← Тафсир

Тафсир · id 37048

شرح تفسير ابن كثير - الراجحي

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (873 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

اختلاف العلماء في حكم بيع دور مكة وتأجيرها قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥] قال: ينزل أهل مكة وغيرهم في المسجد الحرام، وقال مجاهد: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ أهل مكة وغيرهم فيه سواء في المنازل، وكذا قال أبو صالح وعبد الرحمن بن سابط وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: سواء فيه أهله وغير أهله، وهذه المسألة اختلف فيها الشافعي وإسحاق بن راهويه بمسجد الخيف]. أي: اختلفوا: هل تؤجر وتباع دور مكة أو لا؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذه المسألة اختلف فيها الشافعي وإسحاق بن راهويه بمسجد الخيف، وأحمد بن حنبل حاضر أيضاً، فذهب الشافعي ﵀ إلى أن رباع مكة تملك وتورث وتؤجر]. لأنه يرى أنها فتحت صلحاً، فتباع وتؤجر وتملك، لكن الصواب أنها فتحت عنوة، فمكة لم تفتح صلحاً بل فتحت بقوة، ودخل النبي بالقوة، لكن قال بعضهم: إنه ملكها أهلها بعد ذلك، ولما قيل للنبي ﷺ : أتنزل غداً في دارك بمكة؟ فقال: (وهل ترك لنا عقيل من رباع) يعني: من دور، وعقيل هو عقيل بن أبي طالب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واحتج بحديث الزهري عن علي بن الحسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد قال: قلت: (يا رسول الله! أتنزل غداً في دارك بمكة؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل من رباع؟ ثم قال: لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر) وهذا الحديث مخرج في الصحيحين]. احتج الشافعي بقول أسامة للنبي: (أتنزل غداً في دارك بمكة؟) قوله: في دارك، أضاف الدار إليه، فدل هذا على أنها تملك، ولم ينكر عليه النبي ﷺ ، ولم يقل: ليس لنا دار، أو قال: لا تملك الدور، لكن قال: إنه ورث عقيل عن أبيه أبو طالب فقد مات على الكفر، وعقيل كذلك مات على دين أبيه فورث أباه، والمسلم لا يرث الكافر، إنما الكافر يرث الكافر، والمسلم يرث المسلم، فهو ورث أباه؛ لأنه على دينه، فيقول النبي: (وهل ترك لنا عقيل من رباع)؛ لأنه ورث أباه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وبما ثبت: أن عمر بن الخطاب ﵁ اشترى من صفوان بن أمية داراً بمكة، فجعلها سجناً بأربعة آلاف درهم، وبه قال طاوس وعمرو بن دينار، وذهب إسحاق بن راهويه إلى أنها لا تورث ولا تؤجر، وهو مذهب طائفة من السلف، ونص عليه مجاهد وعطاء، واحتج إسحاق بن راهويه بما رواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عيسى بن يونس عن عمر بن سعيد بن أبي حيوة عن عثمان بن أبي سليمان عن علقمة بن نضلة]. في نسخة: ابن جبير وفي نسخة أخرى حيوة. الأقرب أنها لا تورث ولا تؤجر؛ لأنها وقف، ومن احتاج سكن بدون أجرة، ومن لا يحتاج ارتفع عنها، مثل المسجد الحرام ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥]. قال: [عن علقمة بن نضلة قال: توفي رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، وما تدعي رباع مكة إلا السوائب، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن]. والسوائب هي الشيء المسيب المتروك، فهي متروكة من احتاج إليها سكن ومن لم يحتج أسكن غيره، تسمى السوائب يعني: المتروكة للغاديين والرائحين فمن جاء سكن؛ لأنها وقف. وهذا الحديث كما في الزوائد إسناده صحيح على شرط مسلم، وليس لـ علقمة بن نضلة عند ابن ماجة سوى هذا الحديث، لكن الحديث مرسل عن ابن نضلة، وإذا وجد مرسل آخر يعضده صار حجة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال عبد الرزاق عن ابن مجاهد عن أبيه عن عبد الله بن عمرو أنه قال: لا يحل بيع دور مكة ولا كراؤها]. كراؤها يعني تأجيرها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أيضاً: عن ابن جريج: كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم، وأخبرني أن عمر بن الخطاب ﵁ كان ينهى أن تبوب دور مكة]. يعني: لا يجعل لها أبواب؛ لأنها وقف؛ لأنه لو جعل لها أبواب لن يأتي أحد ويسكن فيها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أيضاً عن ابن جريج: كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم، وأخبرني أن عمر بن الخطاب ﵁ كان ينهى أن تبوب دور مكة؛ لأن ينزل الحاج في عرصاتها، فكان أول من بوب داره سهيل بن عمرو، فأرسل إليه عمر بن الخطاب ﵁ في ذلك، فقال: أنظرني يا أمير المؤمنين! إني كنت امرأ تاجراً، فأردت أن أتخذ بابين يحبسان لي ظهري، قال: فذلك إذاً. وقال عبد الرزاق عن معمر عن منصور عن مجاهد: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا أهل مكة! لا تتخذوا لدوركم أبواباً؛ لينزل البادي حيث يشاء]. البادي: يعني القادم إلى مكة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: وأخبرنا معمر عمن سمع عطاء يقول في قوله: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج:٢٥] قال: ينزلون حيث شاءوا. وروى الدارقطني من حديث ابن أبي نجيح عن عبد الله بن عمرو موقوفاً: (من أكل كراء بيوت مكة أكل ناراً)]. وهذا منقطع، ففيه رجل مبهم، وهو موقوف على عبد الله بن عمرو. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وتوسط الإمام أحمد فيما نقله صالح ابنه فقال: تملك وتورث ولا تؤجر جمعاً بين الأدلة، والله أعلم]. بهذا تكون الأقوال ثلاثة: القول الأول: الشافعي يرى أنها تملك وتورث وتباع وتؤجر. والقول الثاني: إسحاق بن راهويه وجماعة: لا تملك ولا تباع ولا تؤجر ولا تورث ولا تبوب، متروكة للناس. القول الثالث: الإمام أحمد التوسط: وهو أنها تملك وتورث وتباع، ولا تؤجر. فالإمام أحمد جمع بين الأدلة، فالأدلة التي فيها المنع حملها على التأجير، والأدلة التي فيها الجواز حملها على البيع والإرث. ولا شك أن المسألة فيها إشكال وتحتاج إلى جمع النصوص وكلام أهل العلم فيها.

стр. 772

أقوال أهل العلم في قوله تعالى: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]، قال بعض المفسرين من أهل العربية: الباء ههنا زائدة كقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون:٢٠] أي تنبت الدهن، وكذا قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ [الحج:٢٥] تقديره إلحاداً]. وليس معنى زائدة: أنه ليس لها معنى، بل مؤكدة، فالقرآن ليس فيه شيء زائد، بل معناه أنها تفيد التأكيد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذا قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ [الحج:٢٥] تقديره إلحاداً، وكما قال الأعشى: ضمنت برزق عيالنا أرماحنا بين المراجل والصريح الأجرد]. يعني: اللبن الذي لا رغبة له. والشاهد (برزق)، الباء زائدة، يعني: ضمنت رزق عيالنا، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ [الحج:٢٥]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الآخر: بواد يمان ينبت الشث صدره وأسفله بالمرخ والشبهان]. الشاهد: وأسفله بالمرخ، والمرخ شجر معروف تشتعل النار منه. فهي من ناحية الإعراب فقط للتأكيد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والأجود أنه ضمن الفعل هاهنا معنى يهم؛ ولهذا عداه بالباء فقال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج:٢٥] أي: يهم فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار]. يقول: الأولى ألا يقال: الباء زائدة، بل الأولى أن يقال: ضمن الفعل (يريد) بمعنى: يهم، وعلى هذا لا تكون زائدة. فذكر قولين: القول الأول: أن الباء زائدة مؤكدة، والقول الثاني: أنها ليست زائدة، ولكن الفعل (يريد) ضمن معنى يهم، فمعنى ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج:٢٥] ومن يهم فيه بإلحاد، فإذا ضمن الفعل معنى يهم تعدى بالباء. والإشكال في القول الأول، وهو أن يريد لا يتعدى بالباء، فالباء زائدة ومؤكدة. والقول الثاني هو الأولى والأحسن، وهو أن يقال: إن الفعل (يريد) ضمن معنى يهم، والمعنى: (ومن يهم فيه بإلحاد) فمجرد أن يهم الإنسان بالسوء يذقه الله من عذاب أليم. وهذا من خواص الحرم بخلاف غيره؛ فإنما يعاقب إذا فعل السيئة، لكن الحرم إذا هم فيه بالإلحاد أذاقه الله العذاب الأليم. وهل هناك فرق بين الهم والعزم في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ [يوسف:٢٤]، وقوله: (إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)؟ ذكر هذا الباقلاني، وكلامه يحتاج إلى تأمل، ولكن المقصود أن الأصل أن الهم أقل من العزم والتصميم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ((بظلم)) أي: عامداً قاصداً أنه ظلم ليس بمتأول، كما قال ابن جريج عن ابن عباس ﵁: هو التعمد. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: (بظلم) بشرك، وقال مجاهد: أن يعبد فيه غير الله تعالى، وكذا قال قتادة وغير واحد، وقال العوفي عن ابن عباس ﵄: (بظلم) هو أن تستحل من الحرم ما حرم الله عليك من إساءة أو قتل، فتظلم من لا يظلمك، وتقتل من لا يقتلك؛ فإذا فعل ذلك فقد وجب له العذاب الأليم]. في نسخة: وأن تستحل من الحرام، يعني: تستحل الحرام الذي حرمه الله، أو تستحل من الحرم يعني تستحله في الحرام. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال مجاهد: بظلم يعمل فيه عملاً سيئاً، وهذا من خصوصية الحرم أنه يعاقب البادي فيه الشر إذا كان عازماً عليه وإن لم يوقعه، كما قال ابن أبي حاتم في تفسيره حدثنا أحمد بن سنان حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا شعبة عن السدي: أنه سمع مرة يحدث عن عبد الله -يعني: ابن مسعود ﵁ في قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج:٢٥] قال: لو أن رجلاً أراد فيه بإلحاد بظلم وهو بعدن أبين لأذاقه الله من العذاب الأليم]. يعني: ولو كان بعيداً، ولو كان بعدن أبين، والمعروف أنه مكان بعيد عن الحرم، لكن إذا هم وهو في مكان بعيد أذاقه الله العذاب الأليم. والمراد بعدن أبين التي في اليمن، فهناك فرق بينها وبين عدن أخرى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال شعبة: هو رفعه لنا، وأنا لا أرفعه لكم، قال يزيد: هو قد رفعه، ورواه أحمد عن يزيد بن هارون به. قلت: هذا الإسناد صحيح على شرط البخاري، ووقفه أشبه من رفعه؛ ولهذا صمم شعبة على وقفه من كلام ابن مسعود ﵁، وكذلك رواه أسباط وسفيان الثوري عن السدي عن مرة عن ابن مسعود ﵁ موقوفاً، والله أعلم. وقال الثوري عن السدي عن مرة عن عبد الله قال: ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه، ولو أن رجلاً بعدن أبين هم أن يقتل رجلاً بهذا البيت لأذاقه الله من العذاب الأليم، وكذا قال الضحاك بن مزاحم، وقال سفيان الثوري عن منصور عن مجاهد: إلحاد فيه لا والله وبلى والله. وروي عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو مثله. وقال سعيد بن جبير: شتم الخادم ظلم فما فوقه. وقال سفيان الثوري: عن عبد الله بن عطاء عن ميمون بن مهران عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج:٢٥] قال: تجارة الأمير فيه، وعن ابن عمر: بيع الطعام بمكة إلحاد. وقال حبيب بن أبي ثابت: ((وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ)) قال: المحتكر بمكة، وكذا قال غير واحد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن إسحاق الجوهري أنبأنا أبو عاصم عن جعفر بن يحيى عن عمه عمارة بن ثوبان حدثني موسى بن باذان عن يعلى بن أمية: أن رسول الله ﷺ قال: (احتكار الطعام بمكة إلحاد). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير حدثنا ابن لهيعة حدثنا عطاء بن دينار حدثني سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس ﵄ في قوله الله: ((وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ)) قال: نزلت في عبد الله بن أنيس: أن رسول الله ﷺ بعثه مع رجلين: أحدهما مهاجر والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب، فغضب عبد الله بن أنيس، فقتل الأنصاري ثم ارتد عن الإسلام، ثم هرب إلى مكة، فنزلت فيه: ((وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ)) يعني: من لجأ إلى الحرم بإلحاد، يعني: بميل عن الإسلام. وهذه الآثار وإن دلت على أن هذه الأشياء من الإلحاد، ولكن هو أعم من ذلك، بل فيها تنبيه على ما هو أغلظ منها]. فـ أبرهة صاحب الحبشة الذي أتى بالفيل أذاقه الله من العذاب الأليم، وكذلك القرامطة الذين قتلوا الحجاج في القرن الثالث أذاقهم الله عذاباً أليماً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا لما هم أصحاب الفيل على تخريب البيت أرسل الله عليهم طيراً أبابيل ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:٤ - ٥]، أي: دمرهم وجعلهم عبرة ونكالاً لكل من أراده بسوء؛ ولذلك ثبت في الحديث: أن رسول الله ﷺ قال: (يغزو هذا البيت جيش حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأولهم وآخرهم) الحديث]. في الدنيا قبل الآخرة مع ما أعد الله الله لهم في الآخرة. والحاصل: أن الإلحاد فسر بالشرك، وفسر بالعدوان على الناس في الدماء والأموال والأعراض، وفسر أيضاً بظلم الناس بالمعاصي. والعُصاة الذي هم بمكة وانتهكوا حرمة الحرم تقام عليهم الحدود بخلاف من لجأ إلى مكة وجاء من بعيد؛ فإنه لا يقام عليه الحد حتى يخرج من مكة؛ لأن من ارتكب حداً خارج مكة، ثم دخل مكة لاجئاً معظم للحرم، فلا يقام عليه الحد في مكة حتى يخرج خارج الحرم، أما من سرق في مكة فتقطع يده في مكة، ومن زنا يجلد أو يرجم في مكة؛ لأنه هو الذي انتهك حرمة الحرم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن كناسة حدثنا إسحاق بن سعيد عن أبيه قال: أتى عبد الله بن عمرو عبد الله بن الزبير فقال: يا ابن الزبير! إياك والإلحاد في حرم الله؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنه سيلحد فيه رجل من قريش، لو توزن ذنوبه بذنوب الثقلين لرجحت)، فانظر لا تكن هو]. وهذا السند لا بأس به، ولعله عبد الله بن عمرو بن العاص كما سيأتي. وعبد الله بن عمرو بن العاص معروف أنه كان شاباً يتعبد ويصوم الليل ويقوم النهار، وأمره النبي ﷺ أن يخفف على نفسه، واتفق مع النبي ﷺ على أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، فلما كبرت سنه قال: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ . قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أيضاً في مسند عبد الله بن عمرو ب

