذريته، فبينما هم عليه إذ هجموا على النار، فأخرج الله خازناً من خزان النار، فقال: يا إبليس! ألم تكن لك منزلة عند ربك؟ ألم تكن في الجنان؟ فيقول: ليس هذا يوم عتاب، لو أن الله فرض علي فريضة لعبدته فيها عبادة لم يعبده مثلها أحد من خلقه، فيقول: فإن الله قد فرض عليك فريضة، فيقول: ما هي؟ فيقول: يأمرك أن تدخل النار. فيتلكأ عليه، فيقول به وبذريته بجناحيه فيقذفهم في النار، فتزفر النار زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه]. هذا حديث ضعيف؛ إذا فيه الشيخ المبهم. ومن أسلم من الجن لا يسمى شيطاناً، والشيطان هو من بقي على كفره، فإبليس وذريته الشياطين كلهم في النار، نعوذ بالله، وهكذا لا إشكال فيه، لكن الحديث هذا فيه ضعف. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث يعقوب القمي به، رواه من وجه آخر عن يعقوب عن هارون بن عنترة عن أبيه عن ابن عباس: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ قال: الجن والإنس يموج بعضهم في بعض]. رواية ابن أبي حاتم ليس فيها مبهم. قال في الخلاصة: يعقوب بن عبد الله بن مالك بن عامر القمي -بضم القاف- أبو الحسن الأشعري، عن إخوته عبد الرحمن وعمران، وعنه ابن مهدي، وعبيد الله بن موسى، وثقه الطبراني، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال الدارقطني: ليس بالقوي.

стр. 500

ذكر ما جاء في كون يأجوج ومأجوج من بني آدم وكثرة تناسلهم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس الأصبهاني حدثنا أبو مسعود أحمد بن الفرات حدثنا أبو داود الطيالسي حدثنا المغيرة بن مسلم عن أبي إسحاق عن وهب بن جابر عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: (إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، ولو أرسلوا لأفسدوا على الناس معايشهم، ولن يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفاً فصاعداً، وإن من ورائهم ثلاث أمم: تاويل، وتايس، ومنسك) هذا حديث غريب، بل منكر ضعيف]. لاشك في أنهم من بني آدم كما ثبت في الصحيحين، لكن هذا فيه أنهم ثلاث أمم، وهذا يحتاج إلى دليل واضح. فالقول بأن وراءهم ثلاث أمم يخالف ظاهر القرآن. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى النسائي من حديث شعبة عن النعمان بن سالم عن عمرو بن أوس عن أبيه عن جده أوس بن أبي أوس مرفوعاً: (إن يأجوج ومأجوج لهم نساء يجامعون ما شاءوا، وشجر يلقحون ما شاءوا، ولا يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفاً فصاعداً)]. لله الحكمة البالغة في كثرتهم، وهم مفسدون في الأرض، ولهذا جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (ينادي الله تعالى يوم القيامة يقول: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: أخرج بعث النار، فيقول: يا رب! وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، فشق ذلك على الصحابة، فقال: أبشروا فإن منكم واحداً ومن يأجوج ألفاً) وفي اللفظ الآخر: (أن يأجوج ومأجوج أمتان ما كانتا في شيء إلا كثرتاه)، يعني: أن عددهم كثير. وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ فيه قولان لأهل العلم: القول الأول: أن هذا في الدنيا، وأنهم -أي: يأجوج ومأجوج- إذا خرب السد وجعله الله دكاً صار بعضهم يموج في بعض؛ لكثرتهم وإفسادهم في الأرض. والقول الثاني: أن هذا يوم القيامة، يعني: يموج الجن والإنس يوم القيامة، ولهذا قال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف:٩٩].

стр. 501

بيان معنى قوله تعالى: (ونفخ في الصور) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾، والصور كما جاء في الحديث: (قرن ينفخ فيه)، والذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇ كما قد تقدم في الحديث بطوله، والأحاديث فيه كثيرة، وفي الحديث عن عطية عن ابن عباس وأبي سعيد مرفوعاً: (كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته واستمع متى يؤمر؟ قالوا: كيف نقول؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا)]. قوله: (حسبنا) يعني: كافينا، وفي الحديث الصحيح: (حسبنا الله ونعم الوكيل الخليل قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣])، وذلك بعد غزوة أحد، حين قيل: إن المشركين يريدون أن يأتوا ليستأصلوا البقية الباقية، فقال النبي ﷺ : حسبنا الله ونعم الوكيل، فكفاهم الله شرهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ أي: أحضرنا الجميع للحساب، ﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة:٤٩ - ٥٠]، ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٧]]. النفخ في الصور نفختان: فالنفخة الأولى في آخر الدنيا، وهي نفخة الصعق والموت، وهي نفخة طويلة يطولها إسرافيل، أولها فزع وآخرها صعق وموت، وهما مذكورتان في القرآن الكريم، فالأولى: مذكورة في سورة النمل: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل:٨٧]، والأخرى: مذكورة في سورة الزمر: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [الزمر:٦٨] والصعق الموت، ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ [الزمر:٦٨] وهذه نفخة البعث ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨]. وجاء في حديث: أن النفخات ثلاث: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة البعث، ولكن هذا حديث ضعيف؛ لأنه من رواية إسماعيل بن رافع وهو ضعيف، وروى حديث الصور، وهو حديث طويل لفقه من أحاديث تصور أنها نفخة واحدة أولها الفزع ثم آخرها الصعق والموت. وينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً ورفع ليتا، فلا يزال الصوت يقوى حتى يموت الناس، ثم يمكث الناس أربعين سنة، ثم ينزل الله مطراً في هذه المدة أبيض تنبت منه أجسام الناس، فإذا تم خلقهم ونشأ الناس نشأة أخرى، وتبدلت الصفات والذوات، أمر الله إسرافيل فنفخ في الصور فعادت الأرواح إلى أجسادها، فقام الناس من قبورهم ينفضون التراب عن رءوسهم، فيقفون بين يدي الله .

стр. 502

تفسير قوله تعالى: (وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضاً) قال الله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا * الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا * أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ [الكهف:١٠٠ - ١٠٢]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى مخبراً عما يفعله بالكفار يوم القيامة أنه يعرض عليهم جهنم، أي: يبرزها لهم ويظهرها؛ ليروا ما فيها من العذاب والنكال قبل دخولها؛ ليكون ذلك أبلغ في تعجيل الهم والحزن لهم]. إن النار في أسفل سافلين في الأرض السفلى، لكنها تبرز يوم القيامة والعياذ بالله، قال تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ [النازعات:٣٦]، وتسجر البحار، وتكون جزءاً من النار والعياذ بالله، ونسأل الله السلامة والعافية. وجاء في الحديث: (يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) فجهنم تبرز وتسجر البحار فتكون جزءاً منها. والجنة في أعلى عليين، وينصب الصراط على متن جهنم، ويجتاز الناس هذا الصراط، فمن اجتازه وصل إلى الجنة، والجنة في السماء وأعلاها الفردوس، والفردوس سقفها عرش الرحمن، وأعلى منزلة في الفردوس منزل نبينا ﷺ ، وهي منزلة تسمى الوسيلة، كما جاء في الحديث: (اللهم آت محمداً الوسيلة والفضيلة)، فالوسيلة منزلة النبي ﷺ ، وهي أعلى منزلة في الجنة. وقول بعض العامة: (آت محمداً الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة) هو غلط؛ لأن الوسيلة هي الدرجة الرفيعة. ويتخاطب أهل الجنة وأهل النار، وقال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٤٤]، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٥٠] فهم يتخاطبون مع البعد العظيم بينهم، فالمؤمنون في الجنة في أعلى عليين، والكفار في النار في أسفل سافلين، ومع ذلك يتخاطبون ويسمع بعضهم أصوات بعض، وليس ذلك بغريب على الله تعالى، فقد أرانا في الدنيا أن نجد الإنسان يتكلم في الهاتف وهو في المشرق ويسمعه من في المغرب، وكذلك المؤمنون ينظرون إلى الكفار وهم يعذبون في نار جهنم، فالمؤمنون في أعلى عليين، والكفار في أسفل سافلين، كما أخبر الله في سورة الصافات، في قصة الرجل من أهل الجنة له قريب من أهل النار وكان قرينه في الدنيا، فقال له في الدنيا: أتصدق أن الإنسان إذا مات وبليت عظامه وصارت نخرة يبعث؟ فالمؤمن في الجنة يرى قرينه الكافر وهو في النار فيقول: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات:٥١ - ٥٣] يعني: مبعوثون ومدينون ومحاسبون، ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٥٤ - ٥٥] أي: اطلع المؤمن من الجنة فرأى قرينه الكافر الذي كان ينكر البعث في الدنيا في وسط الجحيم يتقلب فيها، فقال له: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات:٥٦ - ٥٩] فالآن بعثت وعذبت. فلا مانع -إذاً- من أن يكون من في الجنة في أعلى عليين يرى من في النار وهم في أسفل سافلين على بعد عظيم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (يؤتى بجهنم تقاد يوم القيامة بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك). ثم قال مخبراً عنهم: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ أي: تغافلوا وتعاموا وتصامموا عن قبول الهدى واتباع الحق]. هذا غطاء معنوي حادث، وإلا فليس فيها غطاء حسي؛ لأن الكفار ينظرون ويشاهدون أمور دنياهم ويسمعون، لكن هذا غطاء معنوي يمنعهم من رؤية الحق وقبول الحق واستماع الحق، ولهم عقول، لكن لم ينتفعوا بها والعياذ بالله، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٢٦] يعني: لهم أسماع لكن لا يسمعون بها الحق، ولهم عقول وقلوب لا يعقلون بها الحق، ولهم أعين لا يبصرون بها الحق، نسأل الله السلامة والعافية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما قال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦]، وقال هاهنا: ﴿وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ أي: لا يعقلون عن الله أمره ونهيه، ثم قال: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ أي: اعتقدوا أنهم يصح لهم ذلك وينتفعون به، ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم:٨٢] ولهذا أخبر الله تعالى أنه قد أعد لهم جهنم يوم القيامة نزلاً]. هؤلاء الكفار تصامموا عن قبول الهدى واتباع الحق، كما قال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦]، وقال هنا: ﴿وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف:١٠١] أي: لا يعقلون عن الله أمره ونهيه، يعني: لا يستطيعون سماع الحق وقبوله، وإلا فهم يسمعون أمور دنياهم ومعاشهم، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 503

تفسير قوله تعالى: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً) قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٦]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال البخاري ﵀: حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عمرو عن مصعب قال: سألت أبي -يعني: سعد بن أبي وقاص ﵁ عن قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ أهم الحرروية؟ قال: لا، هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمداً ﷺ ، وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، فكان سعد ﵃ يسميهم الفاسقين]. الحرورية هم الخوارج، سموا حرورية لأنهم تجمعوا في بلدة تسمى حروراء في العراق، لما سأل سعد بن أبي وقاص ابنُه مصعب: هل هم المعنيون بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾؟ قال: لا، إنما هم اليهود والنصارى، فاليهود كذبوا محمداً ﷺ ، والنصارى كذلك كذبوه، وقالوا: إن عيسى ابن الله، وأما الحرورية فيسمون الفاسقين، والصحابة قد عاملوهم معاملة العصاة المبتدعة ولم يعاملوهم معاملة الكفرة؛ لأنهم متأولون، ولما سئل علي ﵁ عنهم: هل هم كفار؟ قال: من الكفر فروا. وقد أنكروا عذاب القبر، مع أنه ثابت شرعاً، ومن الأدلة عليه حديث: (استعيذوا بالله من عذاب القبر) قالها مرتين أو ثلاثاً، وشرع للأمة أن تستعيذ بالله في آخر التشهد من عذاب القبر. وقال النبي ﷺ -كما في حديث علي ﵁، (فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله)، لكن الجمهور على أنهم مبتدعة؛ لأنهم متأولون، ولهذا لما سأل مصعب أباه سعداً: هل هم الأخسرون أعمالاً؟ قال: لا، هم اليهود والنصارى، أما الحرورية فهم الفاسقون. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال علي بن أبي طالب ﵁ والضحاك ﵀ وغير واحد: هم الحرورية. ومعنى هذا عن علي ﵁ أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم، لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص ولا هؤلاء، بل هي أعم من هذا؛ فإن هذه الآية مكية قبل خطاب اليهود والنصارى وقبل وجود الخوارج بالكلية]. يعني أنها تفسر بعمومها، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإنما هي عامة في كل من عبد الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها وأن عمله مقبول وهو مخطئ وعمله مردود، كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٢ - ٤]. وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور:٣٩]. وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: نخبركم ﴿بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾، ثم فسرهم فقال: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: عملوا أعمالاً باطلة على غير شريعة مشروعة مرضية مقبولة. ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ أي: يعتقدون أنهم على شيء وأنهم مقبولون محبوبون]. إن هؤلاء هم الأخسرون الذين يعملون أعمالاً يظنون أنهم فيها على هدى وهم ضالون، كما قال : ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:٢٨ - ٣٠]. فهذا هو مثل ما في هذه الآية: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾. فهؤلاء الذين حقت عليهم الضلالة هم الأخسرون أعمالاً، الذين يعملون أعمالاً يظنون أنهم فيها على هدى وهم ضالون، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:٣٠]، نسأل الله السلامة والعافية. وهذا فيه دليل على أن الكافر لا يشترط لقيام الحجة عليه أن يفهم، بل يشترط في حقه قيام الحجة، فإذا بلغته النصوص فقد قامت عليه الحجة ولو لم يفهمها، ولهذا قال سبحانه: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:٣٠]، وقال سبحانه: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٧١]، ومع ذلك قامت عليهم الحجة مع أنه شبههم بالذي ينعق من الغنم، والغنم تسمع النعيق ولا تفهم، وهؤلاء بلغتهم النصوص وقامت عليهم الحجة وإن لم يفهموها، فلا يشترط فهم الحجة، فإذا بلغهم النص كفى، قال سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وقال سبحانه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩].

