← Сияса и кади

Сияса и кади · id 37051

التعريف بالمصطلح الشريف

ابن فضل الله العمري

Полный текст (320 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

القسم الثاني من الكتاب في عادات العهود والتقاليد والتفاويض والتواقيع والمراسيم والمناشير اعلم أن هذا ينقسم إلى أقسام: أ - فمنها عهود؛ ولا تكون إلا للخلفاء عن الخلفاء والملوك، ولا يكون إلا عن الخلفاء أو الملوك: تكتب لولاة العهد عن المستقلين. فأما من قام من الخلفاء بغير عهد ممن تقدم فإنما يكتب له مبايعة، ومعناها معنى الماجرى الذي يكتب. وأما من قام من الملوك بغير عهد من خليفة ولا ملك متقدم فلم تجر العادة بكتابة مبايعة له. ب - ومنها تقاليد؛ ولا تكون إلا لكفلاء الملك، كأكابر النواب والوزراء ومن كان في معناهما؛ وقد يكون لأكابر قضاة القضاة. فأما عامة القضاة فالواجب أن لا يسمى ما يكتب لهم إلا تفاويض. فأما جمهور من عانى الكتابة في زماننا وما قاربه فعلى تسمية تواقيع، (ونبهنا على هذا لموضع الفائدة فيه). واعلم أنني لا أكتب هذا إلا تفاويض؛ وأما صغار النواب فيأتي ذكرهم في التواقيع إن شاء الله، فاعلم ذلك.

стр. 107

ج - ومنها تواقيع؛ وهي لعامة أرباب الوظائف، جليلها وحقيرها، وكبيرها وصغيرها، حتى النواب اللاحقين بشأو الكبار فمن دونهم. وعندي في هذا نظر: والذي أرى أن يكون لمن لحق بشأو الكبار منهم (تفاويض)، للصغار (مراسيم)، ولأدنى الطبقات منهم (تواقيع) لميزة السيوف على الأقلام؛ وكذلك تجري نسبة التواقيع على ما يكتب في المسامحات والإطلاقات. د - ومنها مراسيم؛ وهي ما يكتب في صغائر الأمور التي لا تتعلق بولاية. ثم المراسيم: منها ما يستفتح بالبسملة، وهو للأهم، وما لا يستفتح بها، وهو لما هو أدنى، كأوراق الجواز في الطرق. ويكتب عن النواب مثل هذا في الإطلاقات من الخزانة العالية، والإهداء، والإسطبلات، وخزائن السلاح، وغير ذلك. ثم إذا فهمت ذلك فأعلم: أولا: العهود أ - عهود الخلفاء عن الخلفاء: لم تجر عادة سلف الفضلاء الكتاب أن يستفتحها بما يذكر، هو: (هذا ما عهد بع عبد الله ووليه فلان أبو فلان، الإمام الفلاني، أمير المؤمنين. عهد إلى ولده (أو إلى أخيه) الأمير السيد الجليل، ذخيرة الدين، وولي عهد المسلمين، أبي فلان وفلان، أيده الله بالتمكين، وأمده بالنصر المبين، وأقر به عين أمير المؤمنين). ثم ينفق كل كاتب بعد هذا على قدر سعته، ثم يقول: (أما بعد، فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويصلي على نبيه سيدنا محمد) ويخطب في ذلك خطبة يكثر فيها التحميد وينتهي فيه إلى سبعة، ثم يأتي بعد ذلك بما يناسب من القول، ووصف فكر الذي يعهد فيمن بعده، ويصف المعهود إليه بما يليق من الصفات الجليلة. ثم يقول: (عهد إليه وقلده بعده جميع ما هو مقلده، لم رآه من صلاح الأمة، ومصالح الخلق، بعد أن استخار الله تعالى في ذلك، ومكث مدة يتدبر ذلك، ويروي فيه فكره وخاطره، ويستشير أهل الرأي والنظر، فلم ير أقوم منه بأمور الأمة ومصالح الدنيا والدين) ومن هذا ومثله، ثم يقال: (إن

стр. 108

المعهود إليه قبل منه ذلك) ويأتي في ذلك بما يليق من محاسن العبارة وأحاسن الكلام. ب - ما يكتب عن الخلفاء للملوك: وطريق القدماء فيه على قريب من هذا النحو؛ وعليه كتب القاضي الفاضل عهدي أسد الدين شيركوه، وابن أخيه الملك الناصر صلاح الدين؛ وهكذا كتب شيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود الحلبي عهدي العادل كتبغا والمنصور لاجين. فأما ابن لقمان فقد استفتح العهد المكتتب للملك الظاهر بيبرس بخطبة، وليس ابن لقمان بحجة، وإنما ذكرناه لكي لئلا يتمسك به من لم يعرف حقائق الأقدار. على أن الفاضل محيي الدين بن عبد الظاهر تبعه فيما كتب به للمنصور قلاوون.

стр. 109

ج - وما يكتب للملوك عن الملوك مثل ولاة العهود والمنفردين بصغار البلاد: فإنه لا تستفتح عهودهم إلا بالخطب. وكلما كثرت التحميدات في الخطب كان أكبر لأنها تدل على عظم قدر النعمة. وللناس مذهبان فيما يكتب للملوك عن الخلفاء من الألقاب: فالأول: أن يكتب (السلطان، السيد، الأجل، الملك الفلاني، العالم، العادل) مع بقية ما يناسب من الألقاب المفردة والمركبة. والثاني: فعلى أن يكتب لهم: (المقام الشريف أو الكريم أو العالي) مجردا عنهما، ويقتصر على المفردة دون المركبة. وأنا إلى رأي الأول أجنح، وعليه أعمل. د - وأما ما يكتب عن الملوك لأولياء العهود والمفردين بصغار البلاد فيكتب لهم: (المقام الشريف أو الكريم أو العالي) مجردا عنهما، ويقتصر على المفردة دون المركبة. على أن في هذا ضابطا كان في القديم وهو أنه لا يكتب لملك إلا ما كان يلقب به من ديوان الخلافة بالنص من غير زيادة ولا نقص. ثانيا: التقاليد وأما التقاليد فلا تستفتح إلا بالخطب بـ (الحمد لله) وليس إلا؛ ثم يقال بعدها: (أما بعد)؛ ثم يذكر ما يسنح من حال الولاية وحال المولى وحسن الفكر فيمن يصلح، وأنه لم ير أحق من ذلك المولى، ويسمى، ثم يقال ما يفهم أنه هو المقدم الوصف أو المتقدم إليه بالإشارة، ثم يقال: (رسم الأمر الشريف، العالي، المولوي، السلطاني، الملكي، الفلاني) ويدعى له أن يقلد كذا، أو أن يفوض إليه كذا؛ والأول، أجل، ثم يوصي بما يناسب تلك الولاية مما لا بد منه، تارة جماليا، وتارة تفصيليا. وينبه فيه على تقوى الله تعالى، ثم يختم بالدعاء للمولى بالإعانة، أو التأييد، أو

стр. 110

المزيد، أو التوفيق، أو ما يجري هذا المجرى. ثم يقال: (وسبيل كل واقف عليه العمل به بعد الخط الشريف أعلاه). ولفضلاء الكتاب في هذا أساليب، وتفنن كثير الأعاجيب، وكل مألوف غريب. ومن طالع كلامهم في هذا وجد ما قلناه، وتجلى له ما أبهمناه. والتقاليد يقال في عنوانها: (تقليد شريف لفلان بكذا). ثالثا: التفاويض وأما التفاويض فهي من هذا النمط، غير أنه لا يقال بعد الخطبة إلا (وبعد فإن) ولا يقال (يقلد)، وتكون أخصر من التقاليد. ويقال في تعريفها: (تفويض شريف لفلان بكذا). رابعا: التواقيع وأما التواقيع فهي على هذا الأنموذج؛ وقد يقال فيها: (أن يفوض) وقد يقال: (أن يرتب) و (أن يقرر)؛ وعنوانها: (توقيع شريف لفلان بكذا). وقد تستفتح التواقيع بـ (الحمد لله) نحو ما تقدم، وقد تستفتح بقول: (أما بعد حمد الله). وقد تستفتح بقول (أما بعد فإن). وقد تستفتح بقول: (إن أولى ما كان كذا) أو ما هذا معناه. وقد تستفتح بقول: (من حسنت طرائقه، وحمدت خلائقه) أو ما هذا معناه. وقد تستفتح بقول: (رسم بالأمر الشريف) بالألقاب السلطانية الكاملة، و (الحمد لله) أكبرها، و (رسم بالأمر الشريف) أصغرها، وما بينهما على الترتيب.

стр. 111

ومن استصغر من المولين لا يدعى له في آخر توقيعه، ولا يقال في آخر التواقيع على اختلافها: (وسبيل كل واقف عليه) بل يقال: (فليعتمد ما رسم به فيه بعد الخط الشريف أعلاه). خامسا: المراسيم وأما المراسيم فعلى هذا النحو، وينتهي في أقلها إلى: (رسم بالأمر الشريف، زاده الله شرفا) من غير إطالة. فأما ما هو عن النواب في الإطلاقات فلا يكتب فيه إلا (العالي) خاصة، مجردة عن (الشريف) فاعلم ذلك. واعلم أن شيخنا شهاب الدين محمود الحلبي - تغمده الله - قسم مقدار التحميدة أو التوقيع تقسيما لا أرضاه؛ والذي أراه اختصار مقدار التحميدة التي في الخطبة والخطب مطلقا، وإطالة ما بعد ذلك، والإطناب في الوصايا، اللهم إلا لمن جل قدره، وعظم أمره، فإن الأولى هي الاقتصار في الوصايا على أهم الجمليات؛ ويعتذر في الاختصار بما يعرف من فضله، ويعلم من علمه، ويوثق به تجربته، ومن هذا ومثله. والكاتب في هذا كله بحسب ما يراه، ولكل واقعة مقال يليق بها، ولملبس كل رجل قدر معروف لا يليق به غيره. وفي هذا غنى لمن عرف، وكفاية لمن علم.