стр. 773

تفسير سورة الحج [٢٦ - ٣١] الكعبة المشرفة هي أول بيت وضع للناس، ولها من الخصائص ما ليس لغيرها من البيوت، فقد شرفها الله وكرمها وأعتقها ممن يعتدي عليها، وأمر عباده أن يحجوا إليها دون سائر البيوت.

стр. 774

تفسير قوله تعالى: (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت) قال الله : ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٦ - ٢٧]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [هذا فيه تقريع وتوبيخ لمن عبد غير الله وأشرك به من قريش في البقعة التي أسست من أول يوم على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فذكر تعالى أنه بوأ إبراهيم مكان البيت، أي: أرشده إليه وسلمه له، وأذن له في بنائه، واستدل به كثير ممن قال: إن إبراهيم ﵇ هو أول من بنى البيت العتيق، وأنه لم يبن قبله كما ثبت في الصحيح عن أبي ذر ﵁: (قلت: يا رسول الله! أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: بيت المقدس، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة)]. وهذا هو الصوب: أن أول من بنى البيت إبراهيم الخليل ﵊، كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٦]، وكما في هذا الحديث عن أبي ذر أنه سأل النبي ﷺ قال: (يا رسول الله! ما هو أول بيت وضع في الأرض؟ قال: المسجد الحرام، قال: ثم أي؟ قال: بيت المقدس، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة)]. إبراهيم ﵇ هو الذي بنى البيت، وحفيده يعقوب بن إسحاق هو الذي بنى بيت المقدس بعد أربعين سنة، ويعقوب هو إسرائيل حفيد إبراهيم الخليل، وأنبياء بني إسرائيل كلهم ينسبون إلى يعقوب ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران:٩٣] ويعقوب ﵇ هو ابن إسحاق؛ لأن إبراهيم ﵊ رزقه الله ابنين كريمين صالحين أحدهما إسماعيل وهو الأول وأمه هاجر، وهو أبو العرب، ومن سلالته نبينا محمد ﵊. والثاني: إسحاق بعد إسماعيل باثني عشر سنة، أنجبته سارة بنت عمه، وكانت في الأول عقيم لا تلد، ثم رزقها الله في الكبر إسحاق، وإسحاق أنجب يعقوب، ويعقوب هو إسرائيل، ومن سلالته جميع أنبياء بني إسرائيل، وأولهم يوسف وآخرهم عيسى، كل أنبياء بني إسرائيل كلهم من سلالة يعقوب، وأما إسماعيل فمن سلالته نبينا محمد ﵊، فإسماعيل وإسحاق أخوان، وأبناء إسماعيل هم العرب، وأبناء إسرائيل هم أبناء العجم، واليهود والنصارى كلهم من سلالة إسرائيل. بعض الناس يسمي دولة اليهود إسرائيل، ثم يشتم إسرائيل، وهذا لا يجوز؛ لأن إسرائيل نبي كريم، واليهود يودون تسمية إسرائيل، كما أن النصارى يسمون أنفسهم مسيحيين، ووليسوا مسيحيين، فلو كانوا مسيحيين لاتبعوا المسيح، بل هم نصارى كما سماهم الله، واليهود نسميهم يهود ولا نسميهم إسرائيليين، فإسرائيل نبي كريم، والمسيحيين نسبة إلى المسيح، والمسيح نبي كريم وهم ما اتبعوه، ولو اتبعوه لآمنوا به، وآمنوا بمحمد ﷺ ؛ ولذلك هم يسمون أنفسهم المسيحيين، وهذا من الأخطاء الشائعة، بل اليهود اسمهم يهود كما سماهم الله، والنصارى اسمهم نصارى كما سماهم الله في كتابه، ولا نص على أن الله سمى النصارى مسيحيين في الكتاب أو السنة. أما كلمة شيعة، فهو اسم عام يشمل جميع فرق الشيعة، وهم أربعة وعشرون فرقة منهم الرافضة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران:٩٦ - ٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:١٢٥]، وقد قدمنا ذكر ما ورد في بناء البيت من الصحاح والآثار بما أغنى عن إعادته هاهنا]. أي: ذكره في سورة البقرة، قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال تعالى هاهنا: ﴿أَنْ لا تُشْرِكْ بِي﴾ [الحج:٢٦]، أي: ابنه على اسمي وحدي، ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج:٢٦]، قال مجاهد وقتادة: من الشرك، ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:٢٦] أي: اجعله خالصاً لهؤلاء الذين يعبدون الله وحده لا شريك له]. فهذا أمر من الله تعالى لإبراهيم ﵇ أن يبني بيته تعالى على اسم الله وحده. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالطائف به معروف، وهو أخص العبادات عند البيت]. الطائف هو الذي يطوف بالبيت، سواء في الحج أو في العمرة أو طواف تطوع، والطواف معناه الدوران حول الكعبة، وهو عبادة، ويكون سبعة أشواط، والطواف أنواع: طواف العمرة وطواف القدوم في الحج، وطواف الإفاضة وطواف الوداع، وهناك طواف التطوع الذي يفعل في أي وقت وهو غير مرتبط بالحج ولا بالعمرة. والطواف هو أخص العبادات عند البيت؛ لأنه يتعلق بنفس البيت. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فالطائف به معروف، وهو أخص العبادات عند البيت، فإنه لا يفعل ببقعة من الأرض سواها، ﴿وَالْقَائِمِينَ﴾ [الحج:٢٦] أي: في الصلاة؛ ولهذا قال: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج:٢٦]، فقرن الطواف بالصلاة؛ لأنهما لا يشرعان إلا مختصين بالبيت، فالطواف عنده، والصلاة إليه في غالب الأحوال، إلا ما استثني من الصلاة عند اشتباه القبلة وفي الحرب، وفي النافلة في السفر، والله أعلم.

стр. 775

تفسير قوله تعالى: (وأذن في الناس بالحج) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج:٢٧] أي: ناد في الناس داعياً لهم إلى الحج إلى هذا البيت الذي أمرناك ببنائه، فذكر أنه قال: يا رب، وكيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم، فقيل ناد وعلينا البلاغ]. ومعنى لا ينفذهم: من أنفذ ينفذ، يعني: لا يبلغهم، أي: كيف أبلغ الناس، وصوتي لا يبلغهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فقام على مقامه، وقيل على الحجر، وقيل على الصفا، وقيل: على أبي قبيس، وقال: يا أيها الناس! إن ربكم قد اتخذ بيتاً فحجوه، فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض]. وهذا يعني: أن الجبال انخفضت حتى سمع الناس صوت إبراهيم ﵇. قوله: وقيل على الحجر، وليس الحجر؛ لأنه لم يكن يوجد حجر في زمان إبراهيم ﵇، إنما الحجر أخرجته قريش بعد ذلك بمدة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك. هذا مضمون ما روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف، والله أعلم. أوردها ابن جرير وابن أبي حاتم مطولة. وقوله: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧]، قد يستدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الحج ماشياً -لمن قدر عليه- أفضل من الحج راكباً؛ لأنه قدمهم في الذكر، فدل على الاهتمام بهم وقوة هممهم وشدة عزمهم. والذي عليه الأكثرون أن الحج راكباً أفضل؛ اقتداء برسول الله ﷺ ، فإنه حج راكباً مع كمال قوته ﵇]. وهذا هو الصواب، فالحج راكباً هو أفضل؛ لأن النبي ﷺ حج راكباً، وقال: (اللهم حجاً لا رياء فيه ولا سمعة)، فبعض الناس قد يتنطع ويظن أن الحج ماشياً أفضل، والأمر على عكس ذلك، فإن الأفضل ما كان أرفق بالعبد، والحج راكباً أرفق بالإنسان، وهو فعل النبي ﷺ . قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ﴾ [الحج:٢٧] يعني: طريق، كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا﴾ [الأنبياء:٣١]، وقوله: ﴿عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧] أي: بعيد، قاله مجاهد وعطاء والسدي وقتادة ومقاتل بن حيان والثوري وغير واحد. وهذه الآية كقوله تعالى إخباراً عن إبراهيم ﵇ حيث قال في دعائه: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم:٣٧]، فليس أحد من أهل الإسلام إلا وهو حين إلى رؤية الكعبة والطواف، فالناس يقصدونها من سائر الجهات والأقطار]. وكل من جاءه فإنه يشتاق إليه بعد ذلك ويحن إليه، ولا يقضي منه وطراً، وإذا أراد أن ينصرف سأل الله أن يجعل آخر عهده بالبيت، فالمسلم مهما تردد على هذا البيت فإنه يجد في نفسه ميلاً وانجذاباً إليه، وهذا من استجابة الله لدعوة نبيه وخليله إبراهيم ﵇ حين قال: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم:٣٧]. ومحبة هذا البيت تعتبر من الإيمان، وهي تدل على وجود الخير في نفس هذا العبد. وكما سبق وقلنا إن الحج راكباً أفضل من الحج ماشياً، ولكن بعضهم قد يفضل الحج ماشياً ويحتج بقول النبي ﷺ لـ عائشة ﵂: (أجرك على قدر نصبك)، وذلك حين حاضت وهي في الحج أو العمرة. فنقول: إن فعل النبي ﷺ مقدم على هذا، ولا نشك أنه إذا حصل له مشقة فهو مأجور، لكن عليه ألا يتعمد أن يوجد المشقة، فكون الإنسان يؤدي العبادة بارتياح وطمأنينة وراحة أفضل من أن يؤديها بمشقة وأرفق به، والنبي ﷺ ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، وقد أمر الصحابة أن يتحللوا لما أحرموا بالحج مفردين وقارنين، وألزمهم بذلك؛ لأن هذا أرفق بهم، فالأفضل ما كان أرفق بالمتعبد، وعليه ألا يتعمد المشقة، لكن إذا أصابته فهو مأجور.

