← Тафсир

Тафсир · id 37048

شرح تفسير ابن كثير - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (873 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

كروية الأرض قال المؤلف ﵀: [وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب حدثنا عمي حدثنا عبد الله بن عياش حدثنا عبد الله بن سليمان عن دراج عن عيسى بن هلال الصدفي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الأرضين بين كل أرض والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، والعليا منها على ظهر حوت، قد التقى طرفاه في السماء، والحوت على صخرة، والصخرة بيد الملك، والثانية سجن الريح، والثالثة فيها حجارة جهنم، والرابعة فيها كبريت جهنم، والخامسة فيها حيات جهنم، والسادسة فيها عقارب جهنم، والسابعة فيها سقر، وفيها إبليس مصفد بالحديد أمامه ويد خلفه فإذا أراد الله أن يطلقه لما يشاء أطلقه) وهذا حديث غريب جداً، ورفعه فيه نظر]. لا شك أن الأرض كروية، بل جميع الأفلاك كروية، أي: مستديرة الشكل، والنصوص واضحة في ذلك: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر:٥] والتكوير بمعنى التدوير، ولو كانت الأرض مربعة أو مسدسة ما قال: يكور. وهي في شكل الكرة لكنها مسطحة، قال تعالى: س ﴿وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:٢٠] أي: مسطحة ومستديرة، وليست مربعة ولا مسدسة. وأما هذا الخبر فهو من أخبار بني إسرائيل؛ قال عنه المحقق: ورواه ابن مندة في كتاب التوحيد من طريق حرملة بن يحيى عن عبد الله بن وهب بنحوه. ورواه الحاكم في المستدرك من طريق: بحر بن نصر عن عبد الله بن وهب عن عبد الله بن عياش عن عبد الله بن سليمان عن دراج عن أبي الهيثم عن عكرمة بن هلال عن عن عبد الله بن عمرو بمثله فزاد (أبو الهيثم في إسناده، وقال: صحيح، ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي بقوله: بل منكر؛ فيه عبد الله بن عياش ضعفه أبو داود وعند مسلم أنه: ثقة، ودراج كثير المناكير والحديث ضعيف مثلما قال المؤلف ورفعه فيه نظر، ولعله من أخبار بني إسرائيل؛ فإن عبد الله بن عمرو ﵄ أصاب زاملتين يوم اليرموك فكان يحدث منهما عن بني إسرائيل، وهذا مما أخذه منهما. قال المؤلف ﵀: [وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا أبو موسى الهروي عن العباس بن الفضل قال: قلت: ابن الفضل الأنصاري؟ قال: نعم، عن القاسم بن عبد الرحمن عن محمد بن علي عن جابر بن عبد الله قال: (كنت مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فأقبلنا راجعين في حر شديد، فنحن متفرقون بين واحد واثنين منتشرين، قال: وكنت في أول العسكر إذ عارضنا رجل فسلم، ثم قال: أيكم محمد؟ ومضى أصحابي ووقفت معه، فإذا رسول الله ﷺ قد أقبل في وسط العسكر على جمل أحمر مقنع بثوبه على رأسه من الشمس، فقلت: أيها السائل، هذا رسول الله ﷺ قد أتاك. فقال: أيهم هو؟ فقلت: صاحب البكر الأحمر. فدنا منه، فأخذ بخطام راحلته، فكف عليه رسول الله ﷺ ، فقال: أنت محمد؟ قال: نعم. قال: إني أريد أن أسألك عن خصال لا يعلمهن أحد من أهل الأرض إلا رجل أو رجلان، فقال رسول الله ﷺ : سل عما شئت. قال: يا محمد، أينام النبي؟ فقال رسول الله ﷺ : تنام عيناه ولا ينام قلبه. قال: صدقت. ثم قال: يا محمد، من أين يشبه الولد أباه وأمه؟ فقال رسول الله ﷺ : ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأي الماءين غلب على الآخر نزع الولد. فقال صدقت. فقال: ما للرجل من الولد وما للمرأة منه؟ فقال: للرجل العظام والعروق والعصب، وللمرأة اللحم والدم والشعر قال: صدقت. ثم قال: يا محمد، ما تحت هذه، يعني الأرض؟ فقال رسول الله ﷺ : خلق. فقال: فما تحتهم؟ قال: أرض. قال: فما تحت الأرض؟ قال الماء قال: فما تحت الماء؟ قال: ظلمة. قال: فما تحت الظلمة؟ قال: الهواء. قال: فما تحت الهواء؟ قال: الثرى. قال: فما تحت الثرى؟ ففاضت عينا رسول الله ﷺ بالبكاء، وقال: انقطع علم الخلق عند علم الخالق، أيها السائل، ما المسئول عنها بأعلم من السائل؟ قال: فقال: صدقت، أشهد أنك رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : أيها الناس، هل تدرون من هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا جبريل ﵇. هذا حديث غريب جدًا وسياق عجيب، تفرد به القاسم بن عبد الرحمن هذا، وقد قال فيه يحيى بن معين: ليس يساوي شيئًا، وضعفه أبو حاتم الرازي، وقال ابن عدي: لا يعرف. قلت: وقد خلط في هذا الحديث، ودخل عليه شيء في شيء وحديث في حديث، وقد يحتمل أنه تعمد ذلك أو أدخل عليه فيه، والله أعلم].

стр. 597

تفسير قوله تعالى: (وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] أي أنزل هذا القرآن الذي خلق الأرض والسموات العلى الذي يعلم السر وأخفى، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٦] قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] قال: السر ما أسره ابن آدم في نفسه ﴿وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] ما أخفى على ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعلمه، فالله يعلم ذلك كله]. قوله: (يعلم السر) أي: ما أخفاه الإنسان في نفسه. وقوله: (وأخفى) أي: ما يعلمه الله مما يفعله ابن آدم في المستقبل والإنسان لا يعلمه، وهذا ظاهر العبارة. قال المؤلف ﵀: [فعلمه فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد]. أي: علم الله فيما مضى وفيما بقي من المستقبل واحد. قال المؤلف ﵀: [وجميع الخلائق في ذلك عنده كنفس واحدة، وهو قوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨]]. وقد ذكر ابن جرير، فقال: ما أخفى على ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعمله. وهذا أحسن. قال المؤلف ﵀: [وقال الضحاك: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] قال: السر: ما تحدث به نفسك، وأخفى ما لم تحدث به نفسك بعد. وقال سعيد بن جبير: أنت تعلم ما تسر اليوم ولا تعلم ما تسر غداً، والله يعلم ما تسر اليوم وما تسر غداً. وقال مجاهد ﴿وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] يعني: الوسوسة، وقال أيضاً هو وسعيد بن جبير. ﴿وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] أي: ما هو عامله مما لم يحدث به نفسه].

стр. 598

سعة علم الله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧] فيها بيان سعة علم الله ، وأنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهو سبحانه يعلم ما كان في الماضي، ويعلم ما يكون في المستقبل، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، فهو لا يخفى عليه شيء، وحتى الشيء الذي لا يكون يعلمه لو كان ، كما أخبر الله عن المنافقين الذين يخرجون مع المسلمين للجهاد ماذا يفعلون؟ فقال سبحانه: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ [التوبة:٤٧] ماذا سيعملون؟ قال: ﴿مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:٤٧]. وقال سبحانه عن الكفار الذين تمنوا أن يردوا إلى الدنيا: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٨]. وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣] كل هذه الآيات فيها بيان علمه سبحانه بما لم يكن لو كان كيف يكون، وهو سبحانه يعلم السر الذي يخفيه الإنسان في نفسه، وأخفى من ذلك ما سيعمله في المستقبل، أو ما سيسره غداً، أو ما توسوس به نفسه، فكل ذلك يعلمه ، والآية شاملة لكل هذه المعاني. كما أن قدرته شاملة لكل شيء، فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فهو الذي خلق الخلائق كأنها نفس واحدة: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ﴾ [لقمان:٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧] أي: إعادة الخلق وبدؤهم هين على الله سبحانه.

стр. 599

تفسير قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى) قال المؤلف ﵀: [وقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه:٨] أي: الذي أنزل عليك القرآن، هو الله الذي لا إله إلا هو ذو الأسماء الحسنى والصفات العلى، وقد تقدم بيان الأحاديث الواردة في الأسماء الحسنى في أواخر سورة الأعراف ولله الحمد والمنة.

стр. 600

تفسير سورة طه [٩ - ١٦] من رحمة الله على العباد أن أرسل إليهم رسلاً مبشرين ومنذرين يدلونهم على الخير ويحذرونهم من الشر، وأول شيء أمر الأنبياء والرسل بالدعوة إليه هو التوحيد الخالص، كما أمر الأنبياء بإنذار الناس بالساعة وأنها آتية لا ريب فيها ليقضى فيها بين الخلق ويثاب المحسن ويعاقب المسيء.

стр. 601

تفسير قوله تعالى: (وهل أتاك حديث موسى) قال الله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه:٩ - ١٠]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [من هنا شرع ﵎ في ذكر قصة موسى، وكيف كان ابتداء الوحي إليه وتكليمه إياه، وذلك بعدما قضى موسى الأجل الذي كان بينه وبين صهره في رعاية الغنم، وسار بأهله قيل: قاصداً بلاد مصر بعدما طالت الغيبة عنها أكثر من عشر سنين، ومعه زوجته، فأضل الطريق وكانت ليلة شاتية، ونزل منزلاً بين شعاب وجبال في برد وشتاء وسحاب وظلام وضباب، وجعل يقدح بزند معه ليوري ناراً كما جرت له العادة به، فجعل لا يقدح شيئاً ولا يخرج منه شرر ولا شيء، فبينما هو كذلك إذ آنس من جانب الطور نارًا، أي ظهرت له نار من جانب الجبل الذي هناك عن يمينه، فقال لأهله يبشرهم: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ [طه:١٠] أي شهاب من نار وفي الآية الأخرى: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ [القصص:٢٩] وهي الجمر الذي معه لهب. ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل:٧] دل على وجود البرد. وقوله: ﴿بِقَبَسٍ﴾ [طه:١٠] دل على وجود الظلام. وقوله: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه:١٠] أي: من يهديني الطريق]. وهذه من حكمة الله أن جعل سيره في هذا الوقت من الظلام والضباب والسحاب، وكان يقدح بزند معه ولا يخرج منه شرر ولا شيء، وضل الطريق، فهو بحاجة الآن إلى النار وإلى من يدله على الطريق، وبينما هو في هذه الحالة رأى ناراً بجانب الجبل، فقال لأهله: ﴿امْكُثُوا﴾ [طه:١٠] أي: اجلسوا ههنا في مكانكم، فإني رأيت ناراً عند الجبل حتى أذهب إليها: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ [طه:١٠] أي: قطعة من النار، لعلكم تستدفئون بها من البرد، ولعلي أجد حولها من يدلنا على الطريق، فلما وصل إليها كلمه الله، وأرسله، وكان هذا أول بدء النبوة. قال المؤلف ﵀: [وقوله: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه:١٠] أي من يهديني الطريق، دل على أنه قد تاه عن الطريق، كما قال الثوري عن أبي سعد الأعور عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه:١٠] قال: من يهديني إلى الطريق، وكانوا شاتين وضلوا الطريق، فلما رأى النار قال: إن لم أجد أحدًا يهديني إلى الطريق أتيتكم بنار توقدون بها. ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه:١١ - ١٦].

стр. 602

تفسير قوله تعالى: (فلما أتاها نودي يا موسى) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾ [طه:١١] أي النار، واقترب منها ﴿نُودِيَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١١] وفي الآية الأخرى: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص:٣٠] وقال هاهنا: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه:١٢] أي الذي يكلمك ويخاطبك. ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه:١٢] قال علي بن أبي طالب وأبو ذر وأبو أيوب وغير واحد من السلف: كانتا من جلد حمار غير ذكي]. وهذا في شرع من قبلنا، إذ معروف أن الحمر الأهلية ما حرمت إلا في السنة السابعة من الهجرة، وذلك أن الصحابة في غزوة خيبر- ذبحوا الحمر وطبخوها، وكانت حلالاً قبل ذلك ثم حرمت فأرسل رسول الله ﷺ منادياً ينادي: (إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية) وأكفئت القدور وإنها لتغلي بها، وكان هذا في أول الإسلام، وكانت حلالاً مباحة، وهي في شرع من قبلنا في زمن موسى مباح؛ لكنها هنا جلد من حمار غير مذكى، إذ لو ذكي صار طاهراً؛ لأن الحمار كان حلالاً ولم يكن حراماً، فإذا دبغ جلده وجعلت منه النعلان صارت مباحة، فلما مات صار ميتة، فإذا أخذ جلده وجعل منه حذاء صارت الحذاء من جلد غير مذكى، فهو إذاً نجس، ولو ذكي لكان طاهراً؛ لأنه كان حلالاً في ذلك الوقت، وهذا على ما قاله الصحابة إن صح عنهم. وقد جاء في بعض الروايات أنه يوم أن كلم الله موسى كانت عليه جبة صوف، وكساء صوف، وسراويل صوف، ونعلان من جلد حمار غير مذكى. قال ابن جرير الطبري: حدثنا به بشر بن خلف قال: حدثنا خلف بن خليفة عن حميد بن عبد الله بن الحارث عن ابن مسعود عن نبي الله ﷺ قال: (يوم كلم الله موسى كانت عليه جبة صوف وكساء صوف وسراويل صوف، ونعلان من جلد حمار غير مذكى). قال عفا الله عنه: صحيحاً لم نعده إلى غيره، ولكن في إسناده نظر يجب التثبت فيه. قال المصنف ﵀: [وقيل: إنما أمره بخلع نعليه تعظيماً للبقعة]. وهذا هو الأقرب، إذا لم يصح الحديث السابق الذي ذكره ابن جرير الطبري، ويدل على هذا قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه:١٢] والواد المقدس مطهر، و (طوى) اسم الوادي. ومما يؤيد ضعف الحديث السابق أنه تكلم في أحد رجاله وهو: خلف بن خليفة. واسمه: خلف بن خليفة بن صاعد الأشجعي مولاهم أبو أحمد الكوفي نزل واسط ثم بغداد، صدوق اختلط في الآخر، وادعى أنه رأى عمرو بن حريث الصحابي فأنكر عليه ذلك ابن عيينة وأحمد، وهو من الثامنة. إذاً: فيكون ضعيف مختلط، وبقية إسناده لا يصح. والأصل هو ما دلت عليه الآيتان، ولأن الحكمة من خلع النعلين تعظيم البقعة. قال ابن جرير: وأولى القولين في ذلك بالصواب: قول من قال: أمره الله تعالى ذكره بخلع نعليه ليباشر بقدميه بركة الوادي إذ كان وادياً مقدساً. قال المصنف ﵀: [قال سعيد بن جبير: كما يؤمر الرجل أن يخلع نعليه إذا أراد أن يدخل الكعبة، وقيل: ليطأ الأرض المقدسة بقدميه حافياً غير منتعل، وقيل: غير ذلك والله أعلم]. والقول الثاني يرجع إلى القول الثالث.

стр. 603

المراد بـ (طوى) قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿طُوًى﴾ [طه:١٢] قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هو اسم للوادي، وكذا قال غير واحد، فعلى هذا يكون عطف بيان]. الوادي المقدس، أي: المسمى طوى ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه:١٢] فطوى: اسم للوادي. وجبل الطور جبل مبارك، والأرض تسمى بالأرض المباركة، والأرض التي حولها البركة هي أرض مباركة، فأرض الشام وأرض فلسطين حول المسجد الأقصى، لكن هل الجبل الآن له مزية أو فضيلة؟ لا، ولذا عندما سافر أبو هريرة إلى الطور أنكر عليه أبو ذر الغفاري وقال: لو علمت لما سافرت، يقول النبي ﷺ : (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى). قال المصنف ﵀: [وقيل: عبارة عن الأمر بالوطء بقدميه. وقيل: لأنه قدس مرتين، وطوى له البركة وكررت، والأول أصح كقوله: ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات:١٦]].

стр. 604

تفسير قوله تعالى: (وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى) قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ [طه:١٣] كقوله: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤] أي على جميع الناس من الموجودين في زمانه، وقد قيل: إن الله تعالى قال: يا موسى أتدري لم خصصتك بالتكليم من بين الناس؟ قال: لا، قال: لأني لم يتواضع لي أحد تواضعك]. وقد قيل: إن هذا ليس عليه دليل، وإنما هو اختيار من الله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] فله الحكمة البالغة .

