Полный текст (873 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
تفسير قوله تعالى: (الذي جعل لكم الأرض مهداً)
قال الله تعالى: [﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى﴾ [طه:٥٣ - ٥٤].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [هذا من تمام كلام موسى فيما وصف به ربه حين سأله فرعون عنه، فقال: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠]، ثم اعترض الكلام بين ذلك، ثم قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا﴾ [طه:٥٣]، وفي قراءة بعضهم (مهاداً) أي: قراراً تستقرون عليها، وتقومون وتنامون عليها، وتسافرون على ظهرها.
﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ [طه:٥٣] أي: جعل لكم طرقاً تمشون في مناكبها، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء:٣١].
﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ [طه:٥٣] أي: من أنواع النباتات من زروع وثمار ومن حامض وحلو ومر وسائر الأنواع.
﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه:٥٤] أي: شيء لطعامكم وفاكهتكم].
أي: أعد شيئاً لطعامكم ولأنعامكم وفاكهتكم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وشيء لأنعامكم لأقواتها خضراً ويبساً.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ [طه:٥٤] أي: لدلالات وحجج وبراهين، ﴿لِأُوْلِي النُّهَى﴾ [طه:٥٤] أي: لذوي العقول السليمة المستقيمة على أنه لا إله إلا الله، ولا رب سواه].
والآيات الماضية فيها دلالات لأصحاب العقول السليمة على أنه لا معبود بحق إلا الله، وعلى أنه لا إله إلا الله، ودلالة على أن الله هو الخالق الرازق المدبر المحيي المميت، وهو الذي يستحق العبادة ولا يستحقها غيره.
стр. 632
تفسير قوله تعالى: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى)
قال الله تعالى: [﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه:٥٥].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أي: من الأرض مبدؤكم؛ فإن أباكم آدم مخلوق من تراب من أديم الأرض، ((وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ)) أي: وإليها تصيرون إذا متم وبليتم، ((وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى))، ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٥٢]، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف:٢٥]، وفي الحديث الذي في السنن: (أن رسول الله ﷺ حضر جنازة فلما دفن الميت أخذ قبضة من التراب فألقاها في القبر، وقال: منها خلقناكم، ثم أخذ أخرى وقال: وفيها نعيدكم، ثم أخرى وقال: ومنها نخرجكم تارة أخرى)].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾ [طه:٥٦]، يعني: فرعون، أنه قامت عليه الحجج والآيات والدلالات، وعاين ذلك وأبصره، فكذب بها وأباها كفراً وعناداً وبغياً، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]].
стр. 633
تفسير قوله تعالى: (قالوا أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى)
قال الله تعالى: [قال الله تعالى: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى * قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه:٥٧ - ٥٩].
يقول تعالى مخبراً عن فرعون أنه قال لموسى حين أراه الآية الكبرى، وهي إلقاء عصاه فصارت ثعباناً عظيماً، ونزع يده من تحت جناحه فخرجت بيضاء من غير سوء فقال: هذا سحر جئت به لتسحرنا وتستولي به على الناس فيتبعونك وتكاثرنا بهم، ولا يتم هذا لك؛ فإن عندنا سحراً مثل سحرك، فلا يغرنك ما أنت فيه، ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ [طه:٥٨] أي: يوماً نجتمع نحن وأنت فيه فنعارض ما جئت به بما عندنا من السحر في مكان معين ووقت معين، فعند ذلك (قال) لهم موسى: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [طه:٥٩]، وهو يوم عيدهم ونوروزهم وتفرغهم من أعمالهم واجتماعهم جميعهم، ليشاهد الناس قدرة الله على ما يشاء، ومعجزات الأنبياء، وبطلان معارضة السحر لخوارق العادات النبوية؛ ولهذا قال: ((وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ)) أي: جميعهم ((ضُحًى)) أي: ضحوة من النهار؛ ليكون أظهر وأجلى وأبين وأوضح، وهكذا شأن الأنبياء كل أمرهم واضح بين ليس فيه خفاء ولا ترويج، ولهذا لم يقل ليلاً، ولكن نهاراً ضحى.
قال ابن عباس: وكان يوم الزينة يوم عاشوراء، وقال السدي وقتادة وابن زيد: كان يوم عيدهم، وقال سعيد بن جبير: يوم سوقهم، ولا منافاة.
قلت: وفي مثله أهلك الله فرعون وجنوده كما ثبت في الصحيح].
وهذه الأقوال كلها لا تنافي بينها، ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [طه:٥٩]، وهو يوم العيد ويوم نوروزهم واجتماعهم، ويوم تفرغهم، والقول بأنه يوم عاشوراء فيكون يوم عاشوراء هو اليوم الذي أظهر الله فيه حججه على يدي موسى، وهو اليوم الذي أغرق الله فيه فرعون.
وآيات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلها واضحة ظاهرة جلية، بخلاف السحرة فإن أمرهم ملتبس، فتجد السحرة عندهم التباس وعندهم تدليس وتضليل، وليس أمرهم واضحاً، ولهذا تجد السحرة والمشعوذين لا يسكن أحدهم إلا في بيت صغير ضيق ملتو، وفي شوارع ضيقة، وفي بيوت مظلمة، ويكون بعيداً عن الناس بعيداً عن الاجتماعات وله روائح منتنة.
وكذلك أعمالهم فإن فيها تدليساً وتضليلاً وتلبيساً؛ لأنهم ليس لديهم حقائق، وتجدهم لا يحبون الأمكنة الواضحة والشوارع الواضحة، ولا يحبون البيوت الواسعة، وقد يعد الناس في أوقات غير مناسبة غير واضحة للناس، بخلاف الأنبياء فإن أمرهم واضح جلي، فهم يكشفون عنه في رابعة النهار ليراه كل واحد؛ لأن ليس عندهم إلا الحق.
ولهذا قال موسى لما قال له فرعون: ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى * قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه:٥٨ - ٥٩]، يوم اجتماع الناس وتفرغهم؛ لكي يعلمه الخاص والعام، وحتى يرى الناس خوارق العادات النبوية، وتظهر الحقائق، وتنجلي ويندثر الباطل وينقمع.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال وهب بن منبه: قال فرعون: يا موسى! اجعل بيننا وبينك أجلاً ننظر فيه، قال موسى ﷺ : لم أؤمر بهذا، إنما أمرت بمناجزتك إن أنت لم تخرج دخلت إليك، فأوحى الله إلى موسى ﷺ أن اجعل بينك وبينه أجلاً، وقل له أن يجعل هو، قال فرعون: اجعله إلى أربعين يوماً، ففعل وقال مجاهد: وقتادة: مكاناً سوى منصفاً.
وقال السدي: عدلاً.
وقال: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (مكاناً سوى) مستوياً بين الناس، وما فيه لا يكون صوباًَ ولا شيئاً يتغيب بعض ذلك عن بعض، مستوياً حين يُرى].
وصوباً جمع صوبة وهو الكثيب المرتفع، والمكان الذي لا يوجد فيه ارتفاع ولا انخفاض.
стр. 634
تفسير قوله تعالى: (فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى)
قال الله تعالى: [﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى * قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى * فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [طه:٦٠ - ٦٢].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى مخبراً عن فرعون: أنه لما تواعد هو وموسى عليه الصلاة السلام إلى وقت ومكان معلومين ((تَوَلَّى)) أي: شرع في جمع السحرة من مدائن ممكلته كل من ينسب إلى سحر في ذلك الزمان، وقد كان السحر فيهم كثيراً نافقاً جداً كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [يونس:٧٩]].
وهذه من حكمة الله أن جعل معجزات الأنبياء من جنس ما فاق به أهل ذلك الزمان، فالناس في زمن فرعون انتشر بينهم السحر، وكان لهم عناية بالسحر، وبلغوا فيه بلوغاً عظيماً، حتى إن هناك سحرة عندهم علم قوي بالسحر، ولهذا قال الملأ لفرعون: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [الأعراف:١١٢]، فجعل الله معجزة موسى العصا تفوق ما فاق به هؤلاء من السحر، فأتاهم موسى بمعجزة من عند الله وبما لا قبل لهم بها حتى علم السحرة أن هذا ليس من صنع البشر، وإنما هذا من أمر الله، وإنما هذه قدرة الله فلذلك خروا سجداً وآمنوا في الحال؛ لأن عندهم عناية ومعرفة عظيمة بالسحر، وقد عرفوا السحر من أوله إلى آخره، فعرفوا أن هذا ليس من عند الله، فلهذا آمنوا في الحال، فكانت معجزة موسى ﵇ تفوق ما برع به هؤلاء السحرة.
ولما كان الناس في زمن عيسى ﵇ قد برعوا بالطب وبلغوا شأواً بعيداً في الطب أعطى الله عيسى من المعجزات ما فاق به الأطباء، فكان يبرئ الأكمه والأبرص، فالأبرص يداويه فيبرؤه الله في الحال، والأكمه الذي ولد ولم يشق له عين يبرئه عيسى بإذن الله، فيشق له عيناً، وكذلك يخلق من الطين كهيئة الطير ويصور من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، ويخلق الله له روحاً، ففاق الأطباء في زمنه، وعلموا أن هذا ليس من صنع البشر، وإنما من المعجزات التي أعطاها الله الأنبياء.
ولما كانت العرب في زمن نبينا محمد ﷺ قد بلغوا شأواً بعيداً في الفصاحة والبلاغة والشعر والتصرف في الأساليب العربية، وكانت لهم أسواقاً يتناشدون فيه الأشعار ويتفاخرون بالمجاز وغيره، كانت معجزة النبي ﷺ القرآن الذي أنزله الله بلسان عربي مبين، وجعله أفصح الكلام، وأصدق الكلام، وأحسن الكلام، فتحداهم الله وهم الفصحاء وفرسان البلاغة الذين لا يجارون فعجزوا، ثم تحداهم الله أن يأتوا بعشر سور مثله فعجزوا، ثم تحداهم الله أن يأتوا بسورة فعجزوا، مع أن القرآن متكون من الحروف الهجائية، ومتكون من ألفاظ ومعانٍ يعرفونها ومع ذلك عجزوا، فهو ليس من عند البشر، وإنما هو كلام الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [يونس:٧٩]، ثم أتي، أي: اجتمع الناس لميقات يوم معلوم وهو يوم الزينة، وجلس فرعون على سرير مملكته واصطف له أكابر دولته، ووقفت الرعايا يمنة ويسرة، وأقبل موسى ﷺ يتوكأ على عصاه ومعه أخوه هارون ووقف السحرة بين يدي فرعون صفوفاً، وهو يحرضهم ويحثهم ويرغبهم في إجازة عملهم في ذلك اليوم، ويتمنون عليه].
يتمنون عليه يعني: يقولون: ماذا ستعطينا من الجوائز إذا غلبنا موسى، كما قال الله، قال السحرة: ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الأعراف:١١٣ - ١١٤] أي: لكم الجوائز والهدايا والتحف وأيضاً التقريب فأقربكم إلي وتكونوا مقربين من الملك في الوظائف والأعمال، ولكن لما جاء الحق ضاعت هذه الأشياء كلها وما نفع الترغيب ولا الترهيب ولا التقريب، فخر السحرة سجداً لله، وآمنوا في الحال.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهو يعدهم ويمنيهم فيقولون: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء:٤١ - ٤٢].
﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [طه:٦١] أي: لا تخيلوا للناس بأعمالكم إيجاد أشياء لا حقائق لها].
وهي العصي والحبال التي يبهرجون بها على الناس، فيضعون فيه الزئبق ويخيلون على أعين الناس، ويسحرون أعين الناس فيخيل إليهم أنها حيات وعقارب تتلوى، وهي عصي في الحقيقة وحبال عادية يضعون فيها الزئبق، فسحروا أعين الناس، فصار كل الوادي على سعته حيات وعقارب، حتى إن موسى ﵊ وهو نبي كريم أوجس في نفسه خيفة ورهبة عظيمة فهو وادٍ مد البصر امتلأ حيات وعقارب، ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه:٦٧] قال الله له: ﴿لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ [طه:٦٨ - ٦٩]، وهي العصا ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩].
ولهذا قال لهم: ﴿وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [طه:٦١] أي: لا تزوروا وتبهرجوا على الناس وتسحروا أعين الناس وتضعون الزئبق على العصي والحبال فتكون عقارب وحيات؛ تبهرجون وتزخرفون وتموهون، وتجعلون الناس يعتقدون غير الحقائق.
﴿وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه:٦١]، فكانت هذه الكلمة من موسى ﵇ لها تأثير عظيم، حتى إن السحرة تنازعوا أمرهم بينهم وفشلوا بسبب هذه المقالة التي قالها ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [طه:٦١]، لا تروجوا على الناس بالباطل وتموهون على الناس وتسحرون أعين الناس ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ وخوفهم بالوعيد (يسحتكم بعذاب) يعني: يهلككم ويستأصلكم بالعذاب، (وقد خاب من افترى).
فكانت هذه الكلمة لها تأثير في تنازع السحرة واختلاف كلمتهم: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [طه:٦٢].
قال المؤلف ﵀: [﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [طه:٦١].
أي: لا تخيلوا للناس بأعمالكم إيجاد أشياء لا حقائق لها وأنها مخلوقة وليست مخلوقة، فتكونون قد كذبتم على الله: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه:٦١] أي: يهلككم بعقوبة هلاكاً لا بقية له].
يعني: يخيلوا للناس أن هذه العصي والحبال حيات وعقارب وأنها مخلوقة وليست بمخلوقة، وهذا من الكذب والافتراء والتزوير على الله، ولهذا قال: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَاب وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه:٦١]، وأنتم مفترون بالأفعال، وقد يكون الإنسان مفترٍ بالأقوال وقد يكون مفترٍ بالأعمال.
والافتراء بالأقوال كأن يفتري على الله الكذب في أسمائه وصفاته، فينفي أسماء الله، ويقول: ليست لله، أو ينفي صفاته، أو يئولها، فهذا من الافتراء على الله، وكأن يقول: معنى الاستواء الاستيلاء، أو يفتري على الله في الحلال والحرام وهو كاذب، وكذلك يكون الافتراء بالأعمال كما فعل السحرة.
والكلمة التي قالها موسى كان لها الأثر العظيم القوي، وسببت النزاع فيما بين السحرة واختلاف الكلمة، وهذه من أقوى العدة ومن أقوى أسباب الانتصار على الخصم: إذا حصل بين أفراد الخصوم النزاع، وإذا حدث بين رؤسائهم وقادتهم فتعتبر هذه هزيمة لفرعون وللسحرة، ونصر لموسى وهارون ﵈، فنصرهما الله بتنازعهم واختلاف كلمتهم.
ومن القوة اتحاد الكلمة والاتفاق في الرأي، وأما الاختلاف والتنازع فهو من أسباب الهزيمة.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦]، وهذه أوصى الله بها المجاهدين بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٥ - ٤٦]، فالتنازع يؤدي إلى الفشل وذهاب الريح وهي القوة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى * فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [طه:٦١ - ٦٢]، قيل معناه: أنهم تشاجروا فيما بينهم، فقائل يقول: ليس هذا بكلام ساحر، إنما هذا كلام نبي، وقائل يقول: بل هو ساحر، وقيل غير ذلك.
والله أعلم.
﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [طه:٦٢] فيما بينهم].
المهم أنهم تنازعوا واختلفوا، فصار في هذا هزيمة لهم ونصر لموسى وهارون عليهم الصلاة والسلام.
стр. 635
تفسير قوله تعالى: (قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما)
قال الله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه:٦٣].
قالالمؤلف رحمه الله تعالى: [هذه لغة لبعض العرب جاءت هذه القراءة على إعرابها، ومنهم من قرأ: (إن هذين لساحران)، وهذه اللغة المشهورة، وقد توسع النحاة في الجواب عن المسألة الأولى بما ليس هذا موضعه].
لأن إن تنصب الاسم وترفع الخبر، والمثنى ينصب بالياء، فاللغة المشهورة (إن هذين) (إنْ) مخففة من الثقيلة (إنَّ)، وأصله (إنَّ هذان) فتنصب الاسم وترفع الخبر، و (هذين) اسم إن منصوب وعلامة نصبه الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنه مثنى، لساحران: ساحران خبر مرفوع وعلامة رفعه الألف لأنه مثنى، وهذه القراءة المشهورة: (إن هذين لساحران) وهذا على اللغة المشهورة، لكن جاءت في لغة أخرى غير مشهورة وهي رفع المثنى، (إن هذان لساحران) وهي قراءة حفص.
ولا يصح أن يقال: هي لحن؛ فالقرآن أفصح الكلام، وهذا لا يجوز، وإن قال هذا الكلام عالم متعمد فقد يكون مرتداً والعياذ بالله، وإن كان جاهلاً فهو جاهل جهلاً مركباً، وهذا طعن في كلام الله، فاللغة العربية تطوع حتى توافق القرآن، فهو كلام الله العليم الخبير الذي خلق البشر وخلق لغاتهم.
وإيراد بعض مفردات هذه اللغة غير المشهورة في القرآن الكريم دليل قاطع على وجودها، ومثل ذلك قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [طه:٦٢]، وهو مثل قولهم: أكلوني البراغيث، واللغة المشهورة (وأسر النجوى) بدون الواو، وأكلني البراغيث، ومثل قوله ﵊: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)، واللغة المشهورة (يتعاقب فيكم)، فهي وإن كانت لغة غير مشهورة إلا أنها لغة صحيحة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والغرض أن السحرة قالوا فيما بينهم: تعلمون أن هذا الرجل وأخاه -يعنون موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام- ساحران عالمان خبيران بصناعة السحر، يريدان في هذا اليوم أن يغلباكم وقومكم ويستوليا على الناس وتتبعهما العامة، ويقاتلا فرعون وجنوده فينتصرا عليه، ويخرجاكم من أرضكم.
وقوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه:٦٣] أي: ويستبدا بهذه الطريقة وهي السحر، فإنهم كانوا معظمين بسببها لهم أموال وأرزاق عليها].
أي: أنهم فاقوا بالسحر، فهم معظمون عند فرعون وعند الناس بسبب السحر، ولهم أموال ووظائف تدر عليهم بسبب السحر، فقالوا: إن هذين الرجلين -أي موسى وهارون- يريدان أن يغلباكم على صناعة السحر حتى تكون الأموال والمكانة لهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقولون: إذا غلب هذان أهلكاكم وأخرجاكم من الأرض وتفردا بذلك، وتمحضت لهما الرياسة بها دونكم، وقد تقدم في حديث الفتون عن ابن عباس قال في قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه:٦٣]: يعني: ملكهم الذي هم فيه والعيش.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: حدثنا نعيم بن حماد قال: حدثنا هشيم عن عبد الرحمن بن إسحاق سمع الشعبي يحدث عن علي في قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه:٦٣]، قال: يصرفا وجوه الناس إليهما.
وقال مجاهد: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه:٦٣] قال: أولو الشرف والعقل والأسنان].
والمقصود أشرافكم وسرواتكم وأكابركم.
قال المؤلف ﵀: [وقال أبو صالح: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه:٦٣]: أشرافكم وسرواتكم، وقال عكرمة: بخيركم، وقال قتادة: وطريقتهم المثلى يومئذ بنو إسرائيل، وكانوا أكثر القوم عدداً وأموالاً، فقال عدو الله: يريدان أن يذهبا بها لأنفسهما وقال عبد الرحمن بن زيد: ((بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى)) أي بالذي أنتم عليه].
стр. 636
تفسير قوله تعالى: (فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفاً)
قال الله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ [طه:٦٤] قوله: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [طه:٦٤].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أي: اجتمعوا كلكم صفاً واحداً وألقوا ما في أيديكم مرة واحدة؛ لتبهروا الأبصار، وتغلبوا هذا وأخاه].
وهذا من وصية السحرة بعضهم لبعض، قالوا: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه:٦٣] يعني: يريدان أن يذهبا بالشرف والأموال، فأجمعوا أمركم، أي: اجتمعوا فتكون كلمتكم واحدة، وصمموا وألقوا ما في أيديكم مرة واحدة؛ حتى تغلبوا موسى.
لأنهم يخافون على أموالهم، فالسحرة يظنون أن عيشهم أحسن عيش، وهم في أحسن حالة، ويريدون أن يبقوا على هذا الحال، وهم يعلمون أنهم مبطلون، لكن يريدون أن يبقوا على ما هم عليه، فلما تبين لهم الحق تغير الحال فسبحان من يغير ولا يتغير، فلما تبين لهم الحق ذهبت هذه الأطماع وهذه الآمال الباطلة وذهب البهرج واتضح الحق، فآمنوا بالله وتركوا ما يؤملونه من بقاء الأموال وبقاء الشرف؛ لأنهم تبين لهم الحق الآن وظهر واضحاً أبلج.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ [طه:٦٤] أي: منا ومنه، أما نحن فقد وعدنا الملك العطاء الجزيل، وأما هو فينال الرياسة العظيمة].
أي: أفلح اليوم من ظهر وعلا وغلب، فهو منا أو منهم، فإن ظهر علينا فله الفلاح، وإن ظهرنا عليه فلنا الفلاح، وهذا هو الوقت الفاصل الآن، ووقت حسم للأمر، فإما أن يظهر موسى وهارون فيكون لهم الفلاح والاستعلاء، وإما أن نظهر فيكون لنا الفلاح والاستعلاء، وهذه لحظة حاسمة بسبب اجتماع الناس، فكل الناس قد أتوا في وقت واضح أبلج وهو وقت الزينة، وهو موعد مسبق ومكان مسبق قد عرفه الناس، فيوصي السحرة بعضهم بعضاً بالاجتماع والاتحاد والعناية والاجتهاد في غلبة موسى وإلقاء ما في أيديهم مرة واحدة.
стр. 637
تفسير قوله تعالى: (قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى)
قال الله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٥ - ٦٦].
قالوا لموسى: اختر إما أن تلقي ما معك أو نلقي، قال لهم موسى: بل ألقوا أنتم، فألقوا العصي والحبال في هذا الوادي العظيم المتسع والصحراء العظيمة فصارت تتلوى، حتى إن موسى وجد في نفسه خيفة ورهبة عظيمة، فألقى موسى العصا فصارت حية عظيمة ابتلعت جميع ما في الوادي، فجاء الباطل ثم أتى الحق فزهق الباطل، ولهذا قال لهم موسى: ابدءوا أنتم، فالحق هو الذي يأتي ثانياً ليزهق الباطل، وليس العكس.
[قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦]].
يخيل إلى موسى خيالاً لا حقيقة، وهو مجرد رأي العين، فهذا تخييل للعيون والأبصار، وفي الآية الأخرى يقول تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ [الأعراف:١١٦]، أي: أصابتهم رهبة عظيمة، ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف:١١٦]، فهم وضعوا الزئبق في العصي والحبال واسترهبوا الناس حتى أصاب الناس رهبة عظيمة، وصارت العيون مسحورة، وخيل للناس أنها حيات عظيمة لا قبل لأحد بها، ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ﴾ [الأعراف:١١٦] أي: موصوف بأنه عظيم، حتى إن موسى مع جلالة قدره وعلوه أوجس في نفسه خيفة، لكن الله سدده وأوحى إليه: ﴿َأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ [طه:٦٩].
والموقف موقف عظيم ليس بالسهل ولا بالهين، فهو موقف أمام ملك جبار متصف بالجبروت والقوة يدعي الربوبية والألوهية، ويقول للناس: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وسحرة تعلموا السحر وبرعوا فيه وبلغوا فيه شأواً عظيماً، وفاقوا الأمم في السحر، ويجتهدون اجتهاداً عظيماً في غلبة موسى حتى يتقربون من الملك، ويأخذوا ما وعدهم به من الأموال الجزيلة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى مخبراً عن السحرة حين توافقوا هم وموسى ﵇ أنهم قالوا لموسى: ((إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ)) أي: أنت أولاً ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ [طه:٦٥ - ٦٦] أي: أنتم أولاً؛ ليرى ماذا تصنعون من السحر، وليظهر للناس جلية أمرهم، ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾، وفي الآية الأخرى أنهم لما ألقوا: ﴿وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء:٤٤]].
لأن فرعون معظم عندهم، فحلفوا بعزته إنهم الغالبون.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف:١١٦]، وقال هاهنا: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦]؛ وذلك أنهم أودعوها من الزئبق ما كانت تتحرك بسببه وتضطرب وتميد بحيث يخيل للناظر أنها تسعى باختيارها، وإنما كانت حيلة، وكانوا جماً غفيراً وجمعاً كبيراً، فألقى كل منهم عصاً وحبلاً حتى صار الوادي ملآن حيات يركب بعضها بعضاً].
السحر قسمان: قسم خيال، وقسم له حقيقة، وما فعله سحرة فرعون من قسم الخيال، وهذا هو الصواب، فقد قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦].
وقسم له حقيقة يقتل ويمرض ويفرق بين المرء وزوجه، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤]، وهذا دليل على أن له حقيقة، ولولا أن للسحر حقيقة لما أمر الله بالاستعاذة من شر النفاثات -أي: السواحر- اللاتي يعقدن العقد وينفثن في عقدهن.
وذهب المعتزلة وذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أن السحر كله خيال وليس له حقيقة، وهذا قول باطل، وذهب إلى هذا الجصاص من علماء الحنفية في أحكام القرآن.
стр. 638
تفسير سورة طه [٦٧ - ٨٢]
لقد قام سحرة فرعون بسحر أعين الناس واسترهبوهم، فأوجس موسى في نفسه الخوف من عظمة ذلك، لكن الله ثبته وربط على قلبه، فألقى ما في يمينه فإذا هي حية تلقف ما يأفكون، فوقع الحق وزهق الباطل، فخر السحرة سجداً، فآمنوا إيماناً عظيماً، فقد كانوا في أول النهار سحرة، وصاروا في آخره شهداء بررة.
стр. 639
تفسير قوله تعالى: (فأوجس في نفسه خيفة موسى)
قال الله تعالى: قوله: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه:٦٧ ٧٠].
قال المؤلف ﵀: [أي: خاف على الناس أن يفتتنوا بسحرهم ويغتروا بهم قبل أن يلقي ما في يمينه].
أي: خاف على الناس ولم يخف على نفسه من سحرهم، فالله ثبته وأمره بأن يلقي العصا التي في يده.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فأوحى الله تعالى إليه في الساعة الراهنة أن: (وألق ما في يمينك) يعني: عصاه، فإذا هي ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ [طه:٦٩]، وذلك أنها صارت تنيناً عظيماً هائلاً].
والتنين هو الذكر من الحيات العظيمة، وهو من أسماء الحيات.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ذا عيون وقوائم وعنق ورأس وأضراس، فجعلت تتبع تلك الحبال والعصي حتى لم تبق منها شيئاً إلا تلقفته وابتلعته، والسحرة والناس ينظرون إلى ذلك عياناً جهرة نهاراً ضحوة، فقامت المعجزة، واتضح البرهان، وبطل ما كانوا يعملون].
أي: بطل السحر واضمحل وزال وذهب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩]، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال حدثنا محمد بن موسى الشيباني قال: حدثنا حماد بن خالد قال: حدثنا ابن معاذ أحسبه الصائغ عن الحسن عن جندب بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أخذتم -يعني: الساحر- فاقتلوه، ثم قرأ: ((وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى))، قال: لا يؤمن به حيث وجد)، وقد روى أصله الترمذي موقوفاً ومرفوعاً].
قال الترمذي هذا الحديث لم يأت مرفوعاً إلا من هذا الوجه، وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف هذا الحديث.
وعلى كل حال فإنه يوجد غير هذا الحديث ينص على قتل الساحر، وقد صح عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ ، فقد صح عن عمر أنه أمر بقتل كل ساحر، وأنه كتب إلى عماله أن يقتلوا كل ساحر وساحرة، قال الراوي: فقتلنا ثلاث سواحر.
وجاء عن حفصة أنها أمرت بجارية لها سحرتها فقتلت، وكذا صح عن جندب أنه أمر بقتل الساحر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلما عاين السحرة ذلك وشاهدوه -ولهم خبرة بفنون السحر وطرقه ووجوهه- علموا علم اليقين أن هذا الذي فعله موسى ليس من قبيل السحر والحيل، وأنه حق لا مرية فيه، ولا يقدر على هذا إلا الذي يقول للشيء كن فيكون، فعند ذلك وقعوا سجداً لله، وقالوا: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف:١٢١ - ١٢٢]، ولهذا قال ابن عباس ﵄ وعبيد بن عمير: كانوا أول النهار سحرة وفي آخر النهار شهداء بررة وقال محمد بن كعب: كانوا ثمانين ألفاً، وقال القاسم بن أبي بزة: كانوا سبعين ألفاً، وقال السدي: بضعة وثلاثين ألفاً، وقال الثوري عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي ثمامة: كان سحرة فرعون تسعة عشر ألفاً، وقال محمد بن إسحاق: كانوا خمسة عشر ألفاً، وقال كعب الأحبار: كانوا اثني عشر ألفاً.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين حدثنا محمد بن علي بن حمزة حدثنا علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس ﵄: كانت السحرة سبعين رجلاً أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا المسيب بن واضح بمكة حدثنا ابن المبارك قال: قال الأوزاعي: لما خر السحرة سجداً رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها.
قال: وذكر عن سعيد بن سلام حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن سليمان عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قوله: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ [طه:٧٠] قال: رأوا منازلهم تبنى لهم وهم في سجودهم وكذا قال عكرمة والقاسم بن أبي بزة].
стр. 640
تفسير قوله تعالى: (قال آمنتم به قبل أن آذن لكم)
قال الله تعالى: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:٧١ - ٧٣]].
وهناك فرق كبير وبون شاسع بين قول السحرة قبل أن يؤمنوا وبعد أن آمنوا، فقد قالوا قبل الإيمان لفرعون: ماذا ستعطينا إذا غلبنا موسى؟ ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء:٤١ - ٤٢]، ويقول بعضهم كذلك: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ [طه:٦٤] وأما قولهم بعد الإيمان: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢] أي: افعل ما تريد يا فرعون،: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:٧٣]، قالوا: إن هذه الدنيا منقضية مهما كان الحال، ولو عشنا فإنها سوف تنقضي، ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢]، فهي منقضية ونحن على الإيمان ثابتون لا يهمنا أي شيء تعمله، فالموت موت واحد، ثم ذكروا: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى﴾ [طه:٧٤ - ٧٥].
وقوله: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [طه:٧٢] أي: لن نؤثر العاجلة وهي الدنيا، ونؤثر سحرك على ما ظهر لنا من البينات، ولن نؤثر الدنيا على الآخرة، والذي يؤثر الدنيا على الآخرة ليس بمسلم.
وقوله: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢] أي: اصنع ما تصنع، فمهما توعدت ومهما فعلت فالنهاية هي الموت ولا شيء غير الموت، والموت لابد منه، ونحن سنثبت على الحق ونموت على الحق مهما توعدت ومهما فعلت، ((فاقض ما أنت قاض)) أي: افعل ما أنت فاعل، فلا تستطيع فعل ما هو أكثر من الموت.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى مخبراً عن كفر فرعون وعناده وبغيه ومكابرته الحق بالباطل حين رأى ما رأى من المعجزة الباهرة والآية العظيمة، ورأى الذين قد استنصر بهم قد آمنوا بحضرة الناس كلهم، وغلب كل الغلب، شرع في المكابرة والبهت، وعدل إلى استعمال جاهه وسلطانه في السحرة].
وهذه عادة المنهزم فإذا عجز عن الحجة لجأ إلى القوة، وهذه عادة المبتدعين فهم يلجئون إلى القوة، كما كان حال المعتزلة في زمن المأمون الذين يقولون: إن القرآن مخلوق، فقد ناظروا الإمام أحمد ﵀، فلما غلبهم بالحجة استعدوا عليه السلطان، وقالوا: إن هذا مبتدع، وإنه يضل الناس، حتى قال أحمد بن أبي دؤاد رئيس المعتزلة في زمن المأمون: اقتل الإمام أحمد ودمه في ذمتي، فعادة الكفرة والمبتدعة إذا عجزوا عن المجادلة والمناظرة استعدوا السلاطين والأمراء على أهل الحق، وهذا هو العجز بعينه، وهذا حال من لم يستطع أن يدفع الحجة بالحجة.
وهكذا تجد المنافقين في كل زمان يستعدون السلطة على المؤمنين وعلى الأخيار.
قال المؤلف ﵀: [فتهددهم وتوعدهم، وقال: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ﴾ [طه:٧١] أي: صدقتموه ((قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ)) أي: وما أمرتكم بذلك، وافتئتم علي في ذلك].
يقول: تفتائتون في هذا الأمر، أي: تعملون أمراً يخالف أمري ولم تستشيروني؟ فالأمر لي والسلطة لي، فكيف تعلمون شيئاً دون مشورتي وأخذ رأيي، فهو يوبخهم على فعلهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال قولاً يعلم هو والسحرة والخلق كلهم أنه بهت وكذب: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه:٧١] أي: أنتم إنما أخذتم السحر عن موسى، واتفقتم أنتم وإياه علي وعلى رعيتي لتظهروه، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٢٣]].
يقول فرعون للسحرة: لقد اتفقتم مع موسى على هذا، فقد حصل بينكم وبينه اتفاق، وهو كبيركم وقد علمكم السحر، واتفقتم معه في أمر مسبق على أن تنهزموا أمامه، حتى يظهر موسى، وتكونوا من أتباعه، وهو يعلم أن هذا بهتان وكذب، لكن المغلوب ليس له إلا أن يستعمل قوته وسلطانه، فقال: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف:١٢٤].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم أخذ يتهددهم فقال: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] أي: لأجعلنكم مُثلة، ولأقتلنكم ولأشهرنكم، قال ابن عباس: فكان أول من فعل ذلك، رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: ((وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى)) أي: أنتم تقولون: إني وقومي على ضلالة، وأنتم مع موسى وقومه على الهدى فسوف تعلمون من يكون له العذاب ويبقى فيه، فلما صال عليهم بذلك وتوعدهم هانت عليهم أنفسهم في الله ، و ((قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ)) أي: لن نختارك على ما حصل لنا من الهدى واليقين، ((وَالَّذِي فَطَرَنَا))، يحتمل أن يكون قسماً، ويحتمل أن يكون معطوفاً على البينات].
يحتمل أن يكون معنى قولهم: لن نؤثرك على البينات وعلى الذي فطرنا وهو الله، ويحتمل أن يكون: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [طه:٧٢]، ثم استأنفوا كلاماً جديداً فقالوا: ((وَالَّذِي فَطَرَنَا)) وقصدهم الحلف بالله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يعنون لا نختارك على فاطرنا وخالقنا الذي أنشأنا من العدم المبتدي خلقنا من الطين، فهو المستحق للعبادة والخضوع لا أنت، ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢] أي: فافعل ما شئت وما وصلت إليه يدك ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢] أي: إنما لك تسلط في هذه الدار وهي دار الزوال، ونحن قد رغبنا في دار القرار ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾ [طه:٧٣] أي: ما كان منا من الآثام خصوصاً ما أكرهتنا عليه من السحر لتعارض به آية الله تعالى ومعجزة نبيه ﷺ .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا نعيم بن حماد حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ [طه:٧٣] قال: أخذ فرعون أربعين غلاماً من بني إسرائيل فأمر أن يعلموا السحر بالفرماء].