стр. 504

موازين الناس في الآخرة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ أي: جحدوا آيات الله في الدنيا وبراهينه التي أقام على وحدانيته وصدق رسله، وكذبوا بالدار الآخرة. ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾، أي: لا نثقل موازينهم؛ لأنها خالية عن الخير. قال البخاري ﵀: حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا المغيرة حدثني أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁: عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة. وقال: اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾)]. فقد يأتي الرجل العظيم ولا يقام له وزن، وذلك بسبب عمله السيئ، فلا يزن عند الله جناح بعوضة، فالميزان يخف ويثقل حسب الأعمال، فإذا كان العمل صالحاً ثقل الميزان، وإذا كان العمل سيئاً خف الميزان، فالأعمال توزن وإن كانت أعراضاً؛ لأن الله تعالى يقلبها أعياناً، وكذلك الأشخاص يوزنون، كما في الحديث: (يؤتى بالرجل العظيم السمين لا يزن عند الله جناح بعوضة)، وثبت أيضاً في الحديث الصحيح أن عبد الله بن مسعود ﵁ كان دقيق الساقين، فمشى فكشفت الريح عن ساقيه، فضحك الصحابة، فقال النبي ﷺ : (مم تضحكون؟ قالوا: من دقة ساقيه يا رسول الله! فقال ﵊: والذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من جبل أحد) وذلك بسبب عمله الصالح، وأما الكفار فكما قال الله: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن يحيى بن بكير عن مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد مثله. هكذا ذكره عن يحيى بن بكير معلقاً، وقد رواه مسلم عن أبي بكر محمد بن إسحاق عن يحيى بن بكير به. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو الوليد حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يؤتى بالرجل الأكول الشروب العظيم فيوزن بحبة فلا يزنها، قال: وقرأ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾). وكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب عن أبي الصلت عن ابن أبي الزناد عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً، فذكره بلفظ البخاري سواء. وقال أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار: حدثنا العباس بن محمد حدثنا عون بن عمارة حدثنا هشام بن حسان عن واصل عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: (كنا عند رسول الله ﷺ فأقبل رجل من قريش يخطر في حلة له، فلما قام على النبي ﷺ قال: يا بريدة! هذا ممن لا يقيم الله له يوم القيامة وزناً)، ثم قال: تفرد به واصل مولى أبي عنبسة وعون بن عمارة وليس بالحافظ، ولم يتابع عليه. وقد قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن الأعمش عن شمر عن أبي يحيى عن كعب قال: (يؤتى يوم القيامة برجل عظيم طويل، فلا يزن عند الله جناح بعوضة، اقرءوا: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾). وقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا﴾ أي: إنما جازيناهم بهذا الجزاء بسبب كفرهم، واتخاذهم آيات الله ورسله هزواً، استهزءوا بهم وكذبوهم أشد التكذيب].

стр. 505

تفسير سورة الكهف [١٠٧ - ١١٠] تميزت سورة الكهف في خاتمتها ببيان عاقبة المؤمنين المتقين بعد ذكر مآل الكافرين، حيث أعد الله لعباده الصالحين الجنة وجعلها داراً لهم لا يسأمون من المكث فيها، ولا يبغون الحول عنها، وقد بين الله تعالى أن من كان يرجو مثل هذا اللقاء فليلزم العمل الصالح والإخلاص لله تعالى في العبادة؛ إذ هو وحده المستحق لها دون سواه، فهو الملك العظيم الذي وسع كل شيء رحمة وعلماً، ومن عظمته نفاد البحر لو كان مداداً لكلمات الله.

стр. 506

تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلاً) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا * خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا * قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا * قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١٠٧ - ١١٠].

стр. 507

معنى الفردوس قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يخبر تعالى عن عباده السعداء -وهم الذين آمنوا بالله ورسوله وصدقوا المرسلين فيما جاءوا به- أن لهم جنات الفردوس. قال مجاهد: الفردوس هو البستان بالرومية. وقال كعب والسدي والضحاك: هو البستان الذي فيه شجر الأعناب. وقال أبو أمامة: الفردوس سرة الجنة. وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها]. الربوة، المكان المرتفع، وسرة الجنة: وسطها. وقد جاء في الحديث: (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن)؛ فهو الوسط وهو الأعلى، ولا يكون الوسط هو الأعلى إلا إذا كان الفردوس مستديراً كالقبة، وهذا يدل على أن الجنة مستديرة الشكل وليست مربعة ولا مسدسة، إذ لو كانت مربعة أو مسدسة لما كان الوسط هو الأعلى، فالذي وسطه أعلاه هو الشيء المستدير، والفردوس فوقه عرش الرحمن، وهو مستدير، بل إن الأفلاك كلها مستديرة، السماوات والأرضون والجنة، فكلها مستديرة الشكل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد روي هذا مرفوعاً من حديث سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ : (الفردوس ربوة الجنة أوسطها وأحسنها)]. هذا الحديث فيه ضعف بهذا السند، لكنه ثابت صحيح بغير هذا السند، وهذا السند فيه عنعنة قتادة، والحسن في روايته عن سمرة كلام، فقد قال بعضهم: لم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة. واستدارة الفردوس لا تنافي أن تكون السماوات والأرض مستديرة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهكذا رواه إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن سمرة مرفوعاً، وروي عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ مرفوعاً بنحوه، روى ذلك كله ابن جرير ﵀. وفي الصحيحين: (إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس؛ فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة)].

стр. 508

الإقامة الدائمة في الجنة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿نُزُلًا﴾ أي: ضيافة؛ فإن النزل: الضيافة، وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: مقيمين ساكنين فيها لا يظعنون عنها أبداً ﴿لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ أي: لا يختارون عنها غيرها، ولا يحبون سواها، كما قال الشاعر: فحلت سويدا القلب لا أنا باغياً سواها ولا عن حبها أتحول]. يعني: تمكنت محبتها مني حتى وصلت إلى سويداء القلب، ووصلت إلى شغافه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي قوله: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ تنبيه على رغبتهم فيها وحبهم لها]. ورد في الحديث الصحيح: (أن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة ينادي مناد فيقول: يا أهل الجنة! إن لكن لكم أن تصحوا فلا تسقموا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا). ففي الجنة يكون المؤمن في شباب دائم وصحة دائمة وخلود دائم، فليس فيها مرض، ولا هموم، ولا موت، ولا شيخوخة، ولا أحزان، ولا أكدار، ولا بول، ولا غائط، ولا مخاط، ولا نوم، ولا حيض، ولا نفاس بالنسبة للنساء، بل هناك نعيم دائم، وسرور دائم، وتنزع من قلوب المؤمنين الأغلال والأحقاد؛ لأن الله يقتص للمؤمنين بعضهم من بعض، وذلك أنهم إذا تجاوزوا الصراط أوقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص بعضهم من بعض، ونرد المظالم التي كانت بينهم في الدنيا ثم تنزع السخائم من نفوسهم، فيدخلون الجنة على غاية من الصفاء وسلامة الصدر، إخواناً على سرر متقابلين، قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]، نسأل الله الكريم من فضله، ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [مع أنه قد يتوهم فيمن هو مقيم في المكان دائماً أنه قد يسأمه أو يمله، فأخبر أنهم مع هذا الدوام والخلود السرمدي لا يختارون عن مقامهم ذلك متحولاً ولا انتقالاً ولا ظعناً ولا رحلة ولا بدلاً]. وذلك لما هم فيه من السرور، بخلاف منازل الدنيا، فإن الإنسان يسأم منها ويملها، وهذا أمر مشاهد، فإذا أقام الإنسان مدة طويلة في المكان سأمه، فيحب أن يغير المكان، وترى اليوم الناس إذا جاءت الإجازة الصيفية فإن أغلبهم يتحركون للرحلات، وإن كان فيها تعب؛ لأنهم سئموا الإقامة في ذلك المكان، أما أهل الجنة فيمكثون فيها المقام السرمدي الأبدي، ولكنهم يحبون البقاء فيها لما هم فيه من النعيم الدائم، والصحة الدائمة، والسلامة الدائمة، والحبور الدائم، نسأل الله الكريم أن يجعلنا منهم.

стр. 509

تفسير قوله تعالى: (قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي) قال الله تعالى: [﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى: قل -يا محمد-: لو كان ماء البحر مداداً للقلم الذي يكتب به كلمات الله وحكمه وآياته الدالة لنفد البحر قبل أن يفرغ كتابة ذلك ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ﴾ أي: بمثل البحر آخر ثم آخر وهلم جراً بحور تمده ويكتب بها لما نفدت كلمات الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان:٢٧]. وقال الربيع بن أنس: إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور كلها، وقد أنزل الله ذلك: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾]. والمعنى أن الله تعالى لا نفاد لكلماته، وأنه لو جعل البحر المتلاطم الأمواج ومده من بعده بسبعة أبحر فجعلت هذه المياه مداد حبر يكتب به، وجعلت أشجار الأرض أقلاماً يكتب بها لتكسرت الأقلام، ولنفدت مياه البحر ولن تنفد كلمات الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. وسبق في قصة الخضر أنه جاء عصفور فنقر في البحر نقرتين، فقال الخضر لموسى: ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا كما ينقص هذا العصفور من البحر، قال الشيخ الإمام محمد ﵀: وهذا أكثر ما بلغنا في علم الله . فهذه البحور المتلاطمة هي أربعة أخماس الأرض، ويأخذ العصفور منها نقرة أو نقرتين، فما أخذه هو نسبة علم الخلائق إلى علم الله تعالى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول: لو كانت تلك البحور مداداً لكلمات الله والشجر كله أقلام لانكسرت الأقلام وفني ماء البحر وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء؛ لأن أحداً لا يستطيع أن يقدر قدره ولا يثني عليه كما ينبغي حتى يكون الذي هو يثني على نفسه]. قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١]، وقد جاء في الحديث: (لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [إن ربنا كما يقول، وفوق ما نقول، إن مثل نعيم الدنيا أولها وآخرها في نعيم الآخرة كحبة من خردل في خلال الأرض كلها].

стр. 510

تفسير قوله تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد) قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [روى الطبراني من طريق هشام بن عمار عن إسماعيل بن عياش عن عمرو بن قيس الكوفي أنه سمع معاوية بن أبي سفيان أنه قال: هذه آخر آية أنزلت، يقول لرسوله محمد ﷺ : قل لهؤلاء المشركين المكذبين برسالتك إليهم: إنما أنا بشر مثلكم، فمن زعم أني كاذب فليأت بمثل ما جئت به؛ فإني لا أعلم الغيب فيما أخبرتكم به من الماضي عما سألتم من قصة أصحاب الكهف وخبر ذي القرنين مما هو مطابق في نفس الأمر لولا ما أطلعني الله عليه، وأنا أخبركم (أَنَّمَا إِلَهُكُمْ) الذي أدعوكم إلى عبادته (إِلَهٌ وَاحِدٌ) لا شريك له، ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ أي: ثوابه وجزاءه الصالح. وهو ما كان موافقاً لشرع الله ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المتقبل، لا بد أن يكون خالصاً لله صواباً على شريعة رسول الله ﷺ ]. هذان ركنا العمل، فالعمل لا يصح إلا بهذين الركنين، وأي عمل وأي عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله فلا بد من أن يتوافر فيها هذان الركنان: الركن الأول: أن يكون العمل خالصاً لله مراداً به وجهه، فإن قصد به الدنيا أو حطامها أو مراءاة الناس، أو غير ذلك من المقاصد فهو باطل، فلا بد من أن يقصد به وجه الله والدار الآخرة، ولا يقصد به رياءً ولا سمعة، ولا أي غرض من الأغراض. وفي الحديث: (سئل النبي ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، والرجل يقاتل حمية، والرجل يقاتل ليرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله). والركن الثاني: أن يكون العمل موافقاً صواباً على هدي رسول الله ﷺ ، فإن كان مخالفاً فهو بدعة ترد على صاحبها، فإذا تخلف الركن الأول صار العمل شركاً؛ لأنه أريد به غير الله، وإذا تخلف الركن الثاني صار العمل مبتدعاً مخالفاً للشرع. وهذان الركنان دلت عليهما نصوص كثيرة، والركن الأول هو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، والركن الثاني هو مقتضى شهادة أن محمداً رسول الله. ودل على هذين الركنين نصوص أخرى، منها قول الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [البقرة:١١٢] فقوله: ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ أي: أخلص العمل لله. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ إحسان العمل: أن يكون موافقاً للشرع. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [لقمان:٢٢]. ودل على الركن الأول قوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى). ودل على الركن الثاني قوله ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). رواه مسلم. وللشيخين: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).