стр. 605

أول واجب على العبد قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه:١٣] أي: اسمع الآن ما أقول لك وأوحيه إليك: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ [طه:١٤] هذا أول واجب على المكلفين أن يعلموا أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له]. إن أعظم وأول واجب المكلف هو توحيد الله ، وهو: أن يعلموا أنه لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا الله، ولهذا أول واجب بدأ الله به بوحيه إلى موسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] فلا إله إلا الله معناه: لا معبود بحق إلا الله، فهو أول واجب وآخر واجب، فأول ما يدخل به في الإسلام كلمة التوحيد، وآخر ما يخرج به من الدنيا: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله). وهذا أول واجب على المكلف خلافاً لأهل البدع القائلين: إن أول واجب هو الشك فتشك فيما حولك، ثم تنتقل من الشك إلى التوحيد واليقين. وبعضهم يقول: أول واجب هو النظر والتأمل. وبعضهم يقول: أول واجب هو: القصد إلى النظر فهذه ثلاثة أقوال لأهل البدع، وهي باطلة، وإنما الصحيح أن أول واجب هو توحيد الله كما قال الله لموسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] وهو الغاية من بعثة الرسل ﵈: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]. قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] أي وحدني وقم بعبادتي من غير شريك ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] قيل: معناه: صلّ لتذكرني. وقيل: معناه وأقم الصلاة عند ذكرك لي، ويشهد لهذا الثاني ما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا المثنى بن سعيد عن قتادة، عن أنس، عن رسول الله ﷺ قال: (إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها، فليصلها إذا ذكرها؛ فإن الله تعالى قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤])، وفي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : (من نام عن صلاة أو نسيها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك)].

стр. 606

تفسير قوله تعالى: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها) قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ [طه:١٥] أي: قائمة لا محالة وكائنة لا بد منها. وقوله: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه:١٥] قال الضحاك عن ابن عباس أنه كان يقرؤها: أكاد أخفيها من نفسي يقول: لأنها لا تخفى من نفس الله أبدًا. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: من نفسه. وكذا قال مجاهد وأبو صالح ويحيى بن رافع]. وهذه القراءة تحمل على التفسير، فالقراءة إذا لم تثبت متواترة يقال عنها تفسير، ومثلها ما جاء في مصحف عائشة في قوله تعالى: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر، ومثلها ما جاء في مصحف ابن مسعود في كفارة اليمين: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) فمتتابعات تحمل على أنها تفسير. قال المصنف ﵀: [وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه:١٥] يقول: لا أطلع عليها أحداً غيري. وقال السدي: ليس أحد من أهل السموات والأرض إلا قد أخفى الله تعالى عنه علم الساعة وهي في قراءة ابن مسعود إني أكاد أخفيها من نفسي، يقول: كتمتها من الخلائق حتى لو استطعت أن أكتمها من نفسي لفعلت. وقال قتادة: ((أَكَادُ أُخْفِيهَا))، وهي في بعض القراءات: أخفيها عن نفسي، ولعمري لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين ومن الأنبياء والمرسلين]. وهذا من باب تأكيد الكلام، وليس المراد القسم، ومثل ذلك: ما جاء عن عائشة في البخاري في تفسير سورة يوسف عندما قالت: ولعمري، وجاء أيضاً في سنن ابن ماجة الذي جاء فيه كلام لـ ابن القيم عندما قال: لعمري، أي: تأكيد الكلام، وليس المراد بها القسم، وأما قوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢] فهذا قسم من الله بحياة النبي ﷺ . قال المصنف رحمه الله تعالى: [قلت: وهذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]، وقال: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف:١٨٧] أي ثقل علمها على أهل السموات والأرض، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا منجاب حدثنا أبو نميلة حدثني محمد بن سهل الأسدي]. لعله ثميلة، وليس نميلة. قال المصنف ﵀: [عن ورقاء]. وقاء قال: بكسر أوله وقاف أبو إياس الأسدي أبو يزيد الكوفي لين الحديث. قال في التقريب: ورقاء بن عمر اليشكري أبو بشر الكوفي نزيل المدائن صدوق. قال المصنف ﵀: [وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة قال: حدثنا منجاب قال: حدثنا أبو ثميلة قال: حدثني محمد بن سهل الأسدي عن ورقاء قال: أقرأنيها سعيد بن جبير: (أَكَادُ خْفِيهَا) يعني: بنصب الألف وخفض الفاء، يقول: أظهرها ثم قال: أما سمعت قول الشاعر: داب شهرين ثم شهراً دميكاً بأريكين يخفيان غميراً وقال الأسدي: الغمير: نبت رطب، ينبت في قلال يبس، والأريكين موضع والدميك: الشهر التام، وهذا الشعر لـ كعب بن زهير. وقوله : ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه:١٥] أي: أقيمها لا محالة لأجزي كل عامل بعمله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]، ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ النمل:٩٠]].

стр. 607

تفسير قوله تعالى: (فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه:١٦] المراد بهذا الخطاب: آحاد المكلفين، أي: لا تتبعوا سبيل من كذب بالساعة، وأقبل على ملاذه في دنياه، وعصى مولاه، واتبع هواه، فمن وافقهم على ذلك فقد خاب وخسر: ﴿فَتَرْدَى﴾ [طه:١٦] أي: تهلك وتعطب، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل:١١]]. في هذه الآيات الكريمات يبين تعالى أنه كلم موسى، وبين له التوحيد الذي هو أول واجب على العبد، وأمره بعبادته فقال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤]، ثم ثنى بالأمر بإقامة الصلاة؛ لأنها أعظم العبادات البدنية، وهي داخلة في قوله سبحانه: ﴿فَاعْبُدْنِي﴾ [طه:١٤] لكنه خص الصلاة لعظم شأنها، والصلاة صلة بين العبد وبين ربه: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] ثم بين له وأخبره أنه لا بد من الإيمان بالساعة والقيامة، وأنه لا يعلم وقت قيامها إلا الله، وأن الله قد أخفاها عن الخلق، وأنه لا بد من قيام الساعة، ولا بد من إتيانها ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه:١٥] والجزاء لا بد له من يوم القيامة، والقيامة: هي: البعث، والجزاء ثابت بالشرع وبالفطرة وبالعقل؛ لأنه في هذه الدنيا يختلط البر بالفاجر، والمؤمن بالكافر، والعاصي بالمطيع، وهناك الظالم، وهناك العابد، وهناك المشرك، وهناك الكافر، وهناك من يظلم نفسه بالشرك، وهناك من يظلم غيره بالاعتداء على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وهناك من يظلم نفسه بالمعاصي، فلا يمكن أن يترك الناس سدى لا يؤمرون ولا ينهون في الدنيا، ولا يثابون ولا يعوضون في الآخرة، لا بد من قيام الساعة حتى تجزى كل نفس بسعيها وعملها ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه:١٥] ثم قال سبحانه: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه:١٦] المراد: أحاد الناس الذين اتبعوا أهواءهم وشهواتهم، ولم يؤمنوا بالساعة والبعث اتباعاً للهوى فهلكوا بذلك؛ ولهذا قال: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه:١٦].

стр. 608

تفسير سورة طه [١٧ - ٣٥] كل نبي أو رسول أرسل إلى قومه ساق الله معه آية من آياته ومعجزة تدل على أنه نبي من عند الله، ولقد كان من أعظم المعجزات والآيات الباهرات ما أرسل به موسى ﵇ إلى فرعون وملئه.

стр. 609

تفسير قوله تعالى: (وما تلك بيمينك يا موسى) قال الله تعالى: [﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى﴾ [طه:١٧ - ٢١]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [هذا برهان من الله تعالى لموسى ﵇، ومعجزة عظيمة، وخرق للعادة باهر، دل على أنه لا يقدر على مثل هذا إلا الله ، وأنه لا يأتي به إلا نبي مرسل، وقوله: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١٧] قال بعض المفسرين: إنما قال له ذلك على سبيل الإيناس له. وقيل: إنما قال له ذلك على وجه التقرير، أي: أما هذه التي في يمينك عصاك التي تعرفها، فسترى ما نصنع بها الآن، ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١٧] استفهام تقرير. ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٨] أي: أعتمد عليها في حال المشي: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ [طه:١٨] أي: أهز بها الشجرة ليسقط ورقها، لترعاه غنمي، قال عبد الرحمن بن القاسم: عن الإمام مالك: الهش: أن يضع الرجل المحجن في الغصن، ثم يحركه حتى يسقط ورقه وثمره، ولا يكسر العود، فهذا الهش، ولا يخبط. وكذا قال ميمون بن مهران أيضاً. وقوله: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٨] أي: مصالح ومنافع وحاجات أخر غير ذلك]. العصا فيها مصالح عدة، منها: ما ذكره موسى ﵇ من أنه يعتمد عليها في مشيه، ويهش بها على غنمه، وله فيها مصالح: كأن يضرب بها السبع مثلاً، أو الحية، أو العقرب، وكذلك أيضاً: يدافع بها عن نفسه إذا اعتدى عليه عدو، ويضعها سترة له عندما يصلي، ويضع عليها ثوباً يستظل به، ومصالح وفوائد كثيرة، كما أخبر في قوله: ﴿فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٨]. قال المصنف ﵀: [وقوله: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٨]، أي: مصالح ومنافع وحاجات أخر غيرذلك، وقد تكلف بعضهم لذكر شيء من تلك المآرب التي أبهمت، فقيل: كانت تضيء له بالليل، وتحرس له الغنم إذا نام، ويغرسها فتصير شجرة تظله، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة، والظاهر أنها لم تكن كذلك، ولو كانت كذلك لما استنكر موسى ﵇ صيرورتها ثعباناً، فما كان يفر منها هارباً، ولكن كل ذلك من الأخبار الإسرائيلية، وكذا قول بعضهم: إنها كانت لآدم ﵇، وقول الآخر: أنها هي الدابة التي تخرج قبل يوم القيامة، وروي عن ابن عباس أنه قال: كان اسمها: (ماشاء) والله أعلم بالصواب]. وكل هذه من أخبار من بني إسرائيل ولا دليل عليها، والأقرب: أن المآرب هي المعروفة التي سبق ذكرها. قال المصنف ﵀: [وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى﴾ [طه:١٩] أي: هذه العصا التي في يدك يا موسى، (ألقها) ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه:٢٠] أي: صارت في الحال حية عظيمة ثعباناً طويلاً يتحرك حركة سريعة، فإذا هي تهتز كأنها جان، وهو: أسرع الحيات حركة ولكنه صغير، فهذه في غاية الكبر وفي غاية سرعة الحركة ﴿تَسْعَى﴾ [طه:٢٠] أي: تمشي وتضطرب. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: حدثنا أحمد بن عبدة قال: حدثنا حفص بن جميع قال: حدثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه:٢٠] ولم تكن قبل ذلك حية، فمرت بشجرة فأكلتها، فمرت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها، فولى مدبراً، فنودي أن: يا موسى، خذها. فلم يأخذها، ثم نودي الثانية: أن خذها ولا تخف. فقيل له في الثالثة: إنك من الآمنين فأخذها. وقال وهب بن منبه في قوله: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه:٢٠] قال: فألقاها على وجه الأرض، ثم حانت منه نظرة فإذا بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون، فدب يلتمس كأنه يبتغى شيئاً يريد أخذه يمر بالصخرة مثله مثل الخلفة من الإبل فيلتقمها، ويطعن بالناب من أنيابه في أصل الشجرة العظيمة فيجتثها، عيناه تتقدان ناراً]. أي: نظرة إلى العصا لما وضعها فرآها ثعبان عظيم، فهذه من الآيات العظيمة، وقدرة ربانية عظيمة، حيث أنه إذا أخذها بيده تكون عصا، ويضعها على الأرض فتكون ثعبان معروف، قال الله: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ [طه:٢٤] فهذه آية وبرهان إذا طلب منك آية ودليل. والآية الثانية: يده يدخلها في جيبه ثم يخرجها فإذا هي بيضاء تتلألأ من غير سوء، يعني: من غير ضرر، نور تتلألأ مثل الشمس، قال الله: ((فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ))]. هذه التفصيلات كونها تتوقد ناراً، وكونها ابتلعت الصخرة، وكونها قطعت أصل الشجرة، كل هذا يحتاج إلى دليل، المهم أنها صارت ثعبان عظيم، وحية تسعى وتضطرب بسرعة هائلة. قال المصنف ﵀: [وقد عاد المحجن منها عرفاً، قيل: شعر مثل النيازك، وعاد الشعبتان فماً مثل القليب الواسع فيه أضراس وأنياب]. عرفاً بالضم، يعني: الحية. قال المصنف ﵀: [لها صريف، فلما عاين ذلك موسى ولى مدبراً ولم يعقب، فذهب حتى أمعن، ورأى أنه قد أعجز الحية، ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه، ثم نودي: يا موسى! أن ارجع حيث كنت. فرجع موسى وهو شديد الخوف. فقال: خذها بيمينك ﴿وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى﴾ [طه:٢١] وعلى موسى حينئذ مدرعة من صوف، فدخلها بخلال من عيدان، فلما أمره بأخذها أدلى طرف المدرعة على يده، فقال له ملك: أرأيت يا موسى، لو أذن الله بما تحاذر أكانت المدرعة تغني عنك شيئاً؟ قال: لا ولكني ضعيف، ومن ضعف خلقت. فكشف عن يده ثم وضعها على فم الحية، حتى سمع حس الأضراس والأنياب، ثم قبض فإذا هي عصاه التي عهدها، وإذا يده في موضعها الذي كان يضعها إذا توكأ بين الشعبتين؛ ولهذا قال تعالى: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى﴾ [طه:٢١] أي: إلى حالها التي تعرف قبل ذلك].

