Полный текст (873 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
تفسير سورة مريم [٦٦ - ٧٢]
يتصور الكافر أن الله لن يعيده يوم القيامة ويحاسبه على ما قدم، فيذكره الله تعالى أنه قد خلقه من العدم وهو قادر على إعادته ومحاسبته على أعماله، وإنزال العقوبة به.
стр. 562
تفسير قوله تعالى: (ويقول الإنسان إئذا ما مت لسوف أخرج حياً)
قال الله تعالى: [﴿وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا * فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا * ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ [مريم:٦٦ - ٧٠].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يخبر تعالى عن الإنسان أنه يتعجب ويستبعد إعادته بعد موته كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد:٥].
وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٧ - ٧٩] وقال هاهنا: ﴿وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم:٦٦ - ٦٧] يستدل تعالى بالبداءة على الإعادة، يعني: أنه تعالى قد خلق الإنسان ولم يك شيئاً، أفلا يعيده وقد صار شيئاً كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧].
وفي الصحيح (يقول الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني، وآذاني ابن آدم ولم يكن له أن يؤذيني، أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من آخره.
وأما أذاه إياي فقوله: إن لي ولداً وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد)].
هذا حديث قدسي من كلام الله لفظاً ومعنى، ولا يلزم من الأذى الضرر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [الأحزاب:٥٧] فلا يلزم من الأذى أن يلحقه ضرر؛ لأن الله تعالى لا يضره أحد من خلقه، فهذه المقالة تؤذي الله لكن لا يضره أحد من خلقه، ولا يلزم من هذا الضرر؛ بل هو النافع الضار .
وليس بدء الخلق بأهون من إعادته، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧] بمعنى: هين عليه، وكل منهما هين على الله، فكلمة أهون ليست على بابها، ولكن المعنى: وهو هين عليه، فالكل هين على الله.
قال: [وقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ [مريم:٦٨] أقسم الرب ﵎ بنفسه الكريمة أنه لا بد أن يحشرهم جميعاً وشياطينهم الذين كانوا يعبدون من دون الله ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم:٦٨] قال العوفي عن ابن عباس ﵄: يعني: قعوداً كقوله: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية:٢٨].
وقال السدي في قوله: (جثيا): يعني قياماً.
وروي عن مرة عن ابن مسعود مثله.
وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ [مريم:٦٩] يعني: من كل أمة.
قال مجاهد: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم:٦٩] قال الثوري عن علي بن الأقمر عن أبي الأحوص عن ابن مسعود ﵄ قال: يحبس الأول على الآخر حتى إذا تكاملت العدة أتاهم جميعاً ثم بدأ بالأكابر فالأكابر جرماً وهو قوله: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم:٦٩].
وقال قتادة: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم:٦٩] قال: ثم لننزعن من أهل كل دين قادتهم ورؤساءهم في الشر، وكذا قال ابن جريج وغير واحد من السلف، وهذا كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جميعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨] إلى قوله: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٣٩]] وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ [مريم:٧٠] ثم هاهنا لعطف الخبر على الخبر، والمراد أنه تعالى أعلم بمن يستحق من العباد أن يصلى بنار جهنم ويخلد فيها، وبمن يستحق تضعيف العذاب كما قال في الآية المتقدمة: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٨].
стр. 563
تفسير قوله تعالى: (وإن منكم إلا واردها ونذر الظالمين فيها جثياً)
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم:٧١ - ٧٢].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال الإمام أحمد ﵀: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا خالد بن سليمان عن كثير بن زياد البرساني عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن.
وقال بعضهم: يدخلونها جميعاً ثم ينجي الله الذين اتقوا، فلقيت جابر بن عبد الله فقلت له: إنا اختلفنا في الورود فقال: يردونها جميعاً، وقال سليمان مرة: يدخلونها جميعاً وأهوى بأصبعيه إلى أذنيه وقال: صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن برداً وسلاماً كما كانت النار على إبراهيم حتى إن للنار ضجيجاً من بردهم ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثياً) غريب ولم يخرجوه].
يعني: لم يخرجه أصحاب الكتب الستة.
قال: [وقال الحسن بن عرفة: حدثنا مروان بن معاوية عن بكار بن أبي مروان عن خالد بن معدان قال: قال أهل الجنة بعد ما دخلوا الجنة: ألم يعدنا ربنا الورود على النار؟ قال: قد مررتم عليها وهي خامدة.
وقال عبد الرزاق عن ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: كان عبد الله بن رواحة ﵁ واضعاً رأسه في حجر امرأته فبكى فبكت امرأته فقال: ما يبكيك؟ قالت: رأيتك تبكي فبكيت قال: إني ذكرت قول الله ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] فلا أدري أأنجو منها أم لا؟ وفي رواية: وكان مريضاً.
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب حدثنا ابن يمان عن مالك بن مغول عن أبي إسحاق: كان أبو ميسرة إذا أوى إلى فراشه قال: ياليت أمي لم تلدني ثم يبكي فقيل له: ما يبكيك يا أبا ميسرة؟ قال: أخبرنا أنا واردوها ولم نخبر أنا صادرون عنها.
وقال عبد الله بن المبارك عن الحسن البصري قال: قال رجل لأخيه: هل أتاك أنك وارد النار؟ قال: نعم.
قال: فهل أتاك أنك صادر عنها؟ قال: لا.
قال: ففيم الضحك؟ قال: فما رئي ضاحكاً حتى لحق بالله.
وقال عبد الرزاق أيضاً: أخبرنا ابن عيينة عن عمرو أخبرني من سمع ابن عباس ﵄ يخاصم نافع بن الأزرق فقال ابن عباس: الورود الدخول فقال نافع: لا.
فقرأ ابن عباس ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨] وردوا أم لا؟ وقال: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود:٩٨] أوردها أم لا؟ أما أنا وأنت فسندخلها فانظر هل نخرج منها أم لا؟ وما أرى الله مخرجك منها بتكذيبك! فضحك نافع.
وروى ابن جريج عن عطاء قال: قال أبو راشد الحروري وهو نافع بن الأزرق: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء:١٠٢] فقال ابن عباس: ويلك أمجنون أنت؟ أين قوله: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود:٩٨]، ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم:٨٦]، ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] والله إن كان دعاء من مضى: اللهم أخرجني من النار سالماً وأدخلني الجنة غانماً].
وهذا الحديث ضعيف قال: أخبرني عمن سمع ابن عباس، ففيه مبهم مجهول.
قال: [وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبيد المحاربي حدثنا أسباط عن عبد الملك عن عبيد الله عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس ﵄ فأتاه رجل يقال له أبو راشد وهو نافع بن الأزرق فقال له: يا ابن عباس أرأيت قول الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١]؟ قال: أما أنا وأنت يا أبا راشد فسنردها فانظر هل نصدر عنها أم لا؟ وقال أبو داود الطيالسي: قال شعبة: أخبرني عبد الله بن السائب عمن سمع ابن عباس ﵄ يقرؤها: (وإن منهم إلا واردها) يعني: الكفار.
وهكذا روى عمرو بن الوليد].
هذا أيضاً فيه مبهم، لكونه عمن سمع ابن عباس.
قال: [وهكذا روى عمرو بن الوليد البستي أنه سمع عكرمة يقرؤها كذلك: (وإن منهم إلا واردها) قال: وهم الظلمة كذلك كنا نقرؤها.
رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وقال العوفي عن ابن عباس ﵄: قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] يعني: البر والفاجر، ألا تسمع إلى قول الله لفرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [هود:٩٨] الآية، ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم:٨٦]، فسمى الورود على النار دخولاً وليس بصادر.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن عن إسرائيل عن السدي عن مرة عن عبد الله -هو ابن مسعود - ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] قال رسول الله ﷺ : (يرد الناس كلهم ثم يصدرون عنها بأعمالهم).
ورواه الترمذي عن عبد بن حميد عن عبيد الله عن إسرائيل عن السدي به.
ورواه من طريق شعبة عن السدي عن مرة عن ابن مسعود مرفوعاً هكذا وقع هذا الحديث هاهنا مرفوعاً.
وقد رواه أسباط عن السدي عن مرة عن عبد الله بن مسعود قال: (يرد الناس جميعاً الصراط، وورودهم قيامهم حول النار.
ثم يصدرون عن الصراط بأعمالهم، فمنهم من يمر مثل البرق، ومنهم من يمر مثل الريح، ومنهم من يمر مثل الطير، ومنهم من يمر كأجود الخيل، ومنهم من يمر كأجود الإبل، ومنهم من يمر كعدو الرجل، حتى إن آخرهم مراً رجل نوره على موضع إبهامي قدميه، يمر فيتكفأ به الصراط، والصراط دحض مزلة عليه حسك كحسك القتاد، حافتاه ملائكة معهم كلاليب من النار يختطفون بها الناس) وذكر تمام الحديث، رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن جرير: حدثنا خلاد بن أسلم حدثنا النضر حدثنا إسرائيل أخبرنا أبو إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] قال: الصراط على جهنم مثل حد السيف فتمر الطبقة الأولى كالبرق والثانية كالريح والثالثة كأجود الخيل والرابعة كأجود البهائم، ثم يمرون والملائكة يقولون: (اللهم سلم سلم) ولهذا شواهد في الصحيحين وغيرهما من رواية أنس وأبي سعيد وأبي هريرة وجابر ﵃ وغيرهم من الصحابة.
وقال ابن جرير: حدثني يعقوب حدثنا ابن علية عن الجريري عن أبي السليل عن غنيم بن قيس قال: ذكروا ورود النار فقال كعب: تمسك النار الناس كأنها متن إهالة حتى يستوي عليها أقدام الخلائق برهم وفاجرهم، ثم يناديها مناد: أن أمسكي أصحابك ودعي أصحابي].
والإهالة: قيل: هو ما أذيب من الإلية والشحم، وقد دُعي النبي ﷺ إلى طعام من شعير وإهالة سنخة، يعني: إلى شحم متغير.
قال: [فقال كعب: تمسك النار الناس كأنها متن إهالة حتى يستوي عليها أقدام الخلائق برهم وفاجرهم، ثم يناديها مناد أن أمسكي أصحابك ودعي أصحابي.