стр. 511

خطر الرياء والتحذير منه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد روى ابن أبي حاتم من حديث معمر عن عبد الكريم الجزري عن طاوس قال: قال رجل: (يا رسول الله! إني أقف المواقف أريد وجه الله، وأحب أن يرى موطني، فلم يرد عليه رسول الله ﷺ شيئاً حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾). وهكذا أرسل هذا مجاهد وغير واحد. وقال الأعمش: حدثنا حمزة أبو عمارة مولى بني هاشم عن شهر بن حوشب قال: جاء رجل إلى عبادة بن الصامت فقال: أنبئني عما أسألك عنه: أرأيت رجلاً يصلي يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، ويصوم ويبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، ويتصدق ويبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، ويحج ويبتغي وجه الله ويحب أن يحمد؟ فقال عبادة: ليس له شيء، إن الله تعالى يقول: (أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك فهو له كله، لا حاجة لي فيه)]. وهذا مثل الحديث القدسي الذي رواه الإمام مسلم، وفيه يقول الله تعالى: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير قال: حدثنا كثير بن زيد عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه عن جده قال: (كنا نتناوب رسول الله ﷺ ، فنبيت عنده تكون له الحاجة أو يطرقه أمر من الليل فيبعثنا، فكثر المحتسبون وأهل النوب، فكنا نتحدث، فخرج علينا رسول الله ﷺ فقال: ما هذه النجوى؟! ألم أنهكم عن النجوى؟! قال: فقلنا: تبنا إلى الله أي نبي الله، إنما كنا في ذكر المسيح وفرقنا منه. فقال: ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح عندي؟ قال: قلنا: بلى. قال: الشرك الخفي: أن يقوم الرجل يصلي لمكان الرجل)]. وهذا العمل يسمى شركاً خفياً لأنه يقوم بالقلوب، فهو في القلوب خفي ليس ظاهراً، وهو الشرك الأصغر، أو الشرك الخفي، وقد يكون شركاً أكبر إذا صدر من المنافقين الذين أسلموا لأجل الدنيا، كـ عبد الله بن أبي وغيره، فهؤلاء يصلون رياءً، ورياؤهم رياء أكبر مخرج من الملة؛ لأنهم أسلموا رياء وليس لوجه لله، أما رياء المؤمن فهو الذي يصدر منه في صلاته وفي صدقته، فهذا شرك أصغر لا يخرج من الملة.

стр. 512

حديث عظيم في التحذير من الشرك الخفي قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر حدثنا عبد الحميد - يعني ابن بهرام - قال: قال شهر بن حوشب: قال ابن غنم: لما دخلنا مسجد الجابية أنا وأبو الدرداء لقينا عبادة بن الصامت فأخذ يميني بشماله وشمال أبي الدرداء بيمينه، فخرج يمشي بيننا ونحن نتناجى والله أعلم بما نتناجى به، فقال عبادة بن الصامت: إن طال بكما عمر أحدكما أو كليكما لتوشكان أن تريا الرجل من ثبج المسلمين -يعني: من وسط- قرأ القرآن على لسان محمد ﷺ ، فأعاده وأبداه، وأحل حلاله وحرم حرامه، ونزل عند منازله، لا يحور فيكم إلا كما يحور رأس الحمار الميت]. شهر بن حوشب هو الأشعري الشامي، قال عنه عثمان بن يزيد بن الحكم: صدوق كثير الإرسال والأوهام على الصحيح. أما ابن غنم فقد قال في الخلاصة: عبد الرحمن بن غنم الأشعري زعم يحيى بن بكير أن له صحبة، وقال ابن يونس: قدم في السفينة، وذكره العجلي من كبار التابعين، عن عمر وعثمان، وعنه شهر بن حوشب ومكحول وعمير بن هانئ، وقال ابن عبد البر: كان أفقه أهل الشام، مات سنة ثمان وسبعين. وأما الحافظ في الإصابة فقد رجح أنه من الصحابة. وفي الخلاصة: والأقرب أنه من الصحابة. وقوله: [لا يحور فيكم إلا كما يحور رأس الحمار الميت]. وفي نسخة: لا يجوز منكم إلا كما يجوز، ولكن الأقرب (لا يحور) يعني: لا يرجع، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الانشقاق:١٤] يعني: ألا يرجع، والحور هو الرجوع، أي: لا يرجع فيكم بخير، ولا ينتفع بما حفظ من القرآن، كما لا ينتفع بالحمار الميت صاحبه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: فبينما نحن كذلك إذ طلع شداد بن أوس ﵁ وعوف بن مالك فجلسا إلينا، فقال شداد: إن أخوف ما أخاف عليكم -أيها الناس- لما سمعت رسول الله ﷺ يقول: من الشهوة الخفية والشرك. فقال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء: اللهم غفراً، أو لم يكن رسول الله ﷺ قد حدثنا أن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب؟! وأما الشهوة الخفية فقد عرفناها، هي شهوات الدنيا من نسائها وشهواتها، فما هذا الشرك الذي تخوفنا به يا شداد؟! فقال شداد: أرأيتكم لو رأيتم رجلاً يصلي لرجل أو يصوم لرجل أو تصدق له، أترون أنه قد أشرك؟! قالوا: نعم، والله إنه من صلى لرجل أو صام له أو تصدق له لقد أشرك. فقال شداد: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول (من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك)، فقال عوف بن مالك عند ذلك: أفلا يعمد الله إلى ما ابتغي به وجهه من ذلك العمل كله فيقبل ما خلص له ويدع ما أشرك به؟! فقال شداد عند ذلك: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي، من أشرك بي شيئاً فإن عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به، وأنا عنه غني)]. هذا الحديث رواه الإمام أحمد في المسند، وهو يدل على أن الرياء يكون في الأعمال، وفيه أنه يُخاف على الصالحين أكثر من غيرهم، وهذا الحديث هو من الأحاديث التي استدل بها الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد، وهو أن النبي ﷺ قال: (ألا أنبئكم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الرياء، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل إليه) فقد سمَّت الأحاديث الرياء شركاً، وسمته الشهوة الخفية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [طريق أخرى لبعضه: قال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب حدثني عبد الواحد بن زياد أخبرنا عبادة بن نسي عن شداد بن أوس ﵁ أنه بكى، فقيل له: ما يبكيك؟! قال: شيء سمعته من رسول الله ﷺ يقوله فذكرته فأبكاني، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية؟ قلت: يا رسول الله! أتشرك أمتك من بعدك؟! قال: نعم، أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً، ولكن يراءون بأعمالهم، والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم صائماً فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه). ورواه ابن ماجه من حديث الحسن بن ذكوان عن عبادة بن نسي به، وعبادة فيه ضعف، وفي سماعه من شداد نظر]. والشاهد هنا أن فيه دليلاً على أن الرياء يُخاف منه على الصالحين أكثر مما يُخاف على العصاة وأشد، كما في الحديث: (ألا أنبئكم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟! يقوم الرجل فيصلي فيزين الصلاة لما يرى من نظر الرجل إليه). وقد جاء في الحديث أن أبا بكر سأل النبي ﷺ عن الكفارة -أي: كفارة خطرات الرياء- فقال: (كفارة ذلك أن تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك شيئاً وأنا أعلم، وأستغفرك لما تعلم ولا أعلم). فلا بد من جهاد النفس، وعلى الإنسان أن يجاهدها إذا طرأ عليه مثل هذا، فإن كان خاطراً ودفعه فلا يضره، بل يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ولكن إذا طرأ واسترسل مع الإنسان فهل يبطل العمل أو لا يبطل العمل؟ قيل: يجازى بنيته الأولى، وقيل: يبطل العمل إذا استرسل، أما إذا كان خاطراً ودفعه فلا يضره، والواجب على المسلم أن يدافع هذه الخواطر السيئة التي ترد عليه، بأن يعلم أن الناس لن ينفعوه ولن يضروه، وأنه يجب على الإنسان أن يخلص عمله لله. وقد جاء في الحديث: (الرياء أخطر من دبيب النمل)؛ لأنه يكون في القلوب، وهناك أشياء كثيرة مثل الرياء، كالحلف بغير الله، وكقوله: ما شاء الله وشئت، فكل هذا من الشرك الخفي. وليس معنى هذا ترك العمل إذا طرأ الرياء، فإن من ترك لأجل الناس فقد وقع في الرياء أيضاً، كما أن العمل لأجل الناس رياء. والرياء من الشرك الأصغر، وهو أكبر من الكبائر، وقد يقال له: الشرك الخفي، وسمي خفياً لأنه يقوم بالقلوب ولخفائه أيضاً. والشرك نوعان: أصغر وأكبر، فالخفي هو الشرك الأصغر، فيستعاذ منه، كما في الحديث: (اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلم، وأستغفرك لما تعلم ولا أعلم)، وهذه الاستعاذة تعين على دفعه، لكن تكون الاستعاذة مع مدافعته لما يرد عليه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حديث آخر: قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا الحسين بن علي بن جعفر الأحمر حدثنا علي بن ثابت حدثنا قيس بن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (يقول الله يوم القيامة: أنا خير شريك، من أشرك بي أحداً فهو له كله). وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة سمعت العلاء يحدث عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ يرويه عن ربه أنه قال: (أنا خير الشركاء، فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك)، تفرد به من هذا الوجه. حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يونس حدثنا ليث عن يزيد - يعني ابن الهاد - عن عمرو عن محمود بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال: (إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟! قال: الرياء، يقول الله يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء). حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر قال: أخبرنا عبد الحميد - يعني ابن جعفر - قال: أخبرني أبي عن زياد بن ميناء عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري - وكان من الصحابة - أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله أحداً فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك). وأخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث محمد بن بكر - وهو البرساني - به]. قال في التقريب: محمد بن بكر بن عثمان البرساني -بضم الموحدة وسكون الراء المهملة- أبو عثمان البصري، صدوق قد يخطئ.

стр. 513

التحذير من المراءاة والتسميع قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك قال: حدثنا بكار قال: حدثني أبي - يعني عبد العزيز بن أبي بكرة - عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من سمع سمع الله به، ومن راءى راءى الله به)]. والتسميع يكون في الأقوال، والمراءاة تكون في الأعمال، فـ (سمع) يعني: في القراءة، أو في الذكر، أو في التسبيح، أو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو في الدعوة إلى الله، وأما معنى: (ومن راءى) أي: في العمل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية قال: حدثنا شيبان عن فراس عن عطية عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: (من يرائي يرائي الله به، ومن يسمع يسمع الله به)]. لفظة الجلالة إذا كان ما قبلها مكسوراً فإنها ترقق وإن كانت قبلها ضمة أو فتحة فإنها تفخم. وهذا الحديث فيه الوعيد الشديد لصاحب الرياء والسمعة، وأن ذلك من الشرك الأصغر، وهذه النصوص يشد بعضها بعضاً، ويكفي في ذلك هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، والحديث الصحيح كذلك، وهو قوله ﷺ : (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة حدثني عمرو بن مرة قال: سمعت رجلاً في بيت أبي عبيدة أنه سمع عبد الله بن عمرو يحدث ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (من سمع الناس بعمله سمع الله به سامع خلقه وصغره وحقره) فذرفت عينا عبد الله]. يعني: لا يستره عن خلقه، وفي نسخة: (مسامع خلقه) مكان (سامع خلقه)، والأقرب (سامع خلقه)، وهذا من باب المجازاة، فمن يسمع يسمع الله به، ولهذا قال: (اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون)، وفي رواية أخرى: (فضحه الله على رءوس الخلائق).

