Полный текст (873 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
تفسير قوله تعالى: (لا يحزنهم الفزع الأكبر)
قال الله تعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء:١٠٣].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قيل: المراد بذلك: الموت.
رواه عبد الرزاق عن يحيى بن ربيعة عن عطاء.
وقيل: المراد بالفزع الأكبر: النفخة في الصور.
قاله العوفي عن ابن عباس وأبو سنان سعيد بن سنان الشيباني، واختاره ابن جرير في تفسيره.
وقيل: حين يؤمر بالعبد إلى النار.
قاله الحسن البصري.
وقيل: حين تطبق النار على أهلها.
قاله سعيد بن جبير وابن جريج.
وقيل: حين يذبح الموت بين الجنة والنار.
قاله أبو بكر الهذلي فيما رواه ابن أبي حاتم عنه].
وكل هذه أقوال لا شك أنها قد تشملها كلها، ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء:١٠٣] فجميع هذه المواقف كلها حق، إما عند الموت كما قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ [فصلت:٣٠] وكذلك في المواضع الأخرى فهم مأمنون.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٣] يعني: تقول لهم الملائكة تبشرهم يوم معادهم إذا خرجوا من قبورهم: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٣] أي: فأملوا ما يسركم.
стр. 737
تفسير قوله تعالى: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب)
قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤].
قال المصنف ﵀: [يقول تعالى: هذا كائن يوم القيامة، ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء:١٠٤] كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧].
وقد قال البخاري: حدثنا مقدم بن محمد حدثني عمي القاسم بن يحيى عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله وعليه وسلم قال: (إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين وتكون السماوات بيمينه) انفرد به من هذا الوجه البخاري ﵀].
ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧].
وقوله ﷺ : (إن الله يوم القيامة يجعل السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، والماء والثرى على أصبع، والشجر على أصبع وسائر الخلق على أصبع ثم يهزهن بيده فيقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟)، فهذه خمسة أصابع.
وفيه إثبات الأصابع لله .
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا محمد بن أحمد بن الحجاج الرقي حدثنا محمد بن سلمة عن أبي الواصل عن أبي المليح الأزدي عن أبي الجوزاء الأزدي عن ابن عباس قال: (يطوي الله السموات السبع بما فيها من الخليقة والأرضين السبع بما فيها من الخليقة يطوي ذلك كله بيمينه يكون ذلك كله في يده بمنزلة خردلة)].
الخردلة: الحبة الصغيرة.
وفي الحديث الآخر: (ما السموات السبع والأرضين السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم) ومعلوم أن الخردلة: الحبة الصغيرة لا تساوي شيء بالنسبة للإنسان، وهو مستول عليها إن شاء قبضها وإن شاء وضعها فهي لا تساوي شيء، فـ (السموات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن كخردلة في يد أحدكم)، فسبحان الله.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، قيل: المراد بالسجل: الكتاب.
وقيل: المراد بالسجل هاهنا ملك من الملائكة.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين قال: حدثنا محمد بن العلاء قال: حدثنا يحيى بن يمان قال: حدثنا أبو الوفاء الأشجعي عن أبيه عن ابن عمر في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء:١٠٤] قال السجل: ملك فإذا صعد بالاستغفار قال: اكتبها نوراً، وهكذا، وهكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب عن ابن يمان به.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين أن السجل ملك.
وقال السدي في هذه الآية: السجل: ملك موكل بالصحف، فإذا مات الإنسان رفع كتابه إلى السجل فطواه ورفعه إلى يوم القيامة.
وقيل المراد به: اسم رجل صحابي كان يكتب للنبي ﷺ الوحي.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا نوح بن قيس عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء:١٠٤] قال: السجل: هو الرجل.
قال نوح: وأخبرني يزيد بن كعب هو العوذي عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: السجل كاتب للنبي ﷺ ، وهكذا رواه أبو داود والنسائي كلاهما: عن قتيبة بن سعيد عن نوح بن قيس عن يزيد بن كعب عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس ﵄ قال: السجل كاتب للنبي ﷺ .
ورواه ابن جرير عن نصر بن علي الجهضمي كما تقدم.
ورواه ابن عدي من رواية يحيى بن عمرو بن مالك النكري عن أبيه عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: كان لرسول الله ﷺ كاتب يسمى السجل وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء:١٠٤] قال: كما يطوى السجل الكتاب، كذلك تطوي السماء ثم قال: وهو غير محفوظ].
كما يطوي السجل الكتاب، أي: كما يطوي الملك أو هذا الرجل الكاتب للنبي ﷺ ، الكتاب تطوى السماء.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الخطيب البغدادي في تاريخه: أنبأنا أبو بكر البرقاني أنبأنا محمد بن محمد بن يعقوب الحجاجي: أنبأنا أحمد بن الحسن الكرخي أن حمدان بن سعيد حدثهم عن عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: السجل: كاتب للنبي ﷺ .
وهذا منكر جدًا من حديث نافع عن ابن عمر، لا يصح أصلا وكذلك ما تقدم عن ابن عباس، من رواية أبي داود وغيره، لا يصح أيضًا.
وقد صرح جماعة من الحفاظ بوضعه- وإن كان في سنن أبي داود - منهم شيخنا الحافظ الكبير أبو الحجاج المزي فسح الله في عمره ونسأ في أجله.
وختم له بصالح عمله، وقد أفردت لهذا الحديث جزءًا على حدته ولله الحمد].
والحافظ قد أفرد رسالة خاصة في هذا، تبحث هذه الرسالة في تضعيف حديث أبي داود: إن السجل كاتب النبي ﷺ ، وقد صرح بعضهم بأنه موضوع.
قال ابن القيم ﵀: سمعت شيخنا ابن تيمية ﵀ يقول: هذا الحديث موضوع، ولا يعرف أنه كان لرسول الله ﷺ كاتب اسمه السجل قط، ذكره في كتاب الجامع.
والحديث الذي في سنن أبي داود في إسناده يزيد بن كعب قال الحافظ متروك.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد تصدى الإمام أبو جعفر بن جرير للإنكار على هذا الحديث ورده أتم رد، وقال: لا يعرف في الصحابة أحد اسمه السجل، وكتاب النبي ﷺ معروفون، وليس فيهم أحد اسمه السجل، وصدق ﵀ في ذلك، وهو من أقوى الأدلة على نكارة هذا الحديث، وأما من ذكره في أسماء الصحابة فإنما اعتمد على هذا الحديث لا على غيره والله أعلم.
والصحيح عن ابن عباس ﵄ أن السجل هي الصحيفة قاله علي بن أبي طلحة والعوفي عنه، ونص على ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد.
واختاره ابن جرير؛ لأنه المعروف في اللغة، فعلى هذا يكون معنى الكلام: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب) أي: على الكتاب بمعنى المكتوب، كقوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣]، أي: على الجبين، ولهن نظائر في اللغة والله أعلم].
قوله تعالى: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء:١٠٤] يعني: كطي الكتاب على المكتوب، فاللام بمعنى: (على) كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣] أي: على الجبين فيكون معنى: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء:١٠٤] كطي الصحيفة بالكتاب على المكتوب، وهذا هو المعروف في اللغة.
قال ابن حجر ﵀: وأولى الأقوال بذلك عندنا بالصواب قول من قال: السجل في هذا الموضع الصحيفة لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، ولا يعرف لنبينا ﷺ كاتب كان اسمه السجل ولا في الملائكة ملك ذلك اسمه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤] يعني: هذا كائن لا محالة يوم يعيد الله الخلائق خلقاً جديداً، كما بدأهم هو القادر على إعادتهم وذلك واجب الوقوع؛ لأنه من جملة وعد الله الذي لا يخلف ولا يبدل وهو القادر على ذلك ولهذا قال: ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤].
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وابن جعفر المعنى قالا: حدثنا شعبة عن المغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال: (إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلاً كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علنيا إن كنا فاعلين)، وذكر تمام الحديث.
أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة.
ذكره البخاري عند هذه ال
стр. 738
تفسير سورة الأنبياء [١٠٥ - ١١٢]
كتب الله عنده في اللوح المحفوظ كما كتب في جميع الكتب المنزلة أنه سيورث الأرض العباد الصالحين، ووعد المؤمنين بالنصر والعزة والتمكين إن عبدوه ولم يشركوا به شيئاً، وأرسل لهم محمداً ﷺ رحمة بهم يدعوهم إلى التوحيد حتى يمكنوا في الأرض.
стр. 739
تفسير قوله تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٥ - ١٠٧].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى مخبراً عما حتمه وقضاه لعباده الصالحين من السعادة في الدنيا والآخرة، ووراثة الأرض في الدنيا والآخرة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨]].
فهم موعودون بوراثة الأرض في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا تكون العاقبة للمؤمنين، وفي الآخرة يرثون أرض الجنة فهي للمتقين المؤمنين ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] وقال عن موسى ﵇ لما قالوا له: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٢٩].
﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨].
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١].
وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور:٥٥]، وأخبر تعالى أن هذا مكتوب مسطور في الكتب الشرعية والقدرية، فهو كائن لا محالة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء:١٠٥] قال الأعمش: سألت سعيد بن جبير عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء:١٠٥] فقال: الزبور: التوراة والإنجيل والقرآن.
وقال مجاهد: الزبور: الكتاب، وقال ابن عباس والشعبي والحسن وقتادة وغير واحد: الزبور: الذي أنزل على داود ﵇، والذكر: التوراة، وعن ابن عباس الذكر: القرآن.
وقال سعيد بن جبير: الذكر الذي في السماء.
وقال مجاهد: الزبور الكتب بعد الذكر، والذكر أم الكتاب عند الله، واختار ذلك ابن جرير ﵀].
وذكر في نسخ أخرى قول ابن عباس أن الزبور هو القرآن، والزبور على هذا القول يشمل جميع الكتب فيشمل التوراة والإنجيل والزبور القرآن، وسمي زبوراً؛ لأنه مزبور، أي: مكتوب من الزبر وهو الجمع، والذكر: اللوح المحفوظ، فالله تعالى كتب في كتب السماء التي أنزلها بعد اللوح المحفوظ ﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] فكتب هذا شرعاً وقدراً، أما قدراً: كتبه في اللوح المحفوظ أن الأرض يرثها الصالحون، وكتب ذلك في الكتب الشرعية: التوراة، والإنجيل والزبور والقرآن، فوراثة الأرض للمؤمنين مكتوب كتبه الله شرعاً وقدراً.
وأما كون الذكر: اللوح المحفوظ فهذا ما اختاره ابن جرير، والزبور يشمل الكتب المنزلة كلها: التوارة والإنجيل والزبور والقرآن.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكذا قال زيد بن أسلم: هو الكتاب الأول.
وقال الثوري: هو اللوح المحفوظ.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الزبور: الكتب التي نزلت على الأنبياء، والذكر: أم الكتاب الذي يكتب فيه الأشياء قبل ذلك.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: أخبر الله سبحانه في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السموات والأرض أن يورث أمة محمد ﷺ الأرض ويدخلهم الجنة وهم الصالحون.
وقال مجاهد عن ابن عباس: ﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] قال: أرض الجنة.
وكذا قال أبو العالية ومجاهد وسعيد بن جبير والشعبي وقتادة والسدي وأبو صالح والربيع بن أنس والثوري.
وقال أبو الدرداء: نحن الصالحون، وقال السدي: هم المؤمنون].
والأقرب مثلما اختار ابن جرير ﵀ أن الذكر المراد به: اللوح المحفوظ، والزبور: الكتب المنزلة على الأنبياء: من التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، فالله تعالى كتب في اللوح المحفوظ وكتب في الكتب السماوية التي نزلها بعد اللوح المحفوظ أن الأرض يرثها عباد الله الصالحون.
стр. 740
تفسير قوله تعالى: (إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٦] أي: إن في هذا القرآن الذي أنزلناه على عبدنا محمد ﷺ لبلاغًا لمنفعة وكفاية لقوم عابدين، وهم الذين عبدوا الله بما شرعه وأحبه ورضيه، وآثروا طاعة الله على طاعة الشيطان وشهوات أنفسهم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] يخبر تعالى أن الله جعل محمداً ﷺ رحمة للعالمين، أي: أرسله رحمة لهم كلهم، فمن قبل هذه الرحمة وشكر هذه النعمة سعد في الدنيا والآخرة، ومن ردها وجحدها خسر الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم:٢٨ - ٢٩].
وقال تعالى في صفة القرآن: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت:٤٤].
وقال مسلم في صحيحه: حدثنا ابن أبي عمر قال: حدثنا مروان الفزاري عن يزيد بن كيسان عن ابن أبي حازم عن أبي هريرة ﵁ قال: قيل: (يا رسول الله، ادع على المشركين، قال: إني لم أبعث لعاناً، وإنما بعثت رحمة) انفرد بإخراجه مسلم].
إن لعن العصاة والكافرين والمشركين إذا كان على وجه العموم فلا بأس به؛ لأن الله تعالى لعنهم في كتابه فقال: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨]، وقال: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٨٩] وقال ﵊: (لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء)، وقال: (لعن الله شارب الخمر وعاصره) وقال: (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده)، لكن لعن المعين لا يجوز، ومثال ذلك في رجل تعرفه يشرب الخمر فلا تعلنه بعينه، ولهذا لما جيء برجل قد شرب الخمر وأمر النبي ﷺ بجلده، وكان كثيراً ما يجلد، قال: رجل من القوم: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به! فقال النبي ﷺ : (لا تلعنه؛ فإنه يحب الله ورسوله).
فالصواب أنه لا يلعن المعين، لكن يجوز اللعن للوصف، كأن تقول: لعن الله من شرب الخمر، لعن الله الكفرة، لعن الله اليهود، لعن الله النصارى، لعن الله السراق.
أما فلان ابن فلان السارق، أو فلان ابن فلان الشارب فلا يجوز لعنه على الصحيح.
وساء قوله من كان لعاناً، أعني اللعن الخاص، فإن بعض الناس تجده يلعن فلاناً، ويلعن فلاناً على الدوام، وقد لعنت امرأة ناقة لها؛ فأمر النبي ﷺ بتركها وأخذ ما عليها وقال: (لا تصحبنا ناقة ملعونة).
وفي الحديث الآخر: (إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة)، أما لعن من لعنه الله ورسوله، فهذا لا بأس به.
فإن قيل: هل يقر من يلعن المتبرجات ويخص بعضهن بالذكر؟ ف
الجواب
أنه لا يقر، وإنما يجوز لعن المتبرجات على العموم، ولا يقل: لعن الله فلانة بنت فلان.
إذ قد لعن الله المتبرجات، أما تعيين فلانة من النساء فلا يجوز على الصحيح؛ لأنها قد تتوب، وقد لا يكون بلغها النص؛ ولأن اللعن يعني الطرد من رحمة الله.
فلا تلعن ولكن تنصح ويدعى لها بالاستقامة والثبات، وكذلك إذا رأى إنسان يشرب الدخان فلا يلعنه، ولكن يدعو له وينصحه.