стр. 112

سادسا: المناشير أما المناشير فهي ما يكتب للأمراء والجند بما يجري في أرزاقهم من ديوان الإقطاع؛ وشأنه شأن ما تقدم، إلا أن المناشير أخصر، ولا وصايا فيها، ولا إطناب في مقاصد للكتاب يستوفيها. ومن كان مؤهلا لأن يكتب له تقليد كان منشوره من نوعه، ومن دون ذلك إلى أدنى الرتب من النسبة. إلا أنه لا يقال: (رسم بالأمر الشريف) وإنما العادة الجارية في المصطلح أن يقال: (خرج الأمر الشريف) سواء كان أثناء المنشور أو ابتداءا. ويكتب لكل ذوي الطبلخانات وأدناها من له أربعون طواشيا بـ (الحمد لله)، ولذوي العشرات ومن لا يبلغ حد أدنى الطلبخانات: (أما بعد الحمد لله). ويكتب لمقدمي الحلقة وجندها: (وخرج الأمر الشريف) ابتداءا. والمناشير لا يكتب في أواخرها المستند، ويكتب فيها كاتب الإنشاء إلى أن ينتهي إلى قوله: (أن يجري في إقطاعه) ثم يكتب نص ما كتب به من ديوان الإقطاع، وهو ديوان الجيوش، إلى أن

стр. 113

يكلمه، ويلتزم تاريخ المربعة الجيشية التي كتب على حكمها، لما يترتب على ذلك من المحاسبات. وثم فائدة تعلم، وهي أن الأمير إذا رسم له بزيادة أو تعويض نظر: فإذا كان من ذوي الألوف أو من قاربهم كتب له: (أما بعد حمد الله)، وإن كان من ذوي الطلبخانات الصغار فمن دونهم حتى جند الحلقة كتب له: (خرج الأمر الشريف). فأما إذا انتقل الأمير من إقطاع إلى غيره كتب له على العادة نحو ما ذكرناه أولا كأنه مبتدءا. الطغرى التي تكون بين الطرة والبسملة وقد جرت العادة أن تكتب للمناشير الكبار - كمقدمي الألوف والطلبخانات - طغرى بالألقاب السلطانية، تكون فوق وصل بياض فوق البسملة. ولهذه الطغراوات رجل مفرد لعملها وتحصيلها بالديوان. فإذا كتب الكاتب منشورا أخذ من تلك الطغراوات واحدة وألصقها فيما كتب به، فاعلم ذلك. في مقادير قطع الورق وأما مقادير قطع الورق الذي يكتب فيه فللعهود: القطع الكامل بقلم مختصر الطومار، وللتقاليد قطع الثلثين وقطع النصف بقلم الثلث الكبير، وللتفاويض وكبار التوقيع والمراسيم: قطع النصف وقلم الثلث الخفيف، ولما دون ذلك من التواقيع والمراسيم: قطع الثلث وقلم التوقيعات، ثم لما دون ذلك: قطع العادة وقلم الرقاع. وهكذا حكم المناشير في الترتيب. وهذا منتهى تصل إليه، وتفصيل لائق قس عليهن وبالله التوفيق.

стр. 114

وأما المستندات فقد تقدم أن المناشير لا يكتب في آخرها المستند؛ وأما التواقيع والمراسيم والمربعات والكتب فإنها يبين فيها سبب ما كتب به؛ وأما ما كان مستند شاهده بتلقي (نائب السلطة الشريفة) فإنه يكتب ما صورته: (بالإشارة العالية، الكافلية، الفلانية، أعلاها الله تعالى)، وأما ما كان شاهده بتلقي (أمير آخور) فإنه يكتب: (برسالة الجناب العالي، الأميري، الفلاني، أمير آخور الفلاني، ضاعف الله نعمته)؛ وأما ما كان شاهده بتلقي (الدودار) فإنه يكتب: (برسالة المجلس السامي، الأميري، الفلاني، أيده الله تعالى). وأما ما كان شاهده بتلقي صاحب ديوان الإنشاء الشريف فإنه يكتب: (حسب المرسوم)؛ وأما ما كان شاهده بتلقي صاحب ديوان الإنشاء والموقعين بدار لعدل فإنه يكتب (حسب المرسوم الشريف من دار العدل)؛ وأما ما كان شاهده من (ديوان الخاص الشريف) أو من ديوان الجيوش المصرية فيقال: (حسب المرسوم الشريف) ثم يقال فيه: (من ديوان كذا). وهذا شيء كان في المراسيم المربعة لا غير، وكان الذي يكتب في ديوان الإنشاء بما يتلقى عنهم يقال فيه: (حسب المرسوم الشريف) لا غير، كما يقال فيما يتلقاه صاحب ديوان الإنشاء، فأوجب في هذا الوقت أن يكون هذا الضابط في الجميع ليعرف المستند في الوقت الحاضر من غير تأخير. وموضع كتابة المستند في التواقيع التي على ظهور القصص على الجانب الأيمن من الورقة، بين السطرين الأول والثاني، وفي البقية بعد التاريخ.

стр. 115

وأما أوراق الطريق فإنها لا يكتب فيها إلا: (حسب المرسوم الشريف) لا غير، وموضعها من ورقة لطريق موضعها من التواقيع التي على القصص، والله الموفق.

стр. 116

الوصايا جملة من الوصايا التي تذكر في العهود والتقاليد والتفاويض والتواقيع والمراسيم وهذا باب كبير، وللقلم فيه سبح طويل. ولو تكلفنا استيعاب الوصايا لألزمنا تكليف ما لا يطاق، وإنما تقدم منها المهم، ونأتي بالجوامع كالتبصرة للناظر، والتنبيه للغافل؛ ومن كان ذا خاطر تفجرت له ينابيعه، وجرت له شعابه. ١ - عهود الخلفاء إلى ولاة العهود وإلا الملوك، وعهود الملوك من الملوك، وكل ذلك في طبقة تتقارب؛ والوصية فيها: بتقوى الله وإقامة حدوده، والشرع الشريف وتشييد عقوده، والوفاء بعهوده، وأخذ مال الله بحقه، وصرفه في مستحقه، والاجتهاد على الجهاد، وحسن النظر للأمراء والأجناد، وطوائف العرب والتركمان والأكراد، وغزو أعداء الله برا وبحرا، وقصدهم حيث كانوا بعدا وقربا، ورعاية الرعايا وعمارة البلاد، وتأمين الجواد، وإضافة المهابة التي تقشعر لها عصب الفساد، وعمارة المعاقل والقلاع والحصون والثغور، وحماية الأطراف والمواني، وجمع كلمة الأمة، واستعباد القلوب بالإحسان،

стр. 117

وإقامة منار العدل والإنصاف، والأخذ من الظالم للمظلوم، وللضعيف من القوي، وتأمين الحرمين وبيت المقدس الذي هو ثالث المساجد التي تشد إليها الرحال؛ وإقامة موسم الحج في كل عام، وتجهيز السبيل على أكمل العوائد، وإجراء ضرائح الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - على أكمل ما يكون من الإكرام، والتوقير والاحترام، ورعاية من فيها من القومة والخدام، وتحرير معايير النقود والمعاملات، والتأني في ارتياد الأكفاء للولايات، وتقديم الأحق فالأحق، والوصية بذرية من يموت أبوه في موقف جهاد أو موضع خدمة، وببقايا أرباب البيوت، وصرف وجوه الصدقات والمرتبات التي أجرتها الملوك لذوي الاستحقاق - ما لم يكن مانع - وإجراء جهات الأوقاف على اختلافها في مجاريها، وصرفها في مصارفها، وعلى حكم شرط واقفها؛ وإذا بلغ الرأي المشورة استشار فيه واجتهد، وله رأيه. وليقم البريد وينصب له عيونا تأتيه بالأخبار، وتستنطق له ألسنة تشافهه بالأنباء. ولا يزال للأحوال متفقدا، وللأمور متعهدا، يبدأ بالأهم فالأهم، ويقدم الأولى فالأولى، ويحسن في كل أمر فعلا وقولا. وليكن في هذا كله بقوة من غير عسف، ولين من غير ضعف، وأناتا لا يتراخى بها مدد الإمهال، ولا تؤدي عواقبها إلى الإهمال). وغير هذا في هذا ومثله من كل ما يقال. ٢ - وصية نائب سلطة: (يوصى بتقوى الله وتنفيذ الأحكام الشرعية، ومعاضدة حكامها، واستخدام السيوف لمساعدة أقلامها، وتفقد العساكر المنصورة وعرضها، وإنهاضهم لنوافل الخدمة وفرضها، والتخير للوظائف، وإجراء الأوقاف على شرط كل واقف، والملاحظة الحسنى للبلاد وعمارة أوطانها، وإطابة قلوب سكانها، ومعاضدة مباشري الأموال مع عدم عما ألف من عدل هذه الأيام الشريفة وإحسانها، وتحصين ما لديه، وتحسين كل ما أمره إليه، واستطلاع الأخبار والمطالعة بها، والعمل بما يرد عليه من المراسيم المطاعة والتمسك بسببها؛ وأنه مهما أشكل عليه يستضيء فيه بنور آرائنا العالية فهو يكفيه، ومن قتل من الجند أو مات وخلف ولدا يصلح لإقطاعه يعين

стр. 118

له ليقوم بمخلفيه، ويقال من هذا ليقوم بتمام الغرض ويوفيه). ٣ - وصية وزير: (يوصي بتقوى الله فإن عليه رقيب، وإليه أقرب من كل قريب، فليجعله أمامه، وليطلب منه لكل ما شرع فيه تمامه؛ وليجل رأيه في كل ما تشد الدولة أزرها، وتسند إليه ظهرها؛ وليجعل العدل أصلا يبني على أسه، والعمل في أموره كلها لسلطانه لا لنفسه؛ وليدع منه الغرض جانبا، وحظ النفس الذي لا يبدو إلا من العدو وليصدق من دعاه صاحبا؛ وليبصر كيف يثر الأموال من جهاتها، وكيف يخلص بيوت الأموال - بالاقتصار على الدراهم الحلال - من شبهاتها؛ ولينزه مطاعم العساكر المنصورة عن أكل الحرام فإنه لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا يرى به من العين إلا ما يحرم الهجوع؛ وليحذر من هذا فإن المفاجئ به كالمخاتل؛ وليتجنب إطعام الجند منه فإن آكل الدرهم الحرام ما يقاتل؛ وليحسن كيف يولي ويعزل، ويسمن ويهزل، وعليه بالكفاة الأمناء، وتجنب الخونة وإن كانوا ذوي غناء؛ وإياه والعاجز، ومن لو رأى المصلحة بين عينيه رأى بينه وبينها ألف حاجز؛ وليطهر بابه، ويسهل حجابه، ويفكر فيما بعد أكثر مما قرب: مقدما للأهم فالأهم من المصالح، وينظر إلى ما غاب عنه وحضر نظر المماسي والمصابح؛ ولا يستبدل إلا بمن ظهر لديه عجزه أو ثبتت عنده خيانته؛ ولا يدع من جميل نظره من صحت لديه كفايته، أو تحققت عنده أمانته؛ وليسلك أقصد الطرق في أمر الرواتب التي هي من صدقاتنا الشريفة وصدقات من تقدم من الملوك، وهي إما لمن وجب له حق وإن كان غنيا أو عرف صلاحه وهو صعلوك؛ وكذلك ما هو لأيتام الجند الذين ماتوا على الطاعة، وأمثالهم ممن خدموا دولتنا القاهرة بما استطاعه: فإن غالب من مات منهم لم يخلف لهم إلا ما نسمح لهم به من معروف، ونجريه لهم من جار هو أنفع من كثير مما يخلفه الآباء للأبناء من المال المتملك والوقف الموقوف؛ وليصرف اهتمامه إلى استخلاص

стр. 119

مال الله الذي نحن أمناؤه، وبه يشغل أوقاته وتمتلي كالإناء آناؤه؛ فلا يدع شيئا يجب لبيت المال المعمور من مستحقه؛ ولا يتسمح في تخلية شيء منه كما أننا نوصيه أنه لا يأخذ شيئا إلا بحقه؛ وليبقي لأيامنا الزاهرة تواقيعه ذكرا لا يفنى، وبرا لا يزال ثمره الطيب من قلمه يجنى، ليكون من رياح دولتنا التي تغتنم ما يثيره من سحابها المطير، وحسنات أيامنا التي ما ذكرنا وذكر معنا فيها إلا وقيل: نعم الملك ونعم الوزير!). ٤ - وصية نائب القلعة: (وعليه بحفظ هذه القلعة التي زفت إليه عقيلتها الممنعة، وجلبت عليه سافرة دونها السماء بالسحب مقنعة، وسلمت إليه مفاتيحها - وخواتيم الثريا أقفال - وأوقدت إليه مصابيحها - وقناديل البروق لا تشب لقفال؛ فليبدأ بعمارة ما دعت الحاجة إليه من تجديد أبنيتها، وتشييد أفنيتها، وشد عقودها، وعد ما لا يحصى في الذخائر من نقودها، وتنبيه أعين رجالها والكواكب قد همت برقودها، والأخذ بقلوب من فيها وتدارك بقية ذمائهم وتلافيها، وجمعهم على الطاعة، وبذر الإحسان فيهم إذا عرف أرضا تزكو فيها الزراعة، والتمادي لهم: فرب رجال تجزى عن عدة سنين في ساعة، وتحصين هذا الحصن المنيع بما يدخر في حواصله، ويستمد بعمارة البلاد المختصة به من واصله، وما يكون به من المجانيق التي لا ترقى عقاربها، ولا توقى منها أقاربها، ولا ترد لها مضارب، ولا يكف عن زباني زبانيتها كل ضارب، ولا يخطي سهمها، ولا يخفا بين النجوم نجمها، ولا يعرف ما في صندوقها المقفل، من البلاء المرسل، ولا في فخذها المشمر الساق عن النشاط الذي لا

стр. 120

يكسل؛ وغيرها من الرايات التي في غيرها لا تشد، ولسوى خيرها لا تعد، وما يرمى فيها من السهام التي تشق قلب الصخر، ويبكي خنساء كل فاقدة على صخر؛ وكذلك قسي اليد التي لا يد بها ولا قبل، وكنائن السهام التي كم أصبح رجل وبه منها مثل الجبل، وما يصان من العدد واللبوس، ويعد للنعم وللبوس، وما يمد من الستائر التي هي أسوار الأسوار، ولمعاصم عقائل المعاقل منها حلى سوى كل سوار، وهي التي تلاث لثمها على مباسم الشرفات، وتضرب حجبها على أعالي الغرفات؛ وسوى هذا مما تعتصم به شوامخ القلال، ويتبوأ به مقاعد للقتال، فكل هذا حصله وحصنه، وأحسبه وحسنه، وأعد منه في الأمن لأوقات الشدائد، واجر فيه على شأو من تقدم وزد في العوائد؛ وكن من هذا مستكثرا، وله على ما سواه مؤثرا، حتى لا تزال رجالك مطمئنة الخواطر، طيبة في غلق القلوب ما عليها إلا السحب المواطر، واعملوا بإعادة القلاع في غلق أبواب هذه القلعة وفتحها، وتفقد متجددات أحوالها في مساء كل ليلة وصبحها، وإقامة الحرس، وإدامة العسس، والحذار ممن لعله يكون قد تسور أو اختلس، وتعرف أخبار من جاورك من الأعداء حتى لا تزال على بصيره، ولا تبرح تعد لكل أمر مصيرهم، وأقم نوب الحمام الذي قد لا تجد في بعض الأوقات سواه رسولا، ولا تجد غيره مخبرا ولا سواه مسؤولا، وطالع أبوابنا العالية بالأخبار، وسارع إلى ما يرد عليك منها من ابتداء وجواب، وصب فكرك كله إليها وإلى ما تتضمنه من الصواب).

стр. 121

٥ - وصية أستادار: (وليتفقد أحوال الحاشية على اختلاف طوائفها، وأنواع وظائفها، وليرتبها في الخدمة على ما يجب، وينظر في أمورهم نظرا لا يخفى معه شيء مما هم عليه ولا يحتجب؛ وليبدأ بمهم السماط المقدم الذي يقدم، وما يتنوع فيه من كل مطعم، وما يمد منه في كل يوم بكرة والعصر، وما يستدعى معه من الطوارئ التي لا يحدها الحد ولا يحصرها الحصر، وأحوال المطبخ الكريم الذي منه ظهور تلك المخافي، ووفاء ذلك الكرم الوافي، والتقدم إلى الأمناء والمشرفين فيه بأمانة الإنفاق، وصيانة المآكل مما يعاب على الإطلاق؛ ثم أمر المشروب وما تغلق عليه أبواب الشراب خاناه السعيدة من لطائف مأكول ومشروب، وشيء عزيز لا يوجد إلا فيها إذا عز المطلوب، ومراجعة الأطباء فيما تجري عليه قوانينها، وتشب لطبخه من جمر اليواقيت كوانينها، وإفراز ما هو للخاص الشريف منها وما هو للتفرقة، وما لا يصرف إلا بخط الطبيب ولا يسلم إلا إلى ثقة؛ ثم (الطست خاناه) السعيدة التي هي خزانة اللباس،

стр. 122

وموضع ما نبرز به من الزينة للناس، وما يحتاج إليه من آلات التطبيب، وما يعين لها من الصابون وماء الورد والطيب، وغير ذلك من بقية ما هي مستقره، ويؤخذ منها مستدره، ومن يستخدم بها ممن بريء من الريب، وعرف بالعفاف والأدب، وعلم أنه من أهل الصيانة، وعلى ما سلم إليه ومن خالطته الأمانة؛ ثم (الفراشخاناه) وما ينصب فيها من الخيام، وما يكون فيها من فرش سفر ومقام، وشمع يفضض كافور كافوريته آبنوس الظلام؛ ثم غلمان الإسطبل السعيد والنجابة، وإن كان إلى سواه استخدامهم، ولدى غيرهم مستقرهم ومقامهم، لكنهم ما خرجوا من عديده، ولا يروقهم ويروعهم إلا حسن وعده وخشن وعيده؛ ثم المناخات السلطانية وما بها من جمال، وما يسرح فيها من مال وجمال، ومن يستخدم فيها من (سيروان) و (مهمرد) وما فيها من قطار مزدوج وفرد؛ فيوفر لهذه الجهة نصيبا من النظر يشاهد أمورها وقد غابت في الأقطار، وتفرقت كالسحب يلزمها القطار القطار؛ وليكونوا على باله فإنهم يسرقون ذرة الكحل من العين ومعهم الذهب العين محملا بالقنطار، فليحسن منهم الارتياد، وليتخير أرقهم أفئدة فإنهم بكثرة ملازمتهم للإبل مثلها حتى في غلظ الأكباد. وطوائف المعاملين، والأبقار ومن عليها من العاملين، وزرائب الغنم