стр. 514

خطورة الرياء وعواقبه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عمرو بن يحيى الأيلي حدثنا الحارث بن غسان حدثنا أبو عمران الجوني عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تعرض أعمال بني آدم بين يدي الله يوم القيامة في صحف مختمة، فيقول الله: ألقوا هذا واقبلوا هذا. فتقول الملائكة: يا رب! والله ما رأينا منه إلا خيراً! فيقول: إن عمله كان لغير وجهي، ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما أريد به وجهي)، ثم قال: الحارث بن غسان روى عنه جماعة، وهو ثقة بصري ليس به بأس. وقال وهب: حدثني يزيد بن عياض عن عبد الرحمن الأعرج عن عبد الله بن قيس الخزاعي أن رسول الله ﷺ قال: (من قام رياء وسمعة لم يزل في مقت الله حتى يجلس). وقال أبو يعلى: حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا محمد بن دينار عن إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن عوف بن مالك عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من أحسن الصلاة حيث يراه الناس وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة استهان بها ربه . وقال ابن جرير: حدثنا أبو عامر إسماعيل بن عمرو السكوني حدثنا هشام بن عمار حدثنا ابن عياش حدثنا عمرو بن قيس الكندي أنه سمع معاوية بن أبي سفيان ﵁ تلا هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ الآية، وقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن. وهذا أثر مشكل؛ فإن هذه الآية آخر سورة الكهف، والكهف كلها مكية، ولعل معاوية أراد أنه لم ينزل بعدها آية تنسخها ولا تغير حكمها، بل هي مثبتة محكمة، فاشتبه ذلك على بعض الرواة فروى بالمعنى على ما فهمه، والله أعلم. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن علي بن الحسين بن شقيق حدثنا النضر بن شميل حدثنا أبو قرة عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ في ليلة: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ كان له من النور من عدن أبين إلى مكة حشو ذلك النور من الملائكة) غريب جداً، آخر تفسير سورة الكهف]. قوله: (عدن أبين) وصف للبلدة؛ لأنه توجد منطقتان عدن وأبين، فقال: عدن أبين، وهي موضع باليمن نسب إلى أبين رجل من حمير؛ لأنه عدن به، أي: أقام, وهي عدن المعروفة الآن. وتوجد بلدة أخرى اسمها عدن في غير اليمن، فيقال: عدن أبين تمييزاً لها عن غيرها. والحديث سنده -كما قال قال الحافظ أبو بكر البزار - غريب. وهو أيضاً منقطع، فـ سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر، وسعيد هو ابن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن مخزوم المخزومي أبو محمد المدني الأعور، رأس علماء التابعين وفردهم وخاطبهم وخطيبهم، ولد سنة خمس عشرة، روى عن عمر، وأبي وأبي ذر وأبي بكرة عند ابن ماجه، وعلي وعثمان وسعد في البخاري، ومسلم، وطائفة، وعنه الزهري وعمرو بن دينار وقتادة وبكير بن الأشج ويحيى بن سعيد الأنصاري وخلق. قال ابن حجر: فهو -والله- أحد المقتدين به. قال قتادة: ما رأيت أعلم بالحلال والحرام منه. وقال أحمد: مرسلات سعيد صحاح، سمع من عمر. وقال مالك: لم يسمع منه، ولكنه أكد على المساءلة في شأنه وأمره حتى كأنه رآه. وقال أبو حاتم: هو أثبت التابعين في أبي هريرة. قال أبو نعيم: مات سنة ثلاث وتسعين.

стр. 515

تفسير سورة مريم [ ١ - ٧] سورة مريم سورة مكية يذكر الله فيها قصص الأنبياء ﵈، ومن ذلك قصة زكريا ﵇، حيث سأل الله تعالى أن يهبه ولداً يرثه في النبوة والعلم.

стр. 516

بين يدي سورة مريم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهي مكية، وقد روى محمد بن إسحاق في السيرة من حديث أم سلمة وأحمد بن حنبل عن ابن مسعود في قصة الهجرة إلى أرض الحبشة من مكة أن جعفر بن أبي طالب ﵁ قرأ صدر هذه السورة على النجاشي وأصحابه]. وهذا ثابت، أن جعفر بن أبي طالب ﵁ قرأ صدرها لما هاجر إلى الحبشة الهجرة الأولى وأرسلت قريش وفداً يطلبون من النجاشي أن يردهم إليهم، وقال الوفد للنجاشي: إن هؤلاء تركوا دين قومهم، فقال لهم: هؤلاء قوم أتوا إلي واختاروني فلا أتركهم، فقالوا له: أيها الملك! إنهم يقولون في المسيح قولاً يخالف اعتقادكم، فقال: ما تقولون؟ فقرأ جعفر بن أبي طالب ﵁ صدر سورة مريم، فأخذ النجاشي تبنة من الأرض وقال: ما زاد هذا الذي سمعته على ما في التوراة وما في الإنجيل مثل هذا يعني: أنه موافق لما ذكره الله تعالى في التوراة والإنجيل من خبر مريم وعيسى.

стр. 517

تفسير قوله تعالى: (كهيعص واجعله رب رضياً) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بسم الله الرحمن الرحيم ﴿كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم:١ - ٦]. أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة]. والصواب من الأقوال: أن الحروف المقطعة الله أعلم بالمراد بها، فهي مما استأثر الله بعلمه، وقد قال بعضهم: إن الحروف المقطعة فيها إشارة إلى أن القرآن إنما هو من هذه الحروف الثمانية والعشرين، ومع ذلك فقد تحدى الله البشر أن يأتوا بمثله فعجزوا، وأن يأتوا بعشر سور فعجزوا، وأن يأتوا بسورة فعجزوا. واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية وجمع من أهل العلم. وقال بعضهم: إن فيها الإشارة إلى أن كل حرف فيها يدل على اسم من أسماء الله، لكن هذا قول لا وجه له. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ((ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ))، أي: هذا ذكر رحمة الله بعبده زكريا]. وزكريا نبي من أنبياء بني إسرائيل ﵊، وكذلك ابنه يحيى من أنبياء بني إسرائيل الذين جاءوا بعد موسى ﵊ وكلفوا بالعمل بالتوراة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ﴾ [المائدة:٤٤]، فالأنبياء الذين جاءوا بعد موسى كلهم كلفوا بالعمل بالتوراة ويقال لهم أنبياء، ولا يطلق عليهم (رسل)، ويوحى إليهم وحياً خاصاً يتعلق بالمؤمنين ولا يرسلون إلى قوم كافرين، وهذا هو الصواب في الفرق بين النبي والرسول. أما الرسول فإنه يرسل إلى أمة كافرة فيؤمن به بعضهم ويرد عليه دعوته بعضهم، وهم أهل الشرائع مثل: نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وقد أرسلوا إلى أمم عظيمة فآمن بهم بعضهم وكفر بهم بعضهم. أما النبي فإنه يكلف بالعمل بشريعة سابقة ولا يرسل إلى الناس كافة، وإنما يرسل للمؤمنين مثل: داود وسليمان وزكريا، فقد كلفوا بالعمل بالتوراة، حتى جاء عيسى ﵇ فأنزل الله عليه الإنجيل وفيه تخفيف لبعض الأحكام فقد أحل لهم بعض المحرمات كما أخبر الله : ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران:٥٠]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقرأ يحيى بن يعمر: (ذكَّر رحمة ربك عبده زكريا_. قال في الحاشية: وقيل هو فعل ماض وقيل فعل أمر. والأقرب أنه فعل أمر فقال: ذكِّر يا محمد! بهذه القصص الواردة في القرآن. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وزكريا يمد ويقصر، قراءتان مشهورتان]. وزكرياء يكون بألف وبعده همزة فيكون ممدوداً، أو زكريا بألف بدون همز فيكون مقصوراً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكان نبياً عظيماً من أنبياء بني إسرائيل، وفي صحيح البخاري أنه كان نجاراً] أي: كان يأكل من عمل يديه في النجارة، وهذا يدل على أن العمل والصناعة ليست عيباً، وإنما هي الشرف، فكون الإنسان يأكل من صنعة يده ليس عيباً، بل العيب أن يكون الإنسان عالة يتكفف الناس وهو يستطيع العمل، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول)، واليد العليا اليد المنفقة، واليد السفلى هي اليد الآخذة، ولا تكون يد الإنسان هي اليد العليا إلا إذا اشتغل فيبيع ويشتري ويحرث ويزرع، وتكون بيده صنعة كالنجار أو الحداد أو البناء أو السباك أو الكهربائي والمبلط فكل هذه أعمال يتكسب بها الإنسان ويستغني بها عن الناس، ولهذا كان الأنبياء في أيديهم صنعة عمل، قال ﵊: (ما من نبي إلا ورعى الغنم، قالوا: وأنت؟ قال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة). وقال ﵇ ما معناه: (أفضل ما كسب الإنسان عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور). وكان زكريا نجاراً، وكان نوح حداداً، وكان العلماء والمحدثون وغيرهم في أيديهم صناعات فينسبون إلى صناعاتهم منها البزاز والصباغ والجصاص. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم:٣]، قال بعض المفسرين: إنما أخفى دعاءه لئلا ينسب في طلب الولد إلى الرعونة لكبره، حكاه الماوردي، وقال آخرون: إنما أخفاه لأنه أحب إلى الله]. وهذا هو الصواب؛ لأنه أحب إلى الله، قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥]، وكلما كان العمل خفياً كان أقرب إلى الإخلاص، فإذا دعا العبد ربه دعاء خفياً يكون أقرب إلى الإخلاص وهو أحب إلى الله من الجهر، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف:٢٠٥]، فهو أحب إلى الله، أما القول الأول فهو يقول حتى لا يعيبه الناس إذا سمعوه وهو يطلب ولداً وهو كبير في السن قد تجاوز الحد، فسيقولون: هذا ضعيف العقل، لكن هذا قول ضعيف. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما قال قتادة في هذه الآية: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم:٣]، إن الله يعلم القلب التقي ويسمع الصوت الخفي، وقال بعض السلف: قام من الليل ﵇ وقد نام أصحابه فجعل يهتف بربه يقول خفية: يا رب يا رب يا رب! فقال الله: لبيك لبيك لبيك. ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم:٤]، أي: ضعفت وخارت القوى. ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم:٤]، أي: اضطرم المشيب في السواد، كما قال ابن دريد في مقصورته: أما تري رأسي حاكى لونه طرة صبح تحت أذيال الدجى واشتعل المبيض في مسوده مثل اشتعال النار في جمر الغضا]. وهذا توسل من زكريا ﵇ إلى الله، وقد توسل بنوعين من أنواع التوسل، النوع الأول: التوسل بربوبية الله وذلك في قوله: (رب)، وهذا من أسباب قبول الدعاء. والثاني: التوسل بحاجته وضعفه وذلك في قوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم:٤]، وهذا مثل قول الله تعالى عن موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص:٢٤]، يعني: أنا فقير بما أنزلت إلي، فتوسل بحاله وضعفه وحاجته. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمراد من هذا: الإخبار عن الضعف والكبر ودلائله الظاهرة والباطنة. وقوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم:٤]، أي: ولم أعهد منك إلا الإجابة في الدعاء، ولم تردني قط فيما سألتك. وقوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ [مريم:٥]، قرأ الأكثرون بنصب الياء (من الموالي) على أنه مفعول، وعن الكسائي أنه سكن الياء، كما قال الشاعر: كأن أيديهن في القاع القرق أيدي جوار يتعاطين الورق. والأصل أن يقول أيديهن؛ لأنه مفعول به، مثل: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ [مريم:٥]. وفي قراءة (وإني خفت المواليْ) بالسكون، وقد سكن (أيديْهن) في الشعر. والورق هي: الفضة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الآخر: فتى لو يباري الشمس ألقت قناعها أو القمر الساري لألقى المقالدا]. والشاهد أنه قال: الساري ولم يقل الساريَ، وقوله: لو يباري الشمس أي: في جماله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومنه قول أبي تمام حبيب بن أوس الطائي: تغاير الشعر فيه إذ سهرت له حتى ظننت قوافيه ستقتتل]. والشاهد قوله: قوافيه، ولم يقل: قوافيَه، وهذا معروف في لغة العرب، فالأصل أن يقول: قوافية، ولكنه سكنها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال مجاهد وقتادة والسدي: أراد بالموالي العصبة، وقال أبو صالح: الكلالة، وروي عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ أنه كان يقرؤها: (وإني خَفّتِِ الموالي من روائي) بتشديد الفاء بمعنى قلت عصباتي من بعدي]. فيصح أن يقال: عصبتي أو عصباتي فالمعنى واحد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعلى القراءة الأولى وجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفاً سيئاً، فسأل الله ولداً يكون نبياً من بعده ليسوسهم بنبوته وما يوحي إليه]. لأن الأنبياء ما بعثوا لجمع المال، وإنما بعثوا لتوجيه الناس ودعوتهم وتبلغيهم وهدايتهم وإرشادهم، فلم يخف زكريا ﵇ الموالي أنه يورث ماله، فالأنبياء لا يرثون فما تركه الأنبياء يكون صدقة، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة)، وإنما أراد أن يرزقه الله ولداً يسوس الناس من بعده بالنبوة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فأجيب في ذلك؛ لا أنه خشي من وراثتهم له ماله، فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدراً من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده أن يأنف من وراثة عصباته له، ويسأل أن يكون له ولد فيحوز ميراثه دونه دونهم هذا وجه. الثاني: أنه لم يذكر أنه كان ذا مال، بل كان نجاراً يأكل من كسب يديه، ومثل هذا لا يجمع مالاً ولاسيما الأنبياء ﵈]. فالغالب أن صاحب المهنة والحرفة لا ي

стр. 518

تفسير قوله تعالى: (يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٧]. هذا الكلام يتضمن محذوفاً وهو أنه أجيب إلى ما سأل في دعائه فقيل له: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ [مريم:٧]، كما قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران:٣٨ - ٣٩]. وقوله: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٧] قال قتادة وابن جريج وابن زيد: أي: لم يسم أحداً قبله بهذا الاسم، واختاره ابن جرير ﵀]. والمراد بالمحراب مكان الصلاة، ومنه قوله تعالى في قصة داود: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص:٢١]، يعني: تسوروا الجدار وجاءوا إليه في مكان صلاته، وما تعارف عليه الناس من أن المحراب هو المكان الذي يكون فيه الإمام أثناء صلاته بالناس أو الجزء الذي يكون في مقدم المسجد فهذا اصطلاح محدث جديد فالمراد بالمحراب مكان الصلاة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال مجاهد: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٧]، أي: شبيهاً]. أخذه من معنى قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، أي: شبيهاً، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي: لم تلد العواقر قبله مثله، وهذا دليل على أن زكريا ﵇ كان لا يولد له، وكذلك امرأته كانت عاقراً من أول عمرها]. وسيأتي أيضاً أن الله تعالى وصفه بأنه سيداً وحصوراً قيل: الحصور الذي لا يأتي النساء، وقيل غير ذلك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بخلاف إبراهيم وسارة ﵉، فإنهما إنما تعجبا من البشارة بإسحاق على كبرهما لا لعقرهما]. لأن إبراهيم ﵇ ولد له إسماعيل قبل إسحاق، فبينهما ما يقارب اثنتي عشرة سنة، فإبراهيم ﵊ ليس عقيماً، إنما ولد له من هاجر إسماعيل، لكنه تعجب من الولد مع كبر السن. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا قال: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر:٥٤]، مع أنه كان قد ولد له قبله إسماعيل بثلاث عشرة سنة، وقالت امرأته: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود:٧٢ - ٧٣]].