وكذلك لعن المشرك المعين لا يجوز على الصحيح، إلا من اشتد أذاه لهم، وذلك لكونه اعتدى عليهم.
وقد قيل للنبي ﷺ : إن دوساً عصت وأبت فادع الله عليهم، فقال: (اللهم اهد دوساً وائت بهم).
стр. 741
شمول الرحمة النبوية للمؤمن والكافر
قال المؤلف ﵀ [وقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا زائدة حدثني عمرو بن قيس عن عمرو بن أبي قرة الكندي قال: كان حذيفة بالمدائن، فكان يذكر أشياء قالها رسول الله ﷺ ، فجاء حذيفة إلى سلمان فقال سلمان: يا حذيفة! إن رسول الله ﷺ خطب فقال: (أيما رجل سببته في غضبي أو لعنته لعنة فإنما أنا رجل من ولد آدم أغضب كما تغضبون، وإنما بعثني الله رحمة للعالمين، فاجعلها صلاة عليه يوم القيامة) ورواه أبو داود عن أحمد بن يونس عن زائدة.
فإن قيل: فأي رحمة حصلت لمن كفر به؟! ف
الجواب
ما رواه أبو جعفر بن جرير حدثنا إسحاق بن شاهين حدثنا إسحاق الأزرق عن المسعودي عن رجل يقال له: سعيد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] قال: من آمن بالله واليوم الآخر كتب له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بالله ورسوله عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والقذف].
يعني أنه رحمة للكافر؛ لأنه يعافى من الخسف والقذف، والقذف هو الرمي بالحجارة، كما رجم قوم لوط.
قال المؤلف ﵀: [وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث المسعودي عن أبي سعد -وهو سعيد بن المرزبان البقال - عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ فذكره بنحوه، والله أعلم.
وقد رواه أبو القاسم الطبراني عن عبدان بن أحمد عن عيسى بن يونس الرملي عن أيوب بن سويد عن المسعودي عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] قال: من تبعه كان له رحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يتبعه عوفي مما كان يبتلى به سائر الأمم من الخسف والمسخ والقذف].
стр. 742
الرحمة النبوية بالمعاندين لرسالة الإسلام
قال المؤلف ﵀: [قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد بن نافع الطحان حدثنا أحمد بن صالح قال: وجدت كتاباً بالمدينة عن عبد العزيز الدراوردي وإبراهيم بن محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن محمد بن صالح التمار عن ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قال أبو جهل حين قدم مكة منصرفه عن خمرة: يا معشر قريش! إن محمداً نزل يثرب وأرسل طلائعه، وإنما يريد أن يصيب منكم شيئاً، فاحذورا أن تمروا طريقه أو تقاربوه، فإنه كالأسد الضاري، إنه حنق عليكم لأنكم نفيتموه نفي القردان عن المناسم، والله إن له لسحرة ما رأيته قط ولا أحداً من أصحابه إلا رأيت معهم الشياطين، وإنكم قد عرفتم عداوة ابني قيلة -يعني الأوس والخزرج- فهو عدو استعان بعدو].
قوله: (خمرة) خطأ، والصواب: (حمزة) أي: حمزة بن عبد المطلب ﵁ كما هي عند الطبراني، كما ذكر ذلك في البداية والنهاية، وكان هذا في السنة الأولى، حيث خرج حمزة في سرية قبل بدر.
وبنو قيلة هم الأوس والخزرج نسبوا إلى أمهم، وكان اسمها قيلة، وكان الأوس والخزرج أخوين، ثم صارا حيين، وحدثت بينهم حروب، وكانت الحروب بينهم لا تهدأ قبل هجرة النبي ﷺ ، ثم جمعهم الله بالنبي ﷺ ، حين بادروا إلى الإسلام.
فـ أبو جهل يقول لهم: أنتم تعرفون عداوة الخزرج لكم، وتعلمون عداوة محمد، فهو عدو نزل على عدو.
وهذا إن صح هذا الخبر.
ويثرب: اسم للمدينة، وهو اسم جاهلي، فلما هاجر إليها النبي ﷺ سماها طيبة وطابة، ولهذا أخبر الله عن المنافقين أنهم قالوا في غزوة الأحزاب: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب:١٣] والمناسم جمع منسم -بكسر فسكون- وهو طرف خف البعير، وقيل: منسم البعير ظفراه اللذان في يديه.
قوله: (إنه له لسحرة) لعله (لسحراً).
قوله: (ما رأيته قط) يعني أن تأثيره في السحر أشد من تأثير غيره.
قال: المؤلف ﵀: [فقال له مطعم بن عدي: يا أبا الحكم! والله ما رأيت أحداً أصدق لساناً ولا أصدق موعداً من أخيكم الذي طردتم، وإذ فعلتم الذي فعلتم فكونوا أكف الناس عنه.
قال أبو سفيان بن الحارث: كونوا أشد ما كنتم عليه؛ إن ابني قيلة إن ظفروا بكم لم يرقبوا فيكم إلاً ولا ذمة، وإن أطعتموني ألجأتموهم حير كنانة أو تخرجوا محمداً من بين ظهرانيهم، فيكون وحيداً مطروداً، وأما ابنا قيلة فوالله ما هما وأهل دهلك في المذلة إلا سواء، وسأكفيكم حدهم].
قوله: [دَهْلَك]: بفتح أوله وسكون ثانيه، ولام مفتوحة، وآخره كاف، وهو اسم أعجمي معرب، وهي جزيرة في بحر اليمن، وهو مرسى بين بلاد اليمن والحبشة.
قال المؤلف ﵀: [وقال: سأمنح جانباً مني غليظا على ما كان من قرب وبعد رجال الخزرجية أهل ذل إذا ما كان هزل بعد جد فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: (والذي نفسي بيده لأقتلنهم، ولأصلبنهم، ولأهدينهم، وهم كارهون؛ إني رحمة بعثني الله، ولا يتوفاني حتى يظهر الله دينه، لي خمسة أسماء أنا محمد، وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب)، وقال أحمد بن صالح: أرجو أن يكون الحديث صحيحاً].
وقال: الترمذي حديث حسن صحيح، وصححه الألباني.
والشاهد من الحديث قوله: (إني رحمة).
стр. 743
الرحمة المهداة
قال المؤلف ﵀: [وفي الحديث الآخر: (إنما أنا رحمة مهداة)، رواه عبد الله بن أبي عرابة وغيره عن وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً، قال إبراهيم الحربي: وقد رواه غيره عن وكيع فلم يذكر أبا هريرة ﵁، وكذا قال البخاري وقد سئل عن هذا الحديث فقال: كان عند حفص بن غياث مرسلاً.
قال الحافظ ابن عساكر: وقد رواه مالك بن سعيد بن الخمس عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً].
ومالك بن سعيد بكسر المعجمة وسكون الميم بعده سين مهملة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم ساقه من طريق أبي بكر بن المقرئ وأبي أحمد الحاكم كلاهما عن بكر بن محمد بن إبراهيم الصوفي حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري عن أبي أسامة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إنما أنا رحمة مهداة).
ثم أورده من طريق الصلت بن مسعود عن سفيان بن عيينة عن مسعر عن سعيد بن خالد عن رجل عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله بعثني رحمة مهداة بعثت برفع قوم وخفض آخرين)].
هذا الحديث ضعيف؛ ففيه رجل مبهم، لكن يصح مع الشاهد الذي قبله.
стр. 744
تفسير قوله تعالى: (قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد)
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ * إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ * وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٨ - ١١٢].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى آمراً رسوله صلوات الله وسلامه عليه أن يقول للمشركين: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٨] أي: متبعون على ذلك مستسلمون منقادون له، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [الأنبياء:١٠٩] أي: تركوا ما دعوتهم إليه، ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء:١٠٩] أي: أعلمتكم أني حرب لكم كما أنكم حرب لي، بريء منكم كما أنكم برآء مني، كقوله: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:٤١]، وقال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال:٥٨]، أي: ليكن علمك وعلمهم بنبذ العهود على السواء، وهكذا ههنا: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنبياء:١٠٩] أي: أعلمتكم ببراءتي منكم وبراءتكم مني لعلمي بذلك.
[وقوله: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٩].
أي: هو واقع لا محالة، ولكن لا علم لي بقربه ولا ببعده ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ [الأنبياء:١١٠] أي: إن الله يعلم الغيب جميعه، ويعلم ما يظهره العباد وما يسرون، يعلم الظواهر والضمائر، ويعلم السر وأخفى، ويعلم ما العباد عاملون في أجهارهم وأسرارهم، وسيجزيهم على ذلك القليل والجليل.
وقوله: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [الأنبياء:١١١] أي: وما أدري لعل هذا فتنة لكم ومتاع إلى حين.
قال ابن جرير: لعل تأخير ذلك عنكم فتنة لكم ومتاع إلى أجل مسمى، وحكاه عون عن ابن عباس ﵄، فالله أعلم].
وقوله: [إجهارهم] متعد بالهمزة، وأصل الفعل منه (جهر) فعدي بالهمزة، ومثله أكرم وأقدم.
وأجهر جهاراً، متعد بالهمزة، مثل كرم، أكرم.
стр. 745
تفسير قوله تعالى: (قال رب احكم بالحق)
قال الله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء:١١٢].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أي: افصل بيننا وبين قومنا المكذبين بالحق.
قال قتادة: كانت الأنبياء ﵈ يقولون: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف:٨٩].
وأمر رسول الله ﷺ أن يقول ذلك، وعن مالك عن زيد بن أسلم: (كان رسول الله ﷺ إذا شهد غزاة قال: (رب احكم بالحق))].
وقوله: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:١١٢].
أي: على ما يقولون ويفترون من الكذب، ويتنوعون في مقامات التكذيب والإفك، والله المستعان عليكم في ذلك].
стр. 746
الأسئلة
стр. 747
حكم البراءة من الكفار وحكم من أكره على موالاتهم
السؤال
هل تجب البراءة من الكفار، وما الحكم إذ أكره المرء على خلاف ذلك؟ الجواب إذا أكره فإنه يتقيهم، كما قال الله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران:٢٨] وأما مع عدم الإكراه فإنه تجب البراءة ظاهرة، فعلى كل مسلم يعلن البراءة من الكفار، قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:٤].
فتجب البراءة إلى الله تعالى من المشركين والكفار والمنافقين واليهود والنصارى، ونبرأ إلى الله تعالى من اعتقادهم وأعمالهم وأقوالهم وأفعالهم.
стр. 748
تفسير سورة الحج [ ١ - ٤]
يخبر الله تعالى عن يوم القيامة وما فيه من شدائد وأهوال، وهذا إنذار منه لعباده حتى يخافوه ويتقوه ويجتنبوا معاصيه، ولقد أنكر سبحانه على من يجادل في الله بغير علم ويتبع في ذلك هواه والشيطان، ويحذر سبحانه عباده من تولي مثل هؤلاء لأن من تولاهم أضلوه ودعوه إلى عذاب السعير.
стр. 749
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم)
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى آمراً عباده بتقواه ومخبراً لهم بما يستقبلون من أهوال يوم القيامة وزلازلها وأحوالها، وقد اختلف المفسرون في زلزلة الساعة هل هي بعد قيام الناس من قبورهم يوم نشورهم إلى عرصات القيامة أو ذلك عبارة عن زلزلة الأرض قبل قيام الناس من أجداثهم، كما قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة:١ - ٢]، وقال تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الحاقة:١٤ - ١٥]، وقال تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة:٤ - ٦].
فقال قائلون: هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر الدنيا وأول أحوال الساعة.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار حدثنا يحيى حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة في قوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ قال: قبل الساعة.
ورواه ابن أبي حاتم من حديث الثوري عن منصور والأعمش عن إبراهيم عن علقمة فذكره.
قال: وروي عن الشعبي وإبراهيم وعبيد بن عمير نحو ذلك، وقال أبو كدينة عن عطاء عن عامر الشعبي ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ قال: هذا في الدنيا قبل يوم القيامة.
وقد أورد الإمام أبو جعفر بن جرير مستند من قال ذلك في حديث الصور].
وحديث الصور هذا ضعيف؛ لأن إسماعيل بن رافع هذا ضعيف، وقد ذكر فيه ثلاث نفخات، والمعروف في الأحاديث الصحيحة أنه نفختان: نفخة الصعق والموت، ثم نفخة البعث، ونفخة الفزع مذكورة في سورة النمل: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل:٨٧].
ونفخة الصعق مذكورة في سورة الزمر: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الزمر:٦٨]، ونفخة البعث قال: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨]، فالأولى والثانية نفخة واحدة طويلة، يطولها إسرافيل، وأولها تفزع الناس، ثم لا يزال في النفخ حتى يموت الناس.
فهي نفخة واحدة أولها فزع وآخرها صعق وموت، ثم نفخة البعث بعد ذلك بعد أربعين.
وأما حديث إسماعيل بن رافع فضعيف.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد أورد الإمام أبو جعفر بن جرير مستند من قال ذلك في حديث الصور من رواية إسماعيل بن رافع قاضي أهل المدينة عن يزيد بن أبي زياد عن رجل من الأنصار عن محمد بن كعب القرظي عن رجل عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله لما فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر، قال أبو هريرة: يا رسول الله! وما الصور؟ قال: قرن، قال: فكيف هو؟ قال: قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات: الأولى: نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق، والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شاء الله، ويأمره فيمدها ويطولها ولا يفتر، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص:١٥]، فيسير الله الجبال فتكون سراباً، وترج الأرض بأهلها رجاً، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ [النازعات:٦ - ٨]، فتكون الأرض كالسفينة الموبقة في البحر تضربها الأمواج تكفؤها بأهلها، وكالقنديل المعلق بالعرش ترجحه الأرواح، فيمتد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع، وتضع الحوامل، ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار فتلقاها الملائكة فتضرب وجوهها فترجع ويولي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضاً، وهو الذي يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر:٣٢ - ٣٣]، فبينما هم على ذلك إذ انصدعت الأرض من قطر إلى قطر، فرأوا أمراً عظيماً، فأخذهم لذلك من الكرب ما الله أعلم به، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم خسف شمسها وقمرها، وانتثرت نجومها ثم كشطت عنهم، قال رسول الله ﷺ : (والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك).
قال أبو هريرة: فمن استثنى الله حين يقول: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل:٨٧]؟ قال أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون؛ وقاهم الله شر ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه، وهو الذي يقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢]).
وهذا الحديث قد رواه الطبراني وابن جرير وابن أبي حاتم وغير واحد مطولاً جداً، والغرض منه أنه دل على أن هذه الزلزلة كائنة قبل يوم الساعة].
حديث إسماعيل بن رافع طويل، لكن هذا جزء منه، وهو مجمع وملفق من عدة أحاديث، وإسماعيل بن رافع ضعيف.
والزلزلة تكون في آخر الدنيا وأول الآخرة، يعني: قبل قيام الناس المقبورين، ثم يقوم الناس من قبورهم، هذا قول، والقول الثاني: أن الزلزلة تكون بعد قيام الناس من قبورهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والغرض منه أن هذه الزلزلة كائنة قبل يوم الساعة أضيفت إلى الساعة لقربها منها، كما يقال: أشراط الساعة، ونحو ذلك، والله أعلم، وقال آخرون: بل ذلك هول وفزع وزلزال وبلبال كائن يوم القيامة في العرصات بعد القيام من القبور].