стр. 123

وخولتها ورعائها، وأصناف البيوت الكريمة وما تطلبه في استدعائها، ونفقات الأمراء المماليك السلطانية في إهلال كل هلال، وما يصرف في كساويهم على جاري عادتهم أو إذا دعت إليه ضرورة الحال، وما يؤخذ عليه خطه من وصولات تكتب؛ واستدعاآت تحسب من لوازمه وهي للكثرة لا تحسب؛ فليكن لهذا كله مراعيا، ولأموره واعيا، ولما يجب فيه دون ما لا يجب مستدعيا أو إليه داعيا؛ وهو كبير البيت وإليه يرجع أمر كل مملوك ومستخدم، وبأمره يؤخر من يؤخر ويقدم من يقدم، ومثله يتعلم منه ولا يعلم، وعصاه على الكل محمولة على الرقاب، مبسوطة في العفو والعقاب، ومكانه بين أيدينا حيث نراه ويرانا ولدينا قاب قوسين أو أدنى من قاب. وعليه بتقوى الله فبها تمام الوصايا وكمال الشروط، والأمر بها فعصاه محكمة وأمره مبسوط، وكل ما يناط بنا: من خاصة أمورنا في بيتنا - عمره الله ببقائنا وزاد تعميره - بتدبيره منوط). ٦ - وصية مقدم المماليك: (وليحسن إليهم، وليعلم أنه واحد منهم ولكنه مقدم عليهم، وليأخذ بقلوبهم إقامة المهابة التي يخيل إليهم بها أنه معهم وخلفهم وبين يديهم، وليلزم مقدم كل طبقة بما يلزمه عند تقسيم صدقاتنا الجارية عليهم: من ترتيب الطباق، وإجراء ساقية جارية من إحساننا إليهم ولا ينس السواق؛ وليكن لأحوالهم متعهدا، ولأمورهم متفقدا، وليستعلم أخبارهم حتى لا يزال منها على بصيرة، وليعرف ما هم عليه مما لا

стр. 124

يخفى عليه فإنهم إن لم يكونوا له أهلا فإنهم جيرة، وليأمر كلا منهم ومن مقدميهم والسواقين بما يلزمهم من الخدمة، وليرتبهم على حكم مكانتهم منا فإن تساووا فليقدم من له قدمة، وليعدل في كل تفرقة، وليحسن في كل عرض ونفقة، وليفرق فيهم ما لهم من الكساوى ويسبل عليهم رداء الشفقة، وليعد منهم لغابنا المحمي سباعا تفترس العادية، وليجمل النظر في أمر الصغار منهم والكبار أصحاب الطبقات العالية، وليأخذهم بالركوب في الأيام المعتادة، والدخول إلى مكان الخدمة الشريفة والخروج على العادة، وليدرهم في أوقات البياكر والأسفار نطاقا دائر الدهليز المنصور، وليأمرهم أمرا عاما بأن لا يركب أحد منهم إلا بدستور ولا ينزل إلا بدستور، وليحترز عليهم من طوائف الغلمان، ولا يستخدم منهم إلا معروفا بالخير ويقيم عليه الضمان، وليحرر على من دخل عليهم وخرج، ولا يفسح لأحد منهم إلا من علم أنه ليس في مثله حرج، ولا يدع للريبة بينهم مجالا للاضطراب، وليوص مقدميهم بتفقد ما يدخل إليهم فإن الغش أكثره من الطعام أو الشراب، وليدم مراجعتنا في أمرهم فإن بها يعرف الصواب، وليعمل بما نأمره به ولا يجد جوى في جواب). ٧ - وصية أمير آخور: (وليكن على أمل ما يكون من إزاحة الأعذار، والتأهب لحركاتنا الشريفة في ليل كان أو نهار، مقدما الأهم فالأهم من الأمور، والأبدأ فالأبدأ من تقديم مراكبنا

стр. 125

السعيدة وتهيئة موكبنا المنصور، وترتيب ذلك كله على ما جرت به العوائد، وتحصيل ما تدعو الحاجة إليه على قدر الكفاية والزوائد، والنظر في جميع إسطبلاتنا الشريفة، والجشارات السعيدة، وخيل البريد، والركائب المعدة لقطع كل مدى بعيد، وما يجتمع في ذلك وينقسم، وما يركب منها ويجنب مما يسم الأرض بالبدور والأهلة من كل حافر ومنسم، وما هو برسم الإطلاق، وما يعد لمماليك الطباق، وخيل التلاد، وما يجلب من وقود كل قبيلة من القبائل ويجيء من كل بلد من البلاد، والمشترى مما يباع من المواريث ويستعرض من الأسواق، وما يعد للمواكب وللسباق، ولجل رأيه في ترتيب ذلك كله في مراتبه على ما تقتضيه المهمات، والاحتراز في التلاد مما لعله يبدل ويقال هو هذا أو يؤخذ بحجة أنه مات؛ وليجتهد في تحقيق ما نفق؛ وليحرره على حكم ما يتحقق عنده لا على ما اتفق، وكذلك ليكن فحصه عمن يستخدم عنده من الغلمان، ولا يهمل أمورهم مع معاملتهم بالإحسان، ولا يستخدم إلا من تشكر سيرته في أحواله، وتعرف خبرته فيما يراد من أمثاله؛ وكذلك الركابة الذين تملك أيديهم أعنة هذه الكرائم، والتحرز في أمرهم ممن لعله يأوي إليهم من أرباب الجرائم، والأوشاقية الذين هم مثل مماليكه وهم في الحقيقة إخوانه، وجماعة المباشرين الذين هم في مباشرة الإسطبلات السعيدة ديوانه، وكل هؤلاء يلزمهم بما يلزم أمثالهم من السلوك، ويعلمهم ما يجب عليهم أن يتعلموه من خدمة الملوك، ولا يسمح لأحد منهم في أمر يفضي إلى إخلال، ولا يقتضي فرط إدلال، وليقم أودهم بالأدب فإن الأدب ما فيه إذلال؛ وكل هؤلاء الطوائف ممن يتجنب العامة مخالطتهم لما طار في أيام من تقدم على أمثالهم من سوء السمعة، ويتخوف منهم السرعة، فليكن لهم منك أعظم زاجر، ومن شكي إليك منهم فسارع إلى التنكيل به وبادر، وأشهر من فعلك بهم ما يوجب منهم الطمأنينة، ولا يعود أحد بعده يكذب يقينه،

стр. 126

وأمراء أخورية الذين هم أتباعكن وبهم يمتد باعك، هم بحسب ما تجعلهم بصدده، وما منهم إلا من يقدر أن يتعدى حده في مقام قدمه وبسط يده، فاجعل لكل منهم مقاما معلوما، وشيئا تجعل له فيه تحكيما؛ وتثمين الخيول المشتراة والتقادم قومها بأهل الخبرة تقويم عدل، وقل الحق ولا يأخذك فيه لوم ولا عذل، وما يصرف من العليق برسم الخيول السلطانية ومن له من صدقاتنا الشريفة عليق، مر بصرفه عند الاستحقاق واضبطه بالتعليق، وتصرف في ذلك كله ولا تتصرف إلى تصرف شفيق؛ وصنه بأقلام جماعة الديوان ولا تقنع في غير أوقات الضرورة برفيق عن رفيق؛ وكذلك البراسيم السنوية أصلا وزيادة، ولا تصرف إلا ما نأمر به وإلا فلا تخرج فيه عن العادة؛ ونزلاؤك من أمراء العربان عاملهم بالجميل، وزد في أخذ خواطرهم ولو ببسط بساط الأنس لهم فما هو قليل، لتضاعف رغبتهم في كل عام، وليستدلوا ببشاشة وجهك لهم على ما بعده من الأنعام؛ وبغال الكوسات السعيدة والأعلام المنصورة، وأبغال الخزانة العالية المعمورة، اجعلها من المهمات المقدمة، والمقدمات لنتائج أيام النصر المعلمة، ورتبتها في مواقفها، وأتمها أتم ما يكون من وظائفها، فبها تثبت مواقف العسكر المنصور، وإليها يأوي كل مستظل ورحى الحرب تدور، وغير ذلك من قماش الإسطبلات السعيدة من الذهب والفضة والحرير، وكل قليل وكثير، باشره مباشرة من لا يتخلى، وأحصه خرجا ودخلا، وإياك والأخذ بالرخص، أو إهمال الفرص، أو طلب فائت جرم أهملته حتى نكص). ٨ - وصية والي حرب: (وهو يعلم ما علق بذمته من أمر الجمهور، وقبل فيه قوله من ستر المهتوك وهتك المستور، وما يجمه سواد البلد من غثاء السيل، وما يغطي عليه دجى الليل من الويل، فليجعل هذا منه ببال، وليسترفع أوراق الصباح حتى لا يخفى عليه ما تستره

стр. 127

سود الليال؛ وليخمد نوائر العامة فإنها أطير شرارا من النيران، وليزعهم بهيبة السلطان فإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. ونحن نوصيه أن لا يغلق بابا مفتوحا ولا يفتح بابا مغلقا، ولا يقتل عقربا يمكن كف شرها بالرقا؛ وليتتبع المفسدين لإقامة ما أمر الله من الحدود، وليراجع الشرع الشريف إذا أبهم عليه المقصود، وليتغافل عمن تستر بداره في جنح الليالي الأثائث، وليعقم نسل الخمر فإنها أم الخبائث، وليرق ما ظفر به من أجلابها، وليؤدب تجارها وبئس التجار ويبالغ في آدابها، ولينصب الأرصاد على من دخل من أبواب المدينة أو أتى البيوت من غير أبوابها، وكذلك أختها في مخامرة العقل، وشقيقتها في التأديب، إن لم يكن الحد لعدم النقل؛ وهي الحشيش التي يعرف آكلها دون الناس بعينه، وتقضيه من سكر المدام ما فاته من دينه، وتبدو صفراء في وجهه سوداء في جسمه خضراء في فمه حمراء في عينه، مثلما تجريه الضرب المبرح من دمه فإنها طالما حسنت لأهلها الشهوات، وأعطته طعم المر وهي نبات، طال ما طلبها هي وأختها الخمر إبليس واستدعاها، وأخرج بها لسوائمه الضالة ماءها ومرعاها؛ وليخلص من الحقوق ما رفع إليهن ويطالب به من مطل به وقد أوجبه الحق عليه، ولينتقد أرباب الزغل نقد الصيارف لزيفهم المردود، وليقم عليهم السياسة إذا لم تمض عليهم الحدود؛ وليتفقد الحبوس في كل حين، ويتعرف أحوالها ليعرف ما يفعله عن يقين؛ وليستعد لطوارئ المهمات، وعوادي الملمات، ولا يبيت كل ليلة إلا وهو متأهب لإطفاء كل نار، وإخماد كل لهب وأولها نار الفتن وما يطير فيها من شرار، وإن وقع والعياذ بالله حريق في قطر من أقطار المدينة يعجل إليه البدار، ويعجل بهدم أبنيته وهدم ما حوله حتى لا يؤخذ الجار بالجار؛ وليكن عنده من طوائف السقايين والقصارين من لا يجد في خوض الماء مشقه، ولا تطول عليه شقه، ولا يرى جدارا دبت في أحشائه النار إلا ويطفئ بما عنده من الماء ما عنده من الحرقة؛ والحذر ممن في بابه فإنه لا دواء لدائهم العضال، ولا استقامة لمن حاد منهم