стр. 519

تفسير سورة مريم [٨ - ١٥] بشر الله سيدنا زكريا بالولد بعد طول عمر، وكانت امرأته عاقراً، فتعجب من ذلك، فبين الله له أنه إذا أراد أمراً فإنما يقول له: كن، فيكون.

стр. 520

تفسير قوله تعالى: (قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقراً) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا * قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم:٨ - ٩]. هذا تعجب من زكريا ﵇ حين أجيب إلى ما سأل وبشر بالولد، ففرح فرحاً شديداً وسأل عن كيفية ما يولد له والوجه الذي يأتيه منه الولد، مع أن امرأته كانت عاقراً لم تلد من أول عمرها مع كبرها]. الله تعالى لا يعجزه شيء، والله على كل شيء قدير: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، وقد سأل زكريا ﵇ ربه هذا لما كانت عنده مريم وكان زوج خالتها وقد كفلها فكان يجد عندها فاكهة الصيف في زمن الشتاء وفاكهة الشتاء في زمن الصيف، فكما أن الله قد يأتي بالشيء في غير وقته، فيمكن أن يأتيه الولد في غير وقت أوانه، ولهذا قال الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران:٣٧ - ٣٨]، يعني: من أجل ذلك. وسؤال زكريا لم يكن اعتراضاً على الله، فهو يعلم أن الله لا يعجزه شيء وإنما تعجب من حاله وأنه سيأتيه ولد وهو كبير السن وأصله عاقر، ولهذا سأل ربه الكيفية والوجه الذي يأتيه حتى يتم الفرح، فبين الله له وجعل له علامة وآية وهي ألا يكلم الناس ثلاث ليال، فيستطيع أن يسبح ويهلل ويقرأ، لكن لا يستطيع أن يكلم الناس إلا بالإشارة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومع أنه قد كبر وعتا، أي: عسا عظمه ونحل ولم يبق فيه لقاح ولا جماع، تقول العرب للعود إذا يبس: عتا يعتو عتياً وعتواً، وعسا يعسو عسواً وعسياً. وقال مجاهد: عتياً بمعنى نحول العظم، وقال ابن عباس وغيره: عتياً يعني: الكبر، والظاهر أنه أخص من الكبر. وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لقد علمت السنة كلها غير أني لا أدري أكان رسول الله ﷺ يقرأ في الظهر والعصر أم لا، ولا أدري كيف كان يقرأ هذا الحرف: ((وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا))، أو عسياً، ورواه الإمام أحمد]. مع علم ابن عباس الواسع إلا أنه خفي عليه هذا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ورواه الإمام أحمد عن سريج بن النعمان وأبو داود عن زياد بن أيوب كلاهما عن هشيم به، (قال) أي: الملك مجيباً لزكريا عما استعجب منه: ((كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ))، أي: إيجاد الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها، ((هَيِّنٌ)) أي: يسير سهل على الله، ثم ذكر له ما هو أعجب مما سأل عنه فقال: ((وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا))، كما قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١]، ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَل لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم:١٠]].

стр. 521

تفسير قوله تعالى: (قال رب اجعل لي آية) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿قَالَ رَبِّ اجْعَل لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم:١٠ - ١١]. يقول تعالى مخبراً عن زكريا ﵇ أنه: ((قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً))، أي: علامة ودليلاً على وجود ما وعدتني لتستقر نفسي ويطمئن قلبي بما وعدتني، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠]. ((قَالَ آيَتُكَ)) أي: علامتك، ((أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا)) أي: أن تحبس لسانك عن الكلام ثلاث ليال وأنت صحيح سوي من غير مرض ولا علة. قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة ووهب بن منبه والسدي وقتادة وغير واحد: اعتقل لسانه من غير مرض]. اعتقل لسانه عن كلام الناس خاصة دون غيره من الذكر وغيرها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان يقرأ ويسبح ولا يستطيع أن يكلم قومه إلا إشارة]. ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران:٤١] آية آل عمران لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً يعني: إلا بالإشارة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال العوفي عن ابن عباس: ((ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا)) أي: متتابعات، والقول الأول عنه وعن الجمهور أصح، كما قال تعالى في أول آل عمران: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [آل عمران:٤١]. وقال مالك عن زيد بن أسلم: ((ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا))، من غير خرس]. يعني: ليس أخرس، ولهذا قال الله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [آل عمران:٤١]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا دليل على أنه لم يكن يكلم الناس في هذه الليالي الثلاث وأيامها ((إِلَّا رَمْزًا))، أي: إشارة. ولهذا قال في هذه الآية الكريمة: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ [مريم:١١] أي: الذي بشر فيه بالولد ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾، أي: أشار إشارة خفية سريعة، ((أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا))، أي: موافقة له فيما أمر به في هذه الأيام الثلاثة زيادة على أعماله وشكراً لله على ما أولاه]. فهذه الأيام يخصها بمزيد من التسبيح بكرة وعشياً، وأوحى إليهم أي: أشار، والوحي هو الإشارة الخفية، وفي هذه الآيات الكريمات بيان رحمة الله تعالى بعبده زكريا ﵇، وفيه استجابة الله لدعاء الأنبياء وغيرهم وأن الله تعالى يستجيب الدعاء، وأن الله يحب الملحين في الدعاء. وفيه فضل الدعاء الخفي وذلك في قوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم:٣]، وأنه أفضل من الدعاء الذي يجهر به الإنسان، وهذا عام في جميع العبادات، كالقراءة والصدقة والدعاء، فما كان سراً فهو أفضل من العلن إلا إذا كان تبعاً فيه مصلحة، ولهذا قال سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥]، وقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الأعراف:٢٠٥]. وفيه أنه ينبغي للإنسان أن يتوسل إلى الله بالوسائل الشرعية كما توسل زكريا بالربوبية، فقال: رب، وكما توسل بضعفه وحاجته. وفيه أن الأنبياء لا يورثون، وفيه أن زكريا ﵇ سأل ربه ولداً يرثه النبوة وسياسة الناس بالشرع. وفيه أنه ينبغي للإنسان أن يكون همه للآخرة أعظم من همه للدنيا، وأن يكون طلبه للآخرة أعظم من طلبه للدنيا، اقتداء بأنبياء الله عليهم الصلاة والسلام. وفيه كما سبق فضل العمل، وأن الإنسان ينبغي له أن يكون بيده مهنة يعمل فيها، ولهذا كان زكريا ﵊ نجاراً وكان داود حداداً، وسبق الحديث: (أن أفضل ما أكل المرء من عمل يده وكل بيع مبرور)، وجاء في الحديث: (اليد العليا خير من اليد السفلى)، واليد العليا هي اليد المنفقة والسفلى الآخذة، ولا تكون اليد العليا إلا إذا عمل الإنسان بيده عمل ليكف وجهه عن الناس، يكون نجاراً يكون حداداً يكون بناءً حراثاً زراعاً بياعاً يبيع ويشتري، ولا يكون كلاً وعالة على الناس. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال مجاهد: فأوحى إليهم أي: أشار، وبه قال وهب وقتادة. وقال مجاهد في رواية عنه: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ [مريم:١١]، أي: كتب لهم في الأرض، كذا قال السدي].

стр. 522

تفسير قوله تعالى: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا * وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم:١٢ - ١٥]. وهذا أيضاً تضمن محذوفاً تقديره أنه وجد هذا الغلام المبشر به وهو يحيى ﵊، وأن الله علمه الكتاب وهو التوراة التي كانوا يتدارسونها بينهم ويحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار، وقد كان سنه إذ ذاك صغيراً فلهذا نوه بذكره وبما أنعم به عليه وعلى والديه فقال: ((يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ))، أي: تعلم الكتاب بقوة أي بجد وحرص واجتهاد. ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾، أي: الفهم والعلم والجد والعزم والإقبال على الخير والإكباب عليه والاجتهاد فيه، وهو صغير حدث. قال عبد الله بن المبارك: قال معمر: قال الصبيان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب، فقال: ما للعب خلقنا، قال: فلهذا أنزل الله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢]. وقوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [مريم:١٣]، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [مريم:١٣]، يقول: ورحمة من عندنا، وكذا قال عكرمة وقتادة والضحاك وزاد: لا يقدر عليها غيرنا، وزاد قتادة: رحم الله بها زكريا. وقال مجاهد: ((وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا))، وتعطفاً من ربه عليه. وقال عكرمة: ((وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا))، قال: محبة عليه. وقال ابن زيد أما الحنان فالمحبة. وقال عطاء بن أبي رباح ﵀: ((وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا))، قال: تعظيماً من لدنا. وقال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة عن ابن عباس أنه قال: لا والله! ما أدري ما حناناً. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن منصور: سألت سعيد بن جبير عن قوله: ((وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا))، قال: سألت عنها ابن عباس فلم يجد فيها شيئاً. والظاهر من السياق أن قوله: ((وَحَنَانًا))، معطوف على قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم:١٢]، أي: وآتيناه الحكم وحناناً وزكاة أي وجعلناه ذا حنان وزكاة، فالحنان هو المحبة في شفقة وميل كما تقول العرب: حنت الناقة على ولدها، وحنت المرأة على زوجها، ومنه سميت المرأة حنة من الحنية، وحن الرجل إلى وطنه، ومنه التعطف والرحمة، كما قال الشاعر: تحنن علي هداك المليك فإن لكل مقام مقالا وفي المسند للإمام أحمد عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يبقى رجل في النار ينادي ألف سنة: يا حنان يا منان!). وقد يثنى، ومنهم من يجعل ما ورد في ذلك لغة بذاتها كما قال طرفة: أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض]. والشاعر هو طرفة بن العبد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [((وَزَكَاةً))، معطوفاً على ((وَحَنَانًا))، فالزكاة الطهارة من الدنس والآثام]. والحنان جاء القول بأن المقصود منه: التوراة. وأن الحنان من أسماء الله، والمنان ثابت ولا إشكال فيه، وفيه أن الله نشأ يحيى تنشئة صالحة، وأنه علمه الكتاب، وكلمة (كتاب) جنس يشمل جميع الكتب، والمراد به التوراة؛ لأنه الذي يعمل به بنو إسرائيل، ويحيى ابن خالة عيسى ﵇، لكن يحيى وزكريا كانا يعملان بالتوراة، ثم أنزل الله الإنجيل على عيسى. ((وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا))، وفيه دليل على أنه ينبغي التعلم في الصغر، وأن التعلم في الصغر له مزية، ولهذا قال الله عن يحيى: ((وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا))، فكون الإنسان يتعلم في الصغر ووقت الشباب ويجد ويجتهد فهذا هو الوقت المناسب لتحصيل العلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال قتادة: الزكاة العمل الصالح. وقال الضحاك وابن جريج: العمل الصالح الزكي. وقال العوفي عن ابن عباس ﵄: ((وَزَكَاةً))، قال: بركة]. رواية العوفي عن ابن عباس وعلي بن أبي طلحة منقطعة؛ لأن العوفي ما أدرك ابن عباس، وعلي بن أبي طلحة، لكنه يعلم كثيراً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [((وَكَانَ تَقِيًّا))، طاهراً فلم يعمل بذنب. وقوله: ((وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا))، لما ذكر تعالى طاعته لربه وأنه خلقه ذا رحمة وزكاة وتقى عطف بذكر طاعته لوالديه وبره بهما ومجانبته عقوقهما قولاً وفعلاً أمراً ونهياً، ولهذا قال: ((وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا))، ثم قال بعد هذه الأوصاف الجميلة جزاء له على ذلك: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾، أي: له الأمان في هذه الثلاثة الأحوال]. والسلام وهو الأمان، وهذه منقبة عظيمة أعطاها الله ليحيى ﵊ وأنزل فيه قرآناً يتلى إلى يوم القيامة. وكما قال: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ﴾ [ص:٤٦ - ٤٧]، وهذه مناقب عظمة ذكرها الله في كتابه العزيز. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيرى نفسه خارجاً مما كان فيه]. ولهذا يبكي حينما يسقط من بطن أمه، فقد خرج من المألوف الذي ألفه وجلس فيه مدة إلى الأرض. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويوم يموت فيرى قوماً لم يكن عاينهم]. يعاين الملائكة فيكشفون له عن مستقبله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم]. ولهذا يقول الشاعر: ولدتك حين ولدتك أمك باكياً والناس حولك يضحكون سروراً فاجهد لعلك أن تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسروراً أي: اجتهد بالعمل الصالح، فلما ولدت كنت تبكي والناس يضحكون سروراً فرحاً بولادتك، فاجتهد بالعمل الصالح حتى إذا بكوا عليك في يوم موتك تكون ضاحكاً مسروراً تبشرك الملائكة بالجنة ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ [فصلت:٣٠]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم، قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا عليهم الصلاة والسلام فخصه بالسلام عليه: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم:١٥] رواه ابن جرير، عن أحمد بن منصور المروزي، عن صدقة بن الفضل عنه. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: ﴿جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم:١٤]، قال: كان ابن المسيب يذكر قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من أحد يلقى الله يوم القيامة إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا)، قال قتادة: ما أذنب ولا هم بامرأة، مرسل]. فهذا مرسل؛ لأن سعيد بن المسيب تابعي والمرسل ضعيف. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال محمد بن إسحاق، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، حدثني ابن العاص: أنه سمع النبي ﷺ قال: (كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا ما كان من يحيى بن زكريا) ابن إسحاق هذا مدلس، وقد عنعن هذا الحديث، فالله أعلم]. فإذا صرح محمد بن إسحاق بالحديث فهو ثقة، وإذا عنعن يكون ضعيفاً بتدليسه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد ﵀: حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة ليس يحيى بن زكريا، وما ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)؛ وهذا أيضاً ضعيف لأن علي بن زيد بن جدعان له منكرات كثيرة. والله أعلم]. وأما قوله: (وما ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى)، فهو ثابت صحيح. وعلي بن زيد بن جدعان ضعيف عند الجمهور، وإن الترمذي ﵀ والشيخ أحمد شاكر يحسنون حديثه، لكنه عند الجمهور ضعيف، كما قال الحافظ ﵀. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أن الحسن قال: إن يحيى وعيسى عليهما الصلاة والسلام التقيا فقال له عيسى: استغفر لي أنت خير مني، فقال له الآخر: أنت خير مني، فقال له عيسى: أ

