Полный текст (873 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
بيان أن الميزان يوم القيامة حقيقي حسي
أكثر العلماء على أنه ميزان واحد، وهو ميزان عظيم له كفتان، وكل كفة أعظم من طباق السموات والأرض، وله لسان، فيوزن فيه جميع أعمال العباد، وجمع الموازين هنا لتعدد الأعمال.
وقال آخرون من أهل العلم: إن هناك موازين متعددة، وكل شخص له ميزان يوزن به عمله، ولكن الأقرب أنه ميزان واحد، وإنما جمع نظراً لتعدد الأعمال التي توزن فيه، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧] وهو ميزان واحد.
وهو ميزان حسي له كفتان كل كفة كأطباق السموات والأرض، فتوزن فيه الأعمال، ويوزن الأشخاص أيضاً، وفي الحديث: (يؤتى بالرجل العظيم السمين لا يزن عند الله جناح بعوضة، ثم قرأ قول الله تعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥]).
وأنكر المعتزلة الميزان الحسي، وقالوا: ليس هناك ميزان حسي، وإنما هو ميزان معنوي وهو العدل، وقالوا: إن الرب لا يحتاج إلى ميزان، والذي يحتاج إلى الميزان هو البقال والفوال، وأما الرب فلا يحتاج إلى ميزان، وإنما المقصود بالميزان العدل، فالله يعدل بين العباد، وليس هناك ميزان حسي توزن فيه الأعمال؛ لأن الرب لا يحتاج إلى هذا، فعارضوا النصوص بعقولهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة، والصواب: أنه ميزان حسي، له كفتان -كما دل عليه القرآن الكريم- عظيمتان، وله لسان، وتوزن فيه أعمال العباد، ويوزن فيه الأشخاص كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، فقد جاء أن الريح كشفت عن ساقي ابن مسعود ﵁ فضحك الصحابة، فسألهم: مما ضحكتم؟ قالوا: من دقة ساقيه، فقال ﵊: والذي نفسي بيده لهما في الميزان يوم القيامة أثقل من جبل أحد)؛ بسبب عمله الصالح ﵁ وأرضاه.
وهو ميزان حسي خلافاً للمعتزلة القائلين بأن المراد به العدل، وهو أعظم من طباق السموات والأرض.
стр. 702
ثقل العمل في الميزان يوم القيامة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، كما قال تعالى: ﴿وََلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٠].
وقال لقمان: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦].
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)].
والشاهد قوله ﷺ : (ثقيلتان في الميزان)، وهذا الحديث آخر حديث في صحيح البخاري، فهي لا تكلف شيئاً، وهي خفيفة على اللسان، والرحمن يحبها، وهي ثقيلة في الميزان، وفيه إثبات المحبة للرب : (حبيبتان إلى الرحمن).
والحديث فيه الرد على من أنكر المحبة من الأشاعرة والمعتزلة والجهمية.
ويوم القيامة يوزن العمل، ويوزن بعض الأشخاص كما جاء هذا في الأحاديث، كما في حديث ابن مسعود: (أنه يؤتى بالرجل العظيم السمين لا يزن عند الله جناح بعوضة).
стр. 703
حديث البطاقة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني قال: حدثنا ابن المبارك عن ليث بن سعد قال: حدثني عامر بن يحيى عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يستخلص رجلاً من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً كل سجل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا رب، قال: أفلك عذر أو حسنة؟ قال: فبهت الرجل فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم اليوم عليك، فيخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فيقول: أحضروه، فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، قال: ولا يثقل شيء بسم الله الرحمن الرحيم)].
الحبلى: بضم الحاء والباء.
هذا الحديث معروف عند أهل العلم بحديث البطاقة، وهو أرجى حديث لأهل السنة، وأرجى حديث للمؤمنين، وفيه قصة الرجل الذي يخرج له تسعة وتسعون سجلاً كل سجل مد البصر، وكله سيئات، فيعرض عليه، فيقول الله: أليست هذه أعمالك؟ فيقول: بلى يا رب! فيقول: أظلمتك كتبتي الحفظة؟ هل يوجد شيء لم تعمله؟ فيقول: لا يا رب! فيقول: هل لك حسنة؟ أتذكر شيئاً عملته؟ فيقول: لا يا رب! فيقول الله: بلى إن لك عندنا حسنة، فيخرج له بطاقة فيها الشهادتان: أشهد أن لا إله الله وأشهد أن محمد رسول الله، فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة فغفر له.
فهذا أرجى حديث للمؤمنين الموحدين، ومعلوم أن كل واحد من المسلمين له مثل هذه البطاقة، وكل واحد يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وكثير من المسلمين عصاة يعذبون في النار، ويعذبون في قبورهم، وهذا الرجل نجا فما السبب مع أن له بطاقة فيها الشهادتان، وكل المسلمين لهم مثل هذه البطاقة؟
و
الجواب
أن هذه الشهادة قالها عن علم وصدق وإخلاص وتوبة صادقة، فمحت هذه الذنوب وقضت عليها، فقد تاب عند الموت ولم يتمكن من العمل، فالتوبة محت هذا الذنوب وقضت عليها.
وليس هذا الحديث حجة لمن يترك الصلاة؛ لأن هذا قالها عن توبة وإخلاص وصدق لكنه لم يتمكن من العمل، ومن شروط صحة الشهادة الصلاة، فمن لم يصل لم تصح شهادته، والذي لا يصلي تلغى هذه الشهادة، وقد يكون قد قالها عند الموت عن توبة وإخلاص ولم يتمكن من العمل؛ لأنه لا تصح الشهادة ولا تكون شهادة نافعة إلا إذا وجد شرطها، وشرطها الصلاة، فالصلاة شرط صحة الإيمان وصحة الشهادة، ومن لم يصل فتكون شهادته باطلة منتقضة.
كما أن من صلى بغير وضوء فصلاته باطلة، فكذلك من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله بغير صلاة لم تصح شهادته.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث الليث بن سعد به، وقال الترمذي: حسن غريب].
قوله: (ولا يثقل مع اسم الله شيء)، وهذه الزيادة فيها نظر، والحديث رواه الترمذي، ولا بأس به، واعتمده العلماء، وهو مشهور بحديث البطاقة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن يحيى عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : (توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل فيوضع في كفة، ويوضع ما أحصي عليه فيمايل به الميزان، قال: فيبعث به إلى النار، قال: فإذا أدبر به إذا صائح من عند الرحمن يقول: لا تعجلوا فإنه قد بقي له، فيؤتى ببطاقة فيها لا إله إلا الله، فتوضع مع الرجل في كفة حتى يميل به الميزان)].
يميل به: أي يرجح به، ومال الميزان: رجح، وهذا كله فيه دليل على أن الميزان ميزان حقيقي حسي، وله كفتان حسيتان، وفيه الرد على المعتزلة القائلين بأنه ميزان معنوي وليس ميزاناً حسياً، وهذه النصوص دليل أنه ميزان حسي، وله كفتان، يوضع فيهما الأشخاص والأعمال، وتوزن حقيقة.
стр. 704
كيفية القصاص يوم القيامة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو نوح قراد قال: أنبأنا ليث بن سعد عن مالك بن أنس عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂: (أن رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ جلس بين يديه فقال: يا رسول الله! إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأضربهم وأشتمهم فكيف أنا منهم؟ فقال له رسول الله ﷺ : يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلاً لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل الذي بقي قبلك، فجعل الرجل يبكي بين يدي رسول الله ﷺ ويهتف، فقال رسول الله ﷺ : ماله لا يقرأ كتاب الله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، فقال الرجل: يا رسول الله! ما أجد شيئاً خيراً من فراق هؤلاء - يعني عبيده - إني أشهدك أنهم أحرار كلهم)].
أبو نوح هو عبد الرحمن بن غزوان، وكنيته أبو نوح ولقبه قراداً.
وليث بن سعد إمام، والزهري كذلك إمام، وعروة إمام من أئمة التابعين.
هذا الرجل يقول: إن له عبيداً لا يطيعونه ويكذبونه ويخونونه، وهو يضربهم ويشتمهم، ويقول للرسول ﷺ ما حالي وحالهم يوم القيامة؟ فقال: ينظر إن كان عقابك إياهم أقل من كذبهم وخيانتهم لك بقي لك فضل يوم القيامة، وإن كان بمقدار كذبهم وخيانتهم فهو كفاف لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك أكثر فيقتصون منك الزائد، فاختار أن يفارقهم وأعتقهم.
والسيد إذا ضرب عبيده ضرب تأديب فلا بأس بذلك، فضرب التأديب مطلوب، لكن إذا زاد فذلك ممنوع، والمراد أن يكون الضرب ضرب تأديب لا ضرب تعذيب، وكذلك ضرب الخادم، وضرب التلميذ، وضرب الأب لابنه، فالأب ينبغي عليه أن يضرب ضرب تأديب، فإذا زاد فإنه يقتص منه، فلا يضرب ضرب تعذيب وإيذاء.
وكذلك ضرب الرجل زوجته عند خوف نشوزها قال الله تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤]، فبعد الوعظ والهجر يأتي الضرب، ويكون ضرب تأديب، قال العلماء: لا يضرب الوجه، ولا يكسر عظماً، ولا يجرح.
стр. 705
تفسير سورة الأنبياء [٤٨ - ٦٧]
كان أبو الأنبياء إبراهيم ﵇ يدعو قومه إلى التوحيد، وترك الشرك، وقد جادلهم بالحجة الظاهرة الباهرة، بطريقة عقلية واضحة بينة، فلم ينقادوا له لعمى قلوبهم، ولاتباعهم لآبائهم.
стр. 706
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ * وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [الأنبياء:٤٨ - ٥٠].
قد تقدم التنبيه على أن الله تعالى كثيراً ما يقرن بين ذكر موسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما وبين كتابيهما ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ [الأنبياء:٤٨]، قال مجاهد: يعني الكتاب، وقال أبو صالح: التوراة، وقال قتادة: التوراة حلالها وحرامها، وما فرق الله بين الحق والباطل، وقال ابن زيد يعني: النصر.
وجامع القول في ذلك: أن الكتب السماوية مشتملة على التفرقة بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، والحلال والحرام، وعلى ما يحصل نوراً في القلوب وهداية وخوفاً وإنابة وخشية، ولهذا قال: ﴿الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء:٤٨] أي: تذكيراً لهم وعظة].
هذا عام في جميع كتب الله كلها، فكل الكتب فيها فرقان بين الحق والباطل، وأنزلها الله تعالى فرقاناً وبياناً، وإيضاحاً للحق وهداية للخلق، فهذا وصف للكتب التي أنزلها الله تبياناً، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل:٨٩].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [الأنبياء:٤٩]، كقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق:٣٣]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك:١٢]، ﴿وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٤٩] أي: خائفون وجلون، ثم قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء:٥٠] يعني: القرآن العظيم الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [الأنبياء:٥٠] أي: أفتنكرونه وهو في غاية الجلاء والظهور.
стр. 707
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا إبراهيم رشده)
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥٢ - ٥٦].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يخبر تعالى عن خليله إبراهيم ﵇ أنه آتاه رشده من قبل، أي: من صغره، ألهمه الحق والحجة على قومه، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام:٨٣]، وما يذكر من الأخبار عنه في إدخال أبيه له في السرب وهو رضيع، وأنه خرج به بعد أيام، فنظر إلى الكواكب والمخلوقات فتبصر فيها، وما قصه كثير من المفسرين وغيرهم فعامتها أحاديث بني إسرائيل، فما وافق منها الحق مما بأيدينا عن المعصوم قبلناه؛ لموافقته الصحيح، وما خالف شيئًا من ذلك رددناه، وما ليس فيه موافقة ولا مخالفة لا نصدقه ولا نكذبه بل نجعله وقفاً].
يعني: نتوقف فيه، وهذا التفصيل الذي ذكره الحافظ ابن كثير ﵀ هو الحق، وهو أن أخبار بني إسرائيل على أحوال ثلاثة: الحالة الأولى: ما وافق ما جاء به شرعنا، فهذا مقبول.
الحالة الثانية: ما خالف ما جاء به شرعنا، فهذا مردود.
الحالة الثالثة: ما لم يوافق ولم يخالف، فهذا يتوقف فيه ويحدث به، وهو الذي قال فيه النبي ﷺ : (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج).
وقد بين المؤلف رحمه الله تعالى هذا في مقدمة تفسيره، ولكن نبه عليه هنا أيضاً من باب الإيضاح.
فمن ذلك ما يذكره المفسرون في قصة إبراهيم وأنه أدخله أبوه السرب وأنه خرج ونظر في النجوم وقال كذا وكذا، والله جل وعلا أخبر في كتابه في سورة الأنعام فقال: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٧٦ - ٧٨].
وللمفسرين في هذا قولان: فمنهم من قال: إنه لم يتبين له ثم تبين له، ولكن هذا القول ضعيف.
ومنهم من قال: إنه قال هذا من باب المجادلة والمناظرة لقومه؛ ليبين لهم بطلان ما هم عليه.
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأنبياء:٤٨] لو كان الفرقان هو التوراة كما قال ذلك من قاله لكان التنزيل: ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ضياء؛ لأن الضياء الذي آتى الله موسى وهارون هو التوراة التي أضاءت لهما ولمن اتبعهما أمر دينهم، فبصرّهم الحلال والحرام، ولم يقصد بذلك في هذا الموضع ضياء الإبصار، وفي دخول الواو في ذلك دليل على أن الفرقان غير التوراة التي هي ضياء.
فالضياء هو التوراة، قال ابن زيد في قوله: ((وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ)) قال: الفرقان: الحق آتاه الله موسى وهارون فرق بينهما وبين فرعون، فقضى بينهم بالحق، وقرأ: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال:٤١] قال: يوم بدر.
قال أبو جعفر: وهذا القول الذي قاله ابن زيد في ذلك أشبه بظاهر التنزيل، وذلك لدخول الواو في الضياء، ولو كان الفرقان هو التوراة كما قال من قال ذلك لكان التنزيل: ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ضياء.
يعني: على ذلك القول يكون الفرقان غير الضياء، وتكون التوراة هي الضياء، والفرقان شيء آخر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وما كان من هذا الضرب منها فقد ترخص كثير من السلف في روايتها].
ما كان من هذا النوع وهو الذي لم يأت شرعنا بإثباته ولا بإلغائه فقد توسع العلماء في روايتها، ومنهم المؤلف، فإنه ذكر كثيراً من أخبار بني إسرائيل في تفسيره، واستطرد في بعض المواضع.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وما كان من هذا الضرب منها فقد ترخص كثير من السلف في روايتها، وكثير من ذلك مما لا فائدة فيه، ولا حاصل له مما لا ينتفع به في الدين، ولو كانت فيه فائدة تعود على المكلفين في دينهم لبينته هذه الشريعة الكاملة الشاملة، والذي نسلكه في هذا التفسير الإعراض عن كثير من الأحاديث الإسرائيلية؛ لما فيها من تضييع الزمان، ولما اشتَمل عليه كثيرٌ منها من الكذب المروج عليهم، فإنهم لا تفرقة عندهم بين صحيحها وسقيمها كما حرره الأئمة الحفاظ المتقنون من هذه الأمة.
والمقصود هاهنا أن الله تعالى أخبر أنه قد آتى إبراهيم رشده من قبل، أي: من قبل ذلك.
وقوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥١] أي: وكان أهلاً لذلك].
وللعلماء في قوله تعالى: ((وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ)) قولان: الأول: إن قوله: (من قبل) في صغره كما ذكر المؤلف.
والقول الثاني: إنه من قبل إنزال التوراة، وتكون الآية متصلة بما قبلها، أي: من قبل إنزال التوراة والإنجيل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قال: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢]، هذا هو الرشد الذي أوتيه من صغره: الإنكار على قومه في عبادة الأصنام من دون الله ، فقال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء:٥٢] أي: معتكفون على عبادتها.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد الصباح حدثنا أبو معاوية الضرير حدثنا سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة قال: مر علي على قوم يلعبون بالشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ لأن يمس أحدكم جمراً حتى يطفأ خير له من أن يمسها].
لاشك أن اللعب بالشطرنج ممنوع إذا كان فيه عوض، وإن لم يكن فيه عوض فأقل أحواله الكراهة، وأقل ما فيه من المفاسد إضاعة الأوقات بلا فائدة، لكن هذا الأثر ضعيف؛ لأن سعد بن طريف رافضي متروك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٥٣] لم يكن لهم حجة سوى صنيع آبائهم الضلال، ولهذا قال: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء:٥٤]].
وهذه حجة الكفرة كلهم، وهذه هي الحجة الملعونة: اتباع الآباء والأجداد في الباطل، وهذه الحجة أنكرها الله، وهي حجة فرعون، كما قال الله حاكياً عنه: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ [طه:٥١]، وحجة قريش فقد قالوا: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص:٧]، وقال الله عن المشركين أنهم قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف:٢٢] يعني: على دين، ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]، وفي الآية التي بعدها: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]، نسأل الله العافية.