العرصات: جمع عرصة، والعرصة: المكان الفضاء أو موقف القيامة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال آخرون: بل ذلك هول وفزع وزلزال وبلبال كائن يوم القيامة في العرصات بعد القيام من القبور، واختار ذلك ابن جرير، واحتجوا بأحاديث: الأول: قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى عن هشام حدثنا قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال وهو في بعض أسفاره، وقد تفاوت بين أصحابه السير رفع بهاتين الآيتين صوته: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢]، فلما سمع أصحابه بذلك حثوا المطي، وعرفوا أنه عند قول يقوله، فلما دنوا حوله قال: (أتدرون أي يوم ذاك ذاك؟ يوم ينادى آدم ﵇، فيناديه ربه فيقول: يا آدم! ابعث بعثك إلى النار، فيقول: يا رب! وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون في النار، وواحد في الجنة، قال: فأبلس أصحابه حتى ما أوضحوا بضاحكة، فلما رأى ذلك قال: أبشروا واعملوا فوالذي نفس محمد بيده! إنكم مع خليقتين ما كانتا مع شيء قط إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج ومن هلك من بني آدم وبني إبليس، قال: فسري عنهم ثم قال: اعملوا وأبشروا؛ فوالذي نفس محمد بيده! ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة)].
الشامة هي نقطة في جنب البعير، فهذه الأمة بالنسبة ليأجوج ومأجوج نقطة؛ لأن يأجوج ومأجوج كثرة كاثرة.
وجاء في رواية: (فقال: أبشروا؛ فإن من يأجوج ومأجوج ألفاً ومنكم واحداً).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهكذا رواه الترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما عن محمد بن بشار عن يحيى -وهو القطان - عن هشام -وهو الدستوائي - عن قتادة به بنحوه، وقال الترمذي: حسن صحيح.
طريق آخر لهذا الحديث: قال الترمذي: حدثنا ابن أبي عمر حدثنا
стр. 750
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم)
قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج:٣ - ٤].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى ذاماً لمن كذب بالبعث وأنكر قدرة الله على إحياء الموتى، معرضاً عما أنزل الله على أنبيائه متبعاً في قوله وإنكاره وكفره كل شيطان مريد من الإنس والجن، وهذا حال أهل الضلال والبدع المعرضين عن الحق المتبعين للباطل يتركون ما أنزل الله على رسوله من الحق المبين، ويتبعون أقوال رءوس الضلالة الدعاة إلى البدع بالأهواء والآراء، ولهذا قال في شأنهم وأشباههم: ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ)) أي: علم صحيح، ((وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ)) قال مجاهد: يعني: الشيطان.
يعني: كتب عليه كتابة قدرية، ((أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ)) أي: اتبعه وقلده، ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج:٤]، أي: يضله في الدنيا ويقوده في الآخرة إلى عذاب السعير، وهو الحار المؤلم المقلق المزعج، وقد قال السدي عن أبي مالك: نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث، وكذلك قال ابن جريج.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن مسلم البصري حدثنا عمرو بن المحرم أبو قتادة حدثنا المعمر حدثنا أبو كعب المكي قال: قال خبيث من خبثاء قريش: أخبرنا عن ربكم من ذهب هو أو من فضة هو أو من نحاس هو؟! فقعقعت السماء قعقعة -والقعقعة في كلام العرب: الرعد- فإذا قحف رأسه ساقط بين يديه.
وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: (جاء يهودي فقال: يا محمد! أخبرني عن ربك من أي شيء هو من در أم من يا قوت؟ قال: فجاءت صاعقة فأخذته)].
ليث بن أبي سليم ضعيف، والحديث الذي قبله موقوف على أبي كعب المكي.
стр. 751
تفسير سورة الحج [٥ - ٧]
أقام الله سبحانه الأدلة على وحدانيته وقدرته على إحياء الموتى وبعثهم من قبورهم وذلك من خلال ضرب الأمثلة في النظر إلى الأرض والنبات، فالذي يعيد نبات الأرض إليها بعد أن صارت مجدبة قادر على بعث الموتى من قبورهم وحشرهم يوم القيامة.
стр. 752
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب)
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٥ - ٧].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لما ذكر تعالى المخالف للبعث المنكر للمعاد ذكر تعالى الدليل على قدرته تعالى على المعاد].
أي: أن هذه هي المناسبة بين ربط الآية بما قبلها، فإنه تعالى لما ذكر حال المنكر للبعث ذكر بعدها الدليل على إثبات البعث فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ [الحج:٥]، فاستدل على البعث بالبدء، يعني: أن الذي خلقكم من تراب ثم من علقة قادر على أن يعيدكم ويبعثكم مرة أخرى، كما قال في آية الروم: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧]، يعني: وهو هين عليه.
وكذلك أيضاً إحياء الله الأرض بعد موتها دليل على البعث، فاستدل على البعث بدليلين: الدليل الأول: بدء خلق الإنسان؛ فإنه خلق من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة.
والدليل الثاني: إحياء الله الأرض بعد موتها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لما ذكر تعالى المخالف للبعث المنكر للمعاد ذكر تعالى الدليل على قدرته تعالى على المعاد بما يشاهد من بدئه للخلق فقال: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ)) أي: في شك ((مِنَ الْبَعْثِ)) وهو المعاد وقيام الأرواح والأجساد يوم القيامة].
يعني: بعث الأجساد وإعادة الأرواح إليها.
وهذا أصل من أصول الإيمان وركن من أركان الإيمان، ولا يتم الإيمان إلا به، فمن لم يؤمن بالبعث فهو كافر بإجماع المسلمين، كذلك من قال: إن البعث إنما هو للأرواح، كالفلاسفة؛ فإن الفلاسفة يقولون: البعث للأرواح، وأما الأجساد فلا تبعث، وهذا كفر بإجماع المسلمين، بل نفس الأجساد تعاد، فإن الذرات التي استحالت تراباً يعيدها الله؛ فهو عالم بالذرات التي استحالت، وهو قادر على ذلك، كما قال سبحانه: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس:٧٨ - ٨٠].
فالذرات التي استحالت يعيدها الله خلقاً جديداً، والإنسان يبلى إلا عجب الذنب، وهو العصعص آخر فقرة في العمود الفقري، منه خلق ابن آدم ومنه ركب، كما في الحديث: (كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، منه خلق ابن آدم ومنه ركب)، فيعيد الله الذرات التي استحالت، ثم ينشئه الله خلقاً جديداً، فتبدل الصفات، وأما الذوات فهي هي، لكن الصفات تكون صفات أقوى من الصفات التي كانت عليها في دار الدنيا، فتتحمل مواقف وأهوال القيامة، ولهذا يعظم خلق الكافر في النار حتى يكون ضرسه مثل جبل أحد كما جاء في الحديث الصحيح، نسأل الله السلامة.
والجلود تبدل كما قال : ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء:٥٦]، فالتبديل يكون للصفات، والمراد بالتبديل التجديد، كما جاء ذلك عن الإمام أحمد ﵀ حين رد على الزنادقة حينما شبهوا وشكوا في المتشابه من القرآن ونسبوا الله إلى الظلم وقالوا: إن الله ظالم -نعوذ بالله- إذ كيف يعذب جلوداً لم تذنب؟! فبين لهم ﵀ أن هذا من جهلهم وضلالهم وكفرهم، وأن المراد: تجديد، وليس المراد تبديل ذوات.
فالإنسان يعاد بذاته وبجسده، ونفسه هي هي، ولما قال الجهم بن صفوان: إنه يعاد شيئاً آخر، كفره العلماء، وفتح بذلك باباً للفلاسفة فأنكروا البعث.
نسأل الله السلامة.
وكذلك الأرض عندما تبدل يكون تبديلها تبديل صفات، والذات هي هي.
فقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾ [إبراهيم:٤٨]، أي: تبديل صفات لا تبديل ذات، فالناس يبعثون بذواتهم التي كانوا عليها وتبقى كما كانت لا تبدل، أما الأعمار فإنهم في الجنة يكونون كلهم شباباً، أبناء ثلاث وثلاثين، حتى الأطفال الذين ماتوا يكونون شباباً، وأما الصفات التي كانت عليها الذوات فإنها تبدل، ولهذا لا يستطيع أحد أن يرى الله في الدنيا، وأما في يوم القيامة فينشئ الله الخلق تنشأة قوية فيثبتون فيها لرؤية الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [((فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ)) أي: أصل برئه لكم من تراب، وهو الذي خلق منه آدم ﵇، ((ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ)) أي: ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين].
يعني: أن آدم خلق من تراب، وذريته كل واحد خلق من نطفة من ماء مهين، فالإنسان يخلق من ماء الرجل وماء المرأة جميعاً، إلا عيسى ﵇ فإنه خلق من أم بلا أب، خلق بالنفخة التي نفخها جبريل في جيب درعها فولدت عيسى ﵇، وهكذا حواء خلقت من آدم، وأما سائر الناس فخلقوا من ذكر وأنثى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [((ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ)) وذلك أنه إذا استقرت النطفة في رحم المرأة مكثت أربعين يوماً كذلك يضاف إليه ما يجتمع إليها، ثم تنقلب علقة حمراء بإذن الله، فتمكث كذلك أربعين يوماً، ثم تستحيل فتصير مضغة -قطعة من لحم- لا شكل فيها ولا تخطيط].
ذكر في هذا تطور خلق الإنسان، وأنه يخلق من مني الرجل وماء المرأة، فيكون كذلك أربعين يوماً، ثم تتطور هذه النطفة فتتحول إلى قطعة دم -علقة- ثم بعد أربعين يوماً تتحول إلى قطعة لحم -مضغة- بقدر ما يمضغ في الفم، ثم يخلق الله العظام، ثم بعد مضي أربعة أشهر يأتيه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات، وجاء في بعض الأحاديث أن الملك يدخل بعد اثنين وثمانين يوماً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم يشرع في التشكيل والتخطيط؛ فيصور منها رأس ويدان وصدر وبطن وفخذان ورجلان وسائر الأعضاء].
يعني: أن هذه المضغة من اللحم يصور الله منها يدين ورجلين ورأساً وهكذا، ثم يأتي الملك فينفخ فيه الروح بإذن الله، ويؤمر بكتب أربع كلمات، فيقول: يا رب! ما الرزق؟ ما الأجل؟ ما العمل؟ ما الشقاوة والسعادة؟ فيكتب هذا وهو في بطن أمه.
وله الحكمة في ذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فتارة تسقطها المرأة قبل التشكيل والتخطيط، وتارة تلقيها وقد صارت ذات شكل وتخطيط، ولهذا قال تعالى: ((ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ))].
فإذا أسقطت المرأة مضغة -قطعة لحم غير مخلقة- فليس لها حكم النفاس، وإنما يكون ما يخرج منها دم فساد، فتصوم وتصلي، أما إذا أسقطت قطعة لحم فيها تشكيل وتصوير؛ وفيها يد أو أصبع أو رجل أو رأس فهذا إنسان، فيكون حكمها حكم النفاس، والدم الخارج منها دم نفاس، ويكون هذا آدمي يغسل ويصلى عليه ويدفن ويعق عنه ويسمى.
ولو كان ميتاً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا قال تعالى: ((ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ)) أي: كما تشاهدونها، ((لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)) أي: وتارة تستقر في الرحم لا تلقيها المرأة ولا تسقطها، كما قال مجاهد في قوله تعالى: ((مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ)) قال: هو السقط مخلوق وغير مخلوق، فإذا مضى عليها أربعون يوماً وهي مضغة أرسل الله تعالى ملكاً إليها فنفخ فيها الروح وسواها كما يشاء الله من حسن وقبح وذكر وأنثى، وكتب رزقها وأجلها وشقي أو سعيد.
كما ثبت في الصحيحين من حديث الأعمش عن زيد بن وهب عن ابن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: (إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح).
وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة عن عبد الله ﵁ قال: (النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك بكفه فقال: يا رب! مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قيل: غير مخلقة، لم تكن نسمة وقذفتها الأرحام دماً، وإن قيل: مخلقة قال: أي رب! ذكر أو أنثى؟ شقي أو سعيد؟ ما الأجل؟ وما الأثر؟ وبأي أرض يموت؟ قال: فيقال للنطفة: من ربك؟ فتقول: الله، فيقال: من رازقك؟ فتقول: الله، فيقال له: اذهب إلى الكتاب فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة، قال: فتخلق فتعيش في أجلها، وتأكل رزقها، وتطأ أثرها، حتى إذا جاء أجلها ماتت فدفنت في ذلك المكان ثم تلا عامر الشعبي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُ
стр. 753
اختلاف العلماء في وقت الزلزلة المذكورة في قوله تعالى: (إن زلزلة الساعة شيء عظيم)
قال صاحب أضواء البيان: (مسألة.
اختلف العلماء في وقت هذه الزلزلة المذكورة هنا، هل هي بعد قيام الناس من قبورهم يوم نشورهم إلى عرصات القيامة، أو هي عبارة عن زلزلة الأرض قبل قيام الناس من القبور؟ فقالت جماعة من أهل العلم: هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر هذه الدنيا، وأول أحوال الساعة، وممن قال بهذا القول، علقمة والشعبي وإبراهيم وعبيد بن عبيد، وهذا القول من حيث المعنى له وجه من النظر، لكنه لم يثبت ما يؤيده من النقل؛ بل الثابت من النقل يؤيد خلافه وهو القول الآخر.
وحجة من قال بهذا القول حديث مرفوع جاء بذلك إلا أنه ضعيف لا يجوز الاحتجاج به.
قال ابن جرير الطبري ﵀ في تفسيره مبيناً دليل من قال: إن الزلزلة المذكورة في آخر الدنيا قبل يوم القيامة: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن إسماعيل بن رافع المدني عن يزيد بن أبي زياد عن رجل من الأنصار عن محمد بن كعب القرظي عن رجل من الأنصار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (لما فرغ الله من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى السماء ينتظر متى يؤمر، قال أبو هريرة: يا رسول الله! وما الصور؟ قال: قرن، قال: وكيف هو؟ قال: قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات، الأولى: نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق، والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين.
يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع! فتفزع أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شاء الله، ويأمره الله فيمدها ويطولها فلا يفتر، وهي التي يقول الله: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص:١٥] فيسير الله الجبال فتكون تراباً، وترج الأرض بأهلها رجاً، وهي التي يقول الله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ [النازعات:٦ - ٨] فتكون الأرض كالسفينة الموبقة في البحر، تضربها الأمواج تكفأ بأهلها، وكالقنديل المعلق بالعرش ترجحه الأرواح، فيمتد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع وتضع الحوامل وتشيب الولدان وتطير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار، فتلقاها الملائكة فتضرب وجوهها، فترجع ويولي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضاً، وهو التي يقول الله: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر:٣٢ - ٣٣].