стр. 523

تفسير سورة مريم [١٦ - ٢٣] اصطفى الله تعالى مريم ﵍ لعبادته، ثم جعلها تحمل بعيسى ﵇ من غير أب آية منه سبحانه وبرهاناً على قدرته، وبين سبحانه أنها الزكية الطاهرة المبرأة من الفحشاء والمنكر.

стр. 524

تفسير قوله تعالى: (واذكر في الكتاب مريم) قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: [قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم:١٦]. لما ذكر تعالى قصة زكريا ﵇ وأنه أوجد منه في حال كبره وعقم زوجته ولداً زكياً طاهراً مباركاً عطف بذكر قصة مريم في إيجاده ولدها عيسى ﵉]. وهذا فيه بيان مناسبة ذكر هذه القصة بعد قصة زكريا، فالقصة الأولى جاء فيها أن الله تعالى رزق زكريا ولداً في غير وقت أوانه؛ وذلك أنه بلغ من الكبر عتياً وامرأته عاقر عقيم، والقصة الثانية جاء فيها ذكر مريم وأن الله رزقها ولداً من دون أب فالله تعالى على كل شيء قدير ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، قال سبحانه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩].

стр. 525

أقسام خلق الله لآدم وذريته وبهذا تتم القصة الرباعية فإن الله قسم بني آدم وذريته إلى أربعة أقسام: القسم الأول: أن يوجد مخلوقاً بلا ذكر ولا أنثى وهو آدم ﵊ فقد خلقه الله بلا ذكر وأنثى وخلقه من تراب. القسم الثاني: أن يوجد مخلوقاً من ذكر بلا أنثى وهي حواء فقد خلقت من ضلع آدم. القسم الثالث: أن يوجد مخلوقاً من أنثى بلا ذكر وهو عيسى ﵊ فقد خلقه الله من مريم بلا أب. والقسم الرابع: سائر الناس من ذكر وأنثى، وتمت بذلك القسمة الرباعية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [منها من غير أب، فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة، ولهذا ذكرهما في آل عمران وهاهنا وفي سورة الأنبياء]. في سورة آل عمران ذكر مريم أولاً ثم ذكر قصة زكريا، وفي سورة مريم قدم قصة زكريا على قصة مريم، وكذلك ذكرهما في سورة الأنبياء متجاورين بعد زكريا: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩]، ثم قال بعدها: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء:٩١]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي سورة الأنبياء يقرن بين القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى؛ ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه، وأنه على ما يشاء قادر، فقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم:١٦]، وهي مريم بنت عمران من سلالة داود ﵇، وكانت من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل، وقد ذكر الله تعالى قصة ولادة أمها لها في آل عمران، وأنها نذرتها محررة أي: تخدم مسجد بيت المقدس، وكانوا يتقربون بذلك]. كما قال الله عنها أنها قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران:٣٥]، يعني: في خدمة بيت المقدس وكانت تظن أنه ذكر، فلما وضعتها أنثى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران:٣٦]، يعني: والأنثى ليست كالذكر فهي قاصرة، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ [آل عمران:٣٦]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران:٣٧]، ونشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة]. لكن لا يوجد في شريعتنا إنسان ينذر ولده خادماً لمسجد؛ لأن معنى ذلك أنه يكون حبيس المسجد ويمتنع عن الأعمال الأخرى. وإذا أراد أن يخدم فلا بأس، لكن بدون نذر، وقد جاء في الحديث: (أن النبي ﷺ عرضت عليه أجور أمته منها القذاة يخرجها الرجل من المسجد)، لكن كونه ينذر فلا يتعدى المسجد، فهذا لا يجوز. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ونشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة فكانت إحدى العابدات الناسكات المشهورات بالعبادة العظيمة والتبتل والدءوب]. التبتل والدءوب يعني: الاستمرار، فالدأب هو الاستمرار. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكانت في كفالة زوج أختها -وقيل خالتها- زكريا نبي بني إسرائيل إذ ذاك وعظيمهم الذي يرجعون إليه في دينهم، ورأى لها زكريا من الكرامات الهائلة ما بهره ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٣٧]، فذكر أنه كان يجد عندها ثمر الشتاء في الصيف، وثمر الصيف في الشتاء كما تقدم بيانه في آل عمران، وأراد الله تعالى وله الحكمة والحجة البالغة أن يوجد منها عبده ورسوله عيسى ﵇ أحد الرسل أولي العزم الخمسة العظام. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلما أراد الله تعالى -وله الحكمة والحجة البالغة- أن يوجد منها عبده ورسوله عيسى ﵇ أحد الرسل أولي العزم الخمسة العظام، ﴿انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم:١٦] أي: اعتزلتهم وتنحت عنهم، وذهبت إلى شرق المسجد المقدس. قال السدي: لحيض أصابها، وقيل لغير ذلك. قال أبو كدينة عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال: إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلى البيت والحج إليه]. هذا ضعيف؛ لأن قابوس بن أبي ظبيان ضعيف. قال: [وما صرفهم عنه إلا قول ربك: ﴿انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم:١٦] قال: خرجت مريم مكاناً شرقياً، وصلوا قبل مطلع الشمس. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير. وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا إسحاق بن شاهين حدثنا خالد بن عبد الله عن داود عن عامر عن ابن عباس قال: إني لأعلم خلق الله لأي شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة؛ لقول الله تعالى: ﴿فانتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم:١٦]، واتخذوا ميلاد عيسى قبلة]. قابوس بن أبي ظبيان: بفتح المعجمة وسكون الموحدة بعدها تحتانية، الجنبي: بفتح الجيم وسكون النون بعدها موحدة، الكوفي، فيه لين. من السادسة. القول الأول: أنه أصابها الدم، وأنها ابتعدت عنهم. هذا هو الأقرب. قال: [وقال قتادة: ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم:١٦]: شاسعاً متنحياً. وقال محمد بن إسحاق: ذهبت بقلتها لتستقي من الماء. وقال نوف البكالي: اتخذت لها منزلاً تتعبد فيه. فالله أعلم. وقوله: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ [مريم:١٧] أي: استترت منهم وتوارت، فأرسل الله تعالى إليها جبريل ﵇، ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم:١٧] أي: على صورة إنسان تام كامل، قال مجاهد والضحاك وقتادة وابن جريج ووهب بن منبه والسدي في قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم:١٧] يعني: جبريل ﵇]. جبريل هو الروح الأمين، (روحنا) يعني: جبريل، وإضافته إلى الله إضافة تشريف، مثل: بيت الله وعبد الله وناقة الله وروح الله، (روحنا) يعني: الروح جبريل، وهو الروح المخلوقة من الأرواح التي خلقها الله، وإضافته إلى الله للتشريف، إضافة مخلوق إلى خالقه. قال: [﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [مريم:١٧] يعني: جبريل ﵇، وهذا الذي قالوه هو ظاهر القرآن، فإنه تعالى قد قال في الآية الأخرى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٤]. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال: إن روح عيسى ﵇ من جملة الأرواح التي أخذ عليها العهد في زمان آدم، وهو الذي تمثل لها بشراً سويا، أي: روح عيسى، فحملت الذي خاطبها وحل في فيها]. الأقرب الأول، وأنه جبريل، وظاهر القرآن. قال: [وهذا في غاية الغرابة والنكارة]. صدق ﵀، فالأقرب هو القول الأول. قال: [وهذا في غاية الغرابة والنكارة، وكأنه إسرائيلي. ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٨] أي: لما تبدى لها الملك في صورة بشر وهي في مكان منفرد، وبينها وبين قومها حجاب خافته وظنت أنه يريدها على نفسها فقالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم:١٨] أي: إن كنت تخاف الله، أي: إن كنت تخاف الله، تذكيراً له بالله، وهذا هو المشروع في الدفع: أن يكون بالأسهل فالأسهل، فخوفته أولاً بالله . قال ابن جرير: حدثني أبو كريب حدثنا أبو بكر عن عاصم قال: قال أبو وائل وذكر قصة مريم فقال: قد علمت أن التقي ذو نهية]. أن التقي ذو نهية: أي: علمت أن التقي عنده شيء ينهاه، عنده مخافة الله تنهاه عن العدوان. نُهَية، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى﴾ [طه:٥٤] النهى: العقل. قال: [قال أبو وائل وذكر قصة مريم فقال: قد علمت أن التقي ذو نهية حين قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم:١٨ - ١٩] أي: فقال لها الملك مجيباً لها ومزيلاً لما حصل عندها من الخوف على نفسها]. في نسخة (ما حصل). قال: [أي: فقال لها الملك مجيباً لها ومزيلاً لما حصل عندها من الخوف على نفسها: لست مما تظنين، ولكني رسول ربك، أي: بعثني إليك، ويقال: إنها لما ذكرت الرحمن انتفض جبريل فرقاً وعاد إلى هيئته]. يعني: وعاد إلى صورته التي خلقها الله عليها. قال: [ويقال: إنها لما ذكرت الرحمن انتفض جبريل فرقاً وعاد إلى هيئته، وقال: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم:١٩] هكذا قرأ أبو عمرو بن العلاء أحد مشهوري القراء، وقرأ الآخرون ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم:١٩] وكلا القراءتين له وجه حسن ومعنى صحيح]. القراءة الأولى: (إنما أنا رسول ربك ليهب لك غلاماً زكياً). يعني: ليهب لك الله، و (لأهب) يعني: لأهب لك بأمر الله. قال: [وكلا القراءتين له وجه حسن ومع

