← Тафсир

Тафсир · id 37048

شرح تفسير ابن كثير - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (873 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

تفسير قوله تعالى: (فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً وكنت نسياً منسياً) قال الله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم:٢٢ - ٢٣]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى مخبراً عن مريم إنها لما قال لها جبريل عن الله تعالى ما قال استسلمت لقضاء الله تعالى، فذكر غير واحد من علماء السلف: أن الملك -وهو جبرائيل ﵇ عند ذلك نفخ في جيب درعها، فنزلت النفخة حتى ولجت في الفرج، فحملت بالولد بإذن الله تعالى، فلما حملت به ضاقت ذرعاً به، ولم تدر ماذا تقول للناس، فإنها تعلم أن الناس لا يصدقونها فيما تخبرهم به غير أنها أفشت سرها وذكرت أمرها لأختها امرأة زكريا، وذلك أن زكريا ﵇ كان قد سأل الله الولد، فأجيب إلى ذلك، فحملت امرأته فدخلت عليها مريم فقامت إليها فاعتنقتها، وقالت: أشعرت يا مريم أني حبلى؟ فقالت لها مريم: وهل علمت أيضاً أني حبلى؟ وذكرت لها شأنها وما كان من خبرها، وكانوا بيت إيمان وتصديق، ثم كانت امرأة زكريا بعد ذلك إذا واجهت مريم تجد الذي في جوفها يسجد للذي في بطن مريم، أي: يعظمه ويخضع له]. الذي في جوفها يحيى، يسجد للذي في بطن مريم وهو عيسى، وكانا ابني خالة، وكلاهما نبي، والله أعلم فهذا الذي ذكر يحتاج إلى دليل. قال: [ثم كانت امرأة زكريا بعد ذلك إذا واجهت مريم تجد الذي في جوفها يسجد للذي في بطن مريم، أي: يعظمه ويخضع له؛ فإن السجود كان في ملتهم عند السلام مشروعاً، كما سجد ليوسف أبواه وإخوته، وكما أمر الله الملائكة أن تسجد لآدم ﵇]. سجود إخوة يوسف سجود تحية وإكرام، وكان جائزاً في شريعتهم، لا سجود عبادة، وسجود الملائكة لآدم كان بأمر الله، فالملائكة أمرهم الله بذلك فهم يسجدون عبادة لله، وفيه تشريف لآدم ﵇، وهو عبادة لله بامتثال أمره. قال: [ولكن حرم في ملتنا هذه تكميلاً لتعظيم جلال الرب تعالى]. ولما جاء معاذ ﵁ إلى النبي ﷺ وسجد له، وأنكر عليه النبي ﷺ ، قال: إنه رأى الروم يسجدون لعظمائهم، وأنت أولى بذلك، فبين له النبي ﷺ أن هذا لا يجوز، والمعروف أن معاذاً لم يذهب إلى الشام إلا بعد بعثة النبي ﷺ . قال: [قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين قال: قرئ على الحارث بن مسكين وأنا أسمع أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم قال: قال مالك ﵀: بلغني أن عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ﵉ ابنا خالة، وكان حملهما جميعاً معاً، فبلغني أن أم يحيى قالت لـ مريم: إني أرى أن ما في بطني يسجد لما في بطنك، قال مالك: أرى ذلك لتفضيل عيسى ﵇؛ لأن الله جعله يحيي الموتى، ويبرىء الأكمه والأبرص]. قوله: (بلغني) معناه أن رواية مالك منقطعة. قال: [ثم اختلف المفسرون في مدة حمل عيسى ﵇، فالمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر، وقال عكرمة: ثمانية أشهر، قال: ولهذا لا يعيش ولد الثمانية أشهر، وقال ابن جريج: أخبرني المغيرة بن عتبة بن عبد الله الثقفي سمع ابن عباس وسئل عن حمل مريم، قال: لم يكن إلا أن حملت فوضعت، وهذا غريب، وكأنه مأخوذ من ظاهر قوله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٢ - ٢٣]، فالفاء وإن كانت للتعقيب، لكن تعقيب كل شيء بحسبه، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٤] فهذه الفاء للتعقيب بحسبها. وقد ثبت في الصحيحين: أن بين كل صفتين أربعين يوماً وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج:٦٣]، فالمشهور الظاهر -والله على كل شيء قدير-: أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن، ولهذا لما ظهرت مخايل الحمل بها، وكان معها في المسجد رجل صالح من قراباتها يخدم معها البيت المقدس يقال له: يوسف النجار، فلما رأى ثقل بطنها وكبره أنكر ذلك من أمرها، ثم صرفه ما يعلم من براءتها ونزاهتها ودينها وعبادتها، ثم تأمل ما هي فيه فجعل أمرها يجوس في فكره لا يستطيع صرفه عن نفسه، فحمل نفسه على أن عرَّض لها في القول، فقال: يا مريم! إني سائلك عن أمر فلا تعجلي علي. قالت: وما هو؟ قال: هل يكون قط شجر من غير حب، وهل يكون زرع من غير بذر، وهل يكون ولد من غير أب؟ فقالت: نعم، وفهمت ما أشار إليه. أما قولك: هل يكون شجر من غير حب، وزرع من غير بذر؟ فإن الله قد خلق الشجر والزرع أول ما خلقهما من غير حب ولا بذر، وهل يكون ولد من غير أب؟ فإن الله تعالى قد خلق آدم من غير أب ولا أم، فصدقها وسلم لها حالها. ولما استشعرت مريم من قومها اتهامها بالريبة انتبذت منهم مكانا قصياً، أي: قاصياً منهم بعيداً عنهم لئلا تراهم ولا يروها]. هذا يوسف النجار هو الذي كان اليهود يتهمونها به، ويقولون: إن عيسى هو ابن يوسف النجار، وهذا القول الذي ذكره المؤلف ﵀ غريب، فرجل وامرأة في مكان واحد وإن كان رجلاً صالحاً يخدم معها ويسألها هذا بعيد، ولو كان رجلاً صالحاً لابد أن يكون بينهما فاصل. قال: [قال محمد بن إسحاق: فلما حملت به وملأت قلتها ورجعت استمسك عنها الدم وأصابها ما يصيب الحامل على الولد من الوصب والتوحم وتغير اللون، حتى فَطر لسانها، فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل زكريا، وشاع الحديث في بني إسرائيل، فقالوا: إنما صاحبها يوسف]. يعني: يوسف النجار. [فقالوا: إنما صاحبها يوسف، ولم يكن معها في الكنيسة غيره، وتوارت من الناس واتخذت من دونهم حجاباً، فلا يراها أحد ولا تراه. وقوله: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٣]، أي: فاضطرها وألجأها الطلق إلى جذع نخلة في المكان الذي تنحت إليه، وقد اختلفوا فيه. فقال السدي: كان شرقي محرابها الذي تصلي فيه من بيت المقدس. وقال وهب بن منبه: ذهبت هاربة، فلما كانت بين الشام وبلاد مصر ضربها الطلق]. هذا من أخبار بني إسرائيل وهو بعيد. قال: [وفي رواية عن وهب: كان ذلك على ثمانية أميال من بيت المقدس في قرية هناك يقال لها: بيت لحم، قلت: وقد تقدم في أحاديث الإسراء من رواية النسائي عن أنس ﵁، والبيهقي عن شداد بن أوس ﵁: أن ذلك ببيت لحم، فالله أعلم، وهذا هو المشهور الذي تلقاه الناس بعضهم عن بعض، ولا يشك فيه النصارى أنه ببيت لحم]. ولهذا النصارى تجمعوا في بيت لحم في الألفية لعيدهم؛ لأنه مكان ميلاد عيسى في نظرهم. قال: [ولا يشك فيه النصارى أنه ببيت لحم، وقد تلقاه الناس، وقد ورد به الحديث إن صح. وقوله تعالى إخباراً عنها: ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم:٢٣] فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد، ولا يصدقونها في خبرها، وبعدما كانت عندهم عابدة ناسكة تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية، فقالت: ((يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا))، أي: قبل هذا الحال، ((وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا)) أي: لم أخلق ولم أك شيئاً، قاله ابن عباس. وقال السدي: قالت وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس: يا ليتني مت قبل هذا الكرب الذي أنا فيه والحزن بولادتي المولود من غير بعل. ((وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا)) نسي فترك طلبه كَخِرَقِ الحيض إذا ألقيت وطرحت لم تطلب ولم تذكر، وكذلك كل شيء نسي وترك فهو نسي. وقال قتادة: ((وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا)) أي: شيئاً لا يعرف ولا يذكر ولا يدرى من أنا. وقال الربيع بن أنس: ((وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا)) هو السقط. وقال ابن زيد: لم أكن شيئاً قط، وقد قدمنا الأحاديث الدالة على النهي عن تمني الموت إلا عند الفتنة عند قوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١]]. تمني الموت منهي عنه، قال النبي ﷺ : (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به)، وفي الحديث الآخر: (فإن كان لابد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني إذا كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)، وفي الحديث الآخر: (لا يتمن أحدكم الموت؛ فإن عمر المؤمن لا يزيده إلا خيراً)، لكن أجاز بعضهم هذا عند الفتن، وبعضهم استدل بقوله تعالى عن يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف:١٠١]، لكن هذه الآية ليس فيها دليل لهم؛ لأنه سؤال بالوفاة على الإسلام، لا بمطلق الوفاة، أو بالوفاة الآن.

стр. 527

تفسير سورة مريم [٢٤ - ٣٣] فزعت مريم ﵍ من الحمل من غير أب، وهجمت عليها الغموم من كل جانب حتى تمنت أن لم تكن ولدت وأنها كانت نسياً منسياً، فأنطق الله وليدها بما يجعلها تطمئن وتركن إلى أن الله لن يخذلها.

стр. 528

تفسير قوله تعالى: (فناداها من تحتها ألا تحزني فلن أكلم اليوم إنسياً) قال الله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٤ - ٢٦]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قرأ بعضهم: (مَنْ تَحْتِهَا) بمعنى: الذي تحتها، وقرأ الآخرون: (مِنْ تَحْتِهَا) على أنه حرف جر. واختلف المفسرون في المراد بذلك من هو؟ فقال العوفي وغيره عن ابن عباس ﵄: فناداها من تحتها جبريل ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها، وكذا قال سعيد بن جبير والضحاك وعمرو بن ميمون والسدي وقتادة: أنه الملك جبرائيل ﵊، أي: ناداها من أسفل الوادي. وقال مجاهد: (فناداها من تحتها) قال: عيسى ابن مريم ﵊، وكذا قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، قال: قال الحسن: هو ابنها، وهي إحدى الروايتين عن سعيد بن جبير: أنه ابنها، قال: أولم تسمع الله يقول: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم:٢٩] واختاره ابن زيد وابن جرير في تفسيره. وقوله: ((أَلَّا تَحْزَنِي)) أي: ناداها قائلاً: لا تحزني ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قال سفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب: ((قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا))، قال: الجدول، وكذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: السري النهر، وبه قال عمرو بن ميمون: نهر تشرب منه. وقال مجاهد: هو النهر بالسريانية. وقال سعيد بن جبير: السري النهر الصغير بالنبطية. وقال الضحاك: هو النهر الصغير بالسريانية]. السريانية لغة النصارى، كما أن العبرانية لغة اليهود. قال: [وقال إبراهيم النخعي: هو النهر الصغير، وقال قتادة: هو الجدول بلغة أهل الحجاز، وقال وهب بن منبه: السري هو ربيع الماء، وقال السدي: هو النهر، واختار هذا القول ابن جرير. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع، فقال الطبراني: حدثنا أبو شعيب الحراني حدثنا يحيى بن عبد الله البابلتي]. البابلّتي بتشديد اللام. قال: [حدثنا يحيى بن عبد الله البابلّتي حدثنا أيوب بن نهيك سمعت عكرمة مولى ابن عباس ﵄، سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن السري الذي قال الله لـ مريم: ((قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا)) [مريم:٢٤] نهر أخرجه الله لتشرب منه)، وهذا حديث غريب جداً من هذا الوجه. وأيوب بن نهيك هذا هو الحبلي، قال فيه أبو حاتم الرازي: ضعيف، وقال أبو زرعة: منكر الحديث وقال أبو الفتح الأزدي: متروك الحديث. وقال آخرون: المراد بالسري عيسى ﵇]. لا يعتمد على هذا الحديث، لأنه ضعيف، والظاهر أنه جدول ماء أو نهر موجود، أما القول بأنه أخرجه الله في الحال فإنما جاء في هذا الحديث الضعيف. قال: [وقال آخرون: المراد بالسري عيسى ﵇، وبه قال الحسن والربيع بن أنس ومحمد بن عباد بن جعفر، وهو إحدى الروايتين عن قتادة، وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والقول الأول أظهر، ولهذا قال بعده: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم:٢٥] أي: وخذي إليك بجذع النخلة، قيل: كانت يابسة. قاله ابن عباس ﵄، وقيل: مثمرة، قال مجاهد: كانت عجوة. وقال الثوري عن أبي داود نفيع الأعمى: كانت صرفانة]. المهم أنها نخلة، لكن هل مثمرة أو غير مثمرة؟ إن لم تكن مثمرة فهو من الكرامات، كما كانت تأتيها الثمرة من قبل إلى المحراب حيث كانت تأتيها فاكهة الشتاء في زمن الصيف، وفاكهة الصيف في زمن الشتاء. قال: [والظاهر أنها كانت شجرة، ولكن لم تكن في إبان ثمرها، قاله وهب بن منبه، ولهذا امتن عليها بذلك بأن جعل عندها طعاماً وشراباً، فقال: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم:٢٥ - ٢٦] أي: طيبي نفساً، ولهذا قال عمرو بن ميمون: ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب، ثم تلا هذه الآية الكريمة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين حدثنا شيبان حدثنا مسرور بن سعيد التميمي حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي عن عروة بن روي م عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم ﵊، وليس من الشجر شيء يلقح غيرها)]. هذا حديث ضعيف بل موضوع. ولعل آفته مسرور هذا، وقد ذكر في الأحاديث الموضوعة ذكره ابن الجوزي وغيره، وابن القيم ذكره في الأحاديث الموضوعة، لكن هذا معناه أنه يكون ضعيفاً لا موضوعاً. لكن الموضوع هو الذي يكون في سنده كذاب، والذي في سنده متهم يكون ضعيفاً جداً، ولا يصل إلى درجة الوضع. قال: [وقال رسول الله ﷺ : (أطعموا نساءكم الولد الرطب)]. (أطعموا نساءكم الولَّد)، يعني: الوالدات. قال: [وقال رسول الله ﷺ : (أطعموا نساءكم الولَّد الرطب؛ فإن لم يكن رطب فتمر، وليس من الشجر شجرة أكرم على الله من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران)، هذا حديث منكر جداً، ورواه أبو يعلى عن شيبان به]. يكون آفته مسرور، والحديث هذا غير موضوع لكنه ضعيف. قال: [وقرأ بعضهم: ﴿تُسَاقِطْ﴾ [مريم:٢٥] بتشديد السين وآخرون بتخفيفها، وقرأ أبو نهيك: (تُسقط عليك رطباً جنياً). وروى أبو إسحاق عن البراء أنه قرأها: (يُساقط) أي: الجذع، والكل متقارب]. الأقرب أن الذي ناداها عيسى؛ لأنها بعد ذلك لما ذهبت إلى قومها تحمله، فسألوها فأشارت إليه، يعني: كلموه؛ لأنه كلمها قبل ذلك، فالأقرب أنه الذي كلمها وناداها من تحتها. قال: [وقوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم:٢٦] أي: مهما رأيت من أحد: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٦] المراد بهذا القول الإشارة إليه بذلك، لا أن المراد به القول اللفظي؛ لئلا ينافي: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٦]]. (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) يعني: إذا سألوها قولي: إني نذرت للرحمن، يعني: تشير أنا لا أتكلم، أنا عندي نذر، تشير بيدها، (فقولي) فأطلق القول على الإشارة، يعني: فأشيري لهم أني نذرت ألا أكلم أحداً، وإلا فكيف تقول: (إني نذرت ألا أكلم) ثم تتكلم، المراد بالقول هنا الإشارة، (فقولي) فعبر بالقول عن الإشارة. قال: [المراد بهذا القول الإشارة إليه بذلك، لا أن المراد به القول اللفظي؛ لئلا ينافي: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٦]. قال أنس بن مالك في قوله: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم:٢٦] قال: صمتاً، وكذا قال ابن عباس والضحاك، وفي رواية عن أنس: صوماً وصمتاً، وكذا قال قتادة وغيرهما. والمراد أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم يحرم عليهم الطعام والكلام، نص على ذلك السدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد. قال ابن إسحاق عن حارثة قال: كنت عند ابن مسعود فجاء رجلان فسلم أحدهما ولم يسلم الآخر، فقال: ما شأنك؟ قال أصحابه: حلف أن لا يكلم الناس اليوم، فقال عبد الله بن مسعود ﵁: كلم الناس وسلم عليهم، فإن تلك امرأة علمت أن أحداً لا يصدقها أنها حملت من غير زوج. يعني بذلك مريم عليها الصلاة السلام؛ ليكون عذراً لها إذا سئلت، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير رحمهما الله. وقال عبد الرحمن بن زيد: لما قال عيسى ﵊ لـ مريم: ((لَّا تَحْزَنِي)) قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي لا ذات زوج ولا مملوكة؟ أي شيء عذري عند الناس؟ يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً. قال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام: ﴿فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم:٢٦]، قال: هذا ك