فبينما هم على ذلك إذ تصدعت الأرض من قطر إلى قطر، فرأوا أمراً عظيماً وأخذهم لذلك من الكرب ما الله أعلم به، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم خسفت شمسها، وخسف قمرها، وانتثرت نجومها، ثم كشطت عنهم، قال رسول الله ﷺ : والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك، فقال أبو هريرة: فمن استثنى الله حين يقول: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل:٨٧]؟ قال: أولئك الشهداء وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون، وقاهم الله فزع ذلك اليوم وأمنهم، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه، وهو الذي يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١] إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]) انتهى منه.
ولا يخفى ضعف الإسناد المذكور، كما ترى، وابن جرير ﵀ قبل أن يسوق الإسناد المذكور، قال ما نصه: وقد روي عن النبي ﷺ بنحو ما قال هؤلاء، خبر في إسناده نظر، وذلك ما حدثنا أبو كريب إلى آخر الإسناد، كما سقنا عنه آنفاً).
ومن رواة هذا الحديث: إسماعيل بن رافع وهو ضعيف ومعروف أنه راوي حديث الصور، فقد جمعه ولفقه من عدة أحاديث، وفيه أنه ذكر ثلاث نفخات، والمعروف في النصوص، في القرآن وفي الصحيح أنها نفختان، قيل: أولها فزع وآخرها صعق ثم نفخة البعث.
وأما في الحديث السابق فذكر ثلاث نفخات، نفخة الفزع ونفخة الصعق ونفخة البعث.
قال صاحب أضواء البيان: (وقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: وقد أورد الإمام أبو جعفر بن جرير مستند من قال ذلك في حديث الصور، من رواية إسماعيل بن رافع عن يزيد بن أبي زياد عن رجل من الأنصار عن محمد بن كعب القرظي عن رجل عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله وسلم، ثم ساق الحديث نحو ذكرناه بطوله] وفي هذا الحديث ذكر رجلاً قبل أبي هريرة فهو مبهم.
قال: (ثم قال: هذا الحديث قد رواه الطبراني وابن جرير وابن أبي حاتم وغير واحد مطولاً جداً، والغرض منه: أنه دل على أن هذه الزلزلة كائنة قبل يوم الساعة أضيفت إلى الساعة؛ لقربها منها، كما يقال: أشراط الساعة ونحو ذلك والله أعلم.
انتهى منه.
وقد علمت ضعف الإسناد المذكور، وأما حجة أهل القول الآخر القائلين بأن الزلزلة المذكورة كائنة يوم القيامة بعد البعث من القبور، فهي ما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ من تصريحه بذلك، وبذلك تعلم أن هذا القول هو الصواب كما لا يخفى.
قال البخاري ﵀ في صحيحه في التفسير باب قوله: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ [الحج:٢] حدثنا عمر بن حفص حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا أبو صالح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يقول الله يوم القيامة: يا آدم! فيقول لبيك ربنا وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار، قال: يارب! وما بعث النار؟ قال: من كل ألف -أراه قال- تسعمائة وتسعة وتسعين، فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد، ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢] فشق ذلك على الناس؛ حتى تغيرت وجوههم، فقال النبي ﷺ : من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين ومنكم واحد، وأنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود، وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبرنا، ثم قال: ثلث أهل الجنة، فكبرنا، ثم قال: شطر أهل الجنة، فكبرنا).
وقال أبو أسامة عن الأعمش ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢] قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، وقال جرير وعيسى بن يونس وأبو معاوية: سكرى وما هم بسكرى).
فقد تبين أن فيها قولان لأهل العلم، القول الأول: أن هذا في آخر الدنيا، ودليله حديث إسماعيل بن رافع وهو ضعيف، والثاني: أن هذا بعد البعث، ودليله حديث البخاري وهو حديث صحيح، والقول الثاني هو المعتبر، والمعتمد وهو أن هذا يكون بعد البعث.
стр. 754
الجواب على من استشكل حصول الحمل والإرضاع عند قيام الساعة
ثم قال صاحب أضواء البيان: (فإن قيل هذا النص فيه إشكال، بأنه بعد القيام من القبور لا تحمل الإناث، حتى تضع حملها من الفزع، ولا ترضع حتى تذهل عما أرضعت، فالجواب عن ذلك من وجهين: الأول: هو ما ذكره أهل العلم من أن من ماتت حاملاً تبعث حاملاً، فتضع حملها من شدة الهول والفزع، ومن ماتت مرضعة بعثت كذلك، ولكن هذا يحتاج إلى دليل.
الوجه الثاني: أن ذلك كناية عن شدة الهول لقوله تعالى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل:١٧] ومثل ذلك من أساليب اللغة العربية المعروفة.
تنبيه: اعلم أن هذا الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة التي ذكرنا بعضها يرد عليه سؤال، وهو أن يقال: إذا كانت الزلزلة المذكورة بعد القيام من القبور فما معناها؟ والجواب أن معناها: شدة الخوف والهول والفزع؛ لأن ذلك يسمى زلزالاً؛ بدليل قوله تعالى فيما وقع بالمسلمين يوم الأحزاب من الخوف، ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:١٠ - ١١] أي: وهو زلزال فزع وخوف، لا زلزال حركة الأرض.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١] يدل على أن عظم الهول يوم القيامة موجب واضح للاستعداد لذلك الهول بالعمل الصالح، في دار الدنيا قبل تعذر الإمكان لما قدمنا مراراً من أن المشددة المكسورة تدل على التعليل، كما تقرر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه، ومسلك النص الظاهر، أي: اتقوا الله؛ لأن أمامكم أهوالاً عظيمة لا نجاة منها إلا بتقواه جل وعلا).
وبهذا يتضح أن المسألة فيها قولان: القول الأول: أن الزلزلة في آخر الدنيا، ودليله حديث إسماعيل بن رافع لكنه ضعيف، والقول الثاني: أن الزلزلة بعد البعث، ودليله حديث البخاري.
والجواب عن الإشكال كيف تضع الحامل والمرضع؟ من وجهين: الوجه الأول: أن الحامل تبعث حاملاً، والمرضع تبعث مرضعاً، والقول الثاني: أن المراد بالزلزلة: شدة الهول، وهذا أسلوب عربي معروف، والمراد بالزلزلة: زلزلة الخوف، لا زلزلة الأرض والحركة؛ لأن الله تعالى سمى ما حصل للمؤمنين في يوم الأحزاب زلزلة، قال: ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:١١] فالزلزلة تطلق على شدة الخوف، وتطلق على الحركة.
وقول الجمهور فيه نظر، ولكن المعول عليه الدليل، وهو حديث إسماعيل بن رافع وهو ضعيف.
стр. 755
من دلائل البعث
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً﴾ [الحج:٥]، هذا دليل آخر على قدرته تعالى على إحياء الموتى كما يحيي الأرض الميتة الهامدة، وهي المقحلة التي لا ينبت فيها شيء].
الدليل الأول في الاستدلال بالبدء على الإعادة: قوله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [الحج:٥] هذا هو الدليل الأول الذي استدل به ربنا على البعث، حيث استدل بخلق الإنسان الأول، وليس البعث بأشد من الإعادة أو أشد من البدء، بل كله هين على الله، كما قال سبحانه في آية أخرى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧] يعني: كله هين عليه، أهون بمعنى: هين، فالدليل الأول استدل الله على البعث يخلق الإنسان الأول، فقد خلقه الله من تراب ثم من نطفة، ولم يك شيئاً، فالذي خلق الإنسان من تراب، وخلق آدم من تراب، ثم خلق بنيه من نطفة، قادر على أن يبعثهم ويعيدهم.
الدليل الثاني: إحياء الأرض بعد موتها، فالأرض ميتة هامدة، فإذا أنزل الله عليها الماء، اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، فالذي أحيا الأرض بعد موتها، قادر على أن يحيي الميت بعد موته.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال قتادة: غبراء متهشمة، وقال السدي: ميتة، ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج:٥] أي: فإذا أنزل الله عليها المطر اهتزت أي: تحركت وحييت بعد موتها، وربت أي: ارتفعت لما سكن فيها الثرى ثم أنبتت ما فيها من الألوان والفنون من ثمار وزروع وأشتات النباتات، في اختلاف ألوانها وطعومها وروائحها وأشكالها ومنافعها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج:٥] أي: حسن المنظر طيب الريح.
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج:٦] أي: الخالق المدبر الفعال لما يشاء، ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [الحج:٦] أي: كما أحيا الأرض الميتة، وأنبت منها هذه الأنواع، ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت:٣٩]، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الحج:٧] أي: كائنة لا شك فيها ولا مرية، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج:٧] أي: يعيدهم بعد ما صاروا في قبورهم رمماً، ويوجدهم بعد العدم كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس:٧٨ - ٨٠]، والآيات في هذا كثيرة].
стр. 756
فضل العلم على نوافل العبادة
ومما يؤيد حديث ابن ماجة، وهو أن الإنسان لأن يتعلم آية خير له من أن يصلي مائة ركعة، ويدل على أن معناه صحيح ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال لهم يوماً: (أيكم يحب أن يغدو إلى بطحان؟ فيحصل على خلفة ناقة أو ناقتين سمينتين، في غير إثم ولا قطيعة رحم؟ فقالوا: يا رسول الله! كلنا يحب ذلك -وبطحان: واد في المدينة- قالوا: كلنا يحب ذلك، قال: والذي نفسي بيده! لأن يغدو أحدكم إلى المسجد، فيتعلم آية أو آيتين خير له من أن يحصل على ناقتين، وثلاث خير من ثلاث، ومن أعدادهن من الإبل) فالنبي يبين أن الذي يتعلم آية أو آيتين في المسجد، خير له من أن يحصل على ناقتين سمينتين في غير إثم ولا قطيعة رحم، فحديث ابن ماجة معناه صحيح، لكن سنده ضعيف، فالذي يتعلم آية من كتاب الله في المسجد، يتعلم الحديث، يتعلم مسألة فقهية، ويتعلم مسألة شرعية، ويتفقه ويتبصر في دينه، خير له من أن يذهب ليبيع ويشتري في الأراضي أو في الدكاكين أو في غيرها، حتى ولو حصل على ربح عظيم، فالذي يبيع ويشتري بعد المغرب، خير منه الذي يذهب إلى المسجد ليتعلم آية من كتاب الله، لأن كسبه أخروي، وذلك كسبه دنيوي وطلب العلم الشرعي أفضل من النوافل، ومن قيام الليل وقراءة القرآن؛ لأن الذي يصلي أو يحفظ القرآن هذا نفع قاصر عليه، لكن إذا تعلم فإنه يستفيد هو، ويفيد غيره.
فتعلم العلم وطلبه أفضل من نوافل العبادة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد: حدثنا بهز حدثنا حماد بن سلمة قال: أنبأنا يعلى بن عطاء عن وكيع بن حدس].
ووكيع بن عدس يقال له: عدس، ويقال له: حدس بالحاء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [عن عمه أبي رزين العقيلي واسمه: لقيط بن عامر أنه قال: يا رسول الله! أكلنا يرى ربه يوم القيامة، وما آية ذلك في خلقه؟ فقال رسول الله ﷺ : (أليس كلكم ينظر إلى القمر مخلياً به؟ قلنا: بلى، قال: فالله أعظم، قال: قلت يا رسول الله! كيف يحيي الله الموتى وما آية ذلك في خلقه؟ قال: أما مررت بواد أهلك محلاً؟)] والمراد بقوله: (محلاً) يعني: جدبا ليس فيه نبات من قلة المطر، ومنه قول العامة: سنة محل، والسنة الجدباء يسمونها ممحلة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [(قال: أما مررت بواد أهلك محلاً؟ قال: بلى، قال: ثم مررت به يهتز خضراً؟ قال: بلى، قال: فكذلك يحيي الله الموتى وذلك آيته في خلقه) ورواه أبو داود وابن ماجة من حديث حماد بن سلمة به].
أبو رزين هذا وافد بني المنتفق، وهو حديث طويل جداً قد ساقه العلامة ابن القيم في زاد المعاد في ذكره للوفود، وفيه ذكر البعث هو الشاهد من الحديث، وأن النبي ضرب له مثلاً فقال: (أما مررت بأرض جدباء ممحلة؟ ثم مررت عليها بعد ذلك، وقد نزل عليها المطر فاهتزت خضراً، قال: فكذلك يحيي الله الأرض بعد موتها).
وسأله عن رؤية الله يوم القيامة، فقال: (ذلك القمر آية من آيات الله، كلكم يراه مخلياً به)، فكل واحد يرى القمر مثل الكعب، يرفع رأسه ويراه، (فكذلك الناس يوم القيامة يرون الله فوقهم، لا يضامون في رؤيته).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم رواه الإمام أحمد أيضاً: حدثنا علي بن إسحاق أنبأنا ابن المبارك أنبأنا عبد الرحمن بن زيد بن جابر عن سليمان بن موسى عن أبي رزين العقيلي قال: (أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! كيف يحيي الله الموتى؟ قال: أمررت بأرض من أرض قومك مجدبة، ثم مررت بها مخصبة؟ قال: نعم، قال: كذلك النشور) والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عبيس بن مرحوم حدثنا بكير بن أبي السميط عن قتادة عن أبي الحجاج عن معاذ بن جبل ﵁ قال: من علم أن الله هو الحق المبين، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور دخل الجنة].
والله أعلم.
إن الإيمان الصادق يبعث على العمل، والإيمان الضعيف تحصل معه المعصية، فإذا علم الإنسان أن الله هو الحق المبين، وعلم أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يحيي من في القبور، فإن علمه وتصديقه الجازم يحمله على العمل، ويدخله الجنة.
стр. 757
تفسير سورة الحج [٨ - ١٧]
ذم الله من يخوض في آياته ويجادل فيها بغير علم ليضل عن سبيله، وذم فريقاً ممن دخلوا في الإسلام إن وجدوا فيه ما يرضيهم بقوا فيه وإلا ارتدوا على أدبارهم.
ثم ذكر الله أنه يفصل بين عباده يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون، سواء كانوا مؤمنين أو يهوداً أو نصارى أو صابئين وغيرهم.
стр. 758
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير)
قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج:٩ - ١٠].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لما ذكر تعالى حال الضلال الجهال المقلدين في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج:٣] ذكر في هذه حال الدعاة إلى الضلالة من رءوس الكفر والبدع فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج:٨] أي: بلا عقل صحيح ولا نقل صريح؛ بل بمجرد الرأي والهوى، وقوله: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج:٩] قال ابن عباس وغيره: مستكبراً عن الحق إذا دعي إليه، وقال مجاهد وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج:٩] أي: لاوي عطفه وهي رقبته، يعني: يعرض عما يدعى إليه من الحق ويثني رقبته استكباراً، كقوله تعالى: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات:٣٨ - ٣٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء:٦١]، وقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون:٥]، وقال لقمان لابنه: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان:١٨] أي: تميله عنهم استكباراً عليهم، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان:٧]].
والمعنى: أنه إذا دعي للحق أعرض واستكبر ورد الحق، كقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٦]، نسأل الله السلامة.