стр. 776

تفسير قوله تعالى: (ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) قال الله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٨ - ٢٩]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن عباس: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:٢٨]، قال: منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الآخرة فرضوان الله، وأما منافع الدنيا فما يصيبون من منافع البدن والربح والتجارات]. قال في نسخة أخرى: الذبائح بدلاً من الربح، لكن كلمة البدن تكفي عن الذبائح، فالربح أحسن هنا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وكذا قال مجاهد وغير واحد: إنها منافع الدنيا والآخرة، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٩٨]]. وهذا هو الصواب، أنها منافع الدنيا والآخرة، فالحاج يشهد منافع الدنيا والآخرة، فأما منافع الآخرة فإنه يتعلم أمور دينه، يلتقي بإخوانه المسلمين ويستفيد منهم، فكم من حاج استفاد وتعلم صحة في عقيدته، واستقامة في أخلاقه وأعماله، وأما منافع الدنيا فهي ما يحصل من التجارات وغيرها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨]. قال شعبة وهشيم عن أبي بشر عن سعيد عن ابن عباس ﵄: الأيام المعلومات أيام العشر، وعلقه البخاري عنه بصيغة الجزم به]. والقاعدة أن البخاري ﵀ إذا علق بصيغة الجزم فهو صحيح إلى من علقه عنه، ويبقى من فوقه، فيكون صحيحاً عن ابن عباس، فالأيام المعلومات هي أيام عشر ذي الحجة، والأيام المعدودات هي أيام التشريق الثلاثة، يقول تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة:٢٠٣]، فهي أيام التشريق الثلاثة، الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر. والأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة، من اليوم الأول من ذي الحجة إلى نهاية اليوم العاشر، وهي التي أقسم الله بها في قوله : ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:١ - ٢]، على الصحيح من أقوال أهل العلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وروي مثله عن أبي موسى الأشعري ﵁ ومجاهد وقتادة وعطاء وسعيد بن جبير والحسن والضحاك وعطاء الخراساني وإبراهيم النخعي، وهو مذهب الشافعي والجمهور عن أحمد بن حنبل. وقال البخاري: حدثنا محمد بن عرعرة قال: حدثنا شعبة عن سليمان عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: (ما العمل في أيام أفضل منها في هذه قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل يخرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء)، رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة بنحوه. وقال الترمذي: حديث حسن غريب صحيح. وفي الباب عن ابن عمر وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وجابر. قلت: وقد تقصيت هذه الطرق وأفردت لها جزءاً على حده، فمن ذلك ما قال الإمام أحمد ﵀: حدثنا عثمان أنبأنا أبو عوانة عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد)، وروي من وجه آخر عن مجاهد عن ابن عمر بنحوه. وقال البخاري: وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر، فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما. وقد روى أحمد عن جابر مرفوعاًَ: أن هذا هو العشر الذي أقسم الله به في قوله: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:١ - ٢]]. وهذه الأحاديث فيها بيان فضل العمل الصالح في الأيام العشر، والعمل الصالح هنا عام، فيشمل الصلاة والصوم والصدقة، والإحسان إلى الناس بالشفاعة وبالتوجيه، وغير ذلك من الأعمال الصالحة، وذكر هنا من الأمثلة: التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، ولذلك كان ابن عمر وأبو هريرة ﵄ يدخلان السوق فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما، فينبغي إظهار التكبير ورفع الصوت به في الأسواق وفي مجامع الناس، وهذه الأيام العشر هي أفضل أيام العام على الإطلاق، وأما العشر الأواخر من رمضان فلياليها أفضل؛ لأن فيها ليلة القدر. وقد سئل أبو العباس شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه: أيهما أفضل، العشر الأول من ذي الحجة، أو العشر الأواخر من رمضان؟ فأجاب بجواب سديد ﵀ فقال: العشر الأول من ذي الحجة نهارها أفضل؛ لأن فيها يوم عرفة ويوم النحر، فيوم النحر هو أفضل أيام السنة على الإطلاق، وهو يوم العيد، وهو يوم الحج الأكبر، في أصح قولي العلماء، وفيه أعمال عظيمة، كرمي جمرة العقبة، ونحر الهدايا، وفيه حلق الرأس وفيه الطواف بالبيت والسعي، فمعظم أعمال الحج فيه، وهو يوم الحج الأكبر، ثم يليه يوم عرفة. وقال: وليالي العشر الأخيرة من رمضان أفضل؛ لأن فيها ليلة القدر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال بعض السلف: إنه المراد بقوله: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف:١٤٢]، وفي سنن أبي داود: (أن رسول الله ﷺ ، كان يصوم هذه العشر)]. وعلى هذا يكون الصوم مستحباً في أيام العشر؛ لأن بعض الناس يقول: إنه لم يرد الصوم في هذه الأيام العشر، فذكر المؤلف هذا الحديث لـ أبي داود: (أن النبي ﷺ كان يصوم العشر)، وحتى إذا لم يثبت هذا الحديث أو أن النبي ﷺ صام هذه العشر؛ فإن الصوم داخل في العمل الصالح، والنبي ﷺ قد يكون لم يتمكن من صومه لأجل انشغاله بالدعوة وتبليغ الرسالة، ولكن قوله: (العمل الصالح) عام، والصيام من العمل الصالح. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وهذا العشر مشتملة على يوم عرفة الذي ثبت في صحيح مسلم عن أبي قتادة قال: سئل رسول الله ﷺ عن صيام يوم عرفة فقال: (أحتسب على الله أن يكفر به السنة الماضية والآتية)، ويشتمل على يوم النحر الذي هو يوم الحج الأكبر، وقد ورد في حديث أنه أفضل الأيام عند الله. وبالجملة فهذا العشر قد قيل: إنه أفضل أيام السنة، كما نطق به الحديث، وفضله كثير على عشر رمضان الأخير؛ لأن هذا يشرع فيه ما يشرع في ذلك من صلاة وصيام وصدقة، ويمتاز هذا باختصاصه بأداء فرض الحج فيه، وقيل: ذلك أفضل لاشتماله على ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وتوسط آخرون فقالوا: أيام هذا أفضل وليالي ذاك أفضل، فبهذا يجتمع شمل الأدلة، والله أعلم]. وهذا هو الصواب والأرجح، كما فسر هذا أبو العباس بن تيمية، فتبين لنا أن المسألة فيها ثلاثة أقوال لأهل العلم: القول الأول: إن العشر الأول من ذي الحجة أفضل، والقول الثاني: إن العشر الأواخر من رمضان أفضل، والقول الثالث: التوسط، وهو أن أيام العشر الأول من ذي الحجة أفضل، وليالي العشر الأخيرة من رمضان أفضل؛ لأن ليالي العشر الأخيرة من رمضان فيها ليلة القدر؛ ولأن أيام العشر الأول من ذي الحجة فيها يوم النحر ويوم عرفة، فهذا القول الوسط، وهو الأرجح والله أعلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قول ثان في الأيام المعلومات: قال الحكم عن مقسم عن ابن عباس الأيام المعلومات يوم النحر وثلاثة أيام بعده، ويروى هذا عن ابن عمر وإبراهيم النخعي وإليه ذهب أحمد بن حنبل في رواية عنه. قول ثالث: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا علي بن المديني حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا ابن عجلان حدثني نافع أن ابن عمر كان يقول: الأيام المعلومات والمعدودات هن جميعهن أربعة أيام، فالأيام المعلومات: يوم النحر ويومان بعده، والأيام المعدودات: ثلاثة أيام بعد يوم النحر، هذا إسناد صحيح إليه، وقاله السدي وهو مذهب الإمام مالك بن أنس، ويعضد هذا القول والذي قبله قوله تعالى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٢٨] يعني به: ذكر الله عند ذبحها. قول رابع: إنها يوم عرفة ويوم النحر ويوم آخر بعده، وهو مذهب أبي حنيفة، وقال ابن وهب: حدثني ابن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال: المعلومات يوم عرفة، ويوم النحر وأيام التشريق. وقوله: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَ

стр. 777

تفسير قوله تعالى: (ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج:٢٩]، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هو وضع الإحرام، من حلق الرأس ولبس الثياب وقص الأظفار ونحو ذلك، وهكذا روى عطاء ومجاهد عنه، وكذا قال عكرمة ومحمد بن كعب القرظي]. فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج:٢٩]، يعني: يتحلل من إحرامه بأن يحلق رأسه أو يقصره بعد أن يرمي جمرة العقبة ثم يتحلل، وله بعد ذلك أن يقص شاربه وأظفاره، فقوله: ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج:٢٩] يعني: يتنظف بأن يتحلل ثم يتوضأ، وكذلك في العمرة يتحلل إذا طاف وسعى وقصر من شعر رأسه أو حلق، فقضاء التفث يعني: التحلل وإزالة الأوساخ. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال عكرمة عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج:٢٩]، قال: التفث المناسك، وقوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:٢٩]، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني: نحر ما نذر من أمر البدن]. يعني: إذا نذر أن ينحر إبلاً مثلاً، فلابد أن يفي بنذره، فإذا نذر أن يذبح عشراً من الإبل أو خمساً فإنه ينحرها يوم العيد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:٢٩]، نذر الحج والهدي، وما نذر الإنسان من شيء يكون في الحج]. ونحن نعلم أن الوفاء بالنذر عام، لكن هذا المذكور في الآية نذر يتعلق بالحج، فإذا نذر مثلاً أن يذبح في مكة كذا من الإبل أو من البقر أو من الغنم، فيجب عليه أن يفي بنذره هذا؛ لأن الوفاء بالنذر واجب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال إبراهيم بن ميسرة عن مجاهد: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:٢٩]، قال: الذبائح، وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:٢٩]، كل نذر إلى أجل، وقال عكرمة: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:٢٩]، قال: حجهم، وكذا روى الإمام ابن أبي حاتم: حدثني أبي حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان في قوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:٢٩] قال: نذر الحج، فكل من دخل الحج فعليه من العمل فيه الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة وعرفة والمزدلفة ورمي الجمار على ما أمروا به، وروي عن مالك نحو هذا. وقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، قال مجاهد: يعني: الطواف الواجب يوم النحر. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن أبي حمزة قال: قال لي ابن عباس: أتقرأ سورة الحج؟ يقول الله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، فإن آخر المناسك الطواف بالبيت، قلت: وهكذا صنع رسول الله ﷺ ، فإنه لما رجع إلى منى يوم النحر بدأ يرمي الجمرة فرماها بسبع حصيات، ثم نحر هديه، وحلق رأسه، ثم أفاض فطاف بالبيت. وفي الصحيح عن ابن عباس أنه قال: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض)]. وهذا لا شك فيه، فإن الطواف بالبيت هو آخر المناسك، كما في حديث ابن عباس: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف، إلا أنه خفف عن الحائض). وثبت أيضاً عن ابن عباس ﵄ أن الناس كانوا ينفرون في حجة الوداع من كل وجه، فقال النبي ﷺ : (لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت)، فالطواف بالبيت هو آخر المناسك، وهو طواف الوداع، وإذا سافر ولم يرجع فعليه دم عند جمهور العلماء، يذبح في مكة، وإذا أخر طواف الإفاضة إلى وقت السفر كفاه عن طواف الوداع. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، فيه مستدل لمن ذهب إلى أنه يجب الطواف من وراء الحجر؛ لأنه من أصل البيت الذي بناه إبراهيم، وإن كانت قريش قد أخرجوه من البيت حين قصرت بهم النفقة]. وهذا هو الصواب، أنه يجب الطواف من وراء الحجر، وأن من دخل في أثناء الطواف في الحجر، فلا يصح طوافه، كما يفعل بعض الناس الجهلة، فإنك تجده يدخل في بعض الأطوفة بين الحجر والكعبة، وهذا لا يسمى طوافاً؛ لأنه لم يطف بالبيت، فإن جزءاً كبيراً من الحجر -يقال: ستة أذرع ونصف- يعتبر من البيت؛ وذلك أن قريشاً لما بنوا الكعبة حين تصدعت قبيل البعثة، وكان عمر النبي ﷺ حينئذ خمساً وثلاثين سنة، أرادوا أن يبنوها بالمال الحلال، فجمعوا مالاً حلالاً فلم يجدوا مالاً حلالاً يكفي لبناء البيت، فقاموا ببنائه بعدما أنقصوا جزءاً منه، وهو ما يسمى بالحجر. فهذا معنى قول المؤلف: وقصرت بهم النفقة، يعني: قصرت النفقة من الحلال، فلم تكف لبناء البيت. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا طاف رسول الله ﷺ من وراء الحجر، وأخبر أن الحجر من البيت، ولم يستلم الركنين الشاميين؛ لأنهما لم يتمما على قواعد إبراهيم العتيقة]. وإنما استلم ﷺ الركنين اليمانيين، وهما: الركن الذي فيه الحجر الأسود، والركن اليماني الآخر، فهذان الركنان استلمهما؛ لأنهما على قواعد إبراهيم، وأما الركنان اللذان يليان الحجر؛ وهما الشامي والعراقي، فلم يستلمهما؛ لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم. ولهذا ثبت أن معاوية بن أبي سفيان ﵁، طاف بالبيت وجعل يستلم الأركان الأربعة كلها، فأنكر عليه عبد الله بن عباس وقال: لا يستلم إلا الركنان اليمانيان، فقال معاوية ﵁ لـ ابن عباس: يا ابن عباس! أفي البيت شيء مهجور؟ فقال له ابن عباس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، ولم ير النبي ﷺ يستلم إلا الركنين اليمانيين، فقال له: صدقت، فرجع إلى قوله. ولما بنى عبد الله بن الزبير الكعبة في خلافته، وأدخل الحجر فيها، صارت الأركان الأربعة كلها على قواعد إبراهيم، فجعل يستلم الأركان الأربعة كلها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا ابن أبي عمر العدني حدثنا سفيان عن هشام بن حجير عن رجل عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، طاف رسول الله ﷺ من ورائه. وقال قتادة عن الحسن البصري في قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، قال: لأنه أول بيت وضع للناس، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وعن عكرمة أنه قال: إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه أعتق يوم الغرق زمان نوح، وقال خصيف: إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه لم يظهر عليه جبار قط. وقال ابن أبي نجيح وليث عن مجاهد: أعتق من الجبابرة أن يسلطوا عليه، وكذا قال قتادة. وقال حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن بن مسلم عن مجاهد: لأنه لم يرده أحد بسوء إلا هلك]. ولهذا أهلك الله أبرهة الحبشي لما أراده بالسوء، حين جاء من اليمن ومعه الفيلة فأهلكه الله، وجعله عبرة للمعتبرين، وأنزل الله في شأنه سورة تتلى إلى يوم القيامة، وهي سورة الفيل، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:١ - ٥]، نعم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال عبد الرزاق: عن معمر عن الزهري عن ابن الزبير قال: إنما سمي البيت العتيق؛ لأن الله أعتقه من الجبابرة، وقال الترمذي: حدثنا محمد بن إسماعيل وغير واحد، حدثنا عبد الله بن صالح أخبرني الليث عن عبد الرحمن بن خالد عن ابن شهاب عن محمد بن عروة عن عبد الله بن الزبير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه لم يظهر عليه جبار)، وكذا رواه ابن جرير عن محمد بن سهل النجاري عن عبد الله بن صالح به، وقال: إن كان صحيحاً، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ثم رواه من وجه آخر عن الزهري مرسلاً]. ولعل الصواب في السند محمد بن سهل البخاري وليس النجاري ومثلما قال ابن جرير ﵀ عن هذه المعاني لمعنى العتيق، فإن كل هذه المعاني صحيحة، فالعتيق يعني: لقدمه، ولهذا يقول العلماء: الصلاة في المسجد العتيق أفضل من الصلاة في المسجد الج

стр. 778

تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه تهوي به الريح في مكان سحيق) قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣٠ - ٣١]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى: هذا الذي أمرنا به من الطاعات في أداء المناسك، وما لفاعلها من الثواب الجزيل، ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٠] أي: ومن يجتنب معاصيه ومحارمه ويكون ارتكابها عظيماً في نفسه، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج:٣٠] أي: فله على ذلك خير كثير وثواب جزيل، فكما على فعل الطاعات ثواب كثير وأجر جزيل، كذلك على ترك المحرمات واجتناب المحظورات]. فيكون قد جمع بين الأمرين، يعني: الثواب العظيم لمن فعل الطاعات وأدى المناسك، وكذلك من يعظم شعائر الله ويجتنب المحرمات فله أجر، فكما أن لفاعل الواجبات ثواباً، فكذلك تارك المنهيات له ثواب. وقوله تعالى: ((ذَلِكَ)) يعني: يعود إلى ما مضى من أداء المناسك والطواف بالبيت، فيكون معنى الآية: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ﴾ [الحج:٣٠] يعني: من فعل الواجبات فله أجر، وكذلك من ترك المحرمات فله أجر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال ابن جريج: قال مجاهد في قوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٠]، قال: الحرمة مكة والحج والعمرة، وما نهى الله عنه من معاصيه كلها، وكذا قال ابن زيد. وقوله: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [الحج:٣٠] أي: أحللنا لكم جميع الأنعام، وما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام. وقوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [الحج:٣٠] أي: من تحريم: ﴿الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ [المائدة:٣]، الآية، قال ذلك ابن جرير وحكاه عن قتادة. وقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠]، ((مِنَ)) ههنا لبيان الجنس، أي: اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، وقرن الشرك بالله بقول الزور كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]، ومنه شهادة الزور. وفي الصحيحين عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس، فقال: ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت)]. فالشرك بالله أعظم الذنوب، وهو الذنب الذي لا يغفر لمن لقي الله به، وذلك لأنه أظلم الظلم، وأقبح القبيح، حيث أن المشرك صرف محض حق الله الذي لا يستحقه غيره، لمخلوق ضعيف ناقص، فالله تعالى خلق الإنسان، وأوجده من العدم، ورباه بنعمه، وهو الرب العظيم الذي له الصفات العظيمة، وله على عباده النعم الظاهرة والباطنة، فكيف يعبد غيره ، ويصرف الحق إلى غيره، فهذا أظلم الظلم وأقبح القبيح. ثم يليه قتل النفس، فهو من أعظم الذنوب كذلك، ثم عقوق الوالدين. وشهادة الزور ليست أعظم من الشرك، لكن النبي ﵊ كررها، كما ورد في الحديث: (وما زال يكررها، قال: ألا وشهادة الزور ألا وقول الزور، وكان متكئاً فجلس، حتى قال الصحابة ليته سكت) يعني: أنهم خافوا عليه حتى لا يشق على نفسه، والسبب في تكرارها هو أن شهادة الزور الحامل عليها والدوافع إليها كثيرة، فيحمل عليها مثلاً حب المال، ويحمل عليها إرادة منفعة القريب فيشهد له، أو اضرار العدو فيشهد عليه، فالحامل عليها والباعث لها أمور متعددة، فلهذا كررها النبي ﷺ ، وإن لم تكن أعظم الذنوب، فمعلوم أن الشرك أعظم، وقتل النفس أعظم، وعقوق الوالدين أعظم منها في الإثم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد حدثنا مروان بن معاوية الفزاري أنبأنا سفيان بن زياد عن فاتك بن فضالة عن أيمن بن خريم قال: (قام رسول الله ﷺ خطيباً فقال: أيها الناس! عدلت شهادة الزور إشراكاً بالله ثلاثاً، ثم قرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠]). وهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع عن مروان بن معاوية به، ثم قال: غريب، إنما نعرفه من حديث سفيان بن زياد وقد اختلف عنه في رواية هذا الحديث، ولا نعرف لـ أيمن بن خريم سماعاً من النبي ﷺ . وقال الإمام أحمد ﵀ أيضاً: حدثنا محمد بن عبيد حدثنا سفيان العصفري عن أبيه عن حبيب بن النعمان الأسدي عن خريم بن فاتك الأسدي قال: (صلى رسول الله ﷺ الصبح، فلما انصرف قام قائماً فقال: عدلت شهادة الزور الإشراك بالله ، ثم تلا هذه الآية: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج:٣٠ - ٣١])]. وهذان الطريقان وإن كان فيهما خريم بن فاتك وهو مجهول ولم يعرف له سماع عن رسول الله ﷺ إلا إن ذكر الله لقول الزور مقروناً بالشرك بالله يكفي في تحريمه وأنه من أعظم الذنوب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال سفيان الثوري عن عاصم بن أبي النجود عن وائل بن ربيعة عن ابن مسعود ﵁، أنه قال: تعدل شهادة الزور الإشراك بالله، ثم قرأ هذه الآية.

стр. 779

تفسير قوله تعالى: (حنفاء لله غير مشركين به) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾ [الحج:٣١] أي: مخلصين له الدين، منحرفين عن الباطل قصداً إلى الحق، ولهذا قال: ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج:٣١]. ثم ضرب للمشرك مثلاً في ضلاله وهلاكه وبعده عن الهدى، فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الحج:٣١] أي: سقط منها، ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ [الحج:٣١] أي: تقطعه الطيور في الهواء، ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج:٣١] أي: بعيد مهلك لمن هوى فيه، ولهذا جاء في حديث البراء: (إن الكافر إذا توفته ملائكة الموت، وصعدوا بروحه إلى السماء فلا تفتح له أبواب السماء، بل تطرح روحه طرحاً من هناك، ثم قرأ هذه الآية)، وقد تقدم الحديث في سورة إبراهيم بحروفه وألفاظه وطرقه، وقد ضرب تعالى للمشركين مثلاً آخر في سورة الأنعام وهو قوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٧١]]. وقوله: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾ [الحج:٣١] يعني: مخلصين لله، والحنيف: هو المائل المقبل على الله الموحد المخلص عمله لله المعرض عن الشرك، ولهذا وصف الله إبراهيم بذلك في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل:١٢٣].

стр. 780

الأسئلة

стр. 781

صفة قول المأموم (آمين) السؤال متى يقول المأموم آمين في الفاتحة؟ الجواب إذا قال الإمام: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]، عندها يقول الإمام والمأموم جميعاً: آمين، وفي الحديث: (من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له)، وأيضاً جاء في الحديث الآخر: (إذا قال الإمام ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]، فقولوا: آمين)، فهذا يوضح الحديث الأول، وورد في بعض الروايات الأخرى: (إذا قال الإمام: آمين، فقولوا: آمين)، فهذا فيه تقييد لكن الأحاديث الأخرى ليس فيها التقييد بهذا، فالمشروع للمصلي، سواء كان إماماً أو مأموماً، أن يقول: آمين بعد انتهاء الإمام من قوله: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]، وسواء أمن الإمام أو لم يؤمن.