стр. 529

تفسير قوله تعالى: (فأتت به قومها تحمله) قال الإمام ابن كثير ﵀: [قال الله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ ?وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم:٢٧ - ٣٣]. يقول تعالى مخبراً عن مريم حين أمرت أن تصوم يومها ذلك، وأن لا تكلم أحداً من البشر، فإنها ستكفى أمرها، ويقام بحجتها، فسلمت لأمر الله ، واستسلمت لقضائه، وأخذت ولدها فأتت به قومها تحمله، فلما رأوها كذلك أعظموا أمرها واستنكروه جداً وقالوا: يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً، أي: أمراً عظيماً، قاله مجاهد وقتادة والسدي وغير واحد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن أبي زياد حدثنا سيار حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا أبو عمران الجوني عن نوف البكالي، قال: وخرج قومها في طلبها، وكانت من أهل بيت نبوة وشرف، فلم يحسوا منها شيئاً، فرءوا راعي بقر فقالوا: رأيت فتاة كذا وكذا نعتها؟ قال: لا، ولكني رأيت الليلة من بقري ما لم أره منها قط، قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيتها سجداً نحو هذا الوادي. قال عبد الله بن زياد: وأحفظ عن سيار أنه قال: رأيت نوراً ساطعاً، فتوجهوا حيث قال لهم، فاستقبلتهم مريم، فلما رأتهم قعدت وحملت ابنها في حجرها، فجاءوا حتى قاموا عليها: ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم:٢٧] أمراً عظيماً ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم:٢٨] أي: يا شبيهة هارون في العبادة ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم:٢٨] أي: أنت من بيت طيب طاهر معروف بالصلاح والعبادة والزهادة، فكيف صدر هذا منك؟ قال علي بن أبي طلحة والسدي: قيل لها: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ أي: أخي موسى، وكانت من نسله، كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، وللمضري: يا أخا مضر. وقيل: نسبت إلى رجل صالح كان فيهم اسمه هارون، فكانت تقاس به في العبادة والزهادة. وحكى ابن جرير عن بعضهم: أنهم شبهوها برجل فاجر كان فيهم يقال له: هارون، ورواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير. وأغرب من هذا كله ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين الهسنجاني حدثنا ابن أبي مريم حدثنا المفضل بن فضالة قال: حدثنا أبو صخر عن القرظي في قوله الله : ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم:٢٨]، قال: هي أخت هارون لأبيه وأمه، وهي أخت موسى أخي هارون التي قصت أثر موسى، ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص:١١]]. هذا بعيد؛ لأن بين مريم وبين موسى وهارون ما يقرب من ألف عام، وإنما قالوا: (يا أخت هارون) لأنهم يسمون بأسماء الأنبياء، أو أنه رجل صالح في زمانهم. وأما القول بأنه رجل فاجر فبعيد أيضاً؛ لأنهم قالوا لها: (يا أخت هارون) أنت معروفة بالعبادة، (ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً) فهم يقولون: كيف يحصل هذا منك وأنت شبيهة بهارون أو أخت هارون، وكانوا يسمون بأسماء أنبيائهم. وكذلك القول بأنها أخت هارون النبي بعيد، فبينها وبينه دهور من الزمان؛ لأن موسى أول أنبياء بني إسرائيل، وعيسى آخر أنبياء بني إسرائيل، فكيف تكون أختاً لهارون؟! لا يمكن. قال: [وهذا القول خطأ محض؛ فإن الله تعالى قد ذكر في كتابه أنه قفى بعيسى بعد الرسل، فدل على أنه آخر الأنبياء]. هو آخر أنبياء بني إسرائيل، وليس بينه وبين نبينا نبي، وليس بعده نبي إلا نبينا محمد ﷺ ، وموسى أول أنبياء بني إسرائيل، وبين موسى وعيسى أنبياء كثيرون وأمم لا يحصيهم إلا الله، داوود وسليمان ويحيى وزكريا كثير من الأنبياء، كلهم جاءوا بعد موسى، وكلفوا بالعمل بالتوراة، فكان آخرهم عيسى. قال: [فدل على أنه آخر الأنبياء بعثاً، وليس بعده إلا محمد صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا ثبت في الصحيح عند البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: (أنا أولى الناس بابن مريم، إلا أنه ليس بيني وبينه نبي)]. ما جاء في الصحيحين: (أنا أولى الناس بابن مريم، إنه ليس بيني وبينه نبي)، بدون ذكر الاستثناء. وهذا الحديث: (أنا أولى الناس بابن مريم، إنه ليس بيني وبينه نبي)، يدل على ضعف الحديث الذي فيه أن هناك نبياً في هذه الفترة اسمه خالد بن سنان، فليس هناك نبي بعد عيسى إلا نبينا محمد. قال: [(أنا أولى الناس بابن مريم، إنه ليس بيني وبينه نبي)، ولو كان الأمر كما زعم محمد بن كعب القرظي لم يكن متأخراً عن الرسل سوى محمد ﷺ ، ولكان قبل سليمان وداود]. معنى هذا إذا كانت مريم أختاً لهارون تكون قبل سليمان وداود، وهذا بعيد. يقولون: قول القرظي بأن مريم أخت لهارون النبي أخي موسى، على هذا يكون عيسى وموسى ليس بينهما نبي، والله تعالى يقول: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ [البقرة:٨٧] أخبر الله تعالى أنه قفى بعد موسى برسل كثيرين، ثم جاء عيسى، فهذا يدل على بطلان هذا القول؛ لأن الله أخبر أنه قفى بعد موسى بالرسل، ثم بعد ذلك أرسل الله عيسى. قال: [ولكان قبل سليمان وداود، فإن الله قد ذكر أن داود بعد موسى ﵉ في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٦]، فذكر القصة إلى أن قال: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ [البقرة:٢٥١] الآية. والذي جرأ القرظي على هذه المقالة: ما في التوراة بعد خروج موسى وبني إسرائيل من البحر، وإغراق فرعون وقومه، قال: وكانت مريم بنت عمران أخت موسى وهارون النبيين تضرب بالدف هي والنساء معها، يسبحن الله ويشكرنه على ما أنعم به على بني إسرائيل، فاعتقد القرظي أن هذه هي أم عيسى، وهي هفوة وغلطة شديدة، بل هي باسم هذه]. يعني: إن صح ما في التوراة، ولم يكن محرفاً؛ تكن مريم بنت عمران أخت موسى اسمها كذلك، وليست هي أم عيسى، أي أن موسى بن عمران له أخت اسمها مريم غير مريم أم عيسى، هذا لو صح ما في التوراة مع أنه لا يعتمد على ما في التوراة، والتوراة التي في أيديهم حرفت على أيدي بني إسرائيل. قال: [وهذه هفوة وغلطة شديدة، بل هي باسم هذه، وقد كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم وصالحيهم، كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن إدريس سمعت أبي يذكره عن سماك عن علقمة بن وائل عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى نجران، فقالوا: أرأيت ما تقرءون: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم:٢٨] وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: (ألا أخبرتهم أنهم كانوا يتسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم)، انفرد بإخراجه مسلم والترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن إدريس عن أبيه عن سماك به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن إدريس]. هذا قوله: (يا أخت هارون) , هارون سمي باسم هارون النبي، وهي سميت باسم مريم، فعلى هذا ليس المراد هارون النبي لأن بينهما دهوراً، وإنما هارون آخر سمي باسم هارون النبي. قال: [وقال ابن جرير: حدثني يعقوب حدثنا ابن علية عن سعيد بن أبي صدقة عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن كعباً قال: إن قوله: ((يَا أُخْتَ هَارُونَ)) ليس بهارون أخي موسى، قال: فقالت له عائشة: كذبت، قال: يا أم المؤمنين! إن كان النبي ﷺ قاله فهو أعلم وأخبر، وإلا فإني أجد بينهما ستمائة سنة، قال: فسكتت، وفي هذا التاريخ نظر]. ثم أيضاً هو منقطع، قال محمد بن سيرين: نبئت. من الذي نبأه؟ فيه انقطاع، والأقرب أنه أكثر من ستمائة سنة بين موسى وعيسى، بل لعله يقارب ألف سنة. قال: [وقال ابن جرير أيضا: حدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة قوله: ﴿

стр. 530

تفسير قوله تعالى: (وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً) قال تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم:٣٢]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ [مريم:٣٢] أي وأمرني ببر والدتي ذكره بعد طاعة ربه؛ لأن الله تعالى كثيراً ما يقرن بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣] وقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤]. وقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم:٣٢] أي: ولم يجعلني جباراً مستكبراً عن عبادته وطاعته وبر والدتي فأشقى بذلك. وقال سفيان الثوري: الجبار الشقي الذي يقبل على الغضب -وفي نسخة يقتل- وقال بعض السلف: لا تجد أحداً عاقاً لوالديه إلا وجدته جباراً شقياً ثم قرأ: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم:٣٢] قال: ولا تجد سيئ الملكة إلا وجدته مختالاً فخوراً ثم قرأ: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء:٣٦]]. وفي الحاشية قال: سيئ الملكة: الذي يسيء إلى صحبه ومماليكه، يقال: وهو سيئ الملكة والملك، وحسن الملكة والملك. قال: [قال قتادة: ذكر لنا أن امرأة رأت ابن مريم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص في آيات سلطه الله عليهن وأذن له فيهن فقالت: طوبى للبطن الذي حملك، وطوبى للثدي الذي أرضعت به، فقال نبي الله عيسى ﵇ يجيبها: طوبى لمن تلا كلام الله فاتبع ما فيه ولم يكن جباراً شقياً]. وهذه من الآيات التي أوتيها عيسى ﵇، أنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، وذلك أن الله أعطى كل نبي من الآيات والمعجزات ما هو من جنس ما تفوق به قومه، وكان الناس في زمن عيسى تفوقوا في الطب وبلغوا فيه شأواً بعيداً، فأعطاه الله من الآيات أنه يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، فعرفوا أن هذا من الله، يحيي الموتى يعني: كما قال الله: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ [المائدة:١١٠]. تخلق يعني: تصور من الطين على شكل طير ثم ينفخ فيه فيحييه الله، فعيسى منه التصوير والتغيير والنفخ والإحياء من الله. وكذلك يبرئ الأكمه، والأكمه هو الذي لم يشق له عين، ثم يبرئه عيسى بإذن الله فيكون مبصراً، وكذلك يبرئ الأبرص، وهذه من الآيات التي أوتيها، ولما كان الناس في زمن موسى ﵇ بلغوا في السحر شأواً بعيداً، أعطى الله موسى العصا وفاق به ما عند السحرة حتى إذا وضعها صارت حيه تسعى، وإذا أخذها عادت عصا. ولما جمع السحرة من أجل المناظرة، جمعوا الحبال والعصي وجعلوا فيها الزئبق فكانت تتلوى كأنها حيات وامتلأ الوادي، وأوجس في نفسه خيفة موسى قال الله له: لا تخف وألق ما في يدك، فوضع العصا فصارت حية عظيمة وابتلعت جميع ما في الوادي، فعند ذلك خر السحرة سجداً لله وآمنوا بالله، قالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف:١٢١ - ١٢٢] وأن هذا ليس من صنع البشر وإنما هو من عند الله.

стр. 531

تفسير قوله تعالى: (والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً) قال الله تعالى: ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم:٣٣] قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم:٣٣]، إثبات منه لعبوديته لله وأنه مخلوق من خلق الله يحيا ويموت ويبعث كسائر الخلائق]. وفيه الرد على النصارى القائلين بأنه ابن الله -قبحهم الله-، وأنه ثالث ثلاثة وأنه جزء من الله -تعالى الله عما يقولون- فيقول النصارى: إن عيسى جزء من الله وهو كلمة كن، والمسلمون يقولون: هو مخلوق بالكلمة وليس هو الكلمة، بل خلقه الله بكلمة كن، والنصارى يقولون: هو نفسه الكلمة، جعلوه جزءاً من الله؛ لأن الكلام صفة من صفات الله فقالوا: عيسى نفس كلمة كن، وهذا كفر وضلال، والمسلمون يعتقدون أن عيسى مخلوق بكلمة كن، أي: مخلوق بالكلمة وليس هو الكلمة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩]. قال: [وأنه مخلوق من خلق الله يحيا ويموت ويبعث كسائر الخلائق، ولكن له السلامة في هذه الأحوال التي هي أشق ما يكون على العباد صلوات الله وسلامه عليه]. فالموت والحياة والبعث فيها الشدة، أي: عند الموت، وعند البعث، وعند الولادة، فله السلامة في هذه المواطن.

стр. 532

تفسير سورة مريم [٣٤ - ٤٠] افترقت أحزاب النصارى في سيدنا عيسى بن مريم افتراقاً كبيراً، وقد بين الله قول الحق فيه؛ أنه عبده ورسوله وروحه ألقاها إلى مريم وكلمة منه، ونزه نفسه سبحانه عن اتخاذ الولد.

стр. 533

تفسير قوله تعالى: (ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون) قال الله تعالى: [﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم:٣٤ - ٣٧]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى لرسوله محمد ﷺ : ذلك الذي قصصناه عليك من خبر عيسى ﵇: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم:٣٤] أي يختلف المبطلون والمحقون ممن آمن به وكفر به؛ ولهذا قرأ الأكثرون (قولُ الحق) برفع قول]. (ذلك عيسى بن مريم قولُ الحق) والقراءة المشهورة لـ حفص بالنصب، ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم:٣٤]. قال: [ولهذا قرأ الأكثرون (قولُ الحق) برفع قول، وقرأ عاصم وعبد الله بن عامر (قولَ الحق)، وعن ابن مسعود أنه قرأ: (ذلك عيسى بن مريم قال الحق) والرفع أظهر إعرابا، ويشهد له قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران:٦٠]، ولما ذكر تعالى أنه خلقه عبداً نبياً نزه نفسه المقدسة فقال: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ﴾ [مريم:٣٥]]. فقراءة حفص عن عاصم (قولَ الحق) بالنصب، والرفع أظهر مثلما قال الحافظ ﵀: (ذلك عيسى بن مريم قولُ الحق) مبتدأ وخبر، أما النصب فعلى تقدير فعل، أي: أعني قولَ الحق. قال: [ولما ذكر تعالى أنه خلقه عبداً نبيا نزه نفسه المقدسة فقال: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ﴾ [مريم:٣٥] أي: عما يقول هؤلاء الجاهلون الظالمون المعتدون علواً كبيراً. ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم:٣٥] أي: إذا أراد شيئاً فإنما يأمر به، فيصير كما يشاء كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران:٥٩ - ٦٠]. وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم:٣٦]، أي: ومما أمر عيسى به قومه وهو في مهده أن أخبرهم إذ ذاك أن الله ربه وربهم وأمرهم بعبادته فقال: ﴿فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم:٣٦] أي: هذا الذي جئتكم به عن الله صراط مستقيم، أي: قويم من اتبعه رشد وهدي، ومن خالفه ضل وغوى].

