← Тафсир

Тафсир · id 37048

شرح تفسير ابن كثير - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (873 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

تفسير قوله تعالى: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم) قال الله تعالى: [﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٣١]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى لنبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه: لا تنظر إلى هؤلاء المترفين وأشباههم ونظرائهم وما هم فيه من النعم؛ فإنما هو زهرة زائلة ونعمة حائلة؛ لنختبرهم بذلك، وقليل من عبادي الشكور، وقال مجاهد: ((أزواجاً منهم)) يعني: الأغنياء، فقد آتاك الله خيراً مما آتاهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [الحجر:٨٧ - ٨٨]، وكذلك ما ادخره تعالى لرسوله في الدار الآخرة أمر عظيم لا يحد ولا يوصف، كما قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى:٥]، ولهذا قال: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٣١]، وفي الصحيح: (أن عمر بن الخطاب لما دخل على رسول الله ﷺ في تلك المشربة التي كان قد اعتزل فيها نسائه)]. والمشربة هي الغرفة المرتفعة، وقد هجر نساءه ﵊ شهراً واعتزلهن في غرفة مرتفعة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [(حين آلى منهن، فرآه متوسداً مضطجعاً على رمال حصير وليس في البيت إلا صبرة من قرظ وأهب معلقة)]. وأهب معلقة: جمع إهاب، وهو جلد، فرآه عمر بن الخطاب وليس له فراش إلا الحصير وقد أثر في جسده، فبكى عمر ﵁، وقال: يا رسول الله! إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله أفضل الناس وهكذا يؤثر الحصير في جسدك؟ ولا يوجد شيء في البيت؟ فقام النبي ﷺ وقال (أفي شك يا ابن الخطاب؟! إن أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [(فابتدرت عينا عمر بالبكاء، فقال رسول الله ﷺ : ما يبكيك؟ فقال: يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت صفوة الله من خلقه، فقال: أو في شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت طيباتهم في حياتهم الدنيا). فكان ﷺ أزهد الناس في الدنيا مع القدرة عليها، وإذا حصلت له ينفقها هكذا وهكذا في عباد الله، ولم يدخر لنفسه شيئاً لغد. قال ابن أبي حاتم: أنبأنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب أخبرني مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح الله لكم من زهرة الدنيا، قالوا: وما زهرة الدنيا يا رسول الله؟! قال: بركات الأرض). وقال قتادة والسدي: (زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا) [طه:١٣١] يعني: زينة الحياة الدنيا. وقال قتادة: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه:١٣١] لنبتليهم.

стр. 667

تفسير قوله تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) قال الله تعالى: [﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢]. قال المؤلف ﵀: [أي: استنقذهم من عذاب الله بإقام الصلاة، فاصبر أنت على فعلها، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم:٦]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: حدثنا أحمد بن صالح قال: حدثنا ابن وهب قال: أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يبيت عنده أنا ويرفأ]. كان يبيت عند غلمانه، فـ زيد بن أسلم غلام ويرفأ غلام آخر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكان له ساعة من الليل يصلي فيها، فربما لم يقم فنقول: لا يقوم الليلة كما كان يقوم، وكان إذا استيقظ أقام يعني أهله، وقال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢]. وقوله: ﴿لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه:١٣٢] يعني: إذا أقمت الصلاة آتاك الرزق من حيث لا تحتسب، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]]. وتقوى الله هي توحيد الله وطاعته وأداء الأوامر واجتناب النواهي، فمن وحد الله وأدى حقه واجتنب نهيه، فهو المستقيم، وهو موعود بالرزق. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨]، ولهذا قال: ﴿لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه:١٣٢]، وقال الثوري: ﴿لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ [طه:١٣٢] أي: لا نكلفك الطلب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج قال: حدثنا حفص بن غياث عن هشام عن أبيه: أنه كان إذا دخل على أهل الدنيا فرأى من دنياهم طرفاً، فإذا رجع إلى أهله فدخل الدار قرأ: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه:١٣١] إلى قوله: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه:١٣٢]، ثم يقول: الصلاة الصلاة رحمكم الله]. وهشام هو هشام بن عروة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: حدثنا عبد الله بن أبي زياد القطواني قال: حدثنا سيار قال: حدثنا جعفر عن ثابت ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا أصابه خصاصة نادى أهله: يا أهلاه! صلوا صلوا، قال ثابت: وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة)]. فزعوا أي: في النوافل، فقد جاء عنه ﵊ (كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة) فيصلي النافلة، وإذا كانت فريضة صلى الفريضة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد روى الترمذي وابن ماجة من حديث عمران بن زائدة عن أبيه عن أبي خالد الوالبي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يقول الله تعالى: يا ابن آدم! تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً، وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقرك). وروى ابن ماجة من حديث الضحاك عن الأسود عن ابن مسعود ﵁: سمعت نبيكم ﷺ يقول: (من جعل الهموم هماً واحداً هم المعاد كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديته هلك)]. قوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢] هذا عام في الفرائض، ومن ذلك قول النبي ﷺ : (مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر)، فالأهل والأولاد كلهم يجب أمرهم بالصلوات المفروضة، والنوافل تبع، لكن المهم هي الفرائض، ومن ذلك ما جاء في الحديث: (رحم الله من قام من الليل وأيقظ أهله، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل وزوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء)، وهذا من التعاون على البر والتقوى، ومن أمر الأهل بالصلاة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروي أيضاً من حديث شعبة عن عمر بن سليمان عن عبد الرحمن بن أبان عن أبيه عن زيد بن ثابت سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من كانت الدنيا همه: فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته: جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة)]. وهذا سند جيد. وأحياناً ينبغي للإنسان أن يجعل همه هم الآخرة، والدنيا تكون وسيلة لا غاية، فإذا جعل هم الآخرة نصب عينيه أتت الدنيا وهي راغمة، وإذا جعل الدنيا همه تشتت عليه أموره، وامتلأ قلبه بالدنيا، وتشعبت الهموم عليه، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له، وفاته نصيبه من الآخرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣٢] أي: وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة -وهي الجنة- لمن اتقى الله، وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: (رأيت الليلة كأنا في دار عقبة بن رافع وأنا أتينا برطب ابن طاب فأولت ذلك: أن العاقبة لنا في الدنيا والرفعة، وأن ديننا قد طاب)]. وهذا ثابت في الصحيحين، وفيه: (أتينا برطب ابن طاب) وهذا نخل في المدينة يسمى رطب ابن طاب، وتأولها النبي: بأن عيشنا قد طاب، هذا من باب الفأل الحسن، فقد تفاءل ﵊ بذلك.

стр. 668

تفسير قوله تعالى: (وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه) قال الله تعالى: [﴿وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ [طه:١٣٣]. قال المؤلف ﵀: [يقول تعالى مخبراً عن الكفار في قولهم: ﴿لَوْلا﴾ [طه:١٣٤] أي: هلا يأتينا محمد بآية من ربه، أي: بعلامة دالة على صدقه في أنه رسول الله، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ [طه:١٣٣] يعني: القرآن الذي أنزله عليه الله، وهو أمي لا يحسن الكتابة ولم يدارس أهل الكتاب، وقد جاء فيه أخبار الأولين بما كان منهم في سالف الدهور بما يوافقه عليه الكتب المتقدمة الصحيحة منها، فإن القرآن مهيمن عليها يصدق الصحيح ويبين خطأ المكذوب فيها وعليها]. ومهيمن أي: هو الحاكم على الكتب السابقة، يصدق الحق وينفي الباطل، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤٨]، (مصدقاً لما بين يديه من الكتاب) المراد بالكتاب الجنس، أي: جنس الكتب السابقة: التوراة والإنجيل، فهو يصدق ما فيها، وينفي الباطل منها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذه الآية كقوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت:٥٠ - ٥١]، وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)]. يعني: أن الأنبياء السابقين أعطاهم الله من المعجزات ما يؤمن على مثله البشر، وهي معجزات حسية، فموسى أعطاه الله العصا واليد، وعيسى كان يبرئ الأكمه والأبرص؛ لأن قومه برعوا في الطب وبلغوا شأناً عظيماً، فأعطى لهم من الآيات ما بهر به الأطباء، فكان يبرئ الأكمه الذي لم يشق له عين، فيشق له عيناً فيبصر، والأطباء لا يستطيعون ذلك؛ لأن هذا آية من آيات الله، وكان يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيحييه الله، فيكون طيراً بإذن الله، فبهر الأطباء. ولما كان الناس في زمان موسى ﵇ قد برعوا في السحر ووصلوا إلى شأو بعيد منه، وكثر السحرة في زمن فرعون وملئوا وادياً بالحيات والعقارب حين ألقوا العصي والحبال، فجعل الله عصا موسى تنيناً يأكل حبالهم وعصيهم، فبهرت هذه المعجزة عقول السحرة، وعلموا أن هذا من عند الله، فخروا لله سجداً وآمنوا، و ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف:١٢١ - ١٢٢]، ولما توعدهم فرعون بأن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف قالوا: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَاأَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ [طه:٧٢ - ٧٣]، ولهذا قال بعض العلماء: كانوا في أول النهار سحرة فجرة، وفي آخر النهار شهداء بررة. وهذا على القول بأنه صلبهم وقتلهم. فأعطاهم الله من المعجزات الحسية، وأما نبينا ﷺ فأعطاه الله القرآن، وهو وحي يتلا إلى يوم القيامة، ولهذا قال النبي ﷺ : (فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً)، فلما بلغ الناس في زمن النبي ﷺ شأواً بعيداً في الفصاحة والبلاغة، وكانت لهم الأسواق ينشدون فيها الأشعار ويفتخرون فيها، أنزل الله القرآن على محمد ﷺ القرآن وتحداهم وهم فرسان البلاغة وأمراء البيان، فتحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن فعجزوا، وتحداهم أن يأتوا بعشر سور فعجزوا، فتحداهم أن يأتوا بآية فعجزوا، وهو متكون من ثمانية وعشرين حرفاً، وهي الحروف التي ينطقون بها، ومع ذلك عجزوا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإنما ذكر هاهنا أعظم الآيات التي أعطيها ﵇ وهو القرآن، وإلا فله من المعجزات ما لا يحد ولا يحصر كما هو مودع في كتبه، ومقرر في مواضعه]. فمعجزات الرسول كثيرة، لكن القرآن هو المعجزة الخالدة الباقية إلى يوم القيامة، وإلا فقد أعطاه معجزات كثيرة منها: تكثير الطعام، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكلم الحجر، وحنين الجذع إلى غير ذلك من المعجزات الكثيرة، لكن هذا القرآن هو أعظمها، وهو الباقي وهو المعجزة الخالدة إلى يوم القيامة.