стр. 782

حكم تأخير رمي الجمار إلى آخر أيام التشريق السؤال هل يجوز تأخير رمي الجمار إلى آخر أيام التشريق؟ الجواب يقول العلماء: لو أخر الحاج رمي الجمار إلى اليوم الثالث عشر ورماها بالترتيب قبل غروب الشمس أجزأه، لكن ينبغي للإنسان أن يرمي كل يوم بيومه، فهذا هو الأصل، ولو أخرها إلى الثالث من أيام التشريق ورتبها بأن رمى جمرة العقبة بسبع حصيات، ثم رمى الجمرة الصغرى سبع، ثم الوسطى بسبع، ثم العقبة بسبع عن اليوم الأول، ثم أعاد ورمى الثلاث عن اليوم الثاني ثم رمى عن اليوم الثالث أجزأه، فإن غابت الشمس يوم الثالث عشر فقد فات وقت الرمي، ويستقر الدم في ذمته. فينبغي للإنسان على كل حال أن يقتدي بالنبي ﷺ ، فقد كان يؤدي عباده كل يوم بيومها، فكل يوم له عبادة مستقلة، لكن لو كان الإنسان معذوراً بسبب شدة الزحام ثم أخر يوماً فلا بأس، فإن النبي ﷺ رخص للسقاة والرماة أن يرموا يوماً ولرعاة الإبل أن يرموا يوماً ويدعوا يوماً.

стр. 783

حكم رمي الجمرات ليلاً السؤال هل يجوز الرمي ليلاً؟ الجواب هذه المسألة محل تأمل ففتوى هيئة كبار العلماء بالأغلبية أنه يجوز أن يرمي بالليل؛ لأنه يؤدي العبادة في يومها، والحنابلة وجماعة يمنعون من الرمي ليلاً، وعلى هذا يرميها من الغد، فيرمي عن اليوم الحادي عشر بالترتيب قبل اليوم الثاني عشر.

стр. 784

تفسير سورة الحج [٣٢ - ٣٥] تعظيم شعائر الله علامة على تقوى القلوب، ومن تعظيم شعائر الله تعظيم مناسك الحج وتعظيم حرمة البيت العتيق.

стр. 785

تفسير قوله تعالى: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ * لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٣٢ - ٣٣]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى: هذا ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٢] أي: أوامره، ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، ومن ذلك تعظيم الهدايا والبدن، كما قال الحكم عن مقسم عن ابن عباس: تعظيمها: استسمانها واستحسانها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا حفص بن غياث عن ابن أبي ليلى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٢]، قال: الاستسمان والاستحسان والاستعظام]. فالاستسمان والاستعظام من تعظيم شعائر الله، أي: كونه يختار من الهدي أو من الأضحية السمينة الحسنة الجميلة والعظيمة والكبيرة الجسم، فهذا من تعظيم شعائر الله؛ لأن السمينة كثيرة اللحم، والجميلة تكون محبوبة ومرغوبة، فكل هذا من تعظيم شعائر الله، وتعظيم شعائر الله من تقوى القلوب، أي: أنه دليل على التقوى. فكلما كانت الهدايا والأضاحي أسمن، وأغلى ثمناً، وأكثر لحماً وأعطى للفقراء فهو أفضل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال أبو أمامة بن سهل: كنا نسمن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يسمنون، رواه البخاري. وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (دم عفراء أحب إلى الله من دم سوداوين)]. وهذا الحديث ضعيف. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [رواه أحمد وابن ماجة، قالوا: والعفراء هي البيضاء بياضاً ليس بناصع، فالبيضاء أفضل من غيرها، وغيرها يجزئ أيضاً، لما ثبت في صحيح البخاري عن أنس: (أن رسول الله ﷺ ضحى بكبشين أملحين أقرنين). وعن أبي سعيد: (أن رسول الله ﷺ ضحى بكبش أقرن كحيل، يأكل في سواد وينظر في سواد ويمشي في سواد) رواه أهل السنن وصححه الترمذي، أي: بكبش أسود في هذه الأماكن]. يعني: في عينيه سواد، وفي فمه سواد، وفي رجله سواد، فهو يأكل في سواد، ويطأ في سواد، وينظر في سواد. وفي نسخة أخرى: فحيل، بدلاً من كحيل، أي: كامل الخلقة، وليس بخصي، بمعنى أنه لم تقطع أنثييه، والخصي يجزئ، بل إنه إذا خصي فإنه يكبر ويكون أسمن. فكحيل معناه: كحيل العينين، وفحيل يعني: كامل الخلقة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي سنن ابن ماجة عن أبي رافع ﵁: (أن رسول الله ﷺ ضحى بكبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوءين)، قيل: هما الخصيان، وقيل: اللذان رض خصياهما ولم يقطعهما، وكذا روى أبو داود وابن ماجة عن جابر ﵁: (ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أقرنين أملحين، موجوءين)، والموجوءين قيل هما الخصيين، والله أعلم]. أي أن الموجوء مقطوع الخصيتين، وقيل: هو الذي رض خصيتاه، وهذا يدل على أن الخصي قد يكون أفضل؛ لأن هذا يفيده، فإنه إذا رض خصيتاه أو قطعا سمن. وفي الرواية الأخيرة الصحيح أن نقول: قيل هما الخصيان، وليس الخصيين. وورد أكثر من حديث فيها أن النبي ﷺ ضحى مرة بكبش وأخرى بكبشين؛ فيدل على أن هذا سنة وهذا سنة، فالنبي ﷺ أقام في المدينة عشر سنوات، كل سنة يضحي، إلا في سنة حجة الوداع فإنه حج، فمرة ضحى بكبش، وأخرى ضحى بكبشين موجوءين، فلا مانع من اعتبار كل ذلك سنة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن علي قال: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن، وألا نضحي بمقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ولا خرقاء)، رواه أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي. ولهم عنه قال: (نهى رسول الله ﷺ أن نضحي بأعضب القرن والأذن)]. ومعنى: نستشرف العين والأذن، يعني: ننظر فيهما، ونتأكد من عدم وجود أي عيب فيهما. والشرقاء: هي مقطوعة الأذن أو مخروقة الأذن، أو مقطوعة القرن. حتى العوراء أيضاً لا يضحى بها، ففي حديث البراء بن عازب: (قام فينا رسول الله يخطب ثم قال: أربع لا تجوز في الأضاحي، العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، الهزيلة التي لا مخ فيها). وكذلك أمر أن تكون سليمة العين، والأذن، فلا يكون فيها خرق أو قطع أكثر من النصف، وكذلك القرن إذا كان فيه قطع أكثر من النصف فإن هذا عيب في الأضحية. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولهم عنه قال: (نهى رسول الله ﷺ أن نضحي بأعضب القرن والأذن)، وقال سعيد بن المسيب العضب: النصف فأكثر]. الأعضب: المقطوع النصف من القرن أو الأذن، فإذا كان مقطوع النصف فأكثر فهذا أعضب القرن أو أعضب الأذن، ولا يجزئ. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال بعض أهل اللغة: إن كسر قرنها الأعلى فهي قصماء فأما العضب فهو كسر الأسفل، وعضب الأذن: قطع بعضها، وعند الشافعي: أن التضحية بذلك مجزئة لكن تكره، وقال الإمام أحمد: لا تجزئ الأضحية بأعضب القرن والأذن لهذا الحديث، وقال مالك: إن كان الدم يسيل من القرن لم يجزئ، وإلا أجزأ، والله أعلم. وأما المقابلة فهي التي قطع مقدم أذنها، والمدابرة: من مؤخر أذنها، والشرقاء: هي التي قطعت أذنها طولاً قاله الشافعي والأصمعي، وأما الخرقاء فهي التي خرقت السمة أذنها خرقاً مدوراً، والله أعلم]. والسمة: الوسم، أي: العلامة، وقوله: التي خرقت السمة أي: هي التي عندما توسم يخرقها الوسم، ويكون هذا الخرق مدوراً. وفي التضحية بمقطوعة الأذن خلاف مشهور، والأقرب أنه إذا كان قطع من الأذن أو من القرن أكثر من النصف فأكثر فيجتنب احتياطاً، أما إذا كان أقل من النصف فلا. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن البراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والكسيرة التي لا تنقي)، رواه أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي]. والكسيرة هي الهزيلة: التي لا مخ فيها. والخصي يجزئ؛ لأن فيه مصلحة وهو أنه يسمن إذا خصي. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهذه العيوب تنقص اللحم لضعفها وعجزها عن استكمال الرعي؛ لأن الشاء يسبقونها إلى المرعى فلهذا لا تجزئ التضحية بها عند الشافعي وغيره من الأئمة كما هو ظاهر الحديث]. الشاء تكون فيها هذي العيوب الأربعة: العوراء البين عورها فتسبقها الغنم؛ لكونها لا تبصر، وتسبق إلى المرعى، ولا ترعى الرعي الجيد، فتكون ضعيفة، وكذلك العرجاء البين ضلعها تسبقها الغنم، ولا تستطيع المشي مع الصحاح فيسبقونها إلى العلف، وإلى المرعى الجيد فتكون ضعيفة، والهزيلة التي لا مخ فيها كذلك، والمريضة البين مرضها بسبب المرض تسبقها الغنم، فهذه العيوب تنقصها وتضعفها عن الرعي، فتكون ضعيفة الخلقة هزيلة. وهذا يؤثر على اللحم ويفسده قال المصنف رحمه الله تعالى: [واختلف قول الشافعي في المريضة مرضاً يسيراً على قولين، وروى أبو داود عن عتبة بن عبد السلمى: (أن رسول الله ﷺ : نهى عن المصفرة، والمستأصلة، والبخقاء، والمشيعة، والكسراء)، فالمصفرة قيل: الهزيلة، وقيل: المستأصلة الأذن، والمستأصلة: المكسورة القرن، والبخقاء: هي العوراء، والمشيعة: هي التي لا تزال تشيع خلف الغنم ولا تتبع لضعفها، والكسراء: العرجاء، فهذه العيوب كلها مانعة من الإجزاء، فإن طرأ العيب بعد تعيين الأضحية فإنه لا يضر عيبه عند الشافعي خلافاً لـ أبي حنيفة]. لا يجوز للإنسان أن يشتري الأضحية وفيها هذه العيوب، لكن إذا اشتراها ثم طرأ عليها العيب ففيه خلاف: عند الشافعي تجزئ؛ لأنه عيَّنها، وعند أبي حنيفة لا تجزئ. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد روى الإمام أحمد عن أبي سعيد ﵁ قال: (اشتريت كبشاً أضحي به فعدا الذئب فأخذ الإلية، فسألت النبي ﷺ فقال: ضح به)]. وإذا تعمد قطع الإلية من الأضحية ففي إجزائها نظر، أما لو كان بعدما عينها قطعت الإلية فيجوز، ولا يشتري مقطوعة الإلية، بل يشتري كاملة. وهذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه جابر بن يزيد الجعفي وهو ضعيف جداً. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولهذا جاء في الحديث (أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن)، أي: أن تكون الهدية والأضحية سمينة حسنة ثمينة، كما رواه الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (أهدى عمر نجيباً فأعطي بها ثلاثمائة دينار، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني أهديت نجيباً فأعطيت بها ثلاثمائة دينار أفأبيعها وأشتري بثمنها بدنة، قال: لا، انحرها إياها)]. هو أهداها لله، وللبيت الحرام، أي: قال: هذه هدية تذبح في البلد الحرام لله، فل