أي: مكان يتعلم فيه هؤلاء الشباب السحر.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال: علموهم تعليماً لا يعلمه أحد في الأرض، قال ابن عباس ﵄: فهم من الذين آمنوا بموسى وهم من الذين قالوا: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ [طه:٧٣]، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وقوله: ((وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)) أي: خير لنا منك ((وَأَبْقَى)) أي: أدوم ثواباً مما كنت وعدتنا ومنيتنا، وهو رواية عن ابن إسحاق ﵀.
وقال محمد بن كعب القرظي: ((وَاللَّهُ خَيْرٌ)) أي: لنا منك إن أطيع، ((وَأَبْقَى)) أي: منك عذاباً إن عصي.
وروي نحوه عن ابن إسحاق أيضاً، والظاهر أن فرعون لعنه الله صمم على ذلك وفعله بهم رحمة لهم من الله].
وكأن المسألة فيها قولان: قول بأنه نفذ ما توعد به وقتلهم، والقول الثاني إنه تهدد ولم ينفذ، فقال ابن كثير ﵀: الظاهر أنه نفذ وأنه قتلهم، وهذا رحمة من الله بهم حتى يصلوا إلى ما أعد الله لهم من النعيم، ويستريحوا من تعب الدنيا ونصبها، ولهذا جاء في الحديث: (أنه مر بجنازة فقال النبي ﷺ : مستريح ومستراح منه، فقالوا: يا رسول الله ما مستريح ومستراح منه؟ فقال: المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها وتعبها، والكافر أو الفاجر يستريح منه الناس والشجر والدواب)، أو كما قال ﵊.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا قال ابن عباس ﵄ وغيره من السلف: أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء].
стр. 641
تفسير قوله تعالى: (إنه من يأت ربه مجرماً فإن له جهنم)
قال الله تعالى: [﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه:٧٤ - ٧٦].
قال المؤلف ﵀: [الظاهر من السياق أن هذا من تمام ما وعظ به السحرة لفرعون، يحذرونه من نقمة الله وعذابه الدائم السرمدي، ويرغبونه في ثوابه الأبدي المخلد، فقالوا: ((إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا)) أي: يلقى الله يوم القيامة وهو مجرم، ((فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا))، كقوله: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر:٣٦]، وقال: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [الأعلى:١١ - ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]].
والكافر والعياذ بالله هو الذي يبقى في جهنم لا يموت فيها ولا يحيا، فلا يموت فيستريح، ولا يحيا حياة هنية، بل يبقى معذباً، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦]، نسأل الله السلامة.
فصار السحرة دعاة فوعظوا فرعون قبل أن يقتلهم، وصاروا دعاة مع موسى ﵊، ففي أول النهار يحلفون بعزة فرعون وفي آخر النهار وعظوه ونصحوه، ثم قتلهم بعد ذلك.
فلم تهده نصيحة موسى وهارون وهما نبيان كريمان نصحاه وجاءا بالبينات الواضحات فلم ينتفع، ثم وعظه السحرة أيضاً فلم ينتفع، نسأل الله السلامة والعافية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: حدثنا إسماعيل أخبرنا سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أناس تصيبهم النار بذنوبهم فتميتهم إماتة، حتى إذا صاروا فحماً أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة، فيقال: يا أهل الجنة! أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل)].
والحِبة أي: البذرة، وحميل السيل أي: محمول السيل، فالسيل يمشي ويحمل معه غثاء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [(فقال رجل من القوم: كأن رسول الله ﷺ كان بالبادية)].
أي: يعرف هذا أهل البوادي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهكذا أخرجه مسلم في كتابه الصحيح من رواية شعبة وبشر بن المفضل كلاهما عن أبي سلمة سعيد بن يزيد به.
وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثنا أبي حدثنا حيان سمعت سليمان التيمي عن أبي نضرة عن أبي سعيد ﵁: (أن رسول الله ﷺ خطب فأتى على هذه الآية: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [طه:٧٤]، قال النبي ﷺ : أما أهلها الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين ليسوا من أهلها)].
والمقصود بأهل النار: الكفرة، والذين ليسوا من أهلها هم: العصاة الموحدون، فدخولهم عارض للتطهير.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [(وأما الذين ليسوا من أهلها فإن النار تمسهم، ثم يقوم الشفعاء فيشفعون فتجعل الضبائر، فيؤتى بهم نهر يقال له: الحياة أو الحيوان، فينبتون كما ينبت العشب في حميل السيل).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ [طه:٧٥] أي: ومن لقي ربه يوم المعاد مؤمن القلب قد صدق ضميره بقوله وعمله ﴿فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى﴾ [طه:٧٥] أي: الجنة ذات الدرجات العاليات، والغرف الآمنات، والمساكن الطيبات.
قال الإمام أحمد: حدثنا عفان أنبأنا همام حدثنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، ومنها تخرج الأنهار الأربعة، والعرش فوقها، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس)].
والفردوس هو أعلى الجنة، وأوسط الجنة، تخرج منه أنهار الجنة الأربعة المذكورة في قوله تعالى: ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد:١٥]، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها.
وقال المؤلف رحمه الله تعالى: [ورواه الترمذي من حديث يزيد بن هارون عن همام به.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي أخبرنا خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه قال: (كان يقال: الجنة مائة درجة، في كل درجة مائة درجة، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فيهن الياقوت والحلي، في كل درجة أمير يرون له الفضل والسؤدد)].
أي: أن في الجنة مائة درجة كبيرة، في كل درجة مائة درجة صغيرة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الصحيحين: (إن أهل عليين ليرون من فوقهم كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء؛ لتفاضل ما بينهم، قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء؟ قال: بلى والذي نفسي بيده! رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين)].
أي: التصديق الكامل الذي يستلزم القول والعمل، فآمنوا بالله وصدقوا المرسلين بأقوالهم وأعمالهم الطيبة.
قال المؤلف ﵀: [وفي السنن: أن أبا بكر وعمر لمنهم وأنعما].
أي: من الرجال الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين؛ لأنهم ليسوا أنبياء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ [طه:٧٦] أي: إقامة، وهي بدل من الدرجات العلى، ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [طه:٧٦] أي: ماكثين أبداً ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه:٧٦] أي: طهر نفسه من الدنس والخبث والشرك، وعبد الله وحده لا شريك له، واتبع المرسلين فيما جاءوا به من خبر وطلب].
والطلب هو الأوامر والنواهي، يعني: اتبع المرسلين وصدقهم في أخبارهم، ونفذ الطلب من الأوامر والنواهي، فامتثل الأوامر واجتنب النواهي، ويكون بذلك قد صدق المرسلين التصديق الكامل.
стр. 642
تفسير قوله تعالى: (ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي)
قال الله تعالى: [قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى * فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ * وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه:٧٧ - ٧٩].
قال المؤلف ﵀: [يقول تعالى مخبراً أنه أمر موسى ﵊ حين أبى فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل أن يسري بهم في الليل، ويذهب بهم من قبضة فرعون، وقد بسط الله هذا المقام في غير هذه السورة الكريمة؛ وذلك أن موسى ﷺ لما خرج ببني إسرائيل أصبحوا وليس منهم بمصر لا داع ولا مجيب، فغضب فرعون غضباً شديداً ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الأعراف:١١١] أي: من يجمعون له الجند من بلدانه ورساتيقه].
والرستاق: هو ما يقال فيه: رزداق، وهو موضع فيه مزدرع وقرى.
وقد خرج موسى ببني إسرائيل وهم اليد العاملة، فلما أصبح فرعون لم يجد أحداً من بني إسرائيل، واليد العاملة كلها قد خرجت مع موسى، فغضب فرعون ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الأعراف:١١١]، وتبع موسى يريد أن ينتقم منه.
قال المؤلف ﵀: [يقول: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ [الشعراء:٥٤ - ٥٥]، ثم لما جمع جنده واستوسق له جيشه].
واستوسق بمعنى: اجتمع له جيشه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ساق في طلبهم، ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء:٦٠] أي: عند طلوع الشمس، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ [الشعراء:٦١] أي: نظر كل من الفريقين إلى الآخر، ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦١ - ٦٢].
ووقف موسى ببني إسرائيل: البحر أمامهم، وفرعون وراءهم، فعند ذلك أوحى الله إليه أن ﴿اضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه:٧٧]، فضرب البحر بعصاه وقال: انفلق بإذن الله، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، أي: الجبل العظيم، فأرسل الله الريح على أرض البحر فلفحته حتى صار يابساً كوجه الأرض، ولذلك قال: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا﴾ [طه:٧٧] أي: من فرعون، ﴿وَلا تَخْشَى﴾ [طه:٧٧] يعني: من البحر أن يغرق قومك].
قوله: ((لا تَخَافُ دَرَكًا)) أي: لا تخاف أن يدركك فرعون ويلحقك، ولا تخشى من البحر أن ينطبق على قومك فيغرقون، وهذا من عناية الله تعالى بموسى وبني إسرائيل، فقد جعل الله لهم مخرجاً على الرغم من أن العدو خلفهم والبحر أمامهم، فأمره الله فضرب البحر بعصاه فانفلق وصار طرقاً متعددة ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء:٦٣] أي: صارت أمواج البحر كأنها جبال والطرق يابسة يمشون عليها؛ فسلكوا هذه الطرق، فلما خرجوا من الجهة الأخرى تبعهم فرعون، فلما تكامل فرعون وقومه داخلون وتكامل موسى وقومه خارجون من الجهة الأخرى أمر الله البحر أن يعود إلى حالته، فانطبق على فرعون وجنوده، فكانوا من المغرقين، فذهبت أجسامهم للغرق، وأرواحهم للنار والحرق، نعوذ بالله نسأل السلامة والعافية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا قال: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا﴾ [طه:٧٧]، أي: من فرعون، ﴿وَلا تَخْشَى﴾ [طه:٧٧] يعني: من البحر أن يغرق قومك.
ثم قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ﴾ [طه:٧٨] أي: البحر ﴿مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه:٧٨] أي: الذي هو معروف ومشهور، وهذا يقال عند الأمر المعروف المشهور، كما قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [النجم:٥٣ - ٥٤]، وكما قال الشاعر: أنا أبو النجم وشعري شعري].
وصاحب البيت هو أبو النجم العجلي، وقوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه:٧٨] يعني: ما غشيهم من الموج المعروف.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أي: الذي يعرف وهو مشهور، وكما تقدمهم فرعون فسلك بهم في اليم فأضلهم وما هداهم إلى سبيل الرشاد، كذلك ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود:٩٨]].
стр. 643
تفسير قوله تعالى: (يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم)
قال الله تعالى: [قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى * كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى * وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٠ - ٨٢].
قال المؤلف ﵀: [يذكر تعالى نعمه على بني إسرائيل العظام ومننه الجسام حيث نجاهم من عدوهم فرعون، وأقر أعينهم منه، وهم ينظرون إليه وإلى جنده قد غرقوا في صبيحة واحدة لم ينج منهم أحد، كما قال تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة:٥٠].
وقال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: (لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وجد اليهود تصوم عاشوراء فسألهم، فقالوا: هذا اليوم الذي أظفر الله فيه موسى على فرعون، فقال ﷺ : نحن أولى بموسى، فصوموه)، رواه مسلم أيضاً في صحيحه.
ثم إنه تعالى واعد موسى ﷺ وبني إسرائيل بعد هلاك فرعون إلى جانب الطور الأيمن، وهو الذي كلمه تعالى عليه، وسأل فيه الرؤية، وأعطاه التوراة هنالك، وفي غضون ذلك عبد بنو إسرائيل العجل كما يقصه تعالى قريباً].
وهذا فيه بيان أن التوراة إنما أنزلت على موسى بعد هلاك فرعون، وفيه أن موسى سأل ربه الرؤية كذلك، كما قال الله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] أي: لما جاء للميقات الذي واعده ربه سأل الرؤية، فأخبره الله أنه لن يراه، وأمره أن ينظر إلى الجبل، فلما تجلى الله للجبل دُكَّ الجبل وخر موسى صعقاً، فلما أفاق من الغشي الذي أصابه: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣].
وفي الوقت الذي ذهب فيه موسى لميقات ربه عبد بنو إسرائيل العجل، وقد استخلف أخاه هارون عليهم، ولكنهم استضعفوا هارون ﵇ ولم يسمعوا كلامه، وأضلهم السامري، فقد صور لهم العجل من الحلي والذهب، فافتتنوا به وعبدوه من دون الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما المن والسلوى فقد تقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة وغيرها، فالمن حلوى كانت تنزل عليهم من السماء].
وسبق في سورة البقرة أنه نوع من العسل وقد يكون حلوى، المهم أنه شيء حلو المذاق فلا منافاة، وقد قرر الحافظ ابن كثير أنه إن جعل مع غيره صار فاكهة وحلوى، وإن جعل وحده صار غذاء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والسلوى: طائر يسقط عليهم، فيأخذون من كل قدر الحاجة إلى الغد لطفاً من الله ورحمة بهم وإحساناً إليهم، ولهذا قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه:٨١] أي: كلوا من هذا الرزق الذي رزقتكم، ولا تطغوا في رزقي فتأخذوه من غير حاجة، وتخالفوا ما آمركم به.
((فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي)) أي: أغضب عليكم ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ [طه:٨١].
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: أي: فقد شقى وقال شفي بن مانع: إن في جهنم قصراً يرمى الكافر من أعلاه فيهوي في جهنم أربعين خريفاً قبل أن يبلغ الصلصال؛ وذلك قوله: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ [طه:٨١] رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [طه:٨٢] أي: كل من تاب إلي تبت عليه من أي ذنب كان، حتى إنه تعالى تاب على من عبد العجل من بني إسرائيل].
وهذا يتحقق إذا كانت توبة صادقة ولو كانت من أعظم الذنوب وهو الشرك، فقد تاب الله على بني إسرائيل لما عبدوا العجل ووقعوا في الشرك، وعرض الله تعالى للمثلثة من النصارى عرض الله عليهم التوبة وذنبهم من أعظم الذنوب، قال الله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة:٧٣]، ثم قال سبحانه: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٧٤].
والمثلثة هم الذين يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، فكل من تاب من الذنب تاب الله عليه إذا تحققت الشروط، بأن يتخلى عن المعصية، ويندم على ما مضى منها، ويعزم على ألا يعود إليها، وتكون التوبة في وقت الإمكان قبل بلوغ الروح إلى الحلقوم، وقبل طلوع الشمس من مغربها في آخر الزمان، فمن تاب بهذه الشروط تاب الله عليه.
ولهذا قال : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]، وقد أجمعوا على أن هذه الآية في التائبين، ((إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا)) لمن تاب من أي ذنب ابتداءً الشرك فما دونه، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فهذه في غير التائبين؛ لأن الله أخبر أنه لا يغفر الشرك، وخص الشرك بأنه لا يغفر وعلق ما دون الشرك بأنه تحت المشيئة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ((تَابَ)) أي: رجع عما كان فيه من كفر أو شرك أو نفاق أو معصية.
وقوله: ((وَآمَنَ)) أي: بقلبه، ((وَعَمِلَ صَالِحًا)) أي: بجوارحه.
وقوله: ((ثُمَّ اهْتَدَى)) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: أي: ثم لم يشكك.
وقال سعيد بن جبير: ((ثُمَّ اهْتَدَى)) أي: استقام على السنة والجماعة، وروي نحوه عن مجاهد والضحاك وغير واحد من السلف.
وقال قتادة: ((ثُمَّ اهْتَدَى)) أي: لزم الإسلام حتى يموت.
وقال سفيان الثوري: ((ثُمَّ اهْتَدَى)) أي: علم أن لهذا ثواباً، و (ثم) هاهنا لترتيب الخبر على الخبر، كقوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد:١٧]].
وهذا فيه بيان فضل الله تعالى وإحسانه إلى عباده، وأنه يغفر لمن تاب من الذنب بشرط أن تكون التوبة صادقة، فيكون مصدقاً بقلبه مستقيماً على السنة وعلى الإسلام، فمن كان كذلك تاب الله عليه من أي ذنب كان.
стр. 644
تفسير سورة طه [٨٣ - ٩٨]
لما ذهب موسى إلى لقاء ربه قام بنو إسرائيل -لجهلهم وتعنتهم- بعبادة العجل الذي صنعه لهم السامري، فقام هارون ﵇ بتحذيرهم من ذلك حتى كادوا يقتلونه، فلما عاد موسى إليهم وقد أخبره الله بذلك عاد غضبان أسفاً بسبب فعلهم هذا.
стр. 645
تفسير قوله تعالى: (وما أعجلك عن قومك يا موسى)
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُوْلاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى * قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ [طه:٨٣ - ٨٥].
قال المؤلف ﵀: [لما سار موسى ﵇ ببني إسرائيل بعد هلاك فرعون، ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨ - ١٣٩] وواعده ربه ثلاثين ليلة، ثم أتبعها عشراً، فتمت أربعين ليلة، أي: يصومها ليلاً ونهاراً، وقد تقدم في حديث الفتون بيان ذلك، فسارع موسى ﵊ مبادراً إلى الطور، واستخلف على بني إسرائيل أخاه هارون، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُوْلاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ [طه:٨٣ - ٨٤] أي: قادمون ينزلون قريباً من الطور].
كان نبينا ﵊ يواصل الليل مع النهار صوماً، وهذا من خصائصه ﷺ ، فكان يواصل وينهى أصحابه عن ذلك فقالوا له: يا رسول الله! إنك تواصل، فقال: (إني لست كهيئتكم؛ إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني).