стр. 128

وحاد إلا بأخذ الروح والمال؛ ونحن منه بمرأى ومسمع، فليتق الله وليحذرنا ففي هذا وهذا الخير أجمع). ٩ - وصية أتابك المجاهدين: (وأنت ابن ذلك الأب حقيقة، وولد ذلك الوالد الذي لم تعمل له إلا من دماء الأعداء عقيقة؛ وقد عرفت مثله بثبات الجنان، وصلت بيدك ووصلت إلى ما لم يصل إليه رمح ولا قدر عليه سنان، ولم يزاحمك عدو إلا قال له: أيها البادي المقاتل كيف تزاحم الحديد، ولا سمي اسمك لجبار إلا قال له: ﴿وجاءت سكره الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد﴾؛ وأنت أولى من قام بهذه الوظيفة، وألف قلوب هذه الطائفة التي ما حلم بها الحالم إلا وبات يرعد خيفة، فليأخذ هذا الأمر بزمامه؛ وليعمل لله ولإمامه، وليرم في حب البقاء الدائم بنفسه على المنية، ولينادم على معاقرة الدماء زهور سكاكينه الحنية. واطبع منهم زبرا تطاول السيوف بسكاكينها، وتأخذ بها الأسود في عرينها، وتمتد كأنها آمال لما تريد، وترسل كأنها آجال ولهذا هي إلى كل عدو أقرب من حبل الوريد؛ وأذك منهم شعلا إذا دعيت لأحسابها لا تجد إلا متحاميا، وارم منهم سهاما إذا دعيت بأنسابها الإسماعيلية فقد جاء أن إسماعيل كان راميا؛ وفرج بهم عن الإسلام كل مضيق، واقلع عن المسلمين من العوانية كل حجر في الطريق؛ وصرف رجالك الميامين، وتصيد بهم فإنهم صقور ومناسرهم السكاكين؛ واخطف بهم الأبصار فبأيمانهم كل سكينة كأنها البرق الخاطف، واقطف الرؤوس فإنها ثمرات أينعت لقاطف، واعرف لهم حقهم وضاعف لهم تكريما، وأدم لهم بنا بر عميما، وقدم أهل النفع منهم فقد قدمهم الله ﴿وفضل الله المجاهدين

стр. 129

على القاعدين أجرا عظيما﴾ - واعلم أنها مثل الوحوش فزد في تأنسهم، واشكر إقدامهم فطالما اقتحموا على الملوك وما هابوا يقظة حرسهم، وارفع بعضهم على بعض درجات في نفقات تسافيرهم وقعود مجلسهم، ولا تسو بينهم فما هم سواء و ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم﴾. وأصل هذه الدعوة ما زالت تنتقل بالمواريث حتى انتهت إلينا حقوقها، وأومضت بنا حيث خلعت هياكلها بجرعاء الحمى بروقها؛ والله تعالى يوفقه ويرشده، ويطول باعه لما قصرت عنه سواعد الرماح ووصلت إليه يده). ١٠ - وصية أمير مكة المعظمة: (وليعلم أنه قد ولي حيث ولد بمكة في سرة بطحائها، وأمر عليها ما بين بطن نعمانها إلي فجوة روحائها، وأنه قد جعل له ولاية هذا البيت الذي به تم شرفه، وعلت غرفه، وعرف حقه له أبطحه ومعرفه، إذ كان أولى ولاة هذا الحرم بتعظيم حرماته، وسرور جوانبه بما يلوح من البشر على قسماته، ولأنه أحق بني الزهراء بما أبقته له آباؤه، وألقته إليه من حديث قصي جده الأقصى أنباؤه؛ وهو أجدر من طهر هذا المسجد من أشياء ينزه أن يلحق به فحش عابها، وشنعاء هو يعرف كيف يتتبعها وأهل مكة أعرف بشعابها. فليتق راية هذه الولاية باليمين، وليتوق ما يتخوف به ذلك البلد الأمين،

стр. 130

وليعلم أنه قد أعطى الله عهده وهو بين ركن ومقام، وأنه قد بايع الله، والله عزيز ذو انتقام، وليعمر تلك المواطن، ويعم ببره المار والقاطن، وليعمل في ذلك بما ينجث عنه نجاره، ويأمن به سكان ذلك الحرم الذي لا يروع حمامه فكيف جاره، ولينصت إلى اسمه حيث يعلن به الداعي على قبة زمزم في كل مساء وليعرف حق هذه النعمة، وليعامل من ولي عليهم بما يليق أن يعامل به من وقف تحت ميزاب الرحمة؛ وقد أكد موثقه والله الله في نقضه، ومد عليه يده والحجر الأسود يمين الله في أرضه، وليتبصر أين هو فإن الله قد استأمنه على بيته الذي بناه، وسلمه إليه في بمشعره الحرام ومسجد خيفه ومناه؛ وإنه البيت المقصود: وكل من تشوق حمى ليلى فإنما قصده أو لعلع بلعلع فإنما عناه؛ وفي جمعه يجتمع كل شتيت، وفي ليالي مناه يطيب المبيت، وبمحصبه تقام المواسم، وتفتر الثغور البواسم، وتهب من قبل نعمان الرياح النواسم، وفي عقوة داره محط الرحال في كل عام، ومقر كل ذات عود تجذب بقلع وعوذ تقاد بزمام، وإليه تضرب الرجال البراري والبحار، وتأتيه الوفود على كل قطار يحدى من الأقطار؛ وكل هؤلاء إنما يأتون في ذمام الله بيته الذي من دخله كان آمنا، وإلى محل ابن بنت نبيه الذي يلزمه من طريق بر الضيف ما أخذ لهم وإن لم يكن ضامنا. فليأخذ بمن أطاع من عصى، وليردع كل مفسد ولا سيما العبد فإن العبد لا يزجره إلا العصان وليتلق الحجاج بالرحب والسعة، فهم زواره وقد دعاهم إلى

стр. 131

بيته وإنما دعاهم إلى دعة؛ وليتلق المحمل الشريف والعصائب المنصورة، وليخدم على العادة التي هي من الأدب مع الله معنى ومعنا صورة؛ وليأخذ بخواطر التجار فإنهم سبب الرفق لأهل هذا البلد وتوسعة ما لديهم، والمستجاب فيهم دعوة خليله إبراهيم - صلوات الله عليه - إذ قال: ﴿واجعل أفئدة من الناس تهوي إليه﴾، ولا تتحيف أموالهم بغرامة يقل بها الغنم، ولا بظلامة فإنه بإبراز هذا البيت الذي يرد دونه من اراد فيه إلحادا بظلم؛ ولينظر كيف حبس دونه الفيل، وليكف عادية من جاوره من الأعراب حتى لا يخاف ابن سبيل؛ وليقم شعائر الشرع المطهر، وأوامر أحكامه التي قامت بأبويه: بحكم جده سيدنا محمد ﷺ وسيف أبيه حيدر؛ وليأمر طوائف الأشراف وأشياعهم وسائر أهل موالاتهم وأتباعهم بلزوم ما كان عليه صالح السلف وما عليه الإجماع، وتجنب ما كانت الزيدية قد زادت فيه وكف الأطماع؛ وليتق الله فإنه مسئول لديه عما استرعاه وقد أصبح وهو له راع؛ وإياه أن يتكل على شرف بلده، فإن الأرض لا تقدس أحدا، أو شرف محتده، فإن يوم القيامة لا ينفع فيه ولد والدا ولا والد ولدا). ١١ - وصية أمير المدينة المشرفة: (فكمل بتقوى الله شرفك، واتبع في الشريعة الشريفة سلفك؛ وكتاب الله المنزل؛ أنتم أهل بيت فيكم تنزل، وسنة جدكم سيدنا رسول الله ﷺ لا تهمل، وهي مجدكم المؤثل، ومعرفة حق من مضى عنكم، وإلا فعمن تنقل، ومنكم، وإلا فممن تؤمل؛ وإزالة البدع وإلا فلأي شيء سيوفكم تصقل، ولماذا رماحكم تعدل؛ والرافضة وغلاة الشيعة هم دنس من انتمى إلى هذا البيت الشريف بولائه، وسبب وقوف من يقصد الدخول تحت لوائهن فهم وإن حسبوا من أمداده، ليسوا - وحاشى نوره الساطع - إلا من المكثرين لسواده؛ أرادوا حفظ المودة في القربى فأخلوا، وقصدوا تكثير عددهم فقلوا، وأنف من هو بريء من سوء مذهبه من أن يتظاهر بالولاء فيعد في أهل البدع بسببهم، مع أنهم طمعوا في رضى الله فأخطأتهم المطامع، وصحيح أنهم