فالواجب على الإنسان ألا يكون إمعة، بل يتبع الحق، وإن كان الآباء والأجداد على الباطل فلا يتبعهم، وإن كانوا على الحق فيقتدي بأفعالهم الطيبة، فلا يلغي الإنسان عقله ويغمض عينيه ويكون إمعة يتبع الناس على ما هم عليه، بل يكون عنده بصيرة فيتبع الحق ويدور مع الحق حيثما دار.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا قال: ﴿لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنبياء:٥٤] أي: الكلام مع آبائكم الذين احتججتم بصنيعهم كالكلام معكم، فأنتم وهم في ضلال على غير الطريق المستقيم.
فلما سفه أحلامهم، وضلل آباءهم، واحتقر آلهتهم: ((قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاعِبِينَ)) يقولون: هذا الكلام الصادر عنك تقوله لاعباً أو محقاً فيه؟ فإنا لم نسمع به قبلك.
((قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ)) أي: ربكم الذي لا إله غيره هو الذي خلق السموات والأرض وما حوت من المخلوقات، الذي ابتدأ خلقهن وهو الخالق لجميع الأشياء، ((وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ)) أي: وأنا أشهد أنه لا إله غيره ولا رب سواه].
стр. 708
تفسير سورة الأنبياء [٦٨ - ٧٥]
عاقبة المتقين حميدة، ونهايتهم سعيدة؛ وذلك لقيامهم بأوامر الله تعالى، وابتعادهم عن نواهي الله تعالى، وقصة إبراهيم ﵇ خير مثال على ذلك، فقد أراد به قومه شراً فألقوه في النار، لكن الله جعلها عليه برداً وسلاماً، ونصره، وأهلك أولئك الظالمين.
стр. 709
تفسير قوله تعالى: (قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين)
قال الله تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء:٦٨ - ٧٠].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لما دحضت حجتهم، وبان عجزهم، وظهر الحق، واندفع الباطل عدلوا إلى استعمال جاه ملكهم، فقالوا: ((حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ))].
أي: لجأوا إلى القوة، وهكذا حال أهل البدع وأهل الضلال؛ فإنهم إذا عجزوا عن مناظرة أهل الحق لجأوا إلى القوة، فأهل البدع الآن إذا عجزوا عن مقاومة أهل السنة استدعوا السلاطين عليهم، كما فعل الجهمية في زمن المأمون؛ فإنهم استعدوا المأمون على أهل السنة لما كانت لهم القوة، وكان أحمد بن أبي دؤاد رئيس المعتزلة هو رئيس القضاة في زمن المأمون، فاستعدى المأمون على أهل السنة، وألزموا بالقول بخلق القرآن، وسحب الإمام أحمد ﵀ وضرب في تلك الفتنة، وهذه هي طريقة أهل البدع والكفر، فأهل البدع إذا عجزوا عن مناظرة أهل الحق أو عن مجادلتهم لجأوا إلى القوة، واستعدوا السلاطين عليهم، وقالوا: إن هؤلاء يريدون كذا ويريدون كذا، وهؤلاء يريدون قلب الحكم ويريدون كذا، وهكذا في كل زمان، والتاريخ يعيد نفسه في كل زمان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقالوا: ((حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ))، فجمعوا حطباً كثيراً.
قال السدي: حتى إن كانت المرأة تمرض، فتنذر إن عوفيت أن تحمل حطباً لحريق إبراهيم].
وهذا من غيظهم، فإنهم جمعوا حطباً عظيماً، والمرأة كانت إذا مرضت تنذر أن تجمع حطباً لإحراق إبراهيم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم جعلوه في جوبة من الأرض، وأضرموها ناراً، فكان لها شرر عظيم ولهب مرتفع، لم توقد نار قط مثلها، وجعلوا إبراهيم ﵇ في كفة المنجنيق بإشارة رجل من أعراب فارس من الأكراد، قال شعيب الجبائي: اسمه هيزن، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة].
الله أعلم بهذا، فهذا من أخبار بني إسرائيل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلما ألقوه قال: حسبي الله ونعم الوكيل].
وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]) وحسبنا الله ونعم الوكيل، معناها: كافينا الله ونعم الوكيل، فهو المتوكل عليه .
والحسب: الكفاية، والحسب لا يقال إلا لله، فلا يقال: حسبي الله وفلان، ولهذا قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال:٦٤]، فالحسب خاص بالله، وهو من العبادة الخاصة به سبحانه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: حسبي الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣].
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا ابن هشام حدثنا إسحاق بن سليمان عن أبي جعفر عن عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لما ألقي إبراهيم ﵇ في النار قال: اللهم إنك في السماء واحد وأنا في الأرض واحد أعبدك).
ويروى أنه لما جعلوا يوثقونه قال: (لا إله إلا أنت سبحانك لك الحمد، ولك الملك، لا شريك لك).
وقال شعيب الجبائي: كان عمره إذ ذلك ست عشرة سنة.
فالله أعلم.
وذكر بعض السلف أنه عرض له جبريل وهو في الهواء، فقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فبلى.
وقال سعيد بن جبير -ويروى عن ابن عباس ﵄ أيضًا- قال: لما ألقي إبراهيم جعل خازن المطر يقول: متى أؤمر بالمطر فأرسله، قال: وكان أمر الله أسرع من أمره، قال الله: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]، قال: فلم تبق من الأرض نار إلا طفئت.
وقال كعب الأحبار: لم ينتفع أحد يومئذٍ بنار، ولم تحرق النار من إبراهيم سوى وثاقه].
الله أعلم بهذا، فإن الله تعالى وجه الخطاب لنار إبراهيم: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]، قال العلماء: إن الله قال لها: كوني برداً وسلاماً، ولو قال: لها كوني برداً لهلك إبراهيم من شدة البرد، ولو تركها على حالها لمات إبراهيم من إحراقها، فلما قال: (كوني برداً وسلاماً) صار الجو معتدلاً لا حاراً ولا بارداً، بل برداً وسلاماً، والله يقول: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، فالله على كل شيء قدير، وكل المخلوقات بيد الله يصرفها كيف يشاء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الثوري عن الأعمش عن شيخ عن علي بن أبي طالب ﵁: ((قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ)) قال: بردت عليه حتى كادت تقتله، حتى قيل: ((وَسَلامًا)) قال: لا تضرِّيه].
فرج الله أسرع من كل شيء، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق:٢]، وإبراهيم ممن يتقي الله ، وهو إمام للمتقين، ولما كان متقياً جعل الله له مخرجاً من هذه النار.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن عباس وأبو العالية: لولا أن الله قال: ((وَسَلامًا)) لآذى إبراهيم بردها.
وقال جويبر عن الضحاك: ((كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ)) قال: صنعوا له حظيرة من حطب جزل، وأشعلوا فيه النار من كل جانب، فأصبح ولم يصبه منها شيء حتى أخمدها الله.
قال: ويذكرون أن جبريل كان معه يمسح وجهه من العرق، فلم يصبه منها شيء غير ذلك].
لكن جويبر هذا ضعيف، وعلى هذا فهذا ضعيف.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال السدي: كان معه فيها ملك الظل.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين حدثنا يوسف بن موسى حدثنا مهران حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن المنهال بن عمرو قال: أخبرت أن إبراهيم ألقي في النار، فقال: كان فيها إما خمسين وإما أربعين.
قال: ما كنت أياماً وليالي قط أطيب عيشاً إذ كنت فيها، وددت أن عيشي وحياتي كلها مثل عيشي إذ كنت فيها].
وهذا من أخبار بني إسرائيل، والمنهال بن عمرو قال: أخبرت، وبينه وبين إبراهيم ﵇ دهور.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أبو زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة ﵁ قال: إن أحسن شيء قال أبو إبراهيم لما رفع عنه الطبق وهو في النار وجده يرشح جبينه قال عند ذلك: نعم الرب ربك يا إبراهيم! وقال قتادة: لم يأت يومئذ دابة إلا أطفأت عنه النار، إلا الوزغ].
وهذا ثابت في الصحيحين أن الوزغ من خبثه كان ينفخ في النار، ولهذا يستحب قتله، ومن قتله في الضربة الأولى فله كذا من الحسنات، ومن قتله في الضربة الثانية فله كذا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الزهري: أمر النبي ﷺ بقتله، وسماه فويسقاً].
لاشك في فسقه؛ لخروجه على غيره بالأذى، ومن خبثه أنه كان ينفخ في نار إبراهيم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عبيد الله ابن أخي ابن وهب حدثني عمي حدثنا جرير بن حازم أن نافعاً حدثه قال: حدثتني مولاة الفاكه بن المغيرة المخزومي قالت: دخلت على عائشة ﵂ فرأيت في بيتها رمحاً، فقلت: يا أم المؤمنين! ما تصنعين بهذا الرمح؟ فقالت: نقتل به هذه الأوزاغ، إن رسول الله ﷺ قال: (إن إبراهيم حين ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا تطفئ النار غير الوزغ، فإنه كان ينفخ على إبراهيم فأمرنا رسول الله ﷺ بقتله)].
وهذا الحديث ثابت في أحد الصحيحين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ((وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأخْسَرِينَ)) أي: المغلوبين الأسفلين؛ لأنهم أرادوا بنبي الله كيداً فكادهم الله ونجاه من النار فغلبوا هنالك.
وقال عطية العوفي: لما ألقي إبراهيم في النار جاء ملكهم لينظر إليه فطارت شرارة فوقعت على إبهامه، فأحرقته مثل الصوفة].
стр. 710
تفسير قوله تعالى: (ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين)
قال الله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ * وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء:٧١ - ٧٥] قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى مخبراً عن إبراهيم أنه سلمه الله من نار قومه، وأخرجه من بين أظهرهم مهاجراً إلى بلاد الشام إلى الأرض المقدسة منها، كما قال الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب ﵁ في قوله: ((إِلَى الأرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ)) قال: الشام، وما من ماء عذب إلا يخرج من تحت الصخرة.
وكذا قال أبو العالية أيضاً.
وقال قتادة: كان بأرض العراق، فأنجاه الله إلى الشام، وكان يقال للشام: عماد دار الهجرة، وما نقص من الأرض زيد في الشام، وما نقص من الشام زيد في فلسطين.
وكان يقال: هي أرض المحشر والمنشر، وبها ينزل عيسى بن مريم ﵇، وبها يهلك المسيح الدجال].
وهي الأرض المباركة، وهي الأرض التي هاجر إليها إبراهيم الخليل؛ فإنه هاجر من العراق إلى الشام، وهي مبعث الأنبياء، فإن أكثر الأنبياء ﵈ بعثوا هناك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال كعب الأحبار في قوله: ((إِلَى الأرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ)) إلى حران.
وقال السدي: انطلق إبراهيم ولوط ﵉ قبل الشام، فلقي إبراهيم سارة وهي ابنة ملك حران، وقد طعنت على قومها في دينهم، فتزوجها على ألا يغيرها.
رواه ابن جرير، وهو غريب].
هذا غريب؛ لأن المشهور أن سارة بنت عمه، هذا هو المعروف، لا أنه تزوجها من تلك الأرض.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والمشهور أنها ابنة عمه، وأنه خرج مهاجراً من بلاده، وقال العوفي عن ابن عباس ﵄: إلى مكة، ألا تسمع قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٦ - ٩٧]؟].
وهذا ضعيف، وما أظنه أتى بها مكة، إنما أتى بـ هاجر وبإسماعيل بعد ذلك.
стр. 711
معنى قوله تعالى: (ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ((وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً)) قال عطاء ومجاهد: عطية.
وقال ابن عباس وقتادة والحكم بن عتيبة: النافلة ولد الولد.
يعني: أن يعقوب ولد إسحاق، كما قال: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:٧١].
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: سأل واحداً فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١٠٠]، فأعطاه الله إسحاق وزاده يعقوب نافلة.
﴿وَكُلا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ [الأنبياء:٧٢] أي: الجميع أهل خير وصلاح، ((وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً)) أي: يقتدي بهم، ((يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا)) أي: يدعون إلى الله بإذنه؛ ولهذا قال: ((وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ)) من باب عطف الخاص على العام].
وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة داخلة في فعل الخيرات، فعطْفهما على فعل الخيرات هو من عطف الخاص على العام.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أي: فاعلين لما يأمرون الناس به.
ثم عطف بذكر لوط، وهو لوط بن هاران بن آزر، كان قد آمن بإبراهيم، واتبعه وهاجر معه].
وهو ابن أخيه، وإبراهيم عمه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ [العنكبوت:٢٦]، فآتاه الله حكماً وعلماً وأوحى إليه وجعله نبياً، وبعثه إلى سدوم وأعمالها، فخالفوه وكذبوه، فأهلكهم الله ودمر عليهم، كما قص خبرهم في غير موضع من كتابه العزيز؛ ولهذا قال: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء:٧٤ - ٧٥]].
ومن خبثهم أنهم كانوا مع الشرك بالله يعملون اللواط، وهو إتيان الذكر الذكر والعياذ بالله، ولم يسبقوا إليها، ولهذا أنكر عليهم نبيهم ﵇ فقال: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٨٠]، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 712
الأسئلة
стр. 713
حال الناس عند قيام الساعة
السؤال
ذكرت حفظك الله في حديثك بأنه لن يكون هناك مؤمن أو مسلم على وجه الأرض حين تقوم القيامة، فكيف نوفق بين ذلك وبين الحديث الذي يذكر أن الصالحين يقومون الليل ويصلون ويطول عليهم الليل وبعد ذلك تخرج الشمس من مغربها؟
الجواب
قبض أرواحهم يكون بعد طلوع الشمس من مغربها، فلما تطلع الشمس من مغربها حينئذٍ يغلق باب التوبة وليس هناك إيمان جديد، فالمؤمن يبقى مؤمناً والكافر يريد أن يؤمن، وتأتي الدابة تسم الناس في جباههم، فالمؤمن تسمه بسمة بيضاء، فيبيض لها وجهه، والكافر تسمه بسمة سوداء، فيسود لها وجهه، فيتبايع الناس في أسواقهم: خذ هذا يا مؤمن! بع هذا يا كافر! يعني: أنه أغلق باب التوبة، والمؤمن يبقى على إيمانه والكافر يبقى على كفره، وليس هناك إيمان جديد، ثم بعد مدة تأتي ريح طيبة فتقبض أرواح المؤمنين.
стр. 714
سبب تنوع تسمية اليهود في القرآن
السؤال
ما سبب تسمية بني إسرائيل في القرآن (بنو إسرائيل) مرة، ومرة يسميهم الله اليهود؟
الجواب
إسرائيل اسم ليعقوب ﵇، وهم بنوه، وبنو إسرائيل يشمل اليهود والنصارى؛ لأنهم من ذرية يعقوب، ويعقوب هو إسرائيل ﵊، ولهذا اليهود سموا دولتهم دولة إسرائيل، وبعض الناس يلعن إسرائيل -يعني: الدولة- وهذا لا ينبغي؛ لأنه اسم نبي، فاليهود جزء من بني إسرائيل، فتارة يخاطب الله اليهود وتارة يخاطب النصارى، وتارة يخاطبهم جميعاً بقوله: (يا بني إسرائيل).
стр. 715
تفسير سورة الأنبياء [٧٦ - ٨٢]
لم ييأس نوح ﵇ من دعوة قومه إلا حين أعلمه الله أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، فدعا نوح عليهم وحصل الهلاك العظيم.
وقد مكن الله لداود وسليمان وآتاهما الحكم والملك والقوة، فكانوا قدوة لحكام وملوك الأرض.
стр. 716
تفسير قوله تعالى: (ونوحاً إذ نادى من قبل فاستجبنا له)
قال الله تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنبياء:٧٦ - ٧٧].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يخبر تعالى عن استجابته لعبده ورسوله نوح ﵇، حين دعا على قومه لما كذبوه: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر:١٠]، ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧]، ولهذا قال هاهنا: ((إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ)) أي: الذين آمنوا به، كما قال: ﴿وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠].
وقوله: ((مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ)) أي: من الشدة والتكذيب والأذى، فإنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله ، فلم يؤمن به منهم إلا القليل، وكانوا يتصدون لأذاه، ويتواصون قرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل على خلافه.
وقوله: ((وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ)) أي: ونجيناه وخلصناه منتصراً من القوم.
((الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ)) أي: أهلكهم الله بعامة، ولم يبق على وجه الأرض منهم أحد؛ إذ دعا عليهم نبيهم].