стр. 786

تفسير قوله تعالى: (لكم فيها منافع إلى أجل مسمى) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ [الحج:٣٣] أي: لكم في البدن منافع من لبنها، وصوفها، وأوبارها، وأشعارها، وركوبها إلى أجل مسمى، قال مقسم: عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج:٣٣]، قال: ما لم تسم بدناً]. أي: ما لم يعينها. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال مجاهد في قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج:٣٣]، قال: الركوب واللبن والولد، فإذا سميت بدنة أو هدياً ذهب ذلك كله، وكذا قال عطاء والضحاك وقتادة وعطاء الخرساني وغيرهم، وقال آخرون: بل له أن ينتفع بها وإن كانت هدياً إذا احتاج إلى ذلك، كما ثبت في الصحيحين عن أنس ﵁: (أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنة قال: اركبها، قال: إنها بدنة، قال: اركبها ويحك! في الثانية أو الثالثة). وفي رواية لـ مسلم عن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها)، وقال شعبة عن زهير عن أبي ثابت الأعمى عن المغيرة بن أبي الحر عن علي أنه رأى رجلاً يسوق بدنة ومعها ولدها فقال: لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها، فإذا كان يوم النحر فاذبحها وولدها، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٣٣]، أي: محل الهدي وانتهاؤه إلى البيت العتيق وهو الكعبة، كما قال تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥]، وقال سبحانه: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح:٢٥]. وقد تقدم الكلام على معنى البيت العتيق قريباً ولله الحمد، وقال ابن جريج عن عطاء قال: كان ابن عباس ﵄ يقول: كل من طاف بالبيت فقد حل قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٣٣]]. ابن عباس قالوا أنه يرى وجوب التمتع، ويقول: كل من طاف وسعى فقد حل شاء أم أبى، فلا يرى الإفراد ولا يرى القرآن، أي: كل حاج يجب عليه التمتع، فيطوف ويسعى ويتحلل بالعمرة ثم يحرم بالحج. وهذه البدنة لأنها مهداة تذبح هي وولدها، وكلهم يذبحوا لله. وله أن يركبها، وأن يشرب من لبنها؛ لأن اللبن يؤذيها فلا يتركه، بل يشرب ويوزع، وإذا كان لها ولد يأخذ ما فضل عن ولدها.

стр. 787

تفسير قوله تعالى: (ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله) قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج:٣٤ - ٣٥]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يخبر تعالى أنه لم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء على اسم الله مشروعاً في جميع الملل، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ [الحج:٣٤]، قال: عيداً، وقال عكرمة: ذبحاً، وقال زيد بن أسلم في قوله : ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ [الحج:٣٤] أنها مكة لم يجعل الله لأمة قط منسكاً غيرها. وقوله: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج:٣٤]، كما ثبت في الصحيحين عن أنس ﵁ قال: (أتي رسول الله ﷺ بكبشين أملحين أقرنين فسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما). قال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا يزيد بن هارون: أنبأنا سلام بن مسكين عن عائذ الله المجاشعي عن أبي داود - وهو نفيع بن الحارث - عن زيد بن أرقم ﵁ قال: (قلت أو قالوا: يا رسول الله، ما هذه الأضاحي؟ قال: سنة أبيكم إبراهيم، قالوا: ما لنا منها؟ قال: بكل شعرة حسنة، قال: فالصوف؟ قال: بكل شعرة من الصوف حسنة). وأخرجه الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة في سننه من حديث سلام بن مسكين به، وقوله تعالى: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ [الحج:٣٤]، أي: معبودكم واحد وإن تنوعت شرائع الأنبياء ونسخ بعضها بعضاً فالجميع يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له]. الحديث السابق ضعيف جداً، ولا شك أن الأضاحي والهدايا فيها أجر وثواب عظيم، لكن التخصيص بكل شعرة حسنة بهذا الحديث ضعيف. وهي ثابتة بالقرآن كما قال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٧٨] ويكفي العمل بالسنة، فمن عمل بالسنة فله أجر عظيم، وله ثواب كبير، لكن غير مقدر والله أعلم. قال المصنف رحمه الله تعالى: [﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، ولهذا قال: ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ [الحج:٣٤]، أي: أخلصوا واستسلموا لحكمه وطاعته ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج:٣٤]، قال مجاهد: المطمئنين، وقال الضحاك وقتادة: المتواضعين، وقال السدي: الوجلين، وقال عمرو بن أوس: المخبتين: الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا، وقال الثوري: ((وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ)) قال: المطمئنين الراضين بقضاء الله المستسلمين له. وأحسن بما يفسر بما بعده وهو قوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢]، أي: خافت منها قلوبهم]. قوله: المخبتين: تفسيرها الآية التي بعدها وهي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج:٣٥]، فهؤلاء هم المخبتون، وقد خصهم الله بهذا، وهم: الصابرون على ما أصابهم، والمقيمين الصلاة، والمنفقون مما رزقهم الله. قال المصنف رحمه الله تعالى: [﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ [الحج:٣٥]، أي: من المصائب، قال الحسن البصري: والله لنصبرن أو لنهلكن، ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ [الحج:٣٥]، قرأ الجمهور بالإضافة السبعة وبقية العشرة، وقرأ ابن السميفع والمقيمين الصلاة بالنصب]. إذاً: تكون قراءة شاذة إذا كانت خارجة عن قراءة السبعة والعشرة. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وأبو عمرو في رواية عنه: الصلاة بالنصب، وأبو عمرو أحد القراء السبعة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن الحسن البصري ((وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ)) وإنما حذفت النون ها هنا تخفيفاً، ولو حذفت للإضافة لوجب خفض الصلاة، ولكن على سبيل التخفيف فنصبت، أي: المؤدين حق الله فيما أوجب عليهم من أداء فرائضه ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج:٣٥]، أي: وينفقون ما آتاهم الله من طيب الرزق على أهليهم وأقاربهم وفقرائهم ومحاويجهم ويحسنون إلى الخلق مع محافظتهم على حدود الله، وهذه بخلاف صفات المنافقين فإنهم بالعكس من هذا كله كما تقدم تفسيره في سورة براءة].

стр. 788

تفسير سورة الحج الآية [٣٦] الأضحية والهدي من النسك المشروع ذبحه لله ، شكراً للنعمة وتوسعة على الأهل والعيال والفقراء والمساكين. وللأضحية والهدي زمن معلوم وصفة معلومة، فيشترط فيها صفات لا ينبغي أن تخرج عنها، كما يشترط أن تذبح في أيام لا يجوز الذبح في غيرها.

стр. 789

تفسير قوله تعالى: (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله) قال الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج:٣٦]. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى ممتناً على عبيده فيما خلق لهم من البدن وجعلها من شعائره، وهو أنه جعلها تهدى إلى بيته الحرام بل هي أفضل ما يهدى إليه كما قال تعالى: ﴿لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة:٢]. قال ابن جريج قال عطاء في قوله: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٦]]، قال: البقرة والبعير، وكذا روي عن ابن عمر وسعيد بن المسيب والحسن البصري، وقال مجاهد: إنما البدن من الإبل. قلت: أما إطلاق البدنة على البعير فمتفق عليه، واختلفوا في صحة إطلاق البدنة على البقرة على قولين: أصحهما أنه يطلق عليها ذلك شرعاً كما صح الحديث، ثم جمهور العلماء على أنه تجزئ البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة، كما ثبت به الحديث عند مسلم من رواية جابر بن عبد الله قال: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الأضاحي البدنة سبعة والبقرة عن سبعة)، وقال إسحاق بن راهويه وغيره: بل تجزئ البقرة والبعير عن عشرة. وقد ورد به حديث في مسند الإمام أحمد وسنن النسائي وغيرهما فالله أعلم]. الأرجح أنها تجزئ عن سبعة في الأضاحي، وإنما جعلها النبي ﷺ عن عشرة في الغنائم، ففي الغنيمة جعل البدنة عن عشرة من الغنم، أما في الأضاحي والهدايا فالبدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة. وقوله: قال إسحاق بن راهويه وغيره: بل تجزئ البقرة والبعير عن عشرة، الأقرب: أنه تجزئ البقرة عن سبعة والبعير عن عشرة، وهذا الحديث غريب من هذا لوجه. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج:٣٦]، أي: ثواب في الدار الآخرة. وعن سليمان بن يزيد الكعبي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: (ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من إهراق دم، وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأضلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض فطيبوا بها نفساً)، رواه ابن ماجة والترمذي وحسنه. وقال سفيان الثوري: كان أبو حاتم يستدين ويسوق البدن، فقيل له: تستدين وتسوق البدن؟ قال: إني سمعت الله يقول: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج:٣٦]. وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما أنفقت الورق في شيء أفضل من نحيرة في يوم عيد)، رواه الدارقطني في سننه، وقال مجاهد: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج:٣٦] قال: أجر ومنافع، وقال إبراهيم النخعي: يركبها ويحلبها إذا احتاج إليها].

стр. 790

تفسير قوله تعالى: (فاذكروا اسم الله عليها صواف) قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج:٣٦]. وعن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن جابر بن عبد الله قال: (صليت مع رسول الله ﷺ عيد الأضحى، فلما انصرف أتي بكبش فذبحه، فقال: بسم الله، والله أكبر، اللهم هذا عني وعن من لم يضح من أمتي). رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي عياش عن جابر ﵁ قال: (ضحى رسول الله ﷺ بكبشين في يوم عيد فقال حين وجههما: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِين﴾ [الأنعام:١٧٩] ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، اللهم منك ولك عن محمد وأمته، ثم سمى الله وكبر وذبح). وعن علي بن الحسين عن أبي رافع: (أن رسول الله ﷺ : كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين، فإذا صلى وخطب الناس أتي بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية، ثم يقول: اللهم هذا عن أمتي جميعها من شهد لك بالتوحيد، وشهد لي بالبلاغ، ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه ثم يقول: هذا عن محمد وآل محمد فيطعمها جميعاً للمساكين، ويأكل هو وأهله منهما) رواه أحمد وابن ماجة. وقال الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج:٣٦]، قال: قياماً على ثلاث قوائم معقولة يدها اليسرى يقول: باسم الله والله أكبر لا إله إلا الله، اللهم منك ولك. وكذلك روي عن مجاهد وعلي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس ﵄ نحو هذا، وقال ليث عن مجاهد: إذا عقلت رجلها اليسرى قامت على ثلاث. وروى ابن أبي نجيح عنه نحوه، وقال الضحاك: يعقل رجلاً فتكون على ثلاث. وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄: (أنه أتى على رجل قد أناق بدنه وهو ينحرها فقال: ابعثها قياماً مقيدة سنة أبي القاسم ﷺ . وعن جابر ﵁: (أن رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا ينحرون البدن معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها). رواه أبو داود وقال ابن لهيعة: حدثني عطاء بن دينار أن سالم بن عبد الله قال لـ سليمان بن عبد الملك: قف من شقها الأيمن وانحر من شقها الأيسر. وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ في صفة حجة الوداع قال فيه: (فنحر رسول الله ﷺ بيده ثلاثاً وستين بدنة جعل يطعنها بحربة في يده) وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة قال في حرف ابن مسعود: (صوافن) أي: معقلة قياماً. وقال سفيان الثوري عن منصور عن مجاهد: من قرأها صوافن قال: معقولة، ومن قرأها (صواف) قال: تصف بين يديها. وقال طاوس والحسن وغيرهما: (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافِي) يعني: خالصة لله ، وكذا رواه مالك عن الزهري. وقال عبد الرحمن بن زيد: صوافِي: ليس فيها شرك كشرك الجاهلية لأصنامهم. وقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج:٣٦]]. وهذه الآثار تدل على أنه يشرع للمسلم أن يذبح الهدي والأضحية إذا كانت من الإبل قائمة معقولة اليد اليسرى، وهذا هو السنة، وأن يطعنها في الوحدة التي في أصل العنق، فإذا سقطت أجهز عليها، ولما رأى ابن عمر رجلاً ينحر بدنة وهي باركة قال: (ابعثها مقيدة سنة أبي القاسم)، ﵊، وأما البقر والغنم فتذبح على جنبها الأيسر، لكن لو عكس وذبح الإبل باركة والغنم والبقر واقفة أجزأ، لكن خالف السنة. والبدنة توقف على ثلاث والرابعة معقولة.