стр. 526

تفسير قوله تعالى: (فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً وكنت نسياً منسياً) قال الله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم:٢٢ - ٢٣]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى مخبراً عن مريم إنها لما قال لها جبريل عن الله تعالى ما قال استسلمت لقضاء الله تعالى، فذكر غير واحد من علماء السلف: أن الملك -وهو جبرائيل ﵇ عند ذلك نفخ في جيب درعها، فنزلت النفخة حتى ولجت في الفرج، فحملت بالولد بإذن الله تعالى، فلما حملت به ضاقت ذرعاً به، ولم تدر ماذا تقول للناس، فإنها تعلم أن الناس لا يصدقونها فيما تخبرهم به غير أنها أفشت سرها وذكرت أمرها لأختها امرأة زكريا، وذلك أن زكريا ﵇ كان قد سأل الله الولد، فأجيب إلى ذلك، فحملت امرأته فدخلت عليها مريم فقامت إليها فاعتنقتها، وقالت: أشعرت يا مريم أني حبلى؟ فقالت لها مريم: وهل علمت أيضاً أني حبلى؟ وذكرت لها شأنها وما كان من خبرها، وكانوا بيت إيمان وتصديق، ثم كانت امرأة زكريا بعد ذلك إذا واجهت مريم تجد الذي في جوفها يسجد للذي في بطن مريم، أي: يعظمه ويخضع له]. الذي في جوفها يحيى، يسجد للذي في بطن مريم وهو عيسى، وكانا ابني خالة، وكلاهما نبي، والله أعلم فهذا الذي ذكر يحتاج إلى دليل. قال: [ثم كانت امرأة زكريا بعد ذلك إذا واجهت مريم تجد الذي في جوفها يسجد للذي في بطن مريم، أي: يعظمه ويخضع له؛ فإن السجود كان في ملتهم عند السلام مشروعاً، كما سجد ليوسف أبواه وإخوته، وكما أمر الله الملائكة أن تسجد لآدم ﵇]. سجود إخوة يوسف سجود تحية وإكرام، وكان جائزاً في شريعتهم، لا سجود عبادة، وسجود الملائكة لآدم كان بأمر الله، فالملائكة أمرهم الله بذلك فهم يسجدون عبادة لله، وفيه تشريف لآدم ﵇، وهو عبادة لله بامتثال أمره. قال: [ولكن حرم في ملتنا هذه تكميلاً لتعظيم جلال الرب تعالى]. ولما جاء معاذ ﵁ إلى النبي ﷺ وسجد له، وأنكر عليه النبي ﷺ ، قال: إنه رأى الروم يسجدون لعظمائهم، وأنت أولى بذلك، فبين له النبي ﷺ أن هذا لا يجوز، والمعروف أن معاذاً لم يذهب إلى الشام إلا بعد بعثة النبي ﷺ . قال: [قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين قال: قرئ على الحارث بن مسكين وأنا أسمع أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم قال: قال مالك ﵀: بلغني أن عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ﵉ ابنا خالة، وكان حملهما جميعاً معاً، فبلغني أن أم يحيى قالت لـ مريم: إني أرى أن ما في بطني يسجد لما في بطنك، قال مالك: أرى ذلك لتفضيل عيسى ﵇؛ لأن الله جعله يحيي الموتى، ويبرىء الأكمه والأبرص]. قوله: (بلغني) معناه أن رواية مالك منقطعة. قال: [ثم اختلف المفسرون في مدة حمل عيسى ﵇، فالمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر، وقال عكرمة: ثمانية أشهر، قال: ولهذا لا يعيش ولد الثمانية أشهر، وقال ابن جريج: أخبرني المغيرة بن عتبة بن عبد الله الثقفي سمع ابن عباس وسئل عن حمل مريم، قال: لم يكن إلا أن حملت فوضعت، وهذا غريب، وكأنه مأخوذ من ظاهر قوله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٢ - ٢٣]، فالفاء وإن كانت للتعقيب، لكن تعقيب كل شيء بحسبه، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٤] فهذه الفاء للتعقيب بحسبها. وقد ثبت في الصحيحين: أن بين كل صفتين أربعين يوماً وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج:٦٣]، فالمشهور الظاهر -والله على كل شيء قدير-: أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن، ولهذا لما ظهرت مخايل الحمل بها، وكان معها في المسجد رجل صالح من قراباتها يخدم معها البيت المقدس يقال له: يوسف النجار، فلما رأى ثقل بطنها وكبره أنكر ذلك من أمرها، ثم صرفه ما يعلم من براءتها ونزاهتها ودينها وعبادتها، ثم تأمل ما هي فيه فجعل أمرها يجوس في فكره لا يستطيع صرفه عن نفسه، فحمل نفسه على أن عرَّض لها في القول، فقال: يا مريم! إني سائلك عن أمر فلا تعجلي علي. قالت: وما هو؟ قال: هل يكون قط شجر من غير حب، وهل يكون زرع من غير بذر، وهل يكون ولد من غير أب؟ فقالت: نعم، وفهمت ما أشار إليه. أما قولك: هل يكون شجر من غير حب، وزرع من غير بذر؟ فإن الله قد خلق الشجر والزرع أول ما خلقهما من غير حب ولا بذر، وهل يكون ولد من غير أب؟ فإن الله تعالى قد خلق آدم من غير أب ولا أم، فصدقها وسلم لها حالها. ولما استشعرت مريم من قومها اتهامها بالريبة انتبذت منهم مكانا قصياً، أي: قاصياً منهم بعيداً عنهم لئلا تراهم ولا يروها]. هذا يوسف النجار هو الذي كان اليهود يتهمونها به، ويقولون: إن عيسى هو ابن يوسف النجار، وهذا القول الذي ذكره المؤلف ﵀ غريب، فرجل وامرأة في مكان واحد وإن كان رجلاً صالحاً يخدم معها ويسألها هذا بعيد، ولو كان رجلاً صالحاً لابد أن يكون بينهما فاصل. قال: [قال محمد بن إسحاق: فلما حملت به وملأت قلتها ورجعت استمسك عنها الدم وأصابها ما يصيب الحامل على الولد من الوصب والتوحم وتغير اللون، حتى فَطر لسانها، فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل زكريا، وشاع الحديث في بني إسرائيل، فقالوا: إنما صاحبها يوسف]. يعني: يوسف النجار. [فقالوا: إنما صاحبها يوسف، ولم يكن معها في الكنيسة غيره، وتوارت من الناس واتخذت من دونهم حجاباً، فلا يراها أحد ولا تراه. وقوله: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٣]، أي: فاضطرها وألجأها الطلق إلى جذع نخلة في المكان الذي تنحت إليه، وقد اختلفوا فيه. فقال السدي: كان شرقي محرابها الذي تصلي فيه من بيت المقدس. وقال وهب بن منبه: ذهبت هاربة، فلما كانت بين الشام وبلاد مصر ضربها الطلق]. هذا من أخبار بني إسرائيل وهو بعيد. قال: [وفي رواية عن وهب: كان ذلك على ثمانية أميال من بيت المقدس في قرية هناك يقال لها: بيت لحم، قلت: وقد تقدم في أحاديث الإسراء من رواية النسائي عن أنس ﵁، والبيهقي عن شداد بن أوس ﵁: أن ذلك ببيت لحم، فالله أعلم، وهذا هو المشهور الذي تلقاه الناس بعضهم عن بعض، ولا يشك فيه النصارى أنه ببيت لحم]. ولهذا النصارى تجمعوا في بيت لحم في الألفية لعيدهم؛ لأنه مكان ميلاد عيسى في نظرهم. قال: [ولا يشك فيه النصارى أنه ببيت لحم، وقد تلقاه الناس، وقد ورد به الحديث إن صح. وقوله تعالى إخباراً عنها: ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم:٢٣] فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد، ولا يصدقونها في خبرها، وبعدما كانت عندهم عابدة ناسكة تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية، فقالت: ((يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا))، أي: قبل هذا الحال، ((وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا)) أي: لم أخلق ولم أك شيئاً، قاله ابن عباس. وقال السدي: قالت وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس: يا ليتني مت قبل هذا الكرب الذي أنا فيه والحزن بولادتي المولود من غير بعل. ((وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا)) نسي فترك طلبه كَخِرَقِ الحيض إذا ألقيت وطرحت لم تطلب ولم تذكر، وكذلك كل شيء نسي وترك فهو نسي. وقال قتادة: ((وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا)) أي: شيئاً لا يعرف ولا يذكر ولا يدرى من أنا. وقال الربيع بن أنس: ((وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا)) هو السقط. وقال ابن زيد: لم أكن شيئاً قط، وقد قدمنا الأحاديث الدالة على النهي عن تمني الموت إلا عند الفتنة عند قوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١]]. تمني الموت منهي عنه، قال النبي ﷺ : (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به)، وفي الحديث الآخر: (فإن كان لابد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني إذا كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)، وفي الحديث الآخر: (لا يتمن أحدكم الموت؛ فإن عمر المؤمن لا يزيده إلا خيراً)، لكن أجاز بعضهم هذا عند الفتن، وبعضهم استدل بقوله تعالى عن يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١]، لكن هذه الآية ليس فيها دليل لهم؛ لأنه سؤال بالوفاة على الإسلام، لا بمطلق الوفاة، أو بالوفاة الآن.

стр. 527

تفسير سورة مريم [٢٤ - ٣٣] فزعت مريم ﵍ من الحمل من غير أب، وهجمت عليها الغموم من كل جانب حتى تمنت أن لم تكن ولدت وأنها كانت نسياً منسياً، فأنطق الله وليدها بما يجعلها تطمئن وتركن إلى أن الله لن يخذلها.

стр. 528

تفسير قوله تعالى: (فناداها من تحتها ألا تحزني فلن أكلم اليوم إنسياً) قال الله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٤ - ٢٦]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قرأ بعضهم: (مَنْ تَحْتِهَا) بمعنى: الذي تحتها، وقرأ الآخرون: (مِنْ تَحْتِهَا) على أنه حرف جر. واختلف المفسرون في المراد بذلك من هو؟ فقال العوفي وغيره عن ابن عباس ﵄: فناداها من تحتها جبريل ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها، وكذا قال سعيد بن جبير والضحاك وعمرو بن ميمون والسدي وقتادة: أنه الملك جبرائيل ﵊، أي: ناداها من أسفل الوادي. وقال مجاهد: (فناداها من تحتها) قال: عيسى ابن مريم ﵊، وكذا قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، قال: قال الحسن: هو ابنها، وهي إحدى الروايتين عن سعيد بن جبير: أنه ابنها، قال: أولم تسمع الله يقول: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم:٢٩] واختاره ابن زيد وابن جرير في تفسيره. وقوله: ((أَلَّا تَحْزَنِي)) أي: ناداها قائلاً: لا تحزني ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قال سفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب: ((قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا))، قال: الجدول، وكذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: السري النهر، وبه قال عمرو بن ميمون: نهر تشرب منه. وقال مجاهد: هو النهر بالسريانية. وقال سعيد بن جبير: السري النهر الصغير بالنبطية. وقال الضحاك: هو النهر الصغير بالسريانية]. السريانية لغة النصارى، كما أن العبرانية لغة اليهود. قال: [وقال إبراهيم النخعي: هو النهر الصغير، وقال قتادة: هو الجدول بلغة أهل الحجاز، وقال وهب بن منبه: السري هو ربيع الماء، وقال السدي: هو النهر، واختار هذا القول ابن جرير. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع، فقال الطبراني: حدثنا أبو شعيب الحراني حدثنا يحيى بن عبد الله البابلتي]. البابلّتي بتشديد اللام. قال: [حدثنا يحيى بن عبد الله البابلّتي حدثنا أيوب بن نهيك سمعت عكرمة مولى ابن عباس ﵄، سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن السري الذي قال الله لـ مريم: ((قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا)) [مريم:٢٤] نهر أخرجه الله لتشرب منه)، وهذا حديث غريب جداً من هذا الوجه. وأيوب بن نهيك هذا هو الحبلي، قال فيه أبو حاتم الرازي: ضعيف، وقال أبو زرعة: منكر الحديث وقال أبو الفتح الأزدي: متروك الحديث. وقال آخرون: المراد بالسري عيسى ﵇]. لا يعتمد على هذا الحديث، لأنه ضعيف، والظاهر أنه جدول ماء أو نهر موجود، أما القول بأنه أخرجه الله في الحال فإنما جاء في هذا الحديث الضعيف. قال: [وقال آخرون: المراد بالسري عيسى ﵇، وبه قال الحسن والربيع بن أنس ومحمد بن عباد بن جعفر، وهو إحدى الروايتين عن قتادة، وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والقول الأول أظهر، ولهذا قال بعده: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٥] أي: وخذي إليك بجذع النخلة، قيل: كانت يابسة. قاله ابن عباس ﵄، وقيل: مثمرة، قال مجاهد: كانت عجوة. وقال الثوري عن أبي داود نفيع الأعمى: كانت صرفانة]. المهم أنها نخلة، لكن هل مثمرة أو غير مثمرة؟ إن لم تكن مثمرة فهو من الكرامات، كما كانت تأتيها الثمرة من قبل إلى المحراب حيث كانت تأتيها فاكهة الشتاء في زمن الصيف، وفاكهة الصيف في زمن الشتاء. قال: [والظاهر أنها كانت شجرة، ولكن لم تكن في إبان ثمرها، قاله وهب بن منبه، ولهذا امتن عليها بذلك بأن جعل عندها طعاماً وشراباً، فقال: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم:٢٥ - ٢٦] أي: طيبي نفساً، ولهذا قال عمرو بن ميمون: ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب، ثم تلا هذه الآية الكريمة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين حدثنا شيبان حدثنا مسرور بن سعيد التميمي حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي عن عروة بن روي م عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم ﵊، وليس من الشجر شيء يلقح غيرها)]. هذا حديث ضعيف بل موضوع. ولعل آفته مسرور هذا، وقد ذكر في الأحاديث الموضوعة ذكره ابن الجوزي وغيره، وابن القيم ذكره في الأحاديث الموضوعة، لكن هذا معناه أنه يكون ضعيفاً لا موضوعاً. لكن الموضوع هو الذي يكون في سنده كذاب، والذي في سنده متهم يكون ضعيفاً جداً، ولا يصل إلى درجة الوضع. قال: [وقال رسول الله ﷺ : (أطعموا نساءكم الولد الرطب)]. (أطعموا نساءكم الولَّد)، يعني: الوالدات. قال: [وقال رسول الله ﷺ : (أطعموا نساءكم الولَّد الرطب؛ فإن لم يكن رطب فتمر، وليس من الشجر شجرة أكرم على الله من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران)، هذا حديث منكر جداً، ورواه أبو يعلى عن شيبان به]. يكون آفته مسرور، والحديث هذا غير موضوع لكنه ضعيف. قال: [وقرأ بعضهم: ﴿تُسَاقِطْ﴾ [مريم:٢٥] بتشديد السين وآخرون بتخفيفها، وقرأ أبو نهيك: (تُسقط عليك رطباً جنياً). وروى أبو إسحاق عن البراء أنه قرأها: (يُساقط) أي: الجذع، والكل متقارب]. الأقرب أن الذي ناداها عيسى؛ لأنها بعد ذلك لما ذهبت إلى قومها تحمله، فسألوها فأشارت إليه، يعني: كلموه؛ لأنه كلمها قبل ذلك، فالأقرب أنه الذي كلمها وناداها من تحتها. قال: [وقوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم:٢٦] أي: مهما رأيت من أحد: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٦] المراد بهذا القول الإشارة إليه بذلك، لا أن المراد به القول اللفظي؛ لئلا ينافي: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٦]]. (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) يعني: إذا سألوها قولي: إني نذرت للرحمن، يعني: تشير أنا لا أتكلم، أنا عندي نذر، تشير بيدها، (فقولي) فأطلق القول على الإشارة، يعني: فأشيري لهم أني نذرت ألا أكلم أحداً، وإلا فكيف تقول: (إني نذرت ألا أكلم) ثم تتكلم، المراد بالقول هنا الإشارة، (فقولي) فعبر بالقول عن الإشارة. قال: [المراد بهذا القول الإشارة إليه بذلك، لا أن المراد به القول اللفظي؛ لئلا ينافي: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٦]. قال أنس بن مالك في قوله: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم:٢٦] قال: صمتاً، وكذا قال ابن عباس والضحاك، وفي رواية عن أنس: صوماً وصمتاً، وكذا قال قتادة وغيرهما. والمراد أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم يحرم عليهم الطعام والكلام، نص على ذلك السدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد. قال ابن إسحاق عن حارثة قال: كنت عند ابن مسعود فجاء رجلان فسلم أحدهما ولم يسلم الآخر، فقال: ما شأنك؟ قال أصحابه: حلف أن لا يكلم الناس اليوم، فقال عبد الله بن مسعود ﵁: كلم الناس وسلم عليهم، فإن تلك امرأة علمت أن أحداً لا يصدقها أنها حملت من غير زوج. يعني بذلك مريم عليها الصلاة السلام؛ ليكون عذراً لها إذا سئلت، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير رحمهما الله. وقال عبد الرحمن بن زيد: لما قال عيسى ﵊ لـ مريم: ((لَّا تَحْزَنِي)) قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي لا ذات زوج ولا مملوكة؟ أي شيء عذري عند الناس؟ يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً. قال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام: ﴿فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٦]، قال: هذا ك