стр. 669

تفسير قوله تعالى: (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا) قال الله تعالى: [ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى * قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾ [طه:١٣٤ - ١٣٥]. قال المؤلف ﵀: [أي: لو أنا أهلكنا هؤلاء المكذبين قبل أن نرسل إليهم هذا الرسول الكريم، وننزل عليهم هذا الكتاب العظيم لكانوا قالوا: رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا قبل أن تهلكنا حتى نؤمن به ونتبعه، كما قال: ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه:١٣٤]، يبين تعالى أن هؤلاء المكذبين متعنتون معاندون لا يؤمنون، ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس:٩٧]، كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام:١٥٥] إلى قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام:١٥٧]، وقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ﴾ [فاطر:٤٢]، وقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام:١٠٩] الآيتين، ثم قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ [طه:١٣٥] أي: يا محمد! لمن كذبك وخالفك واستمر على كفره وعناده، ﴿كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ [طه:١٣٥] أي: منا ومنكم، ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ [طه:١٣٥] أي: فانتظروا]. أي: أنا منتظر ما وعدني الله به من إظهار الدين، وسوف يأتيكم ما وعدتم في الدنيا أو في الآخرة، فكل منا منتظر، ونزلت هذه الآية قبل أن يؤمر ﵊ بالجهاد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾ [طه:١٣٥] أي: الطريق المستقيم، ﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾ [طه:١٣٥] إلى الحق وسبيل الرشاد، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٢]، وقال: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنَ الْكَذَّابُ الأَشِرُ﴾ [القمر:٢٦]، آخر تفسير سورة طه. ولله الحمد والمنة، ويتلوه إن شاء الله تفسير سورة الأنبياء، ولله الحمد].

стр. 670

تفسير سورة الأنبياء [ ١ - ١٥] من العجب أن يقترب موعد الحساب والناس في غفلة، لأن العاقل إذا علم بموعد الحساب استعد وأعد له العدة، ولقد ضرب المشركون أعظم الصور في غفلتهم عما هم قادمون عليه، فكذبوا بالنبي ﷺ وهم يعلمون أنه الحق، والجاهلون منهم اتهموه بالشعر والسحر والكهانة وأسروا النجوى فيما بينهم وتعنتوا في طلب الآيات.

стр. 671

سورة الأنبياء من أول ما نزل من السور قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [سورة الأنبياء، وهي مكية، قال البخاري ﵀: حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق سمعت عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله قال: بنو إسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، هن من العتاق الأول، وهن من تلادي]. قول المؤلف (عبد الله) هو: عبد الله بن مسعود؛ لأن عبد الرحمن بن يزيد من تلاميذ عبد الله بن مسعود. وقوله: وهن من تلادي]. يعني: التي حفظتها قديماً، فالتلاد: هو القديم، ومنه المال التليد، والمال الطريف، فالمال التليد: المال القديم، والطريف: المال الجديد. فيقول عبد الله بن مسعود: سورة بني إسرائيل، والكهف، والأنبياء حفظتها قديماً في أول الهجرة، وقوله: (هن من تلادي) أي: حفظتها قديماً، فقد كان ﵁ من حفاظ القرآن، حتى قال فيه النبي ﷺ : (من أحب أن يقرأ القرآن غضاً طرياً كما أنزل فليقرأه على ابن أم عبد)، وهو عبد الله بن مسعود ﵁. وقوله: (من العتاق الأول) يعني: من أوائل ما نزل.

стр. 672

تفسير قول الله تعالى: (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون) قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ * مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء:١ - ٦]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [هذا تنبيه من الله على اقتراب الساعة ودنوها، وأن الناس في غفلة عنها أي: لا يعملون لها ولا يستعدون من أجلها. وقال النسائي: حدثنا أحمد بن نصر حدثنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد عن النبي ﷺ : (﴿فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١] قال: في الدنيا) وقال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١]. وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر:١ - ٢]، وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة الحسن بن هانئ أبي نواس الشاعر أنه قال: أشعر الناس الشيخ الطاهر أبو العتاهية حيث يقول: الناس في غفلاتهم ورحى المنية تطحن]. أبو العتاهية في أشعاره حكمة، وهو ليس جاهلياً. وهذه الآية فيها تنبيه من الله لعباده أن ينتبهوا وأن يستعدوا للحساب بالعمل الصالح، فقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء:١]، يعني: قرب ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١]، يعني: أكثرهم، فهذا أكثر أحوال الناس، فهم في غفلة معرضون عما خلقوا له؛ لانشغالهم بشهواتهم ودنياهم والحساب قريب، وما بين الإنسان وبين هذا إلا أن يقال: فلان مات. فالواجب على كل إنسان أن يستعد للقاء الله تعالى بالعمل الصالح وإخلاص العبادة، وأداء الواجبات، وترك المحرمات، والاستقامة على دين الله، والوقوف عند حدود الله، فهذا تنبيه من الله تعالى لعباده وحث لهم على الاستعداد والانتباه وعدم الغفلة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقيل له: من أين أخذت هذا؟ قال: من قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١]. وروى في ترجمة عامر بن ربيعة من طريق موسى بن عبيدة الآمدي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عامر بن ربيعة أنه نزل به رجل من العرب فأكرم عامر مثواه وكلم فيه رسول الله ﷺ فجاءه الرجل فقال: (إني استقطعت من رسول الله ﷺ وادياً في العرب، وقد أردت أن اقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك فقال عامر: لا حاجة لي في قطيعتك، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١]). ثم أخبر تعالى أنهم لا يصغون إلى الوحي الذي أنزل الله على رسوله، والخطاب مع قريش ومن شابههم من الكفار فقال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء:٢] أي: جديد إنزاله ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء:٢]، كما قال ابن عباس: ما لكم تسألون أهل الكتاب عما بأيديهم وقد حرفوه وبدلوه وزادوا فيه ونقصوا منه وكتابكم أحدث الكتب بالله تقرءونه محضاً لم يشب، ورواه البخاري بنحوه]. قوله: (وروى) كأن الضمير يعود إلى ابن عساكر. قوله تعالى: (محدث) يعني: جديداً، وليس فيه حجة لمن يقول إن القرآن مخلوق؛ لأن حدث الله ليس كحدث المخلوق؛ ولأن كلام الله لا يشابه كلام المخلوقين، وهو محدث يعني: جديد تكلم الله به وأنزله على نبيه. وقد رد الإمام أحمد ﵀ على الزنادقة في كتابه الرد على الزنادقة، وبين لهم أنه ليس لهم حجة ولا متعلق بهذه الآية قال: إن حدث الله لا يشبه حدث المخلوق، والجهمية والمعتزلة يقولون محدث، وهذا دليل على أن القرآن مخلوق محدث.

стр. 673

تفسير قوله تعالى: (وأسروا النجوى الذين ظلموا) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء:٣] أي: قائلين فيما بينهم خفية ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء:٣]، يعنون رسول الله ﷺ يستبعدون كونه نبياً؛ لأنه بشر مثلهم فكيف اختص بالوحي دونهم؛ ولهذا قال: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء:٣]، أي: أفتتبعونه فتكونون كمن أتى بالسحر وهو يعلم أنه سحر، فقال تعالى مجيباً لهم عما افتروه واختلقوه من الكذب ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنبياء:٤]، أي: الذي يعلم ذلك لا يخفى عليه خافية، وهو الذي أنزل هذا القرآن المشتمل على خبر الأولين والآخرين الذي لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله إلا الذي يعلم السر في السموات والأرض. وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنبياء:٤]، أي: السميع لأقوالكم العليم بأحوالكم، وفي هذا تهديد لهم ووعيد]. في هذه الآيات إثبات هذين الأسمين لله فمن أسمائه السميع والعليم، وفيه إثبات صفة السمع والعلم لله ؛ لأن أسماء الله مشتقة وليست جامدة، فكل اسم مشتمل على صفة، فقوله: (هو السميع) فيه إثبات السمع، ويدعى الله بأسمائه فيقال: يا سميع يا عليم، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]. ففي هذه الآية إثبات صفة السمع والعلم، فهو يسمع أقوال عباده ويعلم أحوالهم ونياتهم، قال : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة:١]. قالت عائشة ﵂: (سبحان من وسع سمعه الأبصار لقد جاءت المجادلة -وهي خولة بنت حكيم - تجادل النبي ﷺ في زوجها أوس بن الصامت وقد ظاهر منها وقال لها: أنت كظهر أمي، فجاءت تشتكي وتجادل النبي ﷺ وتشتكي إلى الله، وتقول: يا رسول الله! ماذا أعمل؟ أوس بن الصامت تزوجني وأنا شابة فلما نثر بطني وأكل مالي جعلني كظهر أمه، فقال لها النبي: ما أراك إلا حرمت عليه، قالت: أشكو إلى الله صبية إن ضممتهم إلي جاعوا أو إليه ضاعوا، فجعلت تجادل النبي ﷺ وقالت عائشة: وكان يخفى علي بعض كلامها، والله سمع من فوق سبع سماوات فأنزل: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١])، ثم جاء الفرج وجاءت الفتوى من الله تعالى فقال: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾ [النساء:١٢٧]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة:٢]، فبين الله حكم الظهار في هذه الآية. والسمع والبصر من صفاته الذاتية قال تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، والفعلية مثل الكلام، فإن الكلام يتعلق بالمشيئة، والاختيار والغضب والرضا والاستواء هذه أيضاً من الصفات الفعلية، فهي متعلقة بالمشيئة والاختيار.