стр. 610

تفسير قوله تعالى: (واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء) قال تعالى: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى * لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ [طه:٢٢ - ٣٥]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا برهان ثان لموسى ﵊ وهو: أن الله أمره أن يدخل يده في جيبه كما صرح به في الآية الأخرى، وهاهنا عبر عن ذلك بقوله: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ [طه:٢٢]]. وفي الآية الأخرى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [النمل:١٢] أي: آية أخرى. قال المصنف ﵀: [وقال في مكان آخر: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [القصص:٣٢]]. برهانان: البرهان الأول: العصا، والبرهان الثاني: اليد، فهذه معجزتان لموسى، دليل على صدقه وأنه رسول من عند الله تعالى. قال المصنف ﵀: [وقال مجاهد: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ [طه:٢٢] كفه تحت عضدك، وذلك أن موسى ﵇ كان إذا أدخل يده في جيبه ثم أخرجها، تخرج تتلألأ كأنها فلقة قمر، وقوله: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه:٢٢] أي: من غير برص ولا أذى ومن غير شين. قاله ابن عباس]. من غير شين، أي: من غير عيب. قوله: (من غير شين)، أي: من غير عيب كالبرص وغيره من العيوب، فهي تتلألأ مثل القمر، وتلك معجزة له. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك والسدي وغيرهم. وقال الحسن البصري: أخرجها والله كأنها مصباح، فعلم موسى أنه قد لقي ربه ، ولهذا قال تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ [طه:٢٣]. وقال وهب: قال له ربه: ادنه، فلم يزل يدنيه حتى أسند ظهره بجذع الشجرة، فاستقر وذهبت عنه الرعدة وجمع يده في العصا وخضع برأسه وعنقه. وقوله: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٢٤] أي: اذهب إلى فرعون ملك مصر الذي خرجت فاراً منه وهارباً فادعه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ومره فليحسن إلى بني إسرائيل ولا يعذبهم؛ فإنه قد طغى وبغى وآثر الحياة الدنيا، ونسي الرب الأعلى. قال وهب بن منبه: قال الله لموسى: انطلق برسالتي فإنك بسمعي وعيني، وإن معك يدي وبصري، وإني قد ألبستك جنة من سلطاني؛ لتستكمل بها القوة في أمري، فأنت جند عظيم من جندي، بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي، بطر نعمتي، وأمن مكري وغرته الدنيا عني، حتى جحد حقي، وأنكر ربوبيتي، وزعم أنه لا يعرفني، فإني أقسم بعزتي لولا القدر الذي وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار يغضب لغضبه السماوات والأرض، والجبال والبحار، فإن أمرت السماء حصبته، وإن أمرت الأرض ابتلعته، وإن أمرت الجبال دمرته، وإن أمرت البحار غرقته، ولكنه هان علي وسقط من عيني، ووسعه حلمي، واستغنيت بما عندي، وحقي أني أنا الغني لا غني غيري، فبلغه رسالتي، وادعه إلى عبادتي وتوحيدي وإخلاصي، وذكّره أيامي، وحذره نقمتي وبأسي، وأخبره أنه لا يقوم شيء لغضبي، وقل له فيما بين ذلك قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى، وأخبره أني إلى العفو والمغفرة أسرع مني إلى الغضب والعقوبة، ولا يروعنك ما ألسبته من لباس الدنيا؛ فإن ناصيته بيدي، ليس ينطق ولا يطرف ولا يتنفس إلا بإذني]. قوله: (يطرف) أي: ينظر بطرفه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقل له: أجب ربك فإنه واسع المغفرة، وقد أمهلك أربعمائة سنة في كلها أنت مبارزه بالمحاربة، تسبه وتتمثل به وتصد عباده عن سبيله، وهو يمطر عليك السماء، وينبت لك الأرض، لم تسقم، ولم تهرم، ولم تفتقر، ولم تغلب، ولو شاء الله أن يعجل لك العقوبة لفعل ولكنه ذو أناة وحلم عظيم، وجاهده بنفسك وأخيك وأنتما تحتسبان بجهاده، فإني لو شئت أن آتيه بجنود لا قبل له بها لفعلت ولكن ليعلم هذا العبد الضعيف الذي قد أعجبته نفسه وجموعه أن الفئة القليلة -ولا قليل مني- تغلب الفئة الكثيرة بإذني، ولا تعجبنكما زينته ولا ما متع به، ولا تمدا إلى ذلك أعينكما فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين، ولو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة ليعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما فعلت ولكني أرغب بكما عن ذلك وأزويه عنكما، وكذلك أفعل بأوليائي، وقديماً ما جرت عادتي في ذلك فإني لأذودهم عن نعيمها وزخارفها كما يذود الراعي الشفيق إبله عن مبارك الغرة وما ذاك لهوانهم علي ولكن ليستكملوا نصيبهم في دار كرامتي سالماً موفراً لم تكلمه الدنيا، واعلم أنه لا يتزين لي العباد بزينة هي أبلغ فيما عندي من الزهد في الدنيا؛ فإنها زينة المتقين، عليهم منها لباس يعرفون به من السكينة والخشوع، وسيماهم في وجوههم من أثر السجود، أولئك أوليائي حقاً حقاً، فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك، وذلل قلبك ولسانك، واعلم أنه من أهان لي ولياً أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة وبادأني، وعرض لي نفسه ودعاني إليها، وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي، أفيظن الذي يحاربني أن يقوم لي؟ أم يظن الذي يعاديني أن يعجزني؟ أم يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني؟ وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة لا أكل نصرتهم إلى غيري. رواه ابن أبي حاتم]. وكلام وهب بن منبه هذا مأخوذ من الإسرائيليات والله أعلم.

стр. 611

تفسير قوله تعالى: (قال رب اشرح لي صدري) قال الله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٦]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [هذا سؤال من موسى ﵇ لربه أن يشرح له صدره فيما بعثه به؛ فإنه قد أمره بأمر عظيم، وخطب جسيم، بعثه إلى أعظم ملك على وجه الأرض إذ ذاك، وأجبرهم وأشدهم كفراً، وأكثرهم جنوداً، وأعمرهم ملكاً، وأطغاهم وأبلغهم تمرداً، بلغ من أمره أن ادعى أنه لا يعرف الله ولا يعلم لرعاياه إلهاً غيره، هذا وقد مكث موسى في داره مدة وليداً عندهم في حجر فرعون على فراشه، ثم قتل منهم نفساً فخافهم أن يقتلوه، فهرب منهم هذه المدة بكمالها، ثم بعد هذا بعثه ربه إليهم نذيراً يدعوهم إلى الله أن يعبدوه وحده لا شريك له، ولهذا قال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٦] أي: إن لم تكن أنت عوني ونصيري وعضدي وظهيري وإلا فلا طاقة لي بذلك.

стр. 612

تفسير قوله تعالى: (واحلل عقدة من لساني) قال الله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه:٢٧ - ٢٨]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وذلك لما كان أصابه من اللثغ حين عرض عليه التمرة والجمرة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه كما سيأتي بيانه، وما سأل أن يزول ذلك بالكلية بل بحيث يزول العي ويحصل لهم فهم ما يريد منه وهو قدر الحاجة، ولو سأل الجميع لزال ولكن الأنبياء لا يسألون إلا بحسب الحاجة، ولهذا بقيت بقية، قال الله تعالى إخباراً عن فرعون أنه قال: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:٥٢] أي: يفصح بالكلام. وقال الحسن البصري: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه:٢٧] قال: حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك أعطي. وقال ابن عباس: شكا موسى إلى ربه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءا ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه، فآتاه سؤله، فحل عقدة من لسانه. وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن عمر بن عثمان حدثنا بقية عن أرطأة بن المنذر حدثني بعض أصحاب محمد بن كعب عنه قال: أتاه ذو قرابة له فقال له: ما بك بأس لولا أنك تلحن في كلامك، ولست تعرب في قراءتك. فقال القرظي: يا ابن أخي! ألست أفهمك إذا حدثتُك؟ قال: نعم، قال: فإن موسى ﵇ إنما سأل ربه أن يحلل عقدة من لسانه؛ كي يفقه بنو إسرائيل كلامه ولم يزد عليها. هذا لفظه]. وهذا الإسناد منقطع في الموضعين، في قول ابن أبي حاتم: ذكر عن عمر بن عثمان، وفي قول أرطأة بن المنذر: حدثني بعض أصحاب محمد بن كعب. وفي هذه الآية الكريمة أن موسى ﵊ سأل ربه أن يشرح له صدره، وأن ييسر له أمره؛ لأنه أرسله بأمر عظيم، فقد أرسله بالنبوة والرسالة، وأرسله إلى أعظم ملوك أهل الأرض في زمانه، وأكثرهم عتواً وجبروتاً وطغياناً وهو فرعون ملك مصر، فقد ادعى الربوبية، وأنكر الرب العظيم الذي قامت بأمره الأرض والسماوات، وقال للناس: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، فقد أنكر الرب العظيم تكبراً مع أنه كان مستيقناً في الباطن، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، وصار فرعون إماماً في الضلال يقود إلى النار، كما قال الله عن آل فرعون: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص:٤١]، وصار كل إمام ضلال وإمام انحراف وإمام فساد ينسب إلى فرعون، ولهذا الجهمية الذين ينكرون علو الرب ينسبون إلى فرعون، فمن أنكر العلو فهو جهمي فرعوني، ومن أثبت علو الرب وأن الله في السماء فهو موسوي محمدي ينسب إلى موسى ومحمد ﵉، ففرعون أنكر الرب العظيم الذي قامت بأمره الأرض والسماوات، وعذب بني إسرائيل وسامهم سوء العذاب، وأخاف الناس، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٤]. وفي إحدى الليالي رأى فرعون رؤيا أن ملكه سيزول على يد رجل من بني إسرائيل، فأمر بذبح أبناء بني إسرائيل، فقيل له: إنك إذا ذبحت بني إسرائيل لا تجد يداً عاملة؛ لأنهم هم اليد العاملة الذين يخدمونه، فأمر أن يذبحوا في سنة ويتركوا في سنة، فولد هارون في السنة التي يترك فيها الغلمان وولد موسى في السنة التي يذبح فيها الغلمان لحكمة أرادها الله، ولما خافت أم موسى على وليدها ألهمها الله بأن تضعه في تابوت وأن تلقيه في اليم، فذهب اليم بهذا التابوت حتى أوصله إلى دار فرعون، فأخذته امرأة فرعون فألقى الله محبته في قلبها، فقالت لزوجها فرعون: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص:٩]. قال: إني أخشى أن يكون هذا هو الذي يكون هلاكي على يديه، قالت: ﴿لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [القصص:٩] فتربى في حجر فرعون وهو يخاف منه، فتربى موسى في حجر امرأته في بيته وترعرع وأصبح شاباً، وقد خرج يوماً فوجد رجلين يقتتلان: إسرائيلي وقبطي، فاستغاثه الإسرائيلي على القبطي، فوكزه موسى فقضى عليه وقتله، فجاء رجل من المدينة يسعى قال: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص:٢٠]، وهذا الفعل من موسى كان قبل النبوة، وإلا فالأنبياء معصومون من الشرك ومن الكبائر بعد النبوة، ثم ذهب إلى فلسطين واجتمع بالرجل الصالح، واتفق معه على أن يرعى له الغنم ثمانِ سنين أو عشر سنين ويزوجه إحدى ابنتيه، فرعى له الغنم هذه المدة وتزوج، ثم أخذ أهله وسار بها إلى جانب الطور، وكانت ليلة باردة كما أخبر الله في أول الآيات، وكان قد ضل الطريق فوجد ناراً قبله قرب جبل الطور، وقال لأهله: امكثوا إني آنست ناراً لعلي أجد خبراً، أي: أحداً يدلنا على الطريق أو آخذ جذوة من النار لتصطلون وتستدفئون بها، فلما جاء إلى الطور كلمه الله ونبأه وبعثه وأرسله إلى فرعون، فسأل ربه أن يشرح صدره، وأن ييسر له أمره، وأن يعينه على هذا الأمر العظيم، فقد أرسل إلى جبار لا يبالي بالقتل والبطش، جبار ادعى الربوبية، ويسوم الناس سوء العذاب، كيف وموسى قد قتل رجلاً منهم أيضاً وهو مطلوب من أجله، فالله يسر له أمره، وشرح صدره وحل عقدة من لسانه وقوى أزره بأخيه هارون، واستجاب الله طلبه وجعله نبياً مثله وأعانه، وقال لموسى وأخيه: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] فذهبا إلى فرعون، وكان من أمرهما ما قص الله علينا في كتابه كما سيأتي.

стр. 613

تفسير قوله تعالى: (واجعل لي وزيراً من أهلي) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي﴾ [طه:٢٩ - ٣٠]، وهذا أيضاً سؤال من موسى ﵇ في أمر خارجي عنه وهو مساعدة أخيه هارون له. قال الثوري: عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: نبئ هارون ساعتئذ حين نبئ موسى ﵉. وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن ابن نمير حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها خرجت فيما كانت تعتمر فنزلت ببعض الأعراب، فسمعت رجلاً يقول: أي أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه؟ قالوا: لا ندري؟ قال: أنا والله أدري! قالت: فقلت في نفسي: في حلفه لا يستثني، إنه ليعلم أي أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه، قال: موسى حين سأل لأخيه النبوة. فقلت: صدق والله! قلت: ومن هذا قال الله تعالى في الثناء على موسى ﵇: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب:٦٩]]. قلت: هذا الأثر منقطع الإسناد، فهو إذاً ضعيف. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه:٣١] قال مجاهد: ظهري. ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه:٣٢] أي: في مشاورتي. ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه:٣٣ - ٣٤] قال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيراً حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً. وقوله: ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ [طه:٣٥] أي: في اصطفائك لنا، وإعطائك إيانا النبوة، وبعثتك لنا إلى عدوك فرعون، فلك الحمد على ذلك]. ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ [طه:٣٦] يعني: أجاب الله سؤاله في هذه الأمور كلها، فشرح صدره، ويسر له أمره، وحل عقدة من لسانه، وجعل أخاه هارون نبياً معه، ووزيراً له يشد أزره، وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه على عبده ورسوله موسى ﵊. وقول الله تعالى: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٦] فهذا دعاء في كل وقت وليس في الاختبارات فقط، بل ينبغي للمسلم أن يقول: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه:٢٥ - ٢٦] في كل وقت وحين، وشرح الصدر، قال الله تعالى لنبيه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح:١ - ٢]. وإذا شرح الله للإنسان صدره، وهداه للإسلام ووفقه ويسر له أمره، حصل على كل شيء في كل وقت. والإنسان يثاب على كل شيء، فعندما يبتلى بالهموم أو الغموم أو ضيق الصدر أو أي شيء يؤلم الإنسان المؤمن فإنه يثاب عليه، يقول النبي ﷺ : (ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن إلا كفر الله من خطاياه حتى الشوكة يشاكها) فعندما يصاب بالهم والغم فإنه يحتسب ويسأل ربه، ويتضرع إلى الله أن يزيل همومه وغمومه وأن يشرح صدره وهو مأجور على ذلك.

стр. 614

تفسير سورة طه [٣٦ - ٤٠] سأل موسى ربه أن يشد أزره بأخيه هارون، وأن يشرح صدره ويحلل عقدة من لسانه حتى يبلغ دعوة ربه، فاستجاب الله له وذكره بالنعم التي أنعم بها عليه منذ ولادته إلى أن خرج من مصر هارباً.

стр. 615

تفسير قوله تعالى: (قال قد أوتيت سؤلك يا موسى) قال الله تعالى: [﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى * وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي * إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه:٣٦ - ٤٠]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [هذه إجابة من الله لرسوله موسى ﵇ فيما سأل من ربه وتذكير له بنعمه السالفة عليه فيما كان من أمر أمه حين كانت ترضعه وتحذر عليه من فرعون وملئه أن يقتلوه؛ لأنه كان قد ولد في السنة التي يقتلون فيها الغلمان، فاتخذت له تابوتاً فكانت ترضعه ثم تضعه فيه وترسله في البحر وهو النيل وتمسكه إلى منزلها بحبل، فذهبت مرة لتربط الحبل فانفلت منها وذهب به البحر، فحصل لها من الغم والهم ما ذكره الله عنها في قوله: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ [القصص:١٠] فذهب به البحر إلى دار فرعون]. قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ [القصص:١٠] يعني: لولا أن الله ربط على قلبها لذهب عقلها، فقد جبل الله الأم على الحب لولدها، فكيف تستطيع الصبر؟! فأرادت أن ترده لكن الله تعالى ربط على قلبها، وتولى الله هذا الغلام بعنايته لما أراد به من الكرامة، وإطلاعه لما أراد به سبحانه من إظهار الدلائل للناس على أن الله على كل شيء قدير، ومن المعجزات على يدي موسى ﵊، وله الحكمة البالغة: أن الله تولاه بعنايته، فهو الذي خلق البحر وخلق أم موسى وخلق موسى وخلق فرعون، وهو الذي حفظه، فسار هذا التابوت حتى وصل إلى دار فرعون، وكان فرعون يقول: ﴿وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] يعني: بيته الذي تجري من تحته النيل. وكان فرعون قد رأى رؤيا فعبرت له أنه سيزول ملكه على يد رجل من بني إسرائيل، فكان الأقباط يمتهنون بني إسرائيل لأنهم عمال عندهم، والعمال لا قيمة لهم عند الأقباط ولا وزن، فلما قتلهم قيل ستنتهي اليد العاملة من كثرة القتل، فجعل يقتلهم سنة ويتركهم سنة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص:٨] أي: قدراً مقدوراً من الله حيث كانوا هم يقتلون الغلمان من بني إسرائيل حذراً من وجود موسى، فحكم الله وله السلطان العظيم والقدرة التامة أن لا يربى إلا على فراش فرعون ويغذى بطعامه وشرابه مع محبته وزوجته له]. وهذه حكمة بالغة، فهو يقتل الغلمان خوفاً منه، ومع ذلك يتربى هذا الغلام الذي سيكون زوال ملكه على يديه في بيته، وفي حجر امرأته ويأكل من طعامه وشرابه، وصار كأنه ابن من أبناء الملوك، وهذا من حكم الله العظيمة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا قال تعالى: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه:٣٩] أي: عند عدوك جعلته يحبك. قال سلمة بن كهيل: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه:٣٩] قال: حببتك إلى عبادي. ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]. قال أبو عمران الجوني: تربى بعين الله]. قوله: بعين الله، أي برعايته وعنايته ، فهو الذي تولى عنايته. وهذه من العبر العظيمة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال قتادة: تغذى على عيني. وقال معمر بن المثنى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] بحيث أرى. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني أجعله في بيت الملك ينعم ويترف وغذاؤه عندهم غذاء الملك، فتلك الصنعة.