стр. 534

اختلاف أهل الكتاب وغيرهم في عيسى بعد بيان أمره ووضوح حاله قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ [مريم:٣٧]، أي: اختلفت أقوال أهل الكتاب في عيسى بعد بيان أمره ووضوح حاله وأنه عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. فصممت طائفة منهم وهم جمهور اليهود -عليهم لعائن الله- على أنه ولد زنية]. نسأل الله العافية، وقبح الله اليهود يقولون: إنه ولد بغي، والنصارى قالوا: إنه ابن الله، فالنصارى غلوا فرفعوه من مقام العبودية إلى مقام الربوبية، واليهود قبحهم الله هبطوا به وتنقصوه، ورموه بالعظائم حتى قالوا: إنه ولد زنا والعياذ بالله، وهدى الله المسلمين، فقالوا فيه المقالة التي قالها الله في كتابه، قالوا: إنه عبد الله ورسوله نبي كريم خلقه الله من أم بلا أب، أمه مريم البتول وليس له أب، خلقه الله بكلمة كن، قال له: كن فكان، كما أنه قال لآدم: كن فكان، ليس له أب ولا أم، وحواء خلقت من آدم وليس لها أم، خلقت من ذكر بلا أنثى وسائر الناس خلقوا من ذكر وأنثى، فتمت القسمة الرباعية. قال: [فصممت طائفة وهم جمهور اليهود -عليهم لعائن الله- على أنه ولد زنية، وقالوا: كلامه هذا سحر]. هذا كلامه حين تكلم في المهد قالوا إنه سحر، كيف يكون سحراً وهو طفلٌ يتكلم وأنطقه الله آية وتبرئة لأمه،. قال: [وقالوا: كلامه هذا سحر، وقالت طائفة أخرى: إنما تكلم الله]. نعوذ بالله هذه طائفة الاتحادية والملاحدة الذين يقولون: الوجود واحد يقولون: تكلم الله، فهم من أكفر خلق الله، يقولون: العبد رب والرب عبد، كما قال رئيسهم ابن عربي الطائي: والعبد رب والرب عبد يا ليت شعري من المكلف إن قلت عبد فذاك ميت أو قلت رب أنى يكلف رب مالك وعبد هالك وأنتم ذلك، وهذه الطائفة الذين يقولون: إن الذي تكلم إنما هو الله، ومقتضى هذا القول يتمشى مع قول الاتحادية الذين هم أكفر خلق الله والعياذ بالله، رئيسهم ابن عربي الطائي، ولهم مؤلفات الآن تحقق وتطبع طباعة فاخرة في ورق فاخر موجودة في مصر وفي غيرها، وابن عربي رئيس وحدة الوجود، وله مؤلفات تسمى فصوص الحكم، والفتوحات المكية كلها كفر وضلال ومعارضه للقرآن، وسميت فصوص الحكم؛ لأنه يعارض القرآن، وفي فص قصة نوح أتى بخزعبلات وأمور باطلة، يقول: إن نوحاً يظهر بمظهر الله، وفرعون يظهر بمظهر الله وهكذا نعوذ بالله، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، كفر وضلال لا يستطيع الإنسان أن يتكلم به، لولا أنه موجود ومكتوب ومسجل ومؤلف ومطبوع، وهناك من يدافع عنهم ويقول: إن هؤلاء أولياء، فهذا القول يتمشى مع هذا القول. قوله: [وقال آخرون: هو ابن الله]. وهذا قول النصارى قبحهم الله، وهذا من اختلاف الأحزاب في عيسى، منهم من قال: إنه ولد البغي وهذا قول اليهود، ومنهم من قال: إنه ابن الله وهذا قول النصارى، ومنهم من قال إن المتكلم هو الله وهذا قول الاتحادية الذين يقولون بوحدة الوجود. قال: [وقال آخرون: ثالث ثلاثة]. أيضاً هذا للنصارى، أنهم قالوا: إنه ثالث ثلاثة، قالوا: والآلهة ثلاثة: الله، ومريم، وعيسى، وقد كفرهم الله في قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة:٧٣]، ثم عرض عليهم التوبة فقال: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ [المائدة:٧٤] قال العلماء: التوبة لا يحجب عنها أحد، إذا كان الله تعالى عرض التوبة على المثلثة وذنبهم عظيم؛ فالتوبة معروضة لكل أحد، مقبولة من كل أحد، ومن تاب تاب الله عليه، وذلك إذا تاب قبل أن تصل الروح إلى الحلقوم، وقبل طلوع الشمس من مغربها في آخر الزمان، أما إذا سيقت الروح ووصلت إلى الحلقوم انتهى الأمر، قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء:١٨]، قال ﵊: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) وقال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام:١٥٨]، جاء في تفسير البعض أنها طلوع الشمس من مغربها في آخر الزمان. قال: [وقال آخرون: بل هو عبد الله ورسوله]. وهذا هو الحق، وهو قول المسلمين وهذا هو الذي قرره تعالى في كتابه. قال: [وهذا هو قول الحق الذي أرشد الله إليه المؤمنين، وقد روي نحو هذا عن عمرو بن ميمون وابن جريج وقتادة وغير واحد من السلف والخلف. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم:٣٤] قال: اجتمع بنو إسرائيل فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كل قوم عالمهم فامتروا في عيسى حين رفع]. امتروا يعني: شكوا فيه. قال: [فامتروا في عيسى حين رفع، فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية، فقال الثلاثة: كذبت، ثم قال اثنان منهم للثالث: قل أنت فيه، قال: هو ابن الله وهم النسطورية]. كل هذه من طوائف النصارى، فاليعقوبية طائفة من طوائف النصارى والنسطورية كذلك. قال: [فقال الاثنان: كذبت، ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه؟ فقال: هو ثالث ثلاثة: الله إله، وهو إله، وأمه إله، وهم الإسرائيلية ملوك النصارى عليهم لعائن الله، قال الرابع: كذبت بل هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته، وهم المسلمون، فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قالوا، فاقتتلوا فظهروا على المسلمين، وذلك قول الله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:٢١]، وقال قتادة: وهم الذين قال الله: ﴿فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ [مريم:٣٧]، قال: اختلفوا فيه فصاروا أحزاباً. وقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس وعن عروة بن الزبير عن بعض أهل العلم قريباً من ذلك، وقد ذكر غير واحد من علماء التاريخ من أهل الكتاب وغيرهم أن قسطنطين جمعهم في محفل كبير من مجامعهم الثلاثة المشهورة عندهم]. وقد ذكر هذا أحد ملوكهم من المتأخرين، فعند النصارى اختلاف عظيم في الإنجيل حتى أوصلوها إلى أربعين إنجيلاً، والله تعالى أنزل إنجيلاً واحداً، ثم اختصروها إلى أربعة، وهكذا اجتمعوا مرات عديدة فيختلفون على ستة عشر قولاً، ويتلاعنون حتى جاء قسطنطين هذا وكان له مكانة عندهم وله هيبة وجمعهم. قال: [فكان جماعة الأساقفة منهم ألفين ومائة وسبعين أسقفاً فاختلفوا في عيسى بن مريم ﵇ اختلافاً متبايناً جداً، فقالت كل شرذمة فيه شيئاً، فمائة تقول فيه قولاً، وسبعون تقول قولاً آخر، وخمسون تقول فيه شيئاً آخر، ومائة وستون تقول شيئاً، ولم يجتمع على مقالة واحدة أكثر من ثلاثمائة وثمانية منهم، اتفقوا على قول وصمموا عليه فمال إليهم الملك، وكان فيلسوفاً فقدمهم ونصرهم وطرد من عداهم، فوضعوا له الأمانة الكبيرة، بل هي الخيانة العظيمة]. أي: ألفوا له كتاباً وسموه الأمانة، واجتمع عليه النصارى فيما بعد، والحافظ يقول: ينبغي أن يسمى خيانة؛ لأنه مختلق ومخالف للإنجيل الذي أنزله الله على عيسى، لكن لما رأى الملك أن ثلاثمائة وثمانية اتفقوا على هذا الرأي مال إليهم وقال: ضعوا لي كتاباً فوضعوا كتاباً، يتفق عليه النصارى ويحكمون به وسموه الأمانة وهو خيانة؛ لأنه مخالف لكتاب الله. قال: [فوضعوا له الأمانة الكبيرة، بل هي الخيانة العظيمة، ووضعوا له كتب القوانين وشرعوا له أشياء وابتدعوا بدعاً كثيرة وحرفوا دين المسيح وغيروه، فابتنى حينئذ لهم الكنائس الكبار في مملكته كلها، بلاد الشام والجزيرة والروم فكان مبلغ الكنائس في أيامه ما يقارب اثني عشر ألف كنيسة]. هذا يدل على أن له قوة وله مكانة وقدرة. قال: [وبنت أمه هيلانة قمامة على المكان الذي صلب فيه المصلوب الذي تزعم اليهود والنصارى أنه المسيح، وقد كذبوا بل رفعه الله إلى السماء]. صاروا يعظمون الصليب، وهذا من جهل النصارى، يزعمون أن عيسى قتل وصلب، فهم بذلك يعظمون الصليب؛ لأن عيسى مصلوب عليه، وهذا من جهلهم، يعني: كان المتبادر إلى العقل أن الصليب لا يعظم؛ لكن لأن هذا هو الذي قتل عليه نبيهم وصلب عليه يعظمونه، وهل تعظم الخشبة التي صلب عليها؟ لكن هذا من جهل النصارى وقلة عقولهم، فصاروا يعبدونه فرحاً منهم بصلبه، وهذا من كذبهم، قال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء:١٥٨] ولكن الله ألقى شبهه على أحد الناس فقتل وصلب، قال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧]. فإذا قيل: هل جميع النصارى يعتقدون أن عيسى قتل؟ الجواب قد لا يقال: كلهم، لكن هذا معروف عند كثير منهم، لكن المؤمنين من آمن به يعلم أن الله رفعه إليه، وكذلك أيضاً يمكن ممن حوله من ألقي عليه الشبه، والمتأخرون يعبدونه لأنهم يعتقدون أنه مصلوب. ويذكر ابن القيم ﵀: أنهم يعتقدون أن عيسى يشنع عليهم، ويزعمون أن إلههم في بطن مريم وأنه حملت به ثم ولد بعد ذلك، ثم عاش مدة ثم قتل وصلب، ثم بعد الصلب بثلاثة أيام صعد إلى السماء، ثم بعد ذلك صار هذا إلههم، وهذا من عقائدهم الفاسدة. قال المؤلف رح

стр. 535

تفسير قوله تعالى: (أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا) قال الله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم:٣٨ - ٤٠]. يقول تعالى مخبراً عن الكفار يوم القيامة: إنهم يكونون أسمع شيء وأبصره كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢]، أي: يقولون ذلك حين لا ينفعهم ولا يجدي عنهم شيئاً، ولو كان هذا قبل معاينة العذاب لكان نافعاً لهم ومنقذاً من عذاب الله؛ ولهذا قال: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم:٣٨]، أي: ما أسمعهم وأبصرهم ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم:٣٨] يعني: يوم القيامة. ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ﴾ [مريم:٣٨] أي: في الدنيا ((فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) أي: لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون، فحيث يطلب منهم الهدى لا يهتدون، ويكونون مطيعين حيث لا ينفعهم ذلك. ثم قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم:٣٩]، أي: أنذر الخلائق يوم الحسرة ((إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ)) أي: فصل بين أهل الجنة وأهل النار ودخل كل إلى ما صار إليه مخلداً فيه. ((وَهُمْ)) أي: اليوم، ((فِي غَفْلَةٍ)): عما أنذروا به يوم الحسرة والندامة ((وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ)) أي: لا يصدقون به. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد قال: حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يجاء بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون فينظرون ويقولون: نعم، هذا الموت، قال: فيقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون فينظرون ويقولون: نعم، هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح، قال: ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت، قال: ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم:٣٩]، وأشار بيده ثم قال: أهل الدنيا في غفلة الدنيا)، هكذا رواه الإمام أحمد، وقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث الأعمش به ولفظهما قريب من ذلك]. ففي هذه الآيات الكريمات بيان حال الكفار حقاً، فهم وإن كانوا يسمعون أمور دنياهم، وأسماعهم وأبصارهم سليمة من جهة أمور الدنيا، لكنهم لا يسمعون الحق، ولا يقبلونه، بل هم، كما قال الله تعالى عنهم: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٧١]؛ ولهذا قال الله سبحانه في الآية الأخرى أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة:١٢]، يعني: تيقنا الآن، لكن ذلك لا يفيدهم، ولهذا قال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم:٣٨ - ٣٩] وهو يوم القيامة، إذ يتحسر الكفار على ما عملوا من أعمال سيئة ويودون أن يرجعوا إلى الدنيا، ولكن كما قال الله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٨]، نسأل الله السلامة والعافية. وفي هذا الحديث أنه يجاء بالموت على صورة كبش فيذبح بين الجنة والنار، والموت وإن كان أمراً معنوياً فالله قادر على أن يجعله أمراً حسياً على صورة كبش يذبح. والذي يذبح هو الموت، وليس ملك الموت كما يظنه بعض الناس، والموت أمر معنوي قلبه الله وجعله أمراً حسياً، كما أن الأعمال يجعلها الله أمراً حسياً توزن وتوضع في كفة، وكما جاء أن البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة يظلان صاحبهما كأنهما غمامتان أو غيايتان. وكما جاء أن العمل يأتي الإنسان في قبره، فإن العمل الصالح يأتي على صورة رجل حسن الوجه طيب الريح فلا يزال يؤنسه، فيقول: من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، والكافر والعياذ بالله يأتيه رجل قبيح الوجه منتن الريح قبيح الصورة فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، ولا حول ولا قوة إلى بالله. وكذلك الموت يجعل على صورة كبش ويعرفه أهل الجنة وأهل النار؛ ولهذا يشرئبون، ويتطلعون وينظرون إليه، فيقال لأهل الجنة: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، ويقال لأهل النار: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، جعل الله في قلوبهم معرفة يعرفونه بها، فيذبح بين الجنة والنار، ويقال يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت، فيزداد أهل الجنة نعيماً إلى نعيمهم ويزداد أهل النار حسرة إلى حسرتهم نسأل الله السلامة والعافية. ومن صيغ التعجب: ما أسمعهم وما أبصرهم، يعني: أنهم متيقظون وأسماعهم حادة لما يقال لهم ولما ينفعهم في ذلك اليوم لكن لا ينفع، ومن هذا الباب أن آزر والد إبراهيم الخليل يلقى ولده إبراهيم كما في صحيح البخاري فيقول له: اليوم لا أعصيك، وقد كان في الدنيا عاصياً لله، كما أخبر الله تعالى في الآيات: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم:٤٢ - ٤٥]، دعاه ولكن أجاب الأب فقال: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم:٤٦ - ٤٧] ثم نهي عن الاستغفار، وفي صحيح البخاري: (أنه يلقى آزر إبراهيم يوم القيامة وعلى وجهه قترة، فيقول آزر لإبراهيم: اليوم لا أعصيك)، ولا يفيده ذلك يوم القيامة، فيرق إبراهيم ﵇ لوالده، فينادي ربه يقول: يا رب وعدتني ألا تخزيني يوم يبعثون، وأي خزي أعظم من خزي أبي الأبعد، فلما رق له قيل له: انظر ما تحت قدميك، فيقلب الله صورته فيكون بذيخ وهو ذكر الضبع متلطخ، فيؤخذ بقوائمه ويلقى في النار؛ أي: لما رق له إبراهيم قلب الله صورته وجعله في صورة ذكر الضبع فيلقى في النار وهذا ثابت في صحيح البخاري. وجاء في الحديث: (ما من أحد يموت إلا ندم، إن كان محسناً ندم ألا يكون ازداد، وإن كان مسيئاً ندم ألا يكون نزع). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد روى هذا الحديث الحسن بن عرفة: حدثني أسباط بن محمد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً مثله، وفي سنن ابن ماجة وغيره من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة بنحوه، وهو في الصحيحين عن ابن عمر. ورواه ابن جريج قال: قال ابن عباس فذكر من قبله نحوه، ورواه أيضاً عن أبيه أنه سمع عبيد بن عمير يقول في قصصه: يؤتى بالموت كأنه دابة فيذبح والناس ينظرون]. وهذا من قصص عبيد بن عمير، ولكن ما في الصحيح مقدم، ففي الحديث الصحيح أنه في صورة كبش أملح، وليس في صورة دابة. قال: [وقال سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل: حدثنا أبو الزعراء عن عبد الله - هو ابن مسعود - في قصة ذكرها قال: فليس نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار، وهو يوم الحسرة، فيرى أهل النار البيت الذي كان الله قد أعده لهم لو آمنوا، فيقال لهم: لو آمنتم وعملتم صالحاً كان لكم هذا الذي ترونه في الجنة، فتأخذهم الحسرة، قال: ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال: لولا أن الله من عليكم! وقال السدي عن زياد عن زر بن حبيش عن ابن مسعود في قوله: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم:٣٩]، قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار أتي بالموت في صورة كبش أملح حتى يوقف بين الجنة والنار، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة! هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا فلا يبقى أحد في أهل عليين ولا في أسفل درجة في الجنة إلا نظر إليه، ثم ينادى: يا أهل النار هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا، فلا يبقى أحد في ضحضاح من نار ولا في أسفل درك من جهنم إلا نظر إليه، ثم يذبح بين الجنة والنار، ثم ينادي: يا أهل الجنة هو الخلود أبد الآبدين، ويا أهل النار هو الخلود أبد الآبدين، فيفرح أهل الجنة فرحة لو كان أحد ميتاً من فرح ماتوا، ويشهق أهل النار شهقة لو كان أحد ميتاً من شهقة ماتوا]. لكن

стр. 536

تفسير سورة مريم [٤١ - ٥٣] إبراهيم ﵇ أبو الأنبياء، وفي قصته مع أبيه وقومه عبرة لأولي الألباب، فقد كان حريصاً على هداية قومه وأبيه، ولكن من جهلهم آذوه وامتنعوا من الاستجابة له، فنصره الله، وعوضه خيراً عنهم.

