Полный текст (320 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
١٨ - وصية جامعة لقاض من أي مذهب كان:
(وهذه الرتبة التي جعل الله إليها منتهى القضايا، وإنهاء الشكايا، ولا يكون صاحبها إلا من العلماء، الذين هم ورثة الأنبياء، ومتولي الأحكام الشرعية بها كما ورث عن نبي الله ﷺ علمه، كذلك ورث حكمه؛ وقد أصبح بيده زمام الأحكام، وفصل القضاء الذي يعرض بعضه بعده على غيره من الحكام؛ وما منهم إلا من ينقد نقد الصيرفي، وينفذ حكمه نفاذ المشرفي؛ فليترو في أحكامه قبل إمضائها، وفي المحاكمات إليه قبل فصل قضائها
وليراجع الأمر مرة بعد مرة حتى يزول عنه الالتباس، ويعاود فيه بعد التأمل كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والإجماع والقياس؛ وما أشكل عليه بعد ذلك فليجل ظلمه بالاستخاره، وليحل مشكلة بالاستشاره، ولا ير نقصا عليه إذا استشار قد أمر الله ورسوله ﷺ بالشورى، ومر من أول السلف من جعلها بينه وبين خطأ الاجتهاد سورا، فقد ينسخ للمرء ما أعيا غيره وقد أكثر فيه الدأب، ويتفطن الصغير لما لم يتفطن إليه الكبير كما فطن ابن عمر للنخلة وما منعه أن يتكلم إلا صغر سنه ولزوما مع من هو أكبر منه للأدب؛ ثم إذا وضح له الحق قضى به لمستحقه، وسجل له به واشهد على نفسه بثبوت حقهن وحكم له به حكما يسره يوم القيامة أن يراهن وإذا كتب له به ذكر بخير إذا بلي وبقى الدهر ما كتبت يداه. وليسوا بين تقسيم الخصوم حتى في تقسيم النظر، وليجعل كل عمله على الحق فيما أباح وما حظر؛ وليجد النظر في أمر الشهود حتى لا يدخل عليه زيف، وليتحر في استيداء الشهادات فرب قاض ذبح بغير سكين وشاهد قتل بغير سيف؛ ولا يقبل منهم إلا من عرف بالعداله، وألف منه أن يرى أوامر النفس أشد العدى له - وغير هؤلاء ممن لم تجر له
стр. 142
بالشهادة عاده، ولا تصدى للارتزاق بسحتها ومات وهو حي على الشهادة.
فليقبل منهم من لا يكون في قبول مثله ملامه، فرب عدل بين منطقة وسيف وفاسق في فرجية وعمامه. ولينقب على ما يصدر من العقود التي يؤسس أكثرها على شفا جرف هار، ويوقع في مثل السفاح إلا أن الحدود تدرأ بالشبهات ويبقى العار. وشهود القيمة الذين يقطع بقولهم في حق كل مستحق ومال كل يتيم، ويقلد شهاداتهم على كل أمر عظيم، فلا يعول منهم إلا على كل رب مال عارف لا تخفى عليه القيم، ولا يخاف معه خطأ الحدس وقد صقل التجريب مرآه فهمه على طول القدم. وليتأن في ذلك كله أناة لا تقضي بإضاعة الحق، ولا إلى المطاولة التي تفضي إلى ملل من استحق. وليمهد لرمسه، ولا يتعلل بأن القاضي أسير الشهود وهو كذلك وإنما يسعى لخلاص نفسه - والوكلاء هم البلاء المبرم، والشياطين المسولون لمن توكلوا له بالباطل ليقضى لهم به وإنما تقطع لهم قطعة من جهنم؛ فليكف بمهابته ساوس أفكارهم، ومساوي فجارهم، ولا يدع لمجنى أحد منهم ثمرة إلا ممنوعه، ولا يد اعتداء تمتد إلا مغلولة إلى عنقه أو مقطوعة؛ وليطهر بابه من دنس الرسل
الذين يمشون على غير الطريق، وإذا رأى واحدا منهم درهما ود لو حصل في يده ووقع في نار الحريق؛ وغير هذا مما لا يحتاج به مثله أن يوصى، ولا أن يحصى عليه منه أفراد عمله وهو لا يحصى، ومنها النظر في أمور أوقاف أهل مذهبه نظر العموم، فليعمرها بجميل نظره فرب نظرة أنفع من مواقع
стр. 143
الغيوم، وليأخذ بقلوب طائفته الذين خص من بينهم بالتقديم، وتفاوت بعد ما بينه وبينهم حتى صار يزيل عارض الرجل منهم النظرة منه ويأسو جراحه منه التكليم. وهذه الوصايا إنما ذكرت له على سبيل الذكرى، وفيه - بحمد الله - أضعافها ولهذا أوليناه - والحمد لله - شكرا. وقد جعلنا له أن يستنيب من يكون بمثل أوصافه أو قريبا من هذه المثابة؛ ومن يرضى به أن يحمل عنه الكل ويقاسمه ثوابه؛ وتقوى الله هي جماع الخير ولاسيما لصاحب هذه الوظيفة، ولمن وليها أصلا أو فرعا لا يستغني عنها رب حكم مطلق التصرف ولا خليفة.
ويزاد الشافعي:
وليعلم أنه صدر المجلس، وإنه أدنى القوم وإن كانوا أشباهه منا حيث نجلس، وأنه ذو الطيلسا الذي يخضع له رب كل سيف ويبلس، وليتحقق أنه إنما رفعه علمه وتقاه، وأن سببه دينه لا دنياه هو الذي رقاه؛ فليقدر حق هذه النعم، وليقف عند حد منصبه الذي يود لو اشترى سواد مداده بحمر النعم.
ويقال في وصيته:
وأمر دعاوى بيت المال المعمور، ومحاكماته التي فيها حق كل فرد من الجمهور؛ فليحترز في قضاياها غاية الاحتراز، وليعمل بما يقتضيه لها الحق من الصيانة والإحراز، ولا يقبل فيها كل بينة للوكيل عن المسلمين فيها مدفع، ولا يعمل فيها بمسألة ضعيفة يضن أنها ما تضر عند الله فإنها ما تنفع؛ وله حقوق فلا يجد من يسعى في تملك شيء منها بالباطل منه إلا الياس، ولا يلتفت إلى من رخص لنفسه وقال: (هو مال السلطان) فإنه ما لنا فيه إلا ما لواحد من الناس. وأموال الأيتام الذين حذر الله من أكل مالهم إلا بالمعروف لا بالشبهات، وقد مات آباؤهم ومنهم صغار لا يهتدون إلى غير الثدي للرضاع ومنهم حمل في بطون الأمهات؛ فليأمر المتحدثين لهم
стр. 144
بالإحسان إليهم، وليعرفهم بأنهم سيجزون في بينهم بمثل ما يعملون معهم إذا ماتوا وتركوا ما في يديهم، وليحذر منهم من لا ولد له: ﴿وليخش الذين لو
تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم﴾. وليقص عليهم في مثل ذلك أنباء من سلف تذكيرا، ويتل عليهم القرآن ويذكرهم بقوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونه ناراً وسيصلون سعيرا﴾.
والصدقات الموكولة إلى تصريف قلمه، المأكولة بعدم أمانة المباشرين وهي في ذممه، يتيقظ لإجرائها على السداد في صرفها في وجوه استحقاقها، العمل بما لا يجب سواه في أخذها وإنفاقها. والمسائل التي تفرد بها مذهبه وترجح عنده بها العمل، وأعد عنها الجواب لله إذا سأل، لا يعمل فيها بمرجوح إلا إذا كان نص مذهب إمامه أو عليه أكثر الأصحاب، ورآه وقد حكم به أهل العلم ممن تقدمه لرجحانه عنده وللاستصحاب. ونواب البر لا يقلد منهم إلا من تحقق استحقاقه، فإنه إنما يوليه على مسلمين لا علم لأكثرهم فهم إلى ذي العلم أشد فاقة؛ هذا إلى ما يتعرف من ديانتهم ومن عفافهم الذي يتجرع المرء منهم مرارة الصبر من الفاقة وهو به يتحلى، ثم لا يزال له عين عليهم فإن الرجال كالصناديق المقفلة لا يعرف الرجل ما هو حتى يتولى.
ويزاد الحنفي:
وليعلم أن إمامه أول من دون الفقه وجمعه، وتقدم وأسبق العلماء من تبعه، وفي مذهبه ومذاهب أصحابه أقوال في المذهب، ومسائل ما لحقه فيها مالك وهو أول من جاء بعده وممن يعد من سوابقه أشهب، ومن أهمها تزويج الصغائر، وتحصينهن بالأكفاء من الأزواج خوفا عليهن من الكبائر؛ وشفعة الجوار التي لو لم تكن من رأيهم لما أمن جار السوء على رغم الأنوف، ولأقام الرجل الدهر ساكنا في داره بين أهله وهو يتوقع المخوف؛ وكذلك نفقة المعتدة التي هي في أسر من طلقها
стр. 145
وإن بتت من حباله، وبقيت لا هو بالذي ينفق عليها ولا هي بالتي تستطيع أن تتزوج من رجل ينفق عليها من ماله؛ ومن استدان مالا فأكله وادعى الإعسار، ولفق له بينة أراد أن تسمع له ولم يدخل الحبس ولا أرهق من أمره الأعسار؛ وأهل مذهبه على أنه يسجن أولا ويمكث مدة، ثم إذا ادعى أن له بينة أحضرت ثم هل تقبل أو لا - فهذا - وأمثاله وما فيه عموم صلاح وعظيم نفع ما فيه جناح، فليقض في هذا كله إذا رآه بمقتضى مذهبه، وليهتد في هذه الآراء وسواها بقمر إمامه الطالع أبي حنيفة وشهبه؛ وليحسن إلى فقهاء مذهبه الذي أدنى إليه أكثره الاغتراب، وحلق بهم إليه
طائر النهار حيث لا يحلق البازي وجناح الليل حيث لا يطير الغراب؛ وقد تركوا ورائهم من البلاد الشاسعة، والأمداد الواسعة، ما يراعى لهم حقه إذا عدت الحقوق، ويجمعه وإياهم به أبوه أبو حنيفة وما مثله من ينسب إلى العقوق.
