← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 10991–11030 · переход к 10996.

стр. 10991

قول الإنسان إن رزقني الله مالاً لأتصدقن السؤال إذا قال شخص: والله! إن رزقني الله مالاً لأتصدقن، فهل هذا نذر فيما لا يملكه؟ الجواب هذا مثل النذر، كأن يقول: إن شفى الله مريضي لأفعل كذا, وقوله: إن رزقني الله مالاً لأتصدقن بكذا من هذا القبيل.

стр. 10992

حكم تسمية الله بالمقلب السؤال في عون المعبود عند قوله: (يا مقلب القلوب) قال الحافظ: فيه جواز تسمية الله تعالى بما ثبت من صفاته على الوجه الذي يليق به، فما وجهه؟ الجواب وجه: أن الله يقال له: مقلب القلوب, يطلق عليه ذلك, ولكن هل من أسماء الله المقلب؟ الله أعلم؛ لأن هذا مقيد بالقلوب, والأصل في الأسماء أنها تأتي مطلقة بدون تقييد.

стр. 10993

إذا حلف الإنسان على شيء لا يريده السؤال في بعض الأحيان يحلف الإنسان وهو لا يريد الشيء المحلوف عليه, فما حكم يمينه؟ الجواب ما دام أنه حصل منه عقد على شيء مستقبل فالأصل أنه يمين؛ لأن الأصل أن الإنسان يحلف على شيء يريده.

стр. 10994

حكم إتلاف الأشياء المحرمة السؤال ما العمل إذا وجد الشخص أشياء مما يعمله الكهنة والمشعوذون؟ وهل له أن يقوم بإحراقه أو سكب الماء عليه وإتلافه؟ الجواب الأشياء المحرمة يتلفها الإنسان بأي طريقة, سواء بحرقها أو دفنها أو تمزيقها أو غير ذلك، المهم أنه يزيلها ويتلفها.

стр. 10995

مدى صحة عبارة المدينة منبع من منابع العلوم الشرعية السؤال هل هذه العبارة صحيحة: المدينة منبع من منابع العلوم الشرعية, أم أن الصحيح منبع العلوم الشرعية هو الكتاب والسنة فقط؟ الجواب معلوم أن الكتاب والسنة هما الينبوع الصافي النقي، ولكن إذا أريد به أن المدينة حصل فيها نزول الوحي وشع منها النور, وانتشر منها الهدى، فهذا معنى صحيح, وذلك من ناحية أن مكة والمدينة هما بلدا الوحي ومهبطاه, وقد حصل هذا النور وهذا الينبوع فيهما، ولا شك أن ذلك هو الحق والهدى الذي هو كتاب الله وسنة رسوله, فكتاب الله وسنة رسوله إنما كانا في مكة والمدينة, والرسول ﷺ كان في مكة ثم كان في المدينة, وسور القرآن منها ما هو مكي ومنها ما هو مدني. فالمدينة لا شك أنه شع منها النور وخرج منها الخير, وانطلق منها الهداة المصلحون, ولكن الشيء الذي خرج به الناس من الظلمات إلى النور هو الوحي الذي هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . فإذا أريد: أنه ظهر منها الحق والهدى, وأنه انطلق الهداة المصلحون من المدينة, وأن الكتاب والسنة إنما نزل في مكة والمدينة, وأن كل ما حصل للناس مما فيه السعادة إنما خرج من مكة والمدينة، فلا شك أن الذي خرج من مكة والمدينة هو الحق والهدى، بخلاف الذي خرج من المدن الأخرى من مناهج وطرق جديدة محدثة ليس لها أساس من الدين.

стр. 10996

بيان الصاع الذي تتعلق به الأحكام والكفارات السؤال كيف أضعف خالد القسري الصاع وهو يعلم أن الأحكام متعلقة به كالكفارات والزكوات؟ الجواب لا أدري، لكن يمكن أن يكون هذا بعد أن عرف أن مقدار صاع الرسول ﷺ هو خمسة أرطال وثلث، فجعله ستة عشر رطلاً، والذي يتعلق به الأحكام هو ثلث هذا الصاع الكبير؛ لأنه ما دام أنه قد عرف مقدار صاع الرسول ﷺ وأنه خمسة أرطال وثلث, فكونه جعله ستة عشر لعله من أجل أن الناس إذا أرادوا أن يكيلوا يكيلون بسرعة؛ لأن المال كثير، وبدلاً من أن يكيل ثلاثة آصع يكيل صاعاً مرة واحدة، فلعل هذا من ناحية الكيل، ولكنه من ناحية الحكم ما دام أنه معروف أن صاع الرسول ﷺ خمسة أرطال وثلث فمعنى ذلك أن الكفارة إذا أخرجت بهذا الصاع تصير ثلاث كفارات, أو ست كفارات على اعتبار أن الكفارة نصف صاع.

стр. 10997

حكم تقدير الكيل بالوزن السؤال هل يصح تقدير الكيل بالوزن؛ لأن الكيل من كل صنف من الحبوب أو الزيوت أو غيرها يختلف حسب وزن ذلك الصنف؟ الجواب يمكن أن يقدر، لكن الوزن يختلف بالنسبة للأشياء، فصاع من شيء خفيف لا يعادل صاعاً من شيء ثقيل؛ بل يتفاوت، فيمكن أن يستعمل الوزن مكان الكيل إذا عرف وزن الكيل، فمثلاً: إذا كان الصاع من البر أو من الأرز ثلاثة كيلو فلا يحتاج إلى أن يكال الصاع، وإنما يكفي معرفة الوزن, وهكذا لو كان هناك وعاء يسع عشرة كيلو من الأرز، ونحو ذلك.