стр. 537

تفسير قوله تعالى: (واذكر في الكتاب إبراهيم فتكون للشيطان ولياً) قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم:٤١ - ٤٥]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ : ((وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ)) واتل على قومك هؤلاء الذين يعبدون الأصنام، واذكر لهم ما كان من خبر إبراهيم خليل الرحمن الذين هم من ذريته، ويدعون أنهم على ملته وهو كان صديقاً نبياً مع أبيه كيف نهاه عن عبادة الأصنام، فقال: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم:٤٢] أي: لا ينفعك ولا يدفع عنك ضرراً]. هذا وصف الأصنام: كلها لا تسمع ولا تبصر، فهي لا تسمع من دعاها، ولا تبصر أيضاً من دعاها، ولا تغني عنهم من الله شيئاً، وكذلك المخلوقات كلها، حتى الأحياء منها وإن كان يسمع ويبصر، لكن لا يغني من الله شيئاً، ما يغني إلا العمل الصالح. قال: [﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم:٤٣] يقول: وإن كنت من صلبك وتراني أصغر منك لأني ولدك، فاعلم أني قد اطلعت من العلم من الله ما لم تعلمه أنت ولا اطلعت عليه، ولا جاءك بعد: ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ [مريم:٤٣] أي: طريقاً مستقيماً موصلاً إلى نيل المطلوب والنجاة من المرهوب. ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ [مريم:٤٤] أي: لا تطعه في عبادتك هذه الأصنام فإنه هو الداعي إلى ذلك والراضي به كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس:٦٠] وقال: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ [النساء:١١٧]. وقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم:٤٤]، أي: مخالفاً مستكبراً عن طاعة ربه فطرده وأبعده، فلا تتبعه تصر مثله، ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم:٤٥]، أي: على شركك وعصيانك لما أمرك به ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم:٤٥]، يعني: فلا يكون لك مولى ولا ناصراً ولا مغيثاً إلا إبليس، وليس إليه ولا إلى غيره من الأمر شيء، بل اتباعك له موجب لإحاطة العذاب بك، كما قال تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل:٦٣]]. وهذه نصائح عظيمة، ولو عمل بها الأب لحصل على خيري الدنيا والآخرة، وهذه النصيحة التي وجهت من إبراهيم ﵊ لأبيه آزار هي نصيحة لكل كافر، فكل كافر وكل عاص عليه أن يتقي الله وأن يعمل بهذه النصيحة، قال تعالى: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم:٤٢ - ٤٥]، هذه نصائح وتوجيهات عظيمة موجهة لكل كافر وكل عاصٍ أيضاً، ومن اتبع هواه لا بد أن يكون قد أطاع الشيطان في ما عصى الله.

стр. 538

تفسير قوله تعالى: (قال أراغب أنت عن آلهتي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقياً) قال الله تعالى: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم:٤٦ - ٤٨]،يقول تعالى مخبرًا عن جواب أبي إبراهيم لولده إبراهيم، فيما دعاه إليه أنه قال: ((أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ)) يعني: إن كنت لا تريد عبادتها ولا ترضاها، فانته عن سبها وشتمها وعيبها، فإنك إن لم تنته عن ذلك اقتصصتُ منك وشتمتك وسببتك، وهو قوله: ((لأرْجُمَنَّكَ)) قاله ابن عباس والسدي وابن جريج والضحاك وغيرهم. وقوله: ((وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا)): قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن إسحاق: يعني دهرًا. وقال الحسن البصري: زمانًا طويلا. وقال السدي: ((وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا)) قال: أبدًا. وقال علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس: ((وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا)) قال: سويًّا سالمًا، قبل أن تصيبك مني عقوبة. وكذا قال الضحاك وقتادة وعطية الجدلي وأبو مالك وغيرهم واختاره ابن جرير. فعندها قال إبراهيم لأبيه: ((سَلامٌ عَلَيْكَ)) كما قال تعالى في صفة المؤمنين: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥] ومعنى قول إبراهيم لأبيه: ((سَلامٌ عَلَيْكَ)) يعني: أما أنا فلا ينالك مني مكروه ولا أذى، وذلك لحرمة الأبوة، ((سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي)) أي: ولكن سأسأل الله تعالى فيك أن يهديك ويغفر ذنبك، ((إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا)) قال ابن عباس وغيره: لطيفًا، أي: في أن هداني لعبادته والإخلاص له]. يعني: أن الأب قال له: إنه سيسبه إن لم ينته عن آلهته وعن سبها بالرجم يعني: السب وهو الاقتصاص منه ((وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا)) يعني: مدة طويلة، فإبراهيم ﵇ قال لن أقابلك بالمثل، بل قال: ((سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي))، لن أقابلك بالمثل، لن أقابل السب بالسب، ولكني لحرمة الأبوة سأستغفر لك ربي. وهذا فيه دليل على أنه ينبغي التلطف مع الأب ولو كان كافراً؛ لأن الأب له حق عظيم ويدعى الوالدان الكافران إلى الإسلام ويتلطف معهما ويحسن إليهما في الدنيا، كما قال الله تعالى في الوالدين: ((وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا)) ثم قال: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان:١٥]، يصاحب بالكلام الطيب، ينفق عليه إذا كان محتاجاً إلى النفقة والطعام والكسوة، والإحسان بالقول، ولكن لا يحبه محبةً في دينه ولا يوافقه على الشرك وعلى المعاصي. فإذا قيل: هل يجوز أن يسكن المسلم مع من يترك الصلاة أو يعمل المعاصي من أقربائه؟ ف الجواب يدعوهم إذا كان يستطيع أن يدعوهم ويؤثر عليهم وإلا فعليه أن يزورهم فترات ويدعوهم، أما إذا كان يتأثر أو لا يستطيع أن يدعوهم فلا يسكن معهم لئلا يفتن في دينه، ولكن يحسن إليهم إحساناً دنيوياً، وإذا كان يستطيع أن يدعوهم ويؤثر عليهم فهذا طيب. قال: [وقال مجاهد وقتادة وغيرهما: ((إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا)) قال: وعَوّدَه الإجابة. وقال السدي: الحفي: الذي يَهْتَم بأمره، وقد استغفر إبراهيم لأبيه مدة طويلة، وبعد أن هاجر إلى الشام وبنى المسجد الحرام، وبعد أن ولد له إسماعيل وإسحاق ﵉ في قوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم:٤١]. وقد استغفر المسلمون لقراباتهم وأهليهم من المشركين في ابتداء الإسلام، وذلك اقتداء بإبراهيم الخليل في ذلك حتى أنزل الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة:٤]، يعني: إلا في هذا القول، فلا تتأسوا به]. والمعنى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة:٤] في البراءة من الكفار والبراءة من معبوداتهم، إلا في استغفاره لأبيه فلا تتأسوا به ولا تقتدوا به، فليس لكم أن تستغفروا للكفار. وقال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٤]، المعنى: تأسوا بإبراهيم فهو أسوة لكم في البراءة من الكفار ومن معبوداتهم وإبداء العداوة والبغضاء إلا في الاستغفار لأبيه فلا تقتدوا به ولا تتأسوا به؛ لأنه لا يجوز الاستغفار للكفار، وأما استغفار إبراهيم لأبيه فهذا كما قال الله: كان عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، ولما دعا النبي ﷺ عمه أبا طالب إلى الإسلام لما حضرته الوفاة وحرص على هدايته، لكن الله لم يقدر له الهداية ومات على الشرك، قال النبي ﷺ (لأستغفرن لك مالم أنه عنك) فأنزل الله هذه الآية: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣]. وثبت في مسند الإمام أحمد ﵀ أن النبي ﷺ (زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله وقال: إني سألت ربي أن أزور قبر أمي فأذن لي، وسألته أن أستغفر لها فلم يأذن لي)؛ لأنها ماتت على دين قومها فمن مات على دين الجاهلية أو مات على الكفر لا يدعى له ولا يتصدق عنه ولا يحج عنه ولا يترحم عليه. ومن مات من أهل الفترة مات على دين قومه لا يستغفر له والله أعلم، كذلك من قامت عليه الحجة، فأهل الفترة بعضهم قامت عليه الحجة، وبلغتهم دعوة إبراهيم فهذا مثلما جاء في الحديث: (إن أبي وأباك في النار)، ومثل ابن جدعان كان له جفنة كبيرة يطعم بها الحجاج قيل للنبي ﷺ : هل ينفعه ذلك؟ قال: (لا، إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) أي: إنه لم يؤمن بالبعث، وظاهر هذا أنه بلغتهم الدعوة، وأما من لم تبلغهم الدعوة فمسكوت عنهم، لكن من مات على الشرك ومات على دين قومه لا يدعى له، ويكون حكمه والله أعلم إن قامت عليه الحجة حكم المشركين، وإن كان لم تقم عليه الحجة فله امتحان يوم القيامة، كما جاء في بعض الأحاديث، فقد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وجماعة من أهل العلم إلى أن أهل الفترات من لم تبلغهم الدعوة يمتحنون يوم القيامة ويخرج لهم عنق من النار، فمن أجاب دخل الجنة، ومن عصى دخل النار، وجاء في هذا أحاديث فيها ضعفة، لكن مجموعها يشد بعضها بعضاً. قال: [يعني: إلا في هذا القول فلا تتأسوا به، ثم بين تعالى أن إبراهيم أقلع عن ذلك، ورجع عنه، فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:١١٣] إلى قوله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٤]. وقوله: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي﴾ [مريم:٤٨]، أي: أجتنبكم وأتبرأ منكم ومن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله. ((وَأَدْعُو رَبِّي)) أي: وأعبد ربي وحده لا شريك له، ﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم:٤٨]، وعسى هذه موجبة لا محالة، فإنه ﵇ سيد الأنبياء بعد محمد صلى الله عليه سلم].

стр. 539

تفسير قوله تعالى: (فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وجعلنا لهم لسان صدق علياً) قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم:٤٩ - ٥٠]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى: فلما اعتزل الخليل أباه وقومه في الله أبدله الله من هو خير منهم، ووهب له إسحاق ويعقوب، يعني ابنه وابن إسحاق]. يعني: ابنه وابن ابنه إسحاق، وهذا الاعتزال إنما كان من بعد الدعوة، بعد أن دعاهم وكرر الدعوة، بدأ وأعاد ورأى أنه لا فائدة من دعواهم حتى وعده أبوه بأن يرجمه إن لم ينته تركهم واعتزلهم، فلما اعتزلهم عوضه الله خيراً منهم ورزقه الله أبناء أنبياء، رزقه إسماعيل وهو نبي من سلالته نبينا محمد ﷺ وهو الأب الثاني وأبو العرب، ورزقه إسحاق وإسحاق نبي، وإسحاق رزق بيعقوب، ويعقوب هو إسرائيل، وأنبياء بني إسرائيل كلهم من سلالة يعقوب. قال: [ووهب له إسحاق ويعقوب، يعني ابنه وابن إسحاق كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء:٧٢]، وقال: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:٧١]. ولا خلاف أن إسحاق والد يعقوب، وهو نص القرآن في سورة البقرة: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة:١٣٣] ولهذا إنما ذكر هاهنا إسحاق ويعقوب، أي: جعلنا له نسلاً وعقباً أنبياء، أقر الله بهم عينه في حياته]. وجعل الله في ذريته النبوة والكتاب، كما قال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت:٢٧] وكل نبي بعث بعد إبراهيم فهو من سلالته، وكل كتاب نزل من السماء بعد إبراهيم فهو على نبي من ذريته، وهذه منقبة عظيمة، وإبراهيم الخليل هو أبو الأنبياء ووالد الحنفاء، وأشرف بيت نسبي على الإطلاق هو بيت إبراهيم ﵇، ومن هذا البيت نبينا محمد ﷺ .

стр. 540

تفسير قوله تعالى (ووهبنا له إسحاق ويعقوب وكلاً جعلنا نبياً) قال الله تعالى: ﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم:٤٩] قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أي جعلنا له نسلاً وعقباً أنبياء، أقر الله بهم عينه في حياته، ولهذا قال: ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم:٤٩]، فلو لم يكن يعقوب قد نبئ في حياة إبراهيم لما اقتصر عليه، ولذكر ولده يوسف فإنه نبي أيضاً كما قال رسول الله ﷺ في الحديث المتفق على صحته حين سئل عن خير الناس فقال: (يوسف نبي الله ابن يعقوب نبي الله ابن إسحاق نبي الله ابن إبراهيم خليل الله)، وفي اللفظ الآخر: (إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)]. هؤلاء أربعة أنبياء في نسق واحد ﵈، فيوسف نبي وأبوه يعقوب نبي وجده إسحاق نبي، ووالد جده إبراهيم نبي أيضاً.

стр. 541

تفسير قوله تعالى: (وجعلنا لهم لسان صدق علياً) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٠]. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: يعني: الثناء الحسن، وكذا قال السدي ومالك بن أنس]. فمعنى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٠] أي: جعلنا لهم الثناء الحسن. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن جرير: إنما قال (علياً) لأن جميع الملل والأديان يثنون عليهم ويمدحونهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين].