وذلك بعد أن أخبره الله بأنهم لا يؤمنون، وقد لبث فيهم مدة طويلة وصبر ﵊ صبراً عظيماً، وكان يدعوهم ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً وهم لا يزدادون إلا شدة، ويرمونه بالجنون وبالسفه وبالضلال وهو صابر ﵊، ولبث هذه المدة الطويلة وهم لا يزدادون إلا شدة وأذى، حتى إن الأجداد كانوا يوصون الأحفاد بالكفر بنوح، وكل جيل كان يوصي الجيل الذي بعده بالكفر بنوح ﵊، حتى أخبره الله في النهاية بأن عدد المؤمنين لن يزداد، كما قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود:٣٦] فلما أخبره الله بذلك دعا عليهم، وقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح:٢٦]، فأخبره الله بأنه لن يؤمن أحد زيادة، ومع هذه المدة الطويلة كانوا قلة، ولذا فالذين آمنوا كلهم ركبوا في سفينة نوح، والباقي أهلكهم الله حيث انفجرت الأرض عيوناً وانشقت السماء بالمطر والتقى ماء الأرض وماء السماء على أمر قد قدر، فأهلك الله جميع من على وجه الأرض إلا من ركب في السفينة.
فمع هذه المدة الطويلة -ألف سنة إلا خمسين عاماً- ما آمن إلا عدد قليل ركبوا في السفينة، وفي بعض الأخبار الإسرائيلية ذكر أنه كان عددهم ستين أو سبعين أو ثمانين، ولكن كل هذا ليس عليه دليل، ولا نستطيع أن نجزم إلا بخبر عن الله وعن رسوله ﷺ .
ونوح ﵇ دعا عليهم، ولما امتنعت دوس وأبت عن الإيمان قالوا: يا رسول الله! ادع الله عليهم، ثم قالوا: هلكت دوس، فقال: (اللهم اهد دوساً وائت بهم) فهداهم الله وجاءوا مسلمين.
стр. 717
تفسير قوله تعالى: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث)
قال الله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ * وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ * وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ * وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ [الأنبياء:٧٨ - ٨٢].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال أبو إسحاق عن مرة عن ابن مسعود: كان ذلك الحرث كرماً قد نبتت عناقيده.
وكذا قال شريح].
يعني: كان عنباً، فإن الكرم هو العنب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن عباس ﵄: النفش: الرعي.
وقال شريح والزهري وقتادة: النَّفْشُ بالليل.
زاد قتادة: والهمل بالنهار].
الهمل هو: الرعي، وقوله: (نفشت فيه غنم القوم) يعني: رعته ليلاً، بأن جاءت في الليل ودخلت وأكلت منه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب وهارون بن إدريس الأصم قالا: حدثنا المحاربي عن أشعث عن أبي إسحاق عن مرة عن ابن مسعود ﵁ في قوله: ((وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ)) قال: كرم قد أنبتت عناقيده، فأفسدته.
قال: فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم، فقال سليمان: غير هذا يا نبي الله! قال: وما ذاك؟ قال: تدفع الكرم إلى صاحب الغنم، فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها حتى إذا كان الكرم كما كان دفعت الكرم إلى صاحبه، ودفعت الغنم إلى صاحبها، فذلك قوله: ((فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ))، وهكذا روى العوفي عن ابن عباس.
وقال حماد بن سلمة عن علي بن زيد: حدثني خليفة عن ابن عباس قال: فحكم داود ﵇ بالغنم لأصحاب الحرث، فخرج الرعاء معهم الكلاب، فقال لهم سليمان: كيف قضى بينكم، فأخبروه، فقال: لو وليت أمركم لقضيت بغير هذا! فأخبر بذلك داود ﵇، فدعاه فقال: كيف تقضي بينهم؟ قال: أدفع الغنم إلى صاحب الحرث، فيكون لهم أولادها وألبانها وسلاؤها ومنافعها، ويبذر أصحاب الغنم لأهل الحرث مثل حرثهم، فإذا بلغ الحرث الذي كان عليه أخذ أصحاب الحرث الحرث وردوا الغنم إلى أصحابها.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا خديج عن أبي إسحاق عن مرة عن مسروق قال: الحرث الذي نفشت فيه الغنم إنما كان كرماً نفشت فيه الغنم، فلم تدع فيه ورقة ولا عنقوداً من عنب إلا أكلته، فأتوا داود ﵇ فأعطاهم رقابها، فقال سليمان ﵇: لا، بل تؤخذ الغنم فتعطى أهل الكرم، فيكون لهم لبنها ونفعها، ويعطى أهل الغنم الكرم فيعمروه ويصلحوه حتى يعود كالذي كان ليلة نفشت فيه الغنم، ثم يعطى أهل الغنم غنمهم، وأهل الكرم كرمهم.
وهكذا قال شريح ومرة ومجاهد وقتادة وابن زيد وغير واحد.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن أبي زياد حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا إسماعيل عن عامر قال: جاء رجلان إلى شريح فقال أحدهما: إن شاة هذا قطعت غزلاً لي، فقال شريح: نهاراً أم ليلاً؟ فإن كان نهاراً فقد برئ صاحب الشاة، وإن كان ليلاً فقد ضمن، ثم قرأ: ((وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ)) الآية.
وهذا الذي قاله شريح شبيه بما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة من حديث الليث بن سعد عن الزهري عن حرام بن محيصة: (أن ناقة البراء بن عازب ﵄ دخلت حائطاً فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها) وقد علل هذا الحديث، وقد بسطنا الكلام عليه في كتاب الأحكام، وبالله التوفيق].
وهذه الآيات فيها أن المجتهد إذا اجتهد فإنه مأجور على اجتهاده ولو لم يصب الحق، وإذا أصاب الحق فله أجران: أجر الاجتهاد وأجر الإصابة؛ لأن الله تعالى أثنى على داود وسليمان جميعاً، وأخبر سبحانه أنه فهَّم سليمان، ويدل لهذا الحديث الآخر: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) والله تعالى أخبر أن سليمان وداود كلاً منهما مجتهد فأثنى عليهما وقال: ((وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا))، وبين أن المصيب هو سليمان فقال: ((فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ)) فدل على أن المجتهد إذا أصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فخطؤه مغفور، وله أجر على اجتهاده، وكل من سليمان وداود اجتهدا، وداود لم يصب وسليمان هو الذي أصاب؛ حيث إن الله فهمه، ثم أثنى عليهما جميعاً فقال: ((وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا)) وذلك أن في هذه القصة أن أصحاب غنم جاءت غنمهم ودخلت بستاناً فيه كرم وعنب فأكلته ولم تبق منه شيئاً، فجاء أصحاب الكرم يشكون إلى داود ﵇ ما فعل أصحاب الغنم بكرمهم، فقضى داود ﵇ بالغنم لأصحاب الكرم، فقال: تعطون غنمكم أصحاب الكرم بدلاً من الكرم الذي أكلته غنمهم، أي: أنه قضى أن تكون الغنم لأصحاب البستان مقابل ما أكلت من الحرث، وحكم فيها سليمان بأن تدفع الغنم إلى أصحاب العنب ويدفع العنب إلى أصحاب الغنم، فأما أصحاب الكرم فإنهم إذا دفعت إليهم الغنم يعلفونها ويشربون ألبانها وما ولدت من الأولاد يكون لهم، وأما أصحاب الغنم فيأخذون الكرم يبذرون ويسقون حتى يعود العنب كما كان، فإذا عاد العنب كما كان دفع الكرم إلى أصحاب البستان ودفعت الغنم إلى أصحابها، هذا قضاء سليمان ﵇.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ((فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْماً)) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن حميد أن إياس بن معاوية لما استقضي أتاه الحسن فبكى، قال: ما يبكيك؟ قال: يا أبا سعيد! بلغني أن القضاة: رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار، ورجل مال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة.
فقال الحسن البصري: إن فيما قص الله من نبأ داود وسليمان ﵉ والأنبياء حكماً يرد قول هؤلاء الناس عن قولهم، قال الله تعالى: ((وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ)) فأثنى الله على سليمان ولم يذم داود].
النفش هو الرعي ليلاً، وفي حديث البراء أن النبي ﷺ قضى بأن على أهل الحائط أن يحفظوا حائطهم بالنهار وأن على أهل المواشي أن يحفظوا مواشيهم بالليل، فإذا أصابت المواشي شيئاً بالنهار فهو هدر ليس فيه شيء، وإذا أصابت في الليل فهو مضمون على أصحابها؛ لأن عليهم أن يحفظوها بالليل، لكن الحديث فيه كلام.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قال -يعني: الحسن -: إن الله اتخذ على الحكام ثلاثاً: لا يشتروا به ثمناً قليلاً، ولا يتبعوا فيه الهوى، ولا يخشوا فيه أحداً، ثم تلا: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦] وقال: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة:٤٤]، وقال: ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ [المائدة:٤٤]].
وفي نسخة: (الحكماء) وحاكم يجمع على حكماء ويجمع على حكام، والحكام هم القضاة، والحكماء المراد بهم هنا القضاة، وعلى هذا فيكون الحكماء والحكام بمعنى واحد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قلت: أما الأنبياء ﵈ فكلهم معصومون مؤيدون من الله ، وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء المحققين من السلف والخلف، وأما من سواهم فقد ثبت في صحيح البخاري عن عمرو بن العاص ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر).
فهذا الحديث يرد نصاً ما توهمه إياس من أن القاضي إذا اجتهد فأخطأ فهو في النار، والله أعلم].
هذا إن ثبت عن إياس، فإنه إذا اجتهد القاضي فأخطأ فهو مأجور وخطؤه مغفور، وإذا اجتهد وأصاب فله أجران.
وبعضهم يقول: كل مجتهد مصيب، وليس كذلك؛ لأن الحق واحد لا يتعدد، فمن قال: إنه مصيب فمعناه: أنه مصيب في اجتهاده، يعني: مأجور على اجتهاده، فالصواب: أنه ليس كل مجتهد مصيب؛ لأن الحق واحد لا يتعدد، لكن إذا اجتهد وأصاب فله أجران: أجر
стр. 718
تفسير قوله تعالى: (وعلمناه صنعة لبوس لكم)
قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء:٨٠].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يعني: صنعة الدروع.
قال قتادة: إنما كانت الدروع قبله صفائح، وهو أول من سردها حلقاً، كما قال تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ:١٠ - ١١] أي: لا توسع الحلقة فتقلق المسمار، ولا تغلظ المسمار فتقد الحلقة، ولهذا قال: ((لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ)) يعني: في القتال].
يعني: أن الحلقة تكون بمقدار المسمار لا تزيد عليه، ولا يكون المسمار غليظاً فيخرق الحلقة، ولا تكون الحلقة واسعة فيقلق ويتحرك المسمار، وإنما يقدر في السرد تقديراً، كما قال سبحانه: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ:١١].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [((فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ)) أي: نعم الله عليكم، لما ألهم به عبده داود، فعلمه ذلك من أجلكم.
وقوله: ((وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً)) أي: وسخرنا لسليمان الريح العاصفة.
((تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا)) يعني: أرض الشام.
((وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ)) وذلك أنه كان له بساط من خشب يوضع عليه كل ما يحتاج إليه من أمور المملكة والخيل والجمال والخيام والجند، ثم يأمر الريح أن تحمله، فتدخل تحته، ثم تحمله وترفعه وتسير به، وتظله الطير تقيه الحر إلى حيث يشاء من الأرض، فينزل، وتوضع آلاته وحشمه، قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص:٣٦]، وقال تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ:١٢].
قال ابن أبي حاتم: ذكر عن سفيان بن عيينة عن أبي سنان عن سعيد بن جبير قال: كان يوضع لسليمان ستمائة ألف كرسي، فيجلس مما يليه مؤمنو الإنس، ثم يجلس من ورائهم مؤمنو الجن، ثم يأمر الطير فتظلهم، ثم يأمر الريح فتحمله ﷺ ].
وهذه خاصية أعطاها الله سليمان ﵊ ولم يعطها أحداً بعده، ولهذا سأله سليمان: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص:٣٥]، فالله سخر له الريح والشياطين والجن، ولهذا لما عرض عفريت على النبي صلى الله عليه عليه وسلم خنقه وقال: (أردت أن أربطه في سارية من سواري المسجد حتى يلعب صبيان المدينة، فذكرت قول أخي سليمان: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص:٣٥] فتركته)، يعني: أن تسخير الجن والشياطين خاص بسليمان، فخشي النبي صلى الله عليه عليه وسلم أنه لو ربط هذا الشيطان في سارية يكون هذا مشاركة لسليمان في ملكه، فلذلك أطلقه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال عبد الله بن عبيد بن عمير: كان سليمان يأمر الريح فتجتمع كالطود العظيم كالجبل، ثم يأمر بفراشه فيوضع على أعلى مكان منها، ثم يدعو بفرس من ذوات الأجنحة، فترتفع حتى يصعد على فراشه، ثم يأمر الريح فترتفع به كل شرف دون السماء، وهو مطأطئ رأسه، ما يلتفت يميناً ولا شمالاً؛ تعظيماً لله ، وشكراً لما يعلم من صغر ما هو فيه في ملك الله ، حتى تضعه الريح حيث يشاء أن تضعه.
وقوله: ((وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ)) أي: في الماء يستخرجون اللآلئ والجواهر وغير ذلك.
((وَيَعْمَلُونَ عَمَلا دُونَ ذَلِكَ)) أي: غير ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ﴾ [ص:٣٧ - ٣٨]].
يعني: بعضهم يبني وبعضهم يستخرج اللآلئ، وبعضهم مصفد مربوط في الأغلال؛ لتمردهم، فإنه ﵊ سلط عليهم فكان يربط المتمردين، ومنهم غير ذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ((وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ)) أي: يحرسه الله أن يناله أحد من الشياطين بسوء، بل كل في قبضته وتحت قهره لا يتجاسر أحد منهم على الدنو إليه والقرب منه، بل هو يحكم فيهم: إن شاء أطلق، وإن شاء حبس منهم من يشاء.
ولهذا قال: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ﴾ [ص:٣٨]].
وهذا مما خص ﵊ به، ولهذا مات وهو متكئ على عصاه ولم تعلم الجن بوفاته، بل كانوا يعملون ويشتغلون وهم يظنون أن سليمان حي، فلم يعلموا حتى سقط، وذلك لما أكلت الأرضة العصا فسقطت العصا فسقط سليمان، فعرفوا أنه مات، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ:١٤] فكانوا يشتغلون ويعملون أعمالاً شاقة وسليمان ميت له مدة على العصا ولم يعلموا.
стр. 719
تفسير سورة الأنبياء [٨٣ - ٨٤]
قد يبتلي الله عبده المؤمن ليقربه إليه وليرفعه عنده درجات، وعلى قدر البلاء يكون الأجر، وعلى قدر الصبر تكون حسن العاقبة، وقد كان أيوب ﵇ مثالاً وقدوة للصابرين.
стр. 720
تفسير قوله تعالى: (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر)
قال الله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣ - ٨٤].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يذكر تعالى عن أيوب ﵇ ما كان أصابه من البلاء في ماله وولده وجسده، وذلك أنه كان له من الدواب والأنعام والحرث شيء كثير، وأولاد كثيرة، ومنازل مرضية، فابتلي في ذلك كله، وذهب عن آخره، ثم ابتلي في جسده، يقال: بالجذام في سائر بدنه، ولم يبق منه سليم سوى قلبه ولسانه؛ يذكر بهما الله ، حتى عافه الجليس، وأفرد في ناحية من البلد، ولم يبق من الناس أحد يحنو عليه سوى زوجته؛ كانت تقوم بأمره، ويقال: إنها احتاجت فصارت تخدم الناس من أجله، وقد قال النبي ﷺ : (أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل)، وفي الحديث الآخر: (يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه) وقد كان نبي الله أيوب ﵇ غاية في الصبر، وبه يضرب المثل في ذلك].
يقال: أيوب الصابر، وصف الصبر لأنه كان ملازماً له ﵊.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال يزيد بن ميسرة: لما ابتلى الله أيوب ﵇ بذهاب الأهل والمال والولد، ولم يبق له شيء أحسن الذكر، ثم قال: أحمدك رب الأرباب الذي أحسنت إلي، أعطيتني المال والولد، فلم يبق من قلبي شعبة إلا قد دخله ذلك، فأخذت ذلك كله مني، وفرَّغت قلبي، فليس يحول بيني وبينك شيء، ولو يعلم عدوي إبليس بالذي صنعت حسدني.
قال: فلقي إبليس من ذلك منكراً].
يعني: فلقي إبليس من هذا شيئاً منكراً، لما علم بأن أيوب فرغ الله قلبه للذكر، فإن أيوب ﵇ ذهب ماله وأهله وولده فبقي قلبه ولسانه، فحسده إبليس كيف يبقى قلبه ولسانه؟ يريد أن يستولي على قلبه ولسانه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أيوب ﵇: يا رب! إنك أعطيتني المال والولد، فلم يقم على بابي أحد يشكوني لظلم ظلمته، وأنت تعلم ذلك، وإنه كان يوطأ لي الفراش فأتركها وأقول لنفسي: يا نفس! إنك لم تخلقي لوطء الفراش، ما تركت ذلك إلا ابتغاء وجهك.
رواه ابن أبي حاتم.