وقد اختلف العلماء في معنى قوله: (أبيت يطعمني ربي ويسقيني).
فقيل: إنه يؤتى بطعام وشراب من الجنة، ولكن هذا القول مرجوح، والصواب هو القول الثاني: أن الله يسر له من مواد أنسه، ونفحات قدسه، ولطائف معارفه ما يغنيه عن الطعام والشراب، ولأنه لو كان يؤتى بطعام ويسقى من الجنة ما كان مواصلاً، فهذا من خصائصه ﵊، فلا يستبعد أن يكون موسى أيضاً يصوم العشرة الأيام ليلاً ونهاراً.
قال المؤلف رحه الله: [﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:٨٤] أي: لتزداد عني رضا.
﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ [طه:٨٥]، أخبر تعالى نبيه موسى ﷺ بما كان بعده من الحدث في بني إسرائيل وعبادتهم العجل الذي عمله لهم ذلك السامري.
وفي الكتب الإسرائيلية أنه كان اسمه: هارون، وكتب الله تعالى له في هذه المدة الألواح المتضمنة للتوراة، كما قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف:١٤٥] أي: عاقبة الخارجين عن طاعة المخالفين لأمري].
وما دامت في كتب الإسرائيليات فهذا لا يعنينا، فإن الله قد أخبر أنه السامري].
стр. 646
تفسير قوله تعالى: (فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً)
قال الله تعالى: [﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي * قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ * أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ [طه:٨٦ - ٨٩].
قال المؤلف ﵀: [قوله: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [طه:٨٦] أي: بعدما أخبره تعالى بذلك في غاية الغضب والحنق عليهم، هو فيما هو فيه من الاعتناء بأمرهم، وتسلم التوراة التي فيها شريعتهم، وفيها شرف لهم، وهم قوم قد عبدوا غير الله ما يعلم كل عاقل له لب وحزم بطلان ما هم فيه، وسخافة عقولهم وأذهانهم.
(غضبان أسفاً)، والأسف: شدة الغضب.
وقال مجاهد: ((غَضْبَانَ أَسِفًا)) أي: جزعاً.
وقال قتادة والسدي: أسفاً حزيناً على ما صنع قومه من بعده.
((قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا)) أي: أما وعدكم على لساني كل خير في الدنيا والآخرة، وحسن العاقبة كما شاهدتم من نصرته إياكم على عدوكم، وإظهاركم عليه وغير ذلك من أيادي الله جل وعلا؟ ((أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ)) أي: في انتظار ما وعدكم الله، ونسيان ما سلف من نعمه، وما بالعهد من قدم، ((أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ)) (أم) هاهنا بمعنى: بل، وهي للإضراب عن الكلام الأول وعدول إلى الثاني، كأنه يقول: بل أردتم بصنيعكم هذا أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي، قالوا -أي: بنو إسرائيل- في جواب ما أنبهم موسى وقرعهم].
قرعهم يعني: وبخهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [((مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا)) أي: عن قدرتنا واختيارنا، ثم شرعوا يعتذرون بالعذر البارد يخبرونه عن تورعهم عما كان بأيديهم من حلي القبط الذي كانوا قد استعاروه منهم حين خرجوا من مصر.
((فَقَذَفْنَاهَا)) أي: ألقيناها عنا، وقد تقدم في حديث الفتون: أن هارون ﵊ هو الذي كان أمرهم بإلقاء الحلي في حفرة فيها نار، وهي في رواية السدي، عن أبي مالك عن ابن عباس ﵄: إنما أراد هارون أن يجتمع الحلي كله في تلك الحفيرة ويجعل حجراً واحداً حتى إذا رجع موسى ﵊ رأى فيه ما يشاء، ثم جاء بعد ذلك السامري فألقى عليها تلك القبضة التي أخذها من أثر الرسول، وسأل من هارون أن يدعو الله أن يستجيب له في دعوة، فدعا له هارون ﵊ وهو لا يعلم ما يريد، فأجيب له، فقال السامري عند ذلك أسأل الله أن يكون عجلاً، فكان عجلاً له خوار، أي: صوت، استدراجاً وإمهالاً ومحنة واختباراً، ولهذا قال: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [طه:٨٧ - ٨٨].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبادة بن البختري، حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حماد عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: أن هارون ﵊ مر بـ السامري وهو ينحت العجل، فقال له: ما تصنع؟ فقال: أصنع ما يضر ولا ينفع.
فقال هارون: اللهم! اعطه ما سأل على ما في نفسه، ومضى هارون ﵊، وقال السامري: اللهم! إني أسألك أن يخور فخار، فكان إذا خار سجدوا له، وإذا خار رفعوا رءوسهم.
ثم رواه من وجه آخر عن حماد، وقال: أعمل ما ينفع ولا يضر].
وهذا فيه ابتلاء من الله كما قال الله: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ [طه:٨٥].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال السدي: كان يخور ويمشي، فقالوا -أي: الضلال منهم الذين افتتنوا بالعجل وعبدوه-: ((هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ)) أي: نسيه هاهنا وذهب يتطلبه، كذا تقدم في حديث الفتون عن ابن عباس ﵄].
وقد سول لهم الشيطان ذلك، وهذا من العجائب، كيف تصل عقولهم إلى هذا التفكير وعندهم نبي كريم وهو هارون، وشاهدوا بأعينهم إهلاك الله لبني إسرائيل وفرعون والقبط، وشاهدوا كيف أنعم عليهم هذه النعم العظيمة، ومع ذلك عبدوا العجل، فبمجرد ما إن ذهب موسى لميقات ربه أربعين ليلة إذا بهم يعبدون العجل، ومعهم هارون لكنهم استضعفوه ولم يسمعوا كلامه، وكادوا يقتلونه، وقالوا: إن موسى نسي إلهه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وبه قال مجاهد، وقال سماك عن عكرمة عن ابن عباس ﵄: ﴿فَنَسِيَ﴾ أي: نسي أن يذكركم أن هذا إلهكم].
فالقول الأول: أنه نسي إلهه ههنا، والقول الثاني: نسي أن يذكركم أن هذا إلهكم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال محمد بن إسحاق: عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ فقال: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه:٨٨]، قال: فعكفوا عليه وأحبوه حباً لم يحبوا شيئاً قط، يعني: مثله].
وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة:٩٣]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة:٩٣] يعني: حب العجل، نعوذ بالله، فهذا من الابتلاء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول الله: ((فَنَسِيَ)) أي: ترك ما كان عليه من الإسلام -يعني السامري -.
قال الله تعالى رداً عليهم، وتقريعاً لهم، وبياناً لفضيحتهم وسخافة عقولهم فيما ذهبوا إليه: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ أي: العجل، أفلا يرون أنه لا يجيبهم إذا سألوه ولا إذا خاطبوه، ﴿وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ [طه:٨٩] أي: في دنياهم ولا في إخراهم.
قال ابن عباس ﵄: لا والله! ما كان خواره إلا أن يدخل الريح في دبره فيخرج فيسمع له صوت، وقد تقدم في حديث الفتون عن الحسن البصري ﵀: أن هذا العجل اسمه بهموت، وحاصل ما اعتذر به هؤلاء الجهلة أنهم تورعوا عن زينة القبط فألقوها عنهم، وعبدوا العجل، فتورعوا عن الحقير وفعلوا الأمر الكبير، كما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر ﵄: أنه سأله رجل من أهل العراق عن دم البعوض إذا أصاب الثوب -يعني: هل يصلي فيه أم لا-؟ فقال ابن عمر ﵄: انظروا إلى أهل العراق قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ -يعني الحسين - وهم يسألون عن دم البعوضة].
وهذا فيه بيان أن بني إسرائيل والعياذ بالله تورعوا بزعمهم، وأنهم أخذوا هذا الحلي من القبط، ويريدون أن يلقوها عنهم؛ لكي يتخلصوا من حق الغير من باب الورع، فلما ألقوها عبدوا العجل، ووقعوا في الشرك الذي هو أعظم، فتورعوا عن الأمر الحقير ووقعوا في الشيء الكبير، مثل أهل العراق فقد جاءوا يسألون ابن عمر يقولون: إذا أصاب ثوب الإنسان دم البعوضة فهل تصح الصلاة فيه أم لا تصح؟ أي: هل يصير الثوب نجساً؟ وهم قتلوا الحسين ابن بنت رسول الله، فتورعوا في الشيء القليل وتركوا الشيء العظيم.
نسأل الله السلامة والعافية.
وهذه الآية استدل بها العلماء على إثبات كلام الله ، وأن صفة الكلام صفة كمال، وأن عدم الكلام نقص يستدل به على عدم ألوهية العجل، ولهذا قال الله : ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ [طه:٨٩] فكيف يعبدون العجل وهو لا يكلمهم؟! وقال العلماء: إن بني إسرائيل مع كفرهم، وكونهم وقعوا في الشرك والكفر، وعبدوا العجل، صاروا أحسن حالاً من الجهمية والمعتزلة في هذه الحالة، فقد قال المعتزلة: إن الله لا يتكلم، وقال الله: ((أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا)) إنه لا يتكلم، فلو كانوا ينكرون الكلام لقالوا: وربك لا يتكلم أيضاً، لكنهم سكتوا، فالمعتزلة وقعوا في هوة سحيقة في هذه المسألة جعلتهم تحت اليهود الذين عبدوا العجل، فهم أحسن حالاً من هذه الجهة.
стр. 647
تفسير قوله تعالى: (ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به)
قال الله تعالى: [قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه:٩٠ - ٩١].
قال المؤلف ﵀: [يخبر تعالى عما كان من نهي هارون ﵇ لهم عن عبادتهم العجل، وإخباره إياهم إنما هذا فتنة لكم.
((وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ)) الذي خلق كل شيء فقدره تقديراً، ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج:١٥] الفعال لما يريد، ((فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي)) أي: فيما آمركم به، واتركوا ما أنهاكم عنه، ((قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى)) أي: لا نترك عبادته حتى نسمع كلام موسى فيه، وخالفوا هارون ﵇ في ذلك، وحاربوه وكادوا أن يقتلوه].
فلما صنع لهم السامري عجلاً جسداً له خوار شبه عليهم وفتنوا به وأحبوا العجل وعبدوه من دون الله، وقد نصحهم هارون ونهاهم، قال لهم: ((وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي))، وشدد عليهم حتى كادوا يقتلوه.
((قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى)) فلن نسمع كلامك، وإذا جاء موسى ننظر ماذا يقول، وقد ذهب موسى ﵇ لميقات ربه، وكلمه الله بخبر قومه عند جبل الطور ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ [طه:٨٥]، فلما جاء ووجدهم يعبدون العجل اشتد غضبه عليهم، حتى إنه ألقى الألواح التي معه فتكسرت، وكان فيها كلام الله، لكن الغاضب معذور، وأخذ برأس أخيه هارون وهو نبي مثله، وجعل يجره ويقول: كيف تركتهم يعبدون العجل؟ قال له هارون: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ [طه:٩٤]، وقال له: يبنؤم، من باب الاسترقاق، وإلا فهو أخوه لأبيه وأمه، ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [طه:٩٤]، وقال: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف:١٥٠].
فلما ذهب الغضب عن موسى ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأعراف:١٥١].
стр. 648
تفسير قوله تعالى: (قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا)
قال الله تعالى: [﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه:٩٢ - ٩٣]].
هذا كلام موسى بعد أن جاء من ميقات ربه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه:٩٤].
يخبر تعالى عن موسى ﵇ حين رجع إلى قومه فرأى ما قد حدث فيهم من الأمر العظيم، فامتلأ عند ذلك غضباً، وألقى ما كان في يده من الألواح الإلهية، وأخذ برأس أخيه يجره إليه.
وقد قدمنا في سورة الأعراف بسط ذلك، وذكرنا هناك حديث: (ليس الخبر كالمعاينة)].
ليس الخبر كالمعاينة؛ لأن موسى لما أخبره الله أنهم عبدوا العجل تأثر قليلاً، لكنه لما رآهم بعينه يعبدون العجل وعاينهم اشتد غضبه وألقى الألواح وتكسرت.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وشرع يلوم أخاه هارون ﵇، فقال: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ [طه:٩٢ - ٩٣] أي: فتخبرني بهذا الأمر أول ما وقع.
((أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي)) أي: فيما كنت قدمت إليك، وهو قوله: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف:١٤٢].
((قَالَ يَبْنَؤُمَّ)) فترقق له بذكر الأم، مع أنه شقيقه لأبويه؛ لأن ذكر الأم ههنا أرق وأبلغ في الحنو والعطف، ولهذا قال: ﴿يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ [طه:٩٤]، هذا اعتذار من هارون ﵇ لموسى ﵉ في سبب تأخره عنه، حيث لم يلحقه فيخبره بما كان من هذا الخطب الجسيم، قال: إني خشيت أن أتبعك فأخبرك بهذا فتقول لي: لم تركتهم وحدهم وفرقت بينهم؟ ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه:٩٤] أي: وما راعيت ما أمرتك به، حيث استخلفتك فيهم.
قال ابن عباس ﵄: وكان هارون هائباً مطيعاً له].
стр. 649
تفسير قوله تعالى: (قال فما خطبك يا سامري)
قال الله تعالى: [﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي * قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه:٩٥ - ٩٧].
قال المؤلف ﵀: [يقول موسى ﵇ للسامري: ما حملك على ما صنعت؟ وما الذي عرض لك حتى فعلت ما فعلت؟ قال محمد بن إسحاق: عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: كان السامري رجلاً من أهل باجرما].
وباجرما قرية من أعمال البليخ قرب الرقة من أرض الجزيرة من جهة العراق.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكان من قوم يعبدون البقر، وكان حب عبادة البقر في نفسه، وكان قد أظهر الإسلام مع بني إسرائيل، وكان اسمه موسى بن ظفر.
وفي رواية عن ابن عباس: أنه كان من كرمان، وقال قتادة: كان من قرية سامراء].
والكل في العراق.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [((قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ)) أي: رأيت جبريل حين جاء لهلاك فرعون، ((فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ)) أي: من أثر فرسه، هذا هو المشهور عند كثير من المفسرين أو أكثرهم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث أخبرنا عبيد الله بن موسى أخبرنا إسرائيل عن السدي عن أبي بن عمارة عن علي ﵁ قال: إن جبريل ﵇ لما نزل فصعد بموسى ﵇ إلى السماء بصر به السامري من بين الناس، فقبض قبضة من أثر الفرس، قال: وحمل جبريل موسى ﵉ خلفه، حتى إذا دنا من باب السماء صعد وكتب الله الألواح، وهو يسمع صرير الأقلام في الألواح، فلما أخبره: أن قومه قد فتنوا من بعده، قال: نزل موسى فأخذ العجل فأحرقه غريب].
المعراج خاص بنبينا ﷺ ، وما نعلم أن أحداً عرج به إلى السماء إلا عيسى ﵇، فقد رفع إلى السماء لما أراد اليهود قتله، وسينزل في آخر الزمان، وعلى كل حال فالحديث وإن كان رجاله ثقات فلا شك أنه غريب ومنكر وشاذ.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال مجاهد: ((فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ)) قال: من تحت حافر فرس جبريل، قال: والقبضة ملء الكف، والقبضة بأطراف الأصابع، قال مجاهد: نبذ السامري، أي: ألقى ما كان في يده على حلية بني إسرائيل، فانسبك عجلاً جسداً له خوار، حفيف الريح فيه فهو خواره].
أخذ قبضة من آثار حافر الفرس وألقاها على الحلي، وهو الذهب الذي أخذوه من القبط، فبعد هلاك فرعون جمعوا حلياً كثيراً فانسبك عجلاً، ولعله تكلم بكلمات كانت سبباً بإذن الله وقدره.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن يحيى أخبرنا علي بن المديني حدثنا يزيد بن زريع حدثنا عمارة حدثنا عكرمة: أن السامري رأى الرسول فألقي في روعه: أنك إن أخذت].
الرُوع هو القلب، أما الروع بفتح الراء فهو الخوف، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ [هود:٧٤] والرُوع هو القلب، ومنه قول الحديث: (إن روح القدس نفث في روعي: أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها).
والمقصود بالرسول: جبريل ﵇.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فألقي في روعه: أنك إن أخذت من أثر هذا الفرس قبضة فألقيتها في شيء فقلت له: كن فكان، فقبض قبضة من أثر الرسول، فيبست أصابعه على القبضة، فلما ذهب موسى للميقات، وكان بنو إسرائيل قد استعاروا حلي آل فرعون، فقال لهم السامري: إن ما أصابكم من أجل هذا الحلي فاجمعوه، فجمعوه، فأوقدوا عليه فذاب، فرآه السامري، فألقي في روعه: أنك لو قذفت هذه القبضة في هذه فقلت: كن فيكون، فقذف القبضة وقال: كن فكان عجلاً جسداً له خوار، فقال: ((هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى))، ولهذا قال: ((فَنَبَذْتُهَا)) أي: ألقيتها مع من ألقى].
حوكي في قلبه: أنه إذا أخذ قبضة من حافر الفرس ويبست، والحلي الذهب لما جمعوه في حفيرة فألقوه، ألقى القبضة عليه وقال: كن عجلاً، فكان بإذن الله وقدره، نعم، فقال لهم: هذا إلهكم، فعبدوه من دون الله، نعوذ بالله.
وهذا فيه ابتلاء وامتحان، فكيف يشاهدون حلياً جاءوا به من ديارهم من القبط وهو حلي يعرفونه، ثم يلقي عليه السامري قبضة ويصير عجل له خوار، فيعبدونه من دون الله، كيف يخفى عليهم؟! قال المؤلف رحمه الله تعالى: [((وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي)) أي: حسنته وأعجبها إذ ذاك.
﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ﴾ [طه:٩٧] أي: كما أخذت ومسست ما لم يكن لك أخذه ومسه من أثر الرسول فعقوبتك في الدنيا (أن تقول لا مساس) أي: لا تماس الناس ولا يمسونك، ((وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا)) أي: يوم القيامة، ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ [طه:٩٧] أي: لا محيد لك عنه].
وهذه عقوبة عاجلة من جنس عمله، فكما أنه مس شيئاً وأخذ ما لا يحق له أخذه صارت عقوبته في الدنيا: لا مساس، فلا تمسوني ولا أمسكم، وعقوبة الآخرة أشد، ولهذا قال: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ [طه:٩٧] أي: في الآخرة؛ لأنه دعا إلى الشرك والعياذ بالله، ودعا إلى عبادة العجل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال قتادة: ((أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ)) قال: عقوبة لهم، وبقاياهم اليوم يقولون: لا مساس.
وقوله: ((وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ)) قال الحسن وقتادة وأبو نهيك: لن تغيب عنه.
وقوله: ((وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ)) أي: معبودك، ((الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا)) أي: أقمت على عبادته، يعني: العجل.
((لَنُحَرِّقَنَّهُ)) قال الضحاك عن ابن عباس والسدي: سحله بالمبارد وألقاه على النار].
ومعنى سحله أي: حكه وقشره وبرده ثم ألقاه في اليم: وهو البحر، وموسى لديه قوة ﵊، فبنو إسرائيل استضعفوا هارون، ولم يسمعوا كلامه، فلما جاء موسى ﵇ كسر العجل، وسحله وألقاه في البحر، وعوقب السامري في الدنيا وفي الآخرة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال قتادة: استحال العجل من الذهب لحماً ودماً فحرقه بالنار ثم ألقى رماده في البحر، ولهذا قال: (ثم لننسفنه في اليم نسفاً)].
واستحال العجل، يعني: تحول العجل المصنوع من الذهب إلى لحم ودم، ولا شك في أنه حرقه، ثم ألقى رماده في البحر، وأما كونه تحول إلى لحم ودم فالله أعلم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: حدثنا عبد الله بن رجاء قال: أنبأنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمارة بن عبد الله وأبي عبد الرحمن عن علي ﵁ قال: إن موسى لما تعجل إلى ربه عمد السامري فجمع ما قدر عليه من حلي نساء بني إسرائيل، ثم صوره عجلاً، قال: فعمد موسى ﵇ إلى العجل، فوضع عليه المبارد فبرده بها وهو على شط نهر، فلم يشرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد العجل إلا اصفر وجهه مثل الذهب، فقالوا لموسى: ما توبتنا؟ قال: يقتل بعضكم بعضاً، وهكذا قال السدي].
كما قال الله في آية البقرة: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٥٤].
وقد سبق قراءة هذه الآية من سورة البقرة، وأنه جاءتهم ظلمة وكانت توبتهم بأن يأخذوا السيوف والخناجر فيقتل بعضهم بعضاً في الظلمة، حتى انجلى القتل عن آلاف مؤلفة، فكانت هذه توبتهم، حتى ناشد موسى ربه، وقال: رب فنيت بنو إسرائيل، نسأل الله السلامة والعافية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد تقدم في تفسير سورة البقرة في حديث الفتون بسط ذلك.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه:٩٨] يقول لهم موسى ﵇: ليس هذا إلهكم، إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو، ولا تنبغي العبادة إلا له، فإن كل شيء فقير إليه عبد له].
لا إله إلا هو كلمة التوحيد، وتعني: لا معبود بحق سواه، والإله هو المعبود، ولا: نافية للجنس، وهي من أخوات (إن) تنصب الاسم وترفع الخبر، وإله اسمها، والخبر محذوف تقديره حق، لا إله حق إلا الله، والمعنى: لا معبود حق إلا الله، فقوله: ((إِنَّمَا إِلَهُكُمُ)) يعني: معبودكم بالحق هو الله، وأما هذا العجل فليس إلهكم، وكيف يخفى هذا على بني إسرائيل؟! فأين ذهبت عقولهم؟! وكيف ضاعت العقول؟! نسأل الله العافية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه:٩٨] نصب على التمييز، أي: هو عالم بكل شيء].
((علماً)) منصوب على التمييز.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢
стр. 650
الأسئلة
стр. 651
حكم الاهتمام بآثار الرسول وزيارتها
السؤال
هل يجوز الاهتمام بآثار الرسول ﷺ ، وزيارتها مثل: غار حراء وغار ثور وغيرها من آثاره؟ وما رأيكم فيمن يهتم بآثار التاريخ كآثار الفراعنة وغيرهم؟
الجواب
هذا ليس مشروعاً، فقد سبق معنا في البخاري: أن ابن عمر ﵁ كان يتتبع آثار النبي ﷺ ، وأن هذا اجتهاد له خاص، وأن كبار الصحابة كأبيه عمر وأبو بكر لم يتتبعوا آثار النبي ﷺ ، لكن إذا زاره الإنسان من باب النزهة أو التفرج لا أن يعتقد فيه فضيلة فلا بأس في ذلك.
وأما ما يفعله بعض الناس من كونهم يزورون بعض الآثار ويتتبعونها مثل غار حراء وجبل ثور فكل هذا ليس بمشروع، وليس من العبادة في شيء.
стр. 652
الفرق بين صحف موسى والتوراة
السؤال
هل هناك فرق بين صحف موسى وبين التوراة؟
الجواب
نعم، فالتوراة كتاب أنزله الله على موسى، والصحف كأنها غير التوراة، فكأنها مواعظ وعبر.
стр. 653
تفسير سورة طه [٩٩ - ١١١]
قص الله تعالى في هذا القرآن للنبي ﷺ من أخبار الأمم الماضية، ما حصل لهم من المحن والابتلاءات، وعاقبة ذلك في الدنيا والآخرة.
стр. 654
تفسير قوله تعالى: (كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق)
قال الله تعالى: [قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ [طه:٩٩ - ١٠١].
قال المؤلف ﵀: [يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ : كما قصصنا عليك خبر موسى وما جرى له مع فرعون وجنوده على الجلية والأمر الواقع، كذلك نقص عليك الأخبار الماضية كما وقعت من غير زيادة ولا نقص، هذا (وقد آتيناك من لدنا) أي: من عندنا ذكراً، وهو القرآن العظيم الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، الذي لم يعط نبي من الأنبياء منذ بعثوا إلى أن ختموا بمحمد ﷺ كتاباً مثله، ولا أكمل منه، ولا أجمع لخبر ما سبق، وخبر ما هو كائن، وحكم الفصل بين الناس منه، ولهذا قال تعالى: ((مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ))].
يعني: هذا الكتاب العظيم وهو كتاب الله القرآن العظيم الذي أنزله على نبينا محمد ﷺ ، وهو أجمع كتاب وأفضل كتاب، فيه أخبار الماضين والسابقين واللاحقين، وأخبار الغيوب المستقبلة من أشراط الساعة والبعث والجزاء والحساب، وفيه الحكم في فصل المنازعات والخصومات، فكل خصومة جاء ذكرها في القرآن حلها وفصلها، وهو خاتم الكتب السماوية، والمهيمن عليها، والحاكم بينها: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة:٤٨].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا قال تعالى: ((مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ)) أي: كذب به وأعرض عن اتباعه أمراً وطلباً، وابتغى الهدى في غيره، فإن الله يضله ويهديه إلى سواء الجحيم].
والقرآن فيه الأوامر والأخبار، ومن أعرض عنه خبراً وأمراً فإنه ضال، والواجب على كل إنسان أن يصدق بأخباره، وأن ينفذ أوامره، فالأخبار تصدق والأوامر تنفذ، وتلاوة القرآن حق التلاوة: أن تصدق أخباره، وتنفذ أوامره، فإن تلاوة القرآن نوعان: تلاوة لفظية وهي قراءة القرآن، وهذه عبادة، فيتعبد الله المسلمين بتلاوة الكتاب، وقد جاء في حديث ابن مسعود: (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف).
والنوع الثاني: تلاوة حكمية، وهي تنفيذ أوامره، وتصديق أخباره، وهذه هي الغاية من إنزال الكتاب، وعليها مدار السعادة والشقاوة، فقد يتلو الإنسان القرآن تلاوة لفظية، لكنه لا يعمل بها، فتقوم عليه الحجة ويكون من الأشقياء، قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة:١٢١].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا قال: ((مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا)) أي: إثماً، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود:١٧]، وهذا عام في كل من بلغه القرآن من العرب والعجم أهل الكتاب وغيرهم.
كما قال: ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩] فكل من بلغه القرآن فهو نذير له وداع، فمن اتبعه هدي، ومن خالفه وأعرض عنه ضل وشقي في الدنيا والنار موعده يوم القيامة، ولهذا قال: ((مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا)).
((خَالِدِينَ فِيهِ)) أي: لا محيد لهم عنه ولا انفكاك، ((وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا)) أي: بئس الحمل حملهم].
стр. 655
تفسير قوله تعالى: (يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً)
قال الله تعالى: [﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه:١٠٢ - ١٠٤].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثبت في الحديث أن رسول الله ﷺ سئل عن الصور فقال: (قرن ينفخ فيه)، وقد جاء في حديث الصور من رواية أبي هريرة ﵁: أنه قرن عظيم، الدائرة منه بقدر السموات والأرض ينفخ فيه إسرافيل ﵇].
الصور فيه دوائر، والدائرة مثل أطباق السماوات والأرض، فينفخ فيه إسرافيل بأمر الله ، ينفخ فيه نفختين: النفخة الأولى تسمى نفخة الصعق والموت، فأولها فزع وآخرها صعق وموت، فأول ما ينفخ في الصور يخرج صوت ليس بقوي، ولا يزال الصوت يقوى يقوى يقوى حتى يموت الناس، فأوله فزع، كما قال سبحانه في سورة النمل: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل:٨٧]، وآخره صعق وموت كما قال تعالى في سورة الزمر قال سبحانه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨]، فإذا مات الناس بقوا أربعين، فينزل الله مطراً تنبت منه أجساد الناس، وينشأ الناس تنشئة قوية، وتبدل الصفات، وتبقى الذوات كما هي، فإذا تم خلقهم أمر الله إسرافيل فنفخ في الصور النفخة الثانية، وهي نفخة البعث، فتتطاير الأرواح إلى أجسادها، وتدخل كل روح في جسدها، فيقوم الناس فينفضون التراب عن رءوسهم للحساب، ويقفون بين يدي الله، وهذا هو معنى قوله: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨].
وجاء في حديث الصور أنها ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة البعث، ونفخة الموت، لكن الحديث ضعيف، والصواب أنهما نفختان، لكن الأولى طويلة، وأولها فزع وآخرها صعق وموت، ثم النفخة الثانية نفخة البعث.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وجاء في الحديث: (كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته وانتظر أن يؤذن له فقالوا: يا رسول الله! كيف نقول؟ قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا)].
والمقصود بصاحب القرن: إسرافيل ﵊.
وقد ذكر ابن كثير هذا الحديث في تفسير سورة الأنعام، وقال: هذا حديث غريب، وقد أخرجه الترمذي عن عطية عن أبي سعيد، قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقال صاحب تحفة الأحوذي: وأخرجه الحاكم وصححه.
قال الحافظ في الفتح بعد ذكر حديث أبي سعيد هذا: وأخرجه الطبراني من حديث زيد بن أرقم وابن مردويه من حديث أبي هريرة، ولـ أحمد والبيهقي من حديث ابن عباس وفي أسانيد كل منها مقال، فإذا كانت الأسانيد كلها تدور على من فيه مقال فلا فائدة منها، وإن كانت متعددة الأسانيد فإن بعضها يشد بعضاً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾، قيل: معناه زرق العيون من شدة ما هم فيه من الأهوال].
وهذا وصف المجرمين نسأل الله العافية: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه:١٠٢] أي: زرق العيون من شدة الأهوال التي تصيبهم، أما المؤمن فإنه لا يصيبه ذلك، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر:٨ - ١٠]، نسأل الله العافية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [((يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ)) قال ابن عباس ﵄: يتسارون بينهم، أي: يقول بعضهم لبعض: ((إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا)) أي: في الدار الدنيا، لقد كان لبثكم فيها قليلاً عشرة أيام أو نحوها.
قال الله تعالى: ((نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ)) أي: في حال تناجيهم بينهم، ((إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً)) أي: العاقل الكامل فيهم، ((إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا)) أي: لقصر مدة الدنيا في أنفسهم يوم المعاد].
يعني: ذهبت الدنيا وكأنها يوم.
((يَتَخَافَتُونَ)) يعني: يتناجون سراً فيما بينهم ((إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا)).
قال الله: ((نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً)) أي: أحسنهم عقلاً يقول: ما لبثتم إلا يوماً واحداً، فالدنيا قلت في نفوسهم لما رأوا الأهوال.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لأن الدنيا كلها، وإن تكررت أوقاتها وتعاقبت لياليها وأيامها وساعاتها كأنها يوم واحد ولهذا يستقصر الكافرون مدة الحياة الدنيا يوم القيامة، وكان غرضهم في ذلك درء قيام الحجة عليهم لقصر المدة].
قصدهم من قولهم: إن الدنيا قصيرة لكي لا تقوم عليهم الحجة، ولهذا إذا سألهم الله يوم القيامة: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٢ - ١١٥] قصدهم من هذا: إنكار طول المدة؛ حتى لا تقوم عليهم الحجة، والحجة قائمة عليهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٥٥ - ٥٦]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧]، وقال تعالى: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون:١١٢ - ١١٤] أي: إنما كان لبثكم فيها قليلاً لو كنتم تعلمون لآثرتم الباقي على الفاني، ولكن تصرفتم فأسأتم التصرف، قدمتم الحاضر الفاني على الدائم الباقي].
стр. 656
تفسير قوله تعالى: (ويسألونك عن الجبال فلا تسمع إلا همساً)
قال الله تعالى: [﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا * يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه:١٠٥ - ١٠٨].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى: ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ)) أي: هل تبقى يوم القيامة أو تزول؟ ((فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا)) أي: يذهبها عن أماكنها ويمحقها ويسيرها تسييراً ((فَيَذَرُهَا)) أي: الأرض، ((قَاعًا صَفْصَفًا)) أي: بساطاً واحداً، والقاع: هو المستوي من الأرض والصفصف: تأكيد لمعنى ذلك].
والقاع هو الذي يرى فيه سراب، وليس فيه ارتفاع ولا جبال.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقيل: الذي لا نبات فيه، والأول أولى، وإن كان الآخر مراداً أيضاً باللازم].
إن الأرض يوم القيامة يزال ما عليها من الجبال والارتفاعات فتكون مستوية، ((قَاعًا صَفْصَفًا)) * ((لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا)) فليس فيها جبال ولا نبات، وتمد الأرض كما يمد الأديم، وتبسط وتستوي، فيكون هناك الحساب على راحة الأرض بعد استوائها، ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ [إبراهيم:٤٨]، وهذا تبديل صفات لا تبديل ذات، فإنها تمد كما يمد الأديم، فيزال ما عليها من الجبال، فتكون قاعاً صفصفاً، فيكون الحساب عليها، كما أن جلود الكفار تبدل كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء:٥٦]، وهذا تبديل صفات لا تبديل ذوات، خلافاً لأهل البدع كالجهمية وغيرهم الذين يقولون: إن الجلود تبدل بجلود أخر، فينسبوا الظلم إلى الله، تعالى الله عما يقولون، فمعنى الآية: إذا نضجت جلودهم بدلت وجددت؛ ليذوقوا العذاب.
كما أن الإنسان يبعث يوم القيامة بذاته، ويبدأ خلقه من عجب الذنب، خلافاً للجهم بن صفوان قبحه الله، الذي يقول: إن الإنسان يبلى ويبعث إنساناً آخر، يعني: يبعث شخصاً آخر غير الذي مات، وهذا من أبطل الباطل، فلما قال الجهم كذلك فتح باباً لـ ابن سينا بأن أنكر المعاد وأنكر البعث، وقال: ما دام أن الذي يبعث شخص آخر فلا يوجد بعث للأجساد وإنما البعث يكون للأرواح، قال هذا في رسالة له أنكر فيها البعث، وهذا كفر، فمن أنكر البعث للأجساد فهو كافر بإجماع المسلمين وبنص القرآن، قال الله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧] وقد أمر النبي ﷺ أن يقسم على البعث وعلى الساعة في ثلاثة مواضع: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ:٣]، وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس:٥٣] فالفلاسفة الذين ينكرون بعث الأجساد كفار بإجماع المسلمين، مثل: ابن سينا والفارابي وأرسطو وكل هؤلاء ملاحدة؛ لأنهم ينكرون بعث الأجساد.
وأرسطو هو أول من قال بقدم العالم، وكان شيخه سقراط وشيخه أفلاطون كلهم يعظمون الشرائع والإلهيات، ويقولون بحدوث العالم، فلما جاء أرسطو ابتدع القول بقدم العالم، وقال: إن العالم قديم ليس له أول ولا بداية، وهذا إنكار لله، نسأل الله العافية.
ومن قال: إن البعث للروح دون الجسد فهو كافر، والجهم هو الذي فتح لهم الباب؛ لأن الجهم قال: إن الذوات تفنى وتبعث ذوات أخرى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا قال: ((لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا)) أي: لا ترى في الأرض يومئذ وادياً ولا رابية، ولا مكاناً منخفضاً ولا مرتفعاً، كذا قال ابن عباس ﵄ وعكرمة ومجاهد والحسن البصري والضحاك وقتادة وغير واحد من السلف.
((يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ)) أي: يوم يرون هذه الأحوال والأهوال يستجيبون مسارعين إلى الداعي، حيثما أمروا بادروا إليه ولو كان هذا في الدنيا لكان أنفع لهم، ولكن حيث لا ينفعهم لا ينفعهم].
فالمبادرة والاستجابة في الدنيا ينتفع بها صاحبها، لكن الاستجابة يوم القيامة للداعي لا ينفعهم؛ لأن الدنيا هي دار العمل وقد انتهت.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما قال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم:٣٨]، وقال: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ [القمر:٨].
وقال محمد بن كعب القرظي: يحشر الله الناس يوم القيامة في ظلمة، ويطوي السماء، وتتناثر النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادي مناد، فيتبع الناس الصوت فيأتونه، فذلك قوله: ((يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ))، وقال قتادة: (لا عوج له) لا يميلون عنه، وقال أبو صالح: (لا عوج له) أي: لا عوج عنه].
يعني: أنهم يتبعون صوت الداعي ولا يميلون ولا ينحرفون عنه، بل يسمعونه ويقصدونه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ((وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ)) قال ابن عباس ﵄: سكنت، وكذا قال السدي.
((فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا)) قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: يعني: وطء الأقدام، وكذا قال عكرمة ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس وقتادة وابن زيد وغيرهم.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: ((فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا)) الصوت الخفي، وهو رواية عن عكرمة والضحاك.
وقال سعيد بن جبير: ((فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا)) الحديث وسره، ووطء الأقدام، فقد جمع سعيد كلا القولين، وهو محتمل.
أما وطء الأقدام: فالمراد سعي الناس إلى المحشر، وهو مشيهم في سكون وخضوع، وأما الكلام الخفي: فقد يكون في حال دون حال، فقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود:١٠٥]].
ولذلك فإن مشاهد القيامة متعددة، ففيه مشهد لا يتكلم فيه أحد، كما أخبر الله عن الكفار أنهم يحشرون على وجوههم صماً وعمياً وبكماً، وفي مشهد يتكلمون وينطقون وينكرون فيه، قال الله عنهم: ﴿قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣].
стр. 657
تفسير قوله تعالى: (يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن)
قال الله تعالى: [﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا * وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه:١٠٩ - ١١١] قال المؤلف ﵀: [يقول تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ) [طه:١٠٩] أي: يوم القيامة، ((لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ [طه:١٠٩] أي: عنده، ((إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا))، كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]].
والشفاعة لابد فيها من توفر هذين الشرطين: إذن الله للشافع بأن يشفع، ورضاه عن المشفوع عنه، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال سبحانه: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، وقد جمع الله بين الشرطين في قوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦]، وكما في هذه الآية: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه:١٠٩].
فلابد من الإذن للشافع، حتى ولو كان أوجه الناس وهو نبينا محمد ﷺ فلا يبدأ بالشفاعة مباشرة، وإنما يسجد تحت العرش، ويحمد الله ويلهمه محامد لا يحصيها، ثم يأذن الرب سبحانه فيقال: (يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطى، واشفع تشفع)، ثم بعد ذلك إذا شفع في العصاة فيحد الله له حداً من كذا إلى كذا، فيجعل له علامة يشفع فيهم ويخرجهم من النار، وهم من رضي الله قولهم، وهم العصاة من أهل التوحيد، أما الكفرة فلا تكتب لهم الشفاعة، قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، ولا يقبل الله أقوالهم ولا أعمالهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨]، وقال: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٣]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ:٣٨].
وفي الصحيحين من غير وجه عن رسول الله ﷺ ، وهو سيد ولد آدم وأكرم الخلائق على الله ، أنه قال ﷺ : (آتي تحت العرش، وأخر لله ساجداً، ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن، فيدعني ما شاء أن يدعني، ثم يقول: يا محمد! ارفع رأسك، وقل تسمع، واشفع تشفع، فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة، ثم أعود) فذكر أربع مرات، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء].
وثبت في الأحاديث الصحيحة أنه ﷺ يشفع أربع شفاعات، في كل مرة يحد الله له حداً من الناس فيدخلهم الجنة، جاء في بعضها: أن الله تعالى يشفع فيه، فيقول الله: (أخرج من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، وفي المرة الثانية: أخرج من كان في قلبه مثقال نصف دينار، -وفي بعضها يقول في المرة الثالثة- أخرج من كان في قلبه مثقال حبة من خردل، وفي بعض الروايات: أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الحديث أيضاً: (يقول تعالى: أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقول: أخرجوا من النار من كان في قلبه نصف مثقال من إيمان، أخرجوا من النار من كان في قلبه ما يزن ذرة، من كان في قلبه أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان) الحديث].
وذلك أن المعاصي -وإن عظمت وكثرت- لا تقضي على الإيمان، بل لا بد أن يبقى بقية من الإيمان، فلا يخلد صاحبها في النار، ويخرج بهذا الإيمان من النار، فالمعاصي -وإن كثرت وعظمت- لا تقضي على الإيمان؛ لكنها تضعفه ولا يبقى إلا أقل القليل، وهذا القليل يُخرج صاحبه من النار، ولا ينتهي الإيمان إلا إذا وجد الكفر الأكبر، أو الشرك الأكبر، أو النفاق الأكبر، فهذا هو الذي يقضي على الإيمان، وبه ينتهي الإيمان، ولا يبقى منه شيء ولا مثقال ذرة.
والمرء إذا قال: لا إله إلا الله، وأتى بناقض من نواقض الإسلام، فإنه يبطل توحيده وإيمانه، والصلاة تبطل مع عدم صحة الإيمان، ولو توضأ الإنسان وتطهر وأحسن الطهارة، ثم خرج منه ريح أو بول فإنه تنقض الطهارة وتزول، فكذلك إذا كان الإنسان يقول: لا إله إلا الله، وكان موحداً ويصلي، ثم سب الله، أو سب الرسول، أو قال: إن محمداً رسول للعرب خاصة، أو قال: إن رسالة محمد ليست للثقلين، أو ليس خاتم النبيين بل بعده رسول، أو شك في ربوبية الله أو في ألوهيته، أو شك في ملك من الملائكة، أو شك في البعث، أو في الجنة، أو في النار، فإنه يبطل توحيده.
فكذلك إذا قال: لا إله إلا الله، ووحد الله، ولم يصل، فإنه يبطل توحيده؛ لأن الصلاة شرط في صحة التوحيد كما أن الطهارة شرط في صحة الصلاة، فالصلاة شرط في صحة الدين.
فالصلاة لا بد منها في الإيمان، والذي لا يصلي ليس عنده إيمان.
والزكاة إذا أنكرها الإنسان جاحداً بوجوبها كفر، وإن منعها بخلاً وتهاوناً يفسق، وتؤخذ منه ويؤدب، ولا يكفر على الصحيح، وقال بعض العلماء بكفره، فإن بعض العلماء يرى أن ترك الزكاة كفر، وترك الصيام كفر، وترك الحج كفر كالصلاة.
والصواب: أن هذا خاص بالصلاة؛ لأن الصلاة جاء فيها من الأدلة ما لم يأت في غيرها، وعلى هذا فإن ترك الصلاة كفر، وأما ترك الزكاة تهاوناً وكسلاً، وترك الصوم تهاوناً أو الحج فلا يكون كفراً أكبر، وإنما يكون فاعل ذلك مرتكب كبيرة، فيعزر وعليه الوعيد الشديد، ولا يكفر إلا إذا جحد، فإذا جحد وجوب الزكاة أو وجوب الصوم أو وجوب الحج كفر، وهذا بالإجماع.
وأما إذا لم يجحد وجوب الزكاة لكن تركها بخلاً، ويعلم أن الصوم واجب وأفطر كسلاً، فإنه لا يكفر، وعليه الوعيد الشديد.
وبعض أهل العلم يرى أنه إذا ترك ركناً من أركان الإسلام فإنه يكفر، كالزكاة والصوم ولو أقر بوجوبها.
وإذا منعوها وقاتلوا عليها هذا يدل على جحدهم، وأما لو منعوها ولم يقاتلوا عليها فإنها تؤخذ منهم ويعزرون، فالإنسان إذا منعها وقاتل عليها هذا يدل على جحوده، فيعامل معاملة الكفار.
وجاء عن شقيق بن عبد الله أنه قال: كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئاً تركه كفر غير الصلاة.
قال الله تعالى: [وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [طه:١١٠] أي: يحيط علماً بالخلائق كلهم ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه:١١٠]، كقوله: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه:١١١] قال ابن عباس ﵄ وغير واحد: خضعت وذلت واستسلمت الخلائق لجبارها الحي الذي لا يموت، القيوم الذي لا ينام، وهو قيم على كل شيء يدبره ويحفظه، فهو الكامل في نفسه، الذي كل شيء فقير إليه، لا قوام له إلا به].
قوله: (الحي القيوم) قيل: إن هذا هو الاسم الأعظم، وقد جمع الله بين هذين الاسمين في ثلاثة مواضع في كتابه، قال تعالى في آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال في أول سورة آل عمران: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران:١ - ٣]، وقال في هذه الآية في سورة طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه:١١١].
وجميع الصفات والأسماء ترجع إلى هذين الاسمين، كالعلم والقدرة والسمع وغيرها من الصفات الذاتية، وكذلك الصفات الفعلية.
والقيوم هو: القائم بنفسه المقيم لغيره، فهو القائم بنفسه الذي لا يحتاج إلى أحد، المقيم لغيره فلا قيام لأحد إلا به .
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه:١١١] أي: يوم القيامة؛ فإن الله سيؤدي كل حق إلى صاحبه، حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء].
قوله: حتى يقاد للشاة الجلحاء، هذا جاء في حديث: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) والشاة الجلحاء هي: التي ليس لها قرون، فإذا نطحتها الشاة التي لها قرون فإنها تقتص منها يوم القيامة، يقول رسول الله: (فيقص بعضهم من بعض، ثم يقول الله لها: كوني تراباً)، فالحيوانات تبعث، فيقص من بعضها لبعض، ثم إذا انتهى القصاص يقول الله لها: (كوني تراباً)؛ لأنها ليس لها جنة ولا نار، وليس عليها حساب ولا عذاب، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الحديث (يقول الله : وعزتي وجلالي! لا يجاوزني اليوم ظلم ظالم).
وفي الصحيح (إياكم والظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة)، والخيبة كل الخيبة لمن لقي الله وهو به مشرك؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]].
فالظالم متوعد بال
стр. 658
تفسير سورة طه [١١٢ - ١٢٦]
لقد وعد الله من عمل الصالحات وهو مؤمن أن يحييه حياة طيبة، وأن يجزيه أجره بأحسن ما عمل، ووعده بعدم الضلال في الدنيا، وعدم الشقاء في الآخرة.
وأوعد من أعرض عن دينه بالمعيشة الضنك في الدنيا والآخرة، فيكون أعمى البصر والبصيرة، فلا يرى الحق ولا يعيه وينتبه لما يضره.
стр. 659
تفسير قوله تعالى: (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً)
قال الله تعالى: [وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لما ذكر الظالمين ووعيدهم ثنى بالمتقين وحكمهم، وهو أنهم لا يظلمون ولا يهضمون، أي: لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم، قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك والحسن وقتادة وغير واحد.
فالظلم: الزيادة بأن يحمل عليه ذنب غيره، والهضم النقص].
وهذا فيه أن الله تعالى أمن عباده من الظلم، كما قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢]، والظلم هو: أن يحمل عليه سيئات غيره، والهضم هو: أن ينقص من ثواب حسناته، فالله أمنه من أن يوضع عليه سيئات غيره، أو ينقص من حسناته.
وهذا فيه دليل على أن الظلم مقدور لله، لكن الله تنزه عنه ونفاه، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢]، وقال: ﴿لا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٧].
وفي حديث أبي ذر يقول الرب : (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا) فالظلم يقدر عليه الرب ولكن الله تنزه عنه، فحرمه على نفسه ونفاه وهو قادر عليه، وهذا خلافاً للجبرية والجهمية والأشاعرة، فإنهم يقولون: إن الظلم غير مقدور لله، والظلم عندهم من الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة، وهو عندهم مستحيل، كالجمع بين الضدين، وقالوا: كل شيء يدخل تحت القدرة فليس لله أن يفعله، تعالى الله عما يقولون.
وقالوا: إن لله تعالى أن يقلب التشريعات والجزاءات، فيجعل العفة محرمة، والزنا واجباً، والكفر إيماناً والإيمان كفراً، نعوذ بالله؛ لأن الله يفعل في ملكه ما يشاء، هكذا يقولون، وينكرون الحكمة، وينكرون الحكم، ويقولون إن الظلم عبارة عن الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة، والظلم لا يكون إلا من مأمور منهي، والله ليس فوقه آمر ولا ناهي، فله أن يفعل ما يشاء، وإذا فعل ما يشاء فلا يكون ظلماً، فلو قلب التشريعات والجزاءات، وأبطل حسنات الأبرار والأنبياء، وحملهم سيئات الفجار، وعذب الأبرار بالنار، لما كان هذا ظلماً؛ لأنه تصرف في ملكه بما يشاء، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، وبقوله ﷺ : (لو عذب أهل السموات والأرض لعذبهم وهو غير ظالم لهم)، وهذا من جهلهم وضلالهم؛ فإن الله حكيم، والظلم مقدور لله، ولكن الله تنزه عنه، ومعنى قوله: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء:٢٣] أي: لا يسأل لكمال حكمته؛ لأنه حكيم، فلكمال حكمته لا يسأل.
وقولهم: لو عذب أهل السموات والأرض لعذبهم وهو غير ظالم لهم، أي: أنه لو حاسب الله عباده بأعمالهم وبنعمه عليهم لكانوا مدينين له، وحينئذ لو وضع عدله فيهم لعذبهم وهو غير ظالم لهم، لكنه سبحانه لا يفعل ذلك.
فالجبرية مذهبهم باطل، فإنهم يقولون: الظلم هو الممتنع الذي لا يدخل تحت القدرة، وعلى عكسهم المعتزلة والقدرية، فإنهم يقولون: الظلم: كل ما كان من العبد ظلماً وقبيحاً، فيكون ظلماً وقبيحاً من الله تعالى، وأهل السنة قالوا: الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وهو أن يحمل أحداً أوزار غيره، أو يمنعه من ثواب عمله، كما في هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه:١١٢]، فالظلم تنزه عنه الرب سبحانه، ونفاه، وحرمه على نفسه، وهو قادر.
стр. 660
تفسير قوله تعالى: (وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً)
قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٣ - ١١٤].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى: ولما كان يوم المعاد والجزاء بالخير والشر واقعاً لا محالة أنزلنا القرآن بشيراً ونذيراً بلسان عربي مبين فصيح لا لبس فيه ولا عي.
((وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)) أي: يتركون المآثم والمحارم والفواحش، ((أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا)) وهو إيجاد الطاعة وفعل القربات، ((فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ)) أي: تنزه وتقدس الملك الحق، الذي هو حق، ووعده حق، ووعيده حق، ورسله حق، والجنة حق، والنار حق، وكل شيء منه حق، وعدله تعالى ألا يعذب أحداً قبل الإنذار وبعثة الرسل، والإعذار إلى خلقه؛ لئلا يبقى لأحد حجة ولا شبهة.
وقوله: ((وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ)) كقوله تعالى في سورة: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة:١] ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٦ - ١٩].
وثبت في الصحيح عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يعالج من الوحي شدة، فكان مما يحرك به لسانه، فأنزل الله هذه الآية، يعني: أنه ﵊ كان إذا جاءه جبريل بالوحي كلما قال جبريل آية قالها ﷺ معه؛ من شدة حرصه على حفظ القرآن، فأرشده الله تعالى إلى ما هو الأسهل والأخف في حقه؛ لئلا يشق عليه، فقال: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٦ - ١٧] أي: أن نجمعه في صدرك، ثم تقرأه على الناس من غير أن تنسى منه شيئاً، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٨ - ١٩].
وقال في هذه الآية: ((وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا)) أي: بل أنصت، فإذا فرغ الملك من قراءته عليك فاقرأه بعده، ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ أي: زدني منك علماً].
وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه إلى نبيه، فإنه كان ﵇ يعاني من الوحي شدة، وكان إذا قرأ جبريل يحرك لسانه بالقرآن؛ يخشى أن ينساه، فأمره الله أن ينصت، ووعده أن يجمعه في صدره ويثبته في قلبه، ونزل قوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٦ - ١٧] أي: إن علينا أن نجمعه في صدرك، ثم تقرأه بعد ذلك، فكان ينصت، فإذا انطلق جبريل قرأه كما جاء به؛ لأن الله ثبته في صدره.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال في هذه الآية: ((وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا)) أي: بل أنصت فإذا فرغ الملك من قراءته عليك فاقرأه بعده، ((وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا)) أي: زدني منك علماً.
قال ابن عيينة ﵀: ولم يزل ﷺ في زيادة حتى توفاه الله ؛ ولهذا جاء في الحديث: (إن الله تابع الوحي على رسوله ﷺ حتى كان الوحي أكثر ما كان يوم توفي رسول الله ﷺ ].
وهذا من زيادة العلم، فمن زيادة العلم أن الله تابع الوحي على نبيه، فكان أكثر ما ينزل عليه الوحي قبيل وفاته ﵊، فزاده الله علماً، وجعل آخر عمره خير عمله، وعارضه جبريل القرآن في السنة التي توفي فيها مرتين، يعني: قابله عليه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن ماجة: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير عن موسى بن عبيدة عن محمد بن ثابت عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: (اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علماً، والحمد الله على كل حال).