стр. 542

تفسير قوله تعالى: (واذكر في الكتاب موسى ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبياً) قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم:٥١ - ٥٣]. وقال المؤلف ﵀: [لما ذكر تعالى إبراهيم الخليل ﵊ وأثنى عليه عطف بذكر الكليم ﷺ فقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾ [مريم:٥١]، قرأ بعضهم بكسر اللام من الإخلاص في العبادة]. أي: مخِلصاً، وقراءة حفص مخلَصاً. ومعنى القراءة الأولى أنه أخلص العبادة، والقراءة الثانية بمعنى أن الله أخلصه واصطفاه. قال المؤلف ﵀: [قال الثوري عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي لبابة قال: قال الحواريون: يا روح الله أخبرنا عن المخلص لله؟ قال: الذي يعمل لله لا يحب أن يحمده الناس. وقرأ الآخرون بفتحها بمعنى أنه كان مصطفى كما قال تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الأعراف:١٤٤]، ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥١]، جمع الله له بين الوصفين فإنه كان من المرسلين الكبار أولي العزم الخمسة وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم وعلى سائر الأنبياء أجمعين. وقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾ [مريم:٥٢] أي: الجانب ((الأيمن)) من موسى حين ذهب يبتغي من تلك النار جذوة فرآها تلوح فقصدها فوجدها في جانب الطور الأيمن منه غربيه عند شاطئ الوادي فكلمه الله تعالى وناداه وقربه فناجاه. روى ابن جرير: حدثنا ابن بشار حدثنا يحيى هو القطان حدثنا سفيان عن عطاء بن يسار عن سعيد بن جبير]. الصواب أنه عطاء بن السائب كما جاء في التهذيب. قال المؤلف ﵀: [روى ابن جرير: حدثنا ابن بشار حدثنا يحيى هو القطان حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢]، قال: أدني حتى سمع صريف الأقلام. وهكذا قال مجاهد وأبو العالية وغيرهم: يعنون صريف القلم بكتابة التوراة، وقال السدي: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢] قال: أدخل في السماء فكلم وعن مجاهد نحوه. وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم:٥٢]، قال: نجا بصدقه. وروى ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الجبار بن عاصم حدثنا محمد بن سلمة الحراني عن أبي واصل عن شهر بن حوشب عن عمرو بن معد يكرب قال: لما قرب الله موسى ﷺ نجياً بطور سيناء، قال: يا موسى إذا خلقت لك قلباً شاكراً ولساناً ذاكراً، وزوجة تعين على الخير فلم أخزن عنك من الخير شيئا. وقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٣] أي: وأجبنا سؤاله وشفاعته في أخيه فجعلناه نبياً]. يعني: كقوله في سورة طه: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه:٢٩ - ٣١]، فأجاب الله دعاءه وأرسل له هارون. قال ﵀: [وقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٣] أي: وأجبنا سؤاله وشفاعته في أخيه، فجعلناه نبياً، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [القصص:٣٤]، وقال: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٣٦]، وقال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾ [الشعراء:١٣]. وقال: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:٣٦] وقال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء:١٣ - ١٤]. ولهذا قال بعض السلف: ما شفع أحد في أحد شفاعة في الدنيا أعظم من شفاعة موسى في هارون أن يكون نبياً قال الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٣]. قال ابن جرير: حدثنا يعقوب حدثنا ابن علية عن داود عن عكرمة قال: قال ابن عباس ﵄ قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٣]، قال: كان هارون أكبر من موسى ولكن أراد: وهب له نبوة]. وهب مصدر والفعل منه يهب، ولذلك قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٣]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد ذكره ابن أبي حاتم معلقاً عن يعقوب وهو ابن إبراهيم الدورقي به].

стр. 543

تفسير سورة مريم [٥٤ - ٥٨] أثنى الله تعالى في سورة مريم على كثير من الأنبياء ومنهم إسماعيل وموسى وإدريس، وذلك بما ينبغي أن يتصف به المؤمنون اقتداء بأنبياء الله ورسله من العبادة وصدق الوعد والخضوع لله.

стр. 544

تفسير قوله تعالى: (واذكر في الكتاب إسماعيل وكان عند ربه مرضياً) قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم:٥٤ - ٥٥]. قال المؤلف ﵀: [هذا ثناء من الله تعالى على إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما الصلاة والسلام، وهو والد عرب الحجاز كلهم بأنه كان صادق الوعد. قال ابن جرير: لم يعد ربه عدة إلا أنجزها يعني: ما التزم عبادة قط بنذر إلا قام بها ووفاها حقها. وقال ابن جرير: حدثني يونس أنبأنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن سهل بن عقيل حدثه أن إسماعيل النبي ﵊ وعد رجلاً مكاناً أن يأتيه فيه فجاء ونسي الرجل، فظل به إسماعيل ﵊، وبات حتى جاء الرجل من الغد فقال: ما برحت من ههنا؟ قال: لا، قال: إني نسيت، قال: لم أكن لأبرح حتى تأتيني فلذلك ﴿كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم:٥٤]. وقال سفيان الثوري: بلغني أنه أقام في ذلك المكان ينتظره حولاً حتى جاءه، وقال ابن شوذب: بلغني أنه اتخذ ذلك الموضع مسكناً. وقد رواه أبو داود في سننه وأبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي في كتابه مكارم الأخلاق من طريق إبراهيم بن طهمان عن عبد الله بن ميسرة عن عبد الكريم]. الصواب عن بديل بن ميسرة وليس عن عبد الله بن ميسرة كما جاء في التهذيب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [عن بديل بن ميسرة عن عبد الكريم يعني: ابن عبد الله بن شقيق عن أبيه عن عبد الله بن أبي الحمساء] قال في التهذيب: عبد الله بن أبي الحمساء العامري له صحبة، فهو صحابي مخضرم، أي عاش في الجاهلية وفي الإسلام. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [عن عبد الله بن أبي الحمساء قال: (بايعت رسول الله ﷺ قبل أن يبعث، فبقيت له علي بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه ذلك قال: فنسيت يومي والغد، فأتيته في اليوم الثالث وهو في مكانه ذلك فقال لي: يا فتى! لقد شققت علي! أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك)، لفظ الخرائطي وساق آثاراً حسنة في ذلك]. وهذا من الأخلاق الحميدة التي جبله الله عليها ﵊ قبل البعثة، ثم قويت وزادت بعد البعثة، فقد كان ﷺ صادق الوعد كما كان أبوه إسماعيل متصفاً بذلك. وهذا الحديث في سنده عبد الكريم بن عبد الله وهو مجهول فهذا الحديث ضعيف. قال المؤلف ﵀: [ورواه ابن مندة أبو عبد الله في كتاب معرفة الصحابة بإسناده عن إبراهيم بن طهمان عن بديل بن ميسرة عن عبد الكريم به. وقال بعضهم: إنما قيل له: ﴿صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم:٥٤] لأنه قال لأبيه: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]، فصدق في ذلك، فصدق الوعد من الصفات الحميدة كما أن خلفه من الصفات الذميمة]. من صفات المنافقين خلف الوعد، ولهذا قال النبي: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر)، وفي صحيح مسلم: (وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم) يعني: وزعم أنه مسلم حقاً، هذه المعاصي من صفات النفاق العملي، وصدق الوعد من الصفات الحميدة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣]، وقال رسول الله ﷺ : (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان). ولما كانت هذه صفات المنافقين كان التلبس بضدها من صفات المؤمنين، ولهذا أثنى الله على عبده ورسوله إسماعيل بصدق الوعد، وكذلك كان رسول الله ﷺ صادق الوعد أيضاً، لا يعد أحداً شيئاً إلا وفى له به، وقد أثنى على أبي العاص بن الربيع زوج ابنته زينب فقال: (حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي)، (ولما توفي النبي ﷺ قال الخليفة أبو بكر الصديق ﵁: من كان له عند رسول الله ﷺ عدة أو دين فليأتني أنجز له، فجاءه جابر بن عبد الله ﵄، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا -يعني: ملء كفيه- فلما جاء مال البحرين أمر الصديق جابراً فغرف بيديه من المال، ثم أمره بعده فإذا هو خمسمائة درهم فأعطاه مثليها معها)]. أي: أعطاه ألفاً وخمسمائة درهم، في ثلاث حفنات كل حفنة فيها خمسمائة درهم إنجازاً لعدة النبي ﷺ . قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥١] في هذا دلالة على شرف إسماعيل على أخيه إسحاق؛ لأنه إنما وصف بالنبوة فقط، وإسماعيل وصف بالنبوة والرسالة. وقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل)، وذكر تمام الحديث فدل على صحة ما قلناه. وقوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم:٥٥]، هذا أيضاً من الثناء الجميل والصفة الحميدة والخلة السديدة]. الَخلة بمعنى: الخصلة، أما الخُلة فهي نهاية المحبة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حيث كان صابراً على طاعة ربه ، آمراً بها لأهله، كما قال تعالى لرسوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢] الآية، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] أي: مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر، ولا تدعوهم هملاً فتأكلهم النار يوم القيامة. وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فإن أبى نضحت في وجهه الماء)، أخرجه أبو داود وابن ماجة. وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: (إذا استيقظ الرجل من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات)، رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة واللفظ له].

стр. 545

تفسير قوله تعالى: (واذكر في الكتاب إدريس) قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٦ - ٥٧]]. إسماعيل وصفه الله بأنه رسول نبي، ووصف إدريس بأنه صديق نبي، فدل على تفضيل إسماعيل على إدريس، عليهما الصلاة والسلام. وكذلك تفضيل إسماعيل على أخيه إسحاق. قال المؤلف ﵀: [ذكر إدريس ﵊ بالثناء عليه؛ بأنه كان صديقاً نبياً، وأن الله رفعه مكاناً علياً. وقد تقدم في الصحيح: (أن رسول الله ﷺ مر به في ليلة الإسراء وهو في السماء الرابعة). وقد روى ابن جرير ههنا أثراً غريباً عجيباً فقال: حدثني يونس بن عبد الأعلى أنبأنا ابن وهب أخبرني جرير بن حازم عن سليمان الأعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف قال: سأل ابن عباس ﵄ كعباً وأنا حاضر، فقال له: ما قول الله لإدريس: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٧]، فقال كعب: أما إدريس فإن الله أوحى إليه أني أرفع لك كل يوم مثل عمل جميع بني آدم، فأحب أن يزداد عملاً فأتاه خليل له من الملائكة فقال له: إن الله أوحى إلي كذا وكذا، فكلم لي ملك الموت فليؤخرني حتى أزداد عملاً، فحمله بين جناحيه حتى صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاهم ملك الموت منحدراً، فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس فقال: وأين إدريس؟ قال: هو ذا على ظهري، قال ملك الموت: العجب بعثت وقيل لي: اقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض؟ فقبض روحه هناك، فذلك قول الله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٧]، هذا من أخبار كعب الأحبار الإسرائيليات وفي بعضه نكارة والله أعلم]. وهذا من أخبار بني إسرائيل، وكعب يخبر كثيراً عن بني إسرائيل وهو ممن أسلم من التابعين ويأخذ عن بني إسرائيل كثيراً، ولا يعتمد على مثل هذا. ولكن ظاهر قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٧]، المراد به المكانة الرفعية، أو الرفعة المعنوية، وأن له مكانة ومنزلة عند الله ، هذا هو ظاهر الآية. أما كونه قبض في السماء الرابعة كما قاله كعب الأحبار، ولا يعتمد على هذا إلا بخبر صحيح عن المعصوم ﷺ . ولهذا قال الحافظ إن ابن جرير روى أثراً عجيباً غريباً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس ﵄، أنه سأل كعباً فذكر نحو ما تقدم غير أنه قال لذلك الملك: هل لك أن تسأله -يعني: ملك الموت- كم بقي من أجلي لكي أزداد من العمل، وذكر باقيه، وفيه: أنه لما سأله عما بقي من أجله قال: لا أدري حتى أنظر، فنظر ثم قال: إنك تسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين، فنظر الملك تحت جناحه فإذا هو قد قبض ﵊، وهو لا يشعر به. ثم رواه من وجه آخر عن ابن عباس ﵄: أن إدريس ﷺ كان خياطاً، فكان لا يغرز إبرة إلا قال: سبحان الله، فكان يمسي حين يمسي وليس في الأرض أحد أفضل عملاً منه، وذكر بقيته كالذي قبله أو نحوه. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٧] قال: إدريس رفع ولم يمت كما رفع عيسى. وقال سفيان عن منصور عن مجاهد: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٧] قال: السماء الرابعة. وقال العوفي عن ابن عباس ﵄: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٧] قال: رفع إلى السماء السادسة فمات بها، وهكذا قال الضحاك بن مزاحم. وقال الحسن وغيره في قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٧] قال: الجنة]. الأقرب أن معنى قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم:٥٧] أي: رفعناه مكاناً عليا في الجنة، أما هذه الآثار عن كعب فلا يعتمد عليها. أما داود ﵇ فهو الذي زاده آدم من عمره.

стр. 546

تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين)

стр. 547

النبيون الذين أنعم الله عليهم قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى: (هؤلاء النبيون)، وليس المراد المذكورين في هذه السورة فقط، بل جنس الأنبياء ﵈، استطرد من ذكر الأشخاص إلى الجنس ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ [مريم:٥٨] الآية. قال السدي وابن جرير ﵀: فالذي عني به من ذرية آدم إدريس، والذي عنى به من ذرية من حملنا مع نوح إبراهيم، والذي عنى به من ذرية إبراهيم إسحاق ويعقوب وإسماعيل والذي عنى به من ذرية إسرائيل موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى بن مريم. قال ابن جرير: ولذلك فرق أنسابهم، وإن كان يجمع جميعهم آدم]. قوله: الذي عنى به من ذرية آدم إدريس هذا على القول بأن إدريس قبل نوح ﵇ وأنه جده. والقول الثاني: أن إدريس من أنبياء بني إسرائيل، وعلى هذا يكون ممن جاء بعد موسى ﵊. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لأن فيهم من ليس من ولد من كان مع نوح في السفينة وهو إدريس فإنه جد نوح]. وهذا على أحد القولين كما تقدم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [(قلت) هذا هو الأظهر أن إدريس في عمود نسب نوح ﵉]. وهذا اختيار البخاري ﵀، أن إدريس هو جد نوح، وقد ذكره في الصحيح. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد قيل إنه من أنبياء بني إسرائيل أخذاً من حديث الإسراء]. وهذا هو القول الثاني. أما حديث الإسراء فدل على أنه من بني إسرائيل؛ لأنه رحب بالنبي ﷺ ، فقال: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، فلو كان من عمود النسب، لقال: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح، ولهذا فإن إبراهيم ﵇ قال: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح، وكذلك آدم ﵇ حيث قال: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح؛ لأنه في سلسلة النسب. فدل على أن إدريس أخو النبي ﷺ مثل موسى وعيسى ويوسف، فإنهم كلهم قالوا: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، وهذا دليل على أنهم من أنبياء بني إسرائيل، وأن إدريس ﵇ ليس في سلسلة عمود النسب. وبعض العلماء كالحافظ ابن كثير وابن جرير والبخاري اختاروا أنه جد نوح. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد قيل إنه من أنبياء بني إسرائيل أخذاً من حديث الإسراء حيث قال في سلامه على النبي ﷺ : (مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح)، ولم يقل: والولد الصالح، كما قال آدم وإبراهيم ﵉. وروى ابن أبي حاتم: حدثنا يونس قال: أنبأنا ابن وهب قال: أخبرني ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الله بن عمر أن إدريس أقدم من نوح]. في حاشية نسخة الأزهر: عبد الله بن محمد، وفي نسخة الحرم. عبد الله بن عمر. وهذا الحديث ضعيف لأن في إسناده ابن لهيعة وفيه أيضاً يزيد بن أبي حبيب وهو مدلس، وهذا الحديث موقوف على عبد الله بن محمد أو عبد الله بن عمر. وفي النسخة الثالثة عن عبد الله بن عمرو، فإنه كان يحدث كثيراً عن أهل الكتاب. قال المؤلف ﵀: [أن أدريس أقدم من نوح، فبعثه الله إلى قومه، فأمرهم أن يقولوا لا إله إلا الله، ويعملوا ما شاءوا فأبوا، فأهلكهم الله ]. يزيد بن أبي حبيب المصري أبو رجاء واسم أبيه سويد، واختلف في ولائه، وكان ثقة فقيه، وكان يرسل من الخامسة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومما يؤيد أن المراد بهذه الآية جنس الأنبياء أنها كقوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٨٤ - ٨٧]، إلى أن قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٩٠]. وقال : ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر:٧٨]، وفي صحيح البخاري عن مجاهد أنه سأل ابن عباس: أفي (ص) سجدة؟ فقال: نعم، ثم تلا هذه الآية: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، فنبيكم ممن أمر أن يقتدي بهم، قال: وهو منهم. يعني داود. وقال الله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨] أي: إذا سمعوا كلام الله المتضمن حججه ودلائله وبراهينه سجدوا لربهم خضوعاً واستكانةً حمداً وشكراً على ما هم فيه من النعم العظيمة، والبكي: جمع باك، فلهذا أجمع العلماء على شرعية السجود ههنا اقتداء بهم، واتباعاً لمنوالهم].