يزاد المالكي:
ومذهبه له السيف المصلت على من كفر، والمذهب بدم من طل دمه وحصل به الظفر؛ ومن عدا قدره الوضيع، وتعرض إلى أنبياء الله بالقول الشنيع، فإنه إنما يقتل بسيفه المجرد، ويراق دمه تعزيرا بقوله الذي به تفرد؛ ولم يزل سيف مذهبه لهم بارز الصفحة، مسلما له إلى مالك خازن النار من مذهب مالك الذي ما فيه فسحه؛ وفي هذا ما يصرح غدر الدين من القذى، وما لم تطل دماء هؤلاء (لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى)؛ وإنما نوصيه بالتحري في الثبوت، والبينة التي لا يستدرك بها ما يفوت؛ وإنما هو رجل يحيا أو يموت؛ فليتمهل قبل بت القضاء، وليعذر إليهم لاحتمال ثبوت تفسيق للشهود أو بغضاء، حتى لا يعجل تلافا، ولا يعجل بما لا يتلافى؛ فكما أننا نوصيه أن لا ينقض في شد الوثاق عليهم إبراما، فهكذا نوصيه أن لا يصيب بغير حقه دما حراما. وكذلك قبول الشهادة على الخط، وإحياء ما مات من الكتب وإدناء ما شط - فهذا مما فيه فسحة للناس، وراحة ما فيها باس، إلا أنه يكون
стр. 146
الثبوت بهذه البينة للاتصال، لا لنزع يد ولا إلزام بمجردها بمال؛ وهكذا ما يراه من ولاية الأوصياء وهو مما هو تفرد به هو دون البقية، وفيه مصلحة وإلا فما معنى الوصية؛ وهو زيادة احتراز ما تضر مراعاة مثلها في الأمور الشرعية، وسوى هذا مثل إسقاط الريع في وقف استرد وقد بيع، وعطل المشتري من التكسب بذلك المال مدة لا يشتري ولا يبيع، وهذا مما يبت قضاءه في مثله، ويجعل عقاب من أقدم على بيع الوقف إحرامه مدة البيع من مغله، وسوى ذلك مما عليه العمل، ومما إذا قال فيه قال بحق وإذا حكم عدل. وفقهاء مذهبه في هذه البلاد قليل ما هم، وهم غرباء فليحسن مأواهم، وليكرم بكرمه مثواهم وليستقر بهم النوى في كنفه فقد ملوا طول الدرب، ومعاناة السفر الذي هو أشد الحرب، ولينسهم أوطانهم ببره ولا يدع في مآقيهم دمعا يفيض على الغرب.
ويزاد الحنبلي:
والمهم المقدم - وهو يعلم ما حدث على أهل مذهبه من الشناعة، وما رموا به من الأقوال
التي نتركها لما فيها من البشاعة، ونكتفي به في تعفية آثارها، وإماطة أذاها عن طريق مذهبه لتأمن السالكة عليه من عثارها؛ فتعالى الله أن يعرف بكيف، أو يجاوب السائل عنه بهذا إلا بالسيف؛ والانضمام إلى الجماعة والحذر من الانفراد، وإقرار آيات الصفات على ما جاءت عليه مع الاعتقاد أن الظاهر غير المراد، والخروج بهم إلى النور من الظلماء، وتأويل ما لا بد من تأويله مثل حديث الأمة التي سئلت عن ربها: أين هو؟ فقالت: في السماء، وإلا ففي البلية بإثبات الجهة ما فيها من الكوارث، ويلزم منها الحدوث والله سبحانه قديم ليس بحادث ولا محلا للحوادث؛ وكذلك القول في القرآن ونحن ننذر من تكلم في ذلك بصوت أو حرف، فما جزاء من قال بالصوت إلا سوط وبالحرف إلا حتف؛ ثم بعد هذا الذي يزع به الجهال، ويرد دون غايته الفكر الجوال، ينظر في أمور مذهبه ويعمل بكل ما صح نقله عن إمامه
стр. 147
وأصحابه: من كان منهم في زمانه ومن تخلف عن أيامه، فقد كان ﵀ إمام حق نهض وقد قعد إلينا تلك المده، وقام نوبة المحنة مقام سيد تيم ﵁ نوبة الردة، ولم تهب بع زعازع المريسي وقد هبت مريسا، ولا ابن أبي داود وقد جمع له كل ذود وساق إليه من كل قطر عيسا، ولا نكث عهدة ما قدم له المأمون في وصية أخيه من المواثق، ولا روعه سوط المعتصم وقد صب عليه عذابه ولا سيف الواثق.
فليقف على أثره؛ وليقف بمسنده على مذهبه كله أو أكثره، وليقض بمفرداته وما اختاره أصحابه الأخيار، وليقلدهم إذا لم تختلف عليه الأخبار، وليحترز لدينه في بيع ما دثر من الأوقاف وصرف ثمنه في مثله، ولاستبدال لما فيه المصلحة لأهله، والفسخ على من غاب مدة يسوغ في مثلها الفسخ، وترك زوجة لم يترك لها نفقة وخلاها وهي مع بقائها في زوجيته كالمعلقة، وإطلاق سراحها لتتزوج بعد ثبوت الفسخ بشروطه التي يبقى حكمها به حكم المطلقة؛ وفيما يمنع مضارة الجار، وما يتفرع على قوله (ص): (لا ضرر ولا ضرار)؛ وأمر وقف الإنسان على نفسه وإن رآه سوى أهل مذهبه، وأطلعت به أهله علماء لولاهم لما جلا الزمان جنح غيهبه، وكذلك الجوائح التي يخفف بها عن الضعفاء وإن كان لا يرى بها الإلزام،
стр. 148
ولا تجري لديه مجرى المصالحة بدليل الالتزام؛ وكذلك المعاملة التي لولا الرخصة عندهم فيها لما أكل أكثر الناس إلا الحرام المحض، ولا أخذ قسم الغلال والمعامل هو يزرع البذور ويحرث الأرض؛ وغير ذلك مما هو من مفرداته التي هي
للرفق جامعه، وللرعايا في أكثر معايشهم وأسبابهم نافعة؛ وإذا استقرت الأصول كانت الفروع لها تابعه. وفقهاء مذهبه هم الفقراء لقلة المحصول وضعف الأوقاف، وهم على الرقة كالرماح المعدة للثقاف؛ فخذ بخواطرهم، ومد آمالهم في غائب وقتهم وحاضرهم، واشملهم بالإحسان الذي يرغبهم، ويقل به طلبهم لوجوه الغنى ويكثر طلبهم).
١٩ - وصية قاضي العسكر:
إذا كان منفردا فإنه لا يوصى كما يوصى قاضي العمل المستقل؛ وقد تكون على هذا النحو:
(وهو الحاكم على أن لا تنفذ إلا أقضية السيوف، ولا تزدحم الغرماء إلا في مواقف الصفوف، والماضي قلمه وكل خطي يميد بالدماء، والمضي سجله وقد طوى العجاج كالكتاب سجل السماء؛ وأكثر ما يتحاكم إليه في الغنائم التي لم تحل لأحد قبل هذه الأمة، وفي الشركة وما تطلب فيه القسمة، وفي المبيعات وما يرد منها بعيب، وفي الديون المؤجلة وما يحكم فيها بغيب؛ وكل هذا مما لا يحتمل طول الأناة في القضاء، وإشغال الجند المنصور عن مواقف الجهاد بالتردد إليه للإمضاء؛ فليكن مستحضرا لهذه المسائل ليبت الحكم في وقته، ويسارع السيف المصلت في ذلك الموقف ببته، وليعلم أن العسكر المنصور هم في ذلك الموطن أهل الشهادة، وفيهم من يكون جرحه تعدينا له وزيادة؛ فليقبل منهم من لا تخفى عليه سيماء القبول، ولا
стр. 149
يرد منهم من لا يضره أن يرده هو وهو عند الله مقبول؛ وليجعل له مستقرا معروفا في المعسكر يقصد فيه إذا نصبت الخيام، وموضعا يمشي فيه ليقضي فيه وهو سائر وأشهر ما كان على يمين الأعلام؛ وليلزم ذلك طول سفره وفي مدد المقام، ولا يخالفه ليبهم على ذوي الحوائج فما هو بالصالحية بمصر ولا بالعادلية بالشام؛ وليتخذ معه كتابا تكتب للناس وإلا فمن أين يوجد مركز الشهود، وليسجل لذي الحق بحقه وإلا فما انسد باب الجحود. وتقوى الله هي التي بها تنصر الجنود، وما لم تكن أعلى ما يكون على أعلام الحرب وإلا فما الحاجة إلى نشر البنود).
٢٠ - وصية محتسب:
(وقد ولي أمر هذه الرتبة، ووكل بعينه النظر في مصالح المسلمين لله حسبه؛ فلينظر في الدقيق والجليل، والكثير والقليل، وما يحصر بالمقادير وما لا يحصر، وما لا يأمر فيه بمعروف أو ينهى عن منكر، وما يشترى ويباع، وما يقرب بتحريره إلى الجنة ويبعد من
النار ولو لم يكن قد بقى بينه وبينها إلا قدر باع أو ذراع؛ وكل ما يعمل من المعايش في نهار أو ليل، وما لا يعرف قدره إلا إذا نطق لسان الميزان أو تكلم فم الكيل. وليعمل لديه معدلا لكل عملن وعيارا إذا عرضت عليه المعايير يعرف من جار ومن عدل. وليتفقد أكثر هذه الأسباب، ويحذر من الغش فإن الداء أكثره من الطعام أو الشراب. وليتعرف الأسعار ويستعلم الأخبار، في كل سوق من غير إعلام لأهله ولا إشعار؛ وليقم عليه من الأمناء من ينوب عنه في النظر، ويطمئن به وإن غاب إذا حضر؛ ويأمره بإعلامه بما أعضل، ومراجعته مهما أمكن فإن رأي مثله أفضل.
стр. 150
ودار الضرب والنقود التي منها تنبث، وقد يكون فيها من الزيف ما لا يظهر إلا بعد طول اللبث: فليتصد لمهمها بصدره الذي لا يحرج، وليعرض منها على المحك من رأيه ما لا يجوز عليه بهرج، وما يعلق من الذهب المكسور ويروبص من الفضة ويخرج، وما أكلت النار كل لحامه أو بعضه فليقم عليه من جهته الرقباء، وليقم على شمس ذهبه من يرقب منه ما ترقب من الشمس الحرباء؛ وليقم الضمان على العطارين والطرقية في بيع غرائب العقاقير إلا ممن لا يستراب فيه وهو معروف، وبخط متطبب ماهر لمريض معين في دواء موصوف. والطرقية وأهل النجامة وسائر الطوائف المنسوبة إلى ساسان، ومن يأخذ أموال الرجال بالحيلة ويأكلهم باللسان، وكل إنسان سوء من هذا القبيل هو في الحقيقة شيطان لا إنسان: امنعهم كل المنع، واصدعهم مثل الزجاج حتى لا ينجبر لهم صدع، وصب عليهم النكال وإلا فما يجدي في تأديبهم ذات التأديب والصفع، واحسم كل هذه المواد الخبيثة، واقطع ما يجدد ضعفاء الناس من هذه الأسباب الرثيثة؛ ومن وجدته قد غش مسلما، أو أكل بباطل درهما، أو أخبر مشتريا بزائد، أو أخرج عن معهود العوائد: أشهره في البلد، وأركب تلك الآلة قفاه حتى يضعف منه الجلد. وغير هؤلاء من فقهاء
стр. 151
المكاتب وعالمات النساء وغيرهما من الأنواع ممن يخاف من ذئبه العائث في سرب الظباء والجآذر، ومن يقدم على ذلك ومثله وما يحاذر: ارشقهم بسهامك، وزلزل أقدامهم بإقدامك، ولا تدع منهم إلا من اختبرت أمانتهن واخترت صيانته. والنواب لا ترض منهم إلا من يحسن نفاذا، ويحسب لك أجر استنابته إذا قيل لك من استنبت فقلت هذا. وتقوى الله هي نعم المسالك، وما لك في كل ما ذكرناه بل أكثره إلا إذا عملت فيه بمذهب مالك.)
٢١ - وصية خطيب:
(وليرق هذه الرتبة التي رفعت له ذرى أعوادها، وقدمت له من المنابر مقربات جيادها؛ وليصعد منها أعلى درجه، وليسعد منها بصهوة كأنما كانت له من بكرة يومه المشرق مسرجه؛ وليرع حق هذه الرتبة الشريفة، والذروة التي ما أعدت إلا لأمام فرد مثله أو خليفة؛ وليقف حيث تخفق على رأسه الأعلام، ويتكلم فتخرس الألسنة وتجف في فم الذرى الأقلام؛ ولقرع المسامع بالوعد والوعيد، ويذكر بأيام الله ﴿من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ ويلين القلوب القاسية وإن كان منها ما هو أشد قسوة من الحجارة أو الحديد؛ وليكن قد قدم إلى نفسه قبل أن يتقدمن وليسبل عليه درع التوبة قبل أن يتكلم؛ وليجعل لكل مقام مقالا يقوم به على رؤوس الشهاد، ويفوق منه سهما لا يخطئ موقعه كل فؤاد؛ وليقم في المحراب قيام من يخشى ربه، ويخاف أن لا يخطف الوجل قلبه؛ وليعلم أن صدفة ذلك المحراب ما انفلقت عن مثل درته المكنونة، وصناديق الصدور ما أطبقت على مثل جوهرته المخزونة؛ وليؤم بذلك الجم الغفير، وليتقدم بين أيديهم فإنه السفير؛
стр. 152
وليؤد هذه الفريضة التي هي من أعظم الأركان، وأول الأعمال التي توضع في الميزان، وأقرب القرب التي يجمع إليها داعي كل أذان؛ وليقم بالصلاة في أوقاتها، وليرح بها الناس في أول ميقاتها؛ وليخفف مع الإتمام، وليتحمل عمن وراءه فإنه هو الإمام. وعليه بالتقوى في عقد كل نية، وأمام كل قضية؛ والله تعالى يجعله ممن ينقلب إلى أهله وهو مسرور، وينصب له مع الأئمة المقسطين يوم القيامة على يمين الرحمن منابر من نور.)
٢٢ - وصية شيخ الشيوخ:
(وأنت في الأيام قدوة، وللأنام أسوة، ومنك تتلقف الوصايا، وبك تتثقف السجايا؛ وإنما هي بركات سمائية لا يجد أحد غنى عن مزيدها، وحركات إلهية لا يبلغ نهاية في تعديدها؛ وهي مشكاة أنوار، وميقات أذكار، وأوقات تطوع زمانها كله نهار، وأساس ما يبنى عليه الاجتهاد فأدم تشمير الذيل، ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل﴾؛ وخذ جماعتك بمأخذك في الأمور، وذكرهم بأيام الله ﴿إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ ولازم لله المراقبة، ودوام في الله المصاحبة؛ ومثلك خير كله، وسحاب لا يتقلص ظله؛ ومن عندك في هذا المكان، كلهم لك إخوان، وهم لك على التقوى أعوان،
стр. 153
وكلهم كالشجرة يجمعها أصل
واحد تفرعت منه أغصان، فاعرف لأهل السابقة حقهم ومنك وإلا فممن يطلب العرفان؛ وبصبر من هام بليلى ولعا باسمها وما عرف المسمى، ووقف حائرا لما استبعد المرمى، وظن أن لثامها دونها يمنع لثما، وتوهم أن الحجاب العلة وما عرف أن طرفه عن حسنها أعمى. فداو قلوبهم المرضى، ونبه جفونهم من رقداتها فقد أطالت غمضا، وارفق بهم ودارهم وارض بأن تكون لهم أرضا، ولا تدع من تراه ترك نافلة حتى ترى دوام السهر على عينيه فرضا. وأحسن تربية من استجد في التنقل من حال إلى حال، وإيقاظه من أول عشاء حتى يتعب ويرد الليل أسمال. وتدريج المريدين على قدر ما تحتمله أفهامهم، وتشتمله من مطارف القوة أيامهم. وإياك والمعاجلة بكؤوس لا تقوى كل قوة على شرابها، وكشف حقيقة غاية كثير من الناس أن يقف بعيدا عن حجابها. وألزم كلا ممن عندك أو استجد تلاوة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فهما الثقلان، وحسب من غذى بهما قلبه وهو ملآن؛ فلا طريق إلى الله إلا من سبيلهما، ولا هدى إلا لمن استرشد بدليلهما؛ فعليك بهما فهما المنهاج والشرعة، وإياك إياك من كل محدثة فكل محدثة ضلالة وكل ضلالة بدعه.
فاتخذهما لك إلى الله الذريعة، ومر بتجنب ما سواهما فقد أجمعت الأمة على بطلان كل حقيقة تخالفها الشريعة. ومن مال إلى ما نعوذ بالله منه من اتحاد أو حلول، أو ادعى أنه يكون إلى الله من غير طريق الأنبياء وصول، فكن أنت المنكر عليه، والسارق بعدلك السيف إليه. ومن لم يكن قلبه قد اشرب كفرا، ولا أعمل في إقامة الدليل فكرا، فخذه بالتوبة والاستغفار، وخذه بما أمر الله به نبيه: ﴿قل إنما إلهكم إله واحد لا إله إلا هو سبحانه هو الله الواحد القهار﴾. واعلم يقينا بأن
стр. 154
أولئك أمورهم بينة وهي متشابهة، وأنهم بالغوا في التوحيد فوقعوا في الشرك إذ أرادوا أن يجعلوا الكل إلها واحدا فجعلوه آلهة. ولا يموه عليك من ادعى أو ادعي له أنه إنما قال ذلك شطحة في سكره، فقد صدق ولكنه خمار مسكراته أو من مخامرة كفره.
وقد يقول قوم إنهم من العشاق، وما كذبوا فإنهم ما موهوا إلا في فعلهم وأما قولهم فهم محمول على الإطلاق. وإياك والرأفة على أحد من هذه الفرقة الضالة رأفة رحيم، أو مخادعة رأيك فيهم فما أنت به من سوء باطنهم عليم، وخذ في أمرهم بالحزم ﴿وإما ينزغنك
من الشيطان نزغ فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ ومن دخل في هذه الطائفة من غير أهلها أو تغير عما عهد عليه لا تحسن له ملتقى، ولا تدع له مرتقى، ولا تحمل أحد منهم على الحلم ﴿بلى من أوفى بعهده واتقى﴾ وأنت كبير قوم تهوي إليك نجائبهم من كل فج عميق، وترد عليك ركائبهم من الطريقة والطريق: فوسع لملتقاهم صدرك الرحيب، ونوع لقراهم برك القريب؛ واعلم بأنك أصبحت في بيوتك للوفود مقيم ومقيل، وقبيح بمن تخلق بصفات الكريم رد نزيل؛ فأي مسافر وقف لك على باب، أو مت إليك من خرقة الفقر بأسباب، عجل له الإذن في الدخول، واضرب له ببشرك به مثلا في البشرى بقرب الوصول: فأنتم قوم مبنى أمركم على التوكل فدع هذا من التوكل وما نوى، وأمر بأن يؤخذ عكازه وتفرش سجادته لتلقي غربته عصاها ويستقر بها النوى؛ ومثل هذا المغترب إن لم تسهم له مع من عندك بنصيب، لا يقدم عليك غريب، ولا يصح له مع الغرباء ما يقال: كل غريب للغريب نسيب: فمن مثل هذه الصدقة كسبه، وما أتاك حتى توكل على الله ومن يتوكل على الله فهو حسبه. وبقية ما يقاس وما يقال، وما توشع به من وظائف الذكر الحميد أردية بكر وآصال؛ فعن تعبداتك يحكي الحاكي، ومن تهجداتك يشكو الليل لو يعطف المشكو على الشاكي، وبسببك يتنافس في العمل الزاكي، وبك يتأسى طرف كل واحد لولاك ما كان بالباكي ولا المتباكي. وتقوى الله بها تبدو لطائف الأسرار، ويغدو ﴿الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار﴾ وهي
стр. 155
قوت قلبك، وقوة حبك، وبها كانت أول صلتك بالحق ووصولك إلى ربك، فما نذكرها إلا لنثبتك من نوازع وجد كاد رياها يطير بلبك).
٢٣ - وصية نقيب السادة الأشراف:
(ونحن نجلك عن الوصايا إلا ما نبترك بذكره، ويسرك إذا اشتملت على سره؛ فأهلك أهلك. راقب الله ورسوله جدك ﷺ فيما أنت عنه من أمورهم مسئول، وارفق بهم فهم أولاد أمك وأبيك حيدرة والبتول؛ وكف يد من علمت أنه قد استطال بشرفه فمد إلى العناد يدا، واعلم بأن الشريف والمشروف سواء في الإسلام إلا من اعتدى، وأن الأعمال محفوظة ثم معروضة بين يدي الله فقدم باليوم ما تفرح به غدا؛ وأزل البدع التي ينسب إليها أهل الغلو في ولائهم، والعلو فيما يوجب الطعن على آبائهم، لأنه يعلم أن السلف
الصالح ﵃ كانوا منزهين عما يدعيه خلف السوء من افتراق ذات بينهم، ويتعرض منهم أقوام إلى ما يجرهم إلى مصارع حينهم؛ فللشيعة عثرات لا تقال، من أقوال ثقال؛ فسد هذا الباب سد لبيب، واعمل في حسم موادهم عمل أريب، وقم في نهيهم والسيف في يدك قيام خطيب، وخوفهم من قوارعك مواقع كل سهم مصيب؛ فما دعي بـ (حي على خير العمل) إلى خير من الكتاب والسنة والإجماع، فانظم في نادي قومك عليها عقود الاجتماع؛ ومن اعتزى إلى اعتزال، أو مال إلى الزيدية في زيادة مقال، أو ادعى في الأئمة الماضين ما لم يدعوه، أو اقتفى في طرق الإمامية بعض ما ابتدعوه، أو كذب في قول على صادقهم، أو تكلم بما أراد على لسان ناطقهم، أو قال إنه تلقى عنهم سرا ضنوا على الأمة ببلاغه، وذادوهم عن لذة مساغه، أو روى عن يوم السقيفة
стр. 156
والجمل غير ما ورد أخبارا، أو تمثل بقول من يقول: عبد شمس قد أوقدت لبني هاشم نارا، أو تمسك من عقائد الباطن بظاهر، أو قال إن الذات القائمة بالمعنى تختلف في مظاهر، أو تعلق له بأئمة الستر رجاء، أو انتظر مقيما برضوى عنده عسل وماء، أو ربط على السرداب فرسه لمن يقود الخيل يقدمها اللواء، أو تلفت بوجهه يظن عليا - كرم الله وجهه - في الغمام، أو تفلت من عقال العقل في اشتراط العصمة في الإمام. فعرفهم أجمعين أن هذا من فساد أذهانهم، وسوء عقائد أديانهم؛ فإنهم عدلوا في التقرب بأهل هذا البيت الشريف عن مطلوبهم، وإن قال قائل إنهم طلبوا فقل له ﴿كلا بل ران على قلوبهم﴾.
وانظر في أمور أنسابهم نظرا لا يدع مجالا للريب، ولا يستطيع معه أحد أن
стр. 157
يدخل فيهم بغير نسب، ولا يخرج منهم بغير سبب، وساوق المتصرفين في أموالهم في كل حساب واحفظ لهم كل حسب. وأنت أولى من أحسن لمن طعن في أسانيد هذا الحديث الشريف أو تأول فيه على غير مراد قائله ﷺ تأديبا، وأراهم مما يوصلهم إلى الله وإلى رسوله طريقا قريبا؛ ونكل بمن قد علمت أنه قد مالأ على الحق ومال إلى فريق الباطل فرقا، وطوى صدره على الغل وغلب من أجله على ما سبق في علم الله من تقديم من تقدم حنقا، وحار وقد أوضحت لهم الطريقة المثلى طرقا؛ واردعهم عن تعرضوا في القدح إلى نضال نصال، وامنعهم فغن فرقهم كلها وإن كثرت خابطة في ظلام ضلال؛ وقدم تقوى الله في كل عقد وحل، واعمل بالشريعة الشريفة فإنها السبب الموصول الحبل؛ والله
تعالى يرفعك في الزلفى إلى أشرف محل، ويمد لك رواق عز إذا أبرز له البرق خده خجل أو مد الغمام معه سرادقاته اضمحل).
٢٤ - وصية وكيل بيت المال المعمور:
(هو الوكيل في حقوق جميع المسلمين وما له معهم إلا حق رجل واحد، والمكلف بالمخاصمة عنهم حتى يقر الجاحد؛ وهو القائم للدعوى لهم وعليهم، والمطلوب من الله ومنا بما يؤخذ لهم أو يؤخذ من يديهم، والمعد لتصحيح العقود، وترجيح جهة بيت المال في العقار المبيع والثمن المنقود، والمتكلم بكتاب الوكالة الشرعية الثابتة، والثابت القدم والأقدام غير ثابتة، والمسفوح المجال في مجالس (الحكام والمجادل بلسان الحق في الأحكام، والموقوفة كل دعوى لم تسمع في
стр. 158
وجهه أو وجه من أذن له في سماعها، والمرجوع غليه في إماتة كل مخاصمة حصل الضجر من طول نزاعها، وإبداء الدوافع، ما لم يجد بدا من الإشهاد عليه بعدم الدافع، والانتهاء إلى الحق كان له أو عليه ولا يقف عند تثقيل مثقل ولا شفاعة شافع؛ وبوقوفه تحدد الحدود وتمتحن الشهود ويمشى على الطرق المستقيمة، وتحفظ لأصحابها الحقوق القديمة؛ وبه يتم عقد كل بيع وإيجار إذا كانت المصلحة فيها لعامة المسلمين ظاهرة، ولهم فيما يوكل عنهم في الحظ والغبطة بحسب الأوقات الحاضرة.
ونحن نوصيه في ذلك جميعه بالعمل بما علم، والانتهاء في مقتضى قولنا إلى ما فهم؛ وتقديم تقوى الله فإنه متى قدمها بين يديه سلم، والوقوف مع رضي الله فإنه متى وقف معه غنم، والعمل بالشرع الشريف كيفما توجهت أحكامه، والحذر من الوقوف في طريقه إذا نفذت سهامه؛ ومن مات وله ورثة معروفة تستكمل بحقها ميراثه، وتحوز بحظها تراثه: لا يكلفهم ثبوتا يكون من باب العنت، والمدافعة بحق لا يحتاج مستحقه إلى زيادة ثبت؛ وإنما أنت ومن كانت قضيته منكرة، والمعروف من مستحقي ميراثه نكرة: فأولئك شدد في أمرهم، وأوط شهداءهم في الاستفسار منهم على جمرهم، وتتبع باطن الحال لعله عنك لا يتستر، ولا يمشي عليك فيه الباطل ويمشي شاهد الزور بكميه ويتبختر؛ فإن تحققت صحة شهاداتهم وإلا فأشهرهم في الدنيا ودعهم في الآخرة لا يخفف عنهم العذاب ولا يفتر؛ وكل ما يباع أو يؤجر ارجع فيه إلى العوائد؛ وتقلد أمر الصغير، وجدد لك أمرا منا في الكبير، وذلك بعد مراعاة ما نجب مراعاته، والتأني كل التأني حتى يثبت ما ينبغي إثباته؛ وشهود
القيمة عليهم المدار، وبشهادتهم يقدر المقدار؛ وما لم يكونوا من ذوي الأقدار، ومن أهل الخبرة بالبز والجدار، وممن اشترى العقار واستغله وبنى الدار، وإلا فاعلم أن مثله لا يرجع إليه، ولا يعول ولاسيما في حق
стр. 159
بيت المال عليه؛ فاتفق مع ولاة الأمور من أهل الأحكام على تعيين من يعين لتقليد مثل هذه الشهادة، وتوق منهم من له كل هذه الخبرة حتى تعرف أنه من أهل الزهادة؛ ولك أن تدعي حق المسلمين حيث شئت ممن ترى أن حقه عنده يترجح، وأن بينتهم تكون عنده أوضح، فأما الدعوى عليك فمن عادتها أن لا تسمع إلا في مجلس الحكم العزيز الشافعي - أجله الله تعالى - ونحن لا نغير العوائد، ولا ننتفض ما بنت الدولة السالفة عليه القواعد: فليكن في ذلك المجلس سماعها إذا تعينت، وإقامة البينات عليها إذا تبينت؛ والله الله في حق بيت المال، ثم الله الله في الوقت الحاضر والمآل. ومن تستنيبهم عنك بالأعمال لا تقر منهم إلا من تقربه عينك، ويوفى به عند الله لا بما تحصله من الدنيا دينك؛ ومن كان لعلمه مصلحا، ولأمله منجحا: لا تغير عليه فيما هو فيه، ودعه حتى يتبين لك خافيه؛ ولتستقص في كل وقت عنهم الأخبار، ولتستعلم حقائق ما هم عليه بما تستصحبه من الأخبار، ولا تزال منهم على يقين، وعمل بما فيه خلاص دنيا ودين).
٢٥ - وصية مدرس:
(وليطلع في محرابه كالبدر وحوله هالة تلك الحلقة، وقد وقت أهداب ذلك السواد منه أعظم اسودادا من الحدقة؛ وليرق سجادته التي هي لبدة جواده إذا استن الجدال في المضمار، وليخف أضواء أولئك العلماء الذين هم كالنجوم كما
стр. 160
تتضاءل الكواكب في مطالع الأقمار؛ وليبرز لهم من وراء المحراب كمينه، وليفض على جداولهم الجافة معينه؛ وليقذف لهم من جنبات ما بين جنبيه درر ذلك البحر العجاج، وليرهم من غرر جياده ما يعلم به أن سوابقه لا يهولها قطع الفجاج؛ وليظهر لهم من مكنون علمه ما كان يخفيه الوقار، وليهب من ممنون فضله ما يهب منه عن ظهر غنى أهل الافتقار؛ وليقرر تلك البحوث ويبين ما يرد عليها وما يرد به من منعها وتطرق بالنقض إليها، حتى لا تنفصل الجماعة إلا بعد ظهور الترجيح، والإجماع على كلمة واحدة على الصحيح؛ وليقبل في الدروس طلق الوجه على جماعتهن وليستملهم إليه بجهد استطاعتهن وليربهم كما يربي الوالد الولد، وليستحسن ما تجيء به أفكارهم وإلا فحكم رجل بالجبه لبنت فكر وأد. هذا إلى أخذهم بالاشتغال، وقدح
أذهانهم للاشتعال. ولينشئ الطلبة حتى ينمي منهم الغروس، ويؤهل منهم من كان لا يظن منهم أنه يتعلم لأنه يعلم ويلقي الدروس).
٢٦ - وصية مقرئ:
(وليدم على ما هو عليه من تلاوة القرآن فإنه مصباح قلبه، وصلاح قربه، وصباح القبول المؤذن له برضى ربه؛ وليجعل سوره له أسوارا، وآياته تظهر بين عينيه أنوارا؛ وليتل القرآن بحروفه وإذا قرأ استعاذ، وليجمع طرقه وهي التي عليها
стр. 161
الجمهور ويترك الشواذ، ولا يرتد دون غاية لإقصار، ولا يقف فيعد أن أتم لم يبق بحمد الله إحصار، وليتوسع في مذاهبه ولا يخرج عن قراءة القراء السبعة أئمة الأمصار، وليبذل للطلبة الرغاب، وليشبع فإن ذوي النهمة سغاب، ولير الناس ما
стр. 162
وهبه الله من الاقتدار فإنه احتضن السبع ودخل الغاب؛ وليتم مباني ما أتم (ابن عامر) و (أبو عمرو) له التعمير، ولفه (الكسائي) في كسائه ولم يقل جدي (ابن كثير)، وحم به (لحمزة) أن يعود ذاهب الزمان، وعرف أنه لا (عاصم) من أمر الله يلجأ معه إليه وهو الطوفان، وتدفق يتفجر علما وقد وقفت السيول الدوافع، وضر أكثر قراء الزمان بعدم تفهيمهم وهو (نافع)، وليقبل على ذوي الإقبال على الطلب؛ وليأخذهم بالتربية فما منهم إلا من هو إليه قد انتسب؛ وهو يعلم ما من الله عليه بحفظ كتابه العزيز من النعماء، ووصل سببه منه بحبل الله الممتد من الأرض إلى السماء؛ فليقدر حق هذه النعمة بحسن إقباله على التعليم، والإنصاف إذا سئل فعلم الله ما يتناهى ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾.
٢٧ - وصية محدث:
وقد أصبح بالسنة النبوية مضطلعا، وعلى ما جمعته طرق أهل الحديث مطلعا، وصح في الصحيح أن حديثه الحسن، وأن المرسل منه في الطلب مقطوع عنه كل ذي لسن؛ وأن سنده هو المأخوذ عن العوالي، وسماعه هو المرقص منه طول الليالي، وأن مثله لا يوجد في نسبه المعرق، ولا يعرف مثله للحافظين: (ابن عبد البر) بالمغرب (وخطيب بغداد) بالمشرق؛ وهو يعلم مقدار طلب الطالب فإنه طالما شد
стр. 163
له النطاق، وسعى له سعيه وتجشم المشاق؛ وارتحل له يشتد به حرصه والمطايا مرزمة، وينبهه له طلبه والجفون مقفلة والعيون مهومة؛ ووقف على الأبواب لا يضجره طول الوقوف حتى يؤذن له في ولوجها،
وقعد القرفصاء في المجالس لا تضيق به على قصر فروجها.
فليعامل الطلبة إذا أتوه للفائدة معاملة من جرب، ولينشط الأقرباء منهم ويؤنس الغرباء فما هو إلا ممن طلب آونة من قريب وآونة تغرب، وليسفر لهم صباح قصده عن النجاح، ولينتق لهم من عقوده الصحاح، وليوضح لهم الحديث، وليرح خواطرهم بتقريبه ما كان يسار إليه السير الحثيث، وليؤتهم مما وسع الله عليه فيه المجال، ويعلمهم ما يجب تعليمه من المتون والرجال، ويبصرهم بمواقع الجرح والتعديل، والتوجيه والتعليل، والصحيح والمعتل الذي تتناثر أعضاؤه سقما كالعليل؛ وغير ذلك مما لرجال هذا الشأن به عناية، وما ينقب فيه عن دراية أو يقنع فيه بمجرد رواية؛ ومثله ما يزاد حلما، ولا يعرف بمن رخص في حديث موضوع أو كتم علما).
٢٨ - وصية نحوي:
(وهو زيد الزمان، الذي يضرب به المثل، وعمرو الأوان، وقد كثر من سيبويه الملل، ومازني الوقت ولكنه الذي لم تستبح منه الإبل، وكسائي الدهر الذي لو
стр. 164
تقدم لما اختار غيره الرشيد للمأمون، وذو السؤدد، لا أبو الأسود، على أنه ذو السابقة والأجر الممنون؛ وهو ذو البر المأثور، والقدر المرفوع، ولواؤه المنصوب، وذيل فخاره المجرور؛ والمعروف بما لا ينكر لمثله من الحزم، والذاهب عمله الصالح بكل العوامل التي لم يبق منها لحسوده إلا الجزم، وهو ذو الأبنية التي لا يفصح عن مثلها الإعراب، ولا يعرف أفصح منها فيما أخذ عن الأعراب؛ والذي أصبحت أهدابه فوق عمائم الغمائم تلاث، ولم يزل طول الدهر يشكر منه أمسه ويومه وغده وإنما الكلمات ثلاث. فليتصد للإفادة، وليعلمهم مثل ما ذكر فيه من علم النحو نحو هذا وزيادة؛ وليكن للطلبة نجما به يهتدى، وليرفع بتعليمه قدر كل خبر يكون خبرا له وهو المبتدا؛ وليقدم منهم كل من صلح للتبريز، واستحق أن ينصب إماما بالتمييز، وليورد من موارده أعذب النطاف، وليجر إليه كل مضاف إليه ومضاف؛ وليوقفهم على حقائق الأسماء، وليعرفهم دقائق البحوث حتى اشتقاق الاسم هل هو من السمو أو من السيماء؛ وليبين لهم الأسماء الأعجمية المنقولة والعربية الخالصة، وليدلهم على أحسن الأفعال لا ما يشتبه فيه بصفات (كان) وأخواتها من الأفعال الناقصة، وليحفظهم المثل وكلمات الشعراء، ولينصب نفسه لحد أذهان بعضهم ببعض نصب الإغراء؛ وليعامل
جماعة المستفيدين منه بالعطف، ومع هذا كله فليرفق بهم فما بلغ أحد علما بقوة ولا غاية بعسف).
٢٩ - وصية متطبب طبائعي:
(وليتعرف أولا حقيقة المرض بأسبابه وعلاماته، ويستقص أعراض المريض
стр. 165
قبل مداواته، ثم ينظر إلى السن والفصل والبلد، ثم إذا عرف حقيقة المرض، وقدر ما يحتمله المزاج إذا عرض، يشرع في تخفيف الحاصل، وقطع الواصل، مع حفظ القوى. ولا يهاجم الداء، ولا يستغرب الدواء، ولا يقدم على الأبدان إلا بما يلائمها، ولا يبعد الشبه، ولا يخرج عن جادة الأطباء ولو ظن الإصابة حتى يقوى لديه الظن ويتبصر به في رأي أمثاله. وليتجنب الدواء، ما أمكنه المعالجة بالغذاء، والمركب، وما أمكنه المعالجة بالمفرد؛ وإياه والقياس إلا ما صح بتجريب غيره في مثل مزاج من أخذ في علاجه، وما عرض له، وسنه، وفصله، وبلده، ودرجة الدواء. وليحذر التجربة، فقد قال (أبقراط) وهو رأس القوم: إنها خطر.
ثم إذا اضطر إلى وصف دواء صالح للعلة نظر إلى ما فيه من المنافاة وإن قلت، وتحيل لإصلاحه بوصف يصلح معه، مع الاحتراز في وصف المقادير والكميات والكيفيات، في الاستعمال والأوقات، وما يتقدم ذلك الدواء أو يتأخر عنه. ولا يأمر باستعمال دواء، ولا ما يستغرب من غذاء، حتى يحقق حقيقته، ويعرف جديده من عتيقه: ليعرف مقدار قوته بالفعل؛ وليعلم أن الإنسان هو بنية الله وملعون من هدمها؛ وأن الطبيعة مكافية وبؤسى لمن ظلمها؛ وقد سلم الأرواح وهي وديعة الله في هذه الأجسام، فليحفظها وليتق الله ففي ذلك جميع الأقسام؛ وإياه ثم إياه أن يصف دواء ثم يكون هو الذي يأتي به، أو يدل عليه، أو المتولي لمناولته للمريض ليستعمله من يديه، وفي هذا كله لله المنة ولنا إذ هدينا له وأرشدناه إليه).