وقد روي عن وهب بن منبه في خبره قصة طويلة ساقها ابن جرير وابن أبي حاتم بالسند عنه، وذكرها غير واحد من متأخري المفسرين، وفيها غرابة تركناها لحال الطول].
يعني: في قصة ذهاب ولده وماله، وفيها أن إبليس قال: يا رب! سلطني على ماله، فسلط على ماله وأحرق الزرع وكذا، ثم قال: رب! سلطني على ولده، فجاءهم وأسقط عليهم الدار، ثم قال: رب! سلطني على جسده، فنفخ فيه فأصابه الجذام، قال: ولم يبق إلا قلبه ولسانه، إلخ القصة، وهي طويلة تقارب سبع صفحات، والأقرب أنها مأخوذة عن بني إسرائيل، والقصة هذه يذكرها أهل القصص، كالإخباريين فإنهم يذكرون قصص أيوب أنه كذا وأنه سلط عليه إبليس، وأنه سلط أولاً على ماله، وسلط على الزرع، وسلط على الدواب، وسلط على كذا، ثم سلط على الأهل، ثم سلط على الأولاد، ثم سلط على جسده، فالله أعلم، ولاشك أن الله ابتلى أيوب ﵇ وأنه صبر، لكن هذه الأخبار التي فيها هذه التفاصيل هي مأخوذة عن بني إسرائيل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد روي أنه مكث في البلاء مدة طويلة، ثم اختلفوا في السبب المهيج له على هذا الدعاء، فقال الحسن وقتادة: ابتلي أيوب ﵇ سبع سنين وأشهراً ملقى على كناسة بني إسرائيل، تختلف الدواب في جسده، ففرج الله عنه وأعظم له الأجر وأحسن عليه الثناء.
وقال وهب بن منبه: مكث في البلاء ثلاث سنين، لا يزيد ولا ينقص.
وقال السدي: تساقط لحم أيوب حتى لم يبق إلا العصب والعظام، فكانت امرأته تقوم عليه وتأتيه بالرماد يكون فيه].
يعني: يكون عليه؛ فإن حروف الجر قد ينوب بعضها عن بعض.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقالت له امرأته لما طال وجعه: يا أيوب! لو دعوت ربك يفرج عنك؟ فقال: قد عشت سبعين سنة صحيحاً، فهو قليل لله أن أصبر له سبعين سنة، فجزعت من ذلك، فخرجت، فكانت تعمل للناس بأجر وتأتيه بما تصيب فتطعمه].
يعني: أنه ﵇ قلاه كل أحد، القريب والبعيد، ولم يبق إلا هذه الزوجة، فكانت تشتغل عند الناس وتعمل، فإذا كسبت الأجرة اشترت بها طعاماً ونفقة وأتت بذلك إلى أيوب ﵇.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن إبليس انطلق إلى رجلين من فلسطين كانا صديقين له وأخوين، فأتاهما فقال: أخوكما أيوب أصابه من البلاء كذا وكذا، فأتياه وزوراه واحملا معكما من خمر أرضكما، فإنه إن يشرب منه برئ، فأتياه، فلما نظرا إليه بكيا، فقال: من أنتما؟ فقالا: نحن فلان وفلان! فرحب بهما وقال: مرحباً بمن لا يجفوني عند البلاء.
فقالا: يا أيوب! لعلك كنت تسر شيئاً وتظهر غيره، فلذلك ابتلاك الله؟ فرفع رأسه إلى السماء ثم قال: هو يعلم، ما أسررت شيئاً أظهرت غيره، ولكن ربي ابتلاني؛ لينظر أأصبر أم أجزع، فقالا له: يا أيوب! اشرب من خمرنا فإنك إن شربت منه برأت.
قال: فغضب، وقال: جاءكما الخبيث فأمركما بهذا؟ كلامكما وطعامكما وشرابكما علي حرام.
فقاما من عنده، وخرجت امرأته تعمل للناس، فخبزت لأهل بيت لهم صبي، فجعلت لهم قرصاً، وكان ابنهم نائماً، فكرهوا أن يوقظوه، فوهبوه لها، فأتت به إلى أيوب، فأنكره وقال: ما كنت تأتيني بهذا، فما بالك اليوم؟ فأخبرته الخبر.
قال: فلعل الصبي قد استيقظ، فطلب القرص فلم يجده فهو يبكي على أهله، فانطلقي به إليه، فأقبلت حتى بلغت درجة القوم، فنطحتها شاة لهم، فقالت: تعس أيوب الخطاء، فلما صعدت وجدت الصبي قد استيقظ وهو يطلب القرص، ويبكي على أهله، لا يقبل منهم شيئاً غيره، فقالت: رحم الله أيوب، فدفعت القرص إليه ورجعت.
ثم إن إبليس أتاها في صورة طبيب، فقال لها: إن زوجك قد طال سقمه، فإن أراد أن يبرأ فليأخذ ذباباً فليذبحه باسم صنم بني فلان فإنه يبرأ، ويتوب بعد ذلك، فقالت ذلك لأيوب، فقال: قد أتاك الخبيث، لله علي إن برأت أن أجلدك مائة جلدة، فخرجت تسعى عليه، فحظر عنها الرزق].
يعني: منع، منع منها الرزق، ولم تحصل على شيء؛ لحكمة بالغة أرادها الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فجعلت لا تأتي أهل بيت فيريدونها].
يعني: أنها كانت كلما جاءت أهل بيت قالوا: ما عندنا شيء، وما عندنا عمل؛ لحكمة بالغة، ولم تكسب شيئاً ذلك اليوم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلما اشتد عليها ذاك وخافت على أيوب الجوع حلقت من شعرها قرناً فباعته من صبية من بنات الأشراف، فأعطوها طعاماً طيباً كثيراً فأتت به أيوب، فلما رآه أنكره وقال: من أين لك هذا؟ قالت: عملت لأناس فأطعموني.
فأكل منه، فلما كان الغد خرجت فطلبت أن تعمل فلم تجد فحلقت أيضاً قرناً فباعته من تلك الجارية، فأعطوها من ذلك الطعام، فأتت به أيوب، فقال: والله! لا أطعمه حتى أعلم من أين هو؟ فوضعت خمارها، فلما رأى رأسها محلوقاً جزع جزعاً شديداً، فعند ذلك دعا ربه : ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣].
والضفيرة من الشعر قد لا يستفيدون منها شيئاً، ولكن هذا كله من أخبار بني إسرائيل، والله أعلم به، وقد جاء في بعض أخبار بني إسرائيل: أن أيوب لما مرض كان لا يستطيع أن يقوم إلا بالضفيرة، وكل هذا من أخبار بني إسرائيل، والله أعلم بها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا أبو عمران الجوني عن نوف البكالي: أن الشيطان الذي عرج في أيوب كان يقال له: مسوط].
وفي رواية: (مبسوط).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: وكانت امرأة أيوب تقول: ادع الله فيشفيك، فجعل لا يدعو حتى مر به نفر من بني إسرائيل، فقال بعضهم لبعض: ما أصابه ما أصابه إلا بذنب عظيم أصابه، فعند ذلك قال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣].
وحدثنا أبي حدثنا أبو سلمة حدثنا جرير بن حازم عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كان لأيوب ﵇ أخوان، فجاءا يوماً، فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه، فقاما بعيداً، فقال أحدهما للآخر: لو كان الله علم من أيوب خيراً ما ابتلاه بهذا؛ فجزع أيوب من قولهما جزعاً لم يجزع من شيء قط، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعان وأنا أعلم مكان جائع فصدقني، فصدق من السماء وهما يسمعان.
ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني لم يكن لي قميصان قط، وأنا أعلم مكان عارٍ فصدقني، فصدق من السماء وهما يسمعان، ثم خر ساجداً، ثم قال: اللهم بعزتك لا أرفع رأسي أبداً حتى تكشف عني، فما رفع رأسه حتى كشف عنه].
لاشك أن الله كشف الضر عن أيوب، لكن هذا الحديث مروي عن عبيد بن عمير عن بني إسرائيل، أما كشف ضره فهو وارد بنص القرآن، كما قال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [الأنبياء:٨٣ - ٨٤]، فأيوب ابتلاه الله في أهله وماله وولده ونفسه، ثم عافاه الله وشفاه في جسمه ورد عليه أهله وماله وولده فضلاً منه وإحساناً، والله تعالى له الحكمة البالغة، قد يبتلى الإنسان، وقد يكون ذلك بذنب وقد يكون بغير ذنب، فالأنبياء والأخيار يبتلون لرفع درجاتهم، وأما غيرهم فكثير من الابتلاءات تكون بسبب المعاصي، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَ
стр. 721
تفسير قوله تعالى: (وآتيناه أهله ومثلهم معهم)
قال الله تعالى: [وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [الأنبياء:٨٤] قد تقدم عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ردوا عليه بأعيانهم، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس أيضاً].
يعني: أن الله أحيا أهله أنفسهم ورد ماله بعينه، والله على كل شيء قدير، والله تعالى يقول: ((وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ)).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروي مثله عن ابن مسعود ومجاهد وبه قال الحسن وقتادة.
وقد زعم بعضهم أن اسم زوجته رحمة، فإن كان أخذ ذلك من سياق الآية فقد أبعد النجعة].
يعني: إن كان ذلك أخذاً من الآية: ((وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا)) فهذا بعيد، والله أعلم باسمها.
والنجعة بالضم، والشائع عند الناس النَجعة بالفتح، وفي القاموس النُجعة بالضم.
وقوله تعالى: ((وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ)) معنى الآية: أنه أوتي أهله وأهلاً آخرين، يعني زوجات أخر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد زعم بعضهم أن اسم زوجته رحمة، فإن كان أخذ ذلك من سياق الآية فقد أبعد النجعة، وإن كان أخذه من نقل أهل الكتاب وصح ذلك عنهم، فهو مما لا يصدق ولا يكذب.
وقد سماها ابن عساكر في تاريخه -رحمه الله تعالى-قال: ويقال: اسمها ليا بنت منشا بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام، قال: ويقال: ليا بنت يعقوب ﵇ زوجة أيوب ﵇، كانت معه بأرض البثنية].
والبثنية قرية بين دمشق وأذرعات.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال مجاهد: قيل له: يا أيوب إن أهلك لك في الجنة فإن شئت أتيناك بهم، وإن شئت تركناهم لك في الجنة وعوضناك مثلهم.
قال: لا، بل اتركهم لي في الجنة.
فتركوا له في الجنة وعوض مثلهم في الدنيا.
وقال حماد بن زيد عن أبي عمران الجوني عن نوف البكالي قال: أوتي أجرهم في الآخرة وأعطي مثلهم في الدنيا.
قال فحدثت به مطرفاً فقال: ما عرفت وجهها قبل اليوم].
يعني: ما عرفت تأويلها إلا الآن لما سمعت هذا الكلام.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهكذا روي عن قتادة والسدي وغير واحد من السلف، والله أعلم].
معنى قوله تعالى: ((َآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ)) على هذا التفسير: أنه رد الله عليه أهله، وأعطاه مثلهم في الأجر، لكن هذا خلاف ظاهر الآية، فظاهر الآية: أنه أوتي أهله وأوتي معهم في الدنيا، لكن نوفاً البكالي يقول: إنه أوتي أهله في الدنيا وأعطي مثل أجورهم في الآخرة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ((رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا)) أي: فعلنا به ذلك رحمة من الله به.
((وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ)) أي: وجعلناه في ذلك قدوة؛ لئلا يظن أهل البلاء إنما فعلنا بهم ذلك لهوانهم علينا، وليتأسوا به بالصبر على مقدورات الله وابتلائه لعباده بما يشاء، وله الحكمة البالغة في ذلك].
الله بين أن الحكمة من ابتلاء أيوب ﵇ فقال: ((رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ)) أي: ليتأسى به أهل البلاء وليكون قدوة لهم في الصبر على البلاء، ولئلا يظنوا أنهم ابتلوا لهوانهم على الله، وليعلموا أن الله إنما ابتلاهم لحكمة بالغة، فهذا أيوب نبي كريم ابتلاه الله، وهو ﵊ قدوة لكل مبتلى.
стр. 722
تفسير سورة الأنبياء [٨٥ - ٨٦]
أعظم صفة يتحلى بها الداعية هي الصبر على البلاء، بدليل أن الله سبحانه عندما يقص علينا قصص أنبيائه يصفهم بالصبر.
стр. 723
تفسير قوله تعالى: (وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين)
قال الله تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء:٨٥ - ٨٦].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أما إسماعيل فالمراد به ابن إبراهيم الخليل ﵉، وقد تقدم ذكرهم في سورة مريم، وكذلك إدريس ﵇، وأما ذو الكفل فالظاهر من السياق أنه ما قرن مع الأنبياء إلا وهو نبي.
وقال آخرون: إنما كان رجلاً صالحاً وكان ملكاً عادلاً وحكماً مقسطاً، وتوقف ابن جرير في ذلك، فالله أعلم].
يعني: أنه اختلف في ذو الكفل: هل هو نبي أو رجل صالح؟ فبعضهم يرون أنه نبي، وآخرون يرون أنه رجل صالح، وأنه ملك عادل، والله أعلم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن جريج عن مجاهد في قوله: ((وَذَا الْكِفْلِ)) قال: رجل صالح غير نبي، تكفل لنبي قومه أن يكفيه أمر قومه ويقيمهم له، ويقضي بينهم بالعدل، ففعل ذلك فسمي ذا الكفل، وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد أيضاً.
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عفان حدثنا وهيب حدثنا داود عن مجاهد قال: لما كبر اليسع قال: لو أني استخلفت رجلاً على الناس يعمل عليهم في حياتي، حتى أنظر كيف يعمل؟ فجمع الناس، فقال: من يتقبل مني بثلاث: أستخلفه بصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يغضب؟ قال: فقام رجل تزدريه العين، فقال: أنا.
فقال: أنت تصوم النهار، وتقوم الليل، ولا تغضب؟ قال: نعم، قال: فردهم ذلك اليوم، وقال مثلها في اليوم الآخر، فسكت الناس، وقام ذلك الرجل وقال: أنا.
فاستخلفه، قال: وجعل إبليس يقول للشياطين: عليكم بفلان.
فأعياهم ذلك الرجل، قال: دعوني وإياه، فأتاه في صورة شيخ كبير فقير، فأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام الليل والنهار إلا تلك النومة].
يعني: أنه كان لا ينام إلا القيلولة فقط؛ لأنه كان يقوم الليل ويصوم النهار فيستريح في القيلولة، فأتاه الشيطان لما أرسل إليه جنوده وعجزوا عنه، وأتى إليه في صورة شيخ في وقت القيلولة؛ ليشغله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فدق الباب، فقال: من هذا؟ قال: شيخ كبير مظلوم.
قال: فقام ففتح الباب، فجعل يقص عليه، فقال: إن بيني وبين قومي خصومة، وإنهم ظلموني، وفعلوا بي وفعلوا.
وجعل يطول عليه حتى حضر الرواح وذهبت القائلة].
يعني: أنه قص عليه قصة طويلة؛ حتى لا ينام ويصل الليل بالنهار فيتعب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقال: إذا رحت فأتني آخذ لك بحقك.
فانطلق، وراح.
فكان في مجلسه، فجعل ينظر هل يرى الشيخ، فلم يره، فقام يتبعه، فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس، وينتظره ولا يراه، فقام يتبعه].
أي: يسير وراءه ويتطلبه، وفي تفسير الطبري: فجعل يبتغيه، وفي الدر المنثور: فقام يبغيه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس وينتظره ولا يراه، فلما رجع إلى القائلة فأخذ مضجعه، أتاه فدق الباب، فقال: من هذا؟ قال: الشيخ الكبير المظلوم.
ففتح له، فقال: ألم أقل لك: إذا قعدت فأتني؟ قال: إنهم أخبث قوم، إذا عرفوا أنك قاعد قالوا: نحن نعطيك حقك وإذا قمت جحدوني].
يعني: إذا قمت من مجلس القضاء جحدوا، وإذا جلست للقضاء قالوا: نحن نعطيك حقك، وجاء في وقت القيلولة ليضيع عليه وقت القيلولة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: فانطلق، فإذا رحت فأتني.
قال: ففاتته القائلة، فراح فجعل ينتظره ولا يراه، وشق عليه النعاس، فقال لبعض أهله: لا تدعن أحداً يقرب هذا الباب حتى أنام، فإني قد شق علي النوم.
فلما كان تلك الساعة أتاه فقال له الرجل: وراءك وراءك؟ فقال: إني قد أتيته أمس، فذكرت له أمري، فقال: لا والله! لقد أمرنا ألا ندع أحداً يقربه.
فلما أعياه نظر فرأى كوة في البيت، فتسور منها، فإذا هو في البيت، وإذا هو يدق الباب من داخل، قال: فاستيقظ الرجل فقال: يا فلان! ألم آمرك؟ فقال: أما من قبلي والله! فلم تؤت، فانظر من أين أتيت؟].
يعني: أما من جهتي فما أوتيت، لكن هذا شيء فوق طاقتي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه، وإذا الرجل معه في البيت فعرفه، فقال: أعدو الله؟ قال: نعم، أعييتني في كل شيء، ففعلت ما ترى لأغضبك.