قال: فتخسف بكل ولي لها هي أعلم بهم من الرجل بولده، ويخرج المؤمنون ندية ثيابهم، قال كعب: ما بين منكبي الخازن من خزنتها مسيرة سنة، مع كل واحد منهم عمود ذو شعبتين يدفع به الدفع فيصرع به في النار سبعمائة ألف.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن أم مبشر عن حفصة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إني لأرجو أن لا يدخل النار إن شاء الله أحد شهد بدراً والحديبية، قالت: فقلت: أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١] قال: ألم تسمعيه يقول: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم:٧٢]؟)
стр. 564
تفسير سورة مريم [٧٣ - ٨٤]
يتجبر المشركون ويتكبرون على المؤمنين، ويفتخرون بدنياهم ومناصبهم، والله تعالى يبين أن المؤمنين خير منهم عاقبة في الآخرة.
стр. 565
تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات هم أحسن أثاثاً ورئيا)
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا * وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم:٧٣ - ٧٤].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يخبر تعالى عن الكفار حين تتلى عليهم آيات الله ظاهرة الدلالة بينة الحجة واضحة البرهان، أنهم يصدون عن ذلك ويعرضون ويقولون عن الذين آمنوا مفتخرين عليهم ومحتجين على صحة ما هم عليه من الدين الباطل بأنهم ﴿خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم:٧٣] أي: أحسن منازل وأرفع دوراً وأحسن ندياً، وهو مجتمع الرجال للحديث، أي: ناديهم أعمر وأكثر وارداً وطارقاً فكيف نكون ونحن بهذه المثابة على باطل، وأولئك الذين هم مختفون مستترون في دار الأرقم بن أبي الأرقم ونحوها من الدور على الحق؟ كما قال تعالى مخبراً عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف:١١] وقال قوم نوح: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء:١١١]].
стр. 566
تفسير قوله تعالى: (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً)
قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾ [مريم:٧٥].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى: (قل) يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم المدعين أنهم على الحق وأنكم على الباطل: (من كان في الضلالة) أي: منا ومنكم، (فليمدد له الرحمن مداً) أي: فأمهله الرحمن فيما هو فيه حتى يلقى ربه وينقضي أجله، (إما العذاب) يصيبه (وإما الساعة) بغتةً تأتيه (فسيعلمون) حينئذ (من هو شر مكاناً وأضعف جنداً) أي: في مقابلة ما احتجوا به من خيرية المقام وحسن الندي].
فقوله تعالى: ((قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ)) يعني: منا أو منكم من باب التنزل مع الخصم.
قوله: ((فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا))، أي: حتى ينتهي أجله، ثم بعد ذلك يلقى جزاء عمله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال مجاهد في قوله: (فليمدد له الرحمن مداً): فليدعه الله في طغيانه، هكذا قرر ذلك أبو جعفر بن جرير ﵀، وهذه مباهلة للمشركين الذين يزعمون أنهم على هدى فيما هم فيه، كما ذكر تعالى مباهلة اليهود في قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجمعة:٦] أي: ادعوا على المبطل منا أو منكم بالموت إن كنتم تدعون أنكم على الحق، فإنه لا يضركم الدعاء، فنكلوا عن ذلك].
فنكلوا يعني: امتنعوا ورفضوا؛ لأنهم يعلمون أنهم على الباطل إذا باهلوا، فإنه يصيبهم الموت وهم لا يريدون الموت؛ لأنهم يعلمون أن ما بعد الموت شر لهم، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [البقرة:٩٦] يعني: هم أحرص الناس على الحياة حتى من المشركين واليهود، ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ [البقرة:٩٦]؛ لأنهم يعلمون أنهم على الباطل؛ ولهذا لا يتمنون الموت؛ ولهذا قال الله: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة:٩٥].
المباهلة: إذا كان بينك وبين شخص نزاع في مسألة ولم يفد فيه الجدال والنزاع فكل واحد منكما يدعو على المبطل أن الله يهلكه ويعاجله، هذه مباهلة، فإذا دعا فلا بد أن يهلك الله المبطل؛ ولهذا لما جاء أصحاب نجران إلى النبي ﷺ ودعاهم إلى المباهلة رفضوا، قال : ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١] فرفضوا وامتنعوا، قالوا: إن باهلنا هلكنا.
كان ابن عباس يدعو إلى المباهلة الخاصة في بعض المسائل، كان إذا لم يقتنع الخصم معه بعد بيان الأدلة والدعوة إلى الخير دعاه إلى المباهلة، بحيث يدعو كل واحد أن يهلك الله من كان مبطلاً، لكن الأولى ألا تصل المسألة إلى المباهلة، إلا في بعض المسائل التي تشكل كمسائل العقيدة، ومع الكفار أيضاً كما فعل النبي ﷺ مع الكفار.
وعمر ﵁ حصل بينه وبين بلال نزاع فقال: اللهم اكفني بلالاً وذويه، في بعض المسائل التي تتعلق بقسمة الغنائم والفيء، فما حال الحول ومنهم عين تطرف، أي: هلكوا بعد سنة.
فالمباهلة في شريعتنا جائزة بنص القرآن.
ولا بد أن تكون المباهلة من كلا الطرفين، بحيث كل منهما يدعو على المبطل، كل واحد منهما يقول: لعنة الله على الكاذبين، فكل من الخصمين يدعو على الكاذب فيهلكه الله.
أما الملاعنة بين الزوجين ففيها مفارقة مؤبدة، لكن لا يلزم من هذه الملاعنة الهلاك، كما هو حاصل في المباهلة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد تقدم ذلك في سورة البقرة مبسوطاً ولله الحمد، وكما ذكر تعالى المباهلة مع النصارى في سورة آل عمران حين صمموا على الكفر، واستمروا على الطغيان والغلو في دعواهم أن عيسى ولد الله، وقد ذكر الله حججه وبراهينه على عبودية عيسى وأنه مخلوق كآدم، قال تعالى بعد ذلك: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١] فنكلوا أيضاً عن ذلك].
стр. 567
تفسير قوله تعالى: (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى)
стр. 568
دليل زيادة الإيمان ونقصانه وزيادة الكفر ونقصانه
قال الله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ [مريم:٧٦].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لما ذكر الله تعالى إمداد من هو في الضلالة فيما هو فيه وزيادته على ما هو عليه أخبر بزيادة المهتدين هدى، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤ - ١٢٥]].
وفي هذا دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، والهدى والتقى يزيد وينقص، والضلال والكفر والنفاق يزيد وينقص؛ ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم:٧٥] يعني: يزيد مما هو فيه من الضلال، ثم قال: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦].
وقال سبحانه: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة:١٠] أي: مرض النفاق والشبهة فالنفاق يزيد، وقال سبحانه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤].
إذً: الإيمان يزيد وينقص، والكفر يزيد وينقص، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة:١٢٥]، ويقول تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر:٣١] ويقول سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤].
стр. 569
المراد بالباقيات الصالحات
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [مريم:٧٦] قد تقدم تفسيرها والكلام عليها وإيراد الأحاديث المتعلقة بها في سورة الكهف].
يعني: أن المراد بها الأعمال الصالحة، ومنها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، هذه من الباقيات الصالحات، فجميع الأعمال الصالحة هي الباقيات الصالحات.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله: (خير عند ربك ثواباً) أي: جزاء، (وخير مرداً) أي: عاقبة ومرداً على صاحبها.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر بن راشد عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: (جلس رسول الله ﷺ ذات يوم فأخذ عوداً يابساً فحط ورقه، ثم قال: إن قول لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله تحط الخطايا كما تحط ورق هذه الشجرة الريح، خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن، هن الباقيات الصالحات، وهن من كنوز الجنة) قال أبو سلمة: فكان أبو الدرداء إذا ذكر هذا الحديث قال: لأهللن الله ولأكبرن الله ولأسبحن الله حتى إذا رآني الجاهل حسب أني مجنون].
وقول أبي الدرداء: تحط الخطايا يعني: الصغائر أما الكبائر فلابد لها من توبة، والمراد الإكثار من هذه الأذكار.
هذا الحديث مرسل من مراسيل أبي سلمة بن عبد الرحمن، وفيه عنعنة يحيى بن أبي كثير.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا ظاهره أنه مرسل، ولكن قد يكون من رواية أبي سلمة عن أبي الدرداء والله أعلم.
وهكذا وقع في سنن ابن ماجه من حديث أبي معاوية عن معمر بن راشد عن يحيى عن أبي سلمة عن أبي الدرداء فذكر نحوه].
إذاً: الصغائر تكفر بفعل الفرائض كالصلوات الخمس والوضوء والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كل هذه تكفر الصغائر، والصغائر هي التي لا يترتب عليها حد في الدنيا ولا وعيد في الآخرة.
أما الكبائر فإنه يترتب عليها وعيد في الآخرة بالنار أو الغضب أو اللعنة، أو يترتب عليها حد في الدنيا مثل: السرقة والزنا وشرب الخمر وعقوق الوالدين وقطيعة الرحم، هذا هو أصح ما قيل في تعريف الكبيرة.
стр. 570
تفسير قوله تعالى: (أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالاً وولداً)
قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا * كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم:٧٧ - ٨٠].
стр. 571
سبب نزول قوله تعالى: (أفرأيت الذي كفر بآياتنا)
قال المؤلف ﵀: [وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن مسلم عن مسروق عن خباب بن الأرت قال: (كنت رجلاً قيناً، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه منه، فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد ﷺ حتى تموت ثم تبعث، قال: فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد فأعطيتك، فأنزل الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم:٧٧] إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم:٨٠])، أخرجه صاحبا الصحيح وغيرهما من غير وجه عن الأعمش به.
وفي لفظ البخاري: (كنت قيناً بمكة فعملت للعاص بن وائل سيفاً فجئت أتقاضاه فذكر الحديث وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم:٧٨] قال: موثقاً).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: قال خباب بن الأرت: (كنت قيناً بمكة فكنت أعمل للعاص بن وائل فاجتمعت لي عليه دراهم فجئت لأتقاضاه، فقال لي: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث، قال: فإذا بعثت كان لي مال وولد، قال: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله: ((أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا)) إلى قوله: ((وَيَأْتِينَا فَرْدًا))).
] قيناً يعني: كان خباب بن الأرت الصحابي الجليل حداداً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال العوفي عن ابن عباس: (إن رجالاً من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يطلبون العاص بن وائل السهمي بدين فأتوه يتقاضونه، فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة ذهباً وفضةً وحريراً ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلى، قال: فإن موعدكم الآخرة، فوالله لأوتين مالاً وولداً، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به، فضرب الله مثله في القرآن فقال: ((أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا)) إلى قوله: ((وَيَأْتِينَا فَرْدًا))).