فالواجب على الإنسان أن يقبل الحق، وأن يحذر من الكبر ورد الحق، فإنه من أعظم الجرائم، فإن رد الحق والاستكبار من الكبائر العظيمة؛ ولهذا خسف الله رءوس الضلال، وأهل البدع وأهل الكفر بسبب الجدال ورد الحق، والإعراض والتكبر، نسأل الله السلامة والعافية.
قول المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج:٩] قال بعضهم: هذه لام العاقبة؛ لأنه قد لا يقصد ذلك، ويحتمل أن تكون لام التعليل، ثم إما أن يكون المراد بها: المعاندين، أو يكون المراد بها أن هذا الفاعل لهذا إنما جبلناه على هذا الخلق الدنيء لنجعله ممن يضل عن سبيل الله].
يعني: يحتمل أن تكون لام العاقبة، والمعنى أنه بفعله ذلك تكون العاقبة إضلاله الناس، ويحسب أن يكون قاصداً للإضلال؛ بخبثه وحقده فيقصد الإضلال، فإذا كان يقصد الإضلال صارت اللام للتعليل، وإن كان لا يقصد الإضلال، صارت اللام للعاقبة.
ومثله قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص:٨] أي: التقط موسى آل فرعون، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [القصص:٩] فهذه اللام لام العاقبة، والمعنى: أنهم التقطوه؛ لتكون العاقبة أن يكون لهم عدواً وحزناً، والعاقبة في النهاية أنه كان عدواً لهم، فهذه يسمونها لام العاقبة، وإن كان فرعون لم يقصد أن يكون عدواً له عندما أخذه، بل قصد أن يكون ولداً له، لكن العاقبة أن صار عدوا له.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثم قال تعالى: ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ [الحج:٩] وهو الإهانة والذل، كما أنه لما استكبر عن آيات الله لقاه الله المذلة في الدنيا، وعاقبه فيها قبل الآخرة؛ لأنها أكبر همه ومبلغ علمه، ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج:٩ - ١٠] أي: يقال له هذا تقريعاً وتوبيخاً، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج:١٠] كقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ * إِنَّ هَذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ [الدخان:٤٧ - ٥٠].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أحمد بن الصباح حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا هشام عن الحسن قال: بلغني أن أحدهم يحرق في اليوم سبعين ألف مرة].
وهذا رواه الحسن بأنه بلغه، يعني: منقطع، والله أعلم، لكن يكفي قول الله تعالى:: ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج:٩].
وقول الحسن: بلغني، يعني: أخذه من أخبار بني إسرائيل.
стр. 759
تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرف)
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ * يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج:١١ - ١٣].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال مجاهد وقتادة وغيرهما: [﴿عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج:١١]: على شك، وقال غيرهم: على طرف، ومنه حرف الحبل أي: طرفه، أي: دخل في الدين على طرف فإن وجد ما يحبه استقر، وإلا انشمر].
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج:١١] يعني: على طرف، أي: لم يتمكن الإيمان من قلبه؛ فإن وجد ما يناسبه من الدنيا استمر، وإن وجد شيئاً لا يناسبه؛ فإنه ينحرف ويرتد عن دين الله، نعوذ بالله.
стр. 760
سبب نزول قوله تعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرف)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن الحارث، احدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا إسرائيل عن أبي الحصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج:١١] قال: كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلاماً ونتجت خيله قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال: هذا دين سوء].
لأنه ضعيف الإيمان، وكان بعض الذين دخلوا في الإسلام من البوادي وغيره، يأتي المدينة فإن ولدت امرأته وأنتجت خيله شيئاً يناسبه، قال: هذا دين صالح، وإن لم يحصل ما يناسبه، قال: هذا دين سوء، فارتد نعوذ بالله، تفسيراً لهذه الآية.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين حدثنا أحمد بن عبد الرحمن حدثني أبي عن أبيه عن أشعث بن إسحاق القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان ناس من الأعراب يأتون النبي ﷺ فيسلمون، فإذا رجعوا إلى بلادهم فإن وجدوا عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن، قالوا: إن ديننا هذا لصالح؛ فتمسكوا به، وإن وجدوا عام جدوبة وعام ولاد سوء وعام قحط، قالوا: ما في ديننا هذا خير، فأنزل الله على نبيه ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج:١١]].
وذلك لأنهم دخلوا في الإسلام ولم يتمكن الإيمان من قلوبهم؛ فإذا أصابهم شيء يكدرهم جدب أو شيء في أهليهم ارتدوا والعياذ بالله، وإن أصابوا شيئاً من الدنيا استمروا؛ لضعف إيمانهم، وقلة ديانتهم، وعدم تمكن الإيمان من نفوسهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال العوفي عن ابن عباس: كان أحدهم إذا قدم المدينة وهي أرض وبيئة، فإن صح بها جسمه ونتجت فرسه مهراً حسناً وولدت امرأته غلاماً رضي به واطمأن إليه، وقال: ما أصبت منذ كنت على ديني هذا إلا خيراً، ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ [الحج:١١] والفتنة: البلاء، أي: وإن أصابه وجع المدينة، وولدت امرأته جارية، وتأخرت عنه الصدقة، أتاه الشيطان فقال: والله ما أصبت مذ كنت على دينك هذا إلا شراً، وذلك الفتنة، وهكذا ذكر قتادة والضحاك وابن جريج وغير واحد من السلف في تفسير هذه الآية، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو المنافق إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت انقلب فلا يقيم على العبادة إلا لما صلح من دنياه، فإن أصابته فتنة أو شدة أو اختبار أو ضيق ترك دينه ورجع إلى الكفر، وقال مجاهد في قوله: ﴿انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج:١١] أي: ارتد كافراً.
وقوله: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ [الحج:١١] أي: فلا هو حصل من الدنيا على شيء، وأما الآخرة فقد كفر بالله العظيم، فهو فيها في غاية الشقاء والإهانة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١] أي: هذه هي الخسارة العظيمة والصفقة الخاسرة].
والحاصل: أن هذه الآية فيها قولان لأهل العلم: القول الأول: أنها في ضعفاء الإيمان من الأعراب الذين دخلوا في الإسلام، ولم يستقر الإيمان في قلوبهم، وقيل: إنها في المنافق، والأقرب أنه في الأول، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج:١١] أي: على طرف من دينه، لم يتمكن الإيمان من قلبه.
فالمسلم إذا لم يصبر على المصائب، فهذا يدل على ضعف إيمانه وقلة يقينه، فالمؤمن صابر على البلاء شاكر عند النعمة مستغفر عند الذنوب والمعاصي، فإذا كان لا يصبر فهذا ضعيف الإيمان، ولا شك أن البلاء والمصائب والدنيا كلها اختبار وامتحان، كما أن الفقر والشدة والمرض كلها ابتلاء وامتحان، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ﴾ [الحج:١٢] أي: من الأصنام والأنداد، يستغيث بها ويستنصرها ويسترزقها، وهي لا تنفعه ولا تضره].
يعني: يسألها الرزق، والنصر، والغوث.
قوله المؤلف رحمه الله تعالى: [وهي لا تنفعه ولا تضره، ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ [الحج:١٢].
وقوله: ﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ [الحج:١٣] أي: ضرره في الدنيا قبل الآخرة أقرب من نفعه فيها، وأما في الآخرة فضرره محقق متيقن، وقوله: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج:١٣] قال مجاهد: يعني الوثن، يعني: بئس هذا الذي دعاه من دون الله مولى، يعني: ولياً وناصراً، ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج:١٣] وهو المخالط والمعاشر.
واختار ابن جرير أن المراد لبئس ابن العم والصاحب].
يعني: اختار ابن جرير ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ [الحج:١٣] يعني: ابن العم، والعشير: الصاحب].
والقول الأول ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ [الحج:١٣] يعني: هذا الصنم الذي يتولاه، ويستنصر به، يسترزقه، ويدعوه من دون الله، والعشير: المعاشر المخالط المصاحب ممن هو على شاكلته.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال تعالى: ﴿مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج:١١] وقول مجاهد: إن المراد به الوثن أولى وأقرب إلى سياق الكلام والله أعلم].
стр. 761
تفسير قوله تعالى: (إن الله يدخل الذين آمنوا جنات تجري من تحتها الأنهار)
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [الحج:١٤].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لما ذكر أهل الضلالة الأشقياء، عطف بذكر الأبرار السعداء من الذين آمنوا بقلوبهم وصدقوا إيمانهم بأفعالهم، فعملوا الصالحات من جميع أنواع القربات، وتركوا المنكرات، فأورثهم ذلك سكنى الدرجات العاليات في روضات الجنات، ولما ذكر تعالى أنه أضل أولئك وهدى هؤلاء قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [الحج:١٤]].
وله الحكمة البالغة ، هو عليم بأحوال العباد، وعليم بنياتهم وأقوالهم وأفعالهم، وعليم بالذوات التي تصلح للخير فيوفقها له، وعليم بالذوات التي لا تصلح لذلك فيشقيها، له الحكمة البالغة ، لا أحد يحسب عليه، وهو حسيب، قبض قبضة وقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وقبض قبضة وقال: هؤلاء في النار ولا أبالي، لما يعلمه فيهم ، فهو يعلم أن هؤلاء لا يصلحهم إلا الخير، وهؤلاء لا يصلحون للخير، فله الحكمة البالغة.
والله يقرن بين الأشقياء والسعداء في كثير من الآيات، فلما ذكر ضعيف الإيمان أو المنافق الذي يرتد لأقل سبب ذكر بعدهم المؤمنين الصادقين، الذين صدقوا أقوالهم وصدقوا إيمانهم بالأعمال الصالحة، وذكر أن لهم الجنات وهم السعداء الذين ثبت الإيمان في قلوبهم ورسخ وصدقوا أقوالهم بأعمالهم، وعملوا الصالحات، يعني: أدوا الفرائض، وانتهوا عن المحارم، واستقاموا على دين الله، ووقفوا عند حدود الله.
فهؤلاء لهم الجنة والكرامة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم.
стр. 762
تفسير قوله تعالى: (من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء)
قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ * وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ [الحج:١٥ - ١٦].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن عباس ﵄: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً ﷺ في الدنيا والآخرة؛ فليمدد بسبب أي: بحبل ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج:١٥] أي: سماء بيته، ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [الحج:١٥] يقول: ثم ليختنق به، وكذا قال مجاهد وعكرمة وعطاء وأبو الجوزاء وقتادة وغيرهم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج:١٥] أي: ليتوصل إلى بلوغ السماء، فإن النصر إنما يأتي محمداً ﷺ من السماء، ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [الحج:١٥] ذلك عنه إن قدر على ذلك.
وقول ابن عباس وأصحابه أولى وأظهر في المعنى وأبلغ في التهكم] يعني: القول الأول: أن المراد بالسبب الحبل، يعلقه في سماء بيته، أي: في سقف بيته ثم ليختنق.
فالمعنى: أن الله سيظهر نبيه وحزبه المؤمنين، وأن الله ناصر عبده محمد ﷺ وأتباعه، على رغم أنوف الكفرة والمنافقين، وأنه ليس لهم إلا الخيبة والندامة والنكد في قلوبهم، والله تعالى ناصر نبيه ومظهر دينه، ولو كره الكافرون، قال تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٣]، فلا يزال أعداء الله من الكفرة والمنافقين يكيدون للإسلام والمسلمين، والله تعالى خاذلهم ومظهر حزبه وأوليائه.
وهذا فيه تعجيز لهم وتبكيت، وبيان ما هم فيه من الغم والنكد؛ لأن أهل النفاق والريب والكفر يؤذيهم نصرة المؤمنين وظهور الإيمان وعلوه، والله تعالى يقول: من كان يظن ألن ينصر الله نبيه وحزبه المؤمنين ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج:١٥] أي: بحبل، فليختنق، والقول الثاني: أنه يمدد بسبب إلى السماء؛ لأن النصر إنما ينزل من السماء، فليقطعوا هذا النصر الذي يأتي من عند الله إن كانوا صادقين، فلا يستطيعون.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن المعنى: من كان يظن أن الله ليس بناصر محمداً ﷺ وكتابه ودينه؛ فليذهب فليقتل نفسه إن كان ذلك غائظه، فإن الله ناصره لا محالة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١] ولهذا قال: ﴿فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج:١٥].
قال السدي: يعني: من شأن محمد ﷺ ، وقال عطاء الخراساني: فلينظر هل يشفي ذلك ما يجد في صدره من الغيظ].
يعني: هل يزول ما في صدره ونفسه من الغيظ؟ لا يزيله إلا أن يقتل نفسه، ويهلك نفسه، وله الهلاك في الدنيا والآخرة، والظهور والغلبة والعزة والكرامة لرسوله ﷺ ، وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، ولو كره الكافرون، فالله تعالى مظهر دينه، وناصر حزبه على أنوف الكفرة والمنافقين، وسيظهر هذا الدين ويبلغ كل بيت مدراً أو شعراً بعز عزيز أو بذل ذليل، كما جاء في الحديث.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ﴾ [الحج:١٦] أي: القرآن، ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الحج:١٦] أي: واضحات في لفظها ومعناها، حجة من الله على الناس، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ [الحج:١٦] أي: يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، وله الحكمة التامة والحجة القاطعة في ذلك، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، أما هو فلحكمته ورحمته وعدله وعلمه وقهره وعظمته، لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب].
стр. 763
تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين إن الله يفصل بينهم يوم القيامة)
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج:١٧].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يخبر تعالى عن أهل هذه الأديان المختلفة، من المؤمنين ومن سواهم من اليهود والصابئين، وقد قدمنا في سورة البقرة التعريف بهم، واختلاف الناس فيهم، والنصارى والمجوس والذين أشركوا؛ فعبدوا مع الله غيره فإنه تعالى: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الحج:١٧] ويحكم بينهم بالعدل، فيدخل من آمن به الجنة ومن كفر به النار، فإنه تعالى شهيد على أفعالهم، حفيظ لأقوالهم، عليم بسرائرهم وما تكن ضمائرهم].
وفيه دليل على أن من آمن، من أي جنس ومن أي صنف بالله ورسوله واستقام على دينه فله الجنة والكرامة من أي جنس كان، ولهذا ذكر هذه الأصناف، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الحج:١٧]، فمن آمن فله الجنة والكرامة، ومن استمر على كفره، فله النار والخيبة، ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ [الحج:١٧] أي: اليهود، ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ [الحج:١٧] أي: عبدة الكواكب، في أصح أقوال العلماء، وفيهم كلام كثير، كما سبق في سورة البقرة، ﴿وَالنَّصَارَى﴾ [الحج:١٧] وهم عباد عيسى ومريم، ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج:١٧] أي: عبدة الأوثان، فالله تعالى ﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الحج:١٧] ويجازيهم بأعمالهم، فالمؤمنين لهم الجنة، والكفرة لهم النار، نسأل الله السلامة، والله تعالى شهيد على أعمالهم يحفظها، ويجازي عليها بالقسط والعدل، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، سبحانه لا إله إلا هو.
