Полный текст (18 341 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
صلاة المتأخر على الجنازة
السؤال
إذا أتيت بعد التكبيرة الثالثة من صلاة الجنازة فكبرت وتبعت الإمام فقرأت الفاتحة ماذا أفعل؟ وإذا كان الإمام يطول في الدعاء هل أصلي على النبي ﷺ وأدعو للميت بدون تكبير، فإذا سلم الإمام أسرد التكبير الباقي، أم ماذا أفعل؟
الجواب
الرسول ﷺ يقول: (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)، فالإنسان يدخل معه، وإذا تمكن أن يقرأ الفاتحة والصلاة على النبي والدعاء فعل، وإذا لم يمكن إلا أحدها فالدعاء هو الأولى؛ لأن الدعاء هو الأصل في صلاة الجنازة، وإذا سلم يكبر، وإذا كبر يدعو للميت دعاءً قصيراً فيقول: الله أكبر، اللهم اغفر له، ثم يقول: الله أكبر، اللهم اغفر له، ويسلم.
стр. 107
شرح سنن أبي داود [٠٠٧]
من آداب قضاء الحاجة ألا يذكر الله عند قضاء الحاجة؛ لأن ذكر الله يجب أن يُنزّه عن مثل هذه الأحوال، فلا يذكر في المواضع المستقذرة، ويستحب أن يذكر على طهارة.
стр. 108
رد السلام في حال البول
стр. 109
شرح حديث: (مر رجل على النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: أيرد السلام وهو يبول؟ حدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة قالا: حدثنا عمر بن سعد عن سفيان عن الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر قال: (مر رجل على النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه).
قال أبو داود: وروي عن ابن عمر وغيره: (أن النبي ﷺ تيمم ثم رد على الرجل السلام)].
قوله: [باب: أيرد الرجل السلام وهو يبول؟] أي: هل الإنسان إذا كان على قضاء الحاجة وسلم عليه أحد يرد ﵇ أو لا يرد؟
و
الجواب
أنه لا يرد؛ وذلك أن السلام ذكر لله ؛ ولأنه دعاء ورده دعاء، والسلام من أسماء الله .
وذكر الله لا يكون عند قضاء الحاجة، ومن ذلك رد السلام، وقد أورد أبو داود ﵀ حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أن رجلاً مر على النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه)، وهذا يدل على أن الإنسان لا ينبغي له أن يسلم على من يقضي حاجته؛ لأن كون النