← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

حكم إطالة طرفي الشارب السؤال بعض الناس يطيلون طرفي الشارب بم تنصحونهم؟ وهل ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ شيء من ذلك؟ الجواب ما أعلم أن عمر ﵁ كان يطيل أطراف الشارب، والشارب هو كل ما نبت على الشفة العليا، وحكمه واحد، وما روي عن عمر أنه كان يفتل شاربه فلا يلزم منه التطويل، بل يمكن أن يحصل الفتل بدون إطالة، كما يفتل الحبل أو تفتل الضفائر، فالفتل هو التحريك، فإذا صح أن عمر كان يفتل شاربه فمعناه أنه كان يحرك الشعر الذي يمسكه من شاربه كهيئة الذي يفتل.

стр. 1087

حكم وضوء المستحاضة بعد دخول وقت الصلاة إذا تيقنت عدم خروج دم منها السؤال المرأة المستحاضة إذا تأكدت بأنه لم ينزل من فرجها شيء، فهل يجوز أن تصلي بعد صلاة الظهر والعصر صلاة المغرب والعشاء بدون وضوء بينهما؟ الجواب ما دام أن الدم موجود في فرجها، وإنما لم ينزل بسبب القطن أو بسبب الثياب فهي مستحاضة، ولا يقال: انقطع عنها الدم، فلابد أن تتوضأ وتصلي عند كل صلاة، لكن لو حصل لها انقطاع لفترة من الزمان فتكون طاهرة وحكمها حكم الطاهرات، فإذا توضأت ثم استمرت على الطهارة، ولم ينزل منها دم فإنها تستمر على وضوئها إلى أن يأتي ما ينقضه من حدث.

стр. 1088

هل صلاة النوافل في البيت أفضل من صلاتها في المسجد الحرام أو المسجد النبوي السؤال أيهما أفضل: أداء النافلة في الحرمين أم في البيت كما كان ذلك هدي النبي ﷺ ؟ الجواب صلاة النوافل في البيوت هو الأصل، والرسول ﷺ كان ساكناً في المدينة، وكان يصلي النوافل في بيته، ثم يخرج وتقام الصلاة، ثم إذا سلم من صلاته صلى النافلة في بيته، وقد قال ﵊: (أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة).

стр. 1089

حكم قول: أهل المنطقة الفلانية بخلاء السؤال ما الحكم في هذه العبارة وشبهها التي يتساهل بها بعض طلبة العلم وهي: أهل المنطقة الفلانية بخلاء؟ الجواب هذا كلام غير طيب؛ لأنه يؤذي أهل تلك المنطقة، وليس للإنسان أن يتكلم بالشيء الذي يؤذي، ثم إذا كان هذا اللفظ مبنياً على أساس أنه عرف ذلك عن شخص أو شخصين ثم عمم الحكم فهذا أسوأ. وأهل البلد محصورون والكلام يسوءهم؛ لأن إضافة الذم إلى المكان ذم للجميع.

стр. 1090

حال حديث: (أقربكم مني منزلة يوم القيامة أكثركم صلاة عليّ) السؤال ما صحة حديث: (أقربكم مني منزلة يوم القيامة أكثركم صلاة علي)؟ الجواب هذا الحديث من الأحاديث التي ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري في شرح حديث: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) في كتاب الدعوات، وقد أورد فيه الأحاديث الصحيحة والحسنة، وهذا من الأحاديث التي اعتبرها الحافظ ثابتة، وأنا نقلتها في الكتاب الذي في فضل الصلاة على الرسول ﷺ ، وبيان كيفيتها وشيء من أحكامها.

стр. 1091

شرح سنن أبي داود [٠٤٨] على المرأة المسلمة أن تعرف الأحكام الفقهية التي تحتاج إليها، ومن ذلك كيفية الاغتسال من الحيض والجنابة، فإن نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يسألن رسول الله ﷺ عن هذه الأحكام.

стр. 1092

الاغتسال من الحيض

стр. 1093

شرح حديث: (أردفني رسول الله على حقيبة رحله) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الاغتسال من الحيض. حدثنا محمد بن عمرو الرازي حدثنا سلمة -يعني: ابن الفضل - أخبرنا محمد -يعني: ابن إسحاق - عن سليمان بن سحيم عن أمية بنت أبي الصلت عن امرأة من بني غفار قد سماها لي قالت: (أردفني رسول الله ﷺ على حقيبة رحله، قالت: فوالله لم يزل رسول الله ﷺ إلى الصبح، فأناخ ونزلت عن حقيبة رحله فإذا بها دم مني، فكانت أول حيضة حضتها، قالت: فتقبضت إلى الناقة واستحييت، فلما رأى رسول الله ﷺ ما بي ورأى الدم قال: ما لك؟ لعلك نفست؟ قلت: نعم، قال: فأصلحي من نفسك ثم خذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحاً ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم ثم عودي لمركبك، قالت: فلما فتح رسول الله ﷺ خيبر رضخ لنا من الفيء، قالت: وكانت لا تتطهر من حيضة إلا جعلت في طهورها ملحاً، وأوصت به أن يجعل في غسلها حين ماتت)]. ختم أبو داود ﵀ الأبواب المتعلقة بالحيض بهذا الباب الذي هو: باب الاغتسال من الحيض، وهو كالاغتسال من الجنابة، فلابد فيه من استيعاب البدن، ولابد أن يكون بنيّة، ولا يلزم نقض الرأس، إلا أنه يستحب نقضه آكد من استحبابه في الغسل من الجنابة، وذلك أن الغسل من الجنابة قد يكون في أوقات متقاربة، وأما الحيض فإنها تطول مدته؛ ولهذا يستحب أن تنقض المرأة رأسها عند غسل الحيض، ولكنه ليس بلازم، كما أن نقض الرأس في الغسل من الجنابة ليس بلازم، إلا أن نقضه في اغتسال الحائض آكد في الاستحباب من نقضه في حق المغتسلة من الجنابة. وقد أورد أبو داود ﵀ في هذا الباب عدة أحاديث، أولها: حديث امرأة من بني غفار أن رسول الله ﷺ أردفها على حقيبة رحله، والحقيبة هي: ما يشد في الرحل، والراكب عليه غير الذي يكون رديفاً من وراء الرحل، ولم يزل النبي ﷺ حتى جاء الصبح، فنَزلَت، ولما نزلت رأت في المكان الذي كانت جالسة عليه أثر الدم، قالت: وهي أول حيضة حضتها، فيحتمل أن تكون أولها مطلقاً، ويحتمل أن يكون ذلك أول حيضها في ذلك السفر، ولم تركب وهي حائض. فلما نزلت ورأت الدم انقبضت واستحيت، فلما رأى الرسول ﷺ الدم قال لها: (لعلك نفست؟ قالت: نعم، قال: أصلحي من نفسك) يعني: ضعي شيئاً على نفسك يمنع من خروج الدم وظهوره؛ وذلك بشيء تضعه في فرجها أو على فرجها كقطن أو ثوب أو ما إلى ذلك من الأشياء التي تكون مانعة من ظهور الدم من فرجها. ثم قال: (خذي ماءً وضعي فيه ملحاً واغسلي ذلك المكان، ثم عودي إلى مركبك) يعني: عودي إلى الركوب على الهيئة التي كنت عليها من قبل. قالت: (فلما فتح رسول الله ﷺ خيبر رضخ لنا من الفيء) يعني: أعطاها من الفيء، والرضخ هو إعطاء من ليس من أصحاب السهام. قوله: [(قالت: وكانت لا تتطهر من حيضة إلا جعلت في طهورها ملحاً)]. أي: جعلت في الماء الذي تتطهر به ملحاً؛ لأن النبي ﷺ أمرها أن تضع الملح على الماء وتغسل به أثر الدم الذي كان على الحقيبة التي كانت متصلة برحله ﷺ ، فكانت لا تتطهر إلا وضعت في طهورها ملحاً، وأوصت أن يوضع الملح في الماء الذي تغسل به إذا ماتت. ومحل الشاهد منه: أنها كانت إذا تطهرت جعلت في طهورها ملحاً، ولكن هذا الحديث غير ثابت عن رسول الله ﷺ ؛ لأن في إسناده امرأة مجهولة وهي: أمية بنت أبي الصلت.

стр. 1094

تراجم رجال إسناد حديث: (أردفني رسول الله على حقيبة رحله) قوله: [حدثنا محمد بن عمرو الرازي]. محمد بن عمرو الرازي ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود وابن ماجة. [حدثنا سلمة يعني: ابن الفضل]. سلمة بن الفضل صدوق كثير الخطأ، أخرج حديثه أبو داود والترمذي وابن ماجة في التفسير. [أخبرنا محمد يعني: ابن إسحاق]. هو محمد بن إسحاق المدني، وهو صدوق مدلّس، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن سليمان بن سحيم]. سليمان بن سحيم صدوق، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة. [عن أمية بنت أبي الصلت]. أمية بنت أبي الصلت لا يعرف حالها، أخرج لها أبو داود وحده. [عن امرأة من بني غفار]. يقال: إنها ليلى امرأة أبي ذر الغفاري، وحديثها أخرجه أبو داود، ومن المعلوم أن جهالة الصحابي لا تؤثر، ولكن التأثير في جهالة أمية بنت أبي الصلت الراوية عنها، وكذلك في سلمة بن الفضل الذي هو صدوق كثير الخطأ، فالحديث غير ثابت عن رسول الله ﷺ .

стр. 1095

شرح حديث: (تأخذ سدرها وماءها تتوضأ) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة أخبرنا سلام بن سليم عن إبراهيم بن مهاجر عن صفية بنت شيبة عن عائشة قالت: (دخلت أسماء ﵂ على رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! كيف تغتسل إحدانا إذا طهرت من المحيض؟ قال: تأخذ سدرها وماءها تتوضأ، ثم تغسل رأسها وتدلكه حتى يبلغ الماء أصول شعرها، ثم تفيض على جسدها، ثم تأخذ فرصتها فتتطهر بها، قالت: يا رسول الله! كيف أتطهر بها؟ قالت عائشة ﵂: فعرفت الذي يكني عنه رسول الله ﷺ ، فقلت لها: تتبعين بها آثار الدم)]. أورد أبو داود ﵀ حديث عائشة ﵂ أن أسماء -قيل: إنها أسماء بنت شكل أو أسماء بنت يزيد - وهي من الأنصار، جاءت إلى رسول الله ﷺ وقالت: كيف تتطهر إحدانا من المحيض؟ يعني: كيف الاغتسال من المحيض؟ فقال لها الرسول ﵊: (تأخذ سدرها وماءها تتوضأ، ثم تغسل رأسها، وتدلكه حتى يبلغ الماء أصول شعرها) يعني: تحرك شعرها بيدها وتدلكه حتى يصل الماء إلى أصول الشعر. قال: (ثم تفيض على جسدها) يعني: بعدما تغسل رأسها وتدلكه حتى يصل الماء إلى أصوله، ثم تفيض الماء على جسدها كله بحيث تستوعبه في الغسل. إذاً: أولاً: تتوضأ وتغسل رأسها، وتدلكه بالماء والسدر، ولا يلزمها النقض، والنقض مستحب؛ لأن مدة الحيض تطول وتبلغ أياماً، ويكفي أن تصب عليه الماء وتدلكه بيدها حتى يصل الماء إلى أصوله. ثانياً: تفيض الماء على سائر جسدها، وتأخذ قطنة ممسكة، يعني: فيها مسك، وتتبع بها آثار الدم؛ حتى تزيل الرائحة الكريهة، وتحل مكانها رائحة المسك الطيبة. قولها: (كيف أتطهر بها؟) يعني: بهذه القطنة الممسكة، فالرسول ﷺ لم يزد على قوله: (تطهري بها)، ففهمت عائشة ﵂ الذي كنى به رسول الله ﷺ ، فأخذتها وقالت: (تتبعي آثار الدم) يعني: تتبعي بهذه القطنة الممسكة آثار الدم، وهذا الحديث فيه بيان كيفية الاغتسال من الحيض.

стр. 1096

تراجم رجال إسناد حديث: (تأخذ سدرها وماءها وتتوضأ) قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة]. عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي. [أخبرنا سلام بن سليم]. هو سلام بن سليم الحنفي أبو الأحوص، يأتي ذكره كثيراً بالكنية أبو الأحوص، ويأتي أحياناً بالاسم كما هنا، فهو سلام بن سليم الحنفي أبو الأحوص، وذكره بالكنية أكثر من ذكره بالاسم، وفائدة معرفة الكنى لأصحاب الأسماء: ألا يظن الشخص الواحد شخصين، بحيث إذا ذكر اسمه في موضع كما هنا سلام بن سليم، وفي موضع آخر ذكر أبو الأحوص، فالذي لا يعرف يظن أن أبا الأحوص شخص وأن سلام بن سليم شخص آخر، ولكن من عرف أن هذه كنيته، فإن جاء باسمه فهو معروف، وإن جاء بكنيته فهو معروف، ولا يلتبس عليه فيظن أن المقصود بهذا رجل وبهذا رجل آخر، بل المقصود بهما رجل واحد ذكر اسمه في بعض المواضع وذكر بكنيته في بعض المواضع. وأبو الأحوص سلام بن سليم الحنفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن إبراهيم بن مهاجر]. إبراهيم بن مهاجر صدوق لين الحفظ، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [عن صفية بنت شيبة]. صفية بنت شيبة لها رؤية، أخرج حديثها أصحاب الكتب الستة. [عن عائشة]. هي عائشة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، التي أنزل الله براءتها مما رميت به من الإثم في آيات تتلى من سورة النور، ومع ذلك تتواضع لله وتقول عن نفسها: كنت أتمنى أن يرى رسول الله ﷺ في منامه رؤيا يبرئني الله بها، ولَشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله في آيات تتلى، فهذا من كمالها ونبلها وفضلها، فقد بلغت ما بلغت في الفضل والشرف، ومع ذلك تقلل من شأن نفسها وتهون من شأن نفسها تواضعاً لله ، ومن تواضع لله رفعه الله، وهي من أوعية السنة وحَفَظتها، ولاسيما في الأمور المتعلقة بالبيت وما يجري بين الرجل وأهل بيته، فإنها وعت وحفظت الكثير، وهي واحدة من سبعة أشخاص عُرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 1097

شرح حديث: (تأخذ سدرها وماءها وتتوضأ) من طريق ثانية قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد بن مسرهد أخبرنا أبو عوانة عن إبراهيم بن مهاجر عن صفية بنت شيبة عن عائشة ﵂ أنها ذكرت نساء الأنصار فأثنت عليهن وقالت لهن معروفاً، وقالت: (دخلت امرأة منهن على رسول الله ﷺ فذكر معناه، إلا أنه قال: فرصة ممسّكة) قال مسدد: كان أبو عوانة يقول: فرصة، وكان أبو الأحوص يقول: قرصة]. أورد أبو داود ﵀ حديث عائشة من طريق أخرى، وفيه ذكر أن المرأة التي سألت الرسول ﷺ من الأنصار، وأثنت عائشة على نساء الأنصار خيراً؛ وذلك لسؤالهن عن أمور الدين، ولتفقههن في الدين، وأحال في متن الحديث على الحديث السابق؛ لأن المعنى واحد، ولكن اللفظ فيه اختلاف. وقوله: (فرصة ممسّكة) أي: فيها مسك. قوله: [قال مسدد: كان أبو عوانة يقول: فرصة، وكان أبو الأحوص يقول: قرصة]. أبو الأحوص هو الذي مر في السند السابق، وهو سلام بن سليم، وهذا السند فيه أن أبا عوانة قال: فرصة، وذاك قال: قرصة، والمقصود من ذلك: أنها قطعة من القطن يكون عليها مسك.

стр. 1098

تراجم رجال إسناد طريق أخرى لحديث: (تأخذ سدرها وماءها وتتوضأ) قوله: [حدثنا مسدد بن مسرهد]. هو مسدد بن مسرهد البصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. [أخبرنا أبو عوانة]. هو أبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو مشهور بكنيته كـ أبي الأحوص مشهور بكنيته، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن إبراهيم بن مهاجر عن صفية عن عائشة]. وقد مرّ ذكر الثلاثة.

стр. 1099

شرح حديث: (سبحان الله! تطهري بها) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري قال: أخبرني أبي عن شعبة عن إبراهيم -يعني: ابن مهاجر - عن صفية بنت شيبة عن عائشة: (أن أسماء ﵂ سألت النبي ﷺ بمعناه، قال: فرصة ممسكة، قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: سبحان الله! تطهري بها، واستتر بثوب) وزاد: (وسألته عن الغسل من الجنابة، فقال: تأخذين ماءك فتتطهرين أحسن الطهور وأبلغه، ثم تصبين على رأسك الماء، ثم تدلكينه حتى يبلغ شئون رأسك، ثم تفيضين عليك الماء) قال: وقالت عائشة: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يسألن عن الدين، وأن يتفقهن فيه]. أورد أبو داود ﵀ حديث عائشة من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله، وفيه: أن أسماء أنصارية، وأنها سألت النبي ﷺ بمعناه، يعني: بمعنى الحديث المتقدم. قوله: [(فرصة ممسكة، قالت: كيف أتطهر بها؟)]. هو يريد ﷺ أن تتبع أثر الدم الخارج في فرجها، حتى تزول تلك الرائحة الكريهة، ويحل محلها رائحة طيبة، فقالت: كيف أتطهر بها؟ فقال: (تطهري بها!) قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: (سبحان الله!) يعني: تعجب من قولها، ولم يزد على ذلك، وإنما قال: (تطهري بها، واستتر بثوب) يعني: غطى وجهه بثوب ولم يرد أن يزيد على ما قال شيئاً، وفي الرواية السابقة قالت عائشة: ففهمت الذي كنى عنه الرسول ﷺ بقوله: (تطهري بها) فأخذت بيدها وقلت لها: تتبعي بها أثر الدم. قوله: [(وسألته عن الغسل من الجنابة، فقال: تأخذين ماءك فتتطهرين أحسن الطهور وأبلغه، ثم تصبين على رأسك الماء، ثم تدلكينه حتى يبلغ شئون رأسك، ثم تفيضين عليك الماء)]. أيضاً سألت عن الغسل من الجنابة فأجابها، والغسل من الجنابة مثل الغسل من الحيض. قوله: [قالت عائشة ﵂: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يسألن عن الدين، وأن يتفقهن فيه]. أثنت عائشة ﵂ على نساء الأنصار بأن عندهن الحرص على معرفة أمور الدين، ولا يمنعهن الحياء من أن يتفقهن في دين الله، وأن يسألن عن الأمور التي يحتجن إليها رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن.

стр. 1100

تراجم رجال إسناد حديث: (سبحان الله! تطهري بها) قوله: [حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري]. هو عبيد الله بن معاذ بن معاذ العنبري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. [أخبرني أبي]. هو معاذ بن معاذ العنبري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن شعبة]. هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن إبراهيم -يعني: ابن مهاجر - عن صفية بنت شيبة عن عائشة]. وقد مر ذكر الثلاثة.

стр. 1101

شرح سنن أبي داود [٠٤٩] من رحمة الله بهذه الأمة أن يسر عليها أمر دينها، وأذهب عنها الإصر والأغلال التي كانت على الأمم السابقة، ومن ذلك أنه شرع التيمم عند عدم وجود الماء أو عند عدم القدرة على استعماله، وقد ورد التيمم بعدة كيفيات.

стр. 1102

التيمم

стр. 1103

شرح حديث: (بعث رسول الله أسيد بن حضير وأناساً معه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التيمم. حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي أخبرنا أبو معاوية ح، وحدثنا عثمان بن أبي شيبة أخبرنا عبدة -المعنى واحد- عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: (بعث رسول الله ﷺ أسيد بن حضير وأناساً معه في طلب قلادة أضلتها عائشة، فحضرت الصلاة، فصلوا بغير وضوء، فأتوا النبي ﷺ فذكروا ذلك له، فأنزلت آية التيمم، زاد ابن نفيل فقال لها أسيد بن حضير: يرحمك الله! ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلمين ولك فيه فرجاً)]. أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة وهي: باب التيمم بعد أن فرغ مما يتعلق بالوضوء والغسل من الجنابة، والغسل من الحيض، وذكر الأبواب المتعلقة بالتيمم بعد الوضوء وبعد الغسل من الجنابة ومن المحيض في غاية المناسبة وفي غاية الحسن؛ لأن الوضوء والاغتسال من الجنابة والاغتسال من الحيض يكون بالماء، وإذا فقد الماء أو تعذر استعماله بسبب مضرة عظيمة فإنه ينتقل إلى التيمم. وهذا الترتيب أنسب من جعل التيمم قبل الحيض كما في بعض الكتب؛ لأن التيمم طهارة تحل محل ما يتطهر له بالماء. أورد أبو داود ﵀ تحت هذه الترجمة أحاديث تدل على مشروعية التيمم وأصل فرضيته، وصفته، وبدأ بحديث عائشة ﵂ في مشروعية التيمم وأصل فرض التيمم، وأن أصل ذلك أنها كانت في سفر مع رسول الله ﷺ في غزوة من الغزوات، وفي ليلة من الليالي أرادوا أن يرتحلوا، فذكرت عائشة ﵂ أنها فقدت عقداً لها استعارته من أختها أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، فالرسول ﵊ مكث وأرسل من يبحث عن ذلك العقد، وكان فيهم أسيد بن حضير رضي الله تعالى عنه، فكانوا يبحثون ويفتشون عنه، ونفد الماء الذي كان معهم، وكان مما حصل أن أبا بكر غضب على عائشة؛ لأنها تسببت في حبس الناس بسبب ذلك العقد الذي فقدته، وأصحاب رسول الله ﷺ الذين ذهبوا للبحث عنه لما جاء وقت الصلاة وليس معهم ماء صلوا بدون وضوء، وهذا فيه دليل على أن الصلاة لا تسقط بأي حال من الأحوال؛ لأن الصحابة ﵃ وأرضاهم لما فقدوا الماء ولم يكن التيمم قد شرع؛ علموا أن الصلاة لا تترك ولا تؤخر، فصلوا بدون وضوء، والرسول ﷺ أقرهم، ولكن بعد أن شرع التيمم إذا لم يوجد الماء فينتقل الإنسان إلى التيمم، وكذلك إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يتوضأ ولا يتيمم فيصلي على حسب حاله، مثل الإنسان الذي تكون يداه مربوطتين ولا يستطيع أن يتحرك، فالصلاة لا تسقط عنه، بل عليه أن يصلي على حسب حاله. فنزلت آية التيمم، فتيمموا وصلوا، وقال أسيد بن حضير ﵁ لـ عائشة: (يرحمك الله! ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلمين ولك فيه فرجاً ومخرجاً)، يعني: أن الذي حصل من حبس الناس بسبب عقدها، وكان في نفس أبي بكر عليها شيء بسبب ذلك، وكانت تألمت وتأثرت لما حصل من أبيها في حقها؛ فشاء الله أن يجيء وقت صلاة الفجر وليس معهم ماء، فأنزل الله آية التيمم فتيمموا، وعند ذلك أثنى أسيد بن حضير ﵁ على أم المؤمنين عائشة. وفي بحثهم عن العقد دليل على أن المال لا يستهان به؛ لأن الرسول ﷺ مكث من أجل البحث عن هذا العقد، وبعث جماعة يبحثون عن هذا العقد، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله يكره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال). وبعد أن نزلت آية التيمم وتيمموا وصلوا، عزموا على الارتحال، وأيسوا من العقد، ولما أثاروا البعير وجدوا العقد تحت الجمل الذي كانت تركب عليه عائشة ﵂.

стр. 1104

رسول الله لا يعلم الغيب في هذا الحديث دليل على أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، وأنه لا يعلم من الغيوب إلا ما أطلعه الله عليه، وعلم الغيب على الإطلاق من خصائص الله ، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥]، والله تعالى أمر نبيه ﵊ أن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم الغيب، قال الله: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام:٥٠]، وقال: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف:١٨٨]، وكل هذا يدل على أن علم الغيب على الإطلاق إنما هو من خصائص الله ، ولا يضاف إلى النبي ﷺ شيء من خصائص الله . والنبي الكريم ﵊ قد أطلعه الله على الكثير من الغيوب، سواءً كانت ماضية أو مستقبلة أو موجودة ولكنها لا تشاهد ولا تعاين، ولكن ليس كل غيب يطلع عليه الرسول ﷺ ، وهذا الذي جاء في حديث عائشة ﵂ في قصة فرض التيمم من أمثلة ذلك، والأمثلة كثيرة ومنها أيضاً: قصة الإفك عندما رميت عائشة بالفاحشة، والنبي ﷺ لم يعلم الحقيقة، وأذن لها أن تذهب إلى أهلها، وبقيت مدة متألمة، كما أن الرسول ﷺ بقي متألماً متأثراً، وكان يأتي إلى عائشة ﵂ ويقول لها: (يا عائشة! إن كنت ألممت بذنب فتوبي إلى الله واستغفري الله) ولو كان يعلم الغيب ما قال هذا الكلام، ولم يبق مدة وهو متألم متأثر، وأهله وزوجته كذلك، وأصهاره أبو بكر وأهله كذلك كلهم متألمون ومتأثرون، فلو كان يعلم الغيب فبمجرد ما رميت بالإفك سيقول لهم: هي بريئة، فأنا أعلم الغيب، لكن ما قال رسول الله ﵊ هذا. وكذلك النبي ﵊ صلى مرة وفي نعليه نجاسة، ولم يعلم بذلك حتى جاءه جبريل وأخبره في أثناء الصلاة، فخلع نعليه وهو في الصلاة ﵊. وكذلك يوم البعث والنشور عندما يكون ﵊ على الحوض ويذاد عنه أناس يعرفهم من أصحابه، ولكنهم ارتدوا وقاتلهم أبو بكر ﵁ والصحابة على ردتهم، وماتوا على الردة، فإنهم يذادون عن الحوض، والرسول ﷺ يقول: (أصحابي، فيقال له: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، فلو كان يعلم الغيب ﵊ لما قيل له هذا الكلام، ولم يقل: (أصحابي) إذ كان يعرف أنهم منعوا من الحوض لكونهم ماتوا على الردة، لكنه ما كان يعلم ذلك ﵊.

стр. 1105

النهي عن الغلو في النبي ﵊ الرسول الكريم ﵊ أطلعه الله على كثير من الغيوب الماضية والمستقبلة والحاضرة التي لا تشاهد ولا تعاين كأخبار السماوات، وأخبار الجنة والنار وما فيهما، وما إلى ذلك من أمور غيبية لا تشاهد ولا تعاين، ولكن الله أطلع نبيه محمداً ﷺ عليها. والواجب أن يعرف قدر النبي ﷺ ، وينزل المنزلة التي أنزله الله إياها بدون غلو وزيادة ومجاوزة للحد، بحيث يضاف إليه ما يضاف إلى الله، ويوصف بما يوصف به الله، ومن ذلك وصفه أنه يعلم الغيب مطلقاً، قال البوصيري في البردة: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم وقوله: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حصول الحادث العمم وهذا لا يليق ولا يصلح إلا لله ؛ لأن النبي ﵊ ليس كل ما في اللوح المحفوظ؛ وليس كل غيب يعلمه ﵊، فالواجب هو محبة النبي ﷺ المحبة التي تفوق محبة كل مخلوق حتى الأب والأم والولد والبنت والقريب والبعيد، وكل من تربط الإنسان به رابطة، وكل من له به علاقة، فمحبة النبي ﷺ يجب أن تفوق محبة كل محبوب من الخلق، ولكن لا يغلى فيه ولا يطرى ولا يتجاوز به الحد، وإنما يمدح ويثنى عليه في حدود ما هو سائغ من غير إفراط ومن غير مجاوزة للحد.

стр. 1106

تابع شرح حديث: (بعث رسول الله أسيد بن حضير وأناساً معه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [قالت عائشة ﵂: (بعث رسول الله ﷺ أسيد بن حضير وأناساً معه في طلب قلادة)]. هذا فيه اختصار، والقصة أنهم كانوا في سفر وكانت معهم عائشة ﵂، فلما أرادوا أن يرتحلوا أخبرت عائشة النبي ﷺ بأنها فقدت عقداً لها، فالرسول ﷺ أمرهم أن يبقوا، وأرسل أسيد بن حضير ومن معه ليبحثوا عن العقد، لاحتمال أنها فقدته عندما ذهبت تقضي حاجة، فأرسلهم يبحثون عنه ويفتشون. قوله: [(فحضرت الصلاة، فصلوا بغير وضوء، فأتوا النبي صلى الله عليه وآله سلم فذكروا ذلك له، فأنزلت آية التيمم)]. يعني: لم يأمرهم النبي ﵊ بالإعادة، فدل هذا على أن الإنسان إذا لم يتمكن من الوضوء ولا من التيمم فإنه يصلي على حسب حاله، والصلاة لا تسقط بأي حال من الأحوال ما دامت الروح في الجسد، وما دام الإنسان فيه حياة، فإن عليه أن يصلي على حسب حاله؛ لأن النبي ﷺ أقر هؤلاء الذين صلوا بدون وضوء، فدل هذا على أنه بعد فرض التيمم إذا لم يتمكن الإنسان لا من هذا ولا من هذا فإنه يصلي على حسب حاله ولا تسقط عنه الصلاة. قوله: [زاد ابن نفيل: (فقال لها أسيد بن حضير: يرحمك الله! ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلمين ولك فيه فرجاً)]. قول أسيد بن حضير ﵁ لها هو من رواية ابن نفيل أحد شيخي أبي داود، والمعنى أنه حصل خير كثير وشيء عظيم بسبب هذا الانحباس، وهو أنه شرع لهم التيمم الذي يتطهر به المسلمون عند فقد الماء أو عند عدم القدرة على استعماله.

стр. 1107

تراجم رجال إسناد حديث: (بعث رسول الله أسيد بن حضير وأناساً معه) قوله: [حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي]. هو عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل النفيلي وهو ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن. [أخبرنا أبو معاوية]. هو أبو معاوية محمد بن خازم الضرير الكوفي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ح وحدثنا عثمان بن أبي شيبة]. ح هي للتحول من إسناد إلى إسناد، وعثمان بن أبي شيبة قد مر ذكره. [أخبرنا عبدة]. هو عبدة بن سليمان وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. قوله: [والمعنى واحد]. يعني: أن رواية شيخه النفيلي ورواية شيخه عثمان بن أبي شيبة معناهما واحد، وهذه طريقة أبي داود ﵀ أنه عندما يذكر اثنين من شيوخه أو أكثر يقول: المعنى، وأحياناً يقول: المعنى واحد، كما هنا، يعني: أن هؤلاء الشيوخ الذين ذكرهم ليسوا متفقين في الألفاظ ولكنهم متفقون في المعنى. [عن هشام بن عروة]. هشام بن عروة ثقة ربما دلّس، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبيه]. هو عروة بن الزبير بن العوام وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن أم المؤمنين عائشة]. أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها، وقد مر ذكرها.

стр. 1108

شرح حديث: (تمسحوا مع رسول الله بالصعيد لصلاة الفجر) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة حدثه عن عمار بن ياسر ﵁ أنه كان يحدث: (أنهم تمسحوا وهم مع رسول الله ﷺ بالصعيد لصلاة الفجر، فضربوا بأكفهم الصعيد ثم مسحوا وجوههم مسحة واحدة، ثم عادوا فضربوا بأكفهم الصعيد مرة أخرى فمسحوا بأيديهم كلها إلى المناكب والآباط من بطون أيديهم)]. أورد أبو داود ﵀ هذه الأحاديث التي فيها صفة المسح، وكيفية المسح، وهل هو ضربتان أو ضربة واحدة؟ وهل مسح اليدين يكون إلى الكفين فقط أو إلى المرافق أو إلى الآباط والمناكب؟ منها ما هو للوجه والكفين فقط وهذا هو الذي في الصحيحين، ومنها ما هو إلى المرافق وإلى نصف الساعد، ومنها ما هو إلى الآباط، وقد قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري: إن الذي في الصحيحين للكفين، والأحاديث التي فيها إلى نصف الساعد وإلى المرافق فيها مقال، وأما الأحاديث التي فيها إلى الآباط فوردت عن الصحابة، فإن كان فعلهم بأمره ﷺ فالأحاديث التي جاءت بعد ذلك وصحت عن رسول الله ﷺ تكون ناسخة له، وإن كانت باجتهاد من الصحابة وأنهم فهموا أن المراد باليد إلى المناكب؛ لأن اليد في القرآن مطلقة في قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة:٦] فيكون هذا اجتهاد منهم والعبرة بما جاء عن النبي ﷺ ، والذي جاء عنه ﷺ وثبت في الصحيحين هو أنه للكفين فقط ولا يتجاوز ذلك إلى غيره. هذا ما قاله الحافظ ابن حجر في فتح الباري تحت ترجمة: باب التيمم للوجه والكفين. أورد أبو داود ﵀ حديث عمار (أنهم كانوا مع النبي ﷺ وتمسحوا)، أي: تيمموا بالصعيد، ومسحوا على وجوهم وأيديهم منه، وفيه ذكر ضربتين: ضربة للوجه وضربة لليدين، وجاء في بعض الأحاديث أنها ضربة واحدة، وأنها كافية، وإن ضرب الإنسان ضربتين فقد جاء ما يدل على ذلك وهو هذا الحديث، ويكتفى بمسح الكفين فقط، والذين قالوا: يمسح إلى المرافق استدلوا ببعض الروايات التي وردت وفيها المسح إلى المرافق، لكن تلك الروايات لا تسلم من مقال، وأيضاً استدلوا بالقياس على الوضوء، وذلك أن الوضوء يكون غسل اليدين فيه إلى المرفقين، ولكن ما دام أن السنة قد جاءت عن رسول الله ﷺ بالاقتصار على مسح الكفين فقط فالاقتصار على ذلك هو المتعين، فإن السنة بينت المراد بالإجمال الذي في الآية، وحددت ذلك بالكفين، فإن اليد في الآية مطلقة، فإذا جاء ما يقيدها من السنة صير إليه، كما أنه جاء ذكر الأيدي بالنسبة للسرقة مطلقة، والنبي ﷺ بين أن القطع يكون من المفصل الذي يكون بين الكف والساعد، وكذلك أيضاً جاء في السنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ في الصحيحين وفي غيرهما أن التيمم للكفين فقط، فتكون السنة مبينة للمراد من الآية.

стр. 1109

تراجم رجال إسناد حديث: (تمسحوا مع رسول الله بالصعيد لصلاة الفجر) [حدثنا أحمد بن صالح]. هو أحمد بن صالح المصري وهو ثقة، أخرج أحاديثه البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل. [حدثنا عبد الله بن وهب]. هو عبد الله بن وهب المصري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرني يونس]. هو يونس بن يزيد الأيلي ثم المصري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن شهاب]. هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة]. هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عمار بن ياسر]. عمار بن ياسر ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، أخرج له أصحاب الكتب الستة. قيل: إن عبيد الله لم يسمع من عمار وإنما روى عنه بواسطة، وقد جاء في بعض الأحاديث ذكر الواسطة بينهما، وأنه ابن عباس.

стр. 1110

شرح حديث: (تمسحوا مع رسول الله بالصعيد لصلاة الفجر) من طريق ثانية قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا سليمان بن داود المهري وعبد الملك بن شعيب عن ابن وهب نحو هذا الحديث قال: (قام المسلمون فضربوا بأكفهم التراب ولم يقبضوا من التراب شيئاً، فذكر نحوه، ولم يذكر المناكب والآباط، قال ابن الليث: إلى ما فوق المرفقين)]. أورد أبو داود ﵀ حديث عمار من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله، إلا أن فيه أنه قال: (لم يقبضوا شيئاً من التراب) ومعناه: أنهم لما ضربوا لم يأخذوا شيئاً من التراب بأيديهم، وإنما الذي علق باليدين عند الضرب هو الذي تيمموا به، وقد جاء عن النبي ﷺ ما يدل على أنه نفخ يديه حتى يخفف الغبار الكثير الذي علق باليد. إذاً: قوله: (لم يقبضوا)، يبين أن قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة:٦] أن قوله: ((مِنْهُ)) يعني: ما يعلق باليد، وليس المقصود به ما يقبض باليد وما يمسك باليد، وإنما ما يعلق باليد من الصعيد مما يتصاعد ويتطاير عند الضرب في الأرض، فهذا هو الذي يمسح به، وإذا كان كثيراً ينفض؛ لأنه جاء في بعض الروايات الصحيحة في البخاري وغيره: (أنه نفخ يديه حتى يخفف التراب). قوله: [وقال ابن الليث]. ابن الليث هو عبد الملك بن شعيب بن الليث أحد شيخي أبي داود في هذا الحديث، وهو الشيخ الثاني.

стр. 1111

تراجم رجال إسناد حديث: (تمسحوا مع رسول الله بالصعيد لصلاة الفجر) من طريق ثانية قوله: [حدثنا سليمان بن داود المهري]. هو سليمان بن داود المهري أبو الربيع المصري وهو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي. [وعبد الملك بن شعيب]. هو عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد وهو ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي. [عن ابن وهب]. ابن وهب مر ذكره.

стр. 1112

شرح حديث: (فأنزل الله على رسوله رخصة التطهر بالصعيد الطيب) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن أحمد بن أبي خلف ومحمد بن يحيى النيسابوري في آخرين، قالوا: حدثنا يعقوب أخبرنا أبي عن صالح عن ابن شهاب قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمار بن ياسر ﵃ أجمعين: (أن رسول الله ﷺ عرس بذات الجيش ومعه عائشة فانقطع عقد لها من جزع ظفار، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر، وليس مع الناس ماء فتغيظ عليها أبو بكر ﵁ وقال: حبست الناس وليس معهم ماء، فأنزل الله تعالى على رسوله ﷺ رخصة التطهر بالصعيد الطيب، فقام المسلمون مع رسول الله ﷺ فضربوا بأيديهم إلى الأرض، ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئاً، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط)، وزاد ابن يحيى في حديثه: قال ابن شهاب في حديثه: ولا يعتبر بهذا الناس]. قوله: [ولا يعتبر بهذا الناس]، يعني: أن الناس لم يعتدوا ولم يأخذوا بما جاء في هذا الحديث من ذكر الآباط والمناكب، وحديث عمار رضي الله تعالى عنه هذا يرويه عنه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وفيه: (أن النبي ﵊ عرس بذات الجيش) وهو مكان، والتعريس: هو الاستراحة في آخر الليل، فعندما أرادوا أن يرتحلوا فقدت عائشة عقداً لها، وكان من جزع ظفار، وهي مدينة في اليمن، والجزع هو الخرز، فأمر الرسول ﵊ الناس أن يبقوا للبحث عنه، وقد سبق أن أسيد بن حضير في جماعة هم الذين بحثوا عن ذلك العقد. قوله: (فتغيظ أبو بكر على عائشة وقال: حبست الناس وليس معهم ماء! يعني: أن عائشة ﵂ هي السبب في أمر رسول الله ﷺ الناس بالبقاء، فأضاف الحبس إلى عائشة؛ لأنها هي المتسببة في ذلك، وإلا فإن الحبس إنما هو من رسول الله ﵊، فهو الذي أمر الناس بأن يبقوا، وبعد ذلك أنزل الله آية التيمم فتيمموا. وكان مما ذكر في تيممهم أنهم مسحوا وجوههم وأيديهم إلى المناكب ومن بطونها إلى الآباط، فظهور الأيدي يقابلها المناكب، فمسحوا من الظهور إلى المناكب، ومن البطون إلى الآباط، بحيث يبدأ بظهر اليد وينتهي بالمنكب، ويبدأ من بطنها وينتهي بالإبط.

стр. 1113

تراجم رجال إسناد حديث: (فأنزل الله على رسوله رخصة التطهر بالصعيد الطيب) قوله: [حدثنا محمد بن أحمد بن أبي خلف ومحمد بن يحيى النيسابوري]. محمد بن أحمد بن أبي خلف ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود. ومحمد بن يحيى النيسابوري هو الذهلي، وهو ثقة أخرج له البخاري وأصحاب السنن. قوله: [في آخرين]. يعني: حدثه جماعة غير هذين الاثنين. [حدثنا يعقوب]. هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا أبي]. أبوه هو إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن صالح]. هو صالح بن كيسان وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن شهاب]. مر ذكره. [عن عبيد الله بن عبد الله]. مر ذكره. [عن عبد الله بن عباس]. هو ابن عم النبي ﷺ ، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 1114

توجيه حديث: (فأنزل الله على رسوله رخصة التطهر بالصعيد الطيب) هذا الحديث صحيح، لكن الأمر كما قال الحافظ ابن حجر: إن كان التيمم إلى المناكب بأمر النبي ﵊ فقد جاء ما ينسخه، وإن كان بفعلهم فالعبرة بما جاء عن النبي ﷺ وهو مسح الوجه والكفين فقط. [قال ابن شهاب في حديثه: ولا يعتبر بهذا الناس]. يعني: الناس لم يأخذوا بما جاء فيه من المسح إلى الآباط، وقد جاء عن الزهري أنه يرى المسح إلى الآباط، لكن هذا الذي ذكره هنا يخالف الذي جاء عنه، وابن رشد في بداية المجتهد لما ذكر هذا قال: إنه قول شاذ نسب إلى الزهري القول به وإلى شخص آخر معه، وأما المسح إلى المرفقين فقد جاءت فيه أحاديث فيها كلام، وبعضها شاذ؛ لأنه مخالف للروايات الصحيحة التي فيها ذكر الكفين.

стр. 1115

اختلاف الرواة في حديث ضرب الأرض عند التيمم [قال أبو داود: وكذلك رواه ابن إسحاق قال فيه: عن ابن عباس، وذكر ضربتين كما ذكر يونس]. يعني: كما تقدم في الرواية السابقة التي يروي فيها ابن عباس عن عمار، قال: (فقام المسلمون مع الرسول ﷺ فضربوا بأيديهم إلى الأرض، ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئاً فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط)، فذكر ضربة واحدة، وفي رواية ابن إسحاق ذكر ضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ورواه معمر عن الزهري ضربتين]. يعني: كما جاء عن ابن إسحاق. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال مالك: عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عن عمار]. هذه طريق أخرى، وفيها أن عبيد الله يروي عن أبيه عن عمار وليس فيها أن ابن عباس هو الواسطة بين عبيد الله وبين عمار، وأبو عبيد الله هو عبد الله بن عتبة بن مسعود ابن أخي عبد الله بن مسعود، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكذلك قال أبو أويس عن الزهري]. أبو أويس هو عبد الله بن عبد الله بن أويس وهو صدوق يهم، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وشك فيه ابن عيينة قال مرة: عن عبيد الله عن أبيه أو عن عبيد الله عن ابن عباس]. أي: شك فيه ابن عيينة فقال في بعض الروايات: عن عبيد الله عن أبيه، فجعل الواسطة بين عمار وبين عبيد الله أبوه، وقال مرة: عن عبيد الله عن ابن عباس عن عمار. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومرة قال: عن أبيه، ومرة قال: عن ابن عباس، اضطرب ابن عيينة فيه، وفي سماعه من الزهري]. يعني: أنه مرة شك، ومرة قال: عن أبيه، ومرة قال: عن ابن عباس، فاضطرب فيه ابن عيينة عن الزهري. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولم يذكر أحد منهم في هذا الحديث الضربتين إلا من سميت]. يعني: لم يذكر أحد منهم الضربتين في هذا الحديث إلا من سميت: وهم محمد بن إسحاق ويونس بن يزيد ومعمر بن راشد، وكل من الضربتين والضربة ثابت، فإن ضرب المتيمم واحدة كفت، وإن ضرب ضربتين فلا بأس.

стр. 1116

الأسئلة

стр. 1117

حكم السلام على شارب الدخان السؤال هل يجوز السلام على من كان متلبساً بالمعصية كالذي يشرب الدخان في حال شربه؟ الجواب يسلم عليه وينصحه.

стр. 1118

زكاة مال المضاربة السؤال والدي عنده مبلغ من المال تركنا نتصرف فيه بالتجارة، والأرباح لنا، فعلى من تكون الزكاة؟ الجواب في المضاربة زكاة رأس المال على صاحب رأس المال، ونصيبهم من الربح تابع لرأس المال، وما يأخذونه من الربح بسبب العمل إذا بلغ نصيب كل واحد منهم نصاباً وحال عليه الحول فإنه يزكيه.

стр. 1119

حكم بيع البيت المشترى بالأقساط قبل تسليم بقية الأقساط السؤال الدولة تبيع بيوتاً بأقساط مثلاً: بعشرين ألفاً مقدمة، وعشرين ألفاً مؤخرة، ولا تجيز للشخص المشتري أن يبيع البيت حتى يسدد باقي الأقساط، فهل يجوز لي أن أبيع هذا البيت على أن يقوم الذي اشتراه مني بتسديد باقي الأقساط؟ الجواب إذا كانت الدولة تسمح بهذا فلا بأس، وإذا كانت لا تسمح فيبقى الأمر على ما هو عليه.

стр. 1120

حكم بيع سيارة قبل امتلاكها السؤال الدولة تبيع سيارات من الناس على أن يدفع المال مقدماً بسعر زهيد، ويأخذ إيصالاً على تلك السيارة، وبعد أيام يأخذ السيارة، والسيارة جديدة إلا أنها غير معلومة، فهل يجوز أن أبيع هذا الإيصال؟ الجواب الإنسان لا يبيع الشيء إلا إذا ملكه، وأنت ما ملكت السيارة، فإذا ملكت السيارة بعها، وأما قبل أن تملكها فليس لك أن تبيع شيئاً لا تملكه.

стр. 1121

حكم الزواج عن طريق الهاتف السؤال هل يجوز النكاح عن طريق الهاتف؟ الجواب النكاح يحتاج إلى ولي وشاهدي عدل، وكذلك يحتاج إلى كون الذي يتولاه يكون على علم ومعرفة حتى لا يقع النكاح على وجه لا يصلح بأن يتزوج المرأة في عدتها مثلاً، إذا كان غير حاضر فيرسل وكالة لشخص، ويجتمع ذلك الوكيل مع ولي المرأة ويحضر الشهود ويتم الزواج.

стр. 1122

شرح سنن أبي داود [٠٥٠] من رحمة الله بعباده أن شرع لهم التيمم عند عدم وجود الماء أو تعذر استعماله، وهو يقوم مقام الوضوء أو الغسل، وله أحكام كثيرة بينها أهل العلم رحمهم الله تعالى استنباطاً من كتاب الله وسنة رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام.

стр. 1123

تابع التيمم

стр. 1124

شرح حديث: (بعثني رسول الله في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن سليمان الأنباري حدثنا أبو معاوية الضرير عن الأعمش عن شقيق أنه قال: (كنت جالساً بين عبد الله وأبي موسى ﵄، فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن! أرأيت لو أن رجلاً أجنب فلم يجد الماء شهراً أما كان يتيمم؟ فقال: لا، وإن لم يجد الماء شهراً، فقال أبو موسى: فكيف تصنعون بهذه الآية التي في سورة المائدة: ((فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا)) [النساء:٤٣]؟! فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد، فقال له أبو موسى: وإنما كرهتم هذا لهذا؟ قال: نعم، فقال له أبو موسى: ألم تسمع قول عمار لـ عمر ﵄: بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا فضرب بيده على الأرض فنفضها، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه؟ فقال له عبد الله: ألم تر عمر لم يقنع بقول عمار؟)]. ذكر أبو داود ﵀ في هذا الباب أحاديث فيها مشروعية التيمم، ثم ذكر بعض الأحاديث التي فيها بيان كيفيته، ففي بعضها أنه إلى الآباط، وفي بعضها أنه إلى المرافق، وقد قال الحافظ ابن حجر ﵀: أصح شيء ورد في كيفية التيمم أنه للوجه والكفين، والأحاديث التي فيها ذكر المرفقين وذكر نصف الساعد فيها مقال، والأحاديث التي فيها ذكر الآباط وذكر المناكب إن كانت بأمره ﷺ ، فما جاء بعد ذلك يكون ناسخاً لها، وإن كانت من فعل الصحابة فتكون من اجتهادهم، والعبرة بما جاءت به النصوص عن رسول الله ﷺ . ثم أورد أبو داود ﵀ حديث أبي موسى الأشعري ﵁ فيما يرويه عن عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه في بيان صفة التيمم أنه يكون للوجه والكفين، وهذه الكيفية هي التي وردت في الصحيحين، ولم يرد في الصحيحين سواها أما ذكر الآباط والمناكب والمرافق ونصف الساعد، فكل هذه جاءت في غير الصحيحين. فذكر شقيق بن سلمة أبو وائل الكوفي أنه كان جالساً بين أبي موسى وعبد الله بن مسعود، وكان من رأي أبي موسى أن الإنسان يتيمم للجنابة إذا لم يجد الماء لرفع الحدث الأكبر، وكان من رأي أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه لا يتيمم إلا من الحدث الأصغر، فجعل أبو موسى وعبد الله بن مسعود يبحثان ويسأل بعضهما بعضاً فيما يتعلق بحكم الجنب، وهل يتيمم أو لا يتيمم فقال أبو موسى: أرأيت لو أن إنساناً أجنب ولم يجد الماء شهراً هل له أن يتيمم؟ فقال عبد الله بن مسعود: لا، وإن لم يجد الماء شهراً، قال: فما تصنعون بهذه الآية الكريمة وهي آية التيمم: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ منه﴾ [المائدة:٦]. قال: لو رخص لهم في التيمم لرفع الجنابة بدل الاغتسال لأوشك إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا، فقال: وهل كرهتم التيمم للجنابة مخافة أن يتهاونوا في الاغتسال، وأنه إذا برد عليهم الماء صاروا إلى التيمم؟ قال: نعم. فانتقل من الاحتجاج بالآية إلى سنة رسول الله ﷺ ، فقال: ألا ترى أن عماراً قال لـ عمر بن الخطاب ﵁: أتذكر كنت أنا وأنت في رعاية الإبل فأجنبنا، فأما أنت فلم تصل -يعني: أنه لم يتيمم ولم يصل؛ على اعتبار ما ذهب إليه من أنه لا صلاة إلا بوضوء، ولا صلاة إلا برفع الحدث-، وأما أنا فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، أي: أنه اجتهد فقاس التيمم لرفع الحدث الأكبر على التيمم لرفع الحدث الأصغر، لكن الحدث الأكبر لما كان لابد فيه من استيعاب البدن في الغسل استوعبه بالتمرغ في التراب؛ حتى يعم سائر جسده بالغبار والتراب، وهذا فيه مشروعية الأخذ بالقياس؛ لأن عماراً ﵁ قاس التيمم على الاغتسال من الجنابة، والاغتسال من الجنابة فيه استيعاب البدن في الغسل، فاستوعب البدن بالتيمم أخذاً بالقياس، وهذا اجتهاد منه، فلما أخبر النبي ﷺ قال له: (إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا: فضرب بيده الأرض، ثم نفضهما ومسح إحداهما بالأخرى، ثم مسح وجهه). فلما ذكر أبو موسى لـ عبد الله بن مسعود السنة التي جاءت عن عمار قال عبد الله: ألم تر أن عمر لم يقنع بقول عمار؟ وعمر ﵁ لم يقنع بقول عمار ليس شكاً فيه، فقد أضاف الخبر إليهما، وأنه كان هو وإياه فأجنبا جميعاً، وأن عمر ﵁ لم يصل؛ لأنه لم يجد الماء، وأما عمار فتمرغ كما تتمرغ الدابة، ثم رجع إلى الرسول ﷺ وأخبره، فهو يحكي شيئاً جرى لهما جميعاً، لكن عمر لم يتذكر هذا الذي جرى لهما جميعاً، وفي بعض الروايات أنه قال له: نوليك ما توليت، يعني: نكلك إلى علمك وإلى ما عندك، ولك أن تعمل وتفتي بهذا، وإن كان عمر ﵁ لا يذكر هذا الذي حصل منه، فمن أجل ذلك توقف، وهذا هو معنى قوله: لم يقنع بقول عمار؛ لأنه لم يذكر شيئاً يتعلق به هو، بل كان أمراً مشتركاً بينهما. وعند هذا انتهت المحاورة بين أبي موسى وبين عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما. والحديث دال على رفع الحدث الأكبر بالتيمم كما يُرفع الحدث الأصغر بالتيمم، ولا فرق بينهما، ومن المعلوم أن كلاً منهما يخالف الطهارة بالماء؛ لأن الطهارة بالماء في الوضوء تكون بغسل الوجه واليدين إلى المرفقين ومسح الرأس وغسل الرجلين، وجاءت السنة في بيان كيفية التيمم بأنه للوجه والكفين فقط، وكذلك جاءت السنة في رفع الحدث الأكبر بالتيمم بأنه للوجه والكفين فقط، وعلى هذا فيكون رفع الحدث الأكبر والأصغر في التيمم على هيئة واحدة. ويؤخذ من هذه المحاورة التي جرت بين هذين الصحابيين الجليلين حسن الأدب في المناقشة والمناظرة، وأن كل واحد من المتناظرين يتكلم مع صاحبه بكلام لطيف حسن بلا إحَن ولا اختلاف في القلوب، وإنما يكون الاختلاف في وجهات النظر، فأحدهما استدل بالآية والآخر حملها على محمل آخر، ثم هذا استدل بالسنة وهذا بيّن أن عمر ﵁ لم يقنع بقول عمار؛ لأن عمر ﵁ شاركه في الأمر الذي ذكره عمار. قوله: (وضرب بكفيه الأرض ونفضهما) أي: حتى يخفف ما فيهما من الغبار إذا كان كثيراً، وهذا فيه أن الغبار إذا كان كثيراً يخفف إما بالنفض أو بالنفخ، وكل من النفض والنفخ جاءت به السنة عن رسول الله ﷺ .

стр. 1125

تراجم رجال إسناد حديث: (بعثني رسول الله في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء) قوله: [حدثنا محمد بن سليمان الأنباري]. محمد بن سليمان الأنباري صدوق، أخرج حديثه أبو داود وحده. [حدثنا أبو معاوية الضرير]. أبو معاوية الضرير هو محمد بن خازم الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الأعمش]. الأعمش هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن شقيق]. هو شقيق بن سلمة، وهو أبو وائل الكوفي مشهور بكنيته، ويأتي ذكره كثيراً بالكنية، ويأتي ذكره كثيراً باسمه، وهو ثقة مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام ولم يلق النبي ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن أبي موسى]. أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري صاحب رسول الله ﷺ ، وهو مشهور بكنيته، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن عمار]. عمار بن ياسر صحابي رضي الله تعالى عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. قوله: [(فضرب بيده على الأرض فنفضها، ثم ضرب بشماله على يمينه وبيمينه على شماله على الكفين)]. يعني: أنه ضرب بهما، ثم مسح الكفين بكل كف على الأخرى، ثم مسح وجهه. وقوله في سياق الحديث: (فكيف تصنعون بهذه الآية التي في سورة المائدة)؟ يعني: كيف تجيبون عنها وهي تشمل هذا وهذا؟ فأجابه: أنه يخشى إذا برد على أحدهم الماء أن يتيمم، وهذا صحيح إذا كان يخشى من استعماله مضرة أو مشقة ولم يمكن التسخين، وكان الماء بارداً برودة لا تطاق.
следующие страницы →