стр. 132

زادوهم عددا إلا أنها كزيادة الشغياء أو كزيادة الأصابع. فصمم عزمك على ما عاهدت الله عليه من رفع أيدي قضاتهم، ومنعهم هم ومن اتبع خطوات الشيطان في سبيل مرضاتهم، وحذرهم مما لا يعود معه على أحد منهم ستر يسبل، ولا يبقى معه لغير السيف حكم يقبل؛ فمن خاض للسلف الصالح يم ذم أغرق في تياره، أو قدح فيهم زناد عناد أحرق بناره؛ وألزم أهل المدينة الشريفة بكلمة السنة فإنها أول ما رفعت بتلك المواطن المعظمة أعلامها، وسمعت في تلك الحجرة المكرمة أحكامها، مع تعفيه آثار ما ينشأ على هذه البدعة من الفتن حتى لا ينعقد لها نقع مثار، وتوطئة أكناف ذلك الحمى لئلا يبقى به لمبطل في مدارج نطقه عثار؛ والوصية بسكان هذا الحرم الشريف ومن ينزل به من نزيل، ويجاور به مستقرا في مهاد إقامة أو مستوفزا على جناح رحيل، ومن يهوي إليهم من ركائب، ويأوي إليهم من رفقة مالت من نشوات الكرى بهم راقصات النجائب، ومن يصل من ركبان الآفاق، وإخوان نوى يتشاكون إليهم مر الفراق، ومن يتلاقى بها من طوائف كلهم في بيوت هذا الحي عشاق، وأمم شتى جموعهم من مصر وشام ويمن وعراق، وما يصل معهم في مسيل وفودنا، وسبيل جودنا، ومحاملنا الشريفة التي ينصب لنا بها في كل أرض سرير، وأعلامنا التي ما سميت بالعقبان إلا وهي إليها من الأشواق تطير؛ فمتى شعرت بمقدم ركابهم، أو برقت لك عوارض الأقمار من سماء قبابهم، فبادر إلى تلقيهم، وقبل لنا الأرض في آثار مواطيهم، وقم بما يجب في طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ وطاعتنا، وأخرج عنهم كل يد ولا تخرجهم عن جماعتنا. وأهل البادية هم حزبك الجيش اللهام، وحربك إذا كان وقودها جثث وهام، وهم قوم لهم يؤدبهم الحضر، ولا يبيت أحد منهم لأنفته على حذر؛ فاستجلب بمداراتك قلوبهم الأشتات؛ وبادر حبال إبلهم النافرة قبل البتات، وترقب مراسمنا

стр. 133

المطاعة إذا ذرت لك مشارقها، وتأهب لجهاد أعداء الله متى لمعت لك من الحروب بوارقها، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولولا أن السيف لا يحتاج إلى حلية لأطلنا حمائل ما نمليه عليك، فما شهد للشريف بصحة نسبه، أزكى من عمله بحسبه؛ والله تعالى يقوي أسبابك المتينة، ويمتع العيون بلوامعك المبينة، ويمسك بك ما طال به إرجاف أهل المدينة). ١٢ - وصية ناظر الحرمين: (وليعلم أن نظره في هذا البيت المقدس نظير نظره في البيت المحرم، وأن تذممه بضريح الخليل إبراهيم ﵊ مثل تذممه بقبر ابنه سيدنا محمد ﷺ ، وأنه إذا أم القدس كان تشبيها بقصد مكة إذا يمم، وإذا زم المطايا إلى عين سلوان كان كمن زم إلى زمزم، وإذا زار بلد الخليل كان مثل من زار طيبة إلا أنه ما أسبل فاضل برده ولا تلثم، وإذا علا نشزا من جبال الأرض المقدسة كان كأنما علا جبال الحجاز وإن لم تحد ركائبه بأحد ولا ألم يلملم. فليباشر هذا النظر بعين لا تمل من النظر، ولا تخل بمصالح يوفي بها النذر من نذر، وليتعهد هذين الحرمين الشريفين متعهدا لأوقافهما تعهد المطر، وليتردد في أكنافهما وليتفقد دوام إسعافهما بما وصلت إليه طاقته وما قدر، وليقم وظائفهما أتم القيام، وليدم عوارفهما التي تعم من جاور فيهما مقيما أو مر بهما وما أقام؛ وليلزم أرباب الخدم فيهما بما يلزم كلا منهم عمله، وليرم في قلوبهم رعبا لا يغيب عن عيانهم، وليمد السماط الكريم للظاعن والمقيم، وليعلم أنه قد ناب عن صاحبه عليه

стр. 134

الصلاة والسلام في إفاضة بره العميم، وإضافة الطارق المنتاب في ضحى النهار ودجى الليل البهيم، ووقف في بابه يتلقى الضيفان وهو يعلم ما يلزم من وقف في باب كريم؛ وليبسط يديه بسماح ذلك الجود، ويفتح ويمد ذلك السماط فإنهما ما انقطعا من الوفود. وأصل الوصايا تقوى الله، وما ينبه على وصية إلا وفيه أحسنها، وبآدابه الحسنى يقمع مسيئها ويزاد محسنها). ١٣ - وصية أمير العرب: (والتقوى درعك الحصين، والشرع الشريف سبيلك المبين، والحدود والقصاص بهما تمنع المحارم، والجهاد فإن فيه شفاء لصدور الصوارم؛ فاقتد بالإنصاف زمام زمانك، واثن إلى الحق عنان عنانك، وفرغ فكرك لمصالح الإسلام، وامنع كل طارق حتى الطيف في الأحلام، ومزق بعزمك جلابيب الديجور، وفرق بغوثك والصبح بالكوكب الدري منحور، واستعلم أخبار العدا في طليعة كل صباح، وتأهب لهم فرب يوم يجيء بوجه وقاح، واثبت في اللقاء ثبات مجرب، وتطلع إلى جموعهم التي كم ناظر إليها مع الصبح نجم مغرب، ولا تفارق من وجه البلاد وسيما، ولا تشم من غير الطيبة نسيما، وإذا نزلت على الباب فلا تطلب سوى البراعة له قسيما، ولا تتبدل بالفرات واردا، ولا تتبعك المناظر إذا أرسلت طرفك إلى سواها رائدا؛ واضرب بقارعة الطريق خيامك، وانشر للمعتافين غمامك، وطنب دخانك إلى السماء وابسط ضرامك، وأقبل على الذكر الجميل فكل شيء غاد ورائح، وأنزل بساحتك الضيوف وانحر لهم كوم والهجان وكل طرف سانح، واحفظ أطراف البلاد ممن يتولع ببنانها، أو يترصد لمرابع أسودها أو مراتع غزلانها، وخص الرعايا

стр. 135

برعاية تنبت لهم الزروع، وتدر من سوائمهم الضروع، ولا تدخل إلى البرية إلا إذا لم يبق لك بالبلاد مقام، ولا منزل بين شيح وخزام. وأما العرب فهو أميرهم المطاع، وآمرهم وهم له أتباع، وهو يعرف مقاديرهم، وكيف يعامل كبيرهم وصغيرهم، فليجمعه على طاعتنا الشريفة ما استطاع؛ وليمنعهم من طبع الطباع، وليصدعهم بالحق على حكم استحقاقهم في كل إقطاع واقتطاع؛ وهو بما يصلح لركابنا العالي من الخيل جد خبير، وبما يناسب سرجنا الشريف من كل سابق وسابقة مالها نظير؛ فليأخذ نفسه وإخوته وبني عمه وأهله وعترته الأقربين، بأن يكونوا بالجياد إلينا متقربين، ومتى وردت عليه مراسمنا الشريفة بأمر سارع إلى العمل بحكمه، أو اتصل متجدد يعلمنا منه بما وصل إلى علمه. وهذا تقليدنا الشريف حجة على من سمعه، أو قصد في خلافه تفريق كلمة مجتمعه. ومرسومنا أن ينقل مضمونه إلى الآفاق، ويعلم به كل مصعد إلى الشام ومنحدر إلى العراق، ليحدو به كل حاد الركاب تساق، ويسمر به في كل حي سامر يتجاذب حواشي حديثه الرفاق، ويتناجى كل راكب مطية وفارس مطهمة عناق؛ فمن بلغنا أنه حاد عن أمره، أو تأول في نقض لرفعة قدره، فالسيف أسبق شيء إلى نحرهن والموت أعجل إليه لأنه فتح من فمه ما كان مسدودا من باب قبره). ١٤ - وصية مقدم الأكراد: (فليجمع أشتات هذه الفرق، وليجمع من شملهم ما افترق، وليؤلف قلوب أكابرهم ممن نفر، وليذهب بأس بينهم ليكون بأسهم فيمن كفر، وليخلص أظفار

стр. 136

بعضهم من بعض ليخلص الظفر، وليقرر عندهم أن إحساننا إليهم غير منزور، وأن أقل شبرا أقطعناهم من الأرض خير لهم عند الله وعند أنفسهم مما لهم من أقصى العجم إلى شهرزور، وأن أكنافنا الموطئة لهم خير من تلك الجبال الموعرة، وأن بلادنا الآمنة أقر لهم من تلك البلاد التي لا تزال محاصرة أو محصرة؛ وليعرف حق قبائلهم على اختلاف الشعوب، وأنواع الطوائف التي لو اتفقت كلمتها لما وجدت خيلا تكفيها في الركوب، وليكرم منهم ذوي البيوت الكريمة، والإمرة القديمة والأصول التي بلغت السماء فروعها، وحلت لمعان الشموس سيوفها المبرقة ودروعها؛ وليعلم أن صدقاتنا العميمة غير قليلة، وأن رعايتنا الشريفة ستعمهم وتوقد نار كل قبيلة، وأننا لا ينقص عندنا بخت (بختي)، ولا ننسى طرف (ديسني)، ونحل أزرار (زرزاري) إلا لنلبسه الملبس السني، ولا نسهر طرف (سهري) إلا لينام قرير العين، ولا نتعب (راندوادي) وما فيهم إلا من هو ذو الخويصرة ولا فيهم إلا من هو ذو اليدين. وكذلك بقية أنفارهم الذين ألفهم الإحسان، وعرفهم الجود بما أوجب لبلادهم ومن خلفوا فيها من أولادهم للنسيان. وأنت عليهم الأمير، والجامع لهم بمشيئة الله على الطاعة وهو على جمعهم إذ يشاء قدير؛ فاعرف منهم ساكن كل عمود وجدار، ومن قربت به أو بعدت الدار، وضمهم إلى كنف الإكتناف، وألفهم بكلمة الائتلاف، وكن بهم على انتظار ما صرفنا إليه الوجه من الجهاد، والتأهب بلبس الجلد للجلاد، واتخاذ أكابر فيهم لتصل منهم يدك بالبنان، وتشتد بهم كما يشتد