стр. 764
تفسير سورة الحج [١٨ - ٢٤]
كل شيء في الكون يسبح الله ويسجد له إلا البشر، فكثير منهم من يسجد لله وكثير منهم مستكبرون عن طاعته.
وقد ذكر الله في كتابه الكريم ما أعد للكافرين المستكبرين عن طاعته من العذاب الأليم، وفي المقابل ذكر ما أعده للمؤمنين به والمستجيبين لرسوله من النعيم المقيم.
стр. 765
تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض)
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج:١٨].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له؛ فإنه يسجد لعظمته كل شيء طوعاً وكرهاً، وسجود كل شيء مما يختص به، كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل:٤٨] وقال هنا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الحج:١٨] أي: من الملائكة في أقطار السموات، والحيوانات في جميع الجهات من الإنس والجن والدواب والطير، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ﴾ [الحج:١٨] إنما ذكر هذه على التنصيص؛ لأنها قد عبدت من دون الله، فبين أنها تسجد لخالقها، وأنها مربوبة مسخرة، ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت:٣٧].
وفي الصحيحين عن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : (أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأمر؛ فيوشك أن يقال لها: ارجعي من حيث جئت)].
وفي اللفظ الآخر: تستأذن.
قوله: [وفي المسند وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجة في حديث الكسوف، (إن الشمس والقمر خلقان من خلق الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته؛ ولكن الله إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له) وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر؛ إلا يقع لله ساجداً حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه.
وأما الجبال والشجر فسجودهما بفيء ظلالهما عن اليمين والشمائل، وعن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله! إني رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة؛ فسجدت فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها وهي تقول: اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود، قال ابن عباس: (فقرأ رسول الله ﷺ سجدة ثم سجد؛ فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة) رواه الترمذي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه].
وبهذا تثبت مشروعية هذا الذكر، وهذا الدعاء؛ لأن النبي قد قاله، وهو (اللهم لك سجدت، وبك آمنت، وعليك توكلت، سجد وجهي لله الذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، فتبارك الله أحسن الخالقين) وجاء هذا في رواية أخرى: (اللهم اكتب لي بها أجراً، واحطط عني بها وزراً، واكتبها لي بها عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داوود).
وإذا قال: سبحان ربي الأعلى كفى، وإذا قرأ هذا الدعاء فهو أفضل.
قوله المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَالدَّوَابُّ﴾ [الحج:١٨] أي: الحيوانات كلها، وقد جاء في الحديث عن الإمام أحمد (أن رسول الله ﷺ نهى عن اتخاذ ظهور الدواب منابر، فرب مركوبة خير وأكثر ذكراً لله تعالى من راكبها)] أي: إذا كان راكبها فاسقاً أو كافراً فهي خير منه.
والمنبر: هو الذي يتخذ للوعظ والخطبة؛ لأن هذا يشق عليها ويؤذيها، كونه يقف مدة طويلة على ظهرها.
لكن جاء في الصحيح أن النبي ﷺ خطب على دابته، أي: على ناقته، وكان ذلك يوم عرفه، وهذا ثابت في الصحيح، أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، وصححه الألباني، وهو عند أبي داود في كتاب الوقوف على الدابة.
ولعل خطبة النبي ﷺ على دابته مستثناة وخاصة به.
وقد يجوز الخطبة على ظهر الدابة إذا كانت المصلحة تقتضيه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:١٨] أي: يسجد لله طوعاً مختاراً متعبداً بذلك.
﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج:١٨] أي: ممن امتنع وأبى واستكبر.
﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج:١٨].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن شيبان الرملي حدثنا القداح عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي ﵁ قال: قيل لـ علي: إن هاهنا رجلاً يتكلم في المشيئة.
فقال له علي: يا عبد الله! خلقك الله كما يشاء أو كما شئت؟ قال: بل كما شاء.
قال: فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء.
قال: فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء.
قال: فيدخلك حيث شئت أو حيث يشاء؟ قال: بل حيث يشاء.
قال: والله لو قلت غير ذلك لضربت الذي فيه عيناك بالسيف وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله! أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار) رواه مسلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم وأبو عبد الرحمن المقرئ قالا: حدثنا ابن لهيعة حدثنا مشرح بن هاعان أبو مصعب المعافري قال: سمعت عقبة بن عامر يقول: (قلت: يا رسول الله! أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟ قال: نعم، فمن لم يسجد بهما فلا يقرأهما)].
ابن لهيعة ضعيف، ومشرح بن هاعان مقبول، وعبد الرحمن المقرئ هذا ضعيف.
وقوله: (فمن لم يسجد بهما فلا يقرأها) ضعيف، والمتن أيضاً فيه ضعف؛ لأن السجود ليس بواجب.
فقد ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ آية السجدة وهو يخطب الناس في الجمعة ثم نزل فسجد، ثم قرأها في الجمعة الثانية فتهيأ الناس للسجود فلم يسجد، ثم قال أمير المؤمنين ﵁: إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء.
قوله: (فمن لم يسجد بهما فلا يقرأها) هذا سنده ضعيف.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ورواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الله بن لهيعة به، وقال الترمذي: ليس بقوي وفي هذا نظر، فإن ابن لهيعة قد صرح فيه بالسماع، وأكثر ما نقموا عليه تدليسه].
نعم، فالسند: حدثنا ابن لهيعة حدثنا مشرح، ففيه أنه صرح بالسماع، ومشرح مقبول ولو صرح.
والحديث ضعفه الألباني، والصواب أنه ضعيف جداً، ولو صرح بالسماع.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد قال أبو داود في المراسيل: حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح أنبأنا ابن وهب أخبرني معاوية بن صالح عن عامر بن جشب عن خالد بن معدان: أن رسول الله ﷺ قال: (فضلت سورة الحج على القرآن بسجدتين)، ثم قال أبو داود: وقد أسند هذا يعني من غير هذا الوجه ولا يصح.
وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي: حدثنا ابن أبي داود حدثنا يزيد بن عبد الله حدثنا الوليد قال: حدثنا أبو عمرو حدثنا حفص بن عنان حدثني نافع قال: حدثني أبو الجهم أن عمر ﵁ سجد سجدتين في الحج وهو بالجابية، وقال: إن هذه فضلت بسجدتين].
لعله حفص بن غياث أو كأنها نسخة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروى أبو داود وابن ماجة من حديث الحارث بن سعيد العتقي عن عبد لله بن منين عن عمرو بن العاص ﵁: (أن رسول الله ﷺ أقرأه خمسة عشر سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل، وفي سورة الحج سجدتان)، فهذه شواهد يشد بعضها بعضاً].
قوله: فهذه شواهد يشد بعضها بعضاً أي: في أن سورة الحج فيها سجدتان؛ لأن السجدة الثانية اختلفوا فيها، وكذلك سجدات المفصل: سجدة النجم والانشقاق واقرأ، والصواب أنها ثابتة، وأنها كلها خمسة عشر سجدة في القرآن، في الحج سجدتان، وفي المفصل ثلاث.
стр. 766
تفسير قوله تعالى: (هذان خصمان اختصموا في ربهم)
قال: [قال تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج:١٩ - ٢٢].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ثبت في الصحيحين من حديث أبي مجلز عن قيس بن عباد عن أبي ذر ﵁: أنه كان يقسم قسماً: أن هذه الآية: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج:١٩] نزلت في حمزة وصاحبيه وعتبة وصاحبيه يوم برزوا في بدر، لفظ البخاري عند تفسيرها، ثم قال البخاري: حدثنا الحجاج بن المنهال حدثنا المعتمر بن سليمان سمعت أبي حدثنا أبو مجلز عن قيس بن عباد عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: (أنا أول من يجثوا بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة)، قال قيس: وفيهم نزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج:١٩] قال: هم الذين بارزوا يوم بدر: علي وحمزة وعبيدة وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، انفرد به البخاري.
وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج:١٩] قال: اختصم المسلمون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، فنحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: كتابنا يقضي على الكتب كلها، ونبينا خاتم الأنبياء، فنحن أولى بالله منكم، فأفلج الله الإسلام على من ناوأه وأنزل: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج:١٩] وكذا روى العوفي عن ابن عباس ﵄].
السند الأول أصح، وأنها نزلت في الخصمين: المسلمين ومشركي قريش، وقد دل عليه ما ثبت عند البخاري أنها نزلت في علي وعبيدة وخصومهم من مشركي قريش، فهي نزلت في خصمين: الخصم الأول: المؤمنون والخصم الثاني: الكفار في يوم بدر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال شعبة عن قتادة في قوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج:١٩] قال: مصدق ومكذب.
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية: مثل الكافر والمؤمن اختصما في البعث، وقال في رواية هو وعطاء في هذه الآية: هم المؤمنون والكافرون.
وقال عكرمة: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج:١٩] قال: هي الجنة والنار، قالت النار: اجعلني للعقوبة، وقالت الجنة: اجعلني للرحمة، وقول مجاهد وعطاء: إن المراد بهذا الكافرون والمؤمنون.
يشمل الأقوال كلها، وينتظم فيه قصة يوم بدر وغيرها، فإن المؤمنين يريدون نصرة دين الله ، والكافرون يريدون إطفاء نور الإيمان، وخذلان الحق، وظهور الباطل.
وهذا اختيار ابن جرير وهو حسن؛ ولهذا قال: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾، أي: فصلت لهم مقطعات من النار، قال: سعيد بن جبير: من نحاس، وهو أشد الأشياء حرارة إذا حمي].
﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج:١٩ - ٢٠] أي: إذا صب على رءوسهم الحميم، وهو الماء الحار في غاية الحرارة، وقال سعيد بن جبير: هو النحاس المذاب، أذاب ما في بطونهم من الشحم والأمعاء، قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم.
وكذلك تذوب جلودهم، وقال ابن عباس وسعيد: تساقط.
وقال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى حدثني إبراهيم أبو إسحاق الطالقاني حدثنا ابن المبارك عن سعيد بن يزيد عن أبي السمح عن ابن حجيرة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن الحميم ليصب على رءوسهم، فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يبلغ قدميه، وهو الصهر ثم يعاد كما كان)].
يعني: يعود كما كان حتى يعاد عليه العذاب مرة أخرى -نسأل الله العافية- يعني: يسلت أمعاءه ثم تعود أمعاؤه مرة أخرى، حتى يصب عليها مرة أخرى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ورواه الترمذي من حديث ابن المبارك وقال: حسن صحيح، وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن أبي نعيم عن ابن المبارك به.
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت عبد الله بن السري قال: يأتيه الملك يحمل الإناء بكلبتين من حرارته، فإذا أدناه من وجهه تكرهه، قال: فيرفع مقمعة معه فيضرب بها رأسه فيفرغ دماغه، ثم يفرغ الإناء من دماغه، فيصل إلى جوفه من دماغه؛ فذلك قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج:٢٠].
وقوله: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج:٢١] قال الإمام أحمد ﵀: حدثنا حسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (لو أن مقمعاً من حديد وضع في الأرض، فاجتمع له الثقلان ما أقلوه من الأرض).
وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لو ضرب الجبل بمقمع من حديد لتفتت ثم عاد كما كان، ولو أن دلواً من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا)].
دراج عن أبي الهيثم ضعيف، وابن لهيعة ضعيف، ففيه ضعيفان.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج:٢١] قال: يضربون بها، فيقع كل عضو على حياله، فيدعون بالثبور].
يدعون على أنفسهم؛ لأنهم معذبين: ﴿لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان:١٤].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج:٢٢] قال الأعمش عن أبي ظبيان عن سلمان قال: النار سوداء مظلمة لا يضيء لهبها ولا جمرها، ثم قال: ((كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا)) وقال زيد بن أسلم في هذه الآية: ((كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا)) قال: بلغني أن أهل النار في النار لا يتنفسون، وقال الفضيل بن عياض: والله ما طمعوا في الخروج، إن الأرجل لمقيدة، وإن الأيدي لموثقة، ولكن يرفعهم لهبها، وتردهم مقامعها.
وقوله تعالى: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج:٢٢] كقوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة:٢٠] ومعنى الكلام: أنهم يهانون بالعذاب قولاً وفعلاً.
стр. 767
تفسير قوله تعالى: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات)
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج:٢٣ - ٢٤].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لما أخبر تعالى عن حال أهل النار -عياذاً بالله من حالهم- وما هم فيه من العذاب والنكال والحريق والأغلال، وما أعد لهم من الثياب من النار؛ ذكر حال أهل الجنة -نسأل الله من فضله وكرمه- فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [الحج:١٤] أي: تتخرق في أكنافها وأرجائها وجوانبها وتحت أشجارها وقصورها يصرفونها حيث شاءوا وأين أرادوا ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ [الحج:٢٣] من الحلية، ﴿مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [الحج:٢٣] أي: في أيديهم، كما قال النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه: (تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء)].
والمعنى أنهم يحلون بالأساور في أيديهم، أسورة كأسورة الذهب يلبسها المؤمنون، وأسورة الدنيا لا يلبسها إلا النساء، لكن في الجنة يختلف الحال، فالمؤمنون يتحلى ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [الحج:٢٣] في أيديهم، وفي الحديث يقول النبي ﷺ : (تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء) يعني: يحلى في يديه حيث يبلغ الوضوء؛ ولهذا كان أبو هريرة ﵁ يطيل الماء، ويقول سمعت خليلي رسول الله ﷺ يقول: (تبلغ الحيلة من المؤمن حيث يبلغ الوضوء؛ فمن استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل)، فكان يجتهد ﵁ في ذلك، وإذا غسل ذراعه تجاوز حتى يصل إلى الأبط، يتأول ذلك ويقول: لكي تصل الحلية إلى هنا، وإذا غسل رجله تجاوز الساق حتى يكاد يصل إلى الركبة، اجتهاداً منه ﵁، ويقول: سمعت خليلي ﷺ يقول: (تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء؛ فمن استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل)، فالمؤمن يحلى بأساور الذهب واللؤلؤ في يديه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال كعب الأحبار: إن في الجنة ملكاً لو شئت أن أسميه لسميته، يصوغ لأهل الجنة الحلي منذ خلقه الله إلى يوم القيامة، لو أبرز قلب منها -أي: سوار منها- لرد شعاع الشمس كما ترد الشمس نور القمر.
وقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج:٢٣] في مقابلة ثياب أهل النار التي فصلت لهم، لباس هؤلاء من الحرير إستبرقه وسندسه، كما قال تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ [الإنسان:٢١]].
المعنى: أنهم يلبسون نوعين من الحرير: سندس وإستبرق، أحدهما: غليظ والآخر رقيق، والسندس والإستبرق له بريق ولمعان، فهما نوعان من الحرير أحدهما رقيق والآخر غليظ.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما قال تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان:٢١ - ٢٢]، وفي الصحيح: (لا تلبسوا الحرير ولا الديباج في الدنيا؛ فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة)، قال عبد الله بن الزبير: من لم يلبس الحرير في الآخرة لم يدخل الجنة، قال الله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج:٢٣] وقوله تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحج:٢٤]، كقوله تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [إبراهيم:٢٣]، وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٣ - ٢٤]].