стр. 674

تفسير قوله تعالى: (بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ﴾ [الأنبياء:٥]، هذا إخبار عن تعنت الكفار وإلحادهم واختلافهم فيما يصفون به القرآن وحيرتهم فيه وضلالهم عنه، فتارة يجعلونه سحراً، وتارة يجعلونه شعراً، وتارة يجعلونه أضغاث أحلام، وتارة يجعلونه مفترى، كما قال: ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٤٨]]. وهكذا هم متناقضون، فالباطل لا يستقر على شيء، فأقوالهم متضاربة متناقضة، وهذا يدل على فسادها وبطلانها فمرة يقولون ساحر، ومرة يقولون شاعر، ومرة يقولون كاهن، ومرة يقولون مجنون، ويريدون بذلك رد الحق، لكن يختلفون بأي شيء يردونه، فكلما أتوا بقول تبين لهم بطلانه، ورأوا أن الناس لا يصدقونه فينتقلون للقول الثاني وهكذا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء:٥]، يعنون ناقة صالح وآيات موسى وعيسى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾ [الإسراء:٥٩]، ولهذا قال تعالى: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء:٦] أي: ما آتينا قرية من القرى الذين بعث فيهم الرسل آية على يدي نبيها فآمنوا بها، بل كذبوا فأهلكناهم بذلك أفهؤلاء يؤمنون بالآيات لو رأوها دون أولئك؟ كلا بل ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس:٩٦ - ٩٧]]. من كتب الله عليه الشقاء فلا حيلة فيه كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس:٩٧]، وهذا من رحمة الله تعالى بهم أنه لم يعطهم الآيات فلم يجيبوا ولو أعطوا آية ثم لم يؤمنوا بها لعوجلوا بالعقوبة؛ لأن من عادة الله أن من اقترح آية وأعطاه الله الآية التي يقترحها ثم لم يؤمن أن يعجل له بالعقوبة كما حصل لقوم صالح لما اقترحوا الناقة فأعطاهم الله إياها، فلما لم يؤمنوا أهلكهم الله، وهكذا فكل من أعطي آية فلم يؤمن بها عذب وأهلك، ومن هؤلاء أصحاب المائدة على القول بأنها نزلت كما قال تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة:١١٥]. وهذا قاله سبحانه لما طلبوا من النبي ﷺ الآيات فقالوا: يا محمد! اسأل ربك أن يفتح لنا هذه الجبال التي بمكة فقد ضيقت علينا؛ حتى نزرع ونبذر مثلما يبذر أهل الأمصار، أو اسأل ربك أن يجعلها لنا ذهباً. وهكذا آيات اقتراحية كما أخبر الله في سورة الإسراء: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه﴾ [الإسراء:٩٠ - ٩٣]، فكلها آيات اقتراحية، ولكن من رحمة الله أنه ما أجابهم؛ لأنهم لو أجيبوا ثم لم يؤمنوا لعوجلوا بالعقوبة. قال رحمه الله تعالى: [هذا كله وقد شاهدوا من الآيات الباهرات والحجج القاطعات والدلائل البينات على يدي رسول الله ﷺ ما هو أظهر وأجلى وأبهر وأقطع وأقهر مما شوهد مع غيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. قال ابن أبي حاتم ﵀: ذكر عن زيد بن الحباب: حدثنا ابن لهيعة حدثنا الحارث بن زيد الحضرمي عن علي بن رباح اللخمي حدثني من شهد عبادة بن الصامت يقول: (كنا في المسجد ومعنا أبو بكر الصديق ﵁ يقرئ بعضنا بعضاً القرآن فجاء عبد الله بن أبي ابن سلول ومعه نمرقة وزربية، فوضع واتكأ، وكان صبيحاً فصيحاً جدلاً، فقال: يا أبا بكر، قل لمحمد يأتينا بآية كما جاء الأولون، جاء موسى بالألواح وجاء داود بالزبور وجاء صالح بالناقة وجاء عيسى بالإنجيل وبالمائدة، فبكى أبو بكر ﵁، فخرج رسول الله ﷺ فقال أبو بكر: قوموا إلى رسول الله ﷺ نستغيث به من هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ : إنه لا يقام لي إنما يقام لله ، فقلنا: يا رسول الله، إنا لقينا من هذا المنافق فقال: إن جبريل قال لي: أخرج فأخبر بنعم الله التي أنعم بها عليك وفضيلته التي فضلت بها، فبشرني أني أبعث إلى الأحمر والأسود، وأمرني أن أنذر الجن، وآتاني كتابه وأنا أمي، وغفر ذنبي ما تقدم وما تأخر، وذكر اسمي في الأذان، وأيدني بالملائكة، وآتاني النصر، وجعل الرعب أمامي، وآتاني الكوثر، وجعل حوضي من أعظم الحياض يوم القيامة، ووعدني المقام المحمود والناس مهطعون مقنعو رؤوسهم، وجعلني في أول زمرة تخرج من الناس، وأدخل في شفاعتي سبعين ألفاً من أمتي الجنة بغير حساب، وآتاني السلطان والملك، وجعلني في أعلى غرفة في الجنة في جنات النعيم، فليس فوقي أحد إلا الملائكة الذين يحملون العرش، وأحل لي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلنا)، وهذا الحديث غريب جداً]. هذا الحديث غريب وضعيف ففيه ابن لهيعة وهو ضعيف، وفيه أيضاً انقطاع، وقوله: (حدثني من شهد عبادة) يدل على أن في آخره انقطاع، لكن هذه الأشياء التي جاءت في الحديث بعضها له شواهد من الآيات والأحاديث الصحيحة، وقوله: (إنه لا يقام لي وإنما يقام لله)، جاء في اللفظ الآخر: (إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله .

стр. 675

تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم) قال الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ * وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ * ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنبياء:٧ - ٩]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى راداً على من أنكر بعثة الرسل من البشر: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء:٧]، أي: جميع الرسل الذين تقدموا كانوا رجالاً من البشر لم يكن فيهم أحد من الملائكة كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف:١٠٩]. وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٩]، وقال تعالى حكاية عمن تقدم من الأمم أنهم أنكروا ذلك فقالوا: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن:٦]. ولهذا قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، أي: اسألوا أهل العلم من الأمم كاليهود والنصارى وسائر الطوائف: هل كان الرسل الذين أتوهم بشراً أو ملائكة؟ وإنما كانوا بشراً، وذلك من تمام نعمة الله على خلقه إذ بعث فيهم رسلاً منهم يتمكنون من تناول البلاغ منهم والأخذ عنهم]. إن الله تعالى أرسل إلى الناس رسلاً من جنسهم؛ حتى يأخذون عنهم، ويحفظون كلامهم، ولو كانوا من جنس آخر لما فهموا عنهم، ولما استفادوا منهم، ولهذا لما اقترح المشركون أن يكون الرسل من الملائكة قيل لهم: إن هذا لا يكون، وإنه لو كان الرسول ملكاً لكان بشراً، وإن البشر لا يستطيعون أن يأخذوا من الملك على صورته التي خلق عليها ولا أن يقربوا منه. ولهذا قال الله سبحانه: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام:٨ - ٩]، وفي هذه الآية دليل على أن النبوة خاصة بالرجال قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ [الأنبياء:٧]. وأنه ليس في النساء نبية، وفيه رد على ابن حزم القائل بأن أم عيسى مريماً نبية؛ لأن الملائكة كلمتها وكذلك أيضاً سارة امرأة إبراهيم قال: إنها نبية؛ لأن الملائكة كلمتها، وأم موسى قال: إنها نبية، وهذا باطل، والصواب أنه ليس في النساء نبية، فالنبوة مختصة بالرجال كما في هذه الآية ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف:١٠٩]. فالله تعالى ذكر منزلة مريم التي هي من أفضل النساء في مقام الامتنان، بأنها صديقة قال تعالى: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة:٧٥]، فبلغت درجة الصديقية ولم تصل إلى درجة النبوة.

стр. 676

تفسير قوله تعالى: (وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [الأنبياء:٨]، أي: بل قد كانوا أجساداً يأكلون الطعام كما قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان:٢٠]، أي: قد كانوا بشراً من البشر يأكلون ويشربون مثل الناس، ويدخلون الأسواق للتكسب والتجارة، وليس ذلك بضار لهم ولا ناقص منهم شيئاً كما توهمه المشركون في قولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ [الفرقان:٧ - ٨]، الآية. وقوله: ﴿وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ [الأنبياء:٨]، أي: في الدنيا بل كانوا يعيشون ثم يموتون ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء:٣٤]، وخاصتهم أنهم يوحى إليهم من الله تنزل عليهم الملائكة عن الله بما يحكمه في خلقه مما يأمر به وينهى عنه، وقوله: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ﴾ [الأنبياء:٩]، أي: الذي وعدهم ربهم ليهلكن الظالمين صدقهم الله وعده وفعل ذلك. ولهذا قال: ﴿فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنبياء:٩]، أي: أتباعهم من المؤمنين ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنبياء:٩]، أي: المكذبين بما جاءت به الرسل].

стр. 677

تفسير قوله تعالى: (لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم) يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ * وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ * لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠ - ١٥]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى منبهاً على شرف القرآن ومحرضاً لهم على معرفة قدره: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء:١٠]، قال ابن عباس ﵄: شرفكم، وقال مجاهد: حديثكم، وقال الحسن: دينكم، ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء:١٠]، أي: هذه النعمة وتتلقونها بالقبول]. يا لها من نعمة وهي هذا القرآن الكريم فقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء:١٠]، فهو شرف، وقوله تعالى: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء:١٠] أي: هذه النعمة فتشكرونها، وتقبلون على القرآن وتعملون به وتصدقون أخباره وتنفذون أحكامه، فتعملون بمحكمه وتؤمنون بمتشابهه، فالواجب على الأمة أن تعتني بهذا القرآن وتعتز به، وأن تفتخر به فهو فخرها، وسؤددها، وشرفها، وعزها، إذا عملت به، وإن ضيعته هلكت وضاعت. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء:١٠]، أي: هذه النعمة وتتلقونها بالقبول كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:٤٤].

стр. 678

تفسير قوله تعالى: (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة) وقوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ [الأنبياء:١١]، هذه صيغة تكثير كما قال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء:١٧]، وقال تعالى:: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [الحج:٤٥]]. قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا﴾ [الأنبياء:١١]، يعني: كثير من القرى قصمناها وأهلكناها بسبب ظلمها. و (كم) للتكثير. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الأنبياء:١١]، أي: أمة أخرى بعدهم].

стр. 679

تفسير قوله تعالى: (فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون) قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾ [الأنبياء:١٢] قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أي: تيقنوا أن العذاب واقع بهم لا محالة كما وعدهم نبيهم ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ [الأنبياء:١٢]، أي: يفرون هاربين ﴿لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ﴾ [الأنبياء:١٣]، هذا تهكم بهم قدراً أي: قيل لهم قدراً لا تركضوا هاربين من نزول العذاب وارجعوا إلى ما كنتم فيه من النعمة والسرور والمعيشة والمساكن الطيبة. قال قتادة: استهزاء بهم. ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:١٣]، أي: عما كنتم فيه من أداء شكر النعم. ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:١٤]، اعترفوا بذنوبهم حين لا ينفعهم ذلك، ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٥]، أي: ما زالت تلك المقالة وهي الاعتراف بالظلم هجيراهم حتى حصدناهم حصداً وخمدت حركاتهم وأصواتهم خموداً]. لا يفيد الاعتراف بعد نزول العذاب كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر:٨٦ - ٨٥] فإذا نزل العذاب لا يفيد الإيمان، ففرعون آمن لما نزل به العذاب، وهو الذي كان يقول للناس: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] فلما نزل به العذاب قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠]، لكن هذا لا يفيد فإذا نزل العذاب فقد انتهى الأمر. وقوله: (هجيراهم) يعني: يلهجون بها. وهذا فيه تحذير من الاستمرار على المعاصي؛ لأن الواجب على الإنسان ألا يستمر على المعاصي، بل يجب عليه أن ينتبه من غفلته ويتوب إلى الله قبل أن تأتيه العقوبة؛ لأنها إذا نزلت فلا يفيد حينئذ الاعتراف.