وهكذا قال مجاهد وقتادة وغيرهم: إنها نزلت في العاص بن وائل.
стр. 572
معنى قوله: (لأوتين مالاً وولداً)
قال المؤلف ﵀: [وقوله: ((لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا)) قرأ بعضهم بفتح الواو من (ولداً) وقرأ آخرون بضمها وهو بمعناه، قال رؤبة: الحمد لله العزيز فرداً لم يتخذ من ولد شيء ولداً.
وقال الحارث بن حلزة: ولقد رأيت معاشراً قد ثمروا مالاً وولداً وقال الشاعر: فليت فلاناً كان في بطن أمه وليت فلاناً كان ولد حمار].
ثمروا: يعني: نموا واكتسبوا مالاً وولداً.
وقيل: إن الولد بالضم جمع، والولد بالفتح مفرد، وهي لغة قيس والله أعلم.
وقوله: (أطلع الغيب) إنكار على هذا القائل: (لأوتين مالاً وولداً) يعني: يوم القيامة، أي: أعلم ما له في الآخرة حتى تألى وحلف على ذلك: (أم اتخذ عند الرحمن عهداً) أم له عند الله عهد سيؤتيه ذلك؟ وقد تقدم عند البخاري أنه الموثق.
وقال الضحاك عن ابن عباس: (أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهداً) قال: لا إله إلا الله فيرجو بها.
وقال محمد بن كعب القرظي: (أم اتخذ عند الرحمن عهداً) قال: شهادة أن لا إله إلا الله ثم قرأ: (أم اتخذ عند الرحمن عهداً).
وقوله: (كلا) هي حرف ردع لما قبلها، وتأكيد لما بعدها، (سنكتب ما يقول) أي: من طلبه ذلك وحكمه لنفسه بما يتمناه، وكفره بالله العظيم: (ونمد له من العذاب مداً) أي: في الدار الآخرة على قوله ذلك وكفره بالله في الدنيا، (ونرثه ما يقول) أي: من مال وولد نسلبه منه عكس ما قال: إنه يؤتى في الدار الآخرة مالاً وولداً زيادة على الذي له في الدنيا، بل في الآخرة يسلب منه الذي كان له في الدنيا؛ ولهذا قال تعالى: (ويأتينا فرداً) أي: من المال والولد.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (ونرثه ما يقول) قال: نرثه.
وقال مجاهد: (ونرثه ما يقول) ماله وولده، وذلك الذي قال العاص بن وائل.
وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: (ونرثه ما يقول) قال: ما عنده، وهو قوله: (لأوتين مالاً وولداً)، وفي حرف ابن مسعود: ونرثه ما عنده.
وقال قتادة: (ويأتينا فرداً) لا مال له ولا ولد.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (ونرثه ما يقول) قال: ما جمع من الدنيا وما عمل فيها، قال: (ويأتينا فرداً) قال: فرداً من ذلك لا يتبعه قليل ولا كثير].
стр. 573
تفسير قوله تعالى: (واتخذوا من دون الله آلهة فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عداً)
قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا * أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا * فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨١ - ٨٤].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يخبر تعالى عن الكفار المشركين بربهم أنهم اتخذوا من دونه آلهة لتكون تلك الآلهة (عزاً) يعتزون بها ويستنصرونها، ثم أخبر أنه ليس الأمر كما زعموا، ولا يكون ما طمعوا فقال: (كلا سيكفرون بعبادتهم) أي: يوم القيامة (ويكونون عليهم ضداً) أي: بخلاف ما ظنوا فيهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:٥ - ٦].
وقرأ أبو نهيك: (كل سيكفرون بعبادتهم)، وقال السدي: (كلا سيكفرون بعبادتهم) أي: بعبادة الأوثان، وقوله: (ويكونون عليهم ضداً) أي: بخلاف ما رجوا منهم.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (ويكونون عليهم ضداً) قال: أعواناً، قال مجاهد: عوناً عليهم، تخاصمهم وتكذبهم.
وقال العوفي عن ابن عباس: (ويكونون عليهم ضداً) قال: قرناء، وقال قتادة: قرناء في النار يلعن بعضهم بعضاً، ويكفر بعضهم ببعض.
وقال السدي: (ويكونون عليهم ضداً) قال: الخصماء الأشداء في الخصومة.
وقال الضحاك: (ويكونون عليهم ضداً) قال: أعداء.
وقال ابن زيد: الضد: البلاء.
وقال عكرمة: الضد: الحسرة].
الظاهر أن الضد هو المعادي، يعني: هذه الآلهة التي عبدوها من دون الله لأجل أن تكون لهم عزاً صارت يوم القيامة عدواً وضداً، نسأل الله العافية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: تغويهم إغواءاً.
وقال العوفي عنه: تحرضهم على محمد وأصحابه.
وقال مجاهد: تشليهم إشلاء.
وقال قتادة: تزعجهم إزعاجاً إلى معاصي الله، وقال سفيان الثوري: تغريهم إغراء وتستعجلهم استعجالاً، وقال السدي: تطغيهم طغياناً].
يعني: تحضهم على الشر وتدفعهم إلى الشر، وتغريهم بالمعاصي نعوذ بالله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال عبد الرحمن بن زيد: هذا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:٣٦]].
وقوله: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤] أي: لا تعجل يا محمد على هؤلاء في وقوع العذاب بهم، (إنما نعد لهم عداً) أي: إنما نؤخرهم لأجل معدود مضبوط، وهم صائرون لا محالة إلى عذاب الله ونكاله، وقال: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم:٤٢] ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق:١٧] الآية ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران:١٧٨] ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان:٢٤] ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم:٣٠].
وقال السدي: (إنما نعد لهم عداً) السنين والشهور والأيام والساعات.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: (إنما نعد لهم عداً) قال: نعد أنفاسهم في الدنيا.
стр. 574
تفسير سورة مريم [٨٥ - ٩٥]
يبشر الله تعالى المتقين بما سيؤتيهم يوم القيامة من النعيم، وتستقبلهم الجنة بالحفاوة والإكرام، وذلك بخلاف الكفار والمشركين فإنهم إنما يساقون إلى النار، وذلك بسبب كفرهم وادعائهم على الله ما لا يليق به.
стр. 575
تفسير قوله تعالى: (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً)
قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا * لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم:٨٦ - ٨٧].
стр. 576
معنى قوله تعالى: (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يخبر تعالى عن أوليائه المتقين الذين خافوه في الدار الدنيا، واتبعوا رسله وصدقوهم فيما أخبروهم وأطاعوهم فيما أمروهم به وانتهوا عما عنه زجروهم، أنه يحشرهم يوم القيامة وفداً إليه.
والوفد: هم القادمون ركباناً ومنه الوفود، وركوبهم على نجائب من نور من مراكب الدار الآخرة، وهم قادمون على خير موفود إليه إلى دار كرامته ورضوانه.
وأما المجرمون المكذبون للرسل المخالفون لهم، فإنهم يساقون عنفاً إلى النار (ورداً) عطاشاً، قاله عطاء وابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد، وههنا يقال: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم:٧٣].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو خالد عن عمرو بن قيس الملائي عن ابن مرزوق: (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً) قال: يستقبل المؤمن عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها وأطيبها ريحاً، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله قد طيب ريحك وحسن وجهك، فيقول: أنا عملك الصالح وهكذا كنت في الدنيا حسن العمل طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا فهلم اركبني فيركبه، فذلك قوله: (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً)].
هذا موقوف على ابن مرزوق.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً) قال: ركباناً، وقال ابن جرير: حدثني ابن المثنى حدثنا ابن مهدي عن سعيد عن إسماعيل عن رجل عن أبي هريرة (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً) قال: على الإبل، وقال ابن جريج: على النجائب، وقال الثوري: على الإبل النوق، وقال قتادة: (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً) قال: إلى الجنة.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه: حدثنا سويد بن سعيد أخبرنا علي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق حدثنا النعمان بن سعد قال: (كنا جلوساً عند علي ﵁ فقرأ هذه الآية: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم:٨٥] قال: لا والله ما على أرجلهم يحشرون ولا يحشر الوفد على أرجلهم، ولكن بنوق لم ير الخلائق مثلها عليها رحائل من ذهب، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة) وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث عبد الرحمن بن إسحاق المدني به، وزاد: (عليها رحائل من ذهب وأزمتها الزبرجد) والباقي مثله.
وروى ابن أبي حاتم ههنا حديثاً غريباً جداً مرفوعاً عن علي ﵁ فقال: حدثنا أبي حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي حدثنا مسلمة بن جعفر البجلي سمعت أبا معاذ البصري قال: (إن علياً كان ذات يوم عند رسول الله ﷺ فقرأ هذه الآية: (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً) فقال: ما أظن الوفد إلا الركب يا رسول الله؟ فقال النبي ﷺ : والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون أو يؤتون بنوق بيض لها أجنحة وعليها رحال الذهب، شرك نعالهم نور يتلألأ كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى شجرة ينبع من أصلها عينان، فيشربون من إحداهما فتغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبداً، وتجري عليهم نضرة النعيم، فينتهون أو فيأتون باب الجنة فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب فيضربون بالحلقة على الصفحة فيسمع لها طنين يا علي فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل، فتبعث قيمها فيفتح له فإذا رآه خر له - قال مسلمة أراه قال: ساجداً - فيقول: ارفع رأسك فإنما أنا قيمك وكلت بأمرك، فيتبعه ويقفو أثره، فتستخف الحوراء العجلة فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه، ثم تقول: أنت حبي وأنا حبك وأنا الخالدة التي لا أموت وأنا الناعمة التي لا أبأس وأنا الراضية التي لا أسخط وأنا المقيمة التي لا أظعن، فيدخل بيتاً من أسه إلى سقفه مائة ألف ذراع بناؤه على جندل اللؤلؤ طرائق أحمر وأصفر وأخضر ليس منها طريقة تشاكل صاحبتها، وفي البيت سبعون سريراً على كل سرير سبعون حشية على كل حشية سبعون زوجة على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء الحلل، يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه، الأنهار من تحتهم تطرد، أنهار من ماء غير آسن، قال: صاف لا كدر فيه، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ولم يخرج من ضروع الماشية، وأنهار من خمر لذة للشاربين لم يعتصرها الرجال بأقدامهم، وأنهار من عسل مصفى لم يخرج من بطون النحل، فيستجلي الثمار فإن شاء أكل قائماً وإن شاء قاعداً وإن شاء متكئاً، ثم تلا: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان:١٤] فيشتهي الطعام فيأتيه طير أبيض، وربما قال: أخضر، فترفع أجنحتها فيأكل من جنوبها أي الألوان شاء، ثم تطير فتذهب فيدخل الملك فيقول: سلام عليكم: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢] ولو أن شعرة من شعر الحوراء وقعت لأهل الأرض لأضاءت الشمس معها سواد في نور)، هكذا وقع في هذه الرواية مرفوعاً وقد رويناه في المقدمات من كلام علي ﵁ بنحوه، وهو أشبه بالصحة والله أعلم].