стр. 548

عدد سجدات القرآن هذه السجدة متفق عليها ولا شك، وسجود التلاوة مستحب وليس واجباً، واختلف العلماء في عدد سجدات القرآن، فمنهم من قال: إنها أربع عشرة، ومنهم من قال: إنها خمس عشرة سجدة، واختلفوا في سجدات المفصل، وكذلك السجدة الثانية في سورة الحج. والأقرب أنها خمس عشرة سجدة ومنها السجدة التي في (ص) والصواب أن سجدة (ص) مستحبة كما ثبت في البخاري عن ابن عباس (أن سجدة (ص) ليست من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال سفيان الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر قال: قرأ عمر بن الخطاب ﵁ سورة مريم فسجد، وقال: هذا السجود فأين البكي؟ يريد البكاء]. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير وسقط من روايته ذكر أبي معمر فيما رأيت فالله أعلم]. أبو معمر سقط من رواية ابن جرير وهو موجود في رواية ابن أبي حاتم ورواية ابن جرير هي: قال ابن أبي حاتم: حدثنا ابن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر. وسفيان عن الأعمش هو سفيان الثوري.

стр. 549

درجات ومراتب الذين أنعم الله عليهم وهذه الآية فيها أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم في الدرجة الأولى ويدخلون في مقدمة من أنعم الله عليهم دخولاً أولياً، وهو قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧]، فهم الذين أنعم الله عليهم بالعلم والعمل، وأعطاهم الله تعالى الحكمة والنبوة، ووفقهم إلى العمل لهداية الناس وتبصيرهم وتبليغ الشريعة التي أنزلها الله عليهم. وأتباعهم من الصديقين والشهداء والصالحين هم ممن أنعم الله عليهم وهم في درجات بعد درجة الأنبياء، كما قال : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء:٦٩]، فهؤلاء أربع درجات: النبيون في الدرجة الأولى، ولهذا قال سبحانه في الآية السابقة: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ [مريم:٥٨]، ثم الصديقون في الدرجة الثانية بعد درجة الأنبياء، ثم الشهداء، ثم الصالحون على اختلاف منازلهم ومراتبهم. والصالحون طبقات أعلاهم: السابقون المقربون، ثم أصحاب اليمين، ثم بعد ذلك الظالمون لأنفسهم الذين أنعم الله عليهم بالإيمان والتوحيد؛ لكن عندهم نقص وضعف حين ارتكبوا بعض المعاصي أو قصروا في الواجبات.

стр. 550

تفسير سورة مريم [٥٩ - ٦٠] ذكر الله تعالى حزب السعداء من النبيين والصديقين والشهداء، ثم ذكر خلوف الأشقياء الذين يضيعون الصلاة ولا يؤتون الزكاة، وبين عاقبتهم.

стр. 551

تفسير قوله تعالى: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة)

стр. 552

حكم تارك الصلاة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم:٥٩ - ٦٠]. لما ذكر تعالى حزب السعداء وهم الأنبياء ﵈ ومن اتبعهم من القائمين بحدود الله وأوامره، المؤدين فرائض الله التاركين لزواجره، ذكر أنه ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [مريم:٥٩] أي: قرون أخر، ﴿أَضَاعُوا الصَّلاةَ﴾ [مريم:٥٩]، وإذا أضاعوها فهم لما سواها من الواجبات أضيع؛ لأنها عماد الدين وقوامه، وخير أعمال العباد، وأقبلوا على شهوات الدنيا وملاذها، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، فهؤلاء ﴿يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩] أي: خساراً يوم القيامة. وقد اختلفوا في المراد بإضاعة الصلاة ههنا، فقال قائلون: المراد بإضاعتها تركها بالكلية، قاله محمد بن كعب القرظي وابن زيد بن أسلم والسدي واختاره ابن جرير. ولهذا ذهب من ذهب من السلف والخلف والأئمة كما هو المشهور عن الإمام أحمد، وقول عن الشافعي إلى تكفير تارك الصلاة للحديث: (بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة)، والحديث الآخر: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) وليس هذا محل بسط هذه المسألة]. الحديث الأول: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) رواه الإمام مسلم من حديث جابر، وهو حديث بريدة بن الحصيب: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) رواه الإمام أحمد وأهل السنن بسند جيد، ومن جحد وجوبها فهو كافر بإجماع المسلمين، أما إذا أقر بوجوبها ثم تركها كسلاً أو تهاوناً فهذا محل الخلاف. والصواب أنه يكفر، وهذا الذي عليه الأئمة كما ذكر المؤلف ﵀ وهو إجماع الصحابة، كما نقل عبد الله بن شقيق العقيلي الصحابي الجليل إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة، ونقل ابن حزم وإسحاق بن راهويه الإجماع على كفر تارك الصلاة كسلاً أو تهاوناً. ومن الأدلة على ذلك قول النبي ﷺ الذي رواه البخاري: (من ترك صلاة العصر حبط عمله) فمن ترك صلاة العصر بالكلية حتى خرج وقتها ولو فرضاً واحداً على القول الصحيح فقد حبط عمله، والذي يحبط عمله هو الكافر. وقال آخرون من أهل العلم: لا يكفر إلا إذا ترك جميع الصلوات، أما إذا كان يصلي في بعض الأحيان ويترك في البعض الآخر، فهذا كفره كفر أصغر. والصواب أنه يكفر بترك صلاة واحدة، إذا تركها متعمداً حتى خرج وقتها لا جاهلاً ولا ناسياً ولا متأولاً ولا نائماً نوماً يعذر فيه.

стр. 553

معنى إضاعة الصلاة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الأوزاعي: عن موسى بن سليمان عن القاسم بن مخيمرة في قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ﴾ [مريم:٥٩]، قال: إنما أضاعوا المواقيت، ولو كان تركاً كان كفراً. وقال وكيع عن المسعودي]. المسعودي مختلف في صحة حديثه، فهذا الأثر ضعيف. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال وكيع: عن المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن والحسن بن سعد عن ابن مسعود أنه قيل له: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٥] و ﴿عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج:٢٣] و ﴿عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام:٩٢]. قال ابن مسعود: على مواقيتها، قالوا: ما كنا نرى ذلك إلا على الترك، قال ذاك الكفر]. أي: أن تارك الصلاة كافر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال مسروق: لا يحافظ أحد على الصلوات الخمس فيكتب من الغافلين، وفي إفراطهن الهلكة، وإفراطهن: إضاعتهن عن وقتهن. وقال الأوزاعي عن إبراهيم بن يزيد: أن عمر بن عبد العزيز قرأ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩]، ثم قال: لم تكن إضاعتهم تركها، ولكن أضاعوا الوقت.

стр. 554

معنى قوله تعالى: (واتبعوا الشهوات) وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم:٥٩]، قال: عند قيام الساعة، وذهاب صالحي أمة محمد ﷺ ، ينزو بعضهم على بعض في الأزقة]. الأزقة هي: الأسواق، والمراد بقوله: عند قيام الساعة أي: عند قرب قيام الساعة، ويشير إلى ما ورد في الحديث أنه في آخر الزمان وفي قرب قيام الساعة تأتي ريح طيبة وباردة من جهة اليمن فتقبض أرواح المؤمنين والمؤمنات، حتى لو كان المؤمن في كبد جبل لدخلت إليه حتى تقبضه، فلا يبقى على وجه الأرض إلا الكفرة، فيتناكحون في الأسواق وفي الشوارع مثل الحيوانات، فعليهم تقوم الساعة، فهؤلاء لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً ولا يعرفون التوحيد، قال النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله). وهذا في آخر الزمان بعد علامات الساعة الكبرى، فيتمثل لهم الشيطان فيأمرهم بعبادة الأصنام والأوثان، وهم بذلك على أحسن حال في رزقهم وعيشهم فعليهم تقوم الساعة وهم يعملون، فلهم عقول لكن لا ينتفعون بها، ولهم آذان يسمعون بها في أمور دنياهم، ويبيعون ويشترون ويأكلون ويشربون ويغرسون، فتقوم الساعة وأحدهم يغرس الفسيلة قبل أن ينتهي من غرسها، وكذلك يرفع اللقمة فلا تصل إلى فمه حتى تقوم عليه الساعة، وتقوم الساعة والرجل يلوط الحوض لإبله، وتقوم الساعة والرجلان يتمادان في بيع القماش. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذا روى ابن جريج عن مجاهد مثله، وروى جابر الجعفي عن مجاهد وعكرمة وعطاء بن أبي رباح أنهم من هذه الأمة. يعنون في آخر الزمان. وقال ابن جرير: حدثني الحارث قال: حدثنا الحسن الأشيب قال: حدثنا شريك عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم:٥٩] قال: هم في هذه الأمة يتراكبون تراكب الأنعام والحمر في الطرق، لا يخافون الله في السماء، ولا يستحيون الناس في الأرض]. جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي أبو عبد الله الكوفي ضعيف رافضي مدلس من الخامسة، فهو ضعيف في الحفظ ورافضي في العقيدة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي قال: حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ قال: حدثنا حيوة حدثنا بشير بن أبي عمرو الخولاني أن الوليد بن قيس حدثه: أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يكون خلف بعد ستين سنة أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيًّا)]. الخلْف بإسكان اللام هو العقب الفاسد، وبالفتح هو العقب الصالح، فعلى المعنى الأول قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ﴾ [مريم:٥٩]، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف:١٦٩]. وعلى المعنى الثاني يقال: هؤلاء خير خلف لخير سلف، أي: هؤلاء صالحون يتبعون السلف الصالح. قال: [(ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن ومنافق وفاجر). قال بشير: قلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المؤمن مؤمن به، والمنافق كافر به، والفاجر يأكل به، وهكذا رواه أحمد عن أبي عبد الرحمن المقرئ به. وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثني أبي حدثنا إبراهيم بن موسى أنبأنا عيسى بن يونس حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب عن مالك عن أبي الرجال (أن عائشة كانت ترسل بالشيء صدقة لأهل الصفة، وتقول: لا تعطوا منه بربرياً ولا بربرية، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: هم الخلف الذين قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ﴾ [مريم:٥٩])، هذا حديث غريب]. وعبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب ليس بالقوي، فيه غرابة ونكارة. وأهل الصفة هم فقراء الصحابة كانوا يسكنون زاوية في المسجد. وأبو الرجال هو: أبو محمد بن عبد الرحمن بن حارثة البخاري. وفي قوله: (هذا حديث غريب) قال: ورواه الحاكم في المستدرك من طريق الحسن بن علي عن إبراهيم بن موسى به، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي بقوله: عبيد الله مختلف في توثيقه، ومالك لا أعرفه ثم هو منقطع]. فهذا الحديث ضعيف لأنه منقطع، ومالك هذا يقول عنه الذهبي أنه لا يعرفه. والحديث فيه نكارة وغرابة وهو أنها تبعث الصدقة لأهل الصفة، وتقول: لا تعطوا منه بربرياً ولا بربرية، لأن أهل الصفة ليس فيهم بربري ولا بربرية، ولو فرضنا أنهم فيهم فيكون مسلمين في المدينة، ولا يمكن أن يكونوا مع أهل الصفة وهم كفار. ومن وجوه الغرابة فيه قصر إضاعة الصلاة على جنس بعينه، وليس في الكتاب ولا في السنة الصحيحة دليل على ذلك. فكل من أضاع الصلاة واتبع الشهوات سواء كان من البربر أو من غيرهم، فإنه من الذين قال الله فيهم: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم:٥٩]. فلا يثبت هذا الأثر لانقطاعه، وضعف عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب كما قال الذهبي ﵀، ولأن في متنه غرابة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أيضاً، قال: حدثني أبي قال: حدثنا عبد الرحمن بن الضحاك قال: حدثنا الوليد قال: حدثنا حريز عن شيخ من أهل المدينة أنه سمع محمد بن كعب القرظي يقول في قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [مريم:٥٩] الآية، قال: هم أهل الغرب يملكون وهم شر من ملك]. وهذا الحديث غريب وفيه مجهول، وهو قوله: عن شيخ من أهل المدينة. وفي هذه النسخة: حدثنا حريز، وفي نسخة أخرى: حدثنا ابن جرير. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال كعب الأحبار: والله إني لأجد صفة المنافقين في كتاب الله : شرابين للقهوات تاركين للصلوات، لعابين بالكعبات رقادين عن العتمات مفرطين في الغدوات تراكين للجماعات قال: ثم تلا هذه الآية: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩]]. المراد بالقهوات جمع قهوة وهي الخمر، لأنهم يشربونها شيئاً بعد شيء. وقوله: تراكين للصلوات، وفي نسخة تاركين، فتراكين صيغة مبالغة. والكعبات هي من أنواع الميسر والقمار ويوجد في هذا الزمان أنواع من الكعبات. فقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم:٥٩]، أي: شربوا الخمر ولعبوا الميسر. والعتمات جمع عتمة وهي صلاة العشاء، فكانوا يرقدون عنها، والغدوات جمع غداة وهي صلاة الفجر. فهؤلاء جمعوا شروراً كثيرة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الحسن البصري: عطلوا المساجد ولزموا الضيعات]. الضيعات هي الأموال والمزارع، فكانوا يشتغلون فيها ويضيعون الصلوات. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أبو الأشهب العطاردي: أوحى الله تعالى إلى داود: يا داود! حذر وأنذر أصحابك أكل الشهوات، فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة، وإن أهون ما أصنع بالعبد من عبيدي إذا آثر شهوة من شهواته عليَّ أن أحرمه طاعتي]. هذا من أخبار بني إسرائيل، والراوي أبو أشهب العطاردي وبينه وبين داود ﵇ دهور، وهذا الأثر قد يكون معناه صحيحاً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب قال: حدثنا أبو السمح التميمي]. وأبو السمح هو دراج بتثقيل الراء وآخره جيم ابن سمعان أبو السمح بمهملتين الأولى مفتوحة والميم ساكنة، قيل اسمه عبد الرحمن ودراج لقب، السهمي مولاهم المصري القاص صدوق في حديثه عن أبي الهيثم ضعف. فإذا روى عن أبي الهيثم يكون ضعيفاً وهو صدوق، إذا روى عن غيره. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [عن أبي قبيل أنه سمع عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : (إني أخاف على أمتي اثنتين: القرآن واللبن، أما اللبن فيتبعون الريف ويتبعون الشهوات ويتركون الصلوات، وأما القرآن فيتعلمه المنافقون فيجادلون به المؤمنين)]. ومعنى الحديث أنهم يتبعون الشهوات في الدنيا، فيربون الأغنام والأبقار والإبل ويظهرون ويتوسعون في هذا ويتركون الصلوات. وأبو قبيل هو حيي بن هانئ بن ناضر بنون ومعجمة أبو قبيل بفتح القاف وكسر الموحدة بعدها تحتانية ساكنة المعافري البصري صدوق يهم من الثالثة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ورواه عن حسن بن موسى عن ابن له

стр. 555

معنى قوله تعالى: (فسوف يلقون غياً) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩]. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩] أي: خسراناً، وقال قتادة: شراً. وقال سفيان الثوري وشعبة ومحمد بن إسحاق عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود ﵁: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩]، قال: واد في جهنم بعيد القعر، خبيث الطعم]. وهذا الأثر عن عبد الله بن مسعود ضعيف لأنه منقطع، فـ أبو عبيدة لم يسمع من أبيه عبد الله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الأعمش: عن زياد عن أبي عياض في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩]، قال: واد في جهنم من قيح ودم. وقال الإمام أبو جعفر ابن جرير: حدثني عباس بن أبي طالب حدثنا محمد بن زياد حدثنا شرقي بن قطامي عن لقمان بن عامر الخزاعي قال: جئت أبا أمامة صدي بن عجلان الباهلي ﵁ فقلت: حدثنا حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ ، فدعا بطعام ثم قال: قال رسول الله ﷺ : (لو أن صخرة زنة عشر أواق قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها خمسين خريفاً، ثم تنتهي إلى غي وآثام قال: قلت ما غي وآثام؟ قال: بئران في أسفل جهنم يسيل فيهما صديد أهل النار، وهما اللذان ذكرهما الله في كتابه، ﴿أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم:٥٩]) وقوله في الفرقان: ﴿وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان:٦٨]، هذا حديث غريب ورفعه منكر]. أبو الزرقاء هو شرقي بن سباط. وابن زياد كما في تفسير الطبري هو محمد بن زياد بن زبار. هذا الحديث رفعه إلى النبي ﷺ منكر كما ذكر الحافظ رحمه الله تعالى، لكن قوله: إن قعرها خمسون خريفاً، فهذا موافق لما ثبت في صحيح مسلم أنه ﷺ سمع وجبة، يعني: صوتاً، فقال: (هذا حجر قذف به في جهنم منذ سبعين خريفاً أو أربعين خريفاً حتى بلغ قعرها) فالحديث السابق يحتاج إلى أن يراجع سنده لمعرفة رواته واتصال السند. والغي هو الخسار والهلاك.