стр. 680

تفسير سورة الأنبياء [١٦ - ٣٣] لم يخلق الله السماوات والأرض عبثاً، بل إن الله تعالى خلقهما لحكمة بالغة، وغاية عظيمة، وهو سبحانه يقذف بالحق على الباطل فيدمغه، والويل والثبور لمن وصف الله بالباطل، وغفل عن الحكمة من خلق الخلق.

стр. 681

تفسير قوله تعالى: (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين) قال الله تعالى: [﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ * وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:١٦ - ٢٠]. قال المصنف رحمه الله تعالى: [يخبر تعالى أنه خلق السماوات والأرض بالحق، أي: بالعدل والقسط ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم:٣١]، وأنه لم يخلق ذلك عبثاً ولا لعباً، كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص:٢٧]. وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٧]، قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ [الأنبياء:١٧] يعني: من عندنا، يقول: وما خلقنا جنة ولا ناراً، ولا موتاً ولا بعثاً ولا حساباً، وقال الحسن وقتادة وغيرهما: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ [الأنبياء:١٧]: اللهو المرأة بلسان أهل اليمن، وقال إبراهيم النخعي: ﴿لاتَّخَذْنَاهُ﴾ [الأنبياء:١٧] من الحور العين. وقال عكرمة والسدي: والمراد باللهو هاهنا: الولد. وهذا والذي قبله متلازمان، وهو كقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر:٤]، فنزه نفسه عن اتخاذ الولد مطلقاً ولاسيما عما يقولون من الإفك والباطل من اتخاذ عيسى، أو العزير، أو الملائكة، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً]. هذا شرط تقديري لا يكون؛ لأن (أو) امتناع لامتناع، فقال تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٧]، ولو حرف امتناع لامتناع، وكما في الآية الأخرى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر:٤]، لكنه لا يكون؛ لأن هذا مستحيل، فهذا شرط تقديري يبين به مقادير الأشياء مثل قوله تعالى لنبيه: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥]، وهو معصوم من الشرك ﵊، لكن هذا لبيان قدر الأعمال، وأن الشرك أمره عظيم يحبط الأعمال مهما كان.

стр. 682

إثبات علو الله تعالى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٧] قال قتادة والسدي وإبراهيم النخعي ومغيرة بن مقسم: أي: ما كنا فاعلين، وقال مجاهد: كل شيء في القرآن (إن) فهو إنكار. وقوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ [الأنبياء:١٨] أي: نبين الحق فيدحض الباطل؛ ولهذا قال: ﴿فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء:١٨] أي: ذاهب مضمحل، ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ﴾ [الأنبياء:١٨] أيها القائلون لله ولد ﴿مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٨] أي: تقولون وتفترون. ثم أخبر تعالى عن عبودية الملائكة له ودأبهم في طاعته ليلاً ونهاراً، فقال: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ [الأنبياء:١٩]، يعني: الملائكة ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأنبياء:١٩] أي: لا يستنكفون عنها، كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ [النساء:١٧٢]. وقوله: ﴿وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩] أي: لا يتعبون ولا يملون ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:٢٠]، فهم دائبون في العمل ليلاً ونهاراً، مطيعون قصداً وعملاً، قادرون عليه كما قال تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]]. وهذه الآية من أدلة صفة العلو لله ، قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩]، فإن الله أخبر أن له من في السموات ومن في الأرض كلها، ثم خص الملائكة فقال: ((وَمَنْ عِنْدَهُ)). فدل على ثبوت العلو، ولو كانت الملائكة وغيرها سواء لصارت الملائكة وغيرها كلها في العلية سواء، فلما أخبر أنه له من في السموات والأرض وخص الملائكة بالعندية دل على أنهم عند الله في العلو، قال تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء:١٩]، وهم الملائكة.

стр. 683

لزوم الملائكة للطاعة قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن أبي دلامة البغدادي قال: أنبأنا عبد الوهاب بن عطاء قال: حدثنا سعيد عن قتادة عن صفوان بن محرز عن حكيم بن حزام ﵁ قال: (بينا رسول الله ﷺ بين أصحابه إذ قال لهم: هل تسمعون ما أسمع؟ قالوا: ما نسمع من شيء، فقال رسول الله ﷺ : إني لأسمع أطيط السماء، وما تلام أن تئط وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم)، غريب ولم يخرجوه]. وفي اللفظ الآخر: (أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وعليه ملك راكع، أو ساجد، أو قائم). قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم رواه ابن أبي حاتم من طريق يزيد بن أبي زريع عن سعيد عن قتادة مرسلاً. وقال أبو إسحاق عن حسان بن مخارق عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: جلست إلى كعب الأحبار وأنا غلام، فقلت له: أرأيت قول الله تعالى للملائكة: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:٢٠] أما يشغلهم عن التسبيح الكلام والرسالة والعمل؟ فقال: من هذا الغلام؟ فقالوا: من بني عبد المطلب قال: فقبل رأسي، ثم قال لي: يا بني! إنه جعل لهم التسبيح، كما جعل لكم النفس، أليس تتكلم وأنت تتنفس، وتمشي وأنت تتنفس؟]. وجاء في أهل الجنة أنهم يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس. والسائل: من الغلام؟ هو كعب.

стр. 684

تفسير قوله تعالى: (أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون) قال الله تعالى: [قال الله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢١ - ٢٣]. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ينكر تعالى على من اتخذ من دونه آلهة فقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ﴾ [الأنبياء:٢١] أي: أهم يحيون الموتى وينشرونهم من الأرض؟ أي: لا يقدرون على شيء من ذلك فكيف جعلوها لله نداً وعبدوها معه؟ ثم أخبر تعالى أنه لو كان في الوجود آلهة غيره لفسدت السموات والأرض فقال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ﴾ [الأنبياء:٢٢] أي: في السماء والأرض ((لَفَسَدَتَا)). كقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩١]، وقال هاهنا: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:٢٢] أي: عما يقولون إن له ولداً أو شريكاً وتقدس وتنزه عن الذي يفترون ويأفكون علواً كبيراً. وقوله: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] أي: هو الحاكم الذي لا معقب لحكمه، ولا يعترض عليه أحد؛ لعظمته وجلاله وكبريائه وعلوه وحكمته وعدله ولطفه، ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] أي: وهو سائل خلقه عما يعملون، كقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر:٩٢ - ٩٣]، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون:٨٨].

стр. 685

تفسير قوله تعالى: (أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا) قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٤ - ٢٥]. قال المصنف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى: ((اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ)) يا محمد! ((هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ)) أي: دليلكم على ما تقولون ((هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ)) يعني: القرآن، ((وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي)) يعني: الكتب المتقدمة على خلاف ما تقولون وتزعمون، فكل كتاب أنزل على كل نبي أرسل ناطق بأنه لا إله إلا الله، ولكن أنتم أيها المشركون لا تعلمون الحق، فأنتم معرضون عنه، ولهذا قال: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون]. قراءة حفص عن عاصم: (نوحي)، وهناك قراءة سبعية وهي: (وما أسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه). وهذه الآيات فيها تقرير توحيد الله ، وأن الله تعالى هو المستحق للعبادة دونما سواه، وأنه لا صلاح ولا قيام للسموات والأرض إلا بأن يكون الإله واحداً، وأن يكون هذا الإله هو الله ، وأن فساد السموات والأرض لازم بوجود آلهة غير الله، قال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]. فلو: حرف امتناع لامتناع، وهذا شرط تقديري لا يمكن وقوعه، فلا يمكن أن يكون فيهما إله غير الله، ولكن هذا شرط تقديري لبيان مقادير الأشياء، كقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٧]، وقوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر:٤]. وقوله لنبيه: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥]، والنبي ﷺ معصوم من الشرك، لكن الآية لبيان مقدار الشرك وأن أمره عظيم، وأنه يحبط الأعمال.

стр. 686

إثبات دليل التمانع من القرآن يقول الله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٧]، ويقول: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر:٤]، والتقدير: لا يكون، ويقول لنبيه ﷺ : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥]، والنبي ﷺ معصوم من الشرك، لكن هذا بيان مقدار الشرك وأن أمره عظيم، وأنه يحبط الأعمال مهما كانت، ولو صدر من أي إنسان مهما كان، لكن الرسول ﷺ معصوم من الشرك. قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:٢٢] أي: لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته؛ لأنه يضع الأشياء مواضعها، لا كما يقوله الجبرية: أنه لا يسأل عما يفعل لكونه يفعل بالقدرة والمشيئة، ولا حكمة له تعالى الله عن ذلك، بل هو حكيم لقوله سبحانه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء:٢٣] فلكونه حكيماً يضع الأشياء مواضعها، ولكمال حكمته لا يسأل عما يفعل. ومشاهد القيامة متعددة، فقد جاء في الآيات أنهم في موقف لا يسألون، وفي موقف ينطقون ويكذبون، ويقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣]، فمشاهد القيامة متعددة. قال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون:٩١]، فهذا يسمونه دليل التمانع، وقد قال به بعض المتكلمين، وقالوا في قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون:٩١] قالوا: إن القرآن فيه دليل التمانع، يقولون: فلو كان للعالم ربان فعند اختلافهما: كأن يريد أحدهما إماتة شيء، والآخر يريد إحياءه، أو يريد أحدهما تحريك شيء، والآخر يريد تسكينه، فإما أن يحصل مرادهما، أو لا يحصل مراد واحد منهما، أو يحصل مراد أحدهما دون الآخر، فأما كونه يحصل مرادهما جميعاً فهذا مستحيل؛ لأنه يلزم منه اجتماع الضدين، وأن يكون الشيء المتحرك ساكناً، والحي ميتاً، وهذا لا يمكن، وكونه لا يحصل مراد واحد منهما أيضاً هذا باطل؛ لأنه يلزم عجز كل منهما، والعاجز لا يكون إلهاً، فبقي الأمر الثاني وهو: أن الذي يحصل مراده هو الإله، والذي لا يحصل مراده هو العاجز المغلوب والمقهور. فيقولون: إن هذا دليل التمانع وأن الآية هذه فيها دليل التمانع، وهي قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون:٩١]، فالقرآن أتى بأحسن من أدلتهم. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولهذا قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، كما قال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٥]، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، فكل نبي بعثه الله يدعوه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والفطرة شاهدة بذلك أيضاً، والمشركون لا برهان لهم، وحجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب ولهم عذاب شديد.