وهذا الحديث فيه غرابة، وذكر الحافظ ابن كثير أن الأشبه أنه موقوف على علي وليس مرفوعاً؛ لأنه قال: وهو أشبه بالصحة، أي: أشبه بأن يكون موقوفاً على علي وليس مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، لكن يحتاج إلى نظر في سنده.
وهذا الحديث فيه أبو معاذ البصري وهو سليمان بن أرقم وهو ضعيف، من السابعة، قال أحمد بن حنبل فيه: ليس بشيء، وقال أبو داود: متروك الحديث، وقال أبو حاتم والنسائي والترمذي: متروك الحديث، وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، وقال الجوزجاني: ساقط، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه، والدارقطني: متروك الحديث، وقال مسلم: منكر الحديث، وقال النسائي: لا يكتب حديثه.
وهناك طرق أخرى للحديث وفيها الحارث الأعور وهو متهم ضعيف.
إذاً: قوله تعالى: ((يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا)) أي: كل ما يتمناه المؤمنون يحصل لهم في الجنة، ولهم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، ويحصلون على كل خير وكرامة.
стр. 577
معنى قوله تعالى: (ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم:٨٦] أي عطاشاً، ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾ [مريم:٨٧] أي: ليس لهم من يشفع لهم كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض، كما قال تعالى مخبراً عنهم: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١].
وقوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم:٨٧] هذا استثناء منقطع، بمعنى: لكن من اتخذ عند الرحمن عهداً، وهو شهادة أن لا إله إلا الله والقيام بحقها.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ((إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا)) قال: العهد شهادة أن لا إله إلا الله، ويبرأ إلى الله من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله ].
وقوله: ((مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا)) يعني: من مات على التوحيد وقام بحقها فهو من أهل الشفاعة وتناله الشفاعة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمار بن خالد الواسطي حدثنا محمد بن الحسن الواسطي عن المسعودي عن عون بن عبد الله عن أبي فاختة عن الأسود بن يزيد قال: قرأ عبد الله يعني ابن مسعود هذه الآية: ((إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا)) ثم قال: اتخذوا عند الله عهداً، فإن الله يقول يوم القيامة: من كان له عند الله عهد فليقم، قالوا: يا أبا عبد الرحمن فعلمنا، قال: قولوا: اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا ألا تكلني إلى عمل يقربني من الشر ويباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهداً تؤديه إلي يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد.
قال المسعودي: فحدثني زكريا عن القاسم بن عبد الرحمن أخبرنا ابن مسعود وكان يلحق بهن: خائفاً مستجيراً مستغفراً راهباً راغباً إليك.
ثم رواه من وجه آخر عن المسعودي نحوه].
المسعودي ضعيف مختلط، لكن لا شك أن الدعاء واللجوء إلى الله مطلوب.
стр. 578
تفسير قوله تعالى: (وقالوا اتخذ الرحمن ولداً)
قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٨٨ - ٩٥].
стр. 579
عظم القول بنسبة الولد إلى الله تعالى
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لما قرر تعالى في هذه السورة الشريفة عبودية عيسى ﵇، وذكر خلقه من مريم بلا أب شرع في مقام الإنكار على من زعم أن له ولداً تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علواً كبيراً، فقال: ((وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا)) ((لَقَدْ جِئْتُمْ)) أي: في قولكم هذا، ((شَيْئًا إِدًّا)) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومالك: أي عظيماً، ويقال (إداً): بكسر الهمزة وفتحها ومع مدها أيضاً، ثلاث لغات أشهرها الأولى].
يعني: (إداً) و (أداً) و (أدا) بالألف.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ((تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا)) ((أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا)) أي: يكاد ذلك عند سماعهن هذه المقالة من فجرة بني آدم إعظاماً للرب وإجلالاً؛ لأنهن مخلوقات ومؤسسات على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا شريك له ولا نظير له ولا ولد له ولا صاحبة له ولا كفء له بل هو الأحد الصمد.
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد قال ابن جرير: حدثني علي حدثنا عبد الله حدثني معاوية عن علي عن ابن عباس في قوله: ((تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا)) ((أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا)) قال: إن الشرك فزعت منه السماوات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين، وكادت أن تزول منه لعظمة الله، وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين، وقال رسول الله ﷺ : (لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله، فمن قالها عند موته وجبت له الجنة قالوا: يا رسول الله فمن قالها في صحته؟ قال: تلك أوجب وأوجب، ثم قال: والذي نفسي بيده لو جيء بالسماوات والأرضين وما فيهن وما بينهن وما تحتهن فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى لرجحت بهن) هكذا رواه ابن جرير ويشهد له حديث البطاقة والله أعلم].
هذه الآيات الكريمات فيها أن الشرك من أعظم الذنوب وأعظم الكبائر، وفيها أن نسبة الولد إلى الله من أعظم الكفر، والشرك ومن أعظم المحرمات التي عظمها الله ، وجعلت صاحبها مشركاً تجب له النار إذا مات على ذلك، نسأل الله السلامة والعافية.
وذلك أن نسبة الولد إلى الله تنقص للرب ؛ لأن الذي يحتاج إلى الولد إنما هو المخلوق الناقص الضعيف، فالولد كمال في حق المخلوق؛ فالذي يولد له ولد أكرم من الذي لا يولد له، والعقيم الذي لا يولد له عنده نقص بخلاف الذي يولد له؛ لأن المخلوق ضعيف يحتاج إلى الولد ليعينه ويساعده ولاسيما في وقت الكبر، أما الرب فلا يحتاج إلى أحد، وهو القائم بنفسه المقيم لغيره الحي القيوم ، ليس له شريك ولا نظير ولا وزير ولا ولد ولا صاحبة، فمن نسب الولد إلى الله فقد افترى على الله أعظم فرية، بل أشرك بالله وارتكب إثماً عظيماً وحوباً كبيراً، ولهذا قال سبحانه: ((وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا)) ((لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا))، أي: لقد جئتم بهذه المقالة شيئاً عظيماً، ((تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا))، يعني: السماوات والأرض أسستا على التوحيد، وكل المخلوقات أسست على التوحيد، وكلها تسبح بحمد الله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤] إلا الثقلين الجن والإنس، ولهذا تكاد السماوات إذا سمعت هذا الشرك أن تتفطر وتكاد الأرض أن تنشق وتكاد الجبال أن تخر، ((أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا)) يعني: بسبب ادعائهم الولد لله.
قال الله: ((وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا)) أي: ما ينبغي ولا يليق به سبحانه أن يتخذ الولد؛ لأنه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، فهو واحد فرد صمد قيوم قائم بنفسه مقيم لغيره، وهو صمد في نفسه لا يحتاج إلى أحد وتصمد إليه الخلائق في حوائجها ليس بحاجة إلى أحد، بخلاف المخلوق الضعيف فإنه يحتاج إلى الولد يحتاج إلى من يعينه ويساعده.
والتوحيد شأنه عظيم، من مات على التوحيد وقال: لا إله إلا الله عند موته وجبت له الجنة، يعني: من قالها عن إخلاص وصدق ولم يعمل ناقضاً من نواقضها وجبت له الجنة، وكذلك إذا قالها في صحته ومات على ذلك ولم يغير ولم يبدل وجبت له والجنة، الجنة أعدها الله للموحدين والنار أعدها الله للكفار، أما العاصي الموحد فهو من أهل الجنة، لكن هذه المعاصي وهذه الكبائر التي مات عليها من غير توبة لا بد من أن يطهر منها إما بعفو الله ومغفرته، فإن عفا الله عنه دخل الجنة من أول وهلة، وإن لم يعف الله عنه فلا بد أن يطهر في النار، حتى تزول هذه المعاصي وتغسل بالنار إذا لم تغسل بعفو الله، حتى يخرج نقياً سليماً بريئاً من الخبث الذي ينقص توحيده ويضعف توحيده.
إذاً: أهل التوحيد من أهل الجنة، وإذا قال المرء كلمة التوحيد عند الموت فله هذا الوعد، وإذا قالها في حياته ومات على ذلك وحصل له غيبوبة أو زال عقله وهو على التوحيد فهو على ما كان عليه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الضحاك: ((تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ)) أي: يتشققن فرقاً من عظمة الله].
فرقاً يعني: خوفاً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (وتنشق الأرض) أي: غضباً لله ، (وتخر الجبال هداً) قال ابن عباس: هدماً، وقال سعيد بن جبير: هداً ينكسر بعضها على بعض متتابعات.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن سويد المقبري حدثنا سفيان بن عيينة حدثنا مسعر عن عون بن عبد الله قال: إن الجبل لينادي الجبل باسمه: يا فلان هل مر بك اليوم ذاكر الله ؟ فيقول: نعم، ويستبشر، قال عون: لهي للخير أسمع، أفيسمعن الزور والباطل إذا قيل ولا يسمعن غيره، ثم قرأ: ((تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا)) ((أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا)).
وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا المنذر بن شاذان حدثنا هودة حدثنا عوف عن غالب بن عجرد حدثني رجل من أهل الشام في مسجد منى، قال: بلغني أن الله لما خلق الأرض وخلق ما فيها من الشجر لم يكن في الأرض شجرة يأتيها بنو آدم إلا أصابوا منها منفعة - أو قال - كان لهم فيها منفعة، ولم تزل الأرض والشجر بذلك حتى تكلم فجرة بني آدم بتلك الكلمة العظيمة قولهم: (اتخذ الرحمن ولداً) فلما تكلموا بها اقشعرت الأرض وشاك الشجر].