وأخرجه الترمذي عن أبي كريب عن عبد الله بن نمير به وقال: غريب من هذا الوجه، ورواه البزار عن عمرو بن علي الفلاس عن أبي عاصم عن موسى بن عبيدة به، وزاد في آخره: (وأعوذ بالله من حال أهل النار)].
الدعاء بزيادة العلم أمركما قال الله، نص الآية: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]، لكن الحديث هذا ضعيف؛ لأن موسى بن عبيدة ضعيف.
стр. 661
تفسير قوله تعالى: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً)
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى * فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى * إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى * فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى * فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه:١١٥ - ١٢٢].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان حدثنا أسباط بن محمد حدثنا الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: إنما سمي الإنسان لأنه عهد إليه فنسي.
وكذا رواه علي بن أبي طلحة عنه، وقال مجاهد: ترك.
وقوله: ((وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ)) يذكر تعالى تشريف آدم ﵇ وتكريمه، وما فضله به على كثير ممن خلق تفضيلاً، وقد تقدم الكلام على هذه القصة في سورة البقرة، وفي الأعراف، وفي الحجر، والكهف، وسيأتي في آخر سورة (ص) يذكر تعالى فيها خلق آدم ﵇، وأمره الملائكة بالسجود له تشريفاً وتكريماً، ويبين عداوة إبليس لبني آدم ولأبيهم قديماً؛ ولهذا قال تعالى: ((فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى)) أي: امتنع واستكبر.
((فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ)) يعني: حواء ﵉، ((فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى)) أي: إياك أن تسعى في إخراجك منها؛ فتتعب وتعنى وتشقى في طلب رزقك، فإنك هاهنا في عيش رغيد هنيء بلا كلفة ولا مشقة.
﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى﴾ إنما قرن بين الجوع والعري لأن الجوع ذل البطن والعري ذل الظاهر، وهذان أيضاً متقابلان، فالظمأ حر الباطن وهو العطش، والضحى حر الظاهر].
وهذه الآيات فيها تكريم الله لآدم، فالله تعالى كرم آدم وفضله بأنواع من التفضيلات منها: أنه خلقه الله بيده، وهذه مزية ليست لغيره من المخلوقات، فإن سائر المخلوقات خلقها الله بكلمة كن؛ ولهذا جاء في بعض الأحاديث التي استدل بها على تفضيل الأنبياء على الملائكة: أن الملائكة قالوا: يا ربنا! كما جعلت الدنيا لبني آدم يلهون ويأكلون ما يشتهون، فاجعل لنا الآخرة، فقال الرب سبحانه في حديث قدسي: (لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كن فكان) فالملائكة خلقوا بكلمة كن، وآدم خلقه الله بيده، وهذا تشريف وتكريم، التكريم الأول: أن الله خلقه بيده، والتكريم الثاني: أنه أسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، فهذه تشريفات عظيمة، وكذلك أسكنه الله الجنة، وقال له الله: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى﴾ [طه:١١٨] أي: لك عيش رغيد، بدون تعب ولا مشقة، فنفى عنه ذل الظاهر والباطن، فالجوع ذل الباطن، والعري ذل الظاهر.
وقوله: ((وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى)) الظمأ حر الباطن، ويضحى حر الظاهر، ولهذا فإن المحرم يكشف الرأس، ولما رأى بعض السلف من يغطي قال له: اضح لمن حرمت له، يعني: اكشف رأسك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ((فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى)) قد تقدم أنه دلاهما بغرور، ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾.
وقد تقدم أن الله تعالى عهد إلى آدم وزوجه أن يأكلا من كل الثمار، ولا يقربا هذه الشجرة المعينة في الجنة، فلم يزل بهما إبليس حتى أكلا منها، وكانت شجرة الخلد، يعني: التي من أكل منها خلد ودام مكثه].
والله تعالى حذر آدم وحوى من طاعة الشيطان، فقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه:١١٧]، وأمرهما أن يأكلا من جميع الثمار التي في الجنة إلا شجرة واحدة عينت لهما؛ لحكمة بالغة، ولكن الشيطان ما زال بهما حتى أوقعهما في الأكل منها، حيث جعل يزين لهما، ويحلف لهما، وأقسم أنه ناصح، وهو كذاب، قال : ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٢١].
فاغترا فأكلا منها، فلما أكلا منها سقطت الثياب التي على الظاهر، وبدت العورة، فالمعاصي عري، وكشف للسوأة، فلما عصيا الله سقطت الثياب، فاستحيا من ربهما، وجعلا يخصمان من ورق الجنة، ويستران أنفسهما من من ورق الشجر، قال : ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٢٢]، فالمعاصي ذل وعري في الباطن.
وهناك حكمة لله من عصيانهما وخروجهما من الجنة وهي: إسكانهما في الأرض، وانتشار الذرية، ووجود الأنبياء والصالحين والأبرار والفجار والكفار، وليبتلي هؤلاء بهؤلاء، وما يحصلون من الطاعات والمعاصي، وحصول العبودية المتنوعة، وابتلاء هؤلاء بهؤلاء، وذلك بأن يبتلي سبحانه المؤمنين بالكفار، والكفار بالمؤمنين، فيحصل من ذلك العبودية المتنوعة، كعبودية الجهاد، وعبودية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعبودية الولاء والبراء، وعبودية الحب في الله والبغض في الله، كل هذه من الحكم والأسرار.
وهكذا ظهور أسماء الله القهرية كالقهار والمتجبر، وظهور أسماء المغفرة والتوبة والرحمة، وبيان قدرة الله على وجود المتقابلات، كل هذه من الحكم المترتبة على فعل المعصية، وإهباطهما من الجنة إلى الأرض.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد جاء في الحديث ذكر شجرة الخلد، فقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن أبي الضحى سمعت أبا هريرة ﵁ يحدث عن النبي ﷺ قال: (إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها، وهي شجرة الخلد)، ورواه الإمام أحمد.
وقوله: ((فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا)) قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن إشكاب حدثنا علي بن عاصم عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله خلق آدم رجلاً طوالاً كثير شعر الرأس كأنه نخلة سحوق، فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه؛ فأول ما بدا منه عورته، فلما نظر إلى عورته جعل يشتد في الجنة، فأخذت شعره شجرة فنازعها، فناداه الرحمن: يا آدم! مني تفر؟ فلما سمع كلام الرحمن قال: يا رب! لا، ولكن استحياءً، أرأيت إن تبت ورجعت أعائدي إلى الجنة؟ قال: نعم) فذلك قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٣٧].
وهذا منقطع بين الحسن وأبي بن كعب فلم يسمعه منه، وفي رفعه نظر أيضاً].
هذا الحديث ضعيف؛ لأن الحسن البصري لم يسمع من أبي بن كعب، وفيه عنعنة قتادة وسعيد بن أبي عروبة.
وسقوط اللباس هذا دلت عليه الآية: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [الأعراف:٢٢]، لكن كونه أخذت شجرة شعر رأسه، وكونه ناداه الله: مني تفر؟ هذا كله يحتاج إلى ثبوت الدليل بذلك، وأما هذا فضعيف؛ لانقطاعه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ((وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ)) قال مجاهد: يرقعان كهيئة الثوب، وكذا قال قتادة والسدي وقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن عون حدثنا سفيان عن ابن أبي ليلى عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: ((وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ)) قال: ينزعان ورق التين فيجعلانه على سوآتهما.
وقوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه:١٢١ - ١٢٢]، قال البخاري: حدثنا قتيبة قال حدثنا أيوب بن النجار عن يحي بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (حاج موسى آدم فقال له: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم؟ قال آدم: يا موسى! أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر كتبه الله علي قبل أن يخلقني، أو قدره الله علي قبل أن يخلقني؟ قال رسول الله ﷺ : فحج آدم موسى) وهذا الحديث له طرق في الصحيحين وغيرهما من المسانيد].
وهذا الحديث رواه الشيخان وغيرهما، وهو حديث مشهور وله طرق متعددة، وفيه: (أنه تحاج موسى وآدم لما لقيه، فقال موسى لآدم: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء؟ قال: نعم، قال: فلماذا أشقيتنا وأخرجتنا من الجنة؟ فقال: أنت موسى الذي اصطف
стр. 662
تفسير قوله تعالى: (قال اهبطا منها جميعاً بعضكم لبعض عدو)
قال الله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٣ - ١٢٦].
قال المؤلف ﵀: [يقول تعالى لآدم وحواء وإبليس: اهبطوا منها جميعاً، أي: من الجنة كلكم، وقد بسطنا ذلك في سورة البقرة.
﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة:٣٦] قال: آدم وذريته وإبليس وذريته.
وقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ [طه:١٢٣] قال أبو العالية: الأنبياء والرسل والبيان].
يعني: هذا هو الهدى الأنبياء والرسل، والبيان الذي جاء في كتب الله المنزلة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [((فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى)) قال ابن عباس ﵄: لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة].
الله تعالى تكفل لمن عمل بكتابه وسنة رسوله ﷺ ألا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، والدليل هذه الآية: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣]، فمن اتبع هدى الله، وآمن بكتبه المنزلة، وآمن برسوله الذي أرسل إليه في أي زمان؛ فإنه موعود بالهداية، وهو من المهديين الذين لا يضلون في الدنيا، ولا يشقون في الآخرة.
ومن أعرض عن هدي الله، وعن كتابه، وعن نبيه الذي أرسله إليه في أي زمان، فإنه شقي في الآخرة، وضال في الدنيا، وله المعيشة الضنكا، نسأل الله السلامة والعافية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [((وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي)) أي: خالف أمري وما أنزلته على رسولي، أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه، ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ أي: ضنك في الدنيا، فلا طمأنينة له ولا انشرح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله وإن تنعم ظاهره، ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك].
وهذا واقع؛ فإن الكفرة الآن وإن توصلوا إلى ما وصلوا إليه من الاختراعات الحديثة، والتطور وما وصلوا إليه من التقنية؛ فإنهم في معيشة ضنكا، فلا يجدون راحة في نفوسهم، ولا طمأنينة، بل يجدون ضيقاً وحرجاً، ويملون حياتهم، ويسأمونها؛ ولهذا نسمع عن الانتحارات كثيراً، وهم قد وصلوا إلى ما وصلوا، وعندهم آلاف والملايين من الأموال، ومع هذا لم يسعدوا بها.
فالكافر قد يكون عنده تقدم في العلم، وعنده شهادات علمية، لكن عنده ضيق وحرج؛ لأنه ليس عنده إيمان ولا هدى، وقلبه خالٍ من الإيمان والهدى؛ فيعيش عيشة ضنكاً، ويمل الحياة ويسأمها، وتضيق عليه الدنيا بما رحبت، وهو عنده الأموال، وعنده كذا، وعنده من الجاه؛ لكنه لما لم يكن في قلبه هدى ويقين ضاق صدره، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وصار في ضنك وقلق وعدم راحة وطمأنينة، نسأل الله السلامة والعافية.
والمؤمن قد يصاب بالهموم، فيكفر الله بها عنه من الخطايا، كما قال ﷺ : (ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا غم إلا كفر الله من خطاياه، حتى الشوكة يشاكها) فقد يكون الإنسان عنده هموم وغموم لكن مع ذلك فالمؤمن عنده راحة وطمأنية، وثقة بالله ، وبوعده وبما أعده للصابرين من الكرامة والأجر، فهو يعلم أن هذه الهموم وهذه المصائب وهذه النكبات يكفر الله بها من خطاياه، ويرفعه بها درجات، فيطمئن، وإن كان فقيراً، وإن كان مريضاً، ويكون قلبه منشرحاً مطمئناً راضياً بالله ؛ لما يعلم ما عند الله من الكرامة، ففرق بين المؤمن والكافر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلا يزال في ريبه يتردد، فهذا من ضنك المعيشة.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ قال: الشقاء، وقال العوفي عن ابن عباس ﵄: ((فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا)) قال: كل مال أعطيته عبداً من عبادي قل أو كثر لا يتقيني فيه فلا خير فيه، وهو الضنك في المعيشة].
وهذا مما يؤيد حال بعض الأغنياء الذي لا يتقي ربه فيما أعطاه بل يعصي ربه، فيكون وبالاً وضنكاً عليه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أيضاً: إن قوماً ضلالاً أعرضوا عن الحق، وكانوا في سعة من الدنيا متكبرين، فكانت معيشتهم ضنكاً، وذلك أنهم كانوا يرون أن الله ليس مخلفاً لهم معايشهم من سوء ظنهم بالله والتكذيب، فإذا كان العبد يكذب بالله ويسيء الظن به والثقة به، اشتدت عليه معيشته، فذلك الضنك.
وقال الضحاك: هو العمل السيء والرزق الخبيث.
وكذا قال عكرمة ومالك بن دينار.
وقال سفيان بن عيينة عن أبي حازم عن أبي سلمة عن أبي سعيد في قوله: ((مَعِيشَةً ضَنكًا)) قال: يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه فيه.
وقال أبو حاتم الرازي: النعمان بن أبي عياض يكنى أبا سلمة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا صفوان أنبأنا الوليد أنبأنا عبد الله بن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في قول الله : ((فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا)) قال: (ضمة القبر له)، والموقوف أصح].
رواية دراج عن أبي الهيثم ضعيفة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا الربيع بن سليمان حدثنا أسد بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج أبو السمح عن ابن حجيرة -واسمه عبد الرحمن - عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (المؤمن في قبره في روضة خضراء، ويفسح له في قبره سبعون ذراعاً، وينور له قبره كالقمر ليلة البدر، أتدرون فيمَ أنزلت هذه الآية: ((فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا))؟ أتدرون ما المعيشة الضنك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده! إنه ليسلط عليه تسعة وتسعون تنيناً، أتدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون حية، لكل حية سبعة رءوس ينفخون في جسمه، ويلسعونه ويخدشونه إلى يوم يبعثون) رفعه منكر جداً.
وقال البزار: حدثنا محمد بن يحيى الأزدي حدثنا محمد بن عمرو حدثنا هشام بن سعد عن سعيد بن أبي هلال عن ابن حجيرة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في قول الله : ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤] قال: (المعيشة الضنك التي قال الله: أنه يسلط عليه تسعاً وتسعين حية ينهشون لحمه حتى تقوم الساعة).
وقال أيضاً: حدثنا أبو زرعة حدثنا أبو الوليد حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤] قال: (عذاب القبر)، إسناد جيد.
وقوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] قال مجاهد وأبو صالح والسدي: لا حجة له.
وقال عكرمة: عمي عليه كل شيء إلا جهنم.
ويحتمل أن يكون المراد: أنه يبعث أو يحشر إلى النار أعمى البصر والبصيرة أيضاً، كما قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء:٩٧]، ولهذا يقول: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ [طه:١٢٥] أي: في الدنيا ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٦] أي: لما أعرضت عن آيات الله وعاملتها معاملة من لم يذكرها بعد بلاغها إليك، تناسيتها وأعرضت عنها وأغفلتها؛ كذلك اليوم نعاملك معاملة من ينساك، ﴿فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف:٥١]؛ فإن الجزاء من جنس العمل.
فأما نسيان لفظ القرآن مع فهم معناه والقيام بمقتضاه فليس داخلاً في هذا الوعيد الخاص، وإن كان متوعداً عليه من جهة أخرى، فإنه قد وردت السنة بالنهي الأكيد والوعيد الشديد في ذلك].
مراد المؤلف ﵀: أن من أعرض عن ذكر الله، وأعرض عن آيات الله، ولم يعمل بكتاب الله، فإن عليه الوعيد الشديد: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤]، نسي آيات الله فنسيه الله، يعني: نسي آيات الله فلم يعمل بها، فعومل معاملة المنسي؛ جزاء وفاقاً، كما قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف:٥١].
والمراد بالنسيان لآيات الله عدم العمل بها، وارتكاب النواهي، وعدم تنفيذ الأو
стр. 663
تفسير سورة طه [١٢٧ - ١٣٥]
يستنكر الله تعالى على المشركين كيف لا يتعظون وهم يعلمون كيف أهلك الله الأمم السابقة لما عاندت واستكبرت عن تقبل هذا الدين، وهم كثيراً ما يمرون على ديار هؤلاء الذين أهلكهم الله تعالى.
стр. 664
تفسير قوله تعالى: (وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه)
قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٧].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى: وهكذا نجازي المسرفين المكذبين بآيات الله في الدنيا والآخرة، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [الرعد:٣٤]؛ولهذا قال: ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٧] أي: أشد ألماً من عذاب الدنيا وأدوم عليهم، فهم مخلدون فيه، ولهذا قال رسول الله ﷺ للمتلاعنين: (إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة)].
стр. 665
تفسير قوله تعالى: (أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون)
قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى * وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى * فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه:١٢٨ - ١٣٠].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى: ((أَفَلَمْ يَهْدِ)) لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به يا محمد! كم أهلكنا من الأمم المكذبين بالرسل قبلهم، فبادوا فليس لهم باقية ولا عين ولا أثر، كما يشاهدون ذلك من ديارهم الخالية التي خلفوهم فيها يمشون فيها.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى﴾ [طه:١٢٨] أي: العقول الصحيحة، والألباب المستقيمة، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]، وقال في سورة السجدة: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ﴾ [السجدة:٢٦]].
وهذا مثل ديار ثمود؛ فإنهم شاهدوها في الحجْر على طريقهم، فلما مروا بها قال النبي ﷺ : (لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين؛ أن يصيبكم ما أصابهم، ثم قنع رأسه وأسرع ﵊ بالسير).