стр. 791

معنى قوله تعالى: (فإذا وجبت جنوبها) قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله : ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج:٣٦]، قال ابن أبي نجيح عن مجاهد يعني: سقطت إلى الأرض، وهو رواية عن ابن عباس وكذا قال مقاتل بن حيان، وقال العوفي عن ابن عباس ﵄: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج:٣٦]، يعني: نحرت، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ((فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا)) يعني: ماتت، وهذا القول هو مراد ابن عباس ومجاهد: فإنه لا يجوز الأكل من البدنة إذا نحرت حتى تموت وتبرد حركتها، وقد جاء في حديث مرفوع: (ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق)]. هذا الحديث رواه الدارقطني في السنن من طريق سعيد بن سلام العطار عن عبد الله بن بديل عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً، وسعيد بن سلام العطار كذبه أحمد وابن نمير، وضعف البيهقي هذا الحديث في السنن الكبرى. لكن المعنى صحيح، ولهذا قال العلماء: ينبغي للإنسان ألا يعجل في سلخها قبل أن تبرد، فينتظر قليلاً حتى تبرد، ثم يسلخها بعد ذلك، وقد ذكر العلماء: أن من المكروهات: كسر العنق، وسلخها قبل أن تبرد، وأن يحد السكين والحيوان يبصره، أو يذبحها أمام أختها، أو يوجهها إلى غير القبلة، فكل هذه من المكروهات. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد رواه الثوري في الجامع عن أيوب عن يحيى بن أبي كثير عن عن قرافصة الحنفي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال ذلك، ويؤيده حديث شداد بن أوس في صحيح مسلم: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة)]. القِتلة والذِّبحة، والمراد به: الهيئة، والذَبحة والقَتلة: الضربة، والمراد الهيئة وليس الضرب، كما في الحديث: (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته). والشفرة: السكين، ويحدها، أي: حتى تكون أسرع في الذبح وفي إزهاق الروح، وقوله: (وليرح ذبيحته)، أي: يجعلها ترتاح، فإذا حد الشفرة والسكين صارت حادة فتكون أسرع في إزهاق الروح وإراحة الذبيحة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وعن أبي واقد الليثي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه]. ما قطع من البهيمة فحكمه حكم الميتة، كأن قطع الإلية، كما في الحديث: (أن رجلاً قطع إلية فقال النبي ﷺ : ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة)، فلا يحل الحيوان إلا بالذكاة.

стр. 792

معنى القانع والمعتر قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:٣٦]، قال بعض السلف قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج:٣٦]، أمر إباحة، وقال مالك: يستحب ذلك، وقال غيره يجب، وهو وجه لبعض الشافعية]. في الأمر بالأكل منها ثلاثة أقوال: أنه للإباحة أو للاستحباب أو للوجوب، والصواب: أنه للاستحباب وليس بواجب. قال المصنف رحمه الله تعالى: [واختلف في المراد بالقانع والمعتر، فقال العوفي عن ابن عباس ﵄: القانع: المستغني بما أعطيته وهو في بيته. والمعتر: الذي يتعرض لك ويلم بك أن تعطيه من اللحم ولا يسأل، وكذا قال مجاهد ومحمد بن كعب القرظي وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس القانع: المتعفف، والمعتر: السائل، وهذا قول قتادة وإبراهيم النخعي ومجاهد في رواية عنه، وقال ابن عباس وعكرمة وزيد بن أسلم والكلبي والحسن البصري ومقاتل بن حيان ومالك بن أنس القانع: هو الذي يقنع إليك ويسألك، والمعتر: الذي يعتري يتضرع، ولا يسألك. وهذا لفظ الحسن، وقال سعيد بن جبير: القانع هو السائل، ثم قال أما سمعت قول الشماخ: لمال المرء يصلحه فيغني مفاقره أعف من القنوع]. القنوع أي: القانع، وهو السائل. والمعتر أعف من القانع. قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال يغني: من السؤال، وفيه قال ابن زيد، وقال زيد بن أسلم: القانع: المسكين الذي يطوف، والمعتر: الصديق والضعيف الذي يزور، وهو رواية عن ابنه عبد الرحمن بن زيد أيضاً، وعن مجاهد أيضاً، القانع: جارك الغني الذي يبصر ما يدخل بيتك، والمعتر: الذي يعتزل من الناس]. الأقرب أنها: يعتري. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعنه أن القانع: هو الطامع، والمعتر: هو الذي يعتر بالبدن من غني أو فقير، وعن عكرمة نحوه، وعنه القانع: أهل مكة، واختار ابن جرير أن القانع: هو السائل؛ لأنه مِنْ أقنع بيده إذا رفعها للسؤال، والمعتر: من الاعتراء وهو الذي يتعرض لأكل اللحم]. والحاصل: أن هذا فيه خلاف، وقد ذكر الحافظ ﵀ أقوالاً كثيرة في القانع والمعتر، وظاهر الآية: أن القانع: هو الذي يقنع بما يعطى، وقد يكون سائلاً وقد يكون غير سائل، والظاهر أنه غير السائل؛ لأنه يقنع بما يعطى، وقد يكون سائلاً ثم يقنع بما يعطى. والمعتر من الاعترار، وهو الذي يتعرض لأكل اللحم.

стр. 793

تقسيم الأضحية قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد احتج بهذه الآية الكريمة من ذهب من العلماء إلى أن الأضحية تجزأ ثلاثة أجزاء: فثلث لصاحبها يأكله منها، وثلث يهديه لأصحابه، وثلث يتصدق به على الفقراء؛ لأنه تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:٣٦]]. ذهب الحنابلة وجماعة إلى أن الأضحية تجزأ ثلاثة أجزاء، وكذلك العقيقة: ثلث يأكله وأهل بيته، وثلث يهديه، وثلث يتصدق به، وهذا من باب الاستحباب، ولكن لو أكلها كلها فعند الحنابلة: إن أكلها كلها إلا أوقية جاز، والأوقية مقدار قليل، ولو قطعة قصيرة، فإذا تصدق أو أخذ شيئاً منها ولو قطعة صغيرة كفى، وإذا أكلها كلها ضمن بمقدار أوقية يخرجه، وهذا من باب الاستحباب. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي الحديث الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال للناس: (إني كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث فكلوا وادخروا ما بدا لكم)، وفي رواية: (فكلوا وادخروا وتصدقوا)، وفي رواية: (فكلوا وأطعموا وتصدقوا)]. نهى النبي ﷺ عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث من أجل الدافة، وهم الفقراء الذين دخلوا المدينة، ونهاهم أن يدخروا أكثر من ثلاثة أيام حتى يتصدقوا به على الفقراء، ثم بعد ذلك في السنة التي بعدها لما لم يكن هناك فقراء نسخ ذلك، فقال النبي ﷺ : (كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فكلوا وادخروا ما بدا لكم)، وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة إلى أنه: إذا وجد فقراء مثل هؤلاء فلا يجوز الادخار فوق ثلاث؛ لأن الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً، والعلة في النهي عن ادخار لحوم الأضاحي وجود الفقراء، فإذا وجد فقراء في مثل هذه الحال فلا يجوز الادخار فوق ثلاث، بل يجب أن يتصدق على الفقراء وإذا لم يوجد جاز الادخار فوق ثلاث. قال المصنف رحمه الله تعالى: [والقول الثاني: أن المضحي يأكل النصف ويتصدق بالنصف؛ لقوله في الآية المتقدمة: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨]؛ ولقوله في الحديث: (فكلوا وادخروا وتصدقوا)، فإن أكل الكل فقيل: لا يضمن شيئاً، وبه قال ابن سريج من الشافعية، وقال بعضهم: يضمنها كلها بمثلها وقيمتها، وقيل يضمن نصفها، وقيل ثلثها، وقيل أدنى جزء منها وهو المشهور من مذهب الشافعي]. إذا أكلها كلها ولم يترك شيئاً فلم يطعم ولم يتصدق قيل: ليس عليه شيء، وذهب إلى هذا ابن سريج والمالكية، وقال بعضهم: يضمنها كلها، وقيل: يضمن النصف، وقيل: يضمن الثلث، وقيل: يضمن أقل شيء يعني مقدار أوقية، أي قطعة صغيرة، يضمن ثمنها ويتصدق بها على الفقراء، هذا عند الحنابلة؛ لأن الله تعالى أمر بالإطعام وهذا لم يطعم لأنه أكلها كلها فيضمن. والقول بأنه يضمن بعض الشيء هو ظاهر الحديث، وله وجه. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأما الجلود ففي مسند أحمد عن قتادة بن النعمان في حديث الأضاحي (فكلوا وتصدقوا واستمتعوا بجلودها ولا تبيعوها)، ومن العلماء من رخص في بيعها، ومنهم من قال: يقاسم الفقراء ثمنها، والله أعلم]. الصواب: أنه لا يجوز بيع الجلود، لكن له أن يستفيد منها ويستمتع بها، كأن يدبغها ويجعلها قربة، أو يتصدق بها، والنبي ﷺ في حجة الوداع لما نحر من الإبل بيده الشريفة سبعة وثلاثين، ونحر علي ﵁ ما غبر-أي: ما بقي- أمر بها فتصدق بها على الفقراء، وأمر أن يؤتى له في كل واحدة منها ببضعة فطبخت في قدر، فأكل منها وشرب من مرقها ﵊، وأمر أن يتصدق بلحومها وجلالها وجلودها على الفقراء جميعاً. فالجلد: إما أن ينتفع بها، وإما أن يتصدق بها على الفقير، أما أن يبيعه فلا، ولا يقاسمه الفقراء، إما أن يستمتع به أو يدبغه ويجعله قربة، ويتصدق به، أو يهديه. وله أن يعطيها ويجعلها بقصد الهدية؛ لأن الأضاحي يهدى منها، ويتصدق، ويؤكل، فإما أن يهدي الجلد، أو يتصدق به على الفقير، ولا يبيعه. ومثله العقيقة.