стр. 556

تفسير قوله تعالى: (إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يدخلون الجنة) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [مريم:٦٠] أي: إلا من رجع عن ترك الصلوات واتباع الشهوات، فإن الله يقبل توبته ويحسن عاقبته ويجعله من ورثة جنة النعيم، ولهذا قال: ﴿فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [مريم:٦٠]؛ وذلك لأن التوبة تجب ما قبلها. وفي الحديث الآخر: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له)]. من فضل الله تعالى وإحسانه أن التوبة من جميع الذنوب والمعاصي تجب ما قبلها، إذا كانت توبة نصوحاً قبل بلوغ الروح الحلقوم وقبل طلوع الشمس من مغربها في آخر الزمان، بأن تكون توبة بإخلاص وصدق وإقلاع عن الذنب وندم وعزم صادق، ورد المظلمة إلى أهلها إن كانت بينه وبين الناس قبل الله توبته. قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣] وقد أجمع العلماء على أنه هذه الآية في التائبين، وأن الله يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب. بخلاف آية النساء قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فهذه الآية في غير التائبين؛ لأنه خصص وعلق، خص الشرك بأنه لا يغفره، وعلق ما دونه على المشيئة، وقد عرض الله التوبة على المثلثة الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣]، ثم قال: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ [المائدة:٧٤]، وكذلك عرضها على المنافقين، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا﴾ [النساء:١٤٥ - ١٤٦]. فالتوبة مقبولة ممن تاب إلى الله تعالى توبة نصوحاً إذا وجدت شروطها وكانت في وقت الإمكان، وأتبع التوبة بالإيمان والعمل الصالح، فإن الله يبدل سيئاته حسنات، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠] وهذا فضل من الله تعالى وإحسان. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا لا ينقص هؤلاء التائبون من أعمالهم التي عملوها شيئاً، ولا قوبلوا بما عملوه قبلها، فينقص لهم مما عملوه بعدها؛ لأن ذلك ذهب هدراً وترك نسياً وذهب مجاناً من كرم الكريم وحلم الحليم]. قوله: لأن ذلك ذهب هدراً يعني: أن السيئة محيت ولا يقابل بشيء من الأعمال ولا يسقط شيء من الحسنات. قال: [لأن ذلك ذهب هدراً وترك نسياً وذهب مجاناً من كرم الكريم وحلم الحليم، وهذا الاستثناء هاهنا كقوله في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان:٦٨] إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٧٠].

стр. 557

تفسير سورة مريم [٦١ - ٦٥] وعد الله تعالى عباده المؤمنين بالجنة، ووعدهم فيها بالنعيم المقيم، وحينئذ يندم الكفار والمنافقون.

стр. 558

تفسير قوله تعالى: (جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب) يقول تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا * تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم:٦١ - ٦٣]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: يقول تعالى: الجنات التي يدخلها التائبون من ذنوبهم هي جنات عدن، أي: جنات الإقامة التي وعد الرحمن عباده بظهر الغيب. أي هي من الغيب الذي يؤمنون به وما رأوه، وذلك لشدة إيقانهم وقوة إيمانهم. وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم:٦١] تأكيد لحصول ذلك وثبوته واستقراره فإن الله لا يخلف الميعاد ولا يبدله كقوله: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزمل:١٨] أي: كائناً لا محالة. وقوله ههنا ﴿مَأْتِيًّا﴾ [مريم:٦١] أي: العباد صائرون إليه وسيأتونه. ومنهم من قال ﴿مَأْتِيًّا﴾ [مريم:٦١] بمعنى آتياً؛ لأن كل ما أتاك فقد أتيته كما تقول العرب: أتت علي خمسون سنة، وأتيت على خمسين سنة، كلاهما بمعنى واحد. وقوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ [مريم:٦٢] أي هذه الجنات ليس فيها كلام ساقط تافه لا معنى له كما قد يوجد في الدنيا. وقوله: ﴿إِلَّا سَلامًا﴾ [مريم:٦٢] استثناء منقطع كقوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة:٢٥ - ٢٦]]. استثناء منقطع؛ لأنه مستثنى من غير مستثنى منه، ويمثل النحاة لهذا مثل قولهم: قام القوم إلا حماراً، وقام الرجال إلا حماراً، هذا يسمى استثناءً منقطعاً، لأن المستثنى من غير جنس المستثنى منه. وقوله: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلامًا﴾ [مريم:٦٢] السلام غير اللغو والاستثناء المنقطع بمعنى: (لكن)، أي: لا يسمعون فيها لغواً لكن يسمعون سلاماً. قال: [وقوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم:٦٢] أي: في مثل وقت البكرات ووقت العشيات، لا أن هناك ليلاً ونهاراً، ولكنهم في أوقات تتعاقب يعرفون مضيها بأضواء وأنوار]. قوله: يعني ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم:٦٢] يعني: بمقدار وقت البكرة وبمقدار وقت العشي؛ لأن الجنة ليس فيها ليل ولا نهار، بل نهار مطرد، ولكن يعرفون مقدار البكرة والعشي بأنوار تظهر لهم تحت العرش تكون بمقدار وقت البكرة ومقدار وقت العشي. فقوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم:٦٢] يعني: بمقدار وقت أول النهار وآخر النهار، يعرفون ذلك بأنوار تحت العرش، وإلا فليس في الجنة ليل بل نهار مطرد. قال: [كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يتمخطون فيها ولايتغوطون، آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقها من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض)]. نسأل الله أن يجعلنا منهم، هؤلاء أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، أي: ليلة أربع عشرة أو خمس عشرة، لا يبولون ولا يتمخطون ولا يتغوطون ولا يموتون ولا يمرضون ولا يسقمون وليس عندهم هموم ولا أحزان، صحة دائمة وشباب دائم، وطهارة دائمة، وسعة صدر دائم، نزع الغل من نفوسهم بعدما اقتص بعضهم من بعض قبل دخول الجنة، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]. لكل واحد منهم زوجتان، يعني: هذا عام لكل واحد، وليس في الجنة أعزب، ولكل واحد منهم زوجتان، يعني: سوى زوجته في الدنيا، فقد يكون الإنسان له زوجات كثيرة، لكن هذا بالنسبة للعموم كل واحد مهما كانت درجته له زوجتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الصفاء، ويرى وجهه في صدرها كالمرآة، ويرى مخ ساقها من وراء الثياب. قال: [قال: (قلوبهم على قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا)]. نسأل الله الكريم من فضله، يسبحون الله بكرة وعشياً، يعني: بمقدار البكرة والعشي، وهذا التسبيح ليس تكليفاً وإنما هو نعيم يتنعمون به، يلهمون التسبيح والحمد كما يلهمون النفس، وكما أن الإنسان يتنفس ويتلذذ بالتنفس وهو راحة له، فكذلك أهل الجنة نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، قال تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [يونس:١٠] فالجنة ليس فيها تكليف، لكن هذا نعيم يتنعمون به. قال: [أخرجاه في الصحيحين من حديث معمر به. وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثنا الحارث بن فضيل الأنصاري عن محمود بن لبيد الأنصاري عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (الشهداء على بارق -نهر بباب الجنة- في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشياً) تفرد به أحمد من هذا الوجه]. وهذا يعني: قبل القيامة، وفي الحديث الآخر: (أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة ترد أنهارها وتأكل من ثمارها) وذلك لما بذل الشهداء أجسادهم لله فقتلوا في سبيل الله، عوض الله أرواحهم أجساداً يتنعمون بواسطتها، جعلت في حواصل طير خضر. فالمؤمن إذا مات بقيت روحه في الجنة تتنعم، وروح الكافر تنقل وتقذف في النار، والجسد جرى له ما قدر له، والروح لها صلة بالجسد، فالشهداء تتنعم أرواحهم في الجنة بواسطة طير خضر؛ لأنهم بذلوا أجسادهم لله وأبلوها في سبيله، فعوضهم الله أجساداً أخرى تتنعم بواسطتها وهي حواصل طير خضر. أما المؤمن غير الشهيد فإن روحه تتنعم وحدها مفردة فتأخذ شكل طائر كما في الحديث: (نسمة المؤمن طائر يعلق في الجنة، يأكل من أشجارها حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه) (نسمة المؤمن) يعني: روح المؤمن، طائر: على شكل طائر، (يعلق): يأكل في الجنة، (حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه). هذا المؤمن غير الشهيد، أما الشهيد فإن روحه تتنعم بواسطة طير خضر (أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة ترد أنهارها وتأكل من ثمارها حتى يبعث الله أجسادهم وهم على النهر). قال: [وقال الضحاك عن ابن عباس ﵄ ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم:٦٢] قال: مقادير الليل والنهار. وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهل حدثنا الوليد بن مسلم قال: سألت زهير بن محمد عن قول الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم:٦٢] قال: ليس في الجنة ليل، هم في نور أبداً، ولهم مقدار الليل والنهار يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وبفتح الأبواب. وبهذا الإسناد عن الوليد بن مسلم عن خليد عن الحسن البصري وذكر أبواب الجنة فقال: أبواب يرى ظاهرها من باطنها فتكلم وتكلم فتفهم انفتحي انغلقي فتفعل]. يعني: يكلمونها في الجنة فتجيب. قال: [وقال قتادة في قوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم:٦٢] فيها ساعتان بكرة وعشي، ليس ثم ليل ولا نهار وإنما هو ضوء ونور. وقال مجاهد: ليس بكرة ولا عشي ولكن يأتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا. وقال الحسن وقتادة وغيرهما: كانت العرب الأنعم فيهم من يتغدى ويتعشى، فنزل القرآن على ما في أنفسهم من النعيم فقال تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم:٦٢]. وقال ابن مهدي عن حماد بن زيد عن هشام عن الحسن: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم:٦٢] قال: البكور يرد على العشي والعشي يرد على البكور، ليس فيها ليل. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين حدثنا سليمان بن منصور بن عمار حدثني أبي حدثني محمد بن زياد قاضي أهل شماط عن عبد الله بن حدير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ما من غداة من غدوات الجنة وكل الجنة غدوات، إلا أنه يزف إلى ولي الله فيها زوجة من الحور العين أدناهن التي خلقت من الزعفران) قال أبو محمد: هذا حديث غريب منكر]. فيه منصور بن عمار، قال في الجرح والتعديل: ليس بالقوي صاحب هوى. وفيه نكارة من جهة المتن، كل غدوة تزف إلى الإنسان زوجة من الحور العين، والغدوات كثيرة إلى ما لا نهاية، وإن كان فضل الله واسعاً، لكن هذا يحتاج إلى ثبوت بالدليل الصحيح. وغُدوة بالضم كالُبكرة أي: ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس، والغداة: تجمع على غدوات وغديات وغدايا وعشي، أي: لا يقال: غدايا إلا مع عشايا، وغدا عليه غدواً وغُدوة بالضم. قال: [وقوله: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُور

стр. 559

تفسير قوله تعالى: (وما نتنزل إلا بأمر ربك) يقول تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا * رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٤ - ٦٥]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال الإمام أحمد: حدثنا يعلى ووكيع قالا: حدثنا عمر بن بر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: (قال رسول الله ﷺ لجبرائيل: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ قال: فنزلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم:٦٤] إلى آخر الآية). انفرد بإخراجه البخاري ﵀ فرواه عند تفسير هذه الآية عن أبي نعيم عن عمر بن بر به. ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث ابن عمر به، وعندهما زيادة في آخر الحديث: (فكان ذلك الجواب لمحمد ﷺ . وقال العوفي عن ابن عباس ﵄ (احتبس جبرائيل عن رسول الله ﷺ فوجد رسول الله ﷺ من ذلك وحزن، فأتاه جبرائيل وقال: يا محمد! ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم:٦٤] الآية). وقال مجاهد: لبث جبرائيل عن محمد ﷺ اثنتي عشرة ليلة، ويقولون: أقلي؟] استفهام يعني: أأبغض؟! قال تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:٣] يعني: وما أبغضك ويقولون: أقلي؟ أي: هل كان تأخر هذه المدة لأنه أبغض؟ يعني: هل تأخره لهوان النبي ﷺ ، فنزلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم:٦٤] فالتنزل إنما هو بأمر الله، وجواب هذا: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:٣] يعني: ما أبغضك. وسبب نزول الآية: ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى:١] ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:٣] أنه لما لبث الوحي عن النبي ﷺ جاءت امرأة مشركة وقالت: ما أرى شيطانك يا محمد إلا قلاك أو أبغضك، فنزلت: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:٣]. قال: [وقال مجاهد: لبث جبرائيل عن محمد ﷺ اثنتي عشرة ليلة، ويقولون: أقلي فلما جاءه قال: يا جبرائيل! لقد رثت علي]. قوله: (لقد رثت) أي: تأخرت، راث يريث أي: تأخر. قال: [قال: يا جبرائيل! لقد رثت علي حتى ظن المشركون كل ظن، فنزلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم:٦٤] الآية. وهذه الآية كالتي في الضحى، وكذلك قال الضحاك بن مزاحم وقتادة والسدي وغير واحد أنها نزلت في احتباس جبرائيل. وقال الحكم بن أبان عن عكرمة قال: أبطأ جبرائيل النزول على النبي ﷺ أربعين يوماً، ثم نزل فقال له النبي ﷺ : ما نزلت حتى اشتقت إليك. فقال له جبريل: بل أنا كنت إليك أشوق ولكني مأمور، فأوحى الله إلى جبرائيل أن قل له: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم:٦٤] رواه ابن أبي حاتم ﵀ وهو غريب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن مجاهد قال: (أبطأت الرسل على النبي ﷺ ثم أتاه جبريل فقال له: ما حبسك يا جبريل؟ فقال له جبريل: وكيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم، ولا تنقون براجمكم)]. والبراجم: مفاصل الأصابع، وهي من الفطرة؛ لأنه جاء في الحديث (عشر من الفطرة) وذكر منها غسل البراجم، أي: مفاصل الأصابع. وتنقون يعني: تنظفون البراجم؛ لأن تنظيفها من الفطرة: (غسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقص الشارب، وقص الأظفار) كل هذه من الفطرة. قال: [فقال له جبريل: (وكيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم ولا تنقون براجمكم ولا تأخذون شواربكم ولا تستاكون، ثم قرأ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم:٦٤])]. وقد قال الطبراني ﵀: حدثنا أبو عامر النحوي محمد بن إبراهيم الصوري حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي حدثنا إسماعيل بن عياش أخبرني ثعلبة بن مسلم عن أبي كعب مولى ابن عباس ﵄ عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ (أن جبرائيل أبطأ عليه فذكر له ذلك، فقال: وكيف أنتم لا تستنون ولا تقلمون أظافركم، ولا تقصون شواربكم، ولا تنقون براجمكم) وهكذا رواه الإمام أحمد]. إذاً لابد من النظافة لمقابلة الملائكة، ولهذا كان النبي ﷺ يحرص على الرائحة الطيبة ويكره الرائحة الكريهة، وفي بعض المرات امتنع من أكل بعض الخضروات التي لها رائحة كالكراث وغيره فامتنع أحد الصحابة فقال: (كل، فإني أناجي من لا تناجي)، يعني: أنا أناجي جبرائيل والملائكة، وهم يتأذون بالرائحة الكريهة كما يتأذى ابن آدم، ولهذا قال العلماء: إنه لا يدخل المسجد من أكل ما له رائحة كريهة ولو لم يكن فيه آدمي واحد لتأذي الملائكة بذلك، ولهذا قال له: (كل فإني أناجي من لا تناجي) فلا يأكل الشيء الذي فيه رائحة كريهة. وكان يحب الرائحة الطيبة ﵊، ولهذا الملائكة عليهم الصلاة والسلام يحبون الرائحة الطيبة والنظافة، قالوا: (كيف نأنتيكم وأنتم لا تستنون -تستاكون- ولا تقصون أظفاركم، ولا تنقون براجمكم) وهذه كلها من الفطرة، وكلها من النظافة؛ لأن الملائكة تحب النظافة، وتحب الرائحة الطيبة. والرواجب هي البراجم، يقال لها: رواجب وبراجم، وهي عقد الأصابع. قال: [وهكذا رواه الإمام أحمد عن أبي اليمان عن إسماعيل بن عياش عن ابن عباس ﵄ بنحوه. وقال الإمام أحمد: حدثنا سيار حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا المغيرة بن حبيب -ختن مالك بن دينار - حدثني شيخ من أهل المدينة عن أم سلمة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : (أصلحي لنا المجلس، فإنه ينزل ملك إلى الأرض لم ينزل إليها قط). وقوله: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم:٦٤] قيل: المراد (ما بين أيدينا): أمر الدنيا (وما خلفنا): أمر الآخرة]. فإن له أمر الدنيا والآخرة ، وهو مالك الدنيا والآخرة. إذاً مالك الدنيا والآخرة هو الله ، ومن هنا يتبين أن البوصيري في قصيدته التي غلا فيها بالنبي ﷺ فقال: فإن من جودك الدنيا وضرتها فقد وقع في أمر عظيم وهو يخاطب النبي، والمعنى: من جودك يا محمد الدنيا والآخرة، فجعل الرسول يملك الدنيا والآخرة، ولم يبق لله شيئاً، والله تعالى يقول: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم:٦٤] فالله مالك الدنيا والآخرة، والرسول ﵊ نبي كريم، وهذا غلو من البوصيري. قال: [﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [مريم:٦٤] ما بين النفختين، هذا قول أبي العالية وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة في رواية عنهما، والسدي والربيع بن أنس. وقيل: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ [مريم:٦٤] ما يستقبل من أمر الآخرة. ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم:٦٤] أي: ما مضى من الدنيا ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [مريم:٦٤] أي ما بين الدنيا والآخرة، ويروى نحوه عن ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة وابن جريج والثوري واختاره ابن جرير أيضاً، والله أعلم. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤] قال مجاهد والسدي معناه: ما نسيك ربك. وقد تقدم عنه أن هذه الآية كقوله: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى:١ - ٣]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يزيد بن محمد بن عبد الصمد الدمشقي حدثنا محمد بن عثمان يعني أبا الجماهر حدثنا إسماعيل بن عياش حدثنا عاصم بن رجاء بن حيوة عن أبيه عن أبي الدرداء ﵁ يرفعه قال: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرمه فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئا) ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم:٦٤].