стр. 687

تفسير قوله تعالى: (وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه) قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٢٦ - ٢٩]. قال المصنف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى رداً على من زعم أن له -تعالى وتقدس- ولداً من الملائكة، كمن قال ذلك من العرب: إن الملائكة بنات الله، فقال: ﴿سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦] أي: الملائكة عباد الله مكرمون عنده في منازل عالية، ومقامات سامية، وهم له في غاية الطاعة قولاً وفعلاً ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٧] أي: لا يتقدمون بين يديه بأمر ولا يخالفونه فيما أمر به، بل يبادرون إلى فعله، وهو تعالى علمه محيط بهم لا يخفى عليه منهم خافية ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [الأنبياء:٢٨]. وقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقوله: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٣]، في آيات كثيرة في معنى ذلك، ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ﴾ [الأنبياء:٢٨] أي: من خوفه ورهبته ﴿مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ [الأنبياء:٢٨ - ٢٩] أي: من ادعى منهم أنه إله من دون الله أي: مع الله ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٢٩] أي: كل من قال ذلك، وهذا شرط والشرط لا يلزم وقوعه، كقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف:٨١]، وقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥]]. وهذا فيه بيان عظمة الله وكماله وكمال كبريائه، وأنه من عظمته لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، بخلاف المخلوقين فإنه يشفع عندهم الشفيع من دون إذنهم، فيأتي الشافع للسلطان أو للأمير أو للغني ويشفع من دون أن يأذن له، وأما الله فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه؛ لكمال عظمته، ونبينا ﷺ الذي هو أوجه الناس عند الله لا يبدأ بالشفاعة أولاً بل يأتي ويسجد تحت العرش، فيحمد الله بمحامد تفتح عليه في ذلك الموقف، ثم يأتيه الإذن من الرب، فيقول الله تعالى له: (يا محمد! ارفع رأسك وسل تعط، واشفع تشفع)، فيأتي الإذن، وكذلك إذا شفع للعصاة الموحدين يحد الله لهم حداً، فالشفاعة لا بد لها من شرطين: أولهما: إذن الله للشافع أن يشفع، والثاني: رضاه عن المشفوع له، وبين ورد على الكفار الذين قالوا: إن لله ولداً فقال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ [البقرة:١١٦] أي: تنزه، ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦] أي: الملائكة عباد ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٧]، ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، فمع كونهم عباد مكرمون يشفعون إلا بإذنه وبرضاه عن المشفوع له ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨]. ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٢٩] أي: من ادعى أنه يستحق شيئاً من العبودية، أو دعا إلى عبادة نفسه، أو رضي بأن يعبد من دون الله، فهذا كافر جزاؤه جهنم أياً كان، ومثل هذا لا يقوله الملائكة ولا غيرهم، وإنما هو كفر مقدم ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ﴾ [الأنبياء:٢٩]، وهذا حكم مقدر لا يشترط وقوعه وإنما هو لبيان عظم هذا الأمر.

стр. 688

تفسير قوله تعالى: (أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً) قال الله تعالى: [﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء:٣٠ - ٣٣]. قال المصنف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى منبها على قدرته التامة، وسلطانه العظيم في خلقه الأشياء، وقهره لجميع المخلوقات، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء:٣٠] أي: الجاحدون لإلهيته، العابدون معه غيره، ألم يعلموا أن الله هو المستقل بالخلق، المستبد بالتدبير، فكيف يليق أن يعبد غيره أو يشرك به ما سواه؟ ألم يروا أن السموات والأرض كانتا رتقاً، أي: كان الجميع متصلاً بعضه ببعض، متلاصقاً متراكماً بعضه فوق بعض في ابتداء الأمر، ففتق هذه من هذه فجعل السموات سبعاً والأرض سبعاً، وفصل بين سماء الدنيا والأرض بالهواء، فأمطرت السماء وأنبتت الأرض، ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء:٣٠] أي: وهم يشاهدون المخلوقات تحدث شيئاً فشيئاً عياناً، وذلك دليل على وجود الصانع الفاعل المختار القادر على ما يشاء. ففي كل شيء له أية تدل على أنه واحد

стр. 689

معنى رتق السموات والأرض قال سفيان الثوري عن أبيه عن عكرمة قال: سئل ابن عباس: الليل كان قبل أو النهار؟ فقال: أرأيتم السموات والأرض حين كانتا رتقاً هل كان بينهما إلا ظلمة؟ ذلك لتعلموا أن الليل قبل النهار. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا إبراهيم بن حمزة حدثنا حاتم عن حمزة بن أبي محمد عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رجلاً أتاه يسأله عن السموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما، قال: اذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله ثم تعال فأخبرني بما قال لك، قال: فذهب إلى ابن عباس فسأله، فقال ابن عباس: كانت السموات رتقاً لا تمطر، وكانت الأرض رتقاً لا تنبت، فلما خلق للأرض أهلاً فتق هذه بالمطر، وفتق هذه بالنبات، فرجع الرجل إلى ابن عمر فأخبره، فقال ابن عمر: الآن قد علمت أن ابن عباس قد أوتي في القرآن علماً، صدق هكذا كانت. قال ابن عمر: قد كنت أقول ما يعجبني جرأة ابن عباس على تفسير القرآن فالآن علمت أنه قد أوتى في القرآن علماً. وقال عطية العوفي: كانت هذه رتقاً لا تمطر فأمطرت، وكانت هذه رتقاً لا تنبت فأنبتت. وقال إسماعيل بن أبي خالد: سألت أبا صالح الحنفي عن قوله: ﴿أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء:٣٠]، قال: كانت السماء واحدة ففتق منها سبع سماوات، وكانت الأرض واحدة ففتق منها سبع أرضين وهكذا قال مجاهد، وزاد: ولم تكن السماء والأرض متماستين. وقال سعيد بن جبير: بل كانت السماء والأرض ملتزقتين، فلما رفع السماء وأبرز منها الأرض كان ذلك فتقهما الذي ذكر الله في كتابه. وقال الحسن وقتادة: كانتا جميعاً، ففصل بينهما بهذا الهواء]. وبهذا يتبين أن معنى هذه الآية: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء:٣٠] أنهما كانتا ملتصقتين، ثم فتق هذه من هذه، والقول الثاني لـ ابن عباس: في فتقهما بعد أن كانتا رتقاً: كانت السماء لا تمطر والأرض لا تنبت، ففتق هذه بالمطر، وفتق هذه بالنبات، وبهذا يتبين بطلان ما يدعي بعض علماء الهيئة الذين يفسرون هذه الآية ويقولون في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء:٣٠]: أن الأرض كانت جزءاً من الشمس، وأنها كانت من فصيلة الشمس، ثم حصل شيء فانفصلت الأرض، ثم بردت فصارت أرضاً، فقالوا هذا معنى قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء:٣٠]. وعموا عن الآية التي فيها: (أن السموات والأرض) وليس فيها أن الشمس والأرض كانتا رتقاً، ومع ذلك فهم في علومهم وفي النشرات يقولون: إن معنى الآية: أن الأرض جزء من الشمس ثم انفصلت وبردت، فصارت هذه أرض، وهذه شمس، وهذا من أبطل الباطل؛ لأن الآية صريحة في أن السموات والأرض وما فيها كانتا رتقاً، فيستدلون بهذه الآية ويفسرونها بأن الأرض كانت جزءاًً من الشمس فانفصلت، وقالوا هذا معنى قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء:٣٠]، وهذا موجود الآن في المؤلفات، وفي العلوم، وفي النشرات، ويقرره بعض علماء العلوم وغيرهم. إذاً فهم يقولون: إنها جزء من الشمس، لكن هذا يحتاج إلى الدليل، والآية لا تدل على قولهم بأن الأرض جزء من الشمس، ثم انفصلت وبردت، وصارت أرضاً، ويقولون: إن هذا هو معنى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء:٣٠] والله تعالى يقول: ﴿أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [الأنبياء:٣٠]، وما قال: الشمس والأرض. قال ابن جرير: ثم اختلف أهل التأويل في معنى وصف الله السموات والأرض بالرتق، وكيف كان الرتق؟ وبأي معنى فتق؟ فقال بعضهم: عنى بذلك أن السموات كانتا ملتصقتين ففصل الله بينهما بالهواء. وقال آخرون: بل معنى ذلك أن السموات كانت مرتتقة طبقة فجعلها سبع سماوات، وكذلك الأرض كانت كذلك مرتتقة ففتقها فجعلها سبع أرضين. وقال آخرون: بل عني بذلك أن السموات كانت رتقاً لا تمطر، والأرض كذلك رتقاً لا تنبت، ففتق السماء بالمطر والأرض والنبات. وقال آخرون إنما قيل: ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء:٣٠]، لأن الليل كان قبل النهار، ففتق النهار. قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ [الأنبياء:٣٠] من المطر والنبات، ففتقنا السماء بالغيث، والأرض بالنبات، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في ذلك لدلالة قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠] على ذلك، وأنه جل ثناؤه لم يعقب ذلك بوصف الماء بهذه الصفة إلا والذي تقدمه من ذكر أسبابه. وقوله تعالى: ﴿كَانَتَا رَتْقًا﴾ [الأنبياء:٣٠] فيه أقوال: قيل: كانت الأرض ملتصقة بالسماء ففتق هذه من هذه، وقيل: ((كَانَتَا رَتْقًا)) أي: كانت السماء والأرض وحدها ففتق السموات سبع سماوات، والأرض فتقها سبع أرضين، وقيل: ((كَانَتَا رَتْقًا)): كانتا ظلمة ثم فتق النهار من الليل، وقيل: ((كَانَتَا رَتْقًا)) كانت السماء لا تمطر، والأرض لا تنبت، ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات. فهذه أربعة أقوال، واختار القول الأخير لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠]، وليس صحيحاً ما يقوله بعض علماء الهيئة من أن الأرض قطعة من الشمس، وأنها فتقت وبرزت فصارت أرضاً. وهذه كلها أقوال للسلف، وكلها تحتمل في الآية، وظاهر النص يقوي القول بأنهما كانتا ملتصقين ثم فتق هذه من هذه، وهو قول قوي، وكذلك قوله فتق هذه بالمطر، وهذه بالنبات تحتمله الآية. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: أن معنى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ [الأنبياء:٣٠] من المطر والنبات، ففتقنا السماء بالغيث والأرض بالنبات، وهو قول ابن عباس ﵄، ورجح هذا ابن جرير بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠]، قال: هذا دليل على أن المراد ففتقنا هذه بالمطر وهذه بالنبات، أي: كانتا ملتصقتين، ثم فتقهما الله وفصل هذه من هذه.