يعني يقول: إن أهل الجنة يلبسون الحرير، والذي في الآخرة لن يلبس الحرير معناه أنه ممنوع من دخول الجنة؛ لأن من دخل الجنة لبس الحرير، ومن لم يلبس الحرير ممنوع من دخولها.
هذا معنى كلامه، وقوله ﷺ : (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة) هذا من باب الوعيد، ويدل على أنه من الكبائر، وأما من تاب تاب الله عليه، وفي الحديث الآخر: (من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة)، قال بعض العلماء: إنه إذا دخل الجنة لا يشتهي الخمر، وعلى كل حال هذا الحديث من باب الوعيد ومن تاب تاب الله عليه.
والوعيد إن شاء الله أنفذه، وإن شاء لم ينفذه، مثل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠].
والوعيد على الفعل يدل على أنه من الكبائر، مثل قوله: (لا يدخل الجنة قتات)، يعني.
نمام، وقوله: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، هذا كله من باب الوعيد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٣ - ٢٤].
وقوله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة:٢٥ - ٢٦]، فهدوا إلى المكان الذي يسمعون فيه الكلام الطيب.
وقوله تعالى: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا﴾ [الفرقان:٧٥] لا كما يهان أهل النار بالكلام الذي يوبخون به ويقرعون به، يقال لهم: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران:١٨١]، وقوله تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج:٢٤]، أي: إلى المكان الذي يحمدون فيه ربهم على ما أحسن إليهم وأنعم به وأسداه إليهم، كما جاء في الحديث الصحيح: (إنهم يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس).
وقد قال بعض المفسرين في قوله: ((وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ القول))، أي: القرآن، وقيل: لا إله إلا الله، وقيل: الأذكار المشروعة].
وكل هذه المعاني حق، فقد هداهم الله للقرآن وللأذكار المشروعة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج:٢٤] أي: الطريق المستقيم في الدنيا، وكل هذا لا ينافي ما ذكرناه، والله أعلم].
ليس في الجنة عمل بل هي دار نعيم، ويلهمون فيها التسبيح كما يلهمون النفس ويتنعمون به.
стр. 768
تفسير سورة الحج الآية [٢٥]
جعل الله للحرم حرمة عظيمة فحرمه على سائر البلاد، وذم الذين يصدون الناس عنه، وتوعد من همّ فيه بالظلم والمعصية بالعذاب الأليم.
стр. 769
تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام)
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى منكراً على الكفار في صدهم المؤمنين عن إتيان المسجد الحرام، وقضاء مناسكهم فيه، ودعواهم أنهم أولياؤه، ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٣٤]، وفي هذه الآية دليل على أنها مدنية، كما قال في سورة البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٧]، وقال هاهنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الحج:٢٥] أي: ومن صفتهم أنهم مع كفرهم يصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام، أي: ويصدون عن المسجد الحرام من أراده من المؤمنين الذين هم أحق الناس به في نفس الأمر، وهذا التركيب في هذه الآية كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] أي: ومن صفتهم أنهم تطمئن قلوبهم بذكر الله].
المراد بالتركيب الأسلوب، أو الترتيب، والأقرب أنه الأسلوب.
стр. 770
معنى قوله تعالى: (سواء العاكف فيه والباد)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥] أي: يمنعون الناس عن الوصول إلى المسجد الحرام، وقد جعله الله شرعاً سواء لا فرق فيه بين المقيم فيه والنائي عنه البعيد الدار منه].
المقيم الساكن فيه، والباد النائي أو الطارق الذي يأتي من بعيد، والحكم فيهما واحد، وشرع الله هو أن يتعبد فيه المقيم والطارق الذي يأتي من بعيد جعله الله للناس سواء العاكف فيه والباد، والعاكف: هو المقيم في مكة في المسجد الحرام، والبادي: الغريب الذي جاء من بعيد، كلهم شرع الله لهم الطواف بالبيت، والصلاة في المسجد الحرام، وهؤلاء يصدون عن سبيل الله، ويصدون عن المسجد الحرام الذي جعله الله شرعاً عاماً للمقيم والقادر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥] ومن ذلك استواء الناس في رباع مكة وسكناها].
يعني: في دورها، فكما أنهم يستون في المسجد الحرام يستون كذلك في السكنى، بدون أجرة، فمن جاء نزل، كما كانت تسمى رباع مكة السوائب، فمن احتاج نزل ومن لم يحتج فلا، وهذا قول لبعض أهل العلم: أنها لا تؤجر بيوت مكة؛ لأنها وقف، وذهب الشافعي إلى أن مكة فتحت صلحاً، وعلى ذلك تباع رباع مكة ودورها، ومن العلماء من قال: تؤجر ولا تباع، والمسألة فيها خلاف بين أهل العلم، فبعض العلماء قال: دور مكة لا تباع ولا تؤجر، وكانت تدعى السوائب، من شاء سكن ومن احتاج ارتفع عنها، فهي سوائب للناس، كما أن المسجد الحرام عام للناس فكذلك البيوت، وذهب الشافعي ﵀ وجماعة إلى أنها تباع وتؤجر؛ لأن مكة فتحت صلحاً، وعلى القول الأول بأنها فتحت عنوة بالقوة فقد صارت وقفاً للمسلمين، وقيل: إنها فتحت صلحاً، ومن العلماء من فرق بين الإيجار وغيره، ورباع مكة، يعني: بيوتها ودورها وأراضيها، والعمل الآن على أنها تباع وتؤجر.
стр. 771
اختلاف العلماء في حكم بيع دور مكة وتأجيرها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥] قال: ينزل أهل مكة وغيرهم في المسجد الحرام، وقال مجاهد: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ أهل مكة وغيرهم فيه سواء في المنازل، وكذا قال أبو صالح وعبد الرحمن بن سابط وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: سواء فيه أهله وغير أهله، وهذه المسألة اختلف فيها الشافعي وإسحاق بن راهويه بمسجد الخيف].
أي: اختلفوا: هل تؤجر وتباع دور مكة أو لا؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذه المسألة اختلف فيها الشافعي وإسحاق بن راهويه بمسجد الخيف، وأحمد بن حنبل حاضر أيضاً، فذهب الشافعي ﵀ إلى أن رباع مكة تملك وتورث وتؤجر].
لأنه يرى أنها فتحت صلحاً، فتباع وتؤجر وتملك، لكن الصواب أنها فتحت عنوة، فمكة لم تفتح صلحاً بل فتحت بقوة، ودخل النبي بالقوة، لكن قال بعضهم: إنه ملكها أهلها بعد ذلك، ولما قيل للنبي ﷺ : أتنزل غداً في دارك بمكة؟ فقال: (وهل ترك لنا عقيل من رباع) يعني: من دور، وعقيل هو عقيل بن أبي طالب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واحتج بحديث الزهري عن علي بن الحسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد قال: قلت: (يا رسول الله! أتنزل غداً في دارك بمكة؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل من رباع؟ ثم قال: لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر) وهذا الحديث مخرج في الصحيحين].
احتج الشافعي بقول أسامة للنبي: (أتنزل غداً في دارك بمكة؟) قوله: في دارك، أضاف الدار إليه، فدل هذا على أنها تملك، ولم ينكر عليه النبي ﷺ ، ولم يقل: ليس لنا دار، أو قال: لا تملك الدور، لكن قال: إنه ورث عقيل عن أبيه أبو طالب فقد مات على الكفر، وعقيل كذلك مات على دين أبيه فورث أباه، والمسلم لا يرث الكافر، إنما الكافر يرث الكافر، والمسلم يرث المسلم، فهو ورث أباه؛ لأنه على دينه، فيقول النبي: (وهل ترك لنا عقيل من رباع)؛ لأنه ورث أباه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وبما ثبت: أن عمر بن الخطاب ﵁ اشترى من صفوان بن أمية داراً بمكة، فجعلها سجناً بأربعة آلاف درهم، وبه قال طاوس وعمرو بن دينار، وذهب إسحاق بن راهويه إلى أنها لا تورث ولا تؤجر، وهو مذهب طائفة من السلف، ونص عليه مجاهد وعطاء، واحتج إسحاق بن راهويه بما رواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عيسى بن يونس عن عمر بن سعيد بن أبي حيوة عن عثمان بن أبي سليمان عن علقمة بن نضلة].
في نسخة: ابن جبير وفي نسخة أخرى حيوة.
الأقرب أنها لا تورث ولا تؤجر؛ لأنها وقف، ومن احتاج سكن بدون أجرة، ومن لا يحتاج ارتفع عنها، مثل المسجد الحرام ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥].
قال: [عن علقمة بن نضلة قال: توفي رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، وما تدعي رباع مكة إلا السوائب، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن].
والسوائب هي الشيء المسيب المتروك، فهي متروكة من احتاج إليها سكن ومن لم يحتج أسكن غيره، تسمى السوائب يعني: المتروكة للغاديين والرائحين فمن جاء سكن؛ لأنها وقف.
وهذا الحديث كما في الزوائد إسناده صحيح على شرط مسلم، وليس لـ علقمة بن نضلة عند ابن ماجة سوى هذا الحديث، لكن الحديث مرسل عن ابن نضلة، وإذا وجد مرسل آخر يعضده صار حجة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال عبد الرزاق عن ابن مجاهد عن أبيه عن عبد الله بن عمرو أنه قال: لا يحل بيع دور مكة ولا كراؤها].
كراؤها يعني تأجيرها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أيضاً: عن ابن جريج: كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم، وأخبرني أن عمر بن الخطاب ﵁ كان ينهى أن تبوب دور مكة].
يعني: لا يجعل لها أبواب؛ لأنها وقف؛ لأنه لو جعل لها أبواب لن يأتي أحد ويسكن فيها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أيضاً عن ابن جريج: كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم، وأخبرني أن عمر بن الخطاب ﵁ كان ينهى أن تبوب دور مكة؛ لأن ينزل الحاج في عرصاتها، فكان أول من بوب داره سهيل بن عمرو، فأرسل إليه عمر بن الخطاب ﵁ في ذلك، فقال: أنظرني يا أمير المؤمنين! إني كنت امرأ تاجراً، فأردت أن أتخذ بابين يحبسان لي ظهري، قال: فذلك إذاً.
وقال عبد الرزاق عن معمر عن منصور عن مجاهد: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا أهل مكة! لا تتخذوا لدوركم أبواباً؛ لينزل البادي حيث يشاء].
البادي: يعني القادم إلى مكة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: وأخبرنا معمر عمن سمع عطاء يقول في قوله: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥] قال: ينزلون حيث شاءوا.
وروى الدارقطني من حديث ابن أبي نجيح عن عبد الله بن عمرو موقوفاً: (من أكل كراء بيوت مكة أكل ناراً)].
وهذا منقطع، ففيه رجل مبهم، وهو موقوف على عبد الله بن عمرو.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وتوسط الإمام أحمد فيما نقله صالح ابنه فقال: تملك وتورث ولا تؤجر جمعاً بين الأدلة، والله أعلم].
بهذا تكون الأقوال ثلاثة: القول الأول: الشافعي يرى أنها تملك وتورث وتباع وتؤجر.
والقول الثاني: إسحاق بن راهويه وجماعة: لا تملك ولا تباع ولا تؤجر ولا تورث ولا تبوب، متروكة للناس.
القول الثالث: الإمام أحمد التوسط: وهو أنها تملك وتورث وتباع، ولا تؤجر.
فالإمام أحمد جمع بين الأدلة، فالأدلة التي فيها المنع حملها على التأجير، والأدلة التي فيها الجواز حملها على البيع والإرث.
ولا شك أن المسألة فيها إشكال وتحتاج إلى جمع النصوص وكلام أهل العلم فيها.
стр. 772
أقوال أهل العلم في قوله تعالى: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]، قال بعض المفسرين من أهل العربية: الباء ههنا زائدة كقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون:٢٠] أي تنبت الدهن، وكذا قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ [الحج:٢٥] تقديره إلحاداً].
وليس معنى زائدة: أنه ليس لها معنى، بل مؤكدة، فالقرآن ليس فيه شيء زائد، بل معناه أنها تفيد التأكيد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذا قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ [الحج:٢٥] تقديره إلحاداً، وكما قال الأعشى: ضمنت برزق عيالنا أرماحنا بين المراجل والصريح الأجرد].
يعني: اللبن الذي لا رغبة له.
والشاهد (برزق)، الباء زائدة، يعني: ضمنت رزق عيالنا، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ [الحج:٢٥].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الآخر: بواد يمان ينبت الشث صدره وأسفله بالمرخ والشبهان].
الشاهد: وأسفله بالمرخ، والمرخ شجر معروف تشتعل النار منه.
فهي من ناحية الإعراب فقط للتأكيد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والأجود أنه ضمن الفعل هاهنا معنى يهم؛ ولهذا عداه بالباء فقال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج:٢٥] أي: يهم فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار].
يقول: الأولى ألا يقال: الباء زائدة، بل الأولى أن يقال: ضمن الفعل (يريد) بمعنى: يهم، وعلى هذا لا تكون زائدة.
فذكر قولين: القول الأول: أن الباء زائدة مؤكدة، والقول الثاني: أنها ليست زائدة، ولكن الفعل (يريد) ضمن معنى يهم، فمعنى ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج:٢٥] ومن يهم فيه بإلحاد، فإذا ضمن الفعل معنى يهم تعدى بالباء.
والإشكال في القول الأول، وهو أن يريد لا يتعدى بالباء، فالباء زائدة ومؤكدة.
والقول الثاني هو الأولى والأحسن، وهو أن يقال: إن الفعل (يريد) ضمن معنى يهم، والمعنى: (ومن يهم فيه بإلحاد) فمجرد أن يهم الإنسان بالسوء يذقه الله من عذاب أليم.
وهذا من خواص الحرم بخلاف غيره؛ فإنما يعاقب إذا فعل السيئة، لكن الحرم إذا هم فيه بالإلحاد أذاقه الله العذاب الأليم.
وهل هناك فرق بين الهم والعزم في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ [يوسف:٢٤]، وقوله: (إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)؟ ذكر هذا الباقلاني، وكلامه يحتاج إلى تأمل، ولكن المقصود أن الأصل أن الهم أقل من العزم والتصميم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ((بظلم)) أي: عامداً قاصداً أنه ظلم ليس بمتأول، كما قال ابن جريج عن ابن عباس ﵁: هو التعمد.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: (بظلم) بشرك، وقال مجاهد: أن يعبد فيه غير الله تعالى، وكذا قال قتادة وغير واحد، وقال العوفي عن ابن عباس ﵄: (بظلم) هو أن تستحل من الحرم ما حرم الله عليك من إساءة أو قتل، فتظلم من لا يظلمك، وتقتل من لا يقتلك؛ فإذا فعل ذلك فقد وجب له العذاب الأليم].