يعني: نبت له الشوك وصار له شوك، وهذا الأثر ضعيف؛ لأن فيه مبهماً والمبهم رواه ببلاغ.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال كعب الأحبار: غضبت الملائكة واستعرت النار حين قالوا].
كعب الأحبار يحكي عن بني إسرائيل، وهو أسلم زمن عمر ﵁.
стр. 580
حلم الله على عباده
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن سعيد بن جبير عن أبي عبد الرحمن السلمي عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنه يشرك به ويجعل له ولد وهو يعافيهم ويدفع عنهم ويرزقهم) أخرجاه في الصحيحين، وفي لفظ: (إنهم يجعلون له ولداً وهو يرزقهم ويعافيهم).
وقوله: ((وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا)) أي: لا يصلح له ولا يليق به لجلاله وعظمته؛ لأنه لا كفء له من خلقه؛ لأن جميع الخلائق عبيد له؛ ولهذا قال: ((إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا)) ((لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا)) أي: قد علم عددهم منذ خلقهم إلى يوم القيامة ذكرانهم وإناثهم وصغيرهم وكبيرهم].
وذلك لأنه هو الذي أوجدهم وهو الذي خلقهم من عدم وهو لا يخفى عليه شيء من خلقه ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] قوله: ((وَمَا يَنْبَغِي)) هذه عامة، يقال للشيء المحرم: ما ينبغي للإنسان أن يفعل كذا، ويقال للشيء الذي تركه أولى: ما ينبغي، فهي عامة.
وهذه الكلمة قد يقولها بعض العلماء وبعض الأئمة في الفتوى من باب التورع، يقال: لا ينبغي للإنسان أن يفعل كذا، أو ينبغي للإنسان ألا يفعل هذا؛ لكونه محرماً أو لكون تركه أولى، والله تعالى يقول: ((وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا)) يعني: هذا أمر عظيم لا ينبغي ولا يليق به سبحانه؛ لكمال عظمته وكمال وحدانيته وألوهيته وربوبيته لا ينبغي له أن يتخذ ولداً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٥] أي: لا ناصر له ولا مجير إلا الله وحده لا شريك له، فيحكم في خلقه بما يشاء، وهو العدل الذي لا يظلم مثقال ذرة، ولا يظلم أحداً].
أي: لا نجاة ولا حول ولا قوة إلا بالله، فمن كان عمله صالحاً ولقي الله بالتوحيد والعمل الصالح نجا، ومن لقي الله بالشرك فهو هالك والعاصي على خطر نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 581
تفسير سورة مريم [٩٦ - ٩٨]
إذا صدق المؤمن في توجهه بأقواله وأفعاله إلى الله تعالى تقبله الله تعالى ووضع له المحبة في قلوب عباده، وكذلك يجعل البغضاء للمرائي والكافر، فيكرهه الخلق ولا يحبونه.
стр. 582
تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سجعل لهم الرحمن ودّاً)
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا * فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا * وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم:٩٦ - ٩٨].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يخبر تعالى أنه يغرس لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات، وهي الأعمال التي ترضي الله لمتابعتها الشريعة المحمدية، يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين مودة، وهذا أمر لا بد منه ولا محيد عنه، وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ من غير وجه].
الود يعني: المحبة، فالله تعالى يجعل في قلوب عباده للمؤمن التقي مودة ومحبة ليس لكل أحد، ولا عبرة بالكافر والفاسق الذين لا يحبون الموحد، لكن العبرة بالمؤمنين والموحدين الذين يجعل الله في قلوبهم محبة ومودة للمؤمن التقي، ويدل على هذا الحديث: (إن الله تعالى إذا أحب عبداً نادى جبريل: إن الله يحب فلاناً فأحبه فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل: إن الله يحب فلاناً فأحبوا فلاناً، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإن الله إذا أبغض عبداً أخبر جبريل بذلك فينادي: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء، ثم توضع له البغضاء في الأرض).
стр. 583
افتخار الكفار والظلمة بما هم عليه من باطل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف:١١]، وقال قوم نوح: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء:١١١].
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام:٥٣] ولهذا قال تعالى راداً عليهم شبهتهم: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي: وكم من أمة وقرن من المكذبين قد أهلكناهم بكفرهم: ((هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا)) أي: كانوا أحسن من هؤلاء أموالاً وأمتعة ومناظر وأشكالاً.
وقال الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس: ((خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا)) قال: المقام: المنزل، والندي: المجلس، والأثاث: المتاع، والرئي: المنظر].
هذه الآية الكريمة فيها بيان عادة الكافرين والظالمين أنهم يفتخرون بما هم عليه من الباطل، وما أعطاهم الله من الأموال ومن الأثاث ومن الأمتعة وما لهم من الأتباع، وما أعطاهم الله من الأموال والسلطان والجاه، ويظنون أن هذا دليل على أنهم على حق، وأن المؤمنين الذين ما أعطوا مثل ما أعطوا من الأموال والأولاد والجاه والسلطان على الباطل؛ ولهذا قال قوم نوح: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء:١١١]، وأتباع الأنبياء هم الضعفاء؛ ولهذا لما سأل هرقل أبا سفيان قال: (هل اتبع محمداً ضعفاء الناس وأشباههم؟ قال: نعم، اتبعه ضعفاؤهم، قال: وكذلك أتباع الأنبياء).
فهذا من باب الابتلاء والامتحان؛ ولهذا قال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم:٧٣] الندي: المقام من المرتبة والمكانة، والندي: المجتمع، مثل النادي، أي: مكان الاجتماع الذي يجتمع فيه هؤلاء، يقولون: نحن الآن أحسن رتبة ومكانة في المجتمع، ونادينا يجتمع فيه الأشراف والأتباع الكثيرون، فكيف يكون هؤلاء الضعفاء المختفون في دار الأرقم بن أبي الأرقم أحسن منا؟! لا يمكن هذا، فاستدلوا بما هم عليه من الأتباع وبما أعطوا من الأموال وبما أعطوا من القوة، وهذا ابتلاء وامتحان، وهذه الكثرة ليست دليلاً على الأحقية، وإنما الحق أحق أن يتبع، ومن ساروا على الحق فهم على الحق، ولو كانوا عدداً قليلاً؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦]، وقال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [هود:١٧]، وقال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:٢٤٣]، وقال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٧]، وقال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣]، وقال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣].
إذاً: ليست العبرة بكثرة الأتباع، وليست العبرة بالأموال ولا بالأولاد ولا بالشرف ولا بالجاه؛ ولهذا يقول سبحانه: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ:٣٧].
هذا من الابتلاء والامتحان؛ ولهذا اغتر كفار قريش بما هم فيه وقالوا: نحن أحسن مقاماً ورئياً وأثاثاً، فقال الله سبحانه: ((وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا)) أي: أحسن أثاثاً منهم وأمتعة ومنظراً وأشكالاً، وما أعطاهم الله من الأجسام ومن القوة ومن المال ومن السلطان ومن الجاه إنما هو امتحان، وكل هذه الأشياء لا قيمة لها عند الله.
والواجب هو الإيمان بالله ورسوله، واتباع ما جاءت به الرسل، ثم ما جاء به خاتمهم وإمامهم نبينا محمد ﷺ ، فمن اتبع شريعة الله وآمن بالله ورسوله واتبع شرعة الله فهو على الحق، ولو كان ماله قليلاً، ولو كان العدد قليلاً، ولو لم يكن له مال ولا جاه ولا سلطان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال العوفي عن ابن عباس: المقام: المسكن، والندي: المجلس والنعمة والبهجة التي كانوا فيها، وهو كما قال الله لقوم فرعون حين أهلكهم وقص شأنهم في القرآن: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان:٢٥ - ٢٦] المقام: المسكن والنعيم، والندي: المجلس والمجمع الذي كانوا يجتمعون فيه.
وقال الله فيما قص على رسوله ﷺ من أمر قوم لوط: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ﴾ [العنكبوت:٢٩] والعرب تسمي المجلس: النادي].
النادي الآن هو المعروف مثل: النادي الثقافي والنادي كذا، وهو مكان لاجتماع الناس وإلقاء الكلمات وإنشاد الأشعار.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال قتادة: لما رأوا أصحاب محمد ﷺ في عيشهم خشونة وفيهم قشافة؛ فعرض أهل الشرك بما تسمعون: ((أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا)) وكذا قال مجاهد والضحاك، ومنهم من قال في الأثاث: هو المال، ومنهم من قال: الثياب، ومنهم من قال: المتاع.
والرئي: المنظر، كما قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد، وقال الحسن البصري: يعني: الصور، وكذا قال مالك: ((أَثَاثًا وَرِئْيًا)): أكثر أموالاً وأحسن صوراً، والكل متقارب صحيح].
يعني: لا تغتروا يا كفار قريش بما أوتيتم من الأموال ومن الأجسام وجمالها، فليست هذه نافعة عند الله، وإنما العبرة بالأعمال والقلوب والنيات؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم).
فالقلوب هي محل نظر الرب، أما الصور والأجسام فالناس يتفاوتون فيها، هذا طويل وهذا قصير، وهذا وسيم جميل وهذا ذميم، ولكن تزول هذه الفوارق يوم القيامة؛ ولهذا جاء في الحديث ما معناه: أن العبد الأسود الذي له رائحة كريهة إذا قتل وصار شهيداً تزول عنه هذه الدمامة؛ وذلك لأن أهل الجنة يكونون على صورة القمر ليلة البدر.
إذاً: من كان ذميم الخلقة ومن كان قصيراً ومن كان أسود وهو من أهل الجنة والكرامة، فإنه يكون من أحسن الناس صورة يوم القيامة، كل أهل الجنة طولهم ستون ذراعاً على طول أبيهم آدم، وأبناء ثلاث وثلاثين سنة في الشباب من أحسن الناس وصورهم من أجمل الصور، وليس فيهم ذميم الخلقة، لكن في الدنيا يتفاوت الناس فيها، منهم الطويل ومنهم القصير، ومنهم الجميل ومنهم الذميم، ومنهم الفقير ومنهم الغني، يتفاوتون في عقولهم وعلومهم وأجسامهم وألوانهم وأشكالهم وأعمالهم وأموالهم في الدنيا، ولله الحكمة البالغة.