стр. 10998

مقدار كفارة اليمين السؤال هل كفارة اليمين صاع أو نصف صاع؟ الجواب كفارة اليمين نصف صاع لكل مسكين، فيطعم عشرة مساكين لكل مسكين نصف صاع, أي: خمسة عشر كيلو.

стр. 10999

شناعة بدعة القول بخلق القرآن السؤال في رؤيا أبي داود لـ محمد بن خلاد إذا فسر الوقف بالوقف في خلق القرآن، فهل تعتبر هذه الرؤيا تخفيفاً من شأن هذه البدعة وأنها ليست منكرة؟ الجواب هذه البدعة لا شك أنها منكرة, وكون الله تجاوز عنه وعفا عنه لا يدل على عدم شناعتها؛ لأن الله يغفر كل شيء دون الشرك.

стр. 11000

حكم الاستثناء بالقلب السؤال هل يصح الاستثناء إن لم يتلفظ به وإنما نواه بقلبه؛ لأنه ما لم يرد أن يسمعه المحلوف له؟ الجواب لا ينفع الاستثناء بالقلب؛ لأنه لا بد من الكلام.

стр. 11001

معنى قول النبي ﷺ للجارية أين الله؟ قالت في السماء السؤال في سؤاله ﷺ للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء) , هل تأتي (في) بمعنى فوق؟ الجواب ( في) تأتي بمعنى على, كما قال الله في قصة موسى مع السحرة وفرعون: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه:٧١] أي: على جذوع النخل؛ لأنه ليس المعنى أنه يشق جذوع النخل ويدخلهم فيها, وإنما يصلبهم عليها. فلو أريد به السماء المبنية فإن (في) بمعنى على, لكن هناك شيء أوضح من هذا وهو أن المراد بالسماء: العلو, وليس المراد بها السماء المبنية.

стр. 11002

حكم اختبار بعض الناس لمعرفة عقيدتهم السؤال هل يستفاد من سؤال النبي ﷺ للجارية: (أين الله؟ ومن أنا؟) جواز اختبار بعض الناس لمعرفة عقيدتهم وكذلك لمعرفة منهجهم بسؤالهم بعض الأسئلة؟ الجواب السؤال هناك حصل لمعرفة كونها من أهل الإيمان، فإذا كانت هناك حاجة إلى معاملة إنسان أو إلى مداخلة إنسان فيمكن للإنسان أن يحتاط في التعرف عليه بسؤاله عما يحتاج إلى معرفته.

стр. 11003

حكم من ينكر صفة العلو السؤال هل الذي ينكر صفة العلو يعد كافراً بدون قيام الحجة عليه لأجل أن دلالة العلو دلالة نقل وعقل وفطرة؟ الجواب لا شك أن علو الله دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والمعقول وكذلك الفطرة، وهذه أدلة كلها متوفرة على ذلك, لكن الإنسان قد يكون عنده شيء من اللبس أو شيء يشوش عليه من بعض المبتدعة، كما حصل لكثير من الناس الذين ابتلوا بترك عقيدة الفطرة التي عليها أهل السنة والجماعة, فكونه تقام عليه الحجة ويبين له الحق هذا أمر لا بد منه.

стр. 11004

الأشاعرة ليسوا من أهل السنة السؤال هل يدخل الأشاعرة في مسمى أهل السنة؟ الجواب لا يدخلون؛ لأن أهل السنة والجماعة هم من وصفهم الرسول ﷺ بقوله: (من كان على ما أنا عليه وأصحابي) , والأشاعرة ليسوا على ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه. ولما ذكر الرسول ﷺ الفرق قال: (كلها في النار إلا واحدة) ومعلوم أن أصحاب هذه الفرق كلهم مسلمون، لكن منهم فرقة واحدة سالمة من العذاب؛ لأنها على الجادة، وبقية تلك الفرق منحرفة عن الجادة مع تفاوتها في القرب والبعد، ولكنها كلها مستحقة للوعيد. إذاً: الأشاعرة ليسوا على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، فالصحابة لم يكونوا يعرفون هذه العقيدة التي عليها الأشاعرة، فإنها إنما جاءت بعدهم.

стр. 11005

دخول الأشاعرة في مسمى أهل السنة عند مقابلة الشيعة السؤال إذا قيل: أهل السنة في مقابل الرافضة فهل يدخل الأشاعرة حينئذٍ في أهل السنة؟ الجواب إذا كان المقصود المقابلة بين السنة والشيعة, فهم داخلون في السنة؛ لأنهم ليسوا من الشيعة, ولكن السنة التي هي طريقة الرسول ﷺ وما كان عليه الرسول وأصحابه ليسوا عليها, وأما كونهم ليسوا شيعة, فنعم ليسوا بشيعة, بل هم مخالفون للشيعة.

стр. 11006

شرح سنن أبي داود [٣٧٨] إذا حلف الإنسان على شيء ورأى غيره خيراً منه فقد جاء الأمر من النبي ﷺ أن يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه، وله أن يكفر عن يمينه ثم يحنث، وله أن يحنث ثم يكفر عن يمينه؛ لورود الأحاديث عن النبي ﷺ بهذا وهذا، والاستثناء في اليمين بعد السكوت لا يصح، إلا إذا كان الفصل لأمر طارئ، كسعال أو عطاس أو نحوه. وكفارة اليمين عتق رقبة، أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فمن عجز عن ذلك فعليه أن يصوم ثلاثة أيام.

стр. 11007

تكفير اليمين قبل الحنث

стр. 11008

شرح حديث (إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا كفرت عن يميني) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الرجل يكفر قبل أن يحنث. حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد حدثنا غيلان بن جرير عن أبي بردة عن أبيه ﵁ أن النبي ﵌ قال: (إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير. أو قال: إلا أتيت الذي هو خير وكفرت يميني)]. قوله: [باب في الرجل يكفر قبل أن يحنث] , أي: عندما يحلف على يمين, ويرى أن الخير في ترك اليمين والتكفير, فهل يكفر قبل أن يحصل الحنث الذي هو فعل الشيء الذي حلف ألا يفعله, أم أنه لا يكفر إلا بعد الحنث؟ و الجواب أنه يجوز للإنسان أن يكفر قبل الحنث وبعده, فإذا كانت المصلحة في غير ما حلف عليه, فإنه يكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير, أو يأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه, فكل ذلك سائغ. ومن أهل العلم من قال: إنه لا يكفر قبل الحنث؛ لأنه لا تجب الكفارة إلا بالحنث, فإذا وجد الحنث لزمت الكفارة, وقبل الحنث فالكفارة غير لازمة, لكن جاء في بعض الأحاديث تقديم الكفارة وفي بعضها تقديم الحنث, وذلك يدل على جواز التقديم والتأخير بين الحنث والكفارة, فالحانث له أن يكفر قبل أن يحنث, وله أن يحنث قبل أن يكفر. وقد أورد أبو داود حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﵊ قال: (والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير). وهذا فيه الإتيان بالكفارة أولاً، والحنث ثانياً. وقوله: (أو قال: إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني)، هذا شك من الراوي، لكن جاء في بعض الأحاديث ما يدل على تقديم الحنث على الكفارة, وجاء في بعضها ما يدل على تقديم الكفارة ثم الحنث, وذلك في العطف بثم، وهذا يدل على أن الكفارة يجوز أن تقدم على الحنث وأنه ليس الأمر كما قال بعض أهل العلم: إنه لا تقدم الكفارة على الحنث؛ لأنها لا تجب, فكون الإنسان يقدم الكفارة ثم يحنث لا بأس بذلك.

стр. 11009

تراجم رجال إسناد حديث (إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا كفرت عن يميني) قوله: [حدثنا سليمان بن حرب]. سليمان بن حرب ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا حماد]. هو ابن زيد، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة, وهنا جاء حماد غير منسوب, وإذا جاء سليمان يروي عن حماد فهو حماد بن زيد , وقد مر قريباً أن موسى بن إسماعيل إذا روى عن حماد, فهو حماد بن سلمة. إذاً: يعرف المهمل برواية التلاميذ عن ذلك المهمل؛ لأن الشخص إذا ذكر باسمه ولم يذكر نسبه يقال له في علم المصطلح: مهمل, أي: أهمل عن النسبة فلم ينسب, فصار محتملاً لشخصين أو أكثر مثل: حماد، فهذا يقال له: المهمل. ومعرفة المهمل تكون بمعرفة التلاميذ، فإذا جاء سليمان بن حرب يروي عن حماد فهو ابن زيد , وإذا جاء موسى بن إسماعيل يروي عن حماد فهو ابن سلمة. [حدثنا غيلان بن جرير]. غيلان بن جرير ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي بردة]. هو أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبيه]. هو أبو موسى الأشعري ﵁، صاحب رسول الله ﷺ , واسمه عبد الله بن قيس الأشعري، وهو مشهور بكنيته, وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 11010

مفهوم ذكر الرجل في الأحكام دون المرأة ذكر الرجل في الترجمة في قول المصنف: (باب الرجل يكفر قبل أن يحنث) هذا على اعتبار الغالب، فإن الغالب أن الخطاب يكون للرجال, وليس المقصود من ذلك أن هذا حكم يختص به الرجل, بل المرأة كذلك تكفر قبل أن تحنث إذا رأت ترك اليمين خيراً. فذكر الرجال سواء كان في كلام العلماء في التراجم كما هو هنا, أو في غير ذلك في الأمور التي ليس فيها دليل على اختصاص الرجل بها عن النساء فالحكم للرجال والنساء جميعاً, وكذلك يأتي في الأحاديث ذكر أحكام مضافة إلى الرجال وليس المقصود اختصاص الرجال بتلك الأحكام, بل النساء كذلك. والأصل: هو أنه لا فرق بين الرجال والنساء في الأحكام إلا إذا وجد تمييز بين الرجال والنساء في الأحكام بأن قيل: هذا الحكم للرجال, وهذا الحكم للنساء، مثل قوله ﷺ : (التسبيح للرجال والتصفيق للنساء) أي: في الصلاة, ومثل قوله: (يغسل من بول الجارية وينضح من بول الغلام) وغير ذلك, هذا إذا جاء شيء يميز الرجال على النساء, أو النساء على الرجال, فالمعتبر الأدلة, والأصل هو عدم التفريق حتى يوجد دليل, ولهذا يأتي ذكر الرجل في الأحاديث وليست خاصة به، كقوله ﵊: (لا تتقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه) فكلمة (رجل) هذه لا مفهوم لها، فلا تخرج منها المرأة, بل المرأة مثل الرجل في ذلك، فإذا كانت معتادة أن تصوم يوم الإثنين ووافق يوم الثلاثين من شعبان فلها أن تصوم, فليس الحكم خاصاً بالرجال دون النساء. وكذلك مثل قوله ﵊: (من وجد متاعه عند رجل قد أفلس فهو أحق به)، وكذلك لو وجد متاعه عند امرأة قد أفلست فهو أحق به من الغرماء. والحاصل: أن ذكر الرجال في كلام العلماء وكذلك في بعض الأحاديث إنما هو لأن الخطاب في الغالب مع للرجال, لا لأن هذا حكم يخص الرجال دون النساء. وأما ما ذكره الخطابي عن الشافعي أنه قال: وإن كفر بالصوم قبل الحنث لم يجزه, وإن كفر بالطعام أجزأه, واحتج أصحابه في ذلك بأن الصيام مرتب على الإطعام فلا يجوز إلا مع عدم الأصل، كالتيمم لما كان مرتباً على الماء لم يجز إلا مع عدم الماء. فهذا إذا كان الإنسان لا يقدر على الإطعام، ولا يقدر على العتق, ولا يقدر على الكسوة، فله أن يتحول إلى الصيام، فلا فرق بين هذا وهذا, فلا يجوز للإنسان أن يكفر بالصيام إذا كان يستطيع التكفير بغيره.

стр. 11011

شرح حديث (يا عبد الرحمن بن سمرة! إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن الصباح البزاز حدثنا هشيم أخبرنا يونس ومنصور -يعني ابن زاذان - عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ : (يا عبد الرحمن بن سمرة! إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير وكفر يمينك)]. أورد أبو داود حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ أن النبي ﵊ قال له: (إذا حلفت على يمين ورأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير وكفر يمينك)، فذكر الحنث قبل الكفارة, وقد تقدم أن كل ذلك جائز, فكون الكفارة قبل الحنث أو بعده كل ذلك صحيح.

стр. 11012

تراجم رجال إسناد حديث (يا عبد الرحمن بن سمرة! إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير) قوله: [حدثنا محمد بن الصباح البزاز]. محمد بن الصباح البزاز ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا هشيم]. هو هشيم بن بشير الواسطي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا يونس]. هو يونس بن عبيد، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ومنصور يعني ابن زاذان]. منصور بن زاذان ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. ومنصور بن زاذان هذا ذكر في ترجمته عن بعض أهل العلم أنه قال: لو أن منصور بن زاذان قيل له: إن ملك الموت بالباب ما أمكنه أن يزيد شيئاً في عمله؛ لأنه ملازم التقوى والعمل الصالح, ومداوم على ذلك, أي: أنه لا يستطيع أن يأتي بشيء جديد, فلا يهتم ويستعد، وإنما تكون حالته بعد أن قيل له هذه المقالة مماثلة لحالته قبلها, ولا يكون بإمكانه أن يأتي بزيادة عمل؛ لأنه ملازم للتقوى, وهذا يدل على صلاحه وتقواه, وقد مر قريباً كلمة تدل على صلاح رجل مماثل له وهو إبراهيم بن ميمون الصائغ , فقد كان صائغاً، وكان إذا رفع المطرقة ثم سمع النداء للصلاة طرحها وترك الضرب على الشيء الذي يصوغه ويشتغل فيه, ثم يقوم إلى الصلاة. [عن الحسن]. هو الحسن بن أبي الحسن البصري، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الرحمن بن سمرة]. عبد الرحمن بن سمرة رضي الله تعالى عنه صحابي, وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 11013

ترخيص الإمام أحمد للكفارة قبل الحنث [قال أبو داود: سمعت أحمد يرخص فيها: الكفارة قبل الحنث]. ذكر أبو داود هذا عن أحمد؛ لأنه جاء عن بعض أهل العلم المنع من ذلك, وأنه لا تقع الكفارة قبل الحنث؛ لأن الوجوب إنما يكون بالحنث, ولكن كونها تقدم لا بأس بذلك؛ لأنه جاء في بعض الأحاديث تقديم الكفارة وفي بعضها تقديم الحنث فكل ذلك سائغ.

стр. 11014

شرح حديث عبد الرحمن بن سمرة من طريق أخرى قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن خلف حدثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ نحوه قال: (فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير)]. أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى عن عبد الرحمن بن سمرة وهو مثل الذي قبله, إلا أن فيه تقديم الكفارة على الحنث, فالرواية السابقة فيها تقديم الحنث على الكفارة, وهنا: تقديم الكفارة على الحنث, وكل ذلك صحيح.

стр. 11015

تراجم رجال إسناد الطريق الأخرى لحديث عبد الرحمن بن سمرة قوله: [حدثنا يحيى بن خلف]. يحيى بن خلف صدوق، أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة. [حدثنا عبد الأعلى]. هو عبد الأعلى بن عبد الأعلى، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا سعيد]. هو سعيد بن أبي عروبة، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن قتادة]. هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة]. الحسن وعبد الرحمن بن سمرة قد مر ذكرهما.

стр. 11016

ورود الأحاديث في جواز تقديم الحنث على الكفارة أو الكفارة على الحنث [قال أبو داود: أحاديث أبي موسى الأشعري وعدي بن حاتم وأبي هريرة ﵃ في هذا الحديث روي عن كل واحد منهم في بعض الرواية: الحنث قبل الكفارة. وفي بعض الرواية: الكفارة قبل الحنث]. ذكر أبو داود: أن أحاديث أبي موسى الأشعري وعدي بن حاتم وأبي هريرة في بعضها تقديم الكفارة على الحنث, وفي بعضها تقديم الحنث على الكفارة, وهذا مثل هذا الذي مر في حديث عبد الرحمن بن سمرة؛ فحديث عبد الرحمن بن سمرة جاء من طريقين: الطريق الأولى فيها تقديم الحنث على الكفارة, والطريق الثانية فيها تقديم الكفارة على الحنث, وحديث أبي موسى الذي مر فيه: (إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير) أو: (إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني)، وكذلك حديث عدي بن حاتم , وحديث أبي هريرة كلها فيها هذا وهذا, وهذا يدل على جواز الأمرين وأنه لا بأس بتقديم الكفارة على الحنث, أو تقديم الحنث على الكفارة. قوله: [وعدي بن حاتم]. عدي بن حاتم صحابي أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [وأبي هريرة]. هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق ﵁ وأرضاه. وفي عون المعبود ذكر أن حديث أبي موسى في الصحيحين، وحديث عدي بن حاتم في مسلم وحديث أبي هريرة في مسلم أيضاً. وقول أبي داود: (روي عن كل واحد منهم) بصيغة التمريض ليس المقصود التمريض؛ لأن الحديث في الصحيحين أو أحدهما, وإنما فيه الإشارة إلى حصول الرواية؛ لأنه لم يذكر الذي روى عنهم, وإنما بنى ذلك للمجهول، فليس المقصود من ذلك أنها صيغة تمريض.

стр. 11017

مقدار الصاع في الكفارة

стр. 11018

شرح حديث صفية في صفة صاع النبي ﷺ قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كم الصاع في الكفارة؟ حدثنا أحمد بن صالح قال: قرأت على أنس بن عياض قال: حدثني عبد الرحمن بن حرملة عن أم حبيب بنت ذؤيب بن قيس المزنية وكانت تحت رجل منهم من أسلم ثم كانت تحت ابن أخ لـ صفية زوج النبي ﷺ . قال ابن حرملة: فوهبت لنا أم حبيب صاعاً، حدثتنا عن ابن أخي صفية عن صفية ﵂ أنه صاع النبي ﷺ . قال أنس: فجربته أو قال: فحزرته فوجدته مدين ونصفاً بمد هشام. ] قوله: [باب كم الصاع في الكفارة؟]. أي: مقدار الصاع في الكفارة، ومعلوم أن الصاع في الزكاة وفي الكفارات وغير ذلك هو صاع النبي ﷺ الذي هو مقدار النصاب، وهو ثلاثمائة صاع؛ لأن النصاب خمسة أوسق, والوسق ستون صاعاً، فيكون النصاب ثلاثمائة صاع بصاع النبي ﷺ ، وقد سبق فيما يتعلق بالوضوء والغسل أن النبي ﷺ كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد, وأن المد هو ربع الصاع, وأن الصاع أربعة أمداد، وقالوا: إن المد مقدار ملء اليدين المتوسطتين، فملؤهما يقال له: مد, وأربعة أمداد هي الصاع. وقد جاء في بعض الأحاديث فيما يتعلق بكفارة لبس المخيط أو الحلق في الحج أنها كما بينها رسول الله ﷺ قال: (ذبح شاة، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع, أو صيام ثلاثة أيام) فتكون الكفارة لكل مسكين نصف صاع، ونصف الصاع مدان. وقد أورد أبو داود حديث صفية بنت حيي ﵂ زوج الرسول ﷺ , وفيه أن أم حبيبة وهبت صاعاً وروت عن ابن أخي صفية عن صفية أنه صاع رسول الله ﷺ ، وأن أنس بن عياض شيخ شيخ أبي داود حزره وقدره فوجده مدين ونصفاً. وقوله: (بمد هشام) يعني: هشام بن عبد الملك الخليفة. ومعلوم أن الصاع هو أربعة أمداد كما جاء في الأحاديث، وليس مدين, ومعلوم أن الآصع تختلف والناس يختلفون في الزيادة والنقصان، ولكن المعتبر هو صاع الرسول ﷺ الذي هو أربعة أمداد. وهذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه من هو متكلم فيه.

стр. 11019

تراجم رجال إسناد حديث صفية في صفة صاع النبي ﷺ قوله: [حدثنا أحمد بن صالح]. هو أحمد بن صالح المصري، وهو ثقة أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل. [قال: قرأت على أنس بن عياض]. أنس بن عياض ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثني عبد الرحمن بن حرملة]. هو عبد الرحمن بن حرملة المدني، وهو صدوق ربما أخطأ، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [عن أم حبيب بنت ذؤيب بن قيس المزنية]. أم حبيب بنت ذؤيب المزنية مستورة، أي: مجهولة الحال, أخرج لها أبو داود. قوله: [وكانت تحت رجل منهم من أسلم، ثم كانت تحت ابن أخي لـ صفية زوج النبي ﷺ ، قال ابن حرملة: فوهبت لنا أم حبيب صاعاً حدثتنا عن ابن أخي صفية]. ابن أخي صفية لا يعرف، أخرج له أبو داود. وأم حبيب هي زوجته. [عن صفية]. صفية أم المؤمنين ﵂، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 11020

شرح أثر محمد بن خلاد في مقدار المكوك والكيلجة مع تراجم رجال الإسناد قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن محمد بن خلاد أبو عمر قال: كان عندنا مكوك يقال له: مكوك خالد، وكان كيلجتين بكيلجة هارون، قال محمد: صاع خالد صاع هشام، يعني ابن عبد الملك. ] أورد أبو داود هذا الأثر عن محمد بن محمد بن خلاد قال: كان عندنا مكوك يقال له: مكوك خالد، وكان كيلجتين بكيلجة هارون، قال محمد: صاع خالد صاع هشام. ] محمد هو محمد بن محمد بن خلاد , وهذا أثر موقوف على محمد بن محمد بن خلاد، والمكوك مكيال, ومكوك على وزن (تنُّور) كما في القاموس. وقوله: [يقال له: مكوك خالد]. وخالد لا أدري من هو، وقد يكون خالد بن عبد الله القسري المذكور في الأثر الآتي. وقوله: [وكان كيلجتين بكيلجة هارون]. الكيلجة: مقدار مكيال، وهارون هذا شخص من الناس الله أعلم من هو. وقوله: [قال محمد: صاع خالد صاع هشام، يعني ابن عبد الملك]. أي: أن صاع خالد هذا المذكور هنا هو صاع هشام بن عبد الملك الذي مر في الأثر الذي قبل هذا. وقوله: [حدثنا محمد بن محمد بن خلاد أبو عمر]. هو محمد بن محمد بن خلاد الباهلي، وهو ثقة أخرج له أبو داود.

стр. 11021

شرح أثر محمد بن خلاد في مقدار صاع خالد القسري قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن محمد بن خلاد أبو عمر حدثنا مسدد عن أمية بن خالد قال: لما ولي خالد القسري أضعف الصاع، فصار الصاع ستة عشر رطلاً]. هذا قد يوضح الرواية الأولى؛ لأن الرواية عن محمد بن خلاد لم ينسب فيها خالداً , وهنا نسبه. وقوله: [لما ولي خالد القسري] خالد القسري ولي الحجار ثم ولي الكوفة. وقوله: [أضعف الصاع] أي: زاد فيه حتى بلغ ستة عشر رطلاً, والمعروف أن صاع الرسول ﷺ خمسة أرطال وثلث، كما جاء ذلك عن مالك بن أنس في مناظرة جرت بينه وبين أبي يوسف، فأخرج صاعاً وقدروه فإذا هو خمسة أرطال وثلث, فرجع أبو يوسف إلى قول مالك. وهذا يعني أنه أضعفه أكثر من الضعفين؛ لأن صاع النبي ﷺ خمسة أرطال وثلث، وهذا جعله ستة عشر رطلاً، أي: أنه جعله ثلاثة أضعاف صاع النبي ﷺ .

стр. 11022

تراجم رجال إسناد أثر محمد بن خالد في مقدار صاع خالد القسري قوله: [حدثنا محمد بن محمد بن خلاد عن مسدد]. مسدد بن مسرهد البصري ثقة أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. [عن أمية بن خالد]. أمية بن خالد صدوق، أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. [قال أبو داود: محمد بن محمد بن خلاد قتله الزنج صبراً فقال بيده هكذا. ومد أبو داود يده وجعل بطون كفيه إلى الأرض، قال: ورأيته في النوم فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: أدخلني الجنة، فقلت: فلم يضرك الوقف]. هذا الكلام ذكره أبو داود وهو يتعلق بـ محمد بن خلاد وهو شيخه الذي يروي عنه, وقال: إنه قتله الزنج صبراً، وقد تقدم أن اليمين المصبورة هي التي يحبس عليها الإنسان, وقد قالوا: كل قتل ليس في قصاص ولا في جهاد في سبيل الله ولا خطأ يقال له: صبر؛ لأن فيه تعمداً وحبساً على القتل. وقوله: [فقال بيده هكذا، ومد أبو داود يده وجعل بطون كفيه إلى الأرض]. لا أدري ما هو المقصود بهذه الإشارة. وقوله: [ورأيته في النوم فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: أدخلني الجنة, فقلت: فلم يضرك الوقف]. قال الشارح: لعل المقصود بذلك كونهم وقفوه أو حبسوه للقتل. وهنا يأتي احتمال آخر وهو: أنه كان ممن وقف في فتنة خلق القرآن، وهذا مذكور في ترجمته في تهذيب التهذيب، لكن الله أعلم بثبوت ذلك عنه.

стр. 11023

الرقبة المؤمنة في الكفارة

стр. 11024

شرح حديث الجارية قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الرقبة المؤمنة. حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن الحجاج الصواف حدثني يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: قلت: (يا رسول الله! جارية لي صككتها صكة، فعظم ذلك عليَّ رسول الله ﷺ ، فقلت: أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها. قال: فجئت بها، قال: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة). ] أورد أبو داود هذه الترجمة وهي [باب الرقبة المؤمنة]، أي: في الكفارة, يعني: هل يشترط وصف الإيمان للرقبة التي تعتق أم أنه يعتق أي رقبة ولو كانت كافرة؟ فمثلاً: جاء في كفارة اليمين أنها عتق رقبة ولكنها جاءت مطلقة في القرآن, غير مقيدة بالإيمان, وكذلك جاء في كفارة الظهار عتق رقبة وجاءت غير مقيدة, ولم تأت مقيدة بالإيمان إلا في كفارة القتل, فجمهور العلماء حملوا المطلق على المقيد, وقالوا: إن النفس التي تعتق تكون مؤمنة, ومن أهل العلم من أجاز أن تكون كافرة, ولكن الجمهور على أنها لابد أن تكون مؤمنة ولا يجوز أن تكون كافرة. ولا شك أن القول بأنها لابد أن تكون مؤمنة هو القول الذي يجعل الإنسان يطمئن أنه قد أبرأ ذمته في الكفارة، والقول بإعتاق الرقبة الكافرة لا يكون فيه اطمئنان إلى براءة الذمة. إذاً: القول بحمل المطلق على المقيد كما جاء في القرآن هو الذي فيه السلامة والاطمئنان إلى براءة الذمة. وقد أورد أبو داود حديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁ أنه كانت له جارية, وكانت ترعى غنماً، فجاء الذئب وأخذ شاة منها, ثم جاء وسأل عنها, فقالت: أخذها الذئب، فصكها، ثم ندم وجاء إلى الرسول ﷺ ، فعظم ذلك رسول الله ﷺ , أي: أخبره أن ضرب الجارية وصكها أمر عظيم، فقال: ألا أعتقها يا رسول الله؟! قال: (ائتني بها. فأتاه بها, فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة). فلما قالت: (إن الله في السماء) حكم الرسول ﷺ بإيمانها وأقرها على ذلك، وهذا كقول الله : ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] والمراد بالسماء: العلو, وليس المراد به السماء المبنية أو السموات السبع, فإن الله لا يحويه شيء مخلوق، وإنما هو فوق العرش بائن من خلقه لا يحويه شيء من مخلوقاته. فالمقصود بقوله: (في السماء) أي: في العلو, ومعلوم أن العلو يطلق على كل ما علا الإنسان، فكل ما فوق الإنسان يقال له: علو، والسماء المبنية والتي هي شيء وجودي هي مخلوقة، والله لا يحويه شيء مخلوق, فلا يقال: إنه في السماء وإن السموات تحويه؛ لأنه فوق العرش, وإنما المقصود بالسماء العلو, وما فوق العرش يقال له: علو, ويقال له: سماء. إذاً: الله في السماء أي: فوق العرش, وليس في السماء دون العرش, أي: السماء المبنية. وهذه العقيدة التي قالتها هذه الجارية هي عقيدة الفطرة التي فطر الله الناس عليها, والناس الذين لم يتعلموا علم الكلام ولم يبتلوا به لم يخرجوا عن الفطرة, فعقيدة الفطرة هي عقيدة هذه الجارية التي قالت: (إن الله في السماء)، ولهذا جاء عن عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه أنه سأله رجل عن شيء من الأهواء, فقال له: (الزم عقيدة الصبي والأعرابي واله عما سوى ذلك)، أي: لأن الصبي والأعرابي على الفطرة, والذي يكون على الفطرة تكون عقيدته هي العقيدة الصحيحة, وأما الذين اعتقدوا شيئاً مخالفاً لهذه العقيدة فإنما جاءهم البلاء بخروجهم عن الفطرة, وخروجهم عن هذه العقيدة الحقة الصحيحة السليمة التي دل عليها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وبعض المتكلمين الذين ابتلوا بعلم الكلام منهم من آل أمره إلى الندم والحيرة بعد توغله في علم الكلام وتمكنه منه, وقد جاء عن الرازي -وهو ممن تمكن من علم الكلام- أنه قال: الفائز من كان على عقيدة العجائز، يعني: العوام. وجاء عن أبي المعالي الجويني أنه قال: أموت على عقيدة عجائز نيسابور. وهذا يعني أن المتكلمين الذين ابتلوا بعلم الكلام منهم من آل أمره إلى الحيرة, وبعد ذلك تبين له أن الفطرة والشيء الذي عليه العوام هو الحق والهدى, وأن هذا العلم الذي تعلموه وخرجوا به عن الفطرة أوقعهم في الحيرة والندم, ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية, وشارح الطحاوية، والشهرستاني وغيرهم مقولات عديدة عن جماعة من المتكلمين، منهم الرازي والجويني وابن أبي الحديد , نقلوا عنهم ما يدل على حيرتهم وندمهم, وفيهم من صرح بأن السلامة إنما هي في عقائد العوام وفيما عليه العوام, وهذا هو الذي قال عنه عمر بن عبد العزيز: (الزم عقيدة الصبي والأعرابي واله عما سوى ذلك) , يعني: ابتعد عما سوى ذلك. وفي هذا الزمان انتشر مذهب الأشاعرة, ومذهب الأشاعرة ليس هو مذهب أهل السنة والجماعة؛ لأن الأشاعرة يثبتون سبع صفات, والسبع الصفات التي أثبتوها لم تسلم من التأويل, كصفة الكلام، وهي واحدة من السبع, وما سوى ذلك يؤلونه. وهذه العقيدة التي ابتلي بها كثير من الناس سبب ذلك هو دراستها، فإنهم درسوها فخرجوا عن الفطرة التي هي عقيدة العجائز والعوام، ولهذا يقول بعض الناس في هذا الزمان: إن ٩٥% من المسلمين أشاعرة, وهذا كلام ليس بصحيح؛ لأن الأشاعرة هم المتعلمون الذين درسوا مذهب الأشاعرة, وأما العوام وهم الأكثرية الكاثرة فهم على الفطرة, ولم يخرجوا عن الفطرة، وإنما خرج عنها الذين تعلموا هذه العقيدة التي خرجوا بها عن الفطرة, وإلا فالذين بقوا على الفطرة -وهم الأكثرية- ليسوا أشاعرة, بل الأشاعرة هم الذين درسوا في مؤسسات تدرس عقيدة الأشاعرة. والحاصل: أن هذا الحديث في سؤال الرسول إياها وأنها قالت: في السماء، فيه إثبات صفة العلو لله ، وهو مثل ما جاء في القرآن: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك:١٦] , والمقصود بذلك: العلو, والله تعالى عالٍ على خلقه, وفوق عرشه المجيد بذاته ، فله علو القدر وعلو القهر وعلو الذات . وقوله: (فإنها مؤمنة) فيه إشارة إلى أن الرقبة التي تعتق تكون مؤمنة. وبعض المتكلمين من الأشاعرة يقولون: إن النبي ﷺ خاطب الجارية على قدر عقلها! وهذا كلام باطل؛ فإن النبي ﷺ قال لها: (أين الله؟ قالت: في السماء, قال: أعتقها فإنها مؤمنة)، فحكم الرسول ﷺ بإيمانها, إذاً: هذا الشيء الذي قالته هو خلاف عقيدة الأشاعرة؛ ولذا يقال لهم: هل أقرها الرسول على باطل؟! وهل هذه العقيدة التي ابتلي بها بعض الناس وجاءت بعد زمن الصحابة حجب عنها الصحابة وادخرت لمن بعدهم؟! وهل تكون هناك عقيدة حقة تحجب عن الصحابة ولا يعرفونها ولا يظفرون بها, ويظفر بها أناس يجيئون بعدهم؟! هل هذا يعقل؟! و الجواب أبداً لا يكون ذلك, بل الحق والهدى هو ما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ , ولو كانت هذه العقيدة التي عليها الأشاعرة خيراً لسبق إليها أصحاب رسول الله ﷺ . ولكن العقيدة التي كانوا عليها هي أنهم كانوا يثبتون النصوص على ما تقتضيه على وجه يليق بجلال الله تعالى, دون أن يفكروا بتشبيه أو تعطيل أو تأويل. ولو أن الناس بقوا على مثل عقل هذه الجارية الذي هو عقل السلامة لكان خيراً لهم.

стр. 11025

تراجم رجال إسناد حديث الجارية قوله: [حدثنا مسدد حدثنا يحيى]. يحيى هو ابن سعيد القطان البصري، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الحجاج الصواف]. الحجاج الصواف ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثني يحيى بن أبي كثير]. هو يحيى بن أبي كثير اليمامي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن هلال بن أبي ميمونة]. الشيخ: عن هلال بن أبي ميمونة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عطاء بن يسار]. عطاء بن يسار ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن معاوية بن الحكم السلمي]. معاوية بن الحكم السلمي ﵁ صحابي، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة ومسلم وأبو داود والنسائي.

стр. 11026

شرح حديث الشريد بن سويد في أمر النبي ﷺ له بإعتاق رقبة مؤمنة قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن الشريد ﵁ أن أمه أوصته أن يعتق عنها رقبة مؤمنة, فأتى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! إن أمي أوصت أن أعتق عنها رقبة مؤمنة وعندي جارية سوداء نوبية) فذكر نحوه. ] أورد أبو داود حديث الشريد بن سويد ﵁ أنه قال: إن أمه أوصت أن يعتق عنها جارية مؤمنة, وأنه كان عنده جارية نوبية فذكر نحوه, أي: نحو ما تقدم في حديث معاوية بن الحكم السلمي , وأن الرسول سألها وأنها قالت نحو ذلك.

стр. 11027

تراجم رجال إسناد حديث الشريد بن سويد في أمر النبي ﷺ له بإعتاق رقبة مؤمنة قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل]. هو موسى بن إسماعيل التبوذكي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا حماد]. هو حماد بن سلمة، وهو ثقة أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن محمد بن عمرو]. هو محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الوقاصي الليثي، وهو صدوق له أوهام، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن أبي سلمة]. هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة فقيه أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم, وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن الشريد]. هو الشريد بن سويد ﵁، وهو صحابي أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة. [قال أبو داود: خالد بن عبد الله أرسله لم يذكر الشريد]. أي: أن خالد بن عبد الله أحد الرواة أرسله فلم يذكر الشريد، بل قال: عن أبي سلمة، ورفعه. وخالد بن عبد الله هو الواسطي الطحان، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

стр. 11028

شرح حديث (أن رجلاً أتى النبي ﷺ بجارية سوداء فقال يا رسول الله! إن عليَّ رقبة مؤمنة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني حدثنا يزيد بن هارون أخبرني المسعودي عن عون بن عبد الله عن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة ﵁: (أن رجلا أتى النبي ﷺ بجارية سوداء فقال: يا رسول الله! إن علي رقبة مؤمنة، فقال لها: أين الله؟ فأشارت إلى السماء بإصبعها، فقال لها: فمن أنا؟ فأشارت إلى النبي ﷺ وإلى السماء، يعني: أنت رسول الله ﷺ ، فقال: أعتقها فإنها مؤمنة). ] أورد أبو داود حديث أبي هريرة ﵁: (أن رجلاً أتى بجارية سوداء وقال: يا رسول الله! إن علي رقبة مؤمنة، فالرسول ﷺ اختبرها ليعرف إيمانها فقال لها: أين الله؟ فأشارت إلى السماء, وسألها عن نفسه فأشارت إليه وإلى السماء, أي: أنت رسول الله, فقال: أعتقها فإنها مؤمنة).

стр. 11029

تراجم رجال إسناد حديث (أن رجلاً أتى النبي ﷺ بجارية سوداء فقال يا رسول الله! إن عليَّ رقبة مؤمنة) قوله: [حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني]. إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، ثقة أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي. [حدثنا يزيد بن هارون]. هو يزيد بن هارون الواسطي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرني المسعودي]. هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو صدوق اختلط، أخرج حديثه البخاري تعليقاً وأصحاب السنن. [عن عون بن عبد الله]. عون بن عبد الله هو أخو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود المعروف, وهو ثقة أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [عن عبد الله بن عتبة]. عبد الله بن عتبة قيل: له رؤية, ووثقه جماعة، وأخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي. [عن أبي هريرة]. هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁، صاحب رسول الله ﷺ , وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق. وقد ضعف الألباني هذا الحديث، وقال: فيه ذكر الأعجمية، والأعجمية لم تأت إلا في حديث أبي هريرة، نقله عن الذهبي في العلو, وعلق الشيخ الألباني على كلام الذهبي في العلو. وأما مسألة الإشارة فإن الرسول ﷺ نفسه أشار إلى السماء, أي: أن الله تعالى فوق, وذلك في حديث جابر الطويل حين قال: (إنكم ستسألون عني فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك بلغت, فرفع يديه إلى السماء وقال: اللهم اشهد). ولفظة: (أعجمية) ليست في هذا الحديث, ولكنها جاءت في حديث أبي هريرة في بعض الطرق، وقد نقلها الذهبي في العلو، وتضعيف الشيخ الألباني هو للحديث كله؛ لأن فيه المسعودي هذا.

стр. 11030

الاستثناء في اليمين بعد السكوت
следующие страницы →