٣٠ - وصية متطبب بالكحل:
(وها أنت أفردت بتسليم أشرف الحواس الخمس، والجوارح التي لولاها لم تعرف حقيقة ما يدرك بالسمع والذوق والشم واللمس؛ وهي العين التي تفدى بالعين، وتوقى ساعة البين؛ وقد جعلت منها لمعالجة أشرف الأعضاء، وأشرف إنسان يحيط بصره بكل الفضاء؛ فاجعل عليها من مداراتك الواقية، وأبق بها من حسن الأثر
стр. 166
ما يرى والعين باقية؛ وتلطف بها في
العلاج، وارفق بها فإنها من طبقات: منها الزجاجية ومنها شبيه الزجاج. ولا تقدم عليها بمداواة حتى تعرف حقيقة المرض، والسبب الذي نال به ذلك الجوهر العرض؛ ثم داوها مداواة تجلوا بها القذى عن البصر، وتشفي بها من السقام إلا الذي في عيون الغيد من حور، ويقيم بأجفانها عليها سورا، ويديم لإنسانها من ضوء البصر نورا. ثم لاطف بما يناسب من الغذاء ذلك الإنسان، وترفق به فإنك معروف بالإحسان؛ وصنه عن قدح قادح، وأعنه حتى لا يقال يا أيها الإنسان إنك كادح. وأعمل على ما فيه صلاح ذاك السواد الأعظم، والإمتاع بذلك السواد الذي لا يشترى بملء الأرض ذهبا منه قدر نصف درهم؛ وتخير من الكحل ما فيه جلاء الأبصار، وشفاء العين مما يخاف على الإنسان فيه الأخطار. وافعل في هذا كله ما إذا كنت بسواد الحدق لم تنسخ، وإذا قيس قدر ميل منه لم يبعد إليه ألف فرسخ؛ واستشر الأطباء الطبايعية فيما أهم، وفيما لا يستغنى فيه عن رأي مثلهم، من تخفيف مادة الاستفراغ أو نقص دم، إلا غير هذا مما إذا فعلته لم تلم بعده بما ألم).
٣١ - وصية جرائحي:
(واعرف ما تحتاج هذه الوظيفة واجبر كل كسر، وشد كل أسر، وخط كل فتق، وقو كل رتق، وداو الكلوم، ودار باللطف فإن إفراط القوة في الدواء يلحقه بالسموم. واعمل على حفظ الأعصاب، وشد الأعضاء حتى تتمكن من معالجة المصاب؛ والتوقي في كل أعماله فإنها في صناعة كلها خطر، وجميع أمورها مغيبة لا يوقف فيها على خبر. وليبادر ما يفوت، ولا يكلم أحدا ما حسن للسان حديد السكوت، وليحذر قطع شريان ما قطع إلا نزف دم صاحبه حتى يموت، وليعد معه ما يكون لإخراج النصال فإنه يكون مع عساكرنا المنصورة أوقات الحرب والسهام تغوص
стр. 167
في الأجسام، والرماح في رجل هي والحسام؛ وليكن في هذا كله مزاح الأعذار، مزال العوائق في مضايق أوقات لا يستدرك فيها فائت الأعمار؛ وليعد لهذا الأمر عدته، وليصرف إليه همته؛ وليفعل في هذا ما لا يبقى عليه به جناح، ولا يخطيء معه عمله نجاح، ولا يقاس به أحد وقد أفاد علمه وأجاد عمله وأجدى، وظهرت بركت معالجة يه التي إذا وضعها على الجرح يهدا).
٣٢ - وصية منجم:
(وقد أغناه ما رآه من مساعدة الأقدار لنا أن ينجم، ونطقت له الحال بسعادتنا فما زاد على
أنه كان يترجم، ولم نستخدمه لأنا نقول بتأثير الأفلاك ولا الاحتياج إلى ما هنالك، إلا أن عادة الملوك جرت على ذلك؛ مع العلم بسعة علمه مما ورث عن الحكماء، وتكلم به على ملكوت، الأرض والسماء، وأنه جمع من هذه الصناعة ما لا يجيء منه (أبو معشر البلخي) بمشعار، ولا غيره من جميع الجماعة وفي الجملة (كوشيار). ومع هذا فما نمنعه من عمل ما لم يخطر على مثله من رقبة الطوالع، ورؤية المطالع، وتحرير الأوقات حين المواليد، وتسيير الكواكب لمعرفة ما يعرف بالحساب من رؤوس الأشهر وأيام العيد، وملازمة الخدمة الشريفة في السفر والحضر، ورؤية طلائعنا المنصورة فإنها أسعد من رؤية كل هلال ينتظر؛ والحذر مما نهت الشريعة الشريفة عن قوله لئلا يغمض عليه دينه علماء الإسلام، والقول في الكواكب إلا بما قيل فيها من أنها لا تعدو ثلاثة أقسام: منها معالم للهدى ورجوم للشياطين ومصابيح تجلو الظلام).
стр. 168
٣٣ - وصية موقت:
(وما أخر هذه المدة إلا وكل شيء إلى ميقات، ولأن تقديم مثله من الأشياء التي كانت تحسب لها الأوقات، وإلا فقد عرف أنه المقدم في الزمن الأخير، والمتفرد وقد هم مماثله لمساواته فسقط عن درجة النظير، وأتقن علم الهيئة التي يحاط بها علما بملكوت السماء، وتعرف بها شمس النهار ونجوم الظلماء؛ ويتحقق كيف دوران الأفلاك ومقاديرها، وهيئة المنازل وتصويرها، وانتقالات الكواكب السيارة وإلى أين ينتهي تسييرها، فليبصر كيف يكون، ولينظر الطالع ولا يأمن أن يكون عليه من النجوم عيون؛ وليعرف ما على خطي المشرق والمغرب، ومركزي وتدي السماء والأرض المشدود بهما رواق الفلك المطنب؛ وليحرر ذلك كله تحرير من يعلم أنه هو المقلد في أداء الفرائض، والمقتحم في لجج السماء الغمرات التي لا تخوض معه فيها خائض، وأن به يقام الأذان، وتصلى الصلوات ويفطر ويصام في رمضان. ويعد تثويبه تسري العقول، وييقن كشف حجاب لليل المسبول، وتخرج مطمئنة القلوب بتسبيحه وتهاجم البيد وهي تفترس بأنياب غول.
وكل هذا متعلق به فليراقب الله في خلاص الذمة، ويتجنب الملامة مع أمة سيدنا محمد (ص) ومع الأئمة. ولا يزال محررا للارتفاع في كل بلد يحل به ركابنا الشريف على حكم عرضه، ومقادير الأبعاد بين سمائه وأرضه، مؤذنا كل من كان مؤذنا بحين كل صلاة في
أول وقتها، من غير تقديم يؤدي به قبل الوجوب، أو تأخير يضيق به الوقت الموسع على ذي الضرورة حين الوثوب، وليكن على يقين بأنه بكل ما حصل فيه التقصير من هذا ومثله مطلوب).
٣٤ - وصية رئيس اليهود:
(وعليه بضم جماعته، ولم شملهم باستطاعته، والحكم فيهم على قواعد ملته، وعوائد أئمته في الحكم إذا وضح له بأدلته، وعقود الأنكحة وخواص ما يعتبر عندهم فيها على الإطلاق، وما يفتقر فيها إلى الرضى من الجانبين في العقد والطلاق، وفيمن أوجب عنده حكم دينه عليه التحريم، وأوجب عليه الانقياد إلى
стр. 169
التحكيم، وما ادعوا فيه التواتر من الأخبار، والتضافر على العمل به مما لم يوجد فيه نص وأجمعت عليه الأحبار، والتوجه تلقاء بيت المقدس إلى جهة قبلتهم، ومكان تعبد أهل ملتهم؛ والعمل بهذا جميعه بما شرعه موسى الكليم، والوقوف معه إذا ثبت أنه فعل ذاك النبي الكريم، وإقامة حدود التوراة على ما أنزل الله من غير تحريف، ولا تبديل لكلمة تأويل ولا تصريف، واتباع ما أعطوا عليه العهد، وشدوا عليه العقد، وأبقوا به ذماءهم، ووقوا به دماءهم، وما كانت تحكم به الأنبياء والربانيون، ويسلم إليه الإسلاميون منهم ويعبر عنه العبرانيون؛ كل هذا مع إلزامهم بما يلزمهم من حكم أمثالهم أهل الذمة الذين أقروا في هذه الديار، ووقاية أنفسهم بالخضوع والصغار، ومد رؤوسهم بالإذعان لأهل ملة الإسلام، وعدم مضايقتهم في الطرق وحيث يحصل الالتباس بهم في الحمام، وحمل شعار الذمة الذي جعل لهم حلية العمائم، وعقد على رؤوسهم لحفظهم عقد التمائم؛ وليعلم أن شعارهم الأصفر، موجب لئلا يراق دمهم الأحمر وأنهم تحت علم علامته آمنون، وفي دعة أصائله ساكنون؛ وليأخذهم بتجديد صبغه في كل حين، وليأمرهم بملازمته ملازمة لا تزال علائمها إلى رؤوسهم تبين، وعدم التظاهر بما يقتضي المناقضة، أو يفهم منه المعارضة، أو يدع فيه غير السيف وهو إذا كلم شديد العارضة، وله ترتيب طبقات أهل ملته من الأحبار فمن دونهم على قدر استحقاقهم، وعلى ما لا تخرج عنه كلمة اتفاقهم؛ وكذلك له الحديث في جميع كنائس اليهود المستمرة إلى الآن، المستقرة بأيديهم من حين عقد عهد الذمة ثم ما تأكد بعده بطول الزمان، من غير تجديد متجدد، ولا إحداث قدر متزيد، ولا فعل شيء مما لم تعقد عليه الذمة، ويقر عليه
سلفهم الأول سلف هذه الأمة، وفي هذا كفاية وتقوى الله وخوف بأسنا رأس الأمور المهمة).