стр. 137

بكعوب الرماح المثقفة السنان؛ واسبرهم بخوض السباريت، وارمهم في البر والبحر ولا تخف فإنهم عفاريت، وألزم بالخبرة الدائمة الخبزة، ولا تلزم غير المخبزة، وميز بعضهم من بعض إلا في الأوقات التي تحيض بها الذكور بأيدي الرجال ولا تعرف المميزة من غير المميزة، ومن مات من ذوي الإقطاع آته خبزه حتى يعين لغيره خبزه، وكذا العاجز وتأن حتى يتحقق عجزه، وما يجب على أصحاب الماشية من حق هو حق أقوام ورزق طوائف أخرى من العساكر المنصورة مضت عليه السنون ولهم في أعدائه أيام فاعمل بما جرت العادة به في استخراجه بالرفق من غير ترك شيء منه ينسى في الآجل، وينسب إلى التقصير إذا أخره عن وقت استحقاقه في العاجل. وكذلك ميراث من مات منهم ولا وارث له إلا بيت المال، والعمل في ذلك بتقوى الله فهي العدة للمآل). ١٥ - وصية مقدم التركمان: (فليجمع لنا طوائف التركمان، وليأمرهم بالاستعداد للجهاد فإنهم ترك الأيمان، ولا يدع منهم - إذا رسمنا له - من يلقم سهمه الوتر، ومن إذا جر قوسه رأى منهم طالعا في العقرب القمر. وليجمع طوائفهم على كثرة أفراقهم، وبعد ما بين بيوتهم وأرزاقهم، وليؤلفهم على الطاعة التي بها تقدم، وبسببها سدد سمهريه وتقوم؛ وسهامهم هي التي تبقى، وسيوفهم هي التي الأراقم التي لا تلين للرقى؛ وما برحت ترفع لهم القباب، وتشفع لهم إلينا وصائل الأنساب، ووسائل الأسباب. وليأمر أمراءهم بإقامة وظائف الإمرة ودق الطلبخانات كل عشية، وما يظهر فيه التفاوت بين كل ذي همة وضيعة وهمة علية، ومن مات من المخبزة أنهى إلينا - أو إلى من قرب إليه من

стр. 138

نوابنا - خبزه، وألزم من طلب إقطاعه من مخلفيه بما عليه من التقدمة المقررة. ومن لم يترك وارثا إلا بيت المال حفظ له حقه الموروث: فإنه مال الله المقسومن ولكل مسلم فيه حق معلوم. وما هو على السائمة من الزكاة يساعد على استخراجهن وإيصال الحق إلى مستحقه وإلى كل مقطع على حكم منشوره الشريف أو إفراجه. وتقوى الله سبب مزيده فلا يزال متمسكا بذلك السبب، وليقم منها بما وجب.) ١٦ - وصية مقدم الجبلية: (وليعرف ما قلد من المنن، ويعلم أنه قد قدم على الفريقين من قيس ويمن وأنه قد جمعت له هذه الذوائب، وحملت له الرايات: هذه محمرة الخدود وهذه صفر الترائب. وقد قلد هذا الأمر الجلل، وجمع عليه أهل السهل والجبل؛ وهو لا يعدم من نصحاء الطائفتين، قول المشير، ومن كبراء الفريقين، من يحسن له العسير. ولم نقدمه إلا لعلمنا أنه ممن لا يستميله الهوى، ولا يميله حظ النفس لأقربائه ولو سقط الجبل أوهوى. فليكن عند ظننا الجميل، وليعدل بكل سبيل؛ فكلمة الإسلام تجمع الجميع، وتعم الكل في حكم التشريع. فليصلح ذات بينهم، وليسقط بينهم ما كانت رجال كل فرقة تطلب به الأخرى من دينهم، فقد قال رسول الله ﷺ : (المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم) فليجعل هذا الحديث مسنده، وليبسط به لسانه ويكف يده، وليفض جمعهم على صلح يعمل على أنه يدوم، وتندمل به الجراح وتعفى الكلوم، ويدفن كل قتيل عند أهله، وتبطل به دعوى كل فريق متى ادعى به ادعى الآخر بمثله؛ وليجفف تلك الدماء التي كانت تتثعب، ويرأب تلك الصدوع التي كانت تتشعب، ولينزل القبيلتين منزلة أبناء أب واحد، ويصرف بأسهم الذي كان بينهم إلى كل جاحد؛ وليتألفهم بجهده، ويلفهم عليه ببذل رفده؛ وليستصف خواطر بعضهم لبعض، ويعلمهم أن الشيطان الذي دخل بينهم قد آن له أن يخلد إلى الأرض؛ وليعرف لكل من الفريقين حق سابقة قديمة، ومكانة في أول الإسلام

стр. 139

عظيمة؛ وإنما هم لمع من تلك الأنوار، وتبع لأسلافهم ذمي المهاجرين والأنصار؛ وليجعل هممهم على الجهاد مجتمعه، وعلى أعداء الله وأعداء الدولة القاهرة مجمعه؛ وليدع سيوفهم تقر في الأجفان، وخطواتهم في الخدمة لا تحف بها أسود الغيل عن خفان؛ ولينههم عن دعوى الجاهلية، ويخفف عن الرقاب تلك البلية؛ وليعلمهم أنهم مسئولون، ﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾. ويسكن في رؤوس تلك الجبال نسورهم القشاعم، وحياتهم الأراقم، ليكونوا أوقات الحاجة أهل قوة وجلد، وأولي بأس شديد على الأعداء لا على ابن عم مدان وابن أخت حكمه حكم الولد. وتقوى الله في تعظيم حرماته هي المنهل العذب الكثير الزحام، والأمر المطاع ولا كقوله عز من قائل: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾. ١٧ - وصية مستوفي الصحبة: (فهو المهيمن على الأقلام، والمؤمن على مصر والشام، والمؤمل لما يكتب بخطه من كل ترتيب وإنعام، والملازم لصحبة سلطانه في كل سفر ومقام؛ وهو مستوفي الصحبة، والمستولي بالهمم على كل رتبه، والمعول على تحريره، والمعمول بتقريره، والمرجوع في كل الأمور إلى تقديره. به يتحرر كل كشف، ويكف كل كف، وبتنزيله وإلا ما يكمل استخدام ولا صرف؛ وهو المتصفح عنا لكل حساب، والمتطلع إلى ما حضر وغابن والمناقش لأقلام الكتاب، والمحقق الذي إذا قال قال الذي عنده علم من الكتاب، والمظهر للخبايا، والمطلع للخفايا، والمتفق

стр. 140

على صحة ما عنده إذا حصل الخلاف، ووصل الأمر فيه إلى التلاف. وليلزم الكتاب بما يلزمهم من الأعمال، ويحررها بالمستقر إطلاقه وضرائب رؤوس المال، وعمل المكلفات وأن يكلفوا عملها، وتقدير المساحات وليتتبع خللها. وليلزمهم بتمييز قيمها بعض عن بعض، وتفاوت ما بين تسجيل الفدن في كل بلد حسب ما يصلح له زراعة كل أرض، وبمستجد الجرائد وما يقابل عليه ديوان الإقطاع والأحباس، وغير ذلك مما لا يحصل فيه التباس. ومثلك لا يزاد بالتعليم، ولا ينازع فكل شيء يؤخذ منه بالتسليم؛ وما ثم ما يوصى به رب وظيفة إلا وعنده ينزل علمه، وفيه ينزه فهمه؛ وملاك الكل تقوى الله والأمانة فهما الجنتان الواقيتان، والجنتان الباقيتان؛ وقد عرف منهما بما يفاض منه عليه أسبغ جلباب، وأسبل ستر يصان بههو ومن يتخذهم من معينين ونواب. والله تعالى يبلغه من الرتب أقصاها، ويجري قلمه الذي لا يدع في مال ممالكنا صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.)

стр. 141

١٨ - وصية جامعة لقاض من أي مذهب كان: (وهذه الرتبة التي جعل الله إليها منتهى القضايا، وإنهاء الشكايا، ولا يكون صاحبها إلا من العلماء، الذين هم ورثة الأنبياء، ومتولي الأحكام الشرعية بها كما ورث عن نبي الله ﷺ علمه، كذلك ورث حكمه؛ وقد أصبح بيده زمام الأحكام، وفصل القضاء الذي يعرض بعضه بعده على غيره من الحكام؛ وما منهم إلا من ينقد نقد الصيرفي، وينفذ حكمه نفاذ المشرفي؛ فليترو في أحكامه قبل إمضائها، وفي المحاكمات إليه قبل فصل قضائها وليراجع الأمر مرة بعد مرة حتى يزول عنه الالتباس، ويعاود فيه بعد التأمل كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والإجماع والقياس؛ وما أشكل عليه بعد ذلك فليجل ظلمه بالاستخاره، وليحل مشكلة بالاستشاره، ولا ير نقصا عليه إذا استشار قد أمر الله ورسوله ﷺ بالشورى، ومر من أول السلف من جعلها بينه وبين خطأ الاجتهاد سورا، فقد ينسخ للمرء ما أعيا غيره وقد أكثر فيه الدأب، ويتفطن الصغير لما لم يتفطن إليه الكبير كما فطن ابن عمر للنخلة وما منعه أن يتكلم إلا صغر سنه ولزوما مع من هو أكبر منه للأدب؛ ثم إذا وضح له الحق قضى به لمستحقه، وسجل له به واشهد على نفسه بثبوت حقهن وحكم له به حكما يسره يوم القيامة أن يراهن وإذا كتب له به ذكر بخير إذا بلي وبقى الدهر ما كتبت يداه. وليسوا بين تقسيم الخصوم حتى في تقسيم النظر، وليجعل كل عمله على الحق فيما أباح وما حظر؛ وليجد النظر في أمر الشهود حتى لا يدخل عليه زيف، وليتحر في استيداء الشهادات فرب قاض ذبح بغير سكين وشاهد قتل بغير سيف؛ ولا يقبل منهم إلا من عرف بالعداله، وألف منه أن يرى أوامر النفس أشد العدى له - وغير هؤلاء ممن لم تجر له