فسماه الله ذا الكفل؛ لأنه تكفل بأمر فوفى به.
وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث زهير بن إسحاق عن داود عن مجاهد هو بمثله].
يعني: أنه دخل من أجل أن يغضبه، فإنه عجز عنه من ناحية السهر وبقي الثانية، فتسلق عليه الجدار وأتى حتى يغضب، وهي من الصفات التي أخذها على نفسه، ومنها أنه لا يغضب، فلم يغضب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أحمد بن يونس حدثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن مسلم قال: قال ابن عباس ﵄: كان قاضٍ في بني إسرائيل فحضره الموت، فقال: من يقوم مقامي على ألا يغضب.
قال: فقال رجل: أنا.
فسمي ذا الكفل.
قال: فكان ليله جميعاً يصلي، ثم يصبح صائماً فيقضي بين الناس، قال: وله ساعة يقيلها، قال: فكان كذلك، فأتاه الشيطان عند نومته، فقال له أصحابه: ما لك؟ قال: إنسان مسكين، له على رجل حق وقد غلبني عليه.
قالوا: كما أنت حتى يستيقظ، قال: وهو فوق نائم، قال: فجعل يصيح عمداً حتى يوقظه، قال: فسمع، فقال: ما لك؟ قال: إنسان مسكين له على رجل حق.
قال: اذهب فقل له: يعطيك.
قال: قد أبى.
قال: اذهب أنت إليه.
قال: فذهب، ثم جاء من الغد، فقال: ما لك؟ قال: ذهبت إليه فلم يرفع بكلامك رأساً.
قال: اذهب إليه فقل له: يعطيك حقك، قال: فذهب، ثم جاء من الغد حين قال، قال: فقال له أصحابه: اخرج، فعل الله بك، تجيء كل يوم حين ينام، لا تدعه ينام، فجعل يصيح: من أجل أني إنسان مسكين، لو كنت غنياً].
يعني: من خبثه جعل يصيح ويقول: لأجل أني فقير تطرودني، ولو كنت غنياً ما طردتموني.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: فسمع أيضاً فقال: ما لك؟ قال: ذهبت إليه فضربني.
قال: امش حتى أجيء معك.
قال: فهو ممسك بيده، فلما رآه ذهب معه نثر يده منه ففر].
لأنه ليس هناك خصومة ولا شيء، ولكن هذه القصة من أخبار بني إسرائيل، وابن عباس ﵁ ينقل عن بني إسرائيل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهكذا روي عن عبد الله بن الحارث ومحمد بن قيس وابن حجيرة الأكبر وغيرهم من السلف، نحو هذه القصة، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو الجماهر أخبرنا سعيد بن بشير حدثنا قتادة عن أبي كنانة القرشي قال: سمعت الأشعري وهو يقول على هذا المنبر: ما كان ذو الكفل بنبي، ولكن كان -يعني: في بني إسرائيل- رجل صالح يصلي كل يوم مائة صلاة، فتكفل له ذو الكفل من بعده، فكان يصلي كل يوم مائة صلاة، فسمي ذا الكفل.
وقد رواه ابن جرير من حديث عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: قال أبو موسى الأشعري، فذكره منقطعاً.
والله أعلم].
يعني: أن قتادة لم يدرك أبا موسى الأشعري فيكون منقطعاً.
وأبو كنانة مجهول، والسند الثاني منقطع، ولو صح السند يكون موقوفاً على أبي موسى الأشعري، وهذا من أخبار بني إسرائيل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد روى الإمام أحمد حديثاً غريباً فقال: حدثنا أسباط بن محمد حدثنا الأعمش عن عبد الله بن عبد الله عن سعد مولى طلحة عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت من رسول الله ﷺ حديثاً لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين -حتى عد سبع مرات-ولكن قد سمعته أكثر من ذلك، قال: (كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين ديناراً على أن يطأها، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته، أرعِدَت وبكت، فقال: ما يبكيك؟ أكرهتك؟ قالت: لا، ولكن هذا عمل لم أعمله قط، وإنما حملني عليه الحاجة.
قال: فتفعلين هذا ولم تفعليه قط؟ ثم َنزل فقال: اذهبي فالدنانير لك.
ثم قال: والله لا يعصي الله الكفل أبداً.
فمات من ليلته، فأصبح مكتوباً على بابه: قد غفر الله للكفل)، هكذا وقع في هذه الرواية الكفل من غير إضافة، فالله أعلم.
وهذا الحديث لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وإسناده غريب، وعلى كل تقدير فلفظ الحديث إن كان الكفل، ولم يقل: ذو الكفل، فلعله رجل آخر، والله أعلم].
وهذا الحديث في متنه غرابة، ففيه أن ذا الكفل فعل هذا، مع أن ذا الكفل قرنه الله تعالى بالأنبياء، وهذا ظاهره أنه إما نبي أو رجل صالح، وهذا فيه غرابة؛ لأن فيه أنه كان يعصي وكان لا يتورع من المعاصي، ولا يتورع من ذنب فعله، فهذا الحديث غريب المتن وضعيف السند.
قال المحقق: أخرجه الترمذي من طريق عبيد بن أسباط عن أبيه به، وقال: هذا حديث حسن، وقد رواه شيبان وغير واحد عن الأعمش نحو هذا ورفعه، وروى بعضهم عن الأعمش فلم يرفعه.
يعني: اختلفوا في رفعه كأنه حتى شاهد آخر من شواهده، وهذا السند ضعيف؛ لجهالة كعب مولى طلحة.
وهذا الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك والترمذي وابن حبان.
وعلى كل حال هذا سنده ضعيف ومتنه غريب، ثم إن تحسين الترمذي إما لأنه متساهل في هذا، فإن
стр. 724
تفسير سورة الأنبياء [٨٧ - ٩١]
في ذكر الله سبحانه لقصص الأنبياء عبرة للمعتبرين، فكل نبي من الأنبياء أسوة وقدوة فيما ميزه الله به، وكل نبي من الأنبياء يعتبر مثالاً يقتدى به ونوراً يضيء طريق المؤمنين في مسيرتهم إلى الله رب العالمين.
стр. 725
تفسير قوله تعالى: (وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه)
قال الله تعالى: [﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧ - ٨٨].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [هذه القصة مذكورة هاهنا، وفي سورة الصافات، وفي سورة ن، وذلك أن يونس بن متى ﵇ بعثه الله إلى أهل قرية نينوى، وهي قرية من أرض الموصل].
وأرض الموصل في العراق، يعني: أرسل الله ذا النون إلى أهل نينوى في العراق.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فدعاهم إلى الله فأبوا عليه وتمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضباً لهم، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث، فلما تحققوا منه ذلك وعلموا أن النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم، وفرقوا بين الأمهات وأولادها، ثم تضرعوا إلى الله ، وجأروا إليه، ورغت الإبل وفصلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغت الغنم وسخالها، فرفع الله عنهم العذاب، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس:٩٨]].
وهذه القرية استثناهم الله فهم مستثنون من العذاب، فإذا تحقق نزول العذاب وجاء العذاب لا تقبل التوبة إلا أهل نينوى استثناهم الله فقال: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس:٩٨]، قبل الله توبتهم، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:٨٤ - ٨٥].
فمن شروط التوبة: أن تكون قبل نزول العذاب، وهنا تحقق نزول العذاب، وأخبرهم نبيهم بذلك، لكن الله استثناهم فقال: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس:٩٨]، فإنهم لما تحققوا نزول العذاب وعلموا أن نبيهم لا يكذب خرجوا يجأرون فقبل الله توبتهم، وذا النون ﵊ ذهب مغاضباً فركب البحر في السفينة، فلما ثقلت السفينة قالوا: لابد أن يلقى منا واحد لكي لا تغرق، فوقع السهم على ذي النون فألقي، وهذا تأديب من الله لنبيه وامتحان له، ولهذا بعض غلاة نفاة العلو الذين ينفون علو الله على خلقه، ومنهم الجويني امتنع أن يفسر كون يونس بن متى ومحمد في درجة واحدة، حتى أعطي مالاً جزيلاً فقال: إن يونس وهو في لجة البحار ومحمد في القرب سواء من الله، هذا القصد منه إنكار العلو، فتكلم العلماء على هذا وبينوا أنه هناك فرق بين يونس وهو في بطن الحوت ومحمد ليلة المعراج وهو في السبع الطباق فليس قربهم من الله سواء، فالله فوق السموات وفوق العرش، فالقول أنهما في القرب سواء وفي المكانة سواء غير صحيح، ولا شك أن يونس نبي كريم، لكن هناك فرقاً بينه وبين محمد، فمحمد ﵊ فوق السبع الطباق مكرم مبجل معظم، وذا النون في قعر البحار مؤدب ممتحن، فلا مساواة بينهما، ولكن مع ذلك فيونس نبي كريم فلا ينبغي لإنسان أن يتنقصه.
ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (من قال: أنا خير من يونس بن متى فقد كذب)، وذلك في الصحيح.
وفي لفظ آخر: (لا يقول الناس أنا خير من يونس بن متى، ومن قال: أنا خير من يونس بن متى فقد كذب) يعني: هذا لا يمكن أن يقوله نبي، وإذا قاله إنسان فهو كافر؛ لأنه لا يمكن أن يكون خيراً من نبي، ولا يمكن أن يقول نبي من الأنبياء: أنا خير من يونس بن متى، وغير النبي إذا قال: أنا خير من يونس بن متى فهو كذاب؛ لأن يونس خير منه، وذلك أنه قد يتوهم بعض الناس أن يونس لما ألقي في البحر أن درجته ناقصة وأنه أكمل من يونس، فإذا توهم هذا التوهم فهو كاذب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأما يونس ﵇ فإنه ذهب فركب مع قوم سفينة فلججت بهم، وخافوا أن تغرق بهم، فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم يتخففون منه، فوقعت القرعة على يونس ﵇، فأبوا أن يلقوه، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضاً فأبوا، ثم أعادوا القرعة فوقعت عليه أيضاً، قال الله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات:١٤١] أي: وقعت عليه القرعة، فقام يونس ﵇ وتجرد من ثيابه، ثم ألقى نفسه في البحر، وقد أرسل الله من البحر الأخضر، فيما قاله ابن مسعود ﵁ حوتاً يشق البحار حتى جاء فالتقم يونس حين ألقى نفسه من السفينة، فأوحى الله إلى ذلك الحوت ألا يأكل له لحماً، ولا يهشم له عظماً، فإن يونس ليس لك رزقاً وإنما بطنك تكون له سجناً].
وهذا من حكمة الله البالغة، فيونس ﵇ أخبر الله عنه فقال: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ [الأنبياء:٨٧] يعني: غضب عليهم ولم يصفح ﵊، وهو نبي كريم، لكن كما قال الله: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم:٤٨]، وهو ذا النون، صاحب الحوت ما صبر، ويخاطب نبيه قائلاً: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥]، فلما دعاهم يونس ردوا عليه دعوته وكذبوه فغضب عليهم وقال: أنا ذاهب والعذاب سيأتيكم بعد ثلاثة أيام فذهب وتركهم وركب السفينة، فلججت بهم السفينة فقالوا: لابد أن يلقى واحد منا يخفف الحمل؛ لئلا تغرق السفينة، وكون واحد يلقى ويهلك أحسن من أن تهلك السفينة بمن فيها، فلجئوا إلى القرعة، فوقعت على يونس، فقالوا: لا يمكن أن يلقى هذا الرجل الصالح، نعيد القرعة مرة أخرى، ثم أعادوا فوقعت عليه القرعة مرة ثانية، فقالوا: نعيدها، فأعادوها في المرة الثالثة فوقعت عليه، فلما رأى ذلك تجرد من ثيابه وألقى نفسه في البحر، فقالوا: لعله عبد أبق من سيده، فأرسل الله الحوت وابتلعه فما هشم له عظماً، ولا أصابه بأسنانه بلعه فنزل من فمه إلى بطنه في الحال، فصار سجناً فيه تأديب له، والأنبياء لهم مكانة عند الله، فجعل يسبح في بطن الحوت، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٣ - ١٤٤]، ثم بعد ذلك أنبت الله له شجرة من يقطين على الساحل، فلفظه الحوت إليها، وهذه الشجرة من حكمة الله أنها لا يقع عليها شيء من النواميس والحشرات؛ لأنه حين مكث هذه المدة في بطنه أصبح جلده رقيقاً جداً يؤثر عليه أي شيء حتى الريح، فلو وقعت عليه حشرة لجرحته؛ لأنه أصبح لين الجسم بسبب المدة التي مكثها في بطن الحوت، فأنبت الله هذه الشجرة كي لا يقع عليه شيء من الدواب حتى يتعود ويتقوى جسمه وجلده ويصلب ويأتيه الهواء شيئاً فشيئاً، ثم بعد ذلك أمره الله أن يرجع إلى قومه؛ لأنهم أسفوا عليه، وتمنوا رجوعه، فلما رجع إليهم آمنوا كلهم وكانوا كما قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات:١٤٧ - ١٤٨].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ [الأنبياء:٨٧] يعني: الحوت، صحت الإضافة إليه بهذه النسبة].
ذا النون صاحب الحوت، وسمي صاحب الحوت؛ لأنه سقط في بطنه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ [الأنبياء:٨٧]، قال الضحاك لقومه: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ﴾ [الأنبياء:٨٧]].
قال الضحاك معنى قوله: ﴿مُغَاضِبًا﴾ [الأنبياء:٨٧] أي: مغاضباً لقومه ليس مغاضباً لله، فالقوم غضب عليهم لما ردوا دعوته فتركهم وركب البحر، قال الضحاك تفسيراً لقوله: ﴿مُغَاضِبًا﴾ [الأنبياء:٨٧] أي: مغاضباً لقومه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٨٧] أي: نضيق عليه في بطن الحوت يروى نحو هذا عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيرهم، واختاره ابن جرير واستشهد عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق:٧]].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال عطية العوفي: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٨٧] أي: نقضي عليه، كأنه جعل ذلك بمعنى التقدير فإن العرب تقول: قدر وقدر بمعنى واحد وقال الشاعر: فلا عائد ذاك الزمان الذي مضى تباركت ما تقدر يكن فلك الأمر].
ما تقدر يعني: ما تقضي، ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٨٧]، قال عطية العوفي: أن نقضي عليه.
كأنه جعل ذلك بمعنى التقدير، فإن العرب تجعل قدَر وقدَّر بمعنى واحد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ومنه قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر:١٢] أي: قدر] والأقرب المعنى الأول: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٨٧] أي: أن لن نضيق عليه، في بطن الحوت، وهذا ما جاء في الآية، ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ا
стр. 726
تفسير قوله تعالى: (وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فرداً)
قال الله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩ - ٩٠].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يخبر تعالى عن عبده زكريا حين طلب أن يهبه الله ولداً يكون من بعده نبياً، وقد تقدمت القصة مبسوطة في أول سورة مريم، وفي سورة آل عمران أيضاً، وههنا أخصر منها: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ [الأنبياء:٨٩] أي: خفية عن قومه، ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ [الأنبياء:٨٩] أي: لا ولد لي ولا وارث يقوم بعدي في الناس، ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩] دعاء وثناء مناسب للمسألة، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء:٩٠] أي: امرأته.
قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: كانت عاقراً لا تلد فولدت، وقال عبد الرحمن بن مهدي عن طلحة بن عمرو عن عطاء: كان في لسانها طول فأصلحها الله، وفي رواية: كان في خلقها شيء فأصلحها الله، وهكذا قال محمد بن كعب والسدي، والأظهر من السياق الأول].
يعني: يظهر من السياق أنها كانت عقيماً لا تلد فأصلحها الله فصارت تلد؛ لأن هذا هو المناسب للسياق، وقيل: إنه كان فيها عيب في لسانها فأصلحها الله، وهذا الدعاء ينبغي للمسلم أن يدعو به ربه، وألا ييأس؛ لأن الدعاء عبادة، والله تعالى يحب الملحين في الدعاء، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]، وقال سبحانه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف:٥٥]، والأنبياء قدوة الناس في هذا فيدعون ربهم، فزكريا دعا ربه خفية، والدعاء خفية أفضل، وإذا دعت الحاجة إلى الإعلان فلا بأس، فقوله: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩]، هذا ختام مناسب فهو سبحانه خير الوارثين، وهو يرث الأرض ومن عليها، فزكريا ﵊ دعا ربه بألا يتركه فرداً ليس له ولد يرثه في العلم والنبوة ودعوة الناس، ثم ختم هذا الباب بقوله: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩] وهذا توسل إلى الله، فهو يقول: فأنت يا ألله خير الوارثين ارزقني ولداً يرثني.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٠] أي: في عمل القربات وفعل الطاعات، ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠] قال الثوري: رغباً فيما عندنا، ورهباً مما عندنا.
﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠].