стр. 794

بيان وقت الأضحية قال المصنف رحمه الله تعالى: [مسألة: عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله، ليس من النسك في شيء)، أخرجاه]. وهذا الحديث رواه الشيخان، وفيه قوله: (إن أول ما نبدأ به في هذا اليوم)، وهو: عيد الأضحى ويوم النحر، أول ما يبدأ به صلاة العيد ثم يرجع فينحر، والسنة: أن يكون ذبح الأضاحي بعد طلوع الشمس وبعد صلاة العيد في القرى والأمصار، أما في البوادي التي ليس فيها صلاة عيد فبعد طلوع الشمس بمقدار مضي صلاة العيد، أما من ذبح قبل الصلاة فشاته شاة لحم، وعليه أن يعيد. فهذا أبو بردة بن نيار قال البراء بن عازب عنه: (أنه تعجل وذبح قبل الصلاة وقال للنبي: يا رسول الله! تعجلت وذبحت قبل الصلاة، وأعطيت جيراني المحتاجين، فقال النبي ﷺ : شاتك شاة لحم، ولا تجزئ عنك أضحية، فقال: يا رسول الله! إن عندي عناقاً هي أحب إلي من شاتين)، والعناق: هي السخلة الصغيرة التي لم تبلغ سنة، ومن المعلوم أن من المعز لا تجزئ إلا إذا تم لها السنة، وهذه عناق قد يكون لها ستة أشهر أو ثلاثة أشهر لكنها جيدة، قال: (إن عندي عناقاً أحب إلي من شاتين، فقال ﵊: تجزئك ولا تجزئ عن أحد بعدك)، وهذه خصوصية لـ أبي بردة بن نيار: أنه ضحى بجذعة المعز، وأما غيره فلا يجزئ من المعز إلا من تم له سنة، ومن الضأن ما له ستة أشهر، والجذع من الضأن لا بأس، أما المعز فلا يجزئ إلا ما تم له سنة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [فلهذا قال الشافعي وجماعة من العلماء: إن أول وقت الأضحى إذا طلعت الشمس يوم النحر ومضى قدر صلاة العيد والخطبتين، زاد أحمد: وأن يذبح الإمام بعد ذلك]. هذا إذا كان الإمام يذبح في المصلى، وقد كان النبي ﷺ يصلي العيد في صحراء قريبة من البلد ولا يصليها في المسجد النبوي، بل يصليها في صحراء؛ وكذلك صلاة الاستسقاء، ثم بعد ذلك يذبح في المصلى، ولهذا قال: إذا كان يذبح في المصلى فيكون الذبح بعد ذبح الإمام، أما إذا كان لا يذبح في المصلى فيكون بعد صلاة العيد. قال المصنف رحمه الله تعالى: [لما جاء في صحيح مسلم: (وألا تذبحوا حتى يذبح الإمام)]. لم يقع لي في مسلم هذا اللفظ وهو (ولا تنحروا حتى ينحر النبي ﷺ ، وإذا كان الإمام ينحر في المصلى فلا بأس، وقوله: (وأن لا تذبحوا حتى يذبح الإمام)، هذا اللفظ أثبت. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال أبو حنيفة: أما أهل السواد من القرى ونحوهم فلهم أن يذبحوا بعد طلوع الفجر إذ لا صلاة عيد تشرع عنده لهم، وأما أهل الأمصار فلا يذبحوا حتى يصلي الإمام. والله أعلم]. أي: أن صلاة العيد لا تشرع لأهل القرى ولا تشرع إلا لأهل الأمصار الساكنين في البلد، والظاهر أنه قول ضعيف: وهو قول أبي حنيفة ﵀ أنهم يذبحون بعد صلاة الفجر، والصواب: أنه لا يجوز الذبح مطلقاً لا لأهل الأمصار ولا لأهل البوادي إلا بعد ارتفاع الشمس، لكن لأهل القرى يكون بعد الصلاة والخطبتين، وأما أهل البوادي إذا لم يكن عندهم صلاة فبمقدار ارتفاع الشمس وبمقدار مضي صلاة العيد.

стр. 795

الأيام التي يجزئ فيها الذبح قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثم قيل: لا يشرع الذبح إلا يوم النحر وحده، وقيل يوم النحر لأهل الأمصار لتيسر الأضاحي عندهم، وأما أهل القرى فيوم النحر وأيام التشريق بعده، وبه قال سعيد بن جبير. وقيل: يوم النحر ويوم بعده للجميع، وقيل: ويومان بعده وبه قال الإمام أحمد، وقيل: يوم النحر وثلاثة أيام التشريق بعده وبه قال الشافعي لحديث جبير بن مطعم أن رسول الله ﷺ قال: (أيام التشريق كلها ذبح)، رواه أحمد وابن حبان. وقيل: إن وقت الذبح يمتد إلى آخر ذي الحجة وبه قال إبراهيم النخعي وأبو سلمة بن عبد الرحمن وهو قول غريب]. وهذا ضعيف بل لا وجه له، وهو قول غريب. وعند الحنابلة في المذهب: يوم التشريق ويومان بعده، أي: ثلاثة أيام، والصواب: أن أيام الذبح أربعة أيام، يوم العيد وثلاثة أيام بعده، وهي يوم العاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر للحديث: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله ، وأيام التشريق الثلاثة هي: الأيام المعدودات، وكلها أيام أكل وشرب، ويحرم صومها، وهذه الأيام الأربعة هي أيام الرمي في الحج، وكلها أيام ذبح، وكلها يحرم الصوم فيها، فالحكم واحد في الذبح في الأيام الأربعة في الأضاحي والهدايا، وهي أيام أكل وشرب وذكر لله ، فهي أربعة أيام على الصحيح.

стр. 796

سبب تشريع الأضحية قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج:٣٦] يقول تعالى من أجل هذا ﴿سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج:٣٦]، أي: ذللناها لكم، جعلناها منقادة لكم خاضعة إن شئتم ركبتم، وإن شئتم حلبتم، وإن شئتم ذبحتم، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس:٧١] إلى قوله: ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس:٣٥]، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج:٣٦].

стр. 797

الأسئلة

стр. 798

وجوب حضور الولي والزوج عقد النكاح السؤال هل ينعقد النكاح بالكتاب إذا كان الرجل -أي: الزوج- في مكان والولي في مكان آخر؟ الجواب لا ينعقد، والزواج لا بد فيه من أربعة: الولي، والزوج، والشاهدان، إذا كان الزوج بعيداً يوكل من يعقد له الزواج، وإذا كان الولي بعيداً يوكل ولياً آخر يعقد عنه، فللأب أن يوكل أحد أبنائه يزوج بدله.

стр. 799

خصوصية الأمة المحمدية بالغرة والتحجيل وعموم الوضوء لها ولغيرها السؤال هل الوضوء خاص بأمة محمد ﷺ ، أم عام لجميع الأمم، وهل التحجيل خاص بأمته ﷺ ؟ الجواب ظاهره أن الوضوء ليس عاماً، وقد جاء في قصة إبراهيم أنه توضأ وصلى لما مر بملك مصر الكافر، وأخذ زوجته سارة منه فليس خاصاً، لكن الغرة والتحجيل من خصائص هذه الأمة، ولهذا قال النبي: (أعرفهم غراً محجلين).

стр. 800

معنى الصفاح السؤال يقول: في حديث أنس ﵁ الذي في الصحيحين (ووضع رجله ﷺ على صفاحهما)، ما المقصود بالصفاح؟ الجواب صفحة العنق؛ لأنه وضع رجله اليسرى على صفحة الشاة، أي: جعلها على جنبها الأيسر ووضع رجله على صفحة العنق وذبحها بيده اليمنى.

стр. 801

حكم الأضحية عن الولد المتزوج السؤال إذا كنت في بيت مستقل عن والدي وأنا متزوج هل أضحي أم تكفي الأضحية التي ضحى بها والدي عن أهل بيته؟ الجواب كل أهل البيت عليهم ضحية، إذا كنت في بيت مستقل تضحي، وإذا كنت مع والدك فيكفي أضحية واحدة في البيت، وكل أهل بيت عليهم ضحية.

стр. 802

حكم شراء اللحم بنية الأضحية السؤال هل يجوز شراء اللحم بالكيلو بنية الأضحية؟ الجواب لا، فالأضحية لا بد أن تشتري كبشاً له ستة أشهر فأكثر، أو من المعز ما له سنة، أو يشتركوا سبعة في بقرة لها سنتان، أو بعير من الإبل له خمس سنين، هذه الأضحية، أما أن يشتري لحماً فليست هذه أضحية. والعقيقة كذلك لا بد أن تشترى وتذبح كاملة، وليس فيها شرك.

стр. 803

حكم دفع قيمة الهدي للبنك المعتبر عند الحكومة السؤال شخص ذهب في هذا العام إلى الحج وكان في حملة، ولم يتمكن من أن يسوق الهدي في اليوم الأول، ولا طواف الإفاضة، فذهب في اليوم الثاني، وعند دخوله الحرم وجد مكتباً من المكاتب داخل الحرم، فذهب إلى رجل وقال له: إنه لم يسق الهدي، فطلب منه هذا الأخ أن يعطيه مبلغاً وقدره خمسمائة ريال فيأخذها بالهدي، والباقي يتصدق به، فهل عمله هذا صحيح؟ الجواب سوق الهدي معناه: أنه يسوقه من خارج مكة، أما الإنسان المتمتع أو القارن عليه أن يشتري الهدي، وليس عليه أن يسوق الهدي، وسوق الهدي أن يسوقه من بلده، كما ساق النبي ﷺ هديه من المدينة، أو يسوقه من خارج مكة فيذبحه، أما الذي عليه هدي فعليه أن يشتري هدياً ويذبحه، وهذا الأخ الذي دفع إلى رجل خمسمائة ريال ينظر: إن كان دفع إلى البنك المعروف المعتبر عند الحكومة فلا بأس، أما إذا كان دفع إلى غيرهم فلا، والحجاج الآن يدفعون إلى البنك فيشترون الهدي ويذبح عنهم، ويقوم جماعة من أهل العلم على الذبائح في مكة، وهناك بنك التنمية الذي اعتبرته الحكومة فلا بأس أن يدفع له، فيدفع ثلاثمائة أو ثلاثمائة وخمسين على حسب القيمة. أما إذا دفع إلى غيرهم فلا، وهذا الشخص يحتاج إلى أن يسأل شخصياً بنفسه. والبيع والشراء لا يصلح داخل المسجد الحرام، بل يكون خارجه.

стр. 804

حكم إتمام الوضوء بالماء المتساقط من غسل الأعضاء الأولى السؤال أنا أتوضأ من الحنفية ويسقط بعض الماء في إناء: فهل يجوز لي أن أكمل به غسل الرجلين؟ الجواب نعم، لا بأس.

стр. 805

إسماع الملقي رد السلام السؤال هل يجزئ رد السلام بصوت خافت، وهل أكون آثماً على ذلك إن لم يسمع الملقي رد السلام؟ الجواب ينبغي أن تسمعه رد السلام حتى لا يكون في نفسه شيء.

стр. 806

حكم التمييز في القراءة بين القرآن وكتب العلم السؤال هل يجوز قراءة كتب أهل العلم كما يقرأ القرآن؟ الجواب لا، عليه أن يميز بينهما، ولا مانع أن يقرأ قراءة حسنة الصوت، لكن لا يجعلها كقراءة القرآن.

стр. 807

حكم الكفارة في الحلف على شيءٍ ماض السؤال متى يكون الحلف باليمين ليس عليه كفارة؟ الجواب لا يوجد يمين ليس عليها كفارة، فإذا حلف باليمين لا بد من كفارة إلا إذا كانت على شيء ماضٍ يحلف على شيء مضى يظنه أنه حصل، ثم تبين له عدم حصوله فهذا ليس فيه كفارة؛ لأن الكفارة تكون في الشيء المستقبل. فلو حلف أنه ما أعطى فلان الشيء الفلاني، ثم تبين أنه أعطاه فيما مضى فليس عليه شيء، وليس عليه كفارة.

стр. 808

أسباب السعادة السؤال أين توجد السعادة وانشراح الصدر في الدنيا، وما أسباب إجابة الدعاء؟ الجواب في طاعة الله ، وفي توحيد الله وإخلاص الدين له، وأداء ما أوجب الله والانتهاء عما حرم الله والإحسان إلى الناس وبذل المعروف، وكف الأذى، فكل هذا من أسباب السعادة وانشراح الصدر، وكذلك الإكثار من ذكر الله ، وتلاوة القرآن، وحضور مجالس الذكر.

стр. 809

أسباب إجابة الدعاء السؤال يقول هل من كتب لأهل العلم في بيان أسباب السعادة وأسباب إجابة الدعاء؟ الشيخ: من أسباب إجابة الدعاء: حضور القلب، وطيب المطعم، قال النبي لـ سعد: (أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة)، هذا موجود في النصوص، وإذا تأمل الإنسان الآيات من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وجد هذا، ولا أعلم كتاباً خاصاً في هذا.

стр. 810

وجوب محاسبة الإنسان نفسه السؤال ما حكم هذه الورقة التي وضع فيها شبه جدول في طرفها أسئلة هل صليت الفجر اليوم مع الجماعة؟ هل سألت الله الشهادة؟ هل قمت ببر والديك؟ ووضع إشارات كمتابعة له في يومه وليلته لمجموعة من الأعمال الصالحة ولمدة شهر؟ الجواب لا أعلم لهذا أصلاً، لكن الإنسان يحاسب نفسه في كل وقت، وخاصة عند النوم على تقصيره في الواجبات، واستباحة المحرمات ويتوب إلى الله ، أما هذه الورقة ما لها أصل، وفق الله الجميع، ورزق الله الجميع العلم النافع والعمل الصالح.
следующие страницы →