стр. 142

بالشهادة عاده، ولا تصدى للارتزاق بسحتها ومات وهو حي على الشهادة. فليقبل منهم من لا يكون في قبول مثله ملامه، فرب عدل بين منطقة وسيف وفاسق في فرجية وعمامه. ولينقب على ما يصدر من العقود التي يؤسس أكثرها على شفا جرف هار، ويوقع في مثل السفاح إلا أن الحدود تدرأ بالشبهات ويبقى العار. وشهود القيمة الذين يقطع بقولهم في حق كل مستحق ومال كل يتيم، ويقلد شهاداتهم على كل أمر عظيم، فلا يعول منهم إلا على كل رب مال عارف لا تخفى عليه القيم، ولا يخاف معه خطأ الحدس وقد صقل التجريب مرآه فهمه على طول القدم. وليتأن في ذلك كله أناة لا تقضي بإضاعة الحق، ولا إلى المطاولة التي تفضي إلى ملل من استحق. وليمهد لرمسه، ولا يتعلل بأن القاضي أسير الشهود وهو كذلك وإنما يسعى لخلاص نفسه - والوكلاء هم البلاء المبرم، والشياطين المسولون لمن توكلوا له بالباطل ليقضى لهم به وإنما تقطع لهم قطعة من جهنم؛ فليكف بمهابته ساوس أفكارهم، ومساوي فجارهم، ولا يدع لمجنى أحد منهم ثمرة إلا ممنوعه، ولا يد اعتداء تمتد إلا مغلولة إلى عنقه أو مقطوعة؛ وليطهر بابه من دنس الرسل الذين يمشون على غير الطريق، وإذا رأى واحدا منهم درهما ود لو حصل في يده ووقع في نار الحريق؛ وغير هذا مما لا يحتاج به مثله أن يوصى، ولا أن يحصى عليه منه أفراد عمله وهو لا يحصى، ومنها النظر في أمور أوقاف أهل مذهبه نظر العموم، فليعمرها بجميل نظره فرب نظرة أنفع من مواقع

стр. 143

الغيوم، وليأخذ بقلوب طائفته الذين خص من بينهم بالتقديم، وتفاوت بعد ما بينه وبينهم حتى صار يزيل عارض الرجل منهم النظرة منه ويأسو جراحه منه التكليم. وهذه الوصايا إنما ذكرت له على سبيل الذكرى، وفيه - بحمد الله - أضعافها ولهذا أوليناه - والحمد لله - شكرا. وقد جعلنا له أن يستنيب من يكون بمثل أوصافه أو قريبا من هذه المثابة؛ ومن يرضى به أن يحمل عنه الكل ويقاسمه ثوابه؛ وتقوى الله هي جماع الخير ولاسيما لصاحب هذه الوظيفة، ولمن وليها أصلا أو فرعا لا يستغني عنها رب حكم مطلق التصرف ولا خليفة. ويزاد الشافعي: وليعلم أنه صدر المجلس، وإنه أدنى القوم وإن كانوا أشباهه منا حيث نجلس، وأنه ذو الطيلسا الذي يخضع له رب كل سيف ويبلس، وليتحقق أنه إنما رفعه علمه وتقاه، وأن سببه دينه لا دنياه هو الذي رقاه؛ فليقدر حق هذه النعم، وليقف عند حد منصبه الذي يود لو اشترى سواد مداده بحمر النعم. ويقال في وصيته: وأمر دعاوى بيت المال المعمور، ومحاكماته التي فيها حق كل فرد من الجمهور؛ فليحترز في قضاياها غاية الاحتراز، وليعمل بما يقتضيه لها الحق من الصيانة والإحراز، ولا يقبل فيها كل بينة للوكيل عن المسلمين فيها مدفع، ولا يعمل فيها بمسألة ضعيفة يضن أنها ما تضر عند الله فإنها ما تنفع؛ وله حقوق فلا يجد من يسعى في تملك شيء منها بالباطل منه إلا الياس، ولا يلتفت إلى من رخص لنفسه وقال: (هو مال السلطان) فإنه ما لنا فيه إلا ما لواحد من الناس. وأموال الأيتام الذين حذر الله من أكل مالهم إلا بالمعروف لا بالشبهات، وقد مات آباؤهم ومنهم صغار لا يهتدون إلى غير الثدي للرضاع ومنهم حمل في بطون الأمهات؛ فليأمر المتحدثين لهم

стр. 144

بالإحسان إليهم، وليعرفهم بأنهم سيجزون في بينهم بمثل ما يعملون معهم إذا ماتوا وتركوا ما في يديهم، وليحذر منهم من لا ولد له: ﴿وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم﴾. وليقص عليهم في مثل ذلك أنباء من سلف تذكيرا، ويتل عليهم القرآن ويذكرهم بقوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونه ناراً وسيصلون سعيرا﴾. والصدقات الموكولة إلى تصريف قلمه، المأكولة بعدم أمانة المباشرين وهي في ذممه، يتيقظ لإجرائها على السداد في صرفها في وجوه استحقاقها، العمل بما لا يجب سواه في أخذها وإنفاقها. والمسائل التي تفرد بها مذهبه وترجح عنده بها العمل، وأعد عنها الجواب لله إذا سأل، لا يعمل فيها بمرجوح إلا إذا كان نص مذهب إمامه أو عليه أكثر الأصحاب، ورآه وقد حكم به أهل العلم ممن تقدمه لرجحانه عنده وللاستصحاب. ونواب البر لا يقلد منهم إلا من تحقق استحقاقه، فإنه إنما يوليه على مسلمين لا علم لأكثرهم فهم إلى ذي العلم أشد فاقة؛ هذا إلى ما يتعرف من ديانتهم ومن عفافهم الذي يتجرع المرء منهم مرارة الصبر من الفاقة وهو به يتحلى، ثم لا يزال له عين عليهم فإن الرجال كالصناديق المقفلة لا يعرف الرجل ما هو حتى يتولى. ويزاد الحنفي: وليعلم أن إمامه أول من دون الفقه وجمعه، وتقدم وأسبق العلماء من تبعه، وفي مذهبه ومذاهب أصحابه أقوال في المذهب، ومسائل ما لحقه فيها مالك وهو أول من جاء بعده وممن يعد من سوابقه أشهب، ومن أهمها تزويج الصغائر، وتحصينهن بالأكفاء من الأزواج خوفا عليهن من الكبائر؛ وشفعة الجوار التي لو لم تكن من رأيهم لما أمن جار السوء على رغم الأنوف، ولأقام الرجل الدهر ساكنا في داره بين أهله وهو يتوقع المخوف؛ وكذلك نفقة المعتدة التي هي في أسر من طلقها

стр. 145

وإن بتت من حباله، وبقيت لا هو بالذي ينفق عليها ولا هي بالتي تستطيع أن تتزوج من رجل ينفق عليها من ماله؛ ومن استدان مالا فأكله وادعى الإعسار، ولفق له بينة أراد أن تسمع له ولم يدخل الحبس ولا أرهق من أمره الأعسار؛ وأهل مذهبه على أنه يسجن أولا ويمكث مدة، ثم إذا ادعى أن له بينة أحضرت ثم هل تقبل أو لا - فهذا - وأمثاله وما فيه عموم صلاح وعظيم نفع ما فيه جناح، فليقض في هذا كله إذا رآه بمقتضى مذهبه، وليهتد في هذه الآراء وسواها بقمر إمامه الطالع أبي حنيفة وشهبه؛ وليحسن إلى فقهاء مذهبه الذي أدنى إليه أكثره الاغتراب، وحلق بهم إليه طائر النهار حيث لا يحلق البازي وجناح الليل حيث لا يطير الغراب؛ وقد تركوا ورائهم من البلاد الشاسعة، والأمداد الواسعة، ما يراعى لهم حقه إذا عدت الحقوق، ويجمعه وإياهم به أبوه أبو حنيفة وما مثله من ينسب إلى العقوق. يزاد المالكي: ومذهبه له السيف المصلت على من كفر، والمذهب بدم من طل دمه وحصل به الظفر؛ ومن عدا قدره الوضيع، وتعرض إلى أنبياء الله بالقول الشنيع، فإنه إنما يقتل بسيفه المجرد، ويراق دمه تعزيرا بقوله الذي به تفرد؛ ولم يزل سيف مذهبه لهم بارز الصفحة، مسلما له إلى مالك خازن النار من مذهب مالك الذي ما فيه فسحه؛ وفي هذا ما يصرح غدر الدين من القذى، وما لم تطل دماء هؤلاء (لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى)؛ وإنما نوصيه بالتحري في الثبوت، والبينة التي لا يستدرك بها ما يفوت؛ وإنما هو رجل يحيا أو يموت؛ فليتمهل قبل بت القضاء، وليعذر إليهم لاحتمال ثبوت تفسيق للشهود أو بغضاء، حتى لا يعجل تلافا، ولا يعجل بما لا يتلافى؛ فكما أننا نوصيه أن لا ينقض في شد الوثاق عليهم إبراما، فهكذا نوصيه أن لا يصيب بغير حقه دما حراما. وكذلك قبول الشهادة على الخط، وإحياء ما مات من الكتب وإدناء ما شط - فهذا مما فيه فسحة للناس، وراحة ما فيها باس، إلا أنه يكون
следующие страницы →