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أي: مصدقين بما أنزل الله، وقال مجاهد: مؤمنين حقاً، وقال أبو العالية: خائفين، وقال أبو سنان: الخشوع هو الخوف اللازم للقلب لا يفارقه أبداً وعن مجاهد أيضاً: ﴿خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] أي: متواضعين، وقال الحسن وقتادة والضحاك: ﴿خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] أي: متذللين لله ، وكل هذه الأقوال متقاربة].
نعم، كلها متقاربة خاشعين أي: متذللين، خاضعين لله، خائفين الخوف الملازم للقلب، وكلها متقاربة، وفي هذه الآية بيان فضل الخوف والرجاء، وأنهما من أنواع العبادة العظيمة، وخوف الله ورجاؤه من أجل القربات وأفضل الطاعات، ولهذا وصف الله الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام بالرغب والرهب فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠]، رغباً: الطمع والرجاء، ورهباً: الخوف والخشية، وفيه رد على الصوفية الذين يقولون: لا حاجة إلى الدعاء، ولا حاجة إلى الخوف والرجاء، ويزعم أحدهم أنه يتعبد لله محبة لذاته لا خوفاً ولا طمعاً ولا رغبة ولا رهبة، فهذا من أبطل الباطل، وهذه زندقة،؛ لأن من عبد الله بالحب وحده فقد تزندق، لابد في العبادة من الحب والخوف والرجاء، ومن ذلك ما يذكر في كتب الوعظ أن رابعة العدوية قالت: ما عبدت الله خوفاً من ناره، ولا طمعاً في جنته، فأكون كأجير السوء، ولكن عبدته حباً لذاته والشوق إليه، فهذا من أبطل الباطل، العبادة لا تكون إلا بثلاثة أركان: المحبة والخوف والرجاء، فمن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، وهذه طريقة الصوفية، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري من الخوارج، وهذه طريقة الخوارج، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو من المرجئة، ومن عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد، كيف يقول الصوفية: إنا لا نعبده خوفاً وطمعاً، وإنما نعبده حباً لذاته، والله تعالى وصف أنبياءه الكرام بالرغبة والرهبة وهو الخوف والطمع، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠]؟ فبعد أن ذكر الأنبياء ﵈ ومنهم: موسى وهارون وإبراهيم وإسحاق ويعقوب ولوط ونوح وداود وسليمان وأيوب وزكريا قال بعد ذلك: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠].
وقال عن عباده المتقين: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦]، وقال سبحانه في وصف عباده: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧]، فكيف يقول الصوفية بعد هذا لا حاجة إلى الخوف والرجاء وإنا نعبد الله حباً لذاته؟! والله تعالى ذكر أقسام العبادة في الفاتحة فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] هذه المحبة، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] فيها صفات الرجاء، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] فيها صفات الخوف.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا محمد بن فضيل حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن عبد الله القرشي عن عبد الله بن حكيم قال: خطبنا أبو بكر ﵁ ثم قال: أما بعد: فإني أوصيكم بتقوى الله، وتثنوا عليه بما هو له أهل، وتخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة، فإن الله أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠]].
стр. 727
تفسير قوله تعالى: (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا)
قال الله تعالى: [﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:٩١].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [هكذا يذكر تعالى قصة مريم وابنها عيسى ﵇ مقرونة بقصة زكريا وابنه يحيى ﵉ فيذكر أولاً: قصة زكريا ثم يتبعها بقصة مريم؛ لأن تلك موطئة لهذه، فإنها إيجاد ولد من شيخ كبير قد طعن في السن ومن امرأة عجوز عاقر لم تلد في حال شبابها، ثم يذكر قصة مريم وهي أعجب، فإنها إيجاد ولد من أنثى بلا ذكر، وهكذا وقع في سورة آل عمران وفي سورة مريم، وههنا ذكر قصة زكريا ثم أتبعها بقصة مريم بقوله: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [الأنبياء:٩١] يعني: مريم ﵍ كما قال في سورة التحريم: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم:١٢].
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:٩١] أي: دلالة على أن الله على كل شيء قدير، وأنه يخلق ما يشاء وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، وهذا كقوله: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [مريم:٢١].
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عمر بن علي حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد عن شبيب -يعني: ابن بشر - عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:٩١] قال: العالمين الجن والإنس ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]].
وهذا من آيات الله العظيمة الدالة على عظيم قدرته، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، فهو خلق عيسى من أنثى بلا ذكر، فتمت بذلك القسمة الرباعية، فالله خلق آدم بلا ذكر ولا أثنى، خلقه من طين، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى فخلقها من ضلع آدم، وخلق سائر الناس من ذكر وأنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، فتمت بذلك القسمة الرباعية، والله ذكر قبل هذه القصة قصة أسهل منها توطئة لها، وهي قصة زكريا وامرأته، فإن زكريا ﵊ كان عقيماً لا يولد له، ومضت السنون في شبابه ولم يولد له، وكذلك امرأته كانت عاقراً لا تلد ومضى شبابها فلما كانا في زمن الكبر رزقهم الله الولد.
ثم ذكر الله بعد ذلك قصة وهي أعجب منها، فذكر القصة الأولى؛ لأنها أسهل وأخف على النفوس، ثم ذكر قصة أعظم وأشد، وهي: إيجاد ولد من أنثى بلا ذكر، والله على كل شيء قدير، والمؤمن مصدق لأخبار الله ليس عنده ارتياب ولا شك، هكذا شأن المؤمن، والله على كل شيء قدير، قال سبحانه: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧].
فالذي خلق آدم وأوجده من تراب قادر على أن يوجد ذكراً مولوداً من أنثى بلا ذكر.
стр. 728
تفسير سورة الأنبياء [٩٢ - ٩٧]
خلق الله الحياة الدنيا للاختبار والامتحان، وأخبر سبحانه أن هناك يوماً سيأتي على الدنيا ويجعلها حصيداً كأن لم تغن بالأمس، ولم يخبر سبحانه متى سيكون هذا اليوم بل جعل له علامات وإشارات منها خروج يأجوج ومأجوج.
стр. 729
تفسير قوله تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)
قال الله تعالى: [﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ * وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ [الأنبياء:٩٢ - ٩٤].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]، يقول: دينكم دين واحد.
وقال الحسن البصري: في هذه الآية بين لهم ما يتقون وما يأتون ثم قال: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢] أي: سنتكم سنة واحدة، فقوله: إن هذه، إن واسمها، و (أمتكم): خبر إن، أي: هذه شريعتكم التي بينت لكم ووضحت لكم، وقوله: (أمة واحدة) نصب على الحال، ولهذا قال: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون:٥١] إلى قوله: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:٥٢].
وقال رسول الله ﷺ : (نحن معشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد) يعني: أن المقصود هو عبادة الله وحده لا شريك له بشرائع متنوعة لرسله، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨]].
وأولاد العلات: هم الإخوة من الأب، (ديننا واحد وأمهاتنا شتى) الأب واحد، والأمهات متعددة، وهذا مثل الشرائع من الأوامر والنواهي والحلال والحرام فتختلف من شريعة إلى أخرى، أما الدين فواحد وهو توحيد الله، وكل الأنبياء بعثهم الله بالتوحيد فدينهم واحد، وكل الأنبياء يدعون إلى أصول الدين: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وكل الأنبياء بعثوا بالتوحيد فأمرهم الله بتوحيده ونهاهم عن الشرك، وأمر الناس بطاعة الأنبياء وتعظيم الأوامر، فالدين واحد لكن الشرائع مختلفة، فمثلاً في شريعة يعقوب يجوز الجمع بين الأختين، وفي شريعة التوراة يجب القصاص، وفي شريعة الإنجيل يجب العفو، وفي شريعتنا التي هي أكمل الشرائع يخير بين القصاص والدية والعفو، كما قال سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨].
فهؤلاء الإخوة من الأب يقال لهم إخوة علات، ولهذا قال: (أولاد علات، ديننا واحد، وأمهاتنا شتى) يعني: الشرائع، وأما الإخوة من الأم فيقال لهم: الأخيار، والأشقاء يقال لهم: أعيان، والإخوة من الأب أولاد علات.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنبياء:٩٣] أي: اختلفت الأمم على رسلها فمن بين مصدق لهم ومكذب، ولهذا قال: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٣] أي: يوم القيامة، فيجازي كل بحسب عمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [الأنبياء:٩٤] أي: قلبه مصدق وعمل عملاً صالحاً ﴿فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ [الأنبياء:٩٤] كقوله: ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف:٣٠] أي: لا يكفر سعيه وهو عمله، بل يشكر فلا يظلم مثقال ذرة، ولهذا قال: ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ [الأنبياء:٩٤] أي: يكتب جميع عمله فلا يضيع عليه منه شيء].
стр. 730
تفسير قوله تعالى: (وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون)
قال الله تعالى: [﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ * حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٩٥ - ٩٧].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء:٩٥] قال ابن عباس: وجب.
يعني: قد قدر أن أهل كل قرية أهلكوا أنهم لا يرجعون إلى الدنيا قبل يوم القيامة، هكذا صرح به ابن عباس وأبو جعفر الباقر وقتادة وغير واحد، وفي رواية عن ابن عباس: أنهم لا يرجعون أي: لا يتوبون، والقول الأول أظهر والله أعلم].
стр. 731
تفسير قوله تعالى: (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء:٩٦] قد قدمنا أنهم من سلالة آدم ﵇ بل هم من نسل نوح أيضاً من أولاد يافث أبي الترك، والترك شرذمة منهم تركوا من وراء السد الذي بناه ذو القرنين].
هذا هو الصواب، أن يأجوج ومأجوج من بني آدم، فهما أمتان: أمة يقال لها يأجوج، والأمة الثانية يقال لها مأجوج، من الأجيج واللغط وكثرة الأخطاء، أمتان كافرتان وهما من أولاد يافث بن نوح، وأما ما جاء في الآثار أن آدم احتلم فاختلط منيه بالتراب فخلق الله منه يأجوج ومأجوج هذا لا يصح.
فذو القرنين بنى السد بينهم وبين الناس، فمن كان خارج السد سموا الترك؛ لأنهم تركوا خارج السد، وذلك لأن ذا القرنين طاف المشارق والمغارب -وهو ملك عادل صالح- ولما مر بهم طلبوا منه أن يبني سداً بينهم وبين يأجوج ومأجوج؛ لأنهم أفسدوا في الأرض، قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف:٩٤] فبنى السد وترك أناساً سموا الترك؛ لأنهم تركوا خارج السد، وسيخرجون في آخر الزمان، وخروجهم يكون من أشراط الساعة الكبار.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا * وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف:٩٨ - ٩٩] الآية، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء:٩٦] أي: يسرعون في المشي إلى الفساد، والحدب: هو المرتفع من الأرض، قاله ابن عباس وعكرمة وأبو صالح والثوري وغيرهم، وهذه صفتهم في حال خروجهم].
يخرجون من كل حدب أي: من كل مرتفع، ينسلون: يسرعون من أجل الفساد، فهم طبعوا على الفساد والعياذ بالله، ولهذا لما جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (إن الله تعالى ينادي يوم القيامة يقول: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك فيقول: أخرج بعث النار، فيقول: يا رب من كم؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فشق ذلك على الصحابة، فقال: أبشروا فإن منكم واحد ومن يأجوج ومأجوج ألف).
فهماً أمتان كافرتان عددهم كثير، إذا خرجوا فهذا وصفهم: من كل حدب ينسلون أي: من كل مرتفع يسرعون بالمشي لأجل الفساد، ولهذا يتحصن منهم عيسى ﵊ -لأنهم سيخرجون في زمن عيسى بعدما ينزل- فيوحي الله إليه: أن حرز عبادي إلى الطور، فيتحصنون بجبل الطور، ثم يدعون عليهم فيهلكهم الله في ليلة واحدة؛ فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ويكونون كالتلال بعضهم فوق بعض، ثم يأمر الله طيراً فتأتي تأخذهم وتلقيهم في البحر، ثم ينزل الله مطراً ليغسل الأرض، وهذا من حكمة الله؛ لأنهم لو بقوا لأنتنت الأرض وهلك الناس.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذه صفة في حال خروجهم كأن السامع مشاهد لذلك: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤]، هذا إخبار عالم ما كان وما يكون، الذي يعلم غيب السموات والأرض لا إله إلا هو.
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن مثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عبيد الله بن يزيد قال: رأى ابن عباس صبياناً ينزو بعضهم على بعض يلعبون، فقال ابن عباس: هكذا يخرج يأجوج ومأجوج، وقد ورد ذكر خروجهم في أحاديث متعددة من السنة النبوية.
فالحديث الأول: قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون كما قال الله : ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء:٩٦]، فيغشون الناس، وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم، ويضمون إليهم مواشيهم، ويشربون مياه الأرض حتى إن بعضهم ليمر بالنهر فيشربون ما فيه حتى يتركوه يابساً، حتى إن من بعدهم ليمر بذلك النهر فيقول: قد كان ههنا ماء مرة، حتى إذا لم يبق من الناس أحد إلا أحد في حصن أو مدينة قال قائلهم: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم بقي أهل السماء قال: ثم يهز أحدهم حربته، ثم يرمي بها إلى السماء فترجع إليه مخضبة دماً للبلاء والفتنة، فبينما هم على ذلك إذ بعث الله دوداً في أعناقهم كنغف الجراد الذي يخرج في أعناقه، فيصبحون موتى لا يسمع لهم حس، فيقول المسلمون: ألا رجل يشري نفسه فينظر ما فعل هذا العدو؟ قال: فيتجرد رجل منهم محتسباً نفسه قد أوطنها على أنه مقتول، فينزل فيجدهم موتى بعضهم على بعض فينادي: يا معشر المسلمين! ألا أبشروا إن الله قد كفاكم عدوكم؛ فيخرجون من مدائنهم وحصونهم يسرحون مواشيهم فما يكون لهم رعي إلا لحومهم فتشكر عنهم كأحسن ما شكرت عن شيء من النبات أصابته قط) رواه ابن ماجة من حديث يونس بن بكير عن ابن إسحاق به].
الحديث صححه الألباني، وقال الترمذي: حديث حسن غريب، بعضه في مسلم، وقال البكيري: في زوائد هذا إسناده صحيح، رجاله ثقات.
وبعضه له شواهد عند مسلم فكونهم يشربون الماء ثم يقولون لقد كان ههنا ماء، هذا جاء في مسلم، أيضاً كونهم يرسلون حربتهم فترجع مخضبة بالدماء هذا في مسلم، وكذلك قوله: فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، وأما كونه ترعى المواشي لحومهم هذا فيه نظر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الحديث الثاني: قال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا الوليد بن مسلم أبو العباس الدمشقي حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثنا يحيى بن جابر الطائي قاضي حمص حدثنا عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي عن أبيه أنه سمع النواس بن سمعان الكلابي قال: (ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل فلما روحنا إليه عرف ذلك في وجوهنا فسألناه فقلنا: يا رسول الله! ذكرت الدجال الغداة فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل فقال: غير الدجال أخوفني عليكم، فإن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فكل امرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، إنه شاب جعد قطط عينه طافية، وإنه يخرج خلة بين الشام والعراق)].
هنا ذكر عينه طافية، وفي اللفظ الآخر: عينه اليمنى طافية، وفي اللفظ الآخر: (مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن)، وفي لفظ: (ك ف ر يقرؤه كل مؤمن)، وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه إلى عباده أن جعل لهم علامة، وبين النبي ﷺ في الدجال بياناً شافياً حتى يحذره المؤمنون، وهو خارج من الخلة يعني: وسط بين الشام والعراق من جهة الشرق، كذلك فتن كثيرة تأتي من جهة الشرق فالجهمية والمبتدعة، والدجال كلهم يخرجون من جهة الشرق بين الشام والعراق.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [(وإنه يخرج خلة بين الشام والعراق فعاث يميناً وشمالاً يا عباد الله! اثبتوا، قلنا: يا رسول الله! ما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، يوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، قلنا: يا رسول الله! فذاك اليوم الذي هو كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟ قال: لا اقدروا له قدره، قلنا: يا رسول الله! فما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح قال: فيمر بالحي فيدعوهم فيستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت وتروح عليهم سارحتهم وهي أطول ما كانت ذرى وأمده خواصر، وأسبغه ضروعاً، ويمر بالحي فيدعوهم فيردون عليه قوله؛ فتتبعه أموالهم فيصبحون ممحلين ليس لهم من أموالهم شيء)].
وهذا من الابتلاء والامتحان، وقد سمي الدجال؛ لأن فيه صفة مبالغة من الدجل والكذب، وهو الدجال الأخرص، يدعي أولاً الصلاح، ثم يدعي النبوة، ثم يدعي الربوبية والعياذ بالله! وأعطاه الله هذه الخوارق العظيمة، بأن يأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، ويأتي إلى القوم فيدعوهم؛ فمن استجاب له كثر ماله وسرحتهم من الإبل والغنم ترجع وقد امتلأت ضروعها باللبن، ويأتي القوم فيردون عليه دعوته فيصبحون ممحلين ابتلاءً وامتحاناً، نسأل الله السلامة والعافية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [(ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك؛ فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، قال: ويأمر برجل فيقتل فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض)].