стр. 690

بيان أن الماء أصل كل شيء قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠] أي: أصل كل الأحياء منه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو الجماهر حدثنا سعيد بن بشير حدثنا قتادة عن أبي ميمونة عن أبي هريرة أنه قال: (يا نبي الله! إذا رأيتك قرت عيني، وطابت نفسي، فأخبرني عن كل شيء قال: كل شيء خلق من ماء)]. هذا الحديث أخرجه الحاكم وصححه، وفي سنده سعيد بن بشير وهو ضعيف، وأبو الجماهر: قد يكون بضم الجيم أو بفتحها. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد حدثنا همام عن قتادة عن أبي ميمونة عن أبي هريرة قال: قلت: (يا رسول الله! إني إذا رأيتك طابت نفسي، وقرت عيني، فأنبئني عن كل شيء، قال: كل شيء خلق من ماء، قلت: أنبئني عن أمر إذا عملت به دخلت الجنة، قال: أفش السلام، وأطعم الطعام، وصل الأحارم، وقم بالليل والناس نيام، ثم ادخل الجنة بسلام)]. تفرد به أحمد، والحديث له أصل، وإسناده على شرط الصحيحين. والشاهد فيه تفسيره للآية: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠]، وهو قوله: (كل شيء خلق من ماء). قال المصنف رحمه الله تعالى: [ورواه أيضاً عن عبد الصمد وعفان وبهز عن همام، تفرد به أحمد، وهذا إسناد على شرط الصحيحين إلا أن أبا ميمونة من رجال السنن واسمه سليم، والترمذي يصحح له، وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلاً، والله أعلم]. أبو ميمونة، تابعي وهو رجال السنن. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ [الأنبياء:٣١] أي: جبالاً أرسى الأرض بها وقررها وثقلها؛ لئلا تميد بالناس، أي: تضطرب وتتحرك، فلا يحصل لهم عليها قرار؛ لأنها غامرة في الماء إلا مقدار الربع فإنه باد للهواء والشمس؛ ليشاهد أهلها السماء وما فيها من الآيات الباهرات، والحكم والدلالات]. ما بدا من الأرض إلا الربع والباقي ماء البحار، أي: ثلاثة أرباع الأرض بحار، والآن في التقريرات الأخيرة يقولون: إنها أقل من الربع، أي: أن اليابس أقل من الربع. والنار لا شك أنها في الأرض السابعة، وستبرز يوم القيامة وتسجر البحار وتكون جزءاً منها نعوذ بالله، ولا شك أن هذا ليس فيه إشكال، قال تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ [النازعات:٣٦].

стр. 691

عظم بعض مخلوقات الله قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولهذا قال: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء:٣١] أي: لئلا تميد بهم، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا﴾ [الأنبياء:٣١]]. هذا قد يستدل به لمن قال: إن الأرض ثابتة، وأنها قارة وليست متحركة، كما قال تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل:١٥]، وقد نقل القرطبي إجماع العلماء على أن الأرض قارة ثابتة، وكذلك نقله ابن القيم، وفيه رد على أهل الهيئة الذين يقولون: إن الأرض متحركة، وأنها تدور، ويقولون: إنها متحركة، وإن كانت متحركة حركة لا تؤثر، لكن هذا خلاف الظاهر، وظاهر النصوص تدل على أن الأرض ثابتة قارة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا﴾ [الأنبياء:٣١] أي: ثغراً في الجبال يسلكون فيها طرقاً من قطر إلى قطر، وإقليم إلى إقليم، كما هو المشاهد في الأرض، يكون الجبل حائلاً بين هذه البلاد، وهذه البلاد فيجعل الله فيه فجوة لغيره، ليسلك الناس فيها من هاهنا إلى هاهنا، ولهذا قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء:٣١]. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا﴾ [الأنبياء:٣٢] أي: على الأرض، وهي كالقبة عليها، كما قال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَْيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧]، وقال: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس:٥]، ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ [ق:٦]، والبناء هو: نصب القبة، كما قال رسول الله ﷺ : (بني الإسلام على خمس) أي: خمس دعائم، وهذا لا يكون إلا في الخيام على ما تعهده العرب ﴿مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء:٣٢] أي: عالياً محروساً أن ينال، وقال مجاهد: مرفوعاً. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي حدثني أبي عن أبيه عن أشعث يعني ابن إسحاق القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال رجل: (يا رسول الله! ما هذه السماء؟ قال: هذا موج مكفوف عنكم)، إسناده غريب. وقوله: ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:٣٢] كقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف:١٠٥] أي: لا يتفكرون فيما خلق الله فيها من الاتساع العظيم، والارتفاع الباهر، وما زينت به من الكواكب الثوابت والسيارات في ليلها، وفي النهار من هذه الشمس التي تقطع الفلك بكماله في يوم وليلة، فتسير غاية لا يعلم قدرها إلا الله الذي قدرها وسخرها وسيرها. وقد ذكر ابن أبي الدنيا في كتابه التفكر والاعتبار: أن بعض عباد بني إسرائيل تعبد ثلاثين سنة وكان الرجل منهم إذا تعبد ثلاثين سنة أظلته غمامة، فلم ير ذلك الرجل شيئاً مما كان يُرى لغيره]. أي: ما حصل له شيء مما يحصل لغيره، وكان الواحد منهم إذا تعبد ثلاثين سنة أظلته غمامة، وهذا تعبد ثلاثين سنة ولم تظله غمامة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فشكا ذلك إلى أمه، فقالت له: يا بني! فلعلك أذنبت في مدة عبادتك هذه؟ فقال: لا والله ما أعلم، قالت: فلعلك هممت؟ قال: لا والله ولا هممت، قالت: فلعلك رفعت بصرك إلى السماء ثم رددته بغير فكر؟ فقال: نعم، كثيراً، قالت: فمن هاهنا أتيت. ثم قال منبهاً على بعض آياته: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [الأنبياء:٣٣] أي: هذا في ظلامه وسكونه، وهذا بضيائه وأنسه، يطول هذا تارة ثم يقصر أخرى، وعكسه الآخر ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [الأنعام:٩٦]، هذه لها نور يخصها وفلك بذاته، وزمان على حدة، وحركة وسير خاص، وهذا بنور آخر، وفلك آخر، وسير آخر وتقدير آخر ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠]]. كل واحد منهما له سير، وكل واحد منهما له فلك، كما قال تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء:٣٣]، والشمس دورتها في اليوم، والقمر دورته شهرية، فكل شهر يدور يخرج من المغرب ثم ينتهي إلى المشرق. وإذا كانت الدورة الكاملة يبدأ من المغرب هلالاً فيتنقل، ولا يزال يكبر حتى يكون في منتصف الشهر، فيكون تمامه، ثم لا يزال ينقص شيئاً فشيئاً حتى يضعف، وهذا في نوره، وفي الدورة الشهرية، ونوره في السموات، كما أن نوره في الأرض. قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال ابن عباس ﵄: يدورون كما يدور المغزل في الفلكة، وكذا قال مجاهد: فلا يدور المغزل إلا بالفلكة، ولا الفلكة إلا بالمغزل، كذلك النجوم والشمس والقمر لا يدورون إلا به، ولا يدور إلا بهن، كما قال تعالى: ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام:٩٦]].

стр. 692

تفسير سورة الأنبياء [٣٤ - ٤٧] لم يجعل الله تعالى الخلد لأحد من مخلوقاته، بل كتب الفناء على كل شيء ويبقى وجهه سبحانه. أما أهل الباطل من المشركين الذين كانوا يستهزئون بالرسول ﷺ ويحتقرونه، فقد سلى الله نبيه بأنه قد استهزئ بالأنبياء قبله فصبروا، والعاقبة للصابرين.

стр. 693

تفسير قوله تعالى: (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد)

стр. 694

ترجيح موت الخضر قال الله تعالى: [﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤ - ٣٥] يقول تعالى: ((وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ)) أي: يا محمد، ((الْخُلْدَ))، أي: في الدنيا بل ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]]. وقد استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من العلماء إلى أن الخضر ﵇ قد مات وليس بحي إلى الآن؛ لأنه بشر سواء كان ولياً أو نبياً أو رسولاً. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء:٣٤]، وقوله: ﴿أَفَإِينْ مِتَّ﴾ [الأنبياء:٣٤] أي: يا محمد، ﴿فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤] أي: يؤملون أن يعيشوا بعدك، فلا يكون هذا بل كل إلى فناء، ولهذا قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]]. الصواب أن الخضر قد مات، ومن العلماء من قال أن الخضر موجود، وقالوا: إنه من المعمرين، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه لو كان باقياً لجاء إلى النبي ﷺ وآمن به، وهو إما عبد صالح أو نبي، ولو كان موجوداً لأتى إلى النبي ﷺ ، ثم لو قدر أنه موجود لشمله الحديث الذي قاله النبي ﷺ في آخر حياته، وهو: (أرأيتم ليلتكم هذه، فإنه بعد مائة سنة لا يبقى على ظهر الأرض أحد). هذا هو الصواب خلافاً لمن قال: إنه من المعمرين، وأنه باقٍ. [وقد روي عن الشافعي ﵀ أنه أنشد واستشهد بهذين البيتين: تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد]. أي: لستُ الوحيد، فقد سبقني غيري. قال المصنف رحمه الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥] أي: نختبركم بالمصائب تارة وبالنعم أخرى؛ لننظر من يشكر ومن يكفر، ومن يصبر ومن يقنط، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: ﴿وَنَبْلُوكُمْ﴾ [الأنبياء:٣٥] يقول: نبتليكم (بالشر والخير فتنة) بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال وقوله: ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥] أي: فنجازيكم بأعمالكم. ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ * خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء:٣٦ - ٣٧]]. وقوله: أن السماء قبة للأرض لا يعني أن الأرض مسطحة، بل يعني: أن السماء مستديرة والأرض كذلك.

стр. 695

تفسير قوله تعالى: (وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزواً) قال الله تعالى: [قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ * خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء:٣٦ - ٣٧]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء:٣٦]، يعني: كفار قريش كـ أبي جهل وأشباهه ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ [الأنبياء:٣٦] أي: يستهزئون بك وينتقصونك ويقولون: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء:٣٦] يعنون: أهذا الذي يسب آلهتكم، ويسفه أحلامكم؟! قال تعالى: ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [الأنبياء:٣٦] أي: وهم كافرون بالله، ومع هذا يستهزئون برسوله ﷺ ، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا * إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤١ - ٤٢]].