стр. 170
٣٥ - وصية رئيس السامرة:
(ولا يعجز عن لم شعث طائفته مع قلتهم، وتأمين سربهم الذي لو لم يؤمنوا فيه لأكلهم الذئب لذلتهم، وليصن بحسن السلوك دماءهم التي كأنما صبغت عمائمهم الحمر منها بما طل، وأوقد لهم منها النار الحمراء فلم يتقوها إلا بالذل؛ وليعلم أنهم شعبة من اليهود لا يخالفونهم في أصل المعتقد، ولا في شيء يخرج عن قواعد دينهم لمن انتقد، ولولا هذا لما عدوا في أهل الكتاب، ولا قنع منهم إلا بالإسلام أو ضرب الرقاب؛ فليبن على هذا الأساس، ولينبئ قومه أنهم منهم وإنما الناس أجناس، وليلتزم من فروع دينه ما لا يخالف فيه إلا بأن يقول لا مساس؛ وإذا كان كما يقول: إنه كهارون ﵇ فليلتزم الجدد، وليقم من شرط الذمة بما يقيم به طول المدد، وليتمسك بالموسوية من غير تبديل، ولا تحريف في كلمة ولا تأويل؛ وليحص عمله فإنه عليه مسطور، وليقف عند حده ولا يتعد طوره في الطور؛ وليحكم في طائفته وفي أنكحتهم ومواريثهم وكنائسهم القديمة المعقود عليها بما هو في عقد دينه، وسبب لتوطيد قواعده في هذه الرتبة التي بلغها وتوطينه).
٣٦ - وصية بطريرك النصارى الملكيين:
(وهي كبير أهل ملته، والحاكم عليهم ما امتد في مدته؛ وإليه مرجعهم في
стр. 171
التحريم والتحليل، وفي الحكم بينهم بما أنزل في التوراة ولم ينسخ في الإنجيل؛ وشريعته مبينة على المسامحة والاحتمال، والصبر على الأذى وعدم الاكتراث به والاحتفال؛ فخذ نفسك في الأول بهذه الآداب، واعلم أنك في المدخل إلى شريعتك طريق إلى الباب: فتخلق من الأخلاق بكل جميل، ولا تستكثر من متاع الدنيا فإنه قليل؛ وليقدم المصالحة بين المتحاكمين إليه قبل الفصل البت فإن الصلح كما يقال سيد الأحكام، وهو قاعدة دينه المسيحي ولم تخالف فيه المحمدية الغراء دين الإسلام؛ ولينظف صدور إخوانه من الغل ولا يقنع بما ينظفه ماء المعمودية من الأجسام؛ وإليه أمر الكنائس والبيع، وهو رأس جماعته والكل له تبع: فإياه أن يتخذها له تجارة مربحة، أو يقتطع بها مال نصراني يقربه فإنه ما يكون قد قربه إلى المذبح وإنما ذبحه؛ وكذلك الديارات وكل عمر، والقلالي فيتعين عليه أن يتفقد فيها كل أمر؛ وليجهد في إجراء أمورها على ما فيه رفع الشبهات، وليعلم أنهم إنما اعتزلوا فيها للتعبد فلا
يدعها تتخذ متنزهات: فهم إنما أحدثوا هذه الرهبانية للتقلل في هذه الدنيا والتعفف عن الفروج، وحبسوا فيها أنفسهم حتى إن أكثرهم إذا دخل إليها ما يعود يبقى له خروج؛ فليحذرهم من عملها مصيدة للمال، أو خلوة له ولكن بالنساء حراما وإنما يكون تنزه عن الحلال؛ وإياه ثم إياه أن يؤوي إليها من الغرباء القادمين عليه من يريب، أو يكتم عن الإنهاء إلينا مشكل أمر ورد عليه من بعيد أو قريب؛ ثم الحذر الحذر من إخفاء كتاب يرد إليه من أحد الملوك، ثم الحذر الحذر من الكتابة إليهم أو المشي على مثل هذا السلوك؛ وليتجنب البحر وإياه من اقتحامه فإنه يغرق، أو تلقي ما يلقيه إليه جناح غراب منه فإنه بالبين ينعق؛ والتقوى مأمور بها أهل كل
стр. 172
ملة، وكل موافق ومخالف في القبلة؛ فليكن عمله بها وفي الكناية ما يغني عن التصريح، وفيها رضي الله وبها أمر المسيح).
٣٧ - وصية بطريرك اليعاقبة:
ويقال في وصية بطرك اليعاقبة مثل ذلك إلا فيما ينبه عليه. ويسقط منه قولنا:
(واعلم بأنك في المدخل إلى شريعتك طريق إلى الباب) إذ كان لا يدين بطاعة الباب الذي هو رأس الملكانيين، وإنما هو رأس اليعاقبة نظيره للمالكيين؛ ويقال مكان هذه الكلمة: (واعلم بأنك في المدخل إلى شريعتك قسيم الباب، وأنتما سواء في الأتباع، ومتساويان فإنه لا يزداد مصراع على مصراع). ويسقط منه قولنا: (وليتجنب البحر وإياه من اقتحامه فإنه يغرق) وثانية هذه الكلمة إذ كان ملك اليعاقبة مغلغلا في الجنوب ولا بحر، ويبدل بقولنا: و (وليتجنب ما لعله ينوب، وليتوق ما يأتيه سرا من تلقاء الحبشة حتى إذا قدر فلا يشم أنفاس الجنوب، وليعلم أن تلك المادة وإن كثرت مقصرة، ولا يحفل بسؤدد السودان فإن الله جعل آية الليل مظلمة وآية النهار مبصرة) ثم يختم بالوصية بالتقوى كما تقدم، ونحو هذا والله أعلم.
стр. 173
القسم الثالث
في نسخ الإيمان
أ - يمين شريف يستحلف بها للمبايعة العامة
(أقول وأنا فلان: والله والله والله، وتالله وتالله وتالله، وبالله وبالله وبالله، والله العظيم الذي لا إله إلا هون البارئ الرحمن الرحيم، عالم الغيب والشهادة، والسر والعلانية، وما تخفي الصدور، القائم على كل نفس بما كسبت، والمجازي لها بما عملت، وحق جلال الله، وقدرة الله، وعظمة الله، وكبرياء الله، وسائر أسماء الله الحسنى وصفاته العليا؛ إنني من وقتي هذا، وما مد الله في عمري، قد أخلصت نيتي، ولا أزال مجتهدا في إخلاصها، وأصفيت طويتي، ولا أزال مجتهدا في أصفائها، في طاعة مولانا السلطان (ويذكر لقبه ونسبه) - خلد الله ملكه - وخدمته ومحبته وامتثال مراسيمه، والعمل بأوامره؛ وإنني والله العظيم حرب لمن حاربه، سلم لمن سالمه، عدو لمن عاداه، ولي لمن والاه من سائر الناس أجمعين؛ وإنني والله العظيم لا أضمر لمولانا السلطان بنسبه سوءا ولا غدرا، ولا خديعة ولا مكرا، ولا خيانة في نفس ولا مال، ولا سلطنة ولا قلاع ولا حصون، ولا بلاد ولا غير ذلك، ولا أسعى في تفريق كلمة أحد من أمرائه ولا مماليكه ولا عساكره ولا أجناده، ولا عربانه
стр. 174
ولا تركمانه ولا أكراده، ولا استمالة طائفة منهم لغيره، ولا أوافق على ذلك بقبول ولا فعل ولا نية ولا مكاتبة ولا مراسلة ولا إشارة ولا رمز ولا كناية ولا تصريح؛ فإن جاءني كتاب من أحد من خلق الله بما فيه مضرة على مولانا السلطان، أو على دولته، لا أعمل به، ولا أصغي إليه، وأحمل الكتاب إلى ما بين يديه الشريفتين، هو ومن أحضره إن قدرت على إمساكه.
وأنني والله العظيم أفي لمولانا السلطان بهذه اليمين من أولها إلى آخرها، لا أنقضها ولا شيئا منها، ولا أستثني فيها ولا في شيء منها، ولا أخالف شرطا من شروطها؛ ومتى خالفتها أو شيئا منها، أو نقضتها أو شيئا منها، أو استفتيت فيها أو في شيء منها طلبا لنقضها، فكل ما أملكه من صامت وناطق صدقة على الفقراء والمساكين، وكل زوجة في عقد نكاحه أو يتزوجها في المستقبل طالق ثلاثا بتاتا على سائر المذاهب، وكل مملوك أو أمة في ملكه أو يملكهم في المستقبل أحرار لوجه الله تعالى، وعليه الحج إلى بيت الله
الحرام بمكة المعظمة، والوقوف بعرفة ثلاثين حجة متواليات متتابعات كوامل، حافيا حاسرا،
стр. 175
وعليه صوم الدهر كله إلا الأيام المنهي عنها، وعليه أن يفك ألف رقبة مؤمنة من أسر الكفار، ويكون بريئا من الله تعالى ومن رسوله ﷺ ومن دين الإسلام إن خالفت هذه اليمين أو شرطا من شروطها.
وهذه اليمين يميني، وأنا فلان، والنية فيها بأسرها نية مولانا السلطان فلان، ونية مستحلفي له بها، لا نية لي في باطني وظاهري سواها. أشهد الله علي بذلكن وكفى بالله شهيدا، والله على ما أقول وكيل).
ويكتب الحالف اسمه في الموضعين بخطه أو بخط من يكتب عنه إن كان ممن لا يكتب.