أما يوم القيامة فمعروف أن الناس يتفاوتون في الجنة في الدرجات على حسب منازلهم، فالعلماء ورثة الأنبياء وهم مقدمون وأرفع درجة من غيرهم، لا شك أنهم كلهم يدخلون الجنة ثم يتقاسمون الدرجات بأعمالهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا أبو عوانة حدثنا سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال: يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحبه، قال: فيحبه جبريل، قال: ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، قال: فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإن الله إذا أبغض عبداً دعا جبريل فقال: يا جبريل! إني أبغض فلاناً فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، قال: فيبغضه أهل السماء، ثم يوضع له البغضاء في الأرض).
ورواه مسلم من حديث سهيل، ورواه أحمد والبخاري من حديث ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع مولى ابن عمر عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر حدثنا ميمون أبو محمد المرائي حدثنا محمد بن عباد المخزومي عن ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن العبد ليلتمس مرضاة الله ، فلا يزال كذلك، فيقول الله لجبريل: إن فلاناً عبدي يلتمس أن يرضيني، ألا وإن رحمتي عليه.
فيقول جبريل: رحمة الله على فلان، ويقولها حملة العرش، ويقولها من حولهم، حتى يقولها أهل السماوات السبع، ثم يهبط إلى الأرض) غريب ولم يخرجوه من هذا الوجه].
أي: لم يخرجه أصحاب الكتب الستة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر حدثنا شريك عن محمد بن سعد الواسطي عن أبي ظبية عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : (إن المقة من الله -قال شريك: هي المحبة، والصيت من السماء- فإذا أحب الله عبداً قال لجبريل ﵇: إني أحب فلاناً.
فينادي جبريل: إن ربكم يمق -يعني يحب- فل
стр. 584
أقوال أئمة التفسير في قوله تعالى: (سيجعل لهم الرحمن وداً)
وقال مجاهد عنه: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦] قال: محبة في الناس في الدنيا.
وقال سعيد بن جبير عنه: يحبهم ويحببهم.
يعني: إلى خلقه المؤمنين كما قال مجاهد أيضاً والضحاك وغيرهم، وقال العوفي عن ابن عباس أيضاً: الود من المسلمين في الدنيا والرزق الحسن واللسان الصادق].
قوله: [واللسان الصادق] هو كما قال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ﴾ [الشعراء:٨٤].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال قتادة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦]: إي والله في قلوب أهل الإيمان.
وذكر لنا أن هرم بن حيان كان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم.
وقال قتادة: وكان عثمان بن عفان ﵁ يقول: ما من عبد يعمل خيراً أو شراً إلا كساه الله رداء عمله.
وقال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا أحمد بن سنان حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن الربيع بن صبيح عن الحسن البصري ﵀ قال: قال رجل: والله لأعبدن الله عبادة أذكر بها.
فكان لا يرى في حين صلاة إلا قائماً يصلي، وكان أول داخل إلى المسجد وآخر خارج، فكان لا يعظم، فمكث بذلك سبعة أشهر، وكان لا يمر على قوم إلا قالوا: انظروا إلى هذا المرائي، فأقبل على نفسه فقال: لا أراني أذكر إلا بشر، لأجعلن عملي كله لله ، فلم يزد على أن قلب نيته، ولم يزد على العمل الذي كان يعمله، فكان يمر بعد بالقوم فيقولون: رحم الله فلاناً الآن.
وتلا الحسن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم:٩٦].
وقد روى ابن جرير أثراً أن هذه الآية نزلت في هجرة عبد الرحمن بن عوف، وهو خطأ؛ فإن هذه السورة بكمالها مكية، لم ينزل منها شيء بعد الهجرة، ولم يصح سند ذلك، والله أعلم].
هنا قد يقول قائل: ما حكم من دخله الرياء أثناء العمل؟
و
الجواب
أن هذا فيه تفصيل: فإذا كان الرياء طارئاً أثناء العمل ثم استعاذ بالله من الشيطان، وزال عنه الرياء فإنه لا يضره شيء، أما إن استرسل معه فإنه يبطل العمل.
стр. 585
البشارة والنذارة بالقرآن الكريم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ﴾ [مريم:٩٧] يعني: القرآن ﴿بِلِسَانِكَ﴾ [مريم:٩٧] أي: يا محمد، وهو اللسان العربي المبين الفصيح الكامل.
﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ [مريم:٩٧] أي: المستجيبين لله، المصدقين لرسوله ﷺ .
﴿وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم:٩٧] أي: عوجاً عن الحق، مائلين إلى الباطل، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم:٩٧] لا يستقيمون.
وقال الثوري عن إسماعيل -وهو السدي - عن أبي صالح: ﴿وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم:٩٧] عوجاً عن الحق.
وقال الضحاك: الألد: الخصم.
وقال القرظي: الألد: الكذاب.
وقال الحسن البصري: ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم:٩٧] صماً.
وقال غيره: صم آذان القلوب.
وقال قتادة: ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم:٩٧] يعني قريشاً.
وقال العوفي عن ابن عباس ﵄: ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم:٩٧]: فجاراً.
وكذا روى ليث بن أبي سليم عن مجاهد، وقال ابن زيد: الألد: الظلوم، وقرأ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة:٢٠٤]].
ويجمع هذه المعاني كلها أنهم قوم منحرفون عن الحق، مائلون عن الحق، فالألد الخصم هو الذي يجادل بالباطل ولا يقبل الحق، فقوله تعالى: ﴿وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم:٩٧] أي: مائلين عن الحق غير قابلين له، مع أنه قد يسر القرآن بلسان النبي ﷺ -وهو اللسان العربي- ليبشر به المتقين المستجيبين لله ولرسوله.
وأما المنحرفون من غير المستجيبين للحق فلهم النذارة، فالقرآن بشارة ونذارة، فهو بشارة للمستجيبين، ونذارة للمنحرفين غير القابلين للحق.
стр. 586
بيان عاقبة المكذبين لرسل الله
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ [مريم:٧٤] أي: من أمة كفروا بآيات الله وكذبوا رسله.
﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم:٩٨] أي: هل ترى منهم أحداً أو تسمع لهم ركزاً، قال ابن عباس وأبو العالية وعكرمة والحسن البصري وسعيد بن جبير والضحاك وابن زيد: يعني صوتاً.
وقال الحسن وقتادة: هل ترى عيناً أو تسمع صوتاً؟ والركز في أصل اللغة هو الصوت الخفي، قال الشاعر: فتوجست ركز الأنيس فراعها عن ظهر غيب والأنيس سقامها].
وفي نسخة (فتوحشت) ومعنى (فتوجست): أي: سمعت صوتاً خفياً، والآية في الذين أهلكهم الله قبل قريش فلم يعد لهم حس ولا صوت، ولم يعد لهم أثر، حيث أبادهم الله تعالى.
وهذه الآية فيها الوعيد الشديد للكفار الذين ردوا على النبي ﷺ دعوته، وبيان أن الله قادر على إهلاكهم؛ لأنه أهلك من قبلهم ممن كذبوا بالأنبياء والرسل، فلا يوجد لهم أثر ولا يسمع لهم صوت، فقد أبيدوا عن آخرهم.
стр. 587
مجمل قضايا سورة مريم
هذه السورة الكريمة ذكر الله تعالى في مطلعها قصة زكريا ﵊، وأنه سأل الله الولد مع تقدم سنه وكبره، وكانت زوجه عاقراً، فأجاب الله دعاءه، وفيه دليل على أن الإنسان يلجأ إلى الله ويسأله دون يأس، فالإنسان محتاج إلى الله في جميع أحواله، حتى الأنبياء، وفيه دليل على أن الملح في الدعاء على الله يحصل على مطلوبه، وقد جاء في الحديث: (ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يعطيه من الخير مثلها، وإما يصرف عنه من السوء مثلها).
والدعاء عبادة لله تعالى وإقرار بربوبيته واعتراف منك -أيها العبد- بعبوديتك وأنك عبد ضعيف ذليل ترجو عفو الله، وترجو بره وإحسانه حتى ولو لم يجب دعاءك، فأنت مثاب على هذا الدعاء؛ لأنك تتعبد لله بالدعاء، فإما أن تعجل لك الدعوة فيستجيب الله لك، وإما أن يصرف عنك من السوء مثلها، وإما أن تعطى من الخير مثلها، بشرط خلوها من موانع الدعاء، كأن يدعو الإنسان بإثم أو بقطيعة رحم، أو يدعو بقلب غافل.
ثم ذكر الله بعد ذلك قصة مريم وابنها، ثم ذكر قصة إبراهيم ودعوته أباه، ونصحه له بأربع نصائح وجهها إبراهيم ﵇ إلى أبيه آزر، قال تعالى عنه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم:٤٢ - ٤٥].
وهذه نصيحة عظيمة وجهها إبراهيم ﵇ إلى أبيه؛ لأنه أحق الناس ببره وإحسانه، فدعاه إلى الله ، دعاه إلى التوحيد، ولكن الله لم يقدر له الهداية، وفي هذا حكمة بالغة، حيث يبتلى الرجل الفاضل والعالم الكبير أو النبي بابن كافر، أو بأب كافر، أو بأولاد عصاة، أو بزوجة كافرة، وهذا من الابتلاء بالمصائب، كما ابتلي النبي ﷺ بعمه أبي لهب، فكان يتبعه في مواقف دعوته، ويقول: لا تصدقوه فإنه كذاب.
ولم يقدر الله الهداية لعمه أبي طالب مع حرصه ﵊ على هدايته، حتى سلاه الله بقوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦].
وبين الله تعالى أنه عوض إبراهيم ﵊ بعد ذلك بأولادٍ أنبياء صالحين، وجعل في ذريته النبوة والكتاب، وذلك بسبب إخلاصه لله وتوحيده له ومقاطعته لأهل الشرك.
ثم ذكر الله قصة موسى وهارون، ثم قصة إسماعيل، ثم إدريس ﵈، ثم ذكر الله بعد ذلك قصة الكافر الذي قال: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم:٧٧] وبين الله قبل ذلك أنه لا بد من المرور على الصراط، وأنه لا ينجو إلا المتقون، وبين سبحانه تسليطه الشياطين على الكفار تؤزهم أزاً.
وبين مصير المؤمنين الموحدين، ومصير الكفار، وأن الكفار يساقون إلى النار سوقاً، وأن المؤمنين لهم الجنة والكرامة، وبين سبحانه أن المؤمنين توضع لهم المحبة، وأن الله يجعل لهم في القلوب محبة ومودة في الدنيا، وهذا من البشرى العاجلة لهم، وبين سبحانه في هذه السورة أن القرآن بشارة ونذارة، فهو بشارة للمؤمنين المتقين، ونذارة لمن خالف أمر الله، ولم يقبل هدى الله، ثم توعد المنحرفين والصادين والمعاندين للنبي ﷺ من كفار قريش بالعذاب والهلاك، وأنه أهلك من كان قبلهم، فلم يعلم لهم أثر ولا عين، قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم:٩٨].