وهذا كله من الابتلاء والامتحان، حيث إنه يأمر بالخربة فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ويقطع الرجل نصفين ويمشي بين القطعتين ثم يقول له: قم فيستوي قائماً ولا يسلط إلا عليه، فيقول له: هل عرفت الآن؟ فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة كما جاء في الحديث الآخر، قال النبي: (فذلك أعظم الناس ثابتاً عند رب العالمين)، يسلط على هذا الإنسان ولا يسلط على غيره، وهذا ابتلاء وامتحان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [(ثم يدعوه فيقبل إليه يتهلل وجهه فبينما هم على ذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين، واضعاً يديه على أجنحة ملكين فيتبعه فيدركه فيقتله عند باب لد الشرقي)].
هذا في الشام وكان اسمه: باب لد فيدركه فيقتله، فمسيح الهدى يقتل مسيح الضلالة، إذا خرج الد
стр. 732
خبر يأجوج ومأجوج وإفسادهم في الأرض
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ورواه ابن جرير هاهنا من حديث جبلة به، والأحاديث في هذا كثيرة جداً، والآثار عن السلف كذلك، وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث معمر عن غير واحد عن حميد بن هلال عن أبي الصيف قال: قال كعب].
وفي نسخة أبو الضيف.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال: قال كعب ﵁: إذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج، حفروا حتى يسمع الذين يلونهم قرع فئوسهم، فإذا كان الليل ألقى الله على لسان رجل منهم يقول: نجيء غداً فنخرج، فيعيده الله كما كان.
فيجيئون من الغد فيجدونه قد أعاده الله كما كان، فيحفرونه حتى يسمع الذين يلونهم قرع فئوسهم، فإذا كان الليل ألقى الله على لسان رجل منهم يقول: نجيء غداً فنخرج إن شاء الله، فيجيئون من الغد فيجدونه كما تركوه، فيحفرون حتى يخرجوا، فتمر الزمرة الأولى بالبحيرة، فيشربون ماءها].
الزمرة الأولى بمعنى: الجماعة الأولى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم تمر الزمرة الثانية فيلحسون طينها، ثم تمر الزمرة الثالثة فيقولون: قد كان هاهنا مرة ماء، فيفر الناس].
أي: يبست البحيرة فالأولى: شربت الماء والثانية: لحسوا الطين، والثالثة: ما وجدت الماء فقالت: قد كانت مليئة يوماً بالماء.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيفر الناس منهم، فلا يقوم لهم شيء.
ثم يرمون بسهامهم إلى السماء فترجع إليهم مخضبة بالدماء].
وهذا ابتلاء وامتحان.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيقولون: غلبنا أهل الأرض وأهل السماء، فيدعو عليهم عيسى ابن مريم ﵇، فيقول: اللهم لا طاقة ولا يد لنا بهم، فاكفناهم بما شئت، فيسلط الله عليهم دوداً يقال له: النغف فيفرس رقابهم].
وفي نسخة: فيفرش.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويبعث الله عليهم طيراً تأخذهم بمناقيرها فتلقيهم في البحر، ويبعث الله عيناً يقال لها: الحياة يطهر الله الأرض وينبتها، حتى إن الرمانة ليشبع منها السكن].
المقصود بالسكن ساكن البيت.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حتى إن الرمانة ليشبع منها السكن.
قيل: وما السكن يا كعب؟ قال: أهل البيت قال: فبينما الناس كذلك إذ أتاهم الصريخ أن السويقتين يريده].
والمراد بأتاهم الصريخ أي: المنذر، المحذر.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال: فيبعث عيسى بن مريم طليعة سبعمائة، أو بين السبعمائة والثمانمائة، حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله ريحاً يمانية طيبة، فيقبض فيها روح كل مؤمن، ثم يبقى عجاج الناس، فيتسافدون كما تتسافد البهائم].
يتسافدون المقصود به النكاح، فيتناكحون في الشوارع كالبهائم لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً نعوذ بالله، وهذا من كعب الأحبار والبعض جعله من الأحاديث الصحيحة، وهو من كلام كعب لكن له شواهد منها في صحيح مسلم وغيره.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فيتسافدون كما تتسافد البهائم فمثل الساعة كمثل رجل يطيف حول فرسه متى تضع قال كعب: فمن قال بعد قولي هذا شيئاً أو بعد علمي هذا شيئاً فهو المتكلف].
ومعنى قول كعب أي: من زاد شيئاً لم أقله فهو متكلف، إذ لم يرد علم به.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهذا من أحسن سياقات كعب الأحبار لما شهد له من صحيح الأخبار].
وصدق ﵀ فهذا من أحسن ما روى كعب الأحبار لأن له شواهد في الأحاديث الصحيحة في مسلم وفي غيره، فإن كعب الأحبار ﵀ من بني إسرائيل الذين أسلموا من التابعين ويروي الغث والسمين، لكن هذا من أحسن سياقاته.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد ثبت في الحديث أن عيسى بن مريم يحج البيت العتيق].
بعد نزول عيسى ﵊ يحج الناس البيت؛ لأن الدجال وعيسى من علامات الساعة الكبرى وهي المتقدمة ويعقبها الأشراط المتأخرة كطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة والنار وهذه آخرها، وقد ترتب على هذا النحو، أولها: المهدي، ثم خروج الدجال، ثم نزول عيسى بن مريم، ثم خروج يأجوج ومأجوج، فهذه أربع متوالية وهي أول الأشراط، ثم هناك بقية الأشراط العشرة، فعيسى ﵊ من أشراط الساعة المتقدمة الكبرى، ولهذا يحج عيسى بالناس آمنين ويؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويقام هذا الدين، فيحج الناس ويصلون ويصومون ثم بعد ذلك تأتي أشراط الساعة الأخرى كهدم الكعبة ونزع القرآن من الصدور والدخان، وطلوع الشمس من مغربها والدابة، وآخرها النار التي تخرج من قعر عدن.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود قال: حدثنا عمران عن قتادة عن عبد الله بن أبي عتبة عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليحجن هذا البيت، وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج)، انفرد بإخراجه البخاري.
وقوله: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ [الأنبياء:٩٧] يعني: يوم القيامة، إذا حصلت هذه الأهوال والزلازل والبلابل، أزفت الساعة واقتربت، فإذا كانت ووقعت قال الكافرون: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر:٨] ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء:٩٧] أي: من شدة ما يشاهدونه من الأمور العظام: ﴿يَا وَيْلَنَا﴾ [الأنبياء:٩٧] أي: يقولون: ﴿يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [الأنبياء:٩٧] أي: في الدنيا ﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٩٧]، يعترفون بظلمهم لأنفسهم حيث لا ينفعهم ذلك].
وكذلك في النار يعترفون، قال الله عنهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠ - ١١] لأن الأوان قد فات نسأل الله السلامة والعافية.
وأن يرزقنا الاستقامة واليقظة والإعتبار، وأن يعيذنا من الغفلة والإعراض، وأن يثبتنا على دينه القويم.
وقد يسأل سائل فيقول: كيف نوفق بين قول الله تعالى: ﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] وبين أنه: (لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله)؟ والحقيقة أنه لا منافاة بينهما فالأرض يرثها عباد الله الصالحون، حتى ينتهي عباد الله الصالحون بالموت بالريح التي تقبضهم، ثم بعد ذلك تقوم الساعة على شرار الخلق، كما أنهم إنما يرثون الأرض قبل آخر الزمان، وقبل أشراط الساعة الكبرى، ومما يدل على ذلك أن عيسى ومن معه من المؤمنين ورثوا الأرض، فصار الباقين حتى جاءت الريح الطيبة، وقبضتهم وانتهت الأرض، وانتهوا منها ولم يبق في الأرض أحد منهم فتقوم الساعة، أما ما دام في الأرض مؤمنون وكفار فالعاقبة للمتقين، وإذا قبضت أرواح المؤمنين بقي الكفرة فقامت عليهم القيامة، وهنا يعلم أن لا منافاة، والله أعلم.
стр. 733
تفسير سورة الأنبياء [٩٨ - ١٠٤]
رحمة الله واسعة، لكن عذابه أليم شديد، يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وكذلك أملى لمن ظلموا أنفسهم وعبدوا غيره حتى أدخلهم النار مع من كانوا يعبدونهم من الأوثان والطواغيت.
وفي المقابل فقد أدخل من لم يشرك به شيئاً جنة عرضها السماوات والأرض وأمنه من الفزع الأكبر.
стр. 734
تفسير قوله تعالى: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم)
قال الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ * إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨ - ١٠٣].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى مخاطباً لأهل مكة من مشركي قريش، ومن دان بدينهم من عبدة الأوثان:: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، قال ابن عباس: أي: وقودها، يعني: كقوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَة﴾ [التحريم:٦].
وقال ابن عباس أيضاً: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨] يعني: شجر جهنم.
وفي رواية قال: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨] يعني: حطب جهنم بالزنجية، وقال مجاهد وعكرمة وقتادة: حطبها.
وهي كذلك في قراءة علي وعائشة ﵄].
يريد أن في قراءة علي وعائشة (إنكم وما تعبدون من دون الله حطب جهنم)، وإذا لم تكن سبعية كانت شاذة يستفاد منها في التفسير، ومثل ذلك ما وجد في بعض مصحف عائشة: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر) يحمل على أنه تفسير، فقوله تعالى: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨] معناه: حطب جهنم.
والمعنى: أن الكفار يدخلون النار مع من عبدوهم زيادة في التنكيل بهم، فالأصنام والأوثان التي تعبد تكون مع أهلها في النار، والشمس والقمر يكوران يوم القيامة ويجعلان في النار مع من عبدهم إلا المؤمنين والأنبياء والملائكة الذين لم يرضوا بالعبادة فهم مستثنون كما سيأتي في الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١] فعيسى ﵇ عُبد، ولكنه لم يرض وكذلك الملائكة لم يرضوا بعبادتهم فهؤلاء مستثنون في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١].
أما الكفار الذين يرضون بعبادة المعبودين فهم معهم؛ لأنهم كفرة مثلهم، وكذلك الجمادات تكون مع من عبدوها في النار.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الضحاك: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨] أي: ما يرمى به فيها، وكذا قال غيره.
والجميع قريب.
وقوله: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨] أي: داخلون.
﴿لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء:٩٩] يعني: لو كانت هذه الأصنام والأنداد التي اتخذتموها من دون الله آلهةً صحيحة لما وردوا النار وما دخلوها، ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٩] أي: العابدون ومعبوداتهم، كلهم فيها خالدون].
﴿لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء:٩٩] لو كان هؤلاء المعبودون من دون الله آلهة معبودين بحق لما دخلوا النار، فلما كانوا آلهة في الباطل دخلوا النار مع من عبدوهم من دون الله؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٩] كل من العابدين والمعبودين مخلدون في النار.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾ [هود:١٠٦] كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود:١٠٦]، والزفير: خروج أنفاسهم، والشهيق: ولوج أنفاسهم ﴿وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٠]].
الزفير: خروج النفس، والشهيق: دخول النفس فللنفس دخول وخروج؛ وذلك من شدة الألم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا ابن فضيل حدثنا عبد الرحمن -يعني المسعودي - عن أبيه قال: قال ابن مسعود: إذا بقي من يخلد في النار، جعلوا في توابيت من نار فيها مسامير من نار، فلا يرى أحد منهم أنه يعذب في النار غيره].
فمن شدة ما يجد من العذاب يرى أنه لا يعذب أحد مثل عذابه، وفي الحديث: (إن أهون أهل النار عذاباً لرجل في أخمصيه جمرتان من نار يغلي منهما دماغه).
وفي لفظ: (إن أهون أهل النار لرجل له شراكان من نار يغلي منهما دماغه، وإنه ليظن أنه أشد أهل النار عذاباً من شدة ما يجد) وإنه لأهونهم وأسهلهم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم تلا عبد الله: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٠] ورواه ابن جرير من حديث حجاج بن محمد عن المسعودي عن يونس بن حبان عن ابن مسعود فذكره].
المسعودي فيه ضعف.
أما يونس فلعله يونس بن خباب، لا ابن حبان.
стр. 735
تفسير قوله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى)
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء:١٠١] قال عكرمة: الرحمة.
وقال غيره: السعادة، ﴿أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [لما ذكر تعالى أهل النار وعذابهم بسبب شركهم بالله، عطف بذكر السعداء من المؤمنين بالله ورسوله، وهم الذين سبقت لهم من الله السعادة، وأسلفوا الأعمال الصالحة في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦].
وقال: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] فكما أحسنوا العمل في الدنيا أحسن الله مآبهم وثوابهم، ونجاهم من العذاب وحصل لهم جزيل الثواب، فقال: ﴿أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء:١٠١ - ١٠٢] أي: حريقها في الأجساد.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: حدثنا محمد بن عمار قال: حدثنا عفان قال: حدثنا حماد بن سلمة عن أبيه عن الجريري عن أبي عثمان: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء:١٠٢] قال: حيات على الصراط تلسعهم، فإذا لسعتهم قال: حس.
حس.
وقوله: ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٢] فسلمهم من المحذور والمرهوب، وحصل لهم المطلوب والمحبوب.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أحمد بن أبي شريح حدثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني].
ليس ابن أبي شريح بل شريج بالجيم، أما الهمداني فبالدال المهملة؛ لأنه نسبة إلى قبيلة همدان، أما بالذال -همذاني- وبفتح الميم فنسبة إلى بلدة في الشرق، في إيران.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن ليث بن أسليم عن ابن عم النعمان بن بشير عن النعمان بن بشير قال: وسمر مع علي ذات ليلة فقرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١] قال: أنا منهم، وعمر منهم، وعثمان منهم، والزبير منهم، وطلحة منهم، وعبد الرحمن منهم، أو قال: سعد منهم، قال: وأقيمت الصلاة، فقام وأظنه يجر ثوبه وهو يقول: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء:١٠٢]].
والحديث فيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف لكن معناه صحيح، فلا شك أن من الذين سبقت لهم منه الحسنى علياً وكذا الزبير وطلحة فهم من المبشرين بالجنة ﵃ وأرضاهم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال شعبة عن أبي بشر عن يوسف المكي عن محمد بن حاطب قال: سمعت علياً يقول في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء:١٠١] قال: عثمان وأصحابه].
فـ عثمان وأصحابه كلهم داخلين في هذا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ورواه ابن أبي حاتم ورواه ابن جرير من حديث يوسف بن سعد وليس بـ ابن ماهك عن محمد بن حاطب عن علي فذكره ولفظه: عثمان منهم.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١] فأولئك أولياء الله يمرون على الصراط مراً هو أسرع من البرق، ويبقى الكفار فيها جثياً فهذا مطابق لما ذكرناه.
وقال آخرون: بل نزلت استثناء من المعبودين وخرج منهم عزير والمسيح كما قال حجاج بن محمد الأعور عن ابن جريج وعثمان عن عطاء عن ابن عباس: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨] ثم استثنى فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء:١٠١] فيقال: هم الملائكة، وعيسى ونحو ذلك مما يعبد من دون الله ، وكذا قال عكرمة والحسن وابن جريج.
وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء:١٠١] قال: نزلت في عيسى بن مريم وعزير ﵉].
وعلى هذا يكون في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١] قولان لأهل العلم: القول الأول: أن الآية مطلقة وليست مقيدة بالآية السابقة، والمعنى أن الله أخبر أن الذي سبقت لهم من الله السعادة مبعدون عن النار لا يدخلونها ولا يسمعون حسيسها.
والقول الثاني: أنها مستثناة من المعبودين في قوله : ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨] ثم استثنى فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء:١٠١] فلا يدخلون النار فالعابد والمعبود في النار جميعاً إلا من سبقت لهم من الله الحسنى: كالملائكة، والمسيح وعزير، فإن هؤلاء سبقت لهم من الله الحسنى ولم يرضوا بعبادة من عبدهم من دون الله فهم مستثنون.
أما ما عداهم من المعبودات فهي مع من عبدها، فالشمس والقمر يكوران ويلقيان في النار مع من عبدهما، والأصنام والأوثان كلها مع من عبدها، فلا يستثنى إلا من سبقت لهم من الله الحسنى من الملائكة والأنبياء والصالحين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا الحسين بن عيسى بن ميسرة حدثنا أبو زهير حدثنا سعد بن طريف عن الأصبغ عن علي في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء:١٠١] قال: كل شيء يعبد من دون الله في النار إلا الشمس والقمر وعيسى بن مريم ﵊.
إسناده ضعيف].
وهذا ضعيف؛ لأن الشمس والقمر كما جاء في الحديث يكوران ويلقيان في النار.