في نسخة: وأن تستحل من الحرام، يعني: تستحل الحرام الذي حرمه الله، أو تستحل من الحرم يعني تستحله في الحرام.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال مجاهد: بظلم يعمل فيه عملاً سيئاً، وهذا من خصوصية الحرم أنه يعاقب البادي فيه الشر إذا كان عازماً عليه وإن لم يوقعه، كما قال ابن أبي حاتم في تفسيره حدثنا أحمد بن سنان حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا شعبة عن السدي: أنه سمع مرة يحدث عن عبد الله -يعني: ابن مسعود ﵁ في قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج:٢٥] قال: لو أن رجلاً أراد فيه بإلحاد بظلم وهو بعدن أبين لأذاقه الله من العذاب الأليم].
يعني: ولو كان بعيداً، ولو كان بعدن أبين، والمعروف أنه مكان بعيد عن الحرم، لكن إذا هم وهو في مكان بعيد أذاقه الله العذاب الأليم.
والمراد بعدن أبين التي في اليمن، فهناك فرق بينها وبين عدن أخرى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال شعبة: هو رفعه لنا، وأنا لا أرفعه لكم، قال يزيد: هو قد رفعه، ورواه أحمد عن يزيد بن هارون به.
قلت: هذا الإسناد صحيح على شرط البخاري، ووقفه أشبه من رفعه؛ ولهذا صمم شعبة على وقفه من كلام ابن مسعود ﵁، وكذلك رواه أسباط وسفيان الثوري عن السدي عن مرة عن ابن مسعود ﵁ موقوفاً، والله أعلم.
وقال الثوري عن السدي عن مرة عن عبد الله قال: ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه، ولو أن رجلاً بعدن أبين هم أن يقتل رجلاً بهذا البيت لأذاقه الله من العذاب الأليم، وكذا قال الضحاك بن مزاحم، وقال سفيان الثوري عن منصور عن مجاهد: إلحاد فيه لا والله وبلى والله.
وروي عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو مثله.
وقال سعيد بن جبير: شتم الخادم ظلم فما فوقه.
وقال سفيان الثوري: عن عبد الله بن عطاء عن ميمون بن مهران عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج:٢٥] قال: تجارة الأمير فيه، وعن ابن عمر: بيع الطعام بمكة إلحاد.
وقال حبيب بن أبي ثابت: ((وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ)) قال: المحتكر بمكة، وكذا قال غير واحد.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن إسحاق الجوهري أنبأنا أبو عاصم عن جعفر بن يحيى عن عمه عمارة بن ثوبان حدثني موسى بن باذان عن يعلى بن أمية: أن رسول الله ﷺ قال: (احتكار الطعام بمكة إلحاد).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير حدثنا ابن لهيعة حدثنا عطاء بن دينار حدثني سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس ﵄ في قوله الله: ((وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ)) قال: نزلت في عبد الله بن أنيس: أن رسول الله ﷺ بعثه مع رجلين: أحدهما مهاجر والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب، فغضب عبد الله بن أنيس، فقتل الأنصاري ثم ارتد عن الإسلام، ثم هرب إلى مكة، فنزلت فيه: ((وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ)) يعني: من لجأ إلى الحرم بإلحاد، يعني: بميل عن الإسلام.
وهذه الآثار وإن دلت على أن هذه الأشياء من الإلحاد، ولكن هو أعم من ذلك، بل فيها تنبيه على ما هو أغلظ منها].
فـ أبرهة صاحب الحبشة الذي أتى بالفيل أذاقه الله من العذاب الأليم، وكذلك القرامطة الذين قتلوا الحجاج في القرن الثالث أذاقهم الله عذاباً أليماً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا لما هم أصحاب الفيل على تخريب البيت أرسل الله عليهم طيراً أبابيل ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:٤ - ٥]، أي: دمرهم وجعلهم عبرة ونكالاً لكل من أراده بسوء؛ ولذلك ثبت في الحديث: أن رسول الله ﷺ قال: (يغزو هذا البيت جيش حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأولهم وآخرهم) الحديث].
في الدنيا قبل الآخرة مع ما أعد الله الله لهم في الآخرة.
والحاصل: أن الإلحاد فسر بالشرك، وفسر بالعدوان على الناس في الدماء والأموال والأعراض، وفسر أيضاً بظلم الناس بالمعاصي.
والعُصاة الذي هم بمكة وانتهكوا حرمة الحرم تقام عليهم الحدود بخلاف من لجأ إلى مكة وجاء من بعيد؛ فإنه لا يقام عليه الحد حتى يخرج من مكة؛ لأن من ارتكب حداً خارج مكة، ثم دخل مكة لاجئاً معظم للحرم، فلا يقام عليه الحد في مكة حتى يخرج خارج الحرم، أما من سرق في مكة فتقطع يده في مكة، ومن زنا يجلد أو يرجم في مكة؛ لأنه هو الذي انتهك حرمة الحرم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن كناسة حدثنا إسحاق بن سعيد عن أبيه قال: أتى عبد الله بن عمرو عبد الله بن الزبير فقال: يا ابن الزبير! إياك والإلحاد في حرم الله؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنه سيلحد فيه رجل من قريش، لو توزن ذنوبه بذنوب الثقلين لرجحت)، فانظر لا تكن هو].
وهذا السند لا بأس به، ولعله عبد الله بن عمرو بن العاص كما سيأتي.
وعبد الله بن عمرو بن العاص معروف أنه كان شاباً يتعبد ويصوم الليل ويقوم النهار، وأمره النبي ﷺ أن يخفف على نفسه، واتفق مع النبي ﷺ على أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، فلما كبرت سنه قال: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ .
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أيضاً في مسند عبد الله بن عمرو ب
стр. 773
تفسير سورة الحج [٢٦ - ٣١]
الكعبة المشرفة هي أول بيت وضع للناس، ولها من الخصائص ما ليس لغيرها من البيوت، فقد شرفها الله وكرمها وأعتقها ممن يعتدي عليها، وأمر عباده أن يحجوا إليها دون سائر البيوت.
стр. 774
تفسير قوله تعالى: (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت)
قال الله : ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٦ - ٢٧].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [هذا فيه تقريع وتوبيخ لمن عبد غير الله وأشرك به من قريش في البقعة التي أسست من أول يوم على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فذكر تعالى أنه بوأ إبراهيم مكان البيت، أي: أرشده إليه وسلمه له، وأذن له في بنائه، واستدل به كثير ممن قال: إن إبراهيم ﵇ هو أول من بنى البيت العتيق، وأنه لم يبن قبله كما ثبت في الصحيح عن أبي ذر ﵁: (قلت: يا رسول الله! أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: بيت المقدس، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة)].
وهذا هو الصوب: أن أول من بنى البيت إبراهيم الخليل ﵊، كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٦]، وكما في هذا الحديث عن أبي ذر أنه سأل النبي ﷺ قال: (يا رسول الله! ما هو أول بيت وضع في الأرض؟ قال: المسجد الحرام، قال: ثم أي؟ قال: بيت المقدس، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة)].
إبراهيم ﵇ هو الذي بنى البيت، وحفيده يعقوب بن إسحاق هو الذي بنى بيت المقدس بعد أربعين سنة، ويعقوب هو إسرائيل حفيد إبراهيم الخليل، وأنبياء بني إسرائيل كلهم ينسبون إلى يعقوب ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران:٩٣] ويعقوب ﵇ هو ابن إسحاق؛ لأن إبراهيم ﵊ رزقه الله ابنين كريمين صالحين أحدهما إسماعيل وهو الأول وأمه هاجر، وهو أبو العرب، ومن سلالته نبينا محمد ﵊.
والثاني: إسحاق بعد إسماعيل باثني عشر سنة، أنجبته سارة بنت عمه، وكانت في الأول عقيم لا تلد، ثم رزقها الله في الكبر إسحاق، وإسحاق أنجب يعقوب، ويعقوب هو إسرائيل، ومن سلالته جميع أنبياء بني إسرائيل، وأولهم يوسف وآخرهم عيسى، كل أنبياء بني إسرائيل كلهم من سلالة يعقوب، وأما إسماعيل فمن سلالته نبينا محمد ﵊، فإسماعيل وإسحاق أخوان، وأبناء إسماعيل هم العرب، وأبناء إسرائيل هم أبناء العجم، واليهود والنصارى كلهم من سلالة إسرائيل.
بعض الناس يسمي دولة اليهود إسرائيل، ثم يشتم إسرائيل، وهذا لا يجوز؛ لأن إسرائيل نبي كريم، واليهود يودون تسمية إسرائيل، كما أن النصارى يسمون أنفسهم مسيحيين، ووليسوا مسيحيين، فلو كانوا مسيحيين لاتبعوا المسيح، بل هم نصارى كما سماهم الله، واليهود نسميهم يهود ولا نسميهم إسرائيليين، فإسرائيل نبي كريم، والمسيحيين نسبة إلى المسيح، والمسيح نبي كريم وهم ما اتبعوه، ولو اتبعوه لآمنوا به، وآمنوا بمحمد ﷺ ؛ ولذلك هم يسمون أنفسهم المسيحيين، وهذا من الأخطاء الشائعة، بل اليهود اسمهم يهود كما سماهم الله، والنصارى اسمهم نصارى كما سماهم الله في كتابه، ولا نص على أن الله سمى النصارى مسيحيين في الكتاب أو السنة.
أما كلمة شيعة، فهو اسم عام يشمل جميع فرق الشيعة، وهم أربعة وعشرون فرقة منهم الرافضة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران:٩٦ - ٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:١٢٥]، وقد قدمنا ذكر ما ورد في بناء البيت من الصحاح والآثار بما أغنى عن إعادته هاهنا].
أي: ذكره في سورة البقرة، قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى هاهنا: ﴿أَنْ لا تُشْرِكْ بِي﴾ [الحج:٢٦]، أي: ابنه على اسمي وحدي، ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج:٢٦]، قال مجاهد وقتادة: من الشرك، ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:٢٦] أي: اجعله خالصاً لهؤلاء الذين يعبدون الله وحده لا شريك له].
فهذا أمر من الله تعالى لإبراهيم ﵇ أن يبني بيته تعالى على اسم الله وحده.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالطائف به معروف، وهو أخص العبادات عند البيت].
الطائف هو الذي يطوف بالبيت، سواء في الحج أو في العمرة أو طواف تطوع، والطواف معناه الدوران حول الكعبة، وهو عبادة، ويكون سبعة أشواط، والطواف أنواع: طواف العمرة وطواف القدوم في الحج، وطواف الإفاضة وطواف الوداع، وهناك طواف التطوع الذي يفعل في أي وقت وهو غير مرتبط بالحج ولا بالعمرة.
والطواف هو أخص العبادات عند البيت؛ لأنه يتعلق بنفس البيت.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالطائف به معروف، وهو أخص العبادات عند البيت، فإنه لا يفعل ببقعة من الأرض سواها، ﴿وَالْقَائِمِينَ﴾ [الحج:٢٦] أي: في الصلاة؛ ولهذا قال: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:٢٦]، فقرن الطواف بالصلاة؛ لأنهما لا يشرعان إلا مختصين بالبيت، فالطواف عنده، والصلاة إليه في غالب الأحوال، إلا ما استثني من الصلاة عند اشتباه القبلة وفي الحرب، وفي النافلة في السفر، والله أعلم.
стр. 775
تفسير قوله تعالى: (وأذن في الناس بالحج)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج:٢٧] أي: ناد في الناس داعياً لهم إلى الحج إلى هذا البيت الذي أمرناك ببنائه، فذكر أنه قال: يا رب، وكيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم، فقيل ناد وعلينا البلاغ].
ومعنى لا ينفذهم: من أنفذ ينفذ، يعني: لا يبلغهم، أي: كيف أبلغ الناس، وصوتي لا يبلغهم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقام على مقامه، وقيل على الحجر، وقيل على الصفا، وقيل: على أبي قبيس، وقال: يا أيها الناس! إن ربكم قد اتخذ بيتاً فحجوه، فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض].
وهذا يعني: أن الجبال انخفضت حتى سمع الناس صوت إبراهيم ﵇.
قوله: وقيل على الحجر، وليس الحجر؛ لأنه لم يكن يوجد حجر في زمان إبراهيم ﵇، إنما الحجر أخرجته قريش بعد ذلك بمدة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك.
هذا مضمون ما روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف، والله أعلم.
أوردها ابن جرير وابن أبي حاتم مطولة.
وقوله: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧]، قد يستدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الحج ماشياً -لمن قدر عليه- أفضل من الحج راكباً؛ لأنه قدمهم في الذكر، فدل على الاهتمام بهم وقوة هممهم وشدة عزمهم.
والذي عليه الأكثرون أن الحج راكباً أفضل؛ اقتداء برسول الله ﷺ ، فإنه حج راكباً مع كمال قوته ﵇].
وهذا هو الصواب، فالحج راكباً هو أفضل؛ لأن النبي ﷺ حج راكباً، وقال: (اللهم حجاً لا رياء فيه ولا سمعة)، فبعض الناس قد يتنطع ويظن أن الحج ماشياً أفضل، والأمر على عكس ذلك، فإن الأفضل ما كان أرفق بالعبد، والحج راكباً أرفق بالإنسان، وهو فعل النبي ﷺ .
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ﴾ [الحج:٢٧] يعني: طريق، كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا﴾ [الأنبياء:٣١]، وقوله: ﴿عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧] أي: بعيد، قاله مجاهد وعطاء والسدي وقتادة ومقاتل بن حيان والثوري وغير واحد.
وهذه الآية كقوله تعالى إخباراً عن إبراهيم ﵇ حيث قال في دعائه: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم:٣٧]، فليس أحد من أهل الإسلام إلا وهو حين إلى رؤية الكعبة والطواف، فالناس يقصدونها من سائر الجهات والأقطار].
وكل من جاءه فإنه يشتاق إليه بعد ذلك ويحن إليه، ولا يقضي منه وطراً، وإذا أراد أن ينصرف سأل الله أن يجعل آخر عهده بالبيت، فالمسلم مهما تردد على هذا البيت فإنه يجد في نفسه ميلاً وانجذاباً إليه، وهذا من استجابة الله لدعوة نبيه وخليله إبراهيم ﵇ حين قال: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم:٣٧].
ومحبة هذا البيت تعتبر من الإيمان، وهي تدل على وجود الخير في نفس هذا العبد.
وكما سبق وقلنا إن الحج راكباً أفضل من الحج ماشياً، ولكن بعضهم قد يفضل الحج ماشياً ويحتج بقول النبي ﷺ لـ عائشة ﵂: (أجرك على قدر نصبك)، وذلك حين حاضت وهي في الحج أو العمرة.
فنقول: إن فعل النبي ﷺ مقدم على هذا، ولا نشك أنه إذا حصل له مشقة فهو مأجور، لكن عليه ألا يتعمد أن يوجد المشقة، فكون الإنسان يؤدي العبادة بارتياح وطمأنينة وراحة أفضل من أن يؤديها بمشقة وأرفق به، والنبي ﷺ ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، وقد أمر الصحابة أن يتحللوا لما أحرموا بالحج مفردين وقارنين، وألزمهم بذلك؛ لأن هذا أرفق بهم، فالأفضل ما كان أرفق بالمتعبد، وعليه ألا يتعمد المشقة، لكن إذا أصابته فهو مأجور.
следующие страницы →