وقد يزاد فيها لنواب القلاع ونقبائها والوزراء وأرباب التصرف في الأموال والدوادارية وكتاب السر زيادات:
- فأما نواب القلاع ونقباؤها فمما يزاد في تحليفهم:
(. . . وإنني أجمع رجال هذه القلعة (ويسمي القلعة التي هو فيها) على طاعة مولانا السلطان فلان وخدمته في حفظ هذه القلعة وحمايتها وتحصينها والذب عنها والجهاد دونها والمدافعة عنها بكل طريق؛ وإنني أحفظ حواصلها وذخائرها وسلاح خاناتها على اختلاف أنواع ما فيها من الأقوات والأسلحة، وأنني لا اخرج شيئا منها إلا في أوقات الحاجة والضرورة الداعية المتعين فيها تفريق الأقوات والسلاح على قدر ما تدعو الحاجة إليه، وأنني أكون في ذلك كواحد من رجال هذه القلعة؛ وكل واحد ممن يتبعني كواحد ممن يتبع أتباع رجال هذه القلعة: لا أتخصص ولا أمكن من التخصيص؛ وإنني والله والله والله لا افتح أبواب هذه القلعة إلا في الأوقات الجاري بها عادة فتح أبواب الحصون، وأغلقها في الوقت الجاري بها العادة، ولا أفتحها إلا بشمس، ولا أغلقها إلا بشمس؛ وإنني أطالب الحراس والدراجة وأرباب النوب في هذه القلعة بما جرت به العوائد اللازمة لكل منهم، مما في ذلك جميعه مصلحة مولانا السلطان فلان؛ ولا أسلم هذه القلعة إلا لمولانا السلطان فلان، أو بمرسومه
стр. 176
الشريف وأمارته الصحيحة وأوامره الصريحة؛ وإنني لا أستخدم في هذه القلعة إلا من فيه نفع هذه القلعة وأهلية الخدمة. لا أعمل في ذلك بغرض نفس لي، ولا أرخص فيه لمن يعمل بغرض نفس له؛ وإنني أبذل في ذلك كله الجهد، وأشمر فيه عن
ساعد الجد).
- وأما الوزراء وأرباب التصرف في الأموال فمما يزاد في تحليفهم:
(. . . وإنني أحفظ أموال مولانا السلطان فلان - خلد الله ملكه - من التبذير والضياع، والخونة وتفريط أهل العجز، ولا أستخدم في ذلك ولا في شيء منه إلا أهل الكفاية والأمانة، ولا أضمن جهة من الجهات الديوانية إلا من الأمناء القادرين، أو ممن زاد زيادة ظاهرة وأقام عليه الضمان الثقات، ولا أؤخر مطالبة أحد بما يتعين عليه بوجه حق من حقوق الديوان المعمور، والموجبات السلطانية على اختلافها؛ وإنني والله العظيم لا ارخص في تسجيل ولا قياس، ولا أسامح أحدا بموجب يجب عليه، ولا أخرج عن كل مصلحة تتعين لمولانا السلطان فلان ودولته، ولا أخلي كل ديوان يرجع إلي أمره ويوكل بي أمر مباشرته من تصفح لأحواله، واجتهاد في تثمير أمواله، وكف أيدي الخونة عنه، وغل أيديهم أن تصل إلى شيء منه؛ ولا أدع حاضرا ولا غائبا من أمور هذه المباشرة حتى أجد فيه وأبذل الجهد الكلي في إجراء أموره على السداد، وحسن الاعتماد، وإنني لا أستجد على المستقر إطلاقه ما لم يرسم لي به، إلا ما فيه مصلحة ظاهرة، لهذه الدولة القاهرة، ونفع بين لهذه الأيام الشريفة؛ وإنني والله أودي الأمانة في كل ما وكل بي ووليت من القبض والصرف، والولاية والعزل، والتقديم والتأخير، والتقليل والتكثير، وفي كل جليل وحقير، وقليل وكثير).
- وأما الدوادارية وكتاب السر فيزداد فيهما:
(. . . وإنني مهما اطلعت عليه من مصالح مولانا السلطان فلان ونصائحه، وأمر داني ملكه ونازحه، أوصله إليه، وأعرضه عليه، ولا أخفيه شيئا منه ولو كان علي، ولا أكتمه ولو خفت وصول ضرره إلي).
стр. 177
ويفرد الدوادار:
(بأنني لا أؤدي عن مولانا السلطان رسالة في إطلاق مال، ولا استخدام مستخدم، ولا إقطاع إقطاع، ولا ترتيب مرتب، ولا تجديد مستجد، ولا سداد ثاغر، ولا فصل منازعة، ولا كتابة توقيع ولا مرسوم، ولا كتاب صغيرا كان أو كبيرا إلا بعد عرضه على مولانا السلطان فلان، ومشاورته، ومعاودة أمره الشريف ومراجعته).
ويفرد كاتب السر:
(بأنه مهما تأخر قراءته من الكتب الواردة على مولانا السلطان فلان، من البعيد والقريب، يعاود فيه في وقت آخر؛ فإن لم يعاد فيه لمجموع لفظه - لطوله الطول الممل - عاود فيه بمعناه في الملخصات؛ وأنه لا يجاوب في شيء لم ينص المرسوم الشريف فيه بنص خاص - مما لم تجر العادة بالنص فيه - لا يجاوب فيه إلا بأكمل ما يرى أن فيه مصلحة مولانا السلطان فلان ومصلحة دولته؛ بأشد جواب يقدر عليه، ويصل اجتهاده إليه؛ وأنه مهما أمكنه المراجعة فيه لمولانا السلطان فلان راجعه فيه، وعمل بنص ما يرسم له به فيه).
ب - أيمان أهل الكتاب
يمين اليهود
(إنني والله والله والله العظيم، القديم الأزلي الفرد الصمد، القديم الواحد
стр. 178
الأحد، المدرك المهلك، باعث موسى بالحق، وشاد عضده وأزره بأخيه هارون، وحق التوراة المكرمة وما فيها وما تضمنته، وحق العشر كلمات التي أنزلت على موسى في الصحف الجوهر، وما حوته قبة الزمان، وإلا تعبدت فرعون وهامان، وبرئت من إسرائيل، ودنت بدين النصرانية، وصدقت مريم في دعواها، وبرأت يوسف النجار، وأنكرت الخطاب، وتعمدت الطور بالقاذورات، ورميت الصخرة بالنجاسة، وشركت بخت نصر في هدم بيت المقدس وقتل بني إسرائيل، وألقيت العذرة على مظان الأسفار، وكنت ممن شرب من النهر ومال إلى جالوت، وفارقت شيعة طالوت، وأنكرت الأنبياء، ودللت على دانيال، وأعلمت جبار مصر بمكان إرميا، وكنت مع البغي والفواجر يوم يحيى، وقلت: إن النار المضيئة من شجرة العوسج نار إفك، وأخذت الطرق على مدين، وقلت بالعظائم في بنات شعيب، وأجلبت مع السحرة على موسى، ثم برئت ممن آمن منهم، وكنت مع من قال: اللحاق اللحاق لندرك من فر، وأشرت بيتخليف تابوت يوسف في مصر، وسلمت إلى السامري، ونزلت أريحا مدينة الجبارين، ورضيت بفعل سكنة سدوم، وخالفت أحكام التوراة، واستبحت السبت وعدوت فيه، وقلت إن المضلة ضلال، وإن الحنكة محال، وقلت بالبدائة على الله في الأحكام، وأجزت نسخ الشرائع، واعتقدت أن عيسى ابن مريم المسيح الموعود
به على لسان موسى بن عمران، وانتقلت عن اليهودية إلى سواها من
стр. 179
الأديان، واستبحت لحم الجمل والشحم والحوايا وما اختلط بعظم، وتأولت أن آكل ثمنه غير آكله، وقلت مقالة أهل بابل في إبراهيم، وإلا أكون محرما حرمة تجمع عليها الأحبار، وتقلب عليها حصر الكنائس، ورددت إلى التيه، وحرمت المن والسلوى، وبرئت من كل الأسباط، وقعدت عن حرب الجبارين مع القدرة والنشاط).
يمين النصارى
(إنني والله والله العظيم، وحق المسيح عيسى ابن مريم، وأمه السيدة مرين، وما أعتقده من دين النصرانية، والملة المسيحية، وإلا أبرأ من المعمودية، وأقول إن ماءها نجس، وإن القرابين رجس، وبرئت من مر يوحنا المعمدان والأناجيل الأربعة، وقلت إن متى كذوب، وإن مريم المجدلانية باطلة الدعوى في إخبارها عن السيد اليسوع المسيح، وقلت في السيدة مريم قول اليهود، ودنت بدينهم في الجحود، وأنكرت اتحاد اللاهوت بالناسوت، وبرئت من الأب والابن وروح القدس، وكذبت القسوس، وشاركت في ذبح الشمامس، وهدمت الديارات والكنائس، وكنت ممن مال على قسطنطين ابن هالاني، وتعمد أمه بالعظائم، وخالفت المجامع التي أجمعت عليها الأساقف برومية والقسطنطينية، ووافقت البرذعاني بأنطاكية، وجحدت مذهب الملكانية، وسفهت رأي الرهبان، وأنكرت وقوع الصلب على السيد
стр. 180
اليسوع، وكنت مع اليهود حين صلبوه، وحدت عن الحواريين، واستبحت دماء الديرانيين؛ وجذبت رداء الكبرياء عن البطريرك، وخرجت عن طاعة الباب، وصمت يوم الفصح الأكبر، وقعدت عن أهل الشعانين، وأبيت عيد الصليب والغطاس، ولم أحفل بعيد السيدة، وأكلت لحم الجمل، ودنت بدين اليهود، وأبحت حرمة الطلاق، وخنت المسيح في وديعته، وتزوجت في قرن بامرأتين، وهدمت بيدي كنيسة قمامة، وكسرت صليب الصلبوت، وقلت في البنوة مقال نسطورس، ووجهت إلى الصخرة وجهي، وصديت عن الشرق المنير حيت كان المظهر الكريم، وإلا برئت من النورانيين والشعشعانيين، ودنت غير دين النصارى، وأنكرت أن السيد اليسوع أحيا الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص، وقلت إنه مربوب، وإنه ما رؤي وهو مصلوب، وأنكرت أن القربان المقدس على المذبح ما صار لحم المسيح ودمه حقيقة، وخرجت في النصرانية، عن لاحب الطريقة، وإلا قلت بدين
التوحيد، وتعبدت غير الأرباب، وقصدت بالمظانيات غير طريق الإخلاص، وقلت إن المعاذ غير روحاني، وإن بني المعمودية تسيح في فسيح السماء، وأثبت وجود الحور العين في المعاد، وإن في الدار الآخرة التلذذات الجسمانية، وخرجت خروج الشعرة من العجين من دين النصرانية، وأكون من ديني محروما، وقلن إن جرجس لم يقتل مظلوما).
следующие страницы →