стр. 560

تفسير قوله تعالى: (رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته) وقوله: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [مريم:٦٥] أي خالق ذلك ومدبره والحاكم فيه والمتصرف الذي لا معقب لحكمه. ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هل تعلم للرب مثلاً أو شبيهاً]. فقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] يعني: ليس له مشابه ولا مماثل، وهذه من الآيات التي فيها نفي النقائص والعيوب عن الله إجمالاً. وكذلك قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤]، كل هذه الآيات وأمثالها يأتي فيها نفي النقائص والعيوب عن الله إجمالاً. أما الصفات فإنها تثبت لله تفصيلاً، وهذه طريقة أهل السنة والجماعة، يثبتون الأسماء والصفات إثباتاً مفصلاً وينفون النقائص والعيوب عن الله نفياً مجملاً كما في هذه الآية: ﴿هََلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]. والسمي: المشابه والمماثل، والاستفهام بمعنى النفي، والمعنى: لا تعلم له سمياً، يعني: ليس له سمي ولا مثيل، ولا مشابه ولا مماثل، كقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤]. بخلاف أهل البدع فإنهم يعكسون، فينفون النقائص نفياً مفصلاً ويثبتون إثباتاً مجملاً، فيقولون: إن الله ليس كذا وليس كذا وليس كذا وليس كذا فيعددون، فوقعوا في التنقص. وأحياناً تأتي الآيات للرد على المشركين، مثل نفي الولد عن الله للرد على المشركين الذين نسبوا الولد لله، وإذا جاء تفصيل فإن الرد على المشركين في هذه النقيصة التي أثبتوها لله. قال: [قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: هل تعلم لربي مثلاً أو شبيهاً، وكذلك قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وابن جريج وغيرهم. وقال عكرمة عن ابن عباس ﵄: ليس أحد يسمى الرحمن غيره ﵎ وتقدس اسمه].

стр. 561

تفسير سورة مريم [٦٦ - ٧٢] يتصور الكافر أن الله لن يعيده يوم القيامة ويحاسبه على ما قدم، فيذكره الله تعالى أنه قد خلقه من العدم وهو قادر على إعادته ومحاسبته على أعماله، وإنزال العقوبة به.

стр. 562

تفسير قوله تعالى: (ويقول الإنسان إئذا ما مت لسوف أخرج حياً) قال الله تعالى: [﴿وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا * فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا * ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ [مريم:٦٦ - ٧٠]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يخبر تعالى عن الإنسان أنه يتعجب ويستبعد إعادته بعد موته كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد:٥]. وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٧ - ٧٩] وقال هاهنا: ﴿وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم:٦٦ - ٦٧] يستدل تعالى بالبداءة على الإعادة، يعني: أنه تعالى قد خلق الإنسان ولم يك شيئاً، أفلا يعيده وقد صار شيئاً كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧]. وفي الصحيح (يقول الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني، وآذاني ابن آدم ولم يكن له أن يؤذيني، أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من آخره. وأما أذاه إياي فقوله: إن لي ولداً وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد)]. هذا حديث قدسي من كلام الله لفظاً ومعنى، ولا يلزم من الأذى الضرر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [الأحزاب:٥٧] فلا يلزم من الأذى أن يلحقه ضرر؛ لأن الله تعالى لا يضره أحد من خلقه، فهذه المقالة تؤذي الله لكن لا يضره أحد من خلقه، ولا يلزم من هذا الضرر؛ بل هو النافع الضار . وليس بدء الخلق بأهون من إعادته، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧] بمعنى: هين عليه، وكل منهما هين على الله، فكلمة أهون ليست على بابها، ولكن المعنى: وهو هين عليه، فالكل هين على الله. قال: [وقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ [مريم:٦٨] أقسم الرب ﵎ بنفسه الكريمة أنه لا بد أن يحشرهم جميعاً وشياطينهم الذين كانوا يعبدون من دون الله ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم:٦٨] قال العوفي عن ابن عباس ﵄: يعني: قعوداً كقوله: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية:٢٨]. وقال السدي في قوله: (جثيا): يعني قياماً. وروي عن مرة عن ابن مسعود مثله. وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ [مريم:٦٩] يعني: من كل أمة. قال مجاهد: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم:٦٩] قال الثوري عن علي بن الأقمر عن أبي الأحوص عن ابن مسعود ﵄ قال: يحبس الأول على الآخر حتى إذا تكاملت العدة أتاهم جميعاً ثم بدأ بالأكابر فالأكابر جرماً وهو قوله: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم:٦٩]. وقال قتادة: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم:٦٩] قال: ثم لننزعن من أهل كل دين قادتهم ورؤساءهم في الشر، وكذا قال ابن جريج وغير واحد من السلف، وهذا كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جميعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨] إلى قوله: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٣٩]] وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ [مريم:٧٠] ثم هاهنا لعطف الخبر على الخبر، والمراد أنه تعالى أعلم بمن يستحق من العباد أن يصلى بنار جهنم ويخلد فيها، وبمن يستحق تضعيف العذاب كما قال في الآية المتقدمة: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٨].

стр. 563

تفسير قوله تعالى: (وإن منكم إلا واردها ونذر الظالمين فيها جثياً) وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم:٧١ - ٧٢]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال الإمام أحمد ﵀: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا خالد بن سليمان عن كثير بن زياد البرساني عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن. وقال بعضهم: يدخلونها جميعاً ثم ينجي الله الذين اتقوا، فلقيت جابر بن عبد الله فقلت له: إنا اختلفنا في الورود فقال: يردونها جميعاً، وقال سليمان مرة: يدخلونها جميعاً وأهوى بأصبعيه إلى أذنيه وقال: صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن برداً وسلاماً كما كانت النار على إبراهيم حتى إن للنار ضجيجاً من بردهم ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثياً) غريب ولم يخرجوه]. يعني: لم يخرجه أصحاب الكتب الستة. قال: [وقال الحسن بن عرفة: حدثنا مروان بن معاوية عن بكار بن أبي مروان عن خالد بن معدان قال: قال أهل الجنة بعد ما دخلوا الجنة: ألم يعدنا ربنا الورود على النار؟ قال: قد مررتم عليها وهي خامدة. وقال عبد الرزاق عن ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: كان عبد الله بن رواحة ﵁ واضعاً رأسه في حجر امرأته فبكى فبكت امرأته فقال: ما يبكيك؟ قالت: رأيتك تبكي فبكيت قال: إني ذكرت قول الله ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] فلا أدري أأنجو منها أم لا؟ وفي رواية: وكان مريضاً. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب حدثنا ابن يمان عن مالك بن مغول عن أبي إسحاق: كان أبو ميسرة إذا أوى إلى فراشه قال: ياليت أمي لم تلدني ثم يبكي فقيل له: ما يبكيك يا أبا ميسرة؟ قال: أخبرنا أنا واردوها ولم نخبر أنا صادرون عنها. وقال عبد الله بن المبارك عن الحسن البصري قال: قال رجل لأخيه: هل أتاك أنك وارد النار؟ قال: نعم. قال: فهل أتاك أنك صادر عنها؟ قال: لا. قال: ففيم الضحك؟ قال: فما رئي ضاحكاً حتى لحق بالله. وقال عبد الرزاق أيضاً: أخبرنا ابن عيينة عن عمرو أخبرني من سمع ابن عباس ﵄ يخاصم نافع بن الأزرق فقال ابن عباس: الورود الدخول فقال نافع: لا. فقرأ ابن عباس ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨] وردوا أم لا؟ وقال: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود:٩٨] أوردها أم لا؟ أما أنا وأنت فسندخلها فانظر هل نخرج منها أم لا؟ وما أرى الله مخرجك منها بتكذيبك! فضحك نافع. وروى ابن جريج عن عطاء قال: قال أبو راشد الحروري وهو نافع بن الأزرق: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء:١٠٢] فقال ابن عباس: ويلك أمجنون أنت؟ أين قوله: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود:٩٨]، ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم:٨٦]، ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] والله إن كان دعاء من مضى: اللهم أخرجني من النار سالماً وأدخلني الجنة غانماً]. وهذا الحديث ضعيف قال: أخبرني عمن سمع ابن عباس، ففيه مبهم مجهول. قال: [وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبيد المحاربي حدثنا أسباط عن عبد الملك عن عبيد الله عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس ﵄ فأتاه رجل يقال له أبو راشد وهو نافع بن الأزرق فقال له: يا ابن عباس أرأيت قول الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١]؟ قال: أما أنا وأنت يا أبا راشد فسنردها فانظر هل نصدر عنها أم لا؟ وقال أبو داود الطيالسي: قال شعبة: أخبرني عبد الله بن السائب عمن سمع ابن عباس ﵄ يقرؤها: (وإن منهم إلا واردها) يعني: الكفار. وهكذا روى عمرو بن الوليد]. هذا أيضاً فيه مبهم، لكونه عمن سمع ابن عباس. قال: [وهكذا روى عمرو بن الوليد البستي أنه سمع عكرمة يقرؤها كذلك: (وإن منهم إلا واردها) قال: وهم الظلمة كذلك كنا نقرؤها. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وقال العوفي عن ابن عباس ﵄: قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] يعني: البر والفاجر، ألا تسمع إلى قول الله لفرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود:٩٨] الآية، ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم:٨٦]، فسمى الورود على النار دخولاً وليس بصادر. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن عن إسرائيل عن السدي عن مرة عن عبد الله -هو ابن مسعود - ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] قال رسول الله ﷺ : (يرد الناس كلهم ثم يصدرون عنها بأعمالهم). ورواه الترمذي عن عبد بن حميد عن عبيد الله عن إسرائيل عن السدي به. ورواه من طريق شعبة عن السدي عن مرة عن ابن مسعود مرفوعاً هكذا وقع هذا الحديث هاهنا مرفوعاً. وقد رواه أسباط عن السدي عن مرة عن عبد الله بن مسعود قال: (يرد الناس جميعاً الصراط، وورودهم قيامهم حول النار. ثم يصدرون عن الصراط بأعمالهم، فمنهم من يمر مثل البرق، ومنهم من يمر مثل الريح، ومنهم من يمر مثل الطير، ومنهم من يمر كأجود الخيل، ومنهم من يمر كأجود الإبل، ومنهم من يمر كعدو الرجل، حتى إن آخرهم مراً رجل نوره على موضع إبهامي قدميه، يمر فيتكفأ به الصراط، والصراط دحض مزلة عليه حسك كحسك القتاد، حافتاه ملائكة معهم كلاليب من النار يختطفون بها الناس) وذكر تمام الحديث، رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن جرير: حدثنا خلاد بن أسلم حدثنا النضر حدثنا إسرائيل أخبرنا أبو إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] قال: الصراط على جهنم مثل حد السيف فتمر الطبقة الأولى كالبرق والثانية كالريح والثالثة كأجود الخيل والرابعة كأجود البهائم، ثم يمرون والملائكة يقولون: (اللهم سلم سلم) ولهذا شواهد في الصحيحين وغيرهما من رواية أنس وأبي سعيد وأبي هريرة وجابر ﵃ وغيرهم من الصحابة. وقال ابن جرير: حدثني يعقوب حدثنا ابن علية عن الجريري عن أبي السليل عن غنيم بن قيس قال: ذكروا ورود النار فقال كعب: تمسك النار الناس كأنها متن إهالة حتى يستوي عليها أقدام الخلائق برهم وفاجرهم، ثم يناديها مناد: أن أمسكي أصحابك ودعي أصحابي]. والإهالة: قيل: هو ما أذيب من الإلية والشحم، وقد دُعي النبي ﷺ إلى طعام من شعير وإهالة سنخة، يعني: إلى شحم متغير. قال: [فقال كعب: تمسك النار الناس كأنها متن إهالة حتى يستوي عليها أقدام الخلائق برهم وفاجرهم، ثم يناديها مناد أن أمسكي أصحابك ودعي أصحابي. قال: فتخسف بكل ولي لها هي أعلم بهم من الرجل بولده، ويخرج المؤمنون ندية ثيابهم، قال كعب: ما بين منكبي الخازن من خزنتها مسيرة سنة، مع كل واحد منهم عمود ذو شعبتين يدفع به الدفع فيصرع به في النار سبعمائة ألف. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن أم مبشر عن حفصة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إني لأرجو أن لا يدخل النار إن شاء الله أحد شهد بدراً والحديبية، قالت: فقلت: أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] قال: ألم تسمعيه يقول: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم:٧٢]؟)

стр. 564

تفسير سورة مريم [٧٣ - ٨٤] يتجبر المشركون ويتكبرون على المؤمنين، ويفتخرون بدنياهم ومناصبهم، والله تعالى يبين أن المؤمنين خير منهم عاقبة في الآخرة.

стр. 565

تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات هم أحسن أثاثاً ورئيا) قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا * وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم:٧٣ - ٧٤]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يخبر تعالى عن الكفار حين تتلى عليهم آيات الله ظاهرة الدلالة بينة الحجة واضحة البرهان، أنهم يصدون عن ذلك ويعرضون ويقولون عن الذين آمنوا مفتخرين عليهم ومحتجين على صحة ما هم عليه من الدين الباطل بأنهم ﴿خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم:٧٣] أي: أحسن منازل وأرفع دوراً وأحسن ندياً، وهو مجتمع الرجال للحديث، أي: ناديهم أعمر وأكثر وارداً وطارقاً فكيف نكون ونحن بهذه المثابة على باطل، وأولئك الذين هم مختفون مستترون في دار الأرقم بن أبي الأرقم ونحوها من الدور على الحق؟ كما قال تعالى مخبراً عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف:١١] وقال قوم نوح: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء:١١١]].
следующие страницы →