стр. 696

بيان أن الإنسان طبع على العجلة، والحكمة من ذكرها هنا قوله: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء:٣٧] كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء:١١] أي: في الأمور، قال مجاهد: خلق الله آدم بعد كل شيء من آخر النهار يوم خلق الخلائق، فلما أحيا الروح عينه ولسانه ورأسه لم يبلغ أسفله قال: يا رب! استعجل بخلقي قبل غروب الشمس]. من عجلته لم يصبر، قال تعالى: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء:٣٧]، فلما وصلت الروح إلى رأسه وعينيه قال: رب عجِّل بالخلق قبل غروب الشمس. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا محمد بن علقمة بن وقاص الليثي عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها مؤمن يصلي، وقبض أصابعه يقللها فسأل الله خيراً إلا أعطاه إياه)]. قوله: يقللها أي: ساعة قليلة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو سلمة: فقال عبد الله بن سلام: قد عرفت تلك الساعة، وهي آخر ساعات النهار من يوم الجمعة، وهي التي خلق الله فيها آدم، قال الله تعالى: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء:٣٧] والحكمة في ذكر عجلة الإنسان هاهنا أنه لما ذكر المستهزئين بالرسول صلوات الله وسلامه عليه وقع في النفوس سرعة الانتقام منهم واستعجلت ذلك، فقال الله تعالى: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء:٣٧]، لأنه تعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، يؤجل ثم يعجل، وينظر ثم لا يؤخر]. قوله: يؤجل ثم يعجل، أي: يؤخر ثم يعاجل بالعقوبة، ويملي للظالم ثم يعاجله ويأخذه، كما قال الرسول ﷺ : (إن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]). قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولهذا قال: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي﴾ [الأنبياء:٣٧] أي: نقمي وحكمي واقتداري على من عصاني ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء:٣٧]].

стр. 697

تفسير قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ * بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ [الأنبياء:٣٨ - ٤٠]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يخبر تعالى عن المشركين أنهم يستعجلون أيضاً بوقوع العذاب بهم؛ تكذيباً وجحوداً وكفراً وعناداً واستبعاداً، فقال: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس:٤٨]. قال الله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنبياء:٣٩] أي: لو تيقنوا أنها واقعة بهم لا محالة لما استعجلوا به، ولو يعلمون حين يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر:١٦]، ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف:٤١]. وقال في هذه الآية: ﴿حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنبياء:٣٩]، وقال: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم:٥٠]، فالعذاب محيط بهم من جميع جهاتهم ﴿وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الأنبياء:٣٩] أي: لا ناصر لهم كما قال: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [الرعد:٣٤]. وقوله: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ [الأنبياء:٤٠] أي: تأتيهم النار بغتة، أي: فجأة ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ [الأنبياء:٤٠] أي: تذعرهم، فيستسلمون لها حائرين لا يدرون ما يصنعون]. وفي نسخة أخرى: تفزعهم، وتذعرهم وتفزعهم متقاربة، فهذا من الذعر وهذا من الفزع، وفي نسخة أخرى فتدعوهم، أي: تدعوهم إليها، نسأل الله العافية. قال المصنف رحمه الله تعالى: [﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾ [الأنبياء:٤٠] أي: ليس لهم حيلة في ذلك. ﴿وَلا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ [الأنبياء:٤٠]، أي: ولا يؤخر عنهم ذلك ساعة واحدة.

стр. 698

تفسير قوله تعالى: (ولقد استهزئ برسل من قبلك) قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون * قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ * أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء:٤١ - ٤٣]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى مسلياً لرسوله صلوات الله وسلامه عليه عما آذاه به المشركون من الاستهزاء والتكذيب ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [الأنبياء:٤١] يعني: من العذاب الذي كانوا يستبعدون وقوعه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام:٣٤]. ثم ذكر تعالى نعمته على عبيده في حفظه لهم بالليل والنهار، وكلاءته وحراسته لهم بعينه التي لا تنام فقال: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء:٤٢] أي: بدل الرحمن بمعنى غيره. كما قال الشاعر: جارية لم تلبس المرققا ولم تذق من البقول الفستقا أي: لم تذق بدل البقول الفستق]. قوله: لم تلبس المرققا: أي الثياب الرقيقة، بمعني: أنها ليست جارية منعمة، وقوله: ولم تذق من البقول الفستقا أي: بدل، و (من) هنا بمعنى: بدل، والمؤلف يريد أن يستشهد بهذا البيت على أن قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء:٤٢] أن معناها: بدل الرحمن، أي: لا يكلؤكم غيره . وفي هذه الآيات بيان أن المشركين كانوا يستهزئون بالنبي ﷺ ، فإذا رأوه اتخذوه هزواً، وقالوا كما قال تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان:٤١]، وكما قال: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء:٣٦]، فيسخرون منه ﵊، أي: أهذا الذي يعيب آلهتكم ويشتمها! قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:٤٢]، ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء:٤٣]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ * خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء:٣٦ - ٣٧]، يبين فيه أنه خلق الإنسان من عجل، وأنه خلق في آخر ساعة من يوم الجمعة بعد نهاية الخلائق. ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء:٣٧] أي: فلا ينبغي للإنسان أن يستعجل بإهلاك هؤلاء الكفار؛ لأن الإنسان مخلوق من عجل، والله تعالى يمهل ولا يهمل، ويملي للظالم، ويفتح باب الرجاء للعبد، ويعطيه المهلة ويمهله لعله يتوب ويرجع إلى الله، والله حليم لا يعجل ، بخلاف الإنسان فإنه مخلوق من عجل. ثم سلى نبيه ﵊ وقال: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الأنعام:١٠]، فالأنبياء الذين سبقوك استهزأ بهم، كنوح وهود وصالح وشعيب، فصبروا وأوذوا، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥]، فيها تسلية للنبي ﷺ . وقوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ [الأحقاف:٢٦] أي: وقع بهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [الأحقاف:٢٦]، فهذه تسلية لنبينا ﵊؛ ليقتدي بمن سبقه، وهو ﵊ أقواهم وأشدهم تحملاً وصبراً، ﵊. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:٤٢] أي: لا يعترفون بنعمه عليهم وإحسانه إليهم، بل يعرضون عن آياته وآلائه. ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾ [الأنبياء:٤٣] استفهام إنكار وتقريع وتوبيخ، أي: ألهم آلهة تمنعهم وتكلؤهم غيرنا؟ ليس الأمر كما توهموا، ولا كما زعموا، ولهذا قال: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأنبياء:٤٣] أي: هذه الآلهة التي استندوا إليها غير الله لا يستطيعون نصر أنفسهم، وقوله: ﴿وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء:٤٣] قال العوفي عن ابن عباس: ﴿وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء:٤٣] أي: يجارون، وقال قتادة: لا يصحبون من الله بخير، وقال غيره: ﴿وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء:٤٣]: يمنعون]. ينكر الله تعالى عليهم ويقول: هل لهم آلهة تمنعهم من دوننا؟! قال تعالى: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء:٤٣] أي: يجارون ويمنعون، فهم لا يستطيعون نصر أنفسهم، ولا يمنعون من قبل الله؛ لأنهم تحت قبضته وفي تصرفه، فالله تعالى هو الذي يكلأ عباده ويحفظهم ، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ * أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأنبياء:٤٢ - ٤٣] أي: معبودات من دون الله، قوله تعالى: ﴿تَمْنَعُهُمْ﴾ [الأنبياء:٤٣]، أي: من الله، وهؤلاء الآلهة لا ينصرون أنفسهم وقوله تعالى: ﴿وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء:٤٣] أي: يجارون ويمنعون، فلا أحد يمنعهم، ولا أحد يدفع عنهم من الله شيئاً إذا أراد بهم شيئاً، فليس لهم هناك آلهة تمنعهم، وليس هناك إلا الله فليعترفوا بفضل الله ونعمته، فهو الذي يكلأ عباده، وهذه الآلهة لو قدرت فلا تستطيع نصر أنفسها، ولا تستطيع أن تمنع نفسها من الله إذا أراد بها شيئاً.

стр. 699

تفسير قوله تعالى: (بل متعنا هؤلاء وآباءهم)

стр. 700

بيان أن الكفار مغلوبون، ومعنى نقص الأرض قال الله تعالى: [﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ * قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ * وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٤ - ٤٧]. قال المصنف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى مخبراً عن المشركين: إنما غرهم وحملهم على ما هم فيه من الضلال أنهم مُتّعوا في الحياة الدنيا، ونعموا وطال عليهم العمر فيما هم فيه، فاعتقدوا أنهم على شيء، ثم قال واعظاً لهم: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء:٤٤]، اختلف المفسرون في معناه، وقد أسلفناه في سورة الرعد، وأحسن ما فسر بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف:٢٧]. وقال الحسن البصري: يعني بذلك: ظهور الإسلام على الكفر، والمعنى: أفلا يعتبرون بنصر الله لأوليائه على أعدائه، وإهلاكه الأمم المكذبة، والقرى الظالمة، وإنجائه لعباده المؤمنين؛ ولهذا قال: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الأنبياء:٤٤] يعني: بل هم المغلوبون الأسفلون الأخسرون الأرذلون]. أي: أن هؤلاء المشركين لما متعهم الله، وطال عليهم العمر ظنوا أنهم على شيء، قال الله تعالى مبيناً: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء:٤٤] بإهلاك الكفرة المخالفين للرسل، كما قال : ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ [الأحقاف:٢٧]، فهذا هو نقص الأرض بإهلاك هؤلاء الكفرة، وغلبة الرسل عليهم، وإنجاء الله للرسل وأتباعهم، فكيف تغترون أيها الكفار بما متعتم به من الأعمار فتظنون أنكم على شيء؟! ألا ترون أن المكذبين أهلكهم الله؟ فلا تستمروا على كفركم فإن عاقبتكم كعاقبتهم. وقوله تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الأنبياء:٤٤] أي: بل هم المغلوبون الأسفلون، فالمكذبون وأعداء الرسل هم المغلوبون، وهم المهلكون، والعاقبة للرسل وأتباعهم. وقوله: (ننقصها) هذا نقص في الأرض، وجاء قول آخر أن معنى ذلك موت العلماء. فإن قيل: هل تستجاب دعوة الكافر؟ قلنا: نعم، قد تجاب دعوته؛ لأن هذا يتعلق بالربوبية، كما أن الله يخلق الكافر ويرزقه فقد يجيب دعوته إذا كان مضطراً، ولا يدل ذلك على قربه من الله؛ ولأنه قد يكون مظلوماً أيضاً فتجاب دعوته ولو كان كافراً، والمؤمن قد يمنع ولا تجاب دعوته إذا كان آكلاً للحرام متلبساً بالمعاصي حتى يتوب إلى الله. قال المصنف رحمه الله تعالى: [﴿قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء:٤٥] أي: إنما أنا مبلغ عن الله ما أنذركم به من العذاب والنكال، وليس ذلك إلا عما أوحاه الله إلي، ولكن لا يجدي هذا عمن أعمى الله بصيرته، وختم على سمعه وقلبه، ولهذا قال: ﴿وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ﴾ [الأنبياء:٤٥]. وقوله: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٤٦] أي: ولئن مس هؤلاء المكذبين أدنى شيء من عذاب الله ليعترفن بذنوبهم، وأنهم كانوا ظالمين لأنفسهم في الدنيا. وقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء:٤٧] أي: ونضع الموازين العدل ليوم القيامة، والأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه].