أما سعد بن طريف فهو سعد بن طريف الإسكافي الحنظلي الكوفي متروك، ورماه ابن حبان بالوضع وكان رافضياً.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١]، قال: عيسى، وعزير، والملائكة.
وقال الضحاك: عيسى، ومريم، والملائكة، والشمس، والقمر.
وكذا روي عن سعيد بن جبير وأبي صالح وغير واحد.
وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثًا غريباً جداً فقال: حدثنا الفضل بن يعقوب الرخامي].
حدثنا سعيد بن مسلمة بن عبد الملك حدثنا الليث بن أبي سليم عن مغيث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١] قال: عيسى وعزير والملائكة.
وذكر بعضهم قصة ابن الزبعري ومناظرة المشركين].
والحديث فيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف لكن هؤلاء لا شك أنهم مستثنون: عيسى والملائكة وعزير، أما قصة ابن الزبعري فقد تكلم عنها المصنف ﵀ فقال: [قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن علي بن سهل حدثنا محمد بن حسن الأنماطي حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة حدثنا يزيد بن أبي حكيم حدثنا الحكم يعني: ابن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: (جاء عبد الله بن الزبعري إلى النبي ﷺ فقال: تزعم أن الله أنزل عليك هذه الآية: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨]، فقال ابن الزبعري: قد عبدت الشمس والقمر والملائكة، وعزير وعيسى بن مريم كل هؤلاء في النار مع آلهتنا؟ فنزلت: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف:٥٧ - ٥٨].
ثم نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠١]) رواه الحافظ أبو عبد الله في كتابه الأحاديث المختارة].
أما الأحاديث المختارة فهي جيدة يقول شيخ الإسلام: إنها أجود من أحاديث الحاكم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم: حدثنا
стр. 736
تفسير قوله تعالى: (لا يحزنهم الفزع الأكبر)
قال الله تعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء:١٠٣].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قيل: المراد بذلك: الموت.
رواه عبد الرزاق عن يحيى بن ربيعة عن عطاء.
وقيل: المراد بالفزع الأكبر: النفخة في الصور.
قاله العوفي عن ابن عباس وأبو سنان سعيد بن سنان الشيباني، واختاره ابن جرير في تفسيره.
وقيل: حين يؤمر بالعبد إلى النار.
قاله الحسن البصري.
وقيل: حين تطبق النار على أهلها.
قاله سعيد بن جبير وابن جريج.
وقيل: حين يذبح الموت بين الجنة والنار.
قاله أبو بكر الهذلي فيما رواه ابن أبي حاتم عنه].
وكل هذه أقوال لا شك أنها قد تشملها كلها، ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء:١٠٣] فجميع هذه المواقف كلها حق، إما عند الموت كما قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ [فصلت:٣٠] وكذلك في المواضع الأخرى فهم مأمنون.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٣] يعني: تقول لهم الملائكة تبشرهم يوم معادهم إذا خرجوا من قبورهم: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٣] أي: فأملوا ما يسركم.
стр. 737
تفسير قوله تعالى: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب)
قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤].
قال المصنف ﵀: [يقول تعالى: هذا كائن يوم القيامة، ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء:١٠٤] كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧].
وقد قال البخاري: حدثنا مقدم بن محمد حدثني عمي القاسم بن يحيى عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله وعليه وسلم قال: (إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين وتكون السماوات بيمينه) انفرد به من هذا الوجه البخاري ﵀].
ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧].
وقوله ﷺ : (إن الله يوم القيامة يجعل السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، والماء والثرى على أصبع، والشجر على أصبع وسائر الخلق على أصبع ثم يهزهن بيده فيقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟)، فهذه خمسة أصابع.
وفيه إثبات الأصابع لله .
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا محمد بن أحمد بن الحجاج الرقي حدثنا محمد بن سلمة عن أبي الواصل عن أبي المليح الأزدي عن أبي الجوزاء الأزدي عن ابن عباس قال: (يطوي الله السموات السبع بما فيها من الخليقة والأرضين السبع بما فيها من الخليقة يطوي ذلك كله بيمينه يكون ذلك كله في يده بمنزلة خردلة)].
الخردلة: الحبة الصغيرة.
وفي الحديث الآخر: (ما السموات السبع والأرضين السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم) ومعلوم أن الخردلة: الحبة الصغيرة لا تساوي شيء بالنسبة للإنسان، وهو مستول عليها إن شاء قبضها وإن شاء وضعها فهي لا تساوي شيء، فـ (السموات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن كخردلة في يد أحدكم)، فسبحان الله.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، قيل: المراد بالسجل: الكتاب.
وقيل: المراد بالسجل هاهنا ملك من الملائكة.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين قال: حدثنا محمد بن العلاء قال: حدثنا يحيى بن يمان قال: حدثنا أبو الوفاء الأشجعي عن أبيه عن ابن عمر في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء:١٠٤] قال السجل: ملك فإذا صعد بالاستغفار قال: اكتبها نوراً، وهكذا، وهكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب عن ابن يمان به.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين أن السجل ملك.
وقال السدي في هذه الآية: السجل: ملك موكل بالصحف، فإذا مات الإنسان رفع كتابه إلى السجل فطواه ورفعه إلى يوم القيامة.
وقيل المراد به: اسم رجل صحابي كان يكتب للنبي ﷺ الوحي.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا نوح بن قيس عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء:١٠٤] قال: السجل: هو الرجل.
قال نوح: وأخبرني يزيد بن كعب هو العوذي عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: السجل كاتب للنبي ﷺ ، وهكذا رواه أبو داود والنسائي كلاهما: عن قتيبة بن سعيد عن نوح بن قيس عن يزيد بن كعب عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس ﵄ قال: السجل كاتب للنبي ﷺ .
ورواه ابن جرير عن نصر بن علي الجهضمي كما تقدم.
ورواه ابن عدي من رواية يحيى بن عمرو بن مالك النكري عن أبيه عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: كان لرسول الله ﷺ كاتب يسمى السجل وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء:١٠٤] قال: كما يطوى السجل الكتاب، كذلك تطوي السماء ثم قال: وهو غير محفوظ].
كما يطوي السجل الكتاب، أي: كما يطوي الملك أو هذا الرجل الكاتب للنبي ﷺ ، الكتاب تطوى السماء.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الخطيب البغدادي في تاريخه: أنبأنا أبو بكر البرقاني أنبأنا محمد بن محمد بن يعقوب الحجاجي: أنبأنا أحمد بن الحسن الكرخي أن حمدان بن سعيد حدثهم عن عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: السجل: كاتب للنبي ﷺ .
وهذا منكر جدًا من حديث نافع عن ابن عمر، لا يصح أصلا وكذلك ما تقدم عن ابن عباس، من رواية أبي داود وغيره، لا يصح أيضًا.
وقد صرح جماعة من الحفاظ بوضعه- وإن كان في سنن أبي داود - منهم شيخنا الحافظ الكبير أبو الحجاج المزي فسح الله في عمره ونسأ في أجله.
وختم له بصالح عمله، وقد أفردت لهذا الحديث جزءًا على حدته ولله الحمد].
والحافظ قد أفرد رسالة خاصة في هذا، تبحث هذه الرسالة في تضعيف حديث أبي داود: إن السجل كاتب النبي ﷺ ، وقد صرح بعضهم بأنه موضوع.
قال ابن القيم ﵀: سمعت شيخنا ابن تيمية ﵀ يقول: هذا الحديث موضوع، ولا يعرف أنه كان لرسول الله ﷺ كاتب اسمه السجل قط، ذكره في كتاب الجامع.
والحديث الذي في سنن أبي داود في إسناده يزيد بن كعب قال الحافظ متروك.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد تصدى الإمام أبو جعفر بن جرير للإنكار على هذا الحديث ورده أتم رد، وقال: لا يعرف في الصحابة أحد اسمه السجل، وكتاب النبي ﷺ معروفون، وليس فيهم أحد اسمه السجل، وصدق ﵀ في ذلك، وهو من أقوى الأدلة على نكارة هذا الحديث، وأما من ذكره في أسماء الصحابة فإنما اعتمد على هذا الحديث لا على غيره والله أعلم.
والصحيح عن ابن عباس ﵄ أن السجل هي الصحيفة قاله علي بن أبي طلحة والعوفي عنه، ونص على ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد.
واختاره ابن جرير؛ لأنه المعروف في اللغة، فعلى هذا يكون معنى الكلام: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب) أي: على الكتاب بمعنى المكتوب، كقوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣]، أي: على الجبين، ولهن نظائر في اللغة والله أعلم].
قوله تعالى: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء:١٠٤] يعني: كطي الكتاب على المكتوب، فاللام بمعنى: (على) كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣] أي: على الجبين فيكون معنى: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء:١٠٤] كطي الصحيفة بالكتاب على المكتوب، وهذا هو المعروف في اللغة.
قال ابن حجر ﵀: وأولى الأقوال بذلك عندنا بالصواب قول من قال: السجل في هذا الموضع الصحيفة لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، ولا يعرف لنبينا ﷺ كاتب كان اسمه السجل ولا في الملائكة ملك ذلك اسمه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤] يعني: هذا كائن لا محالة يوم يعيد الله الخلائق خلقاً جديداً، كما بدأهم هو القادر على إعادتهم وذلك واجب الوقوع؛ لأنه من جملة وعد الله الذي لا يخلف ولا يبدل وهو القادر على ذلك ولهذا قال: ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤].
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وابن جعفر المعنى قالا: حدثنا شعبة عن المغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال: (إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلاً كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علنيا إن كنا فاعلين)، وذكر تمام الحديث.
أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة.
ذكره البخاري عند هذه ال
стр. 738
تفسير سورة الأنبياء [١٠٥ - ١١٢]
كتب الله عنده في اللوح المحفوظ كما كتب في جميع الكتب المنزلة أنه سيورث الأرض العباد الصالحين، ووعد المؤمنين بالنصر والعزة والتمكين إن عبدوه ولم يشركوا به شيئاً، وأرسل لهم محمداً ﷺ رحمة بهم يدعوهم إلى التوحيد حتى يمكنوا في الأرض.
стр. 739
تفسير قوله تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٥ - ١٠٧].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى مخبراً عما حتمه وقضاه لعباده الصالحين من السعادة في الدنيا والآخرة، ووراثة الأرض في الدنيا والآخرة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨]].
فهم موعودون بوراثة الأرض في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا تكون العاقبة للمؤمنين، وفي الآخرة يرثون أرض الجنة فهي للمتقين المؤمنين ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] وقال عن موسى ﵇ لما قالوا له: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٢٩].
﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١].
وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور:٥٥]، وأخبر تعالى أن هذا مكتوب مسطور في الكتب الشرعية والقدرية، فهو كائن لا محالة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء:١٠٥] قال الأعمش: سألت سعيد بن جبير عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء:١٠٥] فقال: الزبور: التوراة والإنجيل والقرآن.
وقال مجاهد: الزبور: الكتاب، وقال ابن عباس والشعبي والحسن وقتادة وغير واحد: الزبور: الذي أنزل على داود ﵇، والذكر: التوراة، وعن ابن عباس الذكر: القرآن.
وقال سعيد بن جبير: الذكر الذي في السماء.
وقال مجاهد: الزبور الكتب بعد الذكر، والذكر أم الكتاب عند الله، واختار ذلك ابن جرير ﵀].
وذكر في نسخ أخرى قول ابن عباس أن الزبور هو القرآن، والزبور على هذا القول يشمل جميع الكتب فيشمل التوراة والإنجيل والزبور القرآن، وسمي زبوراً؛ لأنه مزبور، أي: مكتوب من الزبر وهو الجمع، والذكر: اللوح المحفوظ، فالله تعالى كتب في كتب السماء التي أنزلها بعد اللوح المحفوظ ﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] فكتب هذا شرعاً وقدراً، أما قدراً: كتبه في اللوح المحفوظ أن الأرض يرثها الصالحون، وكتب ذلك في الكتب الشرعية: التوراة، والإنجيل والزبور والقرآن، فوراثة الأرض للمؤمنين مكتوب كتبه الله شرعاً وقدراً.
وأما كون الذكر: اللوح المحفوظ فهذا ما اختاره ابن جرير، والزبور يشمل الكتب المنزلة كلها: التوارة والإنجيل والزبور والقرآن.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكذا قال زيد بن أسلم: هو الكتاب الأول.
وقال الثوري: هو اللوح المحفوظ.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الزبور: الكتب التي نزلت على الأنبياء، والذكر: أم الكتاب الذي يكتب فيه الأشياء قبل ذلك.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: أخبر الله سبحانه في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السموات والأرض أن يورث أمة محمد ﷺ الأرض ويدخلهم الجنة وهم الصالحون.
وقال مجاهد عن ابن عباس: ﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] قال: أرض الجنة.
وكذا قال أبو العالية ومجاهد وسعيد بن جبير والشعبي وقتادة والسدي وأبو صالح والربيع بن أنس والثوري.
وقال أبو الدرداء: نحن الصالحون، وقال السدي: هم المؤمنون].
والأقرب مثلما اختار ابن جرير ﵀ أن الذكر المراد به: اللوح المحفوظ، والزبور: الكتب المنزلة على الأنبياء: من التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، فالله تعالى كتب في اللوح المحفوظ وكتب في الكتب السماوية التي نزلها بعد اللوح المحفوظ أن الأرض يرثها عباد الله الصالحون.
стр. 740
تفسير قوله تعالى: (إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٦] أي: إن في هذا القرآن الذي أنزلناه على عبدنا محمد ﷺ لبلاغًا لمنفعة وكفاية لقوم عابدين، وهم الذين عبدوا الله بما شرعه وأحبه ورضيه، وآثروا طاعة الله على طاعة الشيطان وشهوات أنفسهم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] يخبر تعالى أن الله جعل محمداً ﷺ رحمة للعالمين، أي: أرسله رحمة لهم كلهم، فمن قبل هذه الرحمة وشكر هذه النعمة سعد في الدنيا والآخرة، ومن ردها وجحدها خسر الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم:٢٨ - ٢٩].
وقال تعالى في صفة القرآن: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت:٤٤].
وقال مسلم في صحيحه: حدثنا ابن أبي عمر قال: حدثنا مروان الفزاري عن يزيد بن كيسان عن ابن أبي حازم عن أبي هريرة ﵁ قال: قيل: (يا رسول الله، ادع على المشركين، قال: إني لم أبعث لعاناً، وإنما بعثت رحمة) انفرد بإخراجه مسلم].
إن لعن العصاة والكافرين والمشركين إذا كان على وجه العموم فلا بأس به؛ لأن الله تعالى لعنهم في كتابه فقال: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨]، وقال: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩] وقال ﵊: (لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء)، وقال: (لعن الله شارب الخمر وعاصره) وقال: (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده)، لكن لعن المعين لا يجوز، ومثال ذلك في رجل تعرفه يشرب الخمر فلا تعلنه بعينه، ولهذا لما جيء برجل قد شرب الخمر وأمر النبي ﷺ بجلده، وكان كثيراً ما يجلد، قال: رجل من القوم: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به! فقال النبي ﷺ : (لا تلعنه؛ فإنه يحب الله ورسوله).
فالصواب أنه لا يلعن المعين، لكن يجوز اللعن للوصف، كأن تقول: لعن الله من شرب الخمر، لعن الله الكفرة، لعن الله اليهود، لعن الله النصارى، لعن الله السراق.
أما فلان ابن فلان السارق، أو فلان ابن فلان الشارب فلا يجوز لعنه على الصحيح.
وساء قوله من كان لعاناً، أعني اللعن الخاص، فإن بعض الناس تجده يلعن فلاناً، ويلعن فلاناً على الدوام، وقد لعنت امرأة ناقة لها؛ فأمر النبي ﷺ بتركها وأخذ ما عليها وقال: (لا تصحبنا ناقة ملعونة).
وفي الحديث الآخر: (إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة)، أما لعن من لعنه الله ورسوله، فهذا لا بأس به.
فإن قيل: هل يقر من يلعن المتبرجات ويخص بعضهن بالذكر؟ ف
الجواب
أنه لا يقر، وإنما يجوز لعن المتبرجات على العموم، ولا يقل: لعن الله فلانة بنت فلان.
إذ قد لعن الله المتبرجات، أما تعيين فلانة من النساء فلا يجوز على الصحيح؛ لأنها قد تتوب، وقد لا يكون بلغها النص؛ ولأن اللعن يعني الطرد من رحمة الله.
فلا تلعن ولكن تنصح ويدعى لها بالاستقامة والثبات، وكذلك إذا رأى إنسان يشرب الدخان فلا يلعنه، ولكن يدعو له وينصحه.
وكذلك لعن المشرك المعين لا يجوز على الصحيح، إلا من اشتد أذاه لهم، وذلك لكونه اعتدى عليهم.
وقد قيل للنبي ﷺ : إن دوساً عصت وأبت فادع الله عليهم، فقال: (اللهم اهد دوساً وائت بهم).
следующие страницы →