وهذا يدل على أنه لا ينبغي دخولها على سبيل المزاح واللعب، كما يفعل بعض الناس، فإنهم يدخلون ديار ثمود للفرجة والنزهة وللضحك، وهذا لا ينبغي، وإنما يكون على وجه الاعتبار والعظة والثبات، ولهذا قال النبي ﷺ : (لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين؛ أن يصيبكم ما أصابهم) ثم قنع رأسه وأسرع ﵊ بالسير.
فمن مر عليها أو دخلها على هذه الكيفية التي ذكر النبي ﷺ فلا بأس.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه:١٢٩] أي: لولا الكلمة السابقة من الله، وهو أنه لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه، والأجل المسمى الذي ضربه الله تعالى لهؤلاء المكذبين إلى مدة معينة؛ لجاءهم العذاب بغتة، ولهذا قال لنبيه مسلياً له: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [طه:١٣٠] أي: من تكذيبهم لك، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ [طه:١٣٠] يعني: صلاة الفجر، ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه:١٣٠] يعني صلاة العصر، كما جاء في الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: (كنا جلوساً عند رسول الله ﷺ ، فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا) ثم قرأ هذه الآية].
والصلاة التي قبل طلوع الشمس هي صلاة الفجر، والصلاة التي قبل غروبها هي صلاة العصر، وهذا فيه بشارة للمؤمنين، وأنهم يرون ربهم يوم القيامة.
وفيه دليل على أهمية هاتين الصلاتين، وأن إتيان هاتين الصلاتين من أسباب رؤية الله يوم القيامة؛ ولهذا قال النبي ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته) وتضامون بتخفيف الميم أو بتشديده، (فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الفجر وقبل غروبها فافعلوا) يعني: أن ذلك من أسباب رؤية الله .
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن عمارة بن رويبة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها)، رواه مسلم من حديث عبد الملك بن عمير به].
وقوله: (لن يلج النار) يعني: لن يدخل النار، (من صلى قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها) وهما: صلاة العصر وصلاة الفجر، فليس المعنى أنه يهمل بقية الصلوات، بل المعنى: أنه من حافظ على هاتين الصلاتين، ولا بد أن يحافظ على بقية الصلوات، وإيمانه الذي يدفعه إلى العناية بهاتين الصلاتين سيدفعه للمحافظة على بقية الصلوات، وليس المراد أنه يصلي العصر ويصلي الفجر ويترك بقية الصلاة الصلوات؛ لأن من ترك صلاة واحدة كفر، والعياذ بالله! فالمعنى أنه يخص هاتين الصلاتين بمزيد من العناية، ويحافظ على بقية الصلوات، وهذا لا بد منه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي المسند والسنن عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة، ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى أدناه، وإن أعلاهم منزلة لمن ينظر إلى الله تعالى في اليوم مرتين)] وهذ الحديث في سنده ثوير بن أبي فاختة وهو ضعيف ليس بشيء، وفيه: (أن أدنى أهل الجنة من ينظر في ملكه مسيرة ألفي) وهذا يعارض الحديث الصحيح الذي ورد في البخاري: (أن آخر أهل النار خروجاً منها وآخر أهل الجنة دخولاً فيها رجل يخرج وقد وُجه وجهه إلى النار، فيقول: يا رب! اصرف وجهي عن النار؛ فقد قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها، فيأخذ الله عليه العهود ألا يسأله غيرها، فيعطيه العهود والمواثيق، فيصرف الله وجهه، ثم ترفع له شجرة فيمكث ما شاء الله، ثم يقول: رب! ادنني، فيقول الله: ويلك ما أغدرك! ألم تعط العهود ألا تسألني غيرها؟ وربك يعذره، فلا يزال ترفع له شجرة بعد شجرة، حتى يصل إلى الجنة، فإذا قرب منها سكت ما شاء الله، ثم ترفع له الجنة فيرى ما فيها من النعيم، فيقول: رب أدخلني الجنة، فيقول الله: ويلك ما أغدرك! ألم تعط العهود والمواثيق ألا تسألني غيرها؟ فيقول: يا رب! لا أكون أشقى خلقك، فيضحك الله منه، قال له: ادخل الجنة، فيخيل إليه أنها ملأى فيقول يا رب! ما فيها مكان -مرتين أو ثلاثاً-، فيقول له الله: أما ترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: بلى، رضيت يا رب! فيقول الله: فإن لك ذلك ومثله ومثله -خمس مرات-، ثم قال: لك ذلك وعشرة أمثاله)، فهذه له مثل ملك من ملوك الدنيا خمسين مرة، هذا آخر من يخرج من النار، وآخر من يدخل الجنة، له مثل ملك في الدنيا خمسين مرة.
وهذا الحديث فيه أن أدنى أهل الجنةلمن ينظر في ملكه وخدمه ألفي عام، يعني: هذا دون هذا، فهذا الحديث الصحيح يعارض هذا الحديث الذي فيه ثوير بن أبي فاختة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾ [طه:١٣٠] أي: من ساعاته فتهجد به، وحمله بعضهم على المغرب والعشاء ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه:١٣٠] في مقابلة آناء الليل ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه:١٣٠]، كما قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥].
وفي الصحيح (يقول الله: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى؟)].
стр. 666
تفسير قوله تعالى: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم)
قال الله تعالى: [﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٣١].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى لنبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه: لا تنظر إلى هؤلاء المترفين وأشباههم ونظرائهم وما هم فيه من النعم؛ فإنما هو زهرة زائلة ونعمة حائلة؛ لنختبرهم بذلك، وقليل من عبادي الشكور، وقال مجاهد: ((أزواجاً منهم)) يعني: الأغنياء، فقد آتاك الله خيراً مما آتاهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [الحجر:٨٧ - ٨٨]، وكذلك ما ادخره تعالى لرسوله في الدار الآخرة أمر عظيم لا يحد ولا يوصف، كما قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥]، ولهذا قال: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٣١]، وفي الصحيح: (أن عمر بن الخطاب لما دخل على رسول الله ﷺ في تلك المشربة التي كان قد اعتزل فيها نسائه)].
والمشربة هي الغرفة المرتفعة، وقد هجر نساءه ﵊ شهراً واعتزلهن في غرفة مرتفعة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [(حين آلى منهن، فرآه متوسداً مضطجعاً على رمال حصير وليس في البيت إلا صبرة من قرظ وأهب معلقة)].
وأهب معلقة: جمع إهاب، وهو جلد، فرآه عمر بن الخطاب وليس له فراش إلا الحصير وقد أثر في جسده، فبكى عمر ﵁، وقال: يا رسول الله! إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله أفضل الناس وهكذا يؤثر الحصير في جسدك؟ ولا يوجد شيء في البيت؟ فقام النبي ﷺ وقال (أفي شك يا ابن الخطاب؟! إن أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [(فابتدرت عينا عمر بالبكاء، فقال رسول الله ﷺ : ما يبكيك؟ فقال: يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت صفوة الله من خلقه، فقال: أو في شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت طيباتهم في حياتهم الدنيا).
فكان ﷺ أزهد الناس في الدنيا مع القدرة عليها، وإذا حصلت له ينفقها هكذا وهكذا في عباد الله، ولم يدخر لنفسه شيئاً لغد.
قال ابن أبي حاتم: أنبأنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب أخبرني مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح الله لكم من زهرة الدنيا، قالوا: وما زهرة الدنيا يا رسول الله؟! قال: بركات الأرض).
وقال قتادة والسدي: (زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا) [طه:١٣١] يعني: زينة الحياة الدنيا.
وقال قتادة: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه:١٣١] لنبتليهم.
стр. 667
تفسير قوله تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها)
قال الله تعالى: [﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢].
قال المؤلف ﵀: [أي: استنقذهم من عذاب الله بإقام الصلاة، فاصبر أنت على فعلها، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم:٦].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: حدثنا أحمد بن صالح قال: حدثنا ابن وهب قال: أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يبيت عنده أنا ويرفأ].
كان يبيت عند غلمانه، فـ زيد بن أسلم غلام ويرفأ غلام آخر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكان له ساعة من الليل يصلي فيها، فربما لم يقم فنقول: لا يقوم الليلة كما كان يقوم، وكان إذا استيقظ أقام يعني أهله، وقال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢].
وقوله: ﴿لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه:١٣٢] يعني: إذا أقمت الصلاة آتاك الرزق من حيث لا تحتسب، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]].
وتقوى الله هي توحيد الله وطاعته وأداء الأوامر واجتناب النواهي، فمن وحد الله وأدى حقه واجتنب نهيه، فهو المستقيم، وهو موعود بالرزق.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨]، ولهذا قال: ﴿لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه:١٣٢]، وقال الثوري: ﴿لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ [طه:١٣٢] أي: لا نكلفك الطلب.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج قال: حدثنا حفص بن غياث عن هشام عن أبيه: أنه كان إذا دخل على أهل الدنيا فرأى من دنياهم طرفاً، فإذا رجع إلى أهله فدخل الدار قرأ: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه:١٣١] إلى قوله: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه:١٣٢]، ثم يقول: الصلاة الصلاة رحمكم الله].
وهشام هو هشام بن عروة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: حدثنا عبد الله بن أبي زياد القطواني قال: حدثنا سيار قال: حدثنا جعفر عن ثابت ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا أصابه خصاصة نادى أهله: يا أهلاه! صلوا صلوا، قال ثابت: وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة)].
فزعوا أي: في النوافل، فقد جاء عنه ﵊ (كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة) فيصلي النافلة، وإذا كانت فريضة صلى الفريضة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد روى الترمذي وابن ماجة من حديث عمران بن زائدة عن أبيه عن أبي خالد الوالبي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يقول الله تعالى: يا ابن آدم! تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً، وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقرك).
وروى ابن ماجة من حديث الضحاك عن الأسود عن ابن مسعود ﵁: سمعت نبيكم ﷺ يقول: (من جعل الهموم هماً واحداً هم المعاد كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديته هلك)].
قوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢] هذا عام في الفرائض، ومن ذلك قول النبي ﷺ : (مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر)، فالأهل والأولاد كلهم يجب أمرهم بالصلوات المفروضة، والنوافل تبع، لكن المهم هي الفرائض، ومن ذلك ما جاء في الحديث: (رحم الله من قام من الليل وأيقظ أهله، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل وزوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء)، وهذا من التعاون على البر والتقوى، ومن أمر الأهل بالصلاة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروي أيضاً من حديث شعبة عن عمر بن سليمان عن عبد الرحمن بن أبان عن أبيه عن زيد بن ثابت سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من كانت الدنيا همه: فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته: جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة)].
وهذا سند جيد.
وأحياناً ينبغي للإنسان أن يجعل همه هم الآخرة، والدنيا تكون وسيلة لا غاية، فإذا جعل هم الآخرة نصب عينيه أتت الدنيا وهي راغمة، وإذا جعل الدنيا همه تشتت عليه أموره، وامتلأ قلبه بالدنيا، وتشعبت الهموم عليه، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له، وفاته نصيبه من الآخرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢] أي: وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة -وهي الجنة- لمن اتقى الله، وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: (رأيت الليلة كأنا في دار عقبة بن رافع وأنا أتينا برطب ابن طاب فأولت ذلك: أن العاقبة لنا في الدنيا والرفعة، وأن ديننا قد طاب)].
وهذا ثابت في الصحيحين، وفيه: (أتينا برطب ابن طاب) وهذا نخل في المدينة يسمى رطب ابن طاب، وتأولها النبي: بأن عيشنا قد طاب، هذا من باب الفأل الحسن، فقد تفاءل ﵊ بذلك.
стр. 668
تفسير قوله تعالى: (وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه)
قال الله تعالى: [﴿وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ [طه:١٣٣].
قال المؤلف ﵀: [يقول تعالى مخبراً عن الكفار في قولهم: ﴿لَوْلا﴾ [طه:١٣٤] أي: هلا يأتينا محمد بآية من ربه، أي: بعلامة دالة على صدقه في أنه رسول الله، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ [طه:١٣٣] يعني: القرآن الذي أنزله عليه الله، وهو أمي لا يحسن الكتابة ولم يدارس أهل الكتاب، وقد جاء فيه أخبار الأولين بما كان منهم في سالف الدهور بما يوافقه عليه الكتب المتقدمة الصحيحة منها، فإن القرآن مهيمن عليها يصدق الصحيح ويبين خطأ المكذوب فيها وعليها].
ومهيمن أي: هو الحاكم على الكتب السابقة، يصدق الحق وينفي الباطل، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤٨]، (مصدقاً لما بين يديه من الكتاب) المراد بالكتاب الجنس، أي: جنس الكتب السابقة: التوراة والإنجيل، فهو يصدق ما فيها، وينفي الباطل منها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذه الآية كقوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت:٥٠ - ٥١]، وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)].
يعني: أن الأنبياء السابقين أعطاهم الله من المعجزات ما يؤمن على مثله البشر، وهي معجزات حسية، فموسى أعطاه الله العصا واليد، وعيسى كان يبرئ الأكمه والأبرص؛ لأن قومه برعوا في الطب وبلغوا شأناً عظيماً، فأعطى لهم من الآيات ما بهر به الأطباء، فكان يبرئ الأكمه الذي لم يشق له عين، فيشق له عيناً فيبصر، والأطباء لا يستطيعون ذلك؛ لأن هذا آية من آيات الله، وكان يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيحييه الله، فيكون طيراً بإذن الله، فبهر الأطباء.
ولما كان الناس في زمان موسى ﵇ قد برعوا في السحر ووصلوا إلى شأو بعيد منه، وكثر السحرة في زمن فرعون وملئوا وادياً بالحيات والعقارب حين ألقوا العصي والحبال، فجعل الله عصا موسى تنيناً يأكل حبالهم وعصيهم، فبهرت هذه المعجزة عقول السحرة، وعلموا أن هذا من عند الله، فخروا لله سجداً وآمنوا، و ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف:١٢١ - ١٢٢]، ولما توعدهم فرعون بأن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف قالوا: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَاأَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ [طه:٧٢ - ٧٣]، ولهذا قال بعض العلماء: كانوا في أول النهار سحرة فجرة، وفي آخر النهار شهداء بررة.
وهذا على القول بأنه صلبهم وقتلهم.
فأعطاهم الله من المعجزات الحسية، وأما نبينا ﷺ فأعطاه الله القرآن، وهو وحي يتلا إلى يوم القيامة، ولهذا قال النبي ﷺ : (فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً)، فلما بلغ الناس في زمن النبي ﷺ شأواً بعيداً في الفصاحة والبلاغة، وكانت لهم الأسواق ينشدون فيها الأشعار ويفتخرون فيها، أنزل الله القرآن على محمد ﷺ القرآن وتحداهم وهم فرسان البلاغة وأمراء البيان، فتحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن فعجزوا، وتحداهم أن يأتوا بعشر سور فعجزوا، فتحداهم أن يأتوا بآية فعجزوا، وهو متكون من ثمانية وعشرين حرفاً، وهي الحروف التي ينطقون بها، ومع ذلك عجزوا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإنما ذكر هاهنا أعظم الآيات التي أعطيها ﵇ وهو القرآن، وإلا فله من المعجزات ما لا يحد ولا يحصر كما هو مودع في كتبه، ومقرر في مواضعه].
فمعجزات الرسول كثيرة، لكن القرآن هو المعجزة الخالدة الباقية إلى يوم القيامة، وإلا فقد أعطاه معجزات كثيرة منها: تكثير الطعام، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكلم الحجر، وحنين الجذع إلى غير ذلك من المعجزات الكثيرة، لكن هذا القرآن هو أعظمها، وهو الباقي وهو المعجزة الخالدة إلى يوم القيامة.
стр. 669
تفسير قوله تعالى: (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا)
قال الله تعالى: [ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى * قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾ [طه:١٣٤ - ١٣٥].
قال المؤلف ﵀: [أي: لو أنا أهلكنا هؤلاء المكذبين قبل أن نرسل إليهم هذا الرسول الكريم، وننزل عليهم هذا الكتاب العظيم لكانوا قالوا: رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا قبل أن تهلكنا حتى نؤمن به ونتبعه، كما قال: ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه:١٣٤]، يبين تعالى أن هؤلاء المكذبين متعنتون معاندون لا يؤمنون، ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس:٩٧]، كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام:١٥٥] إلى قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام:١٥٧]، وقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ﴾ [فاطر:٤٢]، وقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام:١٠٩] الآيتين، ثم قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ [طه:١٣٥] أي: يا محمد! لمن كذبك وخالفك واستمر على كفره وعناده، ﴿كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ [طه:١٣٥] أي: منا ومنكم، ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ [طه:١٣٥] أي: فانتظروا].
أي: أنا منتظر ما وعدني الله به من إظهار الدين، وسوف يأتيكم ما وعدتم في الدنيا أو في الآخرة، فكل منا منتظر، ونزلت هذه الآية قبل أن يؤمر ﵊ بالجهاد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾ [طه:١٣٥] أي: الطريق المستقيم، ﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾ [طه:١٣٥] إلى الحق وسبيل الرشاد، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٢]، وقال: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنَ الْكَذَّابُ الأَشِرُ﴾ [القمر:٢٦]، آخر تفسير سورة طه.
ولله الحمد والمنة، ويتلوه إن شاء الله تفسير سورة الأنبياء، ولله الحمد].
стр. 670
تفسير سورة الأنبياء [ ١ - ١٥]
من العجب أن يقترب موعد الحساب والناس في غفلة، لأن العاقل إذا علم بموعد الحساب استعد وأعد له العدة، ولقد ضرب المشركون أعظم الصور في غفلتهم عما هم قادمون عليه، فكذبوا بالنبي ﷺ وهم يعلمون أنه الحق، والجاهلون منهم اتهموه بالشعر والسحر والكهانة وأسروا النجوى فيما بينهم وتعنتوا في طلب الآيات.
следующие страницы →