стр. 616

تفسير قوله تعالى: (إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ [طه:٤٠] وذلك أنه لما استقر عند آل فرعون عرضوا عليه المراضع فأباها. قال الله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص:١٢]]. قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ [القصص:١٢] هذا التحريم تحريم قدري، والتحريم ينقسم إلى قسمين: تحريم شرعي، كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ [المائدة:٣] فهذا تحريم شرعي، والثاني: تحريم قدري، ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ [القصص:١٢] يعني منعناه قدراً وكوناً لما استقر في بيت فرعون، وألقى الله المحبة في قلب امرأة فرعون، وقالت: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص:٩] وليس لهم أولاد، فأرادوا أن يرضعوه فلم يقبل المراضع أبداً، فكلما أتوا بمرضعة رفضها وتركها، وهذا معنى قوله: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ [القصص:١٢]، فجعلت أخته تطوف تتحسس وتتجسس وهم يبحثون عن مرضعة، فقالت أخته: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص:١٢]، فدلتهم على أمه؛ فلما جاءوا به إلى أمه وأعطته ثديها التقم الثدي ففرحوا بذلك وصاروا يعطونها أجرة وهي أمة ويأخذونه منها، وصارت أم موسى ترضع ابنها وتأخذ أجرتها كما جاء في الحديث؛ وهذا معنى قوله: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ [القصص:١٢] أي: تحريم قدري. والظاهر: أن زوجة فرعون هي التي أحبت موسى في الأول، ولذلك قالت: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص:٩] ثم قذف الله محبته في قلب فرعون وإلا لما أبقاه في بيته. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فجاءت أخته وقالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص:١٢]]. يعني: يربونه لكم ويرضعونه ويقومون بشئونه؛ فيكفوكم المئونة من جهة الإرضاع والإطعام والعناية والتنظيف ويردونه عليكم، وهذا يسر أمه ويزول ما في أمه من اللوعة على ابنها، فهذا من عناية الله ولطفه بموسى وبأمه. ولا تؤخذ صفة العين من هذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] فالمراد بها: على عنايتي، لكن صفة العين تؤخذ من حديث جابر: (إن الدجال أعور العين اليمنى وإن ربكم ليس بأعور). فقد أخذ العلماء من هذا إثبات العين لله وأن لله عينان كريمتان، أما قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]. وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١٤] فمعناه: على مرأى منا وعناية، فإثبات العين إنما يؤخذ من حديث جابر. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] فليس فيه إثبات اليدين؛ لأن الأيدي جمعت وأضيفت بالجمع وعلمنا ذلك، والعين هنا أفردت، ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]. فالله تعالى له عينان، إنما يأتي هذا إذا أضيفت إلى الرب : (إن ربكم ليس بأعور) مثل اليد، في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:٦٤] لكن يؤخذ منه إثبات جنس العين، أما إثبات العينين فإنما يؤخذ من حديث جابر. وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١] فيه إثبات اليد لله، لكن إثبات اليدين يؤخذ من قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] لأنها مثنى ومضافة إلى الرب سبحانه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [تعني: هل أدلكم على من ترضعه لكم بالأجرة، فذهبت به وهم معها إلى أمه، فعرضت عليه ثديها فقبله، ففرحوا بذلك فرحاً شديداً واستأجروها على إرضاعه، فنالها بسببه سعادة ورفعة وراحة في الدنيا وفي الآخرة أعظم وأجزل]. وأيقنت بما ألهمها الله في أن الله سيتم أمره، وزال القلق والخوف والهم الذي أصابها، كما قال الله: ﴿وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا جاء في الحديث: (مثل الصانع الذي يحتسب في صنعته الخير كمثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها)]. يعني: أن الصانع الذي يحتسب في صنعته الخير يأخذ الأجرة على صنعته كالحداد والنجار مثلاً، فهو يأخذ أجرة على صنعته وله أجر عند الله في أن نفع الأمة بهذه الصنعة، فكذلك أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها، فاكتسبت من جهة ابنها، مع أنها سترضعه حتى ولو دفعت هي أجراً على إرضاعه، فكذلك الصانع الذي يحتسب في صنعته الخير، فهو يأخذ أجرة على هذه الصنعة ويحتسب بها معيشته ولأهله ويأجره الله على حسابه وأجره ونيته. وروى أبو داود في المراسيل من طريق جبير بن نفير نحوه ولفظه: (مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون الجعل ويتقوون على عدوهم به مثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى هاهنا: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ﴾ [طه:٤٠] أي: عليك. ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ [طه:٤٠] يعني: القبطي، ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ [طه:٤٠] وهو ما حصل له بسبب عزم آل فرعون على قتله؛ ففر منهم هارباً حتى ورد ماء مدين، وقال له ذلك الرجل الصالح: ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٢٥]]. أي: أنه ذهب وابتعد عن مملكة فرعون فليس له سلطان على هذا المكان. والذي قال له هذا هو رجل صالح، وما يذكره بعض الناس من أنه شعيب النبي فليس بصحيح؛ لأن شعيب متقدم، وهو في زمن قوم لوط، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٩] وقوم لوط في زمن إبراهيم، وبين إبراهيم وموسى دهور من الزمن، فهو رجل صالح وإن كان اسمه شعيباً فهو تشابه في الأسماء لا غير.

стр. 617

حديث الفتون قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله: [﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه:٤٠]: قال الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي ﵀ في كتاب التفسير من سننه: قوله: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه:٤٠] حدثنا عبد الله محمد حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا أصبغ بن زيد حدثنا القاسم بن أبي أيوب أخبرني سعيد بن جبير قال: سألت عبد الله بن عباس عن قول الله لموسى ﵇: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه:٤٠] فسألته عن الفتون ما هو؟ فقال: استأنف النهار يا ابن جبير! فإن لها حديثاً طويلاً، فلما أصبحت غدوت إلى ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني من حديث الفتون، فقال: تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم ﵇ أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً، فقال بعضهم: إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك لا يشكون فيه، وكانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب، فلما هلك قالوا: ليس هكذا كان وعد إبراهيم، فقال فرعون: فكيف ترون؟ فائتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالاً معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولوداً ذكراً إلا ذبحوه، ففعلوا ذلك، فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم والصغار يذبحون، قالوا: ليوشكن أن تفنوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي يكفونكم]. يعني: أن العمال من بني إسرائيل قد كانوا ممتهنين، فهم الذين يخدمون ويعملون، فإذا كان الكبار يموتون بآجالهم والصغار يذبحون فمن يشتغل ومن يعمل؟ فلا يبقى إلا النساء، والنساء لا يستطعن أن يعملن كثيراً من الأعمال؛ لأن النساء ضعيفات، فلذلك اتفقوا على أن يترك الصغار سنة ويذبحوا سنة، فولد هارون في السنة التي يترك فيها الغلمان، وولد موسى في السنة التي يذبح فيها الغلمان. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فاقتلوا عاماً كل مولود ذكر فيقل أبناؤهم، ودعوا عاماً فلا تقتلوا منهم أحداً فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم، ولم يفنوا بمن تقتلون وتحتاجون إليهم، فأجمعوا أمرهم على ذلك]. أي: أنهم وجدوا أن هذا حل رصين، فيقتلون في عام ويبقون عام؛ لأنهم إذا قتلوا في عام لم يكثروا كثرة يخاف منها، وتبقى منهم بقية يقومون بالخدمة والعمل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان فولدته علانية آمنة]. أي: آمنة مطمئنة؛ لأن الغلمان لا يذبحون في هذا العام، وهارون أخو موسى لأمه وأبيه، وأما قوله: ﴿يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي﴾ [طه:٩٤] فهو من باب الاستعطاف، فهو يستعطفه بنسبته إلى أمه وإلا فهو أخوه لأبيه وأمه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلما كان من قابل حملت بموسى ﵇، فوقع في قلبها الهم والحزن، وذلك من الفتون يا ابن جبير! ما دخل عليه وهو في بطن أمه مما يراد به، فأوحى الله إليها ألا تخافي ولا تحزني؛ إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين]. هذا الوحي إلهام، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص:٧] أي: ألهمها الله ذلك، فالوحي يطلق على الإلهام، وكقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [النحل:٦٨] يعني: وحي إلهام، وقد استدل ابن حزم ﵀ بهذا على أن أم موسى نبية، قال: إن الله أوحى إليها، وكذلك أيضاً مريم أم عيسى قال: إنها نبية، لأن الملائكة كلمتها، كما قال تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي﴾ [آل عمران:٤٣]، وكذلك سارة امرأة إبراهيم قال: إنها نبية! وهذا من أوهامه وأخطائه ﵀، والصواب الذي عليه جمهور العلماء أنه ليس في الأنبياء نبية، وإنما هذا وحي إلهام، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف:١٠٩] فالنبوة خاصة بالرجال وليس في النساء نبية، ولأن الله تعالى قال في شأن أفضلهن وهي أم عيسى مريم في مقام الامتنان: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥] يعني: بلغت درجة الصديقين ولكنها لم تبلغ درجة النبوة، فلو كان هناك أعلى من هذا لذكره الله في مقام الامتنان، وهذا هو الصواب بنص الآية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ [يوسف:١٠٩]. وجاء عن النبي ﷺ قوله: (إن يكن في أمتي محدثون -يعني: ملهمون- فإن منهم عمر)، فظاهر الحديث أن هناك محدثين ومنهم عمر ﵁. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت ثم تلقيه في اليم، فلما ولدت فعلت ذلك، فلما توارى عنها ابنها أتاها الشيطان فقالت في نفسها: ما فعلتُ بابني؟! لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إلي من أن ألقيه إلى دواب البحر وحيتانه، فانتهى الماء به حتى أوفى عند فرضة مستقى جواري امرأة فرعون، فلما رأينه أخذنه فأردن أن يفتحن التابوت، فقال بعضهن: إن في هذا مالاً، وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدناه فيه، فحملنه كهيئته لم يخرجن منه شيئاً حتى دفعنه إليها، فلما فتحته رأت فيه غلاماً فألقى الله عليه منها محبة لم يلق منها على أحد قط، وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى، فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه وذلك من الفتون يا ابن جبير! فقالت لهم: أقروه فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل]. أي: أنهم جاءوا بشفارهم ليذبحوه بناء على الأوامر الصادرة من فرعون: أن يذبحوا كل غلام في هذه السنة يذبح، فلما جاءوا إليها قالت: إليكم، أقروا هذا فهو واحد لا يزيد في بني إسرائيل ولو كان في السنة التي يذبح فيها الغلمان، قال ابن عباس: وهذا من الفتون، والفتون: ما أصابها من الهم حين حملته في بطنها. والخوف عليه، ثم لا تركته في ذلك التابوت، ثم لما أتي به إلى امرأة فرعون وجاء الذباحون، كل هذا من الفتون الداخل في قوله تعالى: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه:٤٠]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقالت لهم: أقروه فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل حتى آتي فرعون فأستوهبه منه، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألمكم، فأتت فرعون فقالت: قرة عين لي ولك، فقال فرعون: يكون لكِ فأما لي فلا حاجة لي فيه، فقال رسول الله ﷺ : (والذي يحلف به! لو أقر فرعون أن يكون قرة عين له كما أقرت امرأته لهداه الله كما هداها، ولكن حرمه ذلك)، فأرسلت إلى من حولها إلى كل امرأة لها لبن لتختار له ظئراً]. الظئر هي المرضعة غير الأم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل على ثديها حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت، فأحزنها ذلك، فأمرت به فأخرج إلى السوق ومجمع الناس ترجو أن تجد له ظئراً تأخذه منها فلم يقبل، وأصبحت أم موسى والهاً؛ فقالت لأخته: قصي أثره واطلبيه هل تسمعين له ذكراً؟ وهل هو حي أم قد أكلته الدواب؟ ونسيت ما وعدها الله فيه، ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص:١١]، والجنب: أن يسمو بصر الإنسان إلى شيء بعيد وهو إلى جنبه وهو لا يشعر به، فقالت من الفرح حين أعياهم وجود الظئر: أنا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُون، فأخذوها فقالوا: وما يدريكِ ما نصحهم له، هل تعرفينه؟ فشكوا في ذلك، وذلك من الفتون يا ابن جبير!]. يعني: شكوا فيها، هل هي أمه أم لا؟ وهذا من مواضع الفتون. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في صهر الملك ورجاء منفعة الملك، فتركوها]. يعني: محبتهم أن يكونوا نصحاً وظئراً للملك، وعندها زال الشك عنهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر، فجاءت أمه، فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصه حتى امتلأ جنباه ريا وانطلق البشراء إلى امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئراً، فأرسلت إليها، فأتت بها وبه فلما رأت ما يصنع بها قالت: امكثي ترضعي ابني هذا فإني لم أحب شيئاً حبه قط. قالت أم موسى: لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع فإن طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيراً فإني غير تاركة بيتي وولدي، وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها فيه، فتعاسرت على امرأة فرعون وأيقنت أن الله منجز وعده]. يعني: أنها كانت تريد البقاء عند ابنها لولا أنما تذكرت قول الله فتعاسرت وأيقنت بوعد الله قال تعالى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص:٧] وأن الله لن يضيعه، فسأذهب إلى بيتي ولابد أن يرضحوا لهذا، فرضخت امرأة فرعون لأم موسى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فرجعت به إلى بيتها من يومها وأنبته الله نباتاً حسناً وحفظه لما قد قضى فيه، فلم يزل بنو إسرائيل وهم في ناحية القرية ممتنعين من السخرة والظلم ما كان فيهم]. يعني: خف وزال عنهم الظلم بسبب أن موسى منهم وهو عند فرعون الملك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى: أزيريني ابني، فدعتها يوماً تزيرها إياه فيه]. قوله: أزيريني: من الزيارة، والظاهر أنه بقي مدة تربيته عند أمه لا يذهب إلى امرأة فرعون فيها، ولعله في وقت من أوقات صغره، ثم بعد ذلك أخذته إن صح هذا، فيكون هذا في صغره قبل الفطام ثم بعد ذلك صار في بيت فرعون، وفي هذا قال الله عن فرعون أنه قال لموسى: ﴿أَ