стр. 588
تفسير سورة طه [ ١ - ٨]
نزل القرآن من عند الله رحمة منه بعباده، فليس فيه شقاء ولا تعسير، بل هو يسر كله وخير كله، والله سبحانه له الملك الحقيقي، فله ملك السماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى، وليس لأحد أن يدعي ملك شيء في السماوات أو في الأرض، وعلمه محيط بذلك كله، ولا يحيط الإنسان بشيء من علمه.
стр. 589
فضل قراءة سورة طه
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [روى إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب التوحيد عن زياد بن أيوب عن إبراهيم بن المنذر الحزامي: حدثنا إبراهيم بن مهاجر بن مسمار عن عمر بن حفص بن ذكوان عن مولى الحرقة - يعني عبد الرحمن بن يعقوب - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله قرأ طه ويس قبل أن يخلق آدم بألف عام، فلما سمعت الملائكة قالوا: طوبى لأمة ينزل عليهم هذا، وطوبى لأجواف تحمل هذا، وطوبى لألسن تتكلم بهذا).
هذا حديث غريب وفيه نكارة، وإبراهيم بن مهاجر وشيخه تكلم فيهما].
قوله: [إمام الأئمة] أي: في زمانه، وأما إمام الأئمة على الإطلاق فهو رسول الله ﷺ .
وإبراهيم بن مهاجر قال ابن عدي: لم أجد لـ إبراهيم - أي: ابن مهاجر - حديثاً أنكر من حديث: قرأ طه ويس.
стр. 590
تفسير قوله تعالى: (طه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [بسم الله الرحمن الرحيم.
﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه:١ - ٨].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته].
стр. 591
بيان المراد بالحروف المقطعة
والأرجح في هذه الحروف المقطعة: أن الله تعالى أعلم بمرداه منها، قال شيخ الإسلام ﵀: إن فيها إشارة إلى عظمة وإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، مع أن القرآن مركب من الحروف الهجائية الثمانية والعشرين التي يتكلم بها العرب، إلا أنهم لم يستطيعوا أن يأتوا بمثله، ولهذا تحداهم الله أن يأتوا بمثله فعجزوا، وتحداهم أن يأتوا بعشر سور فعجزوا، بل وتحداهم أن يأتوا بسورة فعجزوا، ولهذا فكل سورة افتتحت بالحروف المقطعة لا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه وعظمته، وهذا معلوم بالاستقراء في تسع وعشرين سورة مثل: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:١ - ٢]، ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١ - ٢]، ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران:١ - ٣]، وغير ذلك من الآيات.
قوله: (طه) حرفان من حروف الهجاء، طاء، وهاء، ومثلها: ن، ق، الم، الر، المص.
وأما ما يذكره بعض الناس أن: (طه) اسم من أسماء النبي ﷺ فلا أعرف لهذا أصل.
قال المؤلف ﵀: [وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسين بن محمد بن شيبة الواسطي، حدثنا أبو أحمد -يعني الزبيري - أنبأنا إسرائيل عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: طه: يا رجل].
ومحمد بن شنبة بفتح المعجمة والنون والموحدة الواسطي، أبو عبد الله البزاز، صدوق، الأربعة.
بعده الحسين بن معاذ، وقبله الحسين بن محمد بن زياد العبدي.
قال المؤلف ﵀: [وهكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء ومحمد بن كعب وأبو مالك وعطية العوفي والحسن وقتادة والضحاك والسدي وابن أبزى أنهم قالوا: (طه) بمعنى: يا رجل.
وفي رواية عن ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير والثوري أنها كلمة بالنبطية معناها يا رجل.
وقال أبو صالح: هي معربة.
وأسند القاضي عياض في كتابه الشفاء من طريق عبد بن حميد في تفسيره: حدثنا هاشم بن القاسم عن ابن جعفر عن الربيع بن أنس قال: (كان النبي ﷺ إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله تعالى: ((طه)) [طه:١] يعني: طأ الأرض يا محمد! ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:٢] ثم قال: ولا يخفى بما في هذا من الإكرام وحسن المعاملة).
وقوله: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:٢] قال جويبر عن الضحاك: لما أنزل الله القرآن على رسوله ﷺ قام به هو وأصحابه، فقال المشركون من قريش: ما أنزل هذا القرآن على محمد إلا ليشقى، فأنزل الله تعالى: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه:١ - ٣]].
وجويبر هذا ضعيف.
стр. 592
الكلمات المعربة في القرآن
فإن قيل: هل في القرآن كلمات معربة؟
و
الجواب
نعم، نحو: طه.
فإن قيل: فإن معناها يا رجل! وهي كلمة نبطية معربة.
فلا يمنع أن يكون القرآن عربياً إذا وجدت فيه بعض الكلمات المعربة.
قال المؤلف ﵀ [فليس الأمر كما زعمه المبطلون، بل من آتاه الله العلم فقد أراد به خيرًا كثيرًا، كما ثبت في الصحيحين، عن معاوية قال: قال رسول الله ﷺ (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين).
وما أحسن الحديث الذي رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني في ذلك حيث قال: حدثنا أحمد بن زهير حدثنا العلاء بن سالم حدثنا إبراهيم الطالقاني].
جاء في المعجم الكبير العلاء بن مسلمة وهو: العلاء بن مسلمة بن عثمان بن محمد بن إسحاق الرواس أبو سالم البغدادي، مولى بني تميم.
وفي التقريب: العلاء بن مسلمة بن عثمان الرواس (بتشديد الواو) مولى بني تميم، بغدادي، يكنى أبا سالم متروك، ورماه ابن حبان بالوضع.
إذاً ابن مسلمة يكون: العلاء بن مسلمة أبو سالم.
قال المؤلف ﵀: [وما أحسن ما رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني في ذلك حيث قال: حدثنا أحمد بن زهير حدثنا العلاء بن سالم حدثنا إبراهيم الطالقاني حدثنا ابن المبارك عن سفيان عن سماك بن حرب عن ثعلبة بن الحكم قال: قال رسول الله ﷺ : (يقول الله تعالى للعلماء يوم القيامة إذا قعد على كرسيه لقضاء عباده: إني لم أجعل علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي).
إسناده جيد، وثعلبة بن الحكم هذا هو الليثي، ذكره أبو عمر في استيعابه، وقال: نزل البصرة ثم تحول إلى الكوفة، وروى عنه سماك بن حرب].
يقول ابن كثير: إسناده جيد مع أن فيه متروك.
قال في التقريب: العلاء بن سالم الطبري، أبو الحسن الحذاء نزل بغداد، صدوق من الحادية عشرة، وبعده: العلاء بن سالم العبدي الكوفي العطار، مقبول، يروي عن إبراهيم الطالقاني.
فقول ابن كثير ﵀: إسناده جيد.
يحتمل أن العلاء بن سالم غير متروك، لكن الحافظ محدث، فيحتاج مراجعة للتأكد من الشيوخ والتلاميذ.
هذا الحديث في بيان فضل العلماء العاملين، وأن الله يغفر لهم هفواتهم وزلاتهم.
وأما العلماء المنحرفون مثل علماء السوء من أحبار اليهود والنصارى، الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، فإنهم لا يدخلون ضمن هذا الحديث.
стр. 593
تفسير قوله تعالى: (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى)
قال المؤلف ﵀: [وقال مجاهد في قوله: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:٢] هي كقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل:٢٠] وكانوا يعلقون الحبال بصدورهم في الصلاة.
وقال قتادة: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:٢] لا والله ما جعله شقاء، ولكن جعله رحمة ونوراً ودليلاً إلى الجنة.
﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه:٣] أن الله أنزل كتابه وبعث رسوله ﷺ رحمة رحم بها عباده؛ ليتذكر ذاكر، وينتفع رجل بما سمع من كتاب الله وهو ذكر أنزل الله فيه حلاله وحرامه].
قد سبق أن قوله: (طه) معناها بالنبطية: يا رجل، وهذا يحتاج إلى دليل ولا تكفي هذه الآثار، والأقرب أنها من الحروف المقطعة.
قال المؤلف ﵀: [وقوله: ﴿تَنزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلى﴾ [طه:٤] أي: هذا القرآن الذي جاءك يا محمد، هو تنزيل من ربك، رب كل شيء ومليكه القادر على ما يشاء، الذي خلق الأرض بانخفاضها وكثافتها، وخلق السموات العلى في ارتفاعها ولطافتها، وقد جاء في الحديث الذي صححه الترمذي وغيره أن سمك كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبعد ما بينها والتي تليها مسيرة خمسمائة عام.
وقد أورد ابن أبي حاتم هاهنا حديث الأوعال من رواية العباس عم رسول الله ﷺ ورضي الله عنه].
стр. 594
إثبات صفة الاستواء لله تعالى
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] تقدم الكلام على ذلك في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته أيضًا، وأن المسلك الأسلم في ذلك طريقة السلف: إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل].
قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] هذه من آيات الصفات وفيها إثبات استواء الرب على العرش، وأنه مستو على عرشه حقيقة.
و (استوى) لها في اللغة العربية أربع معان: استقر، وعلا، وصعد، وارتفع، وتفسيرات السلف لهذا اللفظ لا تخرج عن هذه المعاني الأربعة، ذكرها العلامة ابن القيم في النونية: فلهم عبارات عليها أربع قد حصلت للفارس الطعان وهي استقر وقد علا وكذلك ار تفع الذي ما فيه من نكران وكذاك قد صعد الذي هو رابع وأبو عبيدة صاحب الشيباني يختار هذا القول في تفسيره أدرى من الجهمي بالقرآن وأما كيفية الاستواء فلا يعلمه إلا هو ، فهو استواء يليق بجلاله وعظمته.
الاستواء معلوم، والمعلوم معناه: استقر وعلا وصعد.
والكيف مجهول: أي: كيفية استواء الرب، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة.
فالله تعالى استوى على العرش استواء حقيقة، يليق بجلاله وعظمته، فلا يكيف ولا يمثل ولا يشبه ولا يعطل، كما أننا لا نكيف ذاته، وكذلك لا يعلم كيفية صفاته إلا هو: علمه، وسمعه، وبصره، واستواؤه، ورحمته، كلها صفات متصف بها سبحانه حقيقة، كما يليق بجلاله وعظمته من غير تكييف ومن غير تمثيل ومن غير تعطيل ومن غير تحريف، قال الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
стр. 595
تفسير قوله تعالى: (له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى)
قال المؤلف ﵀: [وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه:٦] أي: الجميع ملكه وفي قبضته وتحت تصريفه ومشيئته وإرادته وحكمه، وهو خالق ذلك ومالكه وإلهه لا إله سواه ولا رب غيره.
وقوله: ﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه:٦] قال محمد بن كعب: أي ما تحت الأرض السابعة.
وقال الأوزاعي: إن يحيى بن أبي كثير حدثه أن كعباً سئل فقيل له: ما تحت هذه الأرض؟ فقال: الماء.
قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض.
قيل: وما تحت الأرض؟ قال: الماء.
قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض، قيل: وما تحت الأرض؟ قال: الماء.
قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض، قيل: وما تحت الأرض؟ قال الماء.
قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض، قيل: وما تحت الأرض؟ قال: الصخرة.
قيل: وما تحت الصخرة؟ قال: ملك، قيل: وما تحت الملك؟ قال: حوت معلق طرفاه بالعرش، قيل: وما تحت الحوت؟ قال: الهواء والظلمة وانقطع العلم].
وهذا من أخبار بني إسرائيل التي ينقلها كعب الأحبار عنهم والله أعلم.
стр. 596
كروية الأرض
قال المؤلف ﵀: [وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب حدثنا عمي حدثنا عبد الله بن عياش حدثنا عبد الله بن سليمان عن دراج عن عيسى بن هلال الصدفي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الأرضين بين كل أرض والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، والعليا منها على ظهر حوت، قد التقى طرفاه في السماء، والحوت على صخرة، والصخرة بيد الملك، والثانية سجن الريح، والثالثة فيها حجارة جهنم، والرابعة فيها كبريت جهنم، والخامسة فيها حيات جهنم، والسادسة فيها عقارب جهنم، والسابعة فيها سقر، وفيها إبليس مصفد بالحديد أمامه ويد خلفه فإذا أراد الله أن يطلقه لما يشاء أطلقه) وهذا حديث غريب جداً، ورفعه فيه نظر].
لا شك أن الأرض كروية، بل جميع الأفلاك كروية، أي: مستديرة الشكل، والنصوص واضحة في ذلك: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر:٥] والتكوير بمعنى التدوير، ولو كانت الأرض مربعة أو مسدسة ما قال: يكور.
وهي في شكل الكرة لكنها مسطحة، قال تعالى: س ﴿وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:٢٠] أي: مسطحة ومستديرة، وليست مربعة ولا مسدسة.
وأما هذا الخبر فهو من أخبار بني إسرائيل؛ قال عنه المحقق: ورواه ابن مندة في كتاب التوحيد من طريق حرملة بن يحيى عن عبد الله بن وهب بنحوه.
ورواه الحاكم في المستدرك من طريق: بحر بن نصر عن عبد الله بن وهب عن عبد الله بن عياش عن عبد الله بن سليمان عن دراج عن أبي الهيثم عن عكرمة بن هلال عن عن عبد الله بن عمرو بمثله فزاد (أبو الهيثم في إسناده، وقال: صحيح، ولم يخرجاه.
وتعقبه الذهبي بقوله: بل منكر؛ فيه عبد الله بن عياش ضعفه أبو داود وعند مسلم أنه: ثقة، ودراج كثير المناكير والحديث ضعيف مثلما قال المؤلف ورفعه فيه نظر، ولعله من أخبار بني إسرائيل؛ فإن عبد الله بن عمرو ﵄ أصاب زاملتين يوم اليرموك فكان يحدث منهما عن بني إسرائيل، وهذا مما أخذه منهما.
قال المؤلف ﵀: [وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا أبو موسى الهروي عن العباس بن الفضل قال: قلت: ابن الفضل الأنصاري؟ قال: نعم، عن القاسم بن عبد الرحمن عن محمد بن علي عن جابر بن عبد الله قال: (كنت مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فأقبلنا راجعين في حر شديد، فنحن متفرقون بين واحد واثنين منتشرين، قال: وكنت في أول العسكر إذ عارضنا رجل فسلم، ثم قال: أيكم محمد؟ ومضى أصحابي ووقفت معه، فإذا رسول الله ﷺ قد أقبل في وسط العسكر على جمل أحمر مقنع بثوبه على رأسه من الشمس، فقلت: أيها السائل، هذا رسول الله ﷺ قد أتاك.
فقال: أيهم هو؟ فقلت: صاحب البكر الأحمر.
فدنا منه، فأخذ بخطام راحلته، فكف عليه رسول الله ﷺ ، فقال: أنت محمد؟ قال: نعم.
قال: إني أريد أن أسألك عن خصال لا يعلمهن أحد من أهل الأرض إلا رجل أو رجلان، فقال رسول الله ﷺ : سل عما شئت.
قال: يا محمد، أينام النبي؟ فقال رسول الله ﷺ : تنام عيناه ولا ينام قلبه.
قال: صدقت.
ثم قال: يا محمد، من أين يشبه الولد أباه وأمه؟ فقال رسول الله ﷺ : ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأي الماءين غلب على الآخر نزع الولد.
فقال صدقت.
فقال: ما للرجل من الولد وما للمرأة منه؟ فقال: للرجل العظام والعروق والعصب، وللمرأة اللحم والدم والشعر قال: صدقت.
ثم قال: يا محمد، ما تحت هذه، يعني الأرض؟ فقال رسول الله ﷺ : خلق.
فقال: فما تحتهم؟ قال: أرض.
قال: فما تحت الأرض؟ قال الماء قال: فما تحت الماء؟ قال: ظلمة.
قال: فما تحت الظلمة؟ قال: الهواء.
قال: فما تحت الهواء؟ قال: الثرى.
قال: فما تحت الثرى؟ ففاضت عينا رسول الله ﷺ بالبكاء، وقال: انقطع علم الخلق عند علم الخالق، أيها السائل، ما المسئول عنها بأعلم من السائل؟ قال: فقال: صدقت، أشهد أنك رسول الله.
فقال رسول الله ﷺ : أيها الناس، هل تدرون من هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: هذا جبريل ﵇.
هذا حديث غريب جدًا وسياق عجيب، تفرد به القاسم بن عبد الرحمن هذا، وقد قال فيه يحيى بن معين: ليس يساوي شيئًا، وضعفه أبو حاتم الرازي، وقال ابن عدي: لا يعرف.
قلت: وقد خلط في هذا الحديث، ودخل عليه شيء في شيء وحديث في حديث، وقد يحتمل أنه تعمد ذلك أو أدخل عليه فيه، والله أعلم].
стр. 597
تفسير قوله تعالى: (وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] أي أنزل هذا القرآن الذي خلق الأرض والسموات العلى الذي يعلم السر وأخفى، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٦] قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] قال: السر ما أسره ابن آدم في نفسه ﴿وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] ما أخفى على ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعلمه، فالله يعلم ذلك كله].
قوله: (يعلم السر) أي: ما أخفاه الإنسان في نفسه.
وقوله: (وأخفى) أي: ما يعلمه الله مما يفعله ابن آدم في المستقبل والإنسان لا يعلمه، وهذا ظاهر العبارة.
قال المؤلف ﵀: [فعلمه فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد].
أي: علم الله فيما مضى وفيما بقي من المستقبل واحد.
قال المؤلف ﵀: [وجميع الخلائق في ذلك عنده كنفس واحدة، وهو قوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨]].
وقد ذكر ابن جرير، فقال: ما أخفى على ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعمله.
وهذا أحسن.
قال المؤلف ﵀: [وقال الضحاك: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] قال: السر: ما تحدث به نفسك، وأخفى ما لم تحدث به نفسك بعد.
وقال سعيد بن جبير: أنت تعلم ما تسر اليوم ولا تعلم ما تسر غداً، والله يعلم ما تسر اليوم وما تسر غداً.
وقال مجاهد ﴿وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] يعني: الوسوسة، وقال أيضاً هو وسعيد بن جبير.
﴿وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] أي: ما هو عامله مما لم يحدث به نفسه].
стр. 598
سعة علم الله
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] فيها بيان سعة علم الله ، وأنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهو سبحانه يعلم ما كان في الماضي، ويعلم ما يكون في المستقبل، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، فهو لا يخفى عليه شيء، وحتى الشيء الذي لا يكون يعلمه لو كان ، كما أخبر الله عن المنافقين الذين يخرجون مع المسلمين للجهاد ماذا يفعلون؟ فقال سبحانه: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ [التوبة:٤٧] ماذا سيعملون؟ قال: ﴿مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:٤٧].
وقال سبحانه عن الكفار الذين تمنوا أن يردوا إلى الدنيا: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٨].
وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣] كل هذه الآيات فيها بيان علمه سبحانه بما لم يكن لو كان كيف يكون، وهو سبحانه يعلم السر الذي يخفيه الإنسان في نفسه، وأخفى من ذلك ما سيعمله في المستقبل، أو ما سيسره غداً، أو ما توسوس به نفسه، فكل ذلك يعلمه ، والآية شاملة لكل هذه المعاني.
كما أن قدرته شاملة لكل شيء، فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فهو الذي خلق الخلائق كأنها نفس واحدة: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ﴾ [لقمان:٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧] أي: إعادة الخلق وبدؤهم هين على الله سبحانه.
стр. 599
تفسير قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى)
قال المؤلف ﵀: [وقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه:٨] أي: الذي أنزل عليك القرآن، هو الله الذي لا إله إلا هو ذو الأسماء الحسنى والصفات العلى، وقد تقدم بيان الأحاديث الواردة في الأسماء الحسنى في أواخر سورة الأعراف ولله الحمد والمنة.
стр. 600
تفسير سورة طه [٩ - ١٦]
من رحمة الله على العباد أن أرسل إليهم رسلاً مبشرين ومنذرين يدلونهم على الخير ويحذرونهم من الشر، وأول شيء أمر الأنبياء والرسل بالدعوة إليه هو التوحيد الخالص، كما أمر الأنبياء بإنذار الناس بالساعة وأنها آتية لا ريب فيها ليقضى فيها بين الخلق ويثاب المحسن ويعاقب المسيء.
следующие страницы →