стр. 701

بيان أن الميزان يوم القيامة حقيقي حسي أكثر العلماء على أنه ميزان واحد، وهو ميزان عظيم له كفتان، وكل كفة أعظم من طباق السموات والأرض، وله لسان، فيوزن فيه جميع أعمال العباد، وجمع الموازين هنا لتعدد الأعمال. وقال آخرون من أهل العلم: إن هناك موازين متعددة، وكل شخص له ميزان يوزن به عمله، ولكن الأقرب أنه ميزان واحد، وإنما جمع نظراً لتعدد الأعمال التي توزن فيه، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] وهو ميزان واحد. وهو ميزان حسي له كفتان كل كفة كأطباق السموات والأرض، فتوزن فيه الأعمال، ويوزن الأشخاص أيضاً، وفي الحديث: (يؤتى بالرجل العظيم السمين لا يزن عند الله جناح بعوضة، ثم قرأ قول الله تعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥]). وأنكر المعتزلة الميزان الحسي، وقالوا: ليس هناك ميزان حسي، وإنما هو ميزان معنوي وهو العدل، وقالوا: إن الرب لا يحتاج إلى ميزان، والذي يحتاج إلى الميزان هو البقال والفوال، وأما الرب فلا يحتاج إلى ميزان، وإنما المقصود بالميزان العدل، فالله يعدل بين العباد، وليس هناك ميزان حسي توزن فيه الأعمال؛ لأن الرب لا يحتاج إلى هذا، فعارضوا النصوص بعقولهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة، والصواب: أنه ميزان حسي، له كفتان -كما دل عليه القرآن الكريم- عظيمتان، وله لسان، وتوزن فيه أعمال العباد، ويوزن فيه الأشخاص كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، فقد جاء أن الريح كشفت عن ساقي ابن مسعود ﵁ فضحك الصحابة، فسألهم: مما ضحكتم؟ قالوا: من دقة ساقيه، فقال ﵊: والذي نفسي بيده لهما في الميزان يوم القيامة أثقل من جبل أحد)؛ بسبب عمله الصالح ﵁ وأرضاه. وهو ميزان حسي خلافاً للمعتزلة القائلين بأن المراد به العدل، وهو أعظم من طباق السموات والأرض.

стр. 702

ثقل العمل في الميزان يوم القيامة قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، كما قال تعالى: ﴿وََلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٠]. وقال لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦]. وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)]. والشاهد قوله ﷺ : (ثقيلتان في الميزان)، وهذا الحديث آخر حديث في صحيح البخاري، فهي لا تكلف شيئاً، وهي خفيفة على اللسان، والرحمن يحبها، وهي ثقيلة في الميزان، وفيه إثبات المحبة للرب : (حبيبتان إلى الرحمن). والحديث فيه الرد على من أنكر المحبة من الأشاعرة والمعتزلة والجهمية. ويوم القيامة يوزن العمل، ويوزن بعض الأشخاص كما جاء هذا في الأحاديث، كما في حديث ابن مسعود: (أنه يؤتى بالرجل العظيم السمين لا يزن عند الله جناح بعوضة).

стр. 703

حديث البطاقة قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني قال: حدثنا ابن المبارك عن ليث بن سعد قال: حدثني عامر بن يحيى عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يستخلص رجلاً من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً كل سجل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا رب، قال: أفلك عذر أو حسنة؟ قال: فبهت الرجل فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم اليوم عليك، فيخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فيقول: أحضروه، فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، قال: ولا يثقل شيء بسم الله الرحمن الرحيم)]. الحبلى: بضم الحاء والباء. هذا الحديث معروف عند أهل العلم بحديث البطاقة، وهو أرجى حديث لأهل السنة، وأرجى حديث للمؤمنين، وفيه قصة الرجل الذي يخرج له تسعة وتسعون سجلاً كل سجل مد البصر، وكله سيئات، فيعرض عليه، فيقول الله: أليست هذه أعمالك؟ فيقول: بلى يا رب! فيقول: أظلمتك كتبتي الحفظة؟ هل يوجد شيء لم تعمله؟ فيقول: لا يا رب! فيقول: هل لك حسنة؟ أتذكر شيئاً عملته؟ فيقول: لا يا رب! فيقول الله: بلى إن لك عندنا حسنة، فيخرج له بطاقة فيها الشهادتان: أشهد أن لا إله الله وأشهد أن محمد رسول الله، فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة فغفر له. فهذا أرجى حديث للمؤمنين الموحدين، ومعلوم أن كل واحد من المسلمين له مثل هذه البطاقة، وكل واحد يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وكثير من المسلمين عصاة يعذبون في النار، ويعذبون في قبورهم، وهذا الرجل نجا فما السبب مع أن له بطاقة فيها الشهادتان، وكل المسلمين لهم مثل هذه البطاقة؟ و الجواب أن هذه الشهادة قالها عن علم وصدق وإخلاص وتوبة صادقة، فمحت هذه الذنوب وقضت عليها، فقد تاب عند الموت ولم يتمكن من العمل، فالتوبة محت هذا الذنوب وقضت عليها. وليس هذا الحديث حجة لمن يترك الصلاة؛ لأن هذا قالها عن توبة وإخلاص وصدق لكنه لم يتمكن من العمل، ومن شروط صحة الشهادة الصلاة، فمن لم يصل لم تصح شهادته، والذي لا يصلي تلغى هذه الشهادة، وقد يكون قد قالها عند الموت عن توبة وإخلاص ولم يتمكن من العمل؛ لأنه لا تصح الشهادة ولا تكون شهادة نافعة إلا إذا وجد شرطها، وشرطها الصلاة، فالصلاة شرط صحة الإيمان وصحة الشهادة، ومن لم يصل فتكون شهادته باطلة منتقضة. كما أن من صلى بغير وضوء فصلاته باطلة، فكذلك من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله بغير صلاة لم تصح شهادته. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث الليث بن سعد به، وقال الترمذي: حسن غريب]. قوله: (ولا يثقل مع اسم الله شيء)، وهذه الزيادة فيها نظر، والحديث رواه الترمذي، ولا بأس به، واعتمده العلماء، وهو مشهور بحديث البطاقة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن يحيى عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : (توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل فيوضع في كفة، ويوضع ما أحصي عليه فيمايل به الميزان، قال: فيبعث به إلى النار، قال: فإذا أدبر به إذا صائح من عند الرحمن يقول: لا تعجلوا فإنه قد بقي له، فيؤتى ببطاقة فيها لا إله إلا الله، فتوضع مع الرجل في كفة حتى يميل به الميزان)]. يميل به: أي يرجح به، ومال الميزان: رجح، وهذا كله فيه دليل على أن الميزان ميزان حقيقي حسي، وله كفتان حسيتان، وفيه الرد على المعتزلة القائلين بأنه ميزان معنوي وليس ميزاناً حسياً، وهذه النصوص دليل أنه ميزان حسي، وله كفتان، يوضع فيهما الأشخاص والأعمال، وتوزن حقيقة.

стр. 704

كيفية القصاص يوم القيامة قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو نوح قراد قال: أنبأنا ليث بن سعد عن مالك بن أنس عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂: (أن رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ جلس بين يديه فقال: يا رسول الله! إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأضربهم وأشتمهم فكيف أنا منهم؟ فقال له رسول الله ﷺ : يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلاً لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل الذي بقي قبلك، فجعل الرجل يبكي بين يدي رسول الله ﷺ ويهتف، فقال رسول الله ﷺ : ماله لا يقرأ كتاب الله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، فقال الرجل: يا رسول الله! ما أجد شيئاً خيراً من فراق هؤلاء - يعني عبيده - إني أشهدك أنهم أحرار كلهم)]. أبو نوح هو عبد الرحمن بن غزوان، وكنيته أبو نوح ولقبه قراداً. وليث بن سعد إمام، والزهري كذلك إمام، وعروة إمام من أئمة التابعين. هذا الرجل يقول: إن له عبيداً لا يطيعونه ويكذبونه ويخونونه، وهو يضربهم ويشتمهم، ويقول للرسول ﷺ ما حالي وحالهم يوم القيامة؟ فقال: ينظر إن كان عقابك إياهم أقل من كذبهم وخيانتهم لك بقي لك فضل يوم القيامة، وإن كان بمقدار كذبهم وخيانتهم فهو كفاف لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك أكثر فيقتصون منك الزائد، فاختار أن يفارقهم وأعتقهم. والسيد إذا ضرب عبيده ضرب تأديب فلا بأس بذلك، فضرب التأديب مطلوب، لكن إذا زاد فذلك ممنوع، والمراد أن يكون الضرب ضرب تأديب لا ضرب تعذيب، وكذلك ضرب الخادم، وضرب التلميذ، وضرب الأب لابنه، فالأب ينبغي عليه أن يضرب ضرب تأديب، فإذا زاد فإنه يقتص منه، فلا يضرب ضرب تعذيب وإيذاء. وكذلك ضرب الرجل زوجته عند خوف نشوزها قال الله تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤]، فبعد الوعظ والهجر يأتي الضرب، ويكون ضرب تأديب، قال العلماء: لا يضرب الوجه، ولا يكسر عظماً، ولا يجرح.

стр. 705

تفسير سورة الأنبياء [٤٨ - ٦٧] كان أبو الأنبياء إبراهيم ﵇ يدعو قومه إلى التوحيد، وترك الشرك، وقد جادلهم بالحجة الظاهرة الباهرة، بطريقة عقلية واضحة بينة، فلم ينقادوا له لعمى قلوبهم، ولاتباعهم لآبائهم.
следующие страницы →