стр. 618

إرسال الله تعالى موسى إلى فرعون قال المصنف رحمه الله تعالى: [فلما سار موسى بأهله كان من أمر النار والعصا ويده ما قص الله عليك في القرآن، فشكا إلى الله تعالى ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه؛ فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءاً، ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه، فآتاه الله سؤله وحل عقدة من لسانه، وأوحى الله إلى هارون، وأمره أن يلقاه فاندفع موسى بعصاه حتى لقي هارون عليهما الصلاة والسلام فانطلقا جميعاً إلى فرعون فأقاما على بابه حيناً لا يؤذن لهما، ثم أذن لهما بعد حجاب شديد فقالا: ﴿إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه:٤٧] قال: فمن ربكما؟]. قوله: فأخبراه أي: موسى وهارون. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فأخبره بالذي قص الله عليك بالقرآن، قال فما تريدان؟ وذكره القتيل]. أي: القتيل الذي قتله موسى، كما قال الله في سورة الشعراء: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ [الشعراء:١٨ - ١٩]، أي: القتل، ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء:١٩]، ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء:٢٠]. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فاعتذر بما قد سمعت قال: أريد أن تؤمن بالله وترسل معي بني إسرائيل، فأبى عليه وقال: ائت بآية إن كنت من الصادقين. الخطاب لموسى، وهارون معه. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فألقى عصاه فإذا هي حية تسعى عظيمة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون، فلما رآها فرعون قاصدة إليه خافها فاقتحم عن سريره، واستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل، ثم أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء، يعني: من غير برص، ثم ردها فعادت إلى لونها الأول فاستشار الملأ حوله فيما رأى]. استشار أي: فرعون، والملأ: أشرافه وكبراؤه ووزراؤه، وخاصته. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فقالوا له: هذان ساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما، ويذهب بطريقتكم المثلى، يعني: ملكهم الذي هم فيه، والعيش، وأبوا على موسى أن يعطوه شيئاً مما طلب، وقالوا له: اجمع السحرة فإنهم بأرضك كثير]. قوله: قالوا خطاب لفرعون، أي: أن الأشراف قالوا لفرعون اجمع السحرة فإنهم يقابلون موسى وعندهم قدرة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حتى تغلب بسحرك سحرهما، فأرسل إلى المدائن فحشر له كل ساحر متعالم، فلما أتوا فرعون قالوا: بما يعمل هذا الساحر؟ قالوا: يعمل بالحيات، قالوا: فلا والله ما أحد في الأرض يعمل بالسحر بالحيات والحبال والعصي الذي نعمل، وما أجرنا إن نحن غلبنا؟ قال لهم: أنتم أقاربي وخاصتي]. أي: كما قال الله: ﴿وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء:٤٢]، أي: مقربون إلي، فوعدهم بأنه سيقربهم، ويعطيهم الهبات وجزيل العطايا. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأنا صانع إليكم كل شيء أحببتم، فتواعدوا يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى، قال سعيد بن جبير: فحدثني ابن عباس: أن يوم الزينة الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة هو يوم عاشوراء]. يحشر أي: يجتمع الناس، وأعلن بأنه سيكون اجتماع كبير للسحرة من جميع مدائن مصر مع موسى، ويحضر الناس في يوم ووقت معينين، ويجتمعون وينظرون، ويكون موسى والسحرة أمامهم، وينظر هؤلاء الجمع أيهما الذي يغلب. السؤال هل يوم الزينة الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة هو يوم عاشوراء؟ الجواب هذا على ما جاء في الحديث قال سعيد بن جبير: حدثني ابن عباس أنه يوم عاشوراء. وهذا اليوم محتمل أنه يوم الزينة، وظاهره أنه يوم يتزينون فيه، وأنه يوم عيد لهم، يلبسون فيه الثياب الجميلة، وليس ببعيد أنه يوم العيد. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فلما اجتمعوا في صعيد واحد قال الناس بعضهم لبعض: انطلقوا فلنحضر هذا الأمر ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء:٤٠]]. الناس كلهم في هذا الاجتماع يقولون: ننظر السحرة فإنهم سيغلبون، ولا يشكون أن السحرة سيغلَبون؛ لأنه واحد أو اثنين أمام هذا الجمع من السحرة الذين لهم دراية وعناية بالسحر لمدة طويلة، كما قال: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [الأعراف:١١٢]، وهم لا يشكون في أن السحرة سينتصرون، ويقولون: انظروا نجتمع فإذا غلبت السحرة اتبعنا السحرة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [يعنون: موسى وهارون استهزاء بهما، فقالوا: ﴿يَا مُوسَى﴾ [الأعراف:١١٥] لقدرتهم بسحرهم، ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف:١١٥]، ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء:٤٤]. حلفوا وأقسموا بعزة فرعون؛ لتعظيمهم له، فلما ألقوا الحبال والعصي امتلأ الوادي حبالاً وعصياً، وجعلوا فيها الزئبق، وجعلت تتلوى، وصار الوادي كله حيات وعقارب تتلوى، وأقسموا بعزة فرعون أنهم سيغلبون موسى، وفرعون أعظم شيء عندهم، حتى إن موسى ﵇ أوجس في نفسه خيفة كما قال الله: ﴿لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ [طه:٦٨ - ٦٩]. فلما ألقى موسى العصا صارت حية عظيمة، وابتلعت جميع ما في الوادي من الحبال والعصي، فلما رأى السحرة الأمر عرفوا أن هذا ليس من صنع البشر، وأنه لا طاقة لهم به، وأيقنوا أن هذا من عند الله فآمنوا في الحال وسجدوا لله، قال تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف:١٢١ - ١٢٢]. قال لهم فرعون: إن هذه خطة مدبرة بينكم وبين موسى، ولكن سوف أعذبكم وأقطع أيديكم وأرجلكم من خلاف، قالوا: افعل ما تريد إنا آمنا بربنا، فقد ظهر لنا الحق، قال تعالى: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:٧٣]، أي: اقض ما أنت قاض، تعذب، أو تقتل، فنحن لا نبالي، فقد ظهر لنا الحق، وظهر لنا أن هذا شيء من عند الله وليس من عند البشر، فافعل ما تريد. ولم يكن ما ألقوه حيات حقيقية كما قال الله ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦] فهي حيات: حبال وعصي جعلوا فيها الزئبق، وصارت تتلوى، وسحروا أعين الناس واسترهبوهم حتى أصاب الناس رهبة، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف:١١٦]، سحروا أعين الناس، وأصاب الناس رهبة حتى أن موسى وجد في نفسه خيفة، لكن الحق يعلوا ولا يعلى عليه. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فرأى موسى من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة، فأوحى الله إليه أن ألق عصاك، فلما ألقاها صارت ثعباناً عظيمة فاغرة فاها، فجعلت العصي تلتبس بالحبال حتى صارت جرزاً إلى الثعبان تدخل فيه، حتى ما أبقت عصاً ولا حبلاً إلا ابتلعته، فلما عرفت السحرة ذلك قالوا: لو كان هذا سحراً لم يبلغ من سحرنا كل هذا، ولكن هذا أمر من الله ، آمنا بالله وبما جاء به موسى، ونتوب إلى الله مما كنا عليه] ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه:٧٠]، فكلهم خروا لله سجداً، وآمنوا في الحال وتابوا، فتوعدهم فرعون وقال: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [الأعراف:١٢٤]، يقال: إنه قتلهم، فكانوا في أول النهار سحرة كفرة وفي آخر النهار شهداء بررة، وهذا على القول بأنه قتلهم، وسيأتي الكلام فيها على ذلك. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه، وظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ [الأعراف:١١٩]، وامرأة فرعون بارزة متبذلة تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون وأشياعه]. لأنها مؤمنة ﵂. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فمن رآها من آل فرعون ظن أنها إنما ابتذلت للشفقة على فرعون وأشياعه، وإنما كان حزنها وهمها لموسى، فلما طال مكث موسى بمواعيد فرعون الكاذبة كلما جاء بآية وعده عندها أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا مضت أخلف موعده، وقال: هل يستطيع ربك أن يصنع غير هذا؟ فأرسل الله على قومه الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات كل ذلك يشكو إلى موسى، ويطلب إليه أن يكفها عنه، ويواثقه على أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كف ذلك عنه أخلف موعده ونكث عهده حتى أمر الله موسى بالخروج بقومه فخرج بهم ليلاً فلما أصبح فرعون، ورأى أنهم قد مضوا أرسل في المدائن حاشرين، فتبعه بجنود عظيمة كثيرة، وأوحى الله إلى البحر إذا ضربك عبدي موسى بعصاه فانفلق اثنتي عشرة فرقة حتى يجوز موسى ومن معه]. أي: لما أخلف فرعون الموعد ولم يرسل معه موسى بني إسرائيل سار بهم موسى، فأرسل فرعون في المدائن وحشر الناس، وتبع موسى مع بني إسرائيل. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم التق على من بقي بعد من فرعون وأشياعه، فنسي موسى أن يضرب البحر بالعصا وانتهى إلى البحر، وله قصيف مخافة أن يضربه موسى بعصاه وهو غافل فيصير عاصيا لله، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ [الشعراء:٦١]، وتقاربا ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] افعل ما أمرك به ربك فإنه لم يكذب ولم تكذب، قال: وعدني ربي إذا أتيت البحر انفرق اثنتي عشرة فرقة حتى أجاوزه، ثم ذكر بعد ذلك العصا، فضرب البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى، فانفرق البحر كما أمره ربه وكما وعد موسى، فلما أن جاز موسى وأصحابه كلهم ا

стр. 619

عبادة بني إسرائيل العجل قال المصنف رحمه الله تعالى: [فلما رأى قوم موسى أنه لم يرجع إليهم في الأجل ساءهم ذلك، وكان هارون قد خطبهم، وقال: إنكم قد خرجتم من مصر ولقوم فرعون عندكم عوار وودائع]. قوله: عوارٍ: جمع عارية، والودائع: جمع وديعة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولكم فيهم مثل ذلك فإني أرى أنكم تحتسبون ما لكم عندهم، ولا أحل لكم وديعة استودعتموها ولا عارية، ولسنا برادين إليهم شيئاً من ذلك ولا ممسكيه لأنفسنا، فحفر حفيراً وأمر كل قوم عندهم من ذلك من متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير، ثم أوقد عليه النار فأحرقته فقال: لا يكون لنا ولا لهم، وكان السامري من قوم يعبدون البقر جيران لبني إسرائيل، ولم يكن من بني إسرائيل فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا. فقضي له أن رأى أثراً فقبض منه قبضة، فمر بهارون فقال له هارون ﵊: يا سامري، ألا تلقي ما في يدك؟ -وهو قابض عليه لا يراه أحد طول ذلك- فقال: هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر ولا ألقيها لشيء إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن يجعلها ما أريد، فألقاها]. أي: ألقى أثر الفرس الذي عليه جبريل. وقوله: قابض أي: على قبضة التراب في يده من أثر الفرس الذي عليه جبريل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ودعا له هارون فقال: أريد أن يكون عجلاً فاجتمع ما كان في الحفيرة من متاع، أو حلية، أو نحاس، أو حديد، فصار عجلاً أجوف ليس فيه روح وله خوار، قال ابن عباس ﵄: لا والله ما كان له صوت قط، إنما كانت الريح تدخل في دبره وتخرج من فيه، وكان ذلك الصوت من ذلك فتفرق بنو إسرائيل فرقاً، فقالت فرقة: يا سامري ما هذا وأنت أعلم به؟ قال: هذا ربكم ولكن موسى أضل الطريق]. كما قال الله تعالى قال: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه:٨٨]. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فقالت فرقة: لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه وعجزنا فيه حين رأيناه]. أي: اشتبه عليهم ربهم فما عرفوه، نسأل الله العافية. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فقالت فرقة: لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى، فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه وعجزنا فيه حين رأينا، وإن لم يكن ربنا فإنا نتبع قول موسى. وقالت فرقة: هذا من عمل الشيطان وليس بربنا، ولا نؤمن به، ولا نصدق، وأشرب فرقة في قلوبهم الصدق بما قال السامري في العجل]. وقوله: أشرب أي: أشربوا حب العجل. قال المصنف رحمه الله تعالى: [أعلنوا التكذيب به، فقال لهم هارون ﵊: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ [طه:٩٠]، قالوا: فما بال موسى وعدنا ثلاثين يوماً ثم أخلفنا، هذه أربعون يوماً قد مضت، وقال سفهاؤهم: أخطأ ربه فهو يطلبه يتبعه، فلما كلم الله موسى وقال له ما قال أخبره بما لقي قومه من بعده: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [طه:٨٦]، فقال لهم ما سمعتم في القرآن، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وألقى الألواح من الغضب، ثم إنه عذر أخاه بعذره واستغفر له. وانصرف إلى السامري فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ [طه:٩٦]، وفطنت لها، وعميت عليكم، ﴿فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي * قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه:٩٦ - ٩٧]. ولو كان إلهاً لم يخلص إلى ذلك منه، فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة، واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون، فقالوا لجماعتهم: يا موسى، سل لنا ربك أن يفتح لنا باب توبة نصنعها فيكفر عنا ما عملنا]. أي: يكفر عنهم ذنبهم حينما عبدوا العجل، وقولهم: سل لنا ربك؛ لأنه كان وجيهاً عنده، ومع عتوهم فهم معترفون بها. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فاختار موسى قومه سبعين رجلاً لذلك لا يألوا الخير خيار بني إسرائيل، ومن لم يشرك في العجل، فانطلق بهم يسأل لهم التوبة فرجفت بهم الأرض، فاستحيا نبي الله من قومه، ومن وفده حين فعل بهم ما فعل. فقال: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [الأعراف:١٥٥]، وفيهم من كان الله اطلع منه على ما أشرب قلبه من حب العجل وإيمانه به، فلذلك رجفت بهم الأرض فقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧]. فقال: يا رب، سألتك التوبة لقومي فقلت: إن رحمتي كتبتها لقوم غير قومي هلا أخرتني حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحومة؟]. يقصد: محمداً ﷺ . قال المصنف رحمه الله تعالى: [فقال له: إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم من لقي من والد وولد فيقتله بالسيف ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن، وتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام واطلع الله من ذنوبهم فاعترفوا بها، وفعلوا ما أمروا، وغفر الله للقاتل والمقتول]. هذه التوبة قال الله تعالى فيها: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة:٥٤]، توبتهم من عبادة العجل أن يقتل أحدهم أباه أو أخاه، فكل واحد يقتل من أمامه، فانجلت هذه الغمة وتاب الله عليهم. نسأل الله السلامة والعافية. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم سار بهم موسى عليه الصلاة السلام متوجهاً نحو الأرض المقدسة، وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب، فأمرهم بالذي أمرهم به أن يبلغهم من الوظائف فثقل ذلك عليهم، وأبوا أن يقروا بها فنتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مصغون ينظرون إلى الجبل، والكتاب بأيديهم، وهم من وراء الجبل مخافة أن يقع عليهم]. كما قال الله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف:١٧١] نعم.

стр. 620

امتناع بني إسرائيل من دخول الأرض المقدسة، وعقاب الله لهم بالتيه قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة فوجدوا مدينة فيها قوم جبارون خلقهم خلق منكر، وذكروا من ثمارهم أمراً عجيباً من عظمها، فقالوا: يا موسى، إن فيها قوماً جبارين لا طاقة لنا بهم، ولا ندخلها ما داموا فيها، ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة:٢٢] ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ [المائدة:٢٣] قيل لـ يزيد هكذا قرأت؟ قال: نعم من الجبارين آمنا بموسى، وخرجا إليه قالوا: نحن أعلم بقومنا إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم، وعددهم فإنهم لا قلوب لهم، ولا منعة عندهم، فادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون]. الآية قرأت: (أن فيها قوماً من الجبارين)، وقراءة حفص: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة:٢٢]. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويقول أناس: إنهم من قوم موسى فقال الذين يخافون بنو إسرائيل: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]، فأغضبوا موسى فدعا عليهم وسماهم فاسقين، ولم يدع عليهم قبل ذلك لما رأى من المعصية وإساءتهم حتى كان يومئذ فاستجاب الله له وسماهم كما سماهم موسى فاسقين، وحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض]. هذا هو التحريم القدري. قال المصنف رحمه الله تعالى: [يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار]. غضب الله عليهم وعاقبهم لما امتنعوا من دخول الأرض المقدسة، وحرمها عليهم أربعين سنة حتى مات هذا الجيل، ومات موسى في الصحراء بين مصر وبين فلسطين في التيه، عاقبهم الله بالتيه فصاروا لا يهتدون إلى البلد، فيدورون ويرجعون مكانهم حتى هلكوا، ومات موسى معهم في التيه، ونشأ جيل جديد؛ لأن هذا الجيل تربى على الذعر والخوف من فرعون، وجاء جيل جديد، وجاء فتاه يوشع بن نون -فتى موسى- الذي أصبح نبي بعد ذلك، وفتح بيت المقدس بأحفادهم وأبنائهم من الجيل الجديد. أما الجيل الأول فإنهم رفضوا امتنعوا، وقالوا: لا يمكن أن ندخل الأرض المقدسة، حتى قالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ [المائدة:٢٤]، فقال موسى: إن الله وعدني لئن أنتم سبقتم ودخلتم عليهم فإنكم غالبون، لكن رفضوا فحرمها الله عليهم، وعاقبهم بالتيه أربعين سنة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وظلل عليهم الغمام في التيه، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثياباً لا تبلى ولا تتسخ، وجعل بين ظهرانيهم حجراً مربعاً، وأمر موسى فضربه بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً في كل ناحية ثلاثة أعين، وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها]. حتى لا يحصل نزاع بينهم. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فلا يرتحلون من مكان إلا وجدوا ذلك الحجر بينهم بالمكان الذي كان فيه بالأمس. رفع ابن عباس ﵄ هذا الحديث إلى النبي ﷺ ، وصدق ذلك عندي أن معاوية سمع ابن عباس ﵁ عنهما يحدث هذا الحديث فأنكر عليه أن يكون الفرعوني الذي أفشى على موسى أمر القتيل الذي قتل، فقال: كيف يفشي عليه ولم يكن علم به ولا ظهر عليه إلا الإسرائيلي الذي حضر ذلك؟ فغضب ابن عباس ﵄ فأخذ بيد معاوية وانطلق به إلى سعد بن مالك الزهري فقال له: يا أبا إسحاق هل تذكر يوم حدثنا رسول الله ﷺ عن قتيل موسى الذي قتل من آل فرعون؟ الإسرائيلي الذي أفشى عليه أم الفرعوني؟ قال: إنما أفشى عليه الفرعوني بما سمع من الإسرائيلي الذي شهد على ذلك وحضره. وهكذا رواه النسائي ﵀ في السنن الكبرى، وأخرجه أبو جعفر بن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما، كلهم من حديث يزيد بن هارون به، وهو موقوف من كلام ابن عباس وليس فيه مرفوع إلا قليل منه، وكأنه تلقاه ابن عباس ﵄ مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره والله أعلم، وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك أيضاً]. وهذا الحديث حديث طويل عظيم، وفي رفعه نظر، وهو موقوف على ابن عباس وقد أخذ أكثره من بني إسرائيل، وبعضه مرفوع، وهذا الحديث يسمى حديث الفتون.

стр. 621

تفسير سورة طه [٤١ - ٤٨] من حكمة الله وعدله أنه لا يعذب قوماً إلا بعد أن يرسل إليهم رسلاً؛ حتى تقام عليهم الحجة ولا يكون لهم عذر بعد ذلك، ومن ذلك أنه أرسل موسى وأخاه هارون إلى فرعون وقومه، وأمرهما بأن يلينا لفرعون لعله يتذكر ويستجيب لدعوة الله، فلما لم يستجب ولم يؤمن بآيات الله أنزل الله به بأسه وسطوته وانتقامه.

стр. 622

تفسير قوله تعالى: (واصطنعتك لنفسي) قال الله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي * اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤١ - ٤٤]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى مخاطباً لموسى ﵊: إنه لبث مقيماً في أهل مدين فاراً من فرعون وملئه يرعى على صهره]. أي: يرعى الغنم، وهذا حسب الاتفاق الذي كان بينه وبين صهره أنه يرعى الغنم ثماني سنين فيكون منه هذه المنفعة مهراً لزواجه. قوله: يرعى على صهره: الكلام مختصر، والمعنى: لأجل الاتفاق الذي حصل بينه وبينه. قال المصنف رحمه الله تعالى: [حتى انتهت المدة، وانقضى الأجل، ثم جاء موافقا لقدر الله وإرادته من غير ميعاد، والأمر كله لله ﵎، وهو المسير عباده وخلقه فيما يشاء، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٠]]. في هذه الآية يقول الله تعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٠]، وهي دليل على إثبات القدر، وأن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن كل ما يعمله العباد بقدر، جاء في الحديث: (كل شيء بقدر حتى العجز والكيس)، أي: حتى العجز والكسل الذي يصيب الإنسان والكيس والجد والنشاط كله بقدر، وكذلك كل شيء يعمله العباد، وكل شيء في هذا الوجود مما يعمله الناس، ومما يعمله الدواب والحيوانات والملائكة خلقهم وإيجادهم وذواتهم وصفاتهم وأفعالهم، وكل حركة وسكون في هذا الوجود وكل رطب ويابس هو مكتوب في اللوح المحفوظ. قال الله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢]، والإمام المبين: هو اللوح المحفوظ، قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج:٧٠]، قال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢]. ومن ذلك ما في هذه الآيات الكريمة من لبث موسى في مدين عشر سنين، ثم إرسال الله له وإعطائه النبوة والرسالة، وإرساله إلى فرعون كل هذا بقدر؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٠]، ليس صدفة، ولا شيء مستحدث وجديد لم يكتب في الأجل، بل شيء مكتوب ومقدر. فالله تعالى علم أعمال العباد وأفعالهم وذواتهم وصفاتهم، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما ثبت في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء). ولما سأل الصحابة رضوان الله عليهم: (قالوا: يا رسول الله! ما يعمله العباد أشيء فرغ منه؟ أم شيء يستقبلونه، فقال ﵊: لا بل فرغ منه، قالوا: يا رسول الله، ففيم العمل؟ - مادام مفروغ منه- قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فسييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فسييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠]) فهذا ميسر لليسرى وهذا ميسر للعسرى. وكل شيء من خير وشر من طاعات ومعاصي من حركة وسكون من ذوات وصفات كلها مقدرة ومكتوبة ولا يوجد شيء يخرج عن القدر. وهو قدر كوني وقدري، قال تعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٠]، فهو كوني لأن الله قدره، وهو شرعي لأن الله أرسل وقدر شرعاً، وأمرهم شرعاً بذلك. قال المصنف رحمه الله تعالى: [والأمر كله لله ﵎، وهو المسير عباده وخلقه فيما يشاء، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٠]]. كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس:٢٢]، هو المسير لعباده ومخيرهم، وقد يسأل بعض الناس ويقول: هل الإنسان مسير أو مخير؟ فنقول: الإنسان مسير ومخير جميعاً، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس:٢٢]، وهذه كلمة مستحدثة ما كان الناس يعرفونها، لكن استحدثها بعض الناس وصاروا يسألون: هل الإنسان مسير أو مخير؟ فنقول: مسير ومخير، فهو مسير؛ لأن الله قدر كل شيء، ومخير؛ لأن العبد له قدرة واختيار ومشيئة، لكنها تابعة لمشيئة الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]. فالعبد له قدرة ومشيئة واختيار إلا أنها تابعة لمشيئة الله. فإن قيل: ما حكم إطلاق لفظ: صدفة عند اللقاء بغير ميعاد؟ قلنا: إذا كان مقصودك أنه بالنسبة لك فجائز، هذا بالنسبة بيني وبينك، وبين البشر بعضهم بعضاً. أما بالنسبة لله فلا يوجد شيء اسمه صدفة، بل كل شيء مقدر، فإذا قصد بالنسبة لله نقول: هذا باطل، أما بالنسبة للمخلوق أي: بيني وبينك تقول: صدفة، فجائز، لأني لا أعلم شيئاً، والمخلوق ضعيف ناقص، وأنت كذلك لا تعلم، وليس بيننا ميعاد، ولا اتفاق سابق فقابلتك صدفة. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٠]؟ أرسل الله موسى إلى فرعون على قدر بعدما لبث في مدين على قدر قدره الله قدراً وشرعاً. وموسى لا يعلم أنه سيعود، فبعد أن رعى الغنم عشر سنين وذهب بأهله في يوم بارد، وضل الطريق، فرأى ناراً عند جبل الطور وكان في يوم شات بارد وليلة مظلمة، ولا يجد من يدله على الطريق فقال لأهله: امكثوا في هذا المكان وسآتي هذه النار فإما أن أجد عندها أحداً يدلنا على الطريق، أو على الأقل نأخذ منها جذوة من النار نستدفئ بها من البرد، فلما جاء إلى الجبل نبأه الله وأرسله، وهو لا يعلم قبل ذلك، لكن الله أكرمه بالرسالة.

стр. 623

ذكر احتجاج آدم وموسى قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولهذا قال: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٠]، قال مجاهد: أي على موعد، وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٠]، قال: على قدر الرسالة والنبوة]. فقدر الله أن الله يرسله وينبئه في هذا الوقت. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه:٤١]، أي: اصطفيتك واجتبيتك رسولاً لنفسي، أي: كما أريد وأشاء، وقال البخاري عند تفسيرها: حدثنا الصلت بن محمد قال: حدثنا مهدي بن ميمون قال: حدثنا محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (التقى آدم وموسى فقال موسى: أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة، فقال آدم: وأنت الذي اصطفاك الله برسالته واصطفاك لنفسه وأنزل عليك التوراة؟ قال: نعم، قال: فوجدته قد كتب علي قبل أن يخلقني قال: نعم. فحج آدم موسى)، أخرجاه]. أي: آدم حج موسى؛ لأن موسى إنما لام آدم على المصيبة التي لحقته وذريته بالإخراج من الجنة، فقال: أنت أشقيتنا وأشقيت نفسك وأخرجتنا من الجنة، فاحتج آدم بأن المصيبة مكتوبة عليه، قال: (أنت الذي اصطفاك الله برسالته)، وقوله: فوجدت ذلك أي: في التوراة مكتوب علي، وفي اللفظ الآخر: (قبل أن أخلق بأربعين سنة؟ قال: نعم. قال النبي ﷺ : فحج آدم موسى). وفي لفظ أنه كرر هذا اللفظ ثلاث مرات: (حج آدم موسى، حج آدم موسى) أي: غلبه وخصمه بالحجة؛ لأن الاحتجاج بالقدر على المصيبة جائز، وليس المراد أنه لامه على الذنب؛ لأنه تاب من الذنب والتائب لا يلام، وإنما لامه موسى على المصيبة التي لحقته وذريته فاحتج آدم بأن المصيبة مكتوبة عليه، والاحتجاج بالقدر على المصائب جائز. ولا يجوز الاحتجاج بالقدر على الذنوب والمعاصي، فالقدر ليس بحجة للعصاة ولا للكفرة، ولو كان حجة لكان حجة لقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح الكفرة، والزاني لا يحتج على زناه بالقدر، ولما جاء السارق إلى عمر ﵁ وقد سرق وأراد عمر أن يقطع يده احتج السارق بالقدر، وقال: مكتوب علي، أنا سرقت بقضاء الله وقدره، فقال: عمر ﵁: ونحن نقطع يدك بقضاء الله وقدره، فقطع يده. وهذا معنى قول أهل العلم: يحتج بالقدر على المصائب لا على المعائب، المعائب هي: الذنوب والمعاصي، والمقصود أن آدم غلب موسى بالحجة؛ لأنه احتج عليه بأن المصيبة مكتوبة عليه. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي﴾ [طه:٤٢]، أي: بحججي وبراهيني ومعجزاتي ﴿وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه:٤٢]، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وقال مجاهد عن ابن عباس: لا تضعفا، والمراد أنهما لا يفتران في ذكر الله بل يذكران الله في حال مواجهة فرعون ليكون ذكر الله عوناً لهما عليه، وقوة لهما وسلطاناً كاسراً له كما جاء في الحديث: (إن عبدي كل عبدي للذي يذكرني وهو مناجز قرنه)]. أي: وهو يقاتل عدوه، وقرنه: المقارن له، وقوله ﷺ : (كل عبدي للذي يذكرني وهو مناجز قرنه)، أي: في الجهاد في سبيل الله، ويقاتل (قرنه)، أي: المكافئ له بالقوة والشجاعة، فالمجاهد في سبيل الله إذا كان يذكر الله ففضله عظيم، وهذا أفضل الأعمال، وأما ما جاء في الحديث: (ألا أخبركم بما هو أفضل من إنفاق الذهب والفضة ومن أن تلقوا عدوكم: تضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ ذكر الله)، قال العلماء: المراد: أفضل من الجهاد مع الغفلة، أما الجهاد مع الذكر كما في هذا الحديث: (إن عبدي كل عبدي للذي يذكرني وهو مناجز قرنه)، أي: العبد حقيقة الذي قام بمقام العبودية ووفاها حقها هو الذي يذكر الله وهو مناجز قرنه. وهذا الحديث رواه الترمذي في السنن من حديث عمارة بن زعكرة ﵁. وقال الترمذي هذا حديث غريب ولا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي. والحديث إسناده ضعيف، لكن معناه صحيح، فالذي يذكر الله وهو مناجز قرنه قد جمع بين عبادتين: الجهاد وذكر الله.

стр. 624

تفسير قوله تعالى: (إذهبا إلى فرعون إنه طغى لعله يتذكر أو يخشى) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿اذْهَبْا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:٤٣]، أي: تمرد وعتا وتجبر على الله وعصاه]. قال الله تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [هذه الآية فيها عبرة عظيمة، وهو أن فرعون في غاية العتو والاستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أمر ألا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين، كما قال يزيد الرقاشي عند قوله: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾، يا من يتحبب إلى من يعاديه، فكيف بمن يتولاه ويناديه. وقال وهب بن منبه: قولا له إني إلى العفو والمغفرة أقرب مني إلى الغضب والعقوبة. وعن عكرمة في قوله: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه:٤٤]، قال: لا إله إلا الله، وقال عمرو بن عبيد عن الحسن البصري: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه:٤٤] اعذرا إليه، قولا له: إن لك رباً ولك معاداً، وإن بين يديك جنة وناراً. وقال بقية عن علي بن هارون عن رجل عن الضحاك بن مزاحم عن النزال بن سبرة عن علي في قوله: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه:٤٤]، قال: كنّه، وكذا روي عن سفيان الثوري: كنّه بـ أبي مرة]. فهذه كنية فرعون على ما جاء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والحاصل من أقوالهم أن دعوتهما له تكون بكلام رقيق لين سهل رفيق، ليكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]. وقوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]، أي: لعله يرجع عما هو فيه من الضلال والهلكة، أو يخشى أي: يوجد طاعة من خشية ربه كما قال تعالى: (لمن أراد أن يذكر أو يخشى)، فالتذكر: الرجوع عن المحذور والخشية: تحصيل الطاعة، وقال الحسن البصري في قوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]، يقول: لا تقل -أنت يا موسى وأخوك هارون- أهلكه قبل أن أعذر إليه]. أن أعذر إليه يعني: قبل أن يذهب عذرك فتقيم عليه الحجة ولا يكون له عذر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهاهنا نذكر شعر زيد بن عمرو بن نفيل ويروى لـ أمية بن أبي الصلت فيما ذكره ابن إسحاق: وأنت الذي من فضل منّ ورحمة بعثت إلى موسى رسولاً منادياً. يخاطب الرب ، والمقصود بقوله: بعثت إلى موسى أي: الوحي. قال: [فقلت له فاذهب وهارون فادعوا إلى الله فرعون الذي كان باغيا فقولا له هل أنت سويت هذه بلا وتد حتى استقلت كما هيا]. يعني: الأرض. قال: [وقولا له: أأنت رفعت هذه بلا عمد أرفق إذاً بك بانيا]. يعني: السماء فذكر الأرض بلا وتد، والسماء بلا عمد. قال: [وقولا له: أأنت سويت وسطها منيراً إذا ما جنه الليل هاديا وقولا له: من يخرج الشمس بكرة فيصبح ما مست من الأرض ضاحيا وقولا له من ينبت الحب في الثرى فيصبح منه البقل يهتز رابيا ويخرج منه حبة في رءوسه ففي ذاك آيات لمن كان واعيا]. لمن كان واعيا، أي: لمن يتذكرو كان عنده وعي. وقوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤]، قيل: معنى (لعل) في هذا الموضع الاستفهام فكأنهم وجهوا معنى الكلام إلى: ((فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا)) فانظرا هل يتذكر ويرجع أو يخشى الله فيرتدع عن طغيانه.

стр. 625

تفسير قوله تعالى: (قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى) قال المؤلف ﵀: [وقوله : ﴿قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥]. يقول تعالى إخباراً عن موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام: إنهما قالا متسجيرين بالله تعالى شاكيين إليه: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه:٤٥] يعنيان: أن يبدر إليهما بعقوبة أو يعتدي عليهما فيعاقبهما وهما لا يستحقان منه ذلك. قال عبد الرحمن بن زيد: أن يفرط: يعجل، وقال مجاهد: يبسط علينا، وقال الضحاك عن ابن عباس: ((أَوْ أَنْ يَطْغَى)) يعتدي.

стр. 626

تفسير قوله تعالى: (قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى) قال الله تعالى: ﴿قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أي: لا تخافا منه فإنني معكما أسمع كلامكما وكلامه، وأرى مكانكما ومكانه، لا يخفى علي من أمركم شيء، واعلما أن ناصيته بيدي فلا يتكلم ولا يتنفس ولا يبطش إلا بإذني وبعد أمري، وأنا معكما بحفظي ونصري وتأييدي]. قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، يعني: بنصره وتأييده، وهذه معية خاصة، وهو سبحانه بذاته فوق العرش، والعرش هو سقف المخلوقات وتنتهي المخلوقات إليه، والله فوق العرش بعد نهاية المخلوقات، وهو مع الناس والخلق جميعاً باطلاعه وإحاطته ونفوذ سمعه وبصره، ونفوذ قدرته ومشيئته، وهو مع أنبيائه ورسله ومع المؤمنين بنصره وعونه وتأييده. ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، يعني: أكلؤكما وأحفظكما وأعينكما، وهذه خاصة بموسى وهارون. وجاءت المعية العامة في قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء:١٥]، وهنا دخل في الخطاب فرعون معهم، يعني: أسمع كلامكم وأرى مكانكم، تنفذ فيكم قدرتي ومشيئتي، فالمعية العامة تأتي في سياق التخويف والجزاء والتهديد، والمعية الخاصة تأتي في سياق المدح والثناء. والله تعالى في جميع الأزمان حي لا يموت. أما القول أن الله في كل مكان فهذا باطل وهو كفر وضلال، وهذا قول الجهمية والاتحادية والملاحدة الحلولية الذين قالوا: إنه موجود في أجواف وبطون السباع والطيور -تعالى الله عما يقولون- وهذا كفر وضلال، فالله تعالى بذاته فوق العرش وعلمه في كل مكان وهو محيط بالخلق، تنفذ فيهم قدرته ومشيئته، ونواصيهم بيده، ولا يتحركون ولا يفعلون أي فعل إلا بقدرته ومشيئته وإرادته، وهو ليس موجوداً بذاته مع المخلوقين. ومن قال إنه في كل مكان فهو كافر وهذا اعتقاد كفري، لكن الشخص لا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة، وليس له شبهة كما قال كثير من السلف، منهم أحمد والبخاري وغيرهما، فمن قال: إن الله في كل مكان فقد كفر، أما إذا كان له شبهة فيزال يبين له أن هذا كفر وضلال، فإن أصر بعد البيان فقد كفر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، قال حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: لما بعث الله موسى إلى فرعون قال: رب! أي شيء أقول؟ قال: قل هيا شراهيا]. وهذا باللغة العبرية؛ قال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم:٤]، لكن أبو عبيدة ما سمع من عبد الله بن مسعود، فيكون منقطعاً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال الأعمش: فسر ذلك: الحي قبل كل شيء والحي بعد كل شيء، إسناده جيد، وشيء غريب]. والجيد معناه المنقطع. وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غير هذا، ويقال اسمه عامر وهو كوفي، ثقة، والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه.

стр. 627

تفسير قوله تعالى: (فأتياه فقولا إنا رسولا ربك) قال الله تعالى: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه:٤٧]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قد تقدم في حديث الفتون عن ابن عباس أنه قال: مكثا على بابه حيناً لا يؤذن لهما، ثم أذن لهما بعد حجاب شديد. وذكر محمد بن إسحاق بن يسار أن موسى وأخاه هارون خرجا فوقفا بباب فرعون يلتمسان الإذن عليه وهما يقولان: إنا رسولا رب العالمين]. ويصح أن يقال: إنا رسل، فيطلق الجمع على المثنى، والأحسن أن يقال: إنا رسولا كما جاء في الآية: ﴿إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه:٤٧]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فآذنوا بنا هذا الرجل، فمكثا فيما بلغني سنتين يغدوان ويروحان لا يعلم بهما ولا يجترئ أحد على أن يخبره بشأنهما]. وهذا منقطع؛ لأنه يقول: فيما بلغني. وهذا من أخبار بني إسرائيل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [حتى دخل عليه بطال له يلاعبه ويضحكه، فقال له: أيها الملك! إن على بابك رجلاً يقول قولاً عجيباً، يزعم أن له إلها غيرك أرسله إليك، قال: ببابي؟ قال: نعم، قال: أدخلوه، فدخل ومعه أخوه هارون وفي يده عصاه، فلما وقف على فرعون، قال: إني رسول رب العالمين، فعرفه فرعون، وذكر السدي أنه لما قدم بلاد مصر ضاف أمه وأخاه وهما لا يعرفانه]. ومعنى: ضاف أي: استضاف، وصارا ضيفان عنده. قال المؤلف ﵀: [وكان طعامهما ليلتئذ الطفيل وهو اللفت، ثم عرفاه وسلما عليه، فقال له موسى: يا هارون! إن ربي قد أمرني أن آتي هذا الرجل فرعون فأدعوه إلى الله وأمرك أن تعاونني]. أي: أن هارون لازال في مصر عند أمه، وموسى هو الذي ذهب إلى مدين ونبأه الله وأرسله إلى فرعون، فجاء موسى فضاف أخاه هارون وأمه ثم نبأ الله هارون معه على هذا القول، والله أعلم فهذا من أخبار بني إسرائيل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: افعل ما أمرك ربك، فذهبا وكان ذلك ليلاً، فضرب موسى باب القصر بعصاه فسمع فرعون فغضب، وقال: من يجتريء على هذا الصنيع؟ فأخبره السدنة والبوابون بأن هاهنا رجلاً مجنوناً يقول: إنه رسول الله، فقال: علي به، فلما وقفا بين يديه قالا، وقال لهما ما ذكر الله في كتابه. وقوله: ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ [طه:٤٧]، أي: بدلالة ومعجزة من ربك، ﴿وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه:٤٧]، أي: والسلام عليك إن اتبعت الهدى، ولهذا لما كتب رسول الله ﷺ إلى هرقل عظيم الروم كتاباً كان أوله: (بسم الله الرحمن الرحمن من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، فأسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين)، وكذلك لما كتب مسيلمة إلى رسول الله ﷺ كتاباً صورته: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله سلام عليك، أما بعد: فإني قد أشركت بالأمر معك]. يقصد الرسالة والنبوة، ومعنى أشركت: أي صرت رسولاً مثلك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أما بعد: فإني قد أشركت في الأمر معك، فلك المدر ولي الوبر]. والوبر هي بيوت الشعر، والمعنى: فلي بيوت الشعر أي: البوادي، ولك المدر أي: البيوت المصنوعة من الطين، ويقصد الحاضرة، فنقتسم الناس إلى قسمين، فلك أهل الحضر وأهل القرى المبنية من الطين، ولي أهل بيوت الوبر والشعر وهي الخيام، وأهلها هم البدو. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولكن قريشاً قوم يعتدون، فكتب إليه رسول الله ﷺ : (من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين)]. فكتاب مسيلمة هذا فيه كتاب يغلب عليه صفة الغصب والاقتسام وطلب الدنيا. والشاهد قوله: (سلام على من اتبع الهدى)، فالمسلم عندما يريد أن يرد التحية على الكافر يقول: السلام على من اتبع الهدى، وإذا كان مسلم يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فكتاب المشركين والكفرة واليهود والنصارى يذكر السلام على من اتبع الهدى ولا يسلم عليه، ولكتاب المسلمين: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وأهل الكتاب لا يبدءون بالسلام لقوله ﵊: (لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام)، لكن إذا سلموا يقال: وعليكم، فقد جاء في الحديث: (إذا سلم عليكم اليهود، فقولوا: وعليكم)، يعني: ترد تحيتهم بقولك وعليكم، فقد كان اليهود يسلمون على النبي ﷺ فيقول: وعليكم، وكانوا يقولون: السام عليك يعني: الموت، فيرد عليهم بقوله: وعليكم، وقد سمعت عائشة هذا يوماً فقالت: (وعليكم السام واللعنة، فقال النبي: يا عائشة! إن الله يبغض الفحش والتفحش، قالت: يا رسول الله! أما علمت ما قالوا؟ يقولون: السام عليك، قال: أما علمت ما قلت؟ لقد قلت: وعليكم، فإنها تقبل منا ولا تقبل منهم)، فكان يرد عليهم تحيتهم سواء كانت التحية حسنة أو سيئة. وإذا قال قائل: هل أرد على الرافضة وهم يعدون كفرة، ف الجواب إذا عرفت أنهم رافضة حقيقة وأنهم يكفرون الصحابة أو يفسقونهم أو يعبدون آل البيت فتقول: وعليكم. فهم منافقون وزنادقة، لكن من لم يظهر بدعته فالأصل أنه مسلم فترد عليه كما كان يفعل المسلمون مع عبد الله بن أبي وإذا اختلط عليك الأمر ولم تعرف أنه شيعي أو مسلم فالأصل أنهم مسلمون فبلدهم بلد إسلامي. ولا يجوز السلام بالإشارة فهي من عادات اليهود والنصارى، لكن إذا كان المسلم بعيداً فتسلم وتشير إليه حتى ينتبه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا قال موسى وهارون ﵉ لفرعون: ﴿وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى * إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه:٤٧ - ٤٨]، أي: قد أخبرنا الله فيما أوحاه إلينا من الوحي المعصوم أن العذاب متمحض لمن كذب بآيات الله وتولى عن طاعته، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٣٧ - ٣٩]، وقال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لا يَصْلاهَا إِلَّا الأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل:١٤ - ١٦]، وقال تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة:٣١ - ٣٢]، أي: كذب بقلبه وتولى بفعله].

стр. 628

تفسير سورة طه [٤٩ - ٦٦] لقد جاء موسى ﵇ بالبينات إلى فرعون وقومه لعلهم يؤمنون برسالته، ويتبعون شرع الله المنزل إليهم، فما كان من فرعون إلا أن احتج على موسى بما كان عليه الأوائل من عبادة غير الله تعالى، فبين له موسى ﵇ حكم ذلك، فانتقل فرعون بعد عجزه عن المناضرة إلى اتهام موسى بالباطل وأنه ساحر، وذلك عندما أراه الآيات البينات. فحشر فرعون سحرته كي يغلبوا موسى بزعمهم، فكانت العاقبة والفوز لموسى، فلما عرف السحرة ذلك خروا سجداً لله، وآمنوا برب العالمين، فقام فرعون بتهديدهم بالصلب والقتل، فلم يبالوا بكلامه؛ فقد عرفوا الحق المبين.

стр. 629

تفسير قوله تعالى: (قال فمن ربكما يا موسى) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٤٩ - ٥٠]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى مخبراً عن فرعون: إنه قال لموسى ﵊ منكراً وجود الصانع الخالق إله كل شيء وربه، قال: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه:٤٩] أي: الذي بعثك وأرسلك من هو؟ فإني لا أعرفه وما علمت لكم من إله غيري ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠]. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: يقول: خلق لكل شيء زوجة. وقال الضحاك عن ابن عباس ﵄: جعل الإنسان إنساناً، والحمار حماراً، والشاة شاة. وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: أعطى كل شيء صورته، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: سوى خلق كل دابة. وقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] قال: أعطى كل ذي خلق ما يصلحه من خلقه، ولم يجعل للإنسان من خلق الدابة، ولا للدابة من خلق الكلب، ولا للكلب من خلق الشاة، وأعطى كل شيء ما ينبغي له من النكاح، وهيأ كل شيء على ذلك، ليس شيء منها يشبه شيئاً من أفعاله في الخلق والرزق والنكاح. وقال بعض المفسرين: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى:٣] أي: قدر قدراً وهدى الخلائق إليه، أي: كتب الأعمال والآجال والأرزاق، ثم الخلائق ماشون على ذلك لا يحيدون عنه، ولا يقدر أحد على الخروج منه. يقول ربنا الذي خلق الخلق وقدر القدر وجبل الخليقة على ما أراد].

стр. 630

تفسير قوله تعالى: (قال فما بال القرون الأولى) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ [طه:٥١]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أصح الأقوال في معنى ذلك: أن فرعون لما أخبره موسى بأن ربه الذي أرسله هو الذي خلق ورزق وقدر فهدى، شرع يحتج بالقرون الأولى، أي: الذين لم يعبدوا الله، أي: فما بالهم إذا كان الأمر كذلك لم يعبدوا ربك بل عبدوا غيره؟ فقال له موسى ﷺ في جواب ذلك: هم وإن لم يعبدوه فإن علمهم عند الله مضبوط عليهم، وسيجزيهم بعملهم في كتاب الله، وهو اللوح المحفوظ وكتاب الأعمال ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى﴾ [طه:٥٢]، أي: لا يشذ عنه شيء، ولا يفوته صغير ولا كبير، ولا ينسى شيئاً. يصف علمه تعالى بأنه بكل شيء محيط، وأنه لا ينسى شيئاً ﵎ وتقدس وتنزه، فإن علم المخلوق يعتريه نقصانان، أحدهما: عدم الإحاطة بالشيء، والآخر نسيانه بعد علمه، فنزه نفسه عن ذلك]. وهذه الآية وهي قوله: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ [طه:٥١] حجة المشركين، وهي اتباع الأسلاف والآباء والأجداد في الضلال، فالواجب على كل إنسان أن يتبع الدليل ولا يتبع الآباء والأجداد والسابقين إذا كانوا على الباطل، ولهذا أخبر الله عن الكافرين أنهم قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]، الأمة: هي الدين، كما أن هذا الكلام هو الحجة القرشية، فقد احتجت بها قريش، وهي أيضاً حجة فرعون حيث قال: إذا كان ربك هو الذي أعطى كل شيء خلقه فهدى فلماذا القرون الأولى ما عبدوا الله؟ وكما أخبر الله أيضاً عن قريش بقوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص:٧]، ولهذا فالشيخ محمد ﵀ يقول حينما بين التوحيد وأنه يجب اتباع الحق قال: إن سلمك الله من هذه الحجة ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ [طه:٥١] وهي حجة فرعون، أو من الحجة القرشية: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص:٧]، فاتباع الآباء والأجداد واتباع السابقين في الباطل حجة باطلة. والواجب اتباع الحجة والدليل والعمل بالشرع، فإذا جاء الهدى من الله اعمل به ولا تنظر إلى السابقين الهالكين.

стр. 631

تفسير قوله تعالى: (الذي جعل لكم الأرض مهداً) قال الله تعالى: [﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى﴾ [طه:٥٣ - ٥٤]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [هذا من تمام كلام موسى فيما وصف به ربه حين سأله فرعون عنه، فقال: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠]، ثم اعترض الكلام بين ذلك، ثم قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا﴾ [طه:٥٣]، وفي قراءة بعضهم (مهاداً) أي: قراراً تستقرون عليها، وتقومون وتنامون عليها، وتسافرون على ظهرها. ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ [طه:٥٣] أي: جعل لكم طرقاً تمشون في مناكبها، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء:٣١]. ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ [طه:٥٣] أي: من أنواع النباتات من زروع وثمار ومن حامض وحلو ومر وسائر الأنواع. ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه:٥٤] أي: شيء لطعامكم وفاكهتكم]. أي: أعد شيئاً لطعامكم ولأنعامكم وفاكهتكم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وشيء لأنعامكم لأقواتها خضراً ويبساً. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ [طه:٥٤] أي: لدلالات وحجج وبراهين، ﴿لِأُوْلِي النُّهَى﴾ [طه:٥٤] أي: لذوي العقول السليمة المستقيمة على أنه لا إله إلا الله، ولا رب سواه]. والآيات الماضية فيها دلالات لأصحاب العقول السليمة على أنه لا معبود بحق إلا الله، وعلى أنه لا إله إلا الله، ودلالة على أن الله هو الخالق الرازق المدبر المحيي المميت، وهو الذي يستحق العبادة ولا يستحقها غيره.

стр. 632

تفسير قوله تعالى: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) قال الله تعالى: [﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه:٥٥]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أي: من الأرض مبدؤكم؛ فإن أباكم آدم مخلوق من تراب من أديم الأرض، ((وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ)) أي: وإليها تصيرون إذا متم وبليتم، ((وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى))، ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٥٢]، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف:٢٥]، وفي الحديث الذي في السنن: (أن رسول الله ﷺ حضر جنازة فلما دفن الميت أخذ قبضة من التراب فألقاها في القبر، وقال: منها خلقناكم، ثم أخذ أخرى وقال: وفيها نعيدكم، ثم أخرى وقال: ومنها نخرجكم تارة أخرى)]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾ [طه:٥٦]، يعني: فرعون، أنه قامت عليه الحجج والآيات والدلالات، وعاين ذلك وأبصره، فكذب بها وأباها كفراً وعناداً وبغياً، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]].