стр. 529

تفسير قوله تعالى: (فأتت به قومها تحمله) قال الإمام ابن كثير ﵀: [قال الله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ ?وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم:٢٧ - ٣٣]. يقول تعالى مخبراً عن مريم حين أمرت أن تصوم يومها ذلك، وأن لا تكلم أحداً من البشر، فإنها ستكفى أمرها، ويقام بحجتها، فسلمت لأمر الله ، واستسلمت لقضائه، وأخذت ولدها فأتت به قومها تحمله، فلما رأوها كذلك أعظموا أمرها واستنكروه جداً وقالوا: يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً، أي: أمراً عظيماً، قاله مجاهد وقتادة والسدي وغير واحد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن أبي زياد حدثنا سيار حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا أبو عمران الجوني عن نوف البكالي، قال: وخرج قومها في طلبها، وكانت من أهل بيت نبوة وشرف، فلم يحسوا منها شيئاً، فرءوا راعي بقر فقالوا: رأيت فتاة كذا وكذا نعتها؟ قال: لا، ولكني رأيت الليلة من بقري ما لم أره منها قط، قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيتها سجداً نحو هذا الوادي. قال عبد الله بن زياد: وأحفظ عن سيار أنه قال: رأيت نوراً ساطعاً، فتوجهوا حيث قال لهم، فاستقبلتهم مريم، فلما رأتهم قعدت وحملت ابنها في حجرها، فجاءوا حتى قاموا عليها: ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم:٢٧] أمراً عظيماً ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم:٢٨] أي: يا شبيهة هارون في العبادة ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم:٢٨] أي: أنت من بيت طيب طاهر معروف بالصلاح والعبادة والزهادة، فكيف صدر هذا منك؟ قال علي بن أبي طلحة والسدي: قيل لها: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ أي: أخي موسى، وكانت من نسله، كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، وللمضري: يا أخا مضر. وقيل: نسبت إلى رجل صالح كان فيهم اسمه هارون، فكانت تقاس به في العبادة والزهادة. وحكى ابن جرير عن بعضهم: أنهم شبهوها برجل فاجر كان فيهم يقال له: هارون، ورواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير. وأغرب من هذا كله ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين الهسنجاني حدثنا ابن أبي مريم حدثنا المفضل بن فضالة قال: حدثنا أبو صخر عن القرظي في قوله الله : ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم:٢٨]، قال: هي أخت هارون لأبيه وأمه، وهي أخت موسى أخي هارون التي قصت أثر موسى، ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص:١١]]. هذا بعيد؛ لأن بين مريم وبين موسى وهارون ما يقرب من ألف عام، وإنما قالوا: (يا أخت هارون) لأنهم يسمون بأسماء الأنبياء، أو أنه رجل صالح في زمانهم. وأما القول بأنه رجل فاجر فبعيد أيضاً؛ لأنهم قالوا لها: (يا أخت هارون) أنت معروفة بالعبادة، (ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً) فهم يقولون: كيف يحصل هذا منك وأنت شبيهة بهارون أو أخت هارون، وكانوا يسمون بأسماء أنبيائهم. وكذلك القول بأنها أخت هارون النبي بعيد، فبينها وبينه دهور من الزمان؛ لأن موسى أول أنبياء بني إسرائيل، وعيسى آخر أنبياء بني إسرائيل، فكيف تكون أختاً لهارون؟! لا يمكن. قال: [وهذا القول خطأ محض؛ فإن الله تعالى قد ذكر في كتابه أنه قفى بعيسى بعد الرسل، فدل على أنه آخر الأنبياء]. هو آخر أنبياء بني إسرائيل، وليس بينه وبين نبينا نبي، وليس بعده نبي إلا نبينا محمد ﷺ ، وموسى أول أنبياء بني إسرائيل، وبين موسى وعيسى أنبياء كثيرون وأمم لا يحصيهم إلا الله، داوود وسليمان ويحيى وزكريا كثير من الأنبياء، كلهم جاءوا بعد موسى، وكلفوا بالعمل بالتوراة، فكان آخرهم عيسى. قال: [فدل على أنه آخر الأنبياء بعثاً، وليس بعده إلا محمد صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا ثبت في الصحيح عند البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: (أنا أولى الناس بابن مريم، إلا أنه ليس بيني وبينه نبي)]. ما جاء في الصحيحين: (أنا أولى الناس بابن مريم، إنه ليس بيني وبينه نبي)، بدون ذكر الاستثناء. وهذا الحديث: (أنا أولى الناس بابن مريم، إنه ليس بيني وبينه نبي)، يدل على ضعف الحديث الذي فيه أن هناك نبياً في هذه الفترة اسمه خالد بن سنان، فليس هناك نبي بعد عيسى إلا نبينا محمد. قال: [(أنا أولى الناس بابن مريم، إنه ليس بيني وبينه نبي)، ولو كان الأمر كما زعم محمد بن كعب القرظي لم يكن متأخراً عن الرسل سوى محمد ﷺ ، ولكان قبل سليمان وداود]. معنى هذا إذا كانت مريم أختاً لهارون تكون قبل سليمان وداود، وهذا بعيد. يقولون: قول القرظي بأن مريم أخت لهارون النبي أخي موسى، على هذا يكون عيسى وموسى ليس بينهما نبي، والله تعالى يقول: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ [البقرة:٨٧] أخبر الله تعالى أنه قفى بعد موسى برسل كثيرين، ثم جاء عيسى، فهذا يدل على بطلان هذا القول؛ لأن الله أخبر أنه قفى بعد موسى بالرسل، ثم بعد ذلك أرسل الله عيسى. قال: [ولكان قبل سليمان وداود، فإن الله قد ذكر أن داود بعد موسى ﵉ في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٦]، فذكر القصة إلى أن قال: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ [البقرة:٢٥١] الآية. والذي جرأ القرظي على هذه المقالة: ما في التوراة بعد خروج موسى وبني إسرائيل من البحر، وإغراق فرعون وقومه، قال: وكانت مريم بنت عمران أخت موسى وهارون النبيين تضرب بالدف هي والنساء معها، يسبحن الله ويشكرنه على ما أنعم به على بني إسرائيل، فاعتقد القرظي أن هذه هي أم عيسى، وهي هفوة وغلطة شديدة، بل هي باسم هذه]. يعني: إن صح ما في التوراة، ولم يكن محرفاً؛ تكن مريم بنت عمران أخت موسى اسمها كذلك، وليست هي أم عيسى، أي أن موسى بن عمران له أخت اسمها مريم غير مريم أم عيسى، هذا لو صح ما في التوراة مع أنه لا يعتمد على ما في التوراة، والتوراة التي في أيديهم حرفت على أيدي بني إسرائيل. قال: [وهذه هفوة وغلطة شديدة، بل هي باسم هذه، وقد كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم وصالحيهم، كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن إدريس سمعت أبي يذكره عن سماك عن علقمة بن وائل عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى نجران، فقالوا: أرأيت ما تقرءون: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم:٢٨] وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: (ألا أخبرتهم أنهم كانوا يتسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم)، انفرد بإخراجه مسلم والترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن إدريس عن أبيه عن سماك به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن إدريس]. هذا قوله: (يا أخت هارون) , هارون سمي باسم هارون النبي، وهي سميت باسم مريم، فعلى هذا ليس المراد هارون النبي لأن بينهما دهوراً، وإنما هارون آخر سمي باسم هارون النبي. قال: [وقال ابن جرير: حدثني يعقوب حدثنا ابن علية عن سعيد بن أبي صدقة عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن كعباً قال: إن قوله: ((يَا أُخْتَ هَارُونَ)) ليس بهارون أخي موسى، قال: فقالت له عائشة: كذبت، قال: يا أم المؤمنين! إن كان النبي ﷺ قاله فهو أعلم وأخبر، وإلا فإني أجد بينهما ستمائة سنة، قال: فسكتت، وفي هذا التاريخ نظر]. ثم أيضاً هو منقطع، قال محمد بن سيرين: نبئت. من الذي نبأه؟ فيه انقطاع، والأقرب أنه أكثر من ستمائة سنة بين موسى وعيسى، بل لعله يقارب ألف سنة. قال: [وقال ابن جرير أيضا: حدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة قوله: ﴿

стр. 530

تفسير قوله تعالى: (وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً) قال تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم:٣٢]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ [مريم:٣٢] أي وأمرني ببر والدتي ذكره بعد طاعة ربه؛ لأن الله تعالى كثيراً ما يقرن بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣] وقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤]. وقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم:٣٢] أي: ولم يجعلني جباراً مستكبراً عن عبادته وطاعته وبر والدتي فأشقى بذلك. وقال سفيان الثوري: الجبار الشقي الذي يقبل على الغضب -وفي نسخة يقتل- وقال بعض السلف: لا تجد أحداً عاقاً لوالديه إلا وجدته جباراً شقياً ثم قرأ: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم:٣٢] قال: ولا تجد سيئ الملكة إلا وجدته مختالاً فخوراً ثم قرأ: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء:٣٦]]. وفي الحاشية قال: سيئ الملكة: الذي يسيء إلى صحبه ومماليكه، يقال: وهو سيئ الملكة والملك، وحسن الملكة والملك. قال: [قال قتادة: ذكر لنا أن امرأة رأت ابن مريم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص في آيات سلطه الله عليهن وأذن له فيهن فقالت: طوبى للبطن الذي حملك، وطوبى للثدي الذي أرضعت به، فقال نبي الله عيسى ﵇ يجيبها: طوبى لمن تلا كلام الله فاتبع ما فيه ولم يكن جباراً شقياً]. وهذه من الآيات التي أوتيها عيسى ﵇، أنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، وذلك أن الله أعطى كل نبي من الآيات والمعجزات ما هو من جنس ما تفوق به قومه، وكان الناس في زمن عيسى تفوقوا في الطب وبلغوا فيه شأواً بعيداً، فأعطاه الله من الآيات أنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، فعرفوا أن هذا من الله، يحيي الموتى يعني: كما قال الله: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ [المائدة:١١٠]. تخلق يعني: تصور من الطين على شكل طير ثم ينفخ فيه فيحييه الله، فعيسى منه التصوير والتغيير والنفخ والإحياء من الله. وكذلك يبرئ الأكمه، والأكمه هو الذي لم يشق له عين، ثم يبرئه عيسى بإذن الله فيكون مبصراً، وكذلك يبرئ الأبرص، وهذه من الآيات التي أوتيها، ولما كان الناس في زمن موسى ﵇ بلغوا في السحر شأواً بعيداً، أعطى الله موسى العصا وفاق به ما عند السحرة حتى إذا وضعها صارت حيه تسعى، وإذا أخذها عادت عصا. ولما جمع السحرة من أجل المناظرة، جمعوا الحبال والعصي وجعلوا فيها الزئبق فكانت تتلوى كأنها حيات وامتلأ الوادي، وأوجس في نفسه خيفة موسى قال الله له: لا تخف وألق ما في يدك، فوضع العصا فصارت حية عظيمة وابتلعت جميع ما في الوادي، فعند ذلك خر السحرة سجداً لله وآمنوا بالله، قالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف:١٢١ - ١٢٢] وأن هذا ليس من صنع البشر وإنما هو من عند الله.
следующие страницы →