стр. 633

تفسير قوله تعالى: (قالوا أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى) قال الله تعالى: [قال الله تعالى: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى * قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه:٥٧ - ٥٩]. يقول تعالى مخبراً عن فرعون أنه قال لموسى حين أراه الآية الكبرى، وهي إلقاء عصاه فصارت ثعباناً عظيماً، ونزع يده من تحت جناحه فخرجت بيضاء من غير سوء فقال: هذا سحر جئت به لتسحرنا وتستولي به على الناس فيتبعونك وتكاثرنا بهم، ولا يتم هذا لك؛ فإن عندنا سحراً مثل سحرك، فلا يغرنك ما أنت فيه، ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ [طه:٥٨] أي: يوماً نجتمع نحن وأنت فيه فنعارض ما جئت به بما عندنا من السحر في مكان معين ووقت معين، فعند ذلك (قال) لهم موسى: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [طه:٥٩]، وهو يوم عيدهم ونوروزهم وتفرغهم من أعمالهم واجتماعهم جميعهم، ليشاهد الناس قدرة الله على ما يشاء، ومعجزات الأنبياء، وبطلان معارضة السحر لخوارق العادات النبوية؛ ولهذا قال: ((وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ)) أي: جميعهم ((ضُحًى)) أي: ضحوة من النهار؛ ليكون أظهر وأجلى وأبين وأوضح، وهكذا شأن الأنبياء كل أمرهم واضح بين ليس فيه خفاء ولا ترويج، ولهذا لم يقل ليلاً، ولكن نهاراً ضحى. قال ابن عباس: وكان يوم الزينة يوم عاشوراء، وقال السدي وقتادة وابن زيد: كان يوم عيدهم، وقال سعيد بن جبير: يوم سوقهم، ولا منافاة. قلت: وفي مثله أهلك الله فرعون وجنوده كما ثبت في الصحيح]. وهذه الأقوال كلها لا تنافي بينها، ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [طه:٥٩]، وهو يوم العيد ويوم نوروزهم واجتماعهم، ويوم تفرغهم، والقول بأنه يوم عاشوراء فيكون يوم عاشوراء هو اليوم الذي أظهر الله فيه حججه على يدي موسى، وهو اليوم الذي أغرق الله فيه فرعون. وآيات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلها واضحة ظاهرة جلية، بخلاف السحرة فإن أمرهم ملتبس، فتجد السحرة عندهم التباس وعندهم تدليس وتضليل، وليس أمرهم واضحاً، ولهذا تجد السحرة والمشعوذين لا يسكن أحدهم إلا في بيت صغير ضيق ملتو، وفي شوارع ضيقة، وفي بيوت مظلمة، ويكون بعيداً عن الناس بعيداً عن الاجتماعات وله روائح منتنة. وكذلك أعمالهم فإن فيها تدليساً وتضليلاً وتلبيساً؛ لأنهم ليس لديهم حقائق، وتجدهم لا يحبون الأمكنة الواضحة والشوارع الواضحة، ولا يحبون البيوت الواسعة، وقد يعد الناس في أوقات غير مناسبة غير واضحة للناس، بخلاف الأنبياء فإن أمرهم واضح جلي، فهم يكشفون عنه في رابعة النهار ليراه كل واحد؛ لأن ليس عندهم إلا الحق. ولهذا قال موسى لما قال له فرعون: ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى * قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه:٥٨ - ٥٩]، يوم اجتماع الناس وتفرغهم؛ لكي يعلمه الخاص والعام، وحتى يرى الناس خوارق العادات النبوية، وتظهر الحقائق، وتنجلي ويندثر الباطل وينقمع. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال وهب بن منبه: قال فرعون: يا موسى! اجعل بيننا وبينك أجلاً ننظر فيه، قال موسى ﷺ : لم أؤمر بهذا، إنما أمرت بمناجزتك إن أنت لم تخرج دخلت إليك، فأوحى الله إلى موسى ﷺ أن اجعل بينك وبينه أجلاً، وقل له أن يجعل هو، قال فرعون: اجعله إلى أربعين يوماً، ففعل وقال مجاهد: وقتادة: مكاناً سوى منصفاً. وقال السدي: عدلاً. وقال: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (مكاناً سوى) مستوياً بين الناس، وما فيه لا يكون صوباًَ ولا شيئاً يتغيب بعض ذلك عن بعض، مستوياً حين يُرى]. وصوباً جمع صوبة وهو الكثيب المرتفع، والمكان الذي لا يوجد فيه ارتفاع ولا انخفاض.

стр. 634

تفسير قوله تعالى: (فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى) قال الله تعالى: [﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى * قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى * فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [طه:٦٠ - ٦٢]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى مخبراً عن فرعون: أنه لما تواعد هو وموسى عليه الصلاة السلام إلى وقت ومكان معلومين ((تَوَلَّى)) أي: شرع في جمع السحرة من مدائن ممكلته كل من ينسب إلى سحر في ذلك الزمان، وقد كان السحر فيهم كثيراً نافقاً جداً كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [يونس:٧٩]]. وهذه من حكمة الله أن جعل معجزات الأنبياء من جنس ما فاق به أهل ذلك الزمان، فالناس في زمن فرعون انتشر بينهم السحر، وكان لهم عناية بالسحر، وبلغوا فيه بلوغاً عظيماً، حتى إن هناك سحرة عندهم علم قوي بالسحر، ولهذا قال الملأ لفرعون: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [الأعراف:١١٢]، فجعل الله معجزة موسى العصا تفوق ما فاق به هؤلاء من السحر، فأتاهم موسى بمعجزة من عند الله وبما لا قبل لهم بها حتى علم السحرة أن هذا ليس من صنع البشر، وإنما هذا من أمر الله، وإنما هذه قدرة الله فلذلك خروا سجداً وآمنوا في الحال؛ لأن عندهم عناية ومعرفة عظيمة بالسحر، وقد عرفوا السحر من أوله إلى آخره، فعرفوا أن هذا ليس من عند الله، فلهذا آمنوا في الحال، فكانت معجزة موسى ﵇ تفوق ما برع به هؤلاء السحرة. ولما كان الناس في زمن عيسى ﵇ قد برعوا بالطب وبلغوا شأواً بعيداً في الطب أعطى الله عيسى من المعجزات ما فاق به الأطباء، فكان يبرئ الأكمه والأبرص، فالأبرص يداويه فيبرؤه الله في الحال، والأكمه الذي ولد ولم يشق له عين يبرئه عيسى بإذن الله، فيشق له عيناً، وكذلك يخلق من الطين كهيئة الطير ويصور من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، ويخلق الله له روحاً، ففاق الأطباء في زمنه، وعلموا أن هذا ليس من صنع البشر، وإنما من المعجزات التي أعطاها الله الأنبياء. ولما كانت العرب في زمن نبينا محمد ﷺ قد بلغوا شأواً بعيداً في الفصاحة والبلاغة والشعر والتصرف في الأساليب العربية، وكانت لهم أسواقاً يتناشدون فيه الأشعار ويتفاخرون بالمجاز وغيره، كانت معجزة النبي ﷺ القرآن الذي أنزله الله بلسان عربي مبين، وجعله أفصح الكلام، وأصدق الكلام، وأحسن الكلام، فتحداهم الله وهم الفصحاء وفرسان البلاغة الذين لا يجارون فعجزوا، ثم تحداهم الله أن يأتوا بعشر سور مثله فعجزوا، ثم تحداهم الله أن يأتوا بسورة فعجزوا، مع أن القرآن متكون من الحروف الهجائية، ومتكون من ألفاظ ومعانٍ يعرفونها ومع ذلك عجزوا، فهو ليس من عند البشر، وإنما هو كلام الله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [يونس:٧٩]، ثم أتي، أي: اجتمع الناس لميقات يوم معلوم وهو يوم الزينة، وجلس فرعون على سرير مملكته واصطف له أكابر دولته، ووقفت الرعايا يمنة ويسرة، وأقبل موسى ﷺ يتوكأ على عصاه ومعه أخوه هارون ووقف السحرة بين يدي فرعون صفوفاً، وهو يحرضهم ويحثهم ويرغبهم في إجازة عملهم في ذلك اليوم، ويتمنون عليه]. يتمنون عليه يعني: يقولون: ماذا ستعطينا من الجوائز إذا غلبنا موسى، كما قال الله، قال السحرة: ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الأعراف:١١٣ - ١١٤] أي: لكم الجوائز والهدايا والتحف وأيضاً التقريب فأقربكم إلي وتكونوا مقربين من الملك في الوظائف والأعمال، ولكن لما جاء الحق ضاعت هذه الأشياء كلها وما نفع الترغيب ولا الترهيب ولا التقريب، فخر السحرة سجداً لله، وآمنوا في الحال. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهو يعدهم ويمنيهم فيقولون: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء:٤١ - ٤٢]. ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [طه:٦١] أي: لا تخيلوا للناس بأعمالكم إيجاد أشياء لا حقائق لها]. وهي العصي والحبال التي يبهرجون بها على الناس، فيضعون فيه الزئبق ويخيلون على أعين الناس، ويسحرون أعين الناس فيخيل إليهم أنها حيات وعقارب تتلوى، وهي عصي في الحقيقة وحبال عادية يضعون فيها الزئبق، فسحروا أعين الناس، فصار كل الوادي على سعته حيات وعقارب، حتى إن موسى ﵊ وهو نبي كريم أوجس في نفسه خيفة ورهبة عظيمة فهو وادٍ مد البصر امتلأ حيات وعقارب، ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه:٦٧] قال الله له: ﴿لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ [طه:٦٨ - ٦٩]، وهي العصا ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩]. ولهذا قال لهم: ﴿وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [طه:٦١] أي: لا تزوروا وتبهرجوا على الناس وتسحروا أعين الناس وتضعون الزئبق على العصي والحبال فتكون عقارب وحيات؛ تبهرجون وتزخرفون وتموهون، وتجعلون الناس يعتقدون غير الحقائق. ﴿وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه:٦١]، فكانت هذه الكلمة من موسى ﵇ لها تأثير عظيم، حتى إن السحرة تنازعوا أمرهم بينهم وفشلوا بسبب هذه المقالة التي قالها ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [طه:٦١]، لا تروجوا على الناس بالباطل وتموهون على الناس وتسحرون أعين الناس ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ وخوفهم بالوعيد (يسحتكم بعذاب) يعني: يهلككم ويستأصلكم بالعذاب، (وقد خاب من افترى). فكانت هذه الكلمة لها تأثير في تنازع السحرة واختلاف كلمتهم: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [طه:٦٢]. قال المؤلف ﵀: [﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [طه:٦١]. أي: لا تخيلوا للناس بأعمالكم إيجاد أشياء لا حقائق لها وأنها مخلوقة وليست مخلوقة، فتكونون قد كذبتم على الله: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه:٦١] أي: يهلككم بعقوبة هلاكاً لا بقية له]. يعني: يخيلوا للناس أن هذه العصي والحبال حيات وعقارب وأنها مخلوقة وليست بمخلوقة، وهذا من الكذب والافتراء والتزوير على الله، ولهذا قال: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَاب وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه:٦١]، وأنتم مفترون بالأفعال، وقد يكون الإنسان مفترٍ بالأقوال وقد يكون مفترٍ بالأعمال. والافتراء بالأقوال كأن يفتري على الله الكذب في أسمائه وصفاته، فينفي أسماء الله، ويقول: ليست لله، أو ينفي صفاته، أو يئولها، فهذا من الافتراء على الله، وكأن يقول: معنى الاستواء الاستيلاء، أو يفتري على الله في الحلال والحرام وهو كاذب، وكذلك يكون الافتراء بالأعمال كما فعل السحرة. والكلمة التي قالها موسى كان لها الأثر العظيم القوي، وسببت النزاع فيما بين السحرة واختلاف الكلمة، وهذه من أقوى العدة ومن أقوى أسباب الانتصار على الخصم: إذا حصل بين أفراد الخصوم النزاع، وإذا حدث بين رؤسائهم وقادتهم فتعتبر هذه هزيمة لفرعون وللسحرة، ونصر لموسى وهارون ﵈، فنصرهما الله بتنازعهم واختلاف كلمتهم. ومن القوة اتحاد الكلمة والاتفاق في الرأي، وأما الاختلاف والتنازع فهو من أسباب الهزيمة. ولهذا قال تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦]، وهذه أوصى الله بها المجاهدين بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٥ - ٤٦]، فالتنازع يؤدي إلى الفشل وذهاب الريح وهي القوة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى * فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [طه:٦١ - ٦٢]، قيل معناه: أنهم تشاجروا فيما بينهم، فقائل يقول: ليس هذا بكلام ساحر، إنما هذا كلام نبي، وقائل يقول: بل هو ساحر، وقيل غير ذلك. والله أعلم. ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [طه:٦٢] فيما بينهم]. المهم أنهم تنازعوا واختلفوا، فصار في هذا هزيمة لهم ونصر لموسى وهارون عليهم الصلاة والسلام.

стр. 635

تفسير قوله تعالى: (قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما) قال الله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه:٦٣]. قالالمؤلف رحمه الله تعالى: [هذه لغة لبعض العرب جاءت هذه القراءة على إعرابها، ومنهم من قرأ: (إن هذين لساحران)، وهذه اللغة المشهورة، وقد توسع النحاة في الجواب عن المسألة الأولى بما ليس هذا موضعه]. لأن إن تنصب الاسم وترفع الخبر، والمثنى ينصب بالياء، فاللغة المشهورة (إن هذين) (إنْ) مخففة من الثقيلة (إنَّ)، وأصله (إنَّ هذان) فتنصب الاسم وترفع الخبر، و (هذين) اسم إن منصوب وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، لساحران: ساحران خبر مرفوع وعلامة رفعه الألف لأنه مثنى، وهذه القراءة المشهورة: (إن هذين لساحران) وهذا على اللغة المشهورة، لكن جاءت في لغة أخرى غير مشهورة وهي رفع المثنى، (إن هذان لساحران) وهي قراءة حفص. ولا يصح أن يقال: هي لحن؛ فالقرآن أفصح الكلام، وهذا لا يجوز، وإن قال هذا الكلام عالم متعمد فقد يكون مرتداً والعياذ بالله، وإن كان جاهلاً فهو جاهل جهلاً مركباً، وهذا طعن في كلام الله، فاللغة العربية تطوع حتى توافق القرآن، فهو كلام الله العليم الخبير الذي خلق البشر وخلق لغاتهم. وإيراد بعض مفردات هذه اللغة غير المشهورة في القرآن الكريم دليل قاطع على وجودها، ومثل ذلك قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [طه:٦٢]، وهو مثل قولهم: أكلوني البراغيث، واللغة المشهورة (وأسر النجوى) بدون الواو، وأكلني البراغيث، ومثل قوله ﵊: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)، واللغة المشهورة (يتعاقب فيكم)، فهي وإن كانت لغة غير مشهورة إلا أنها لغة صحيحة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والغرض أن السحرة قالوا فيما بينهم: تعلمون أن هذا الرجل وأخاه -يعنون موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام- ساحران عالمان خبيران بصناعة السحر، يريدان في هذا اليوم أن يغلباكم وقومكم ويستوليا على الناس وتتبعهما العامة، ويقاتلا فرعون وجنوده فينتصرا عليه، ويخرجاكم من أرضكم. وقوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه:٦٣] أي: ويستبدا بهذه الطريقة وهي السحر، فإنهم كانوا معظمين بسببها لهم أموال وأرزاق عليها]. أي: أنهم فاقوا بالسحر، فهم معظمون عند فرعون وعند الناس بسبب السحر، ولهم أموال ووظائف تدر عليهم بسبب السحر، فقالوا: إن هذين الرجلين -أي موسى وهارون- يريدان أن يغلباكم على صناعة السحر حتى تكون الأموال والمكانة لهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقولون: إذا غلب هذان أهلكاكم وأخرجاكم من الأرض وتفردا بذلك، وتمحضت لهما الرياسة بها دونكم، وقد تقدم في حديث الفتون عن ابن عباس قال في قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه:٦٣]: يعني: ملكهم الذي هم فيه والعيش. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: حدثنا نعيم بن حماد قال: حدثنا هشيم عن عبد الرحمن بن إسحاق سمع الشعبي يحدث عن علي في قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه:٦٣]، قال: يصرفا وجوه الناس إليهما. وقال مجاهد: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه:٦٣] قال: أولو الشرف والعقل والأسنان]. والمقصود أشرافكم وسرواتكم وأكابركم. قال المؤلف ﵀: [وقال أبو صالح: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه:٦٣]: أشرافكم وسرواتكم، وقال عكرمة: بخيركم، وقال قتادة: وطريقتهم المثلى يومئذ بنو إسرائيل، وكانوا أكثر القوم عدداً وأموالاً، فقال عدو الله: يريدان أن يذهبا بها لأنفسهما وقال عبد الرحمن بن زيد: ((بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى)) أي بالذي أنتم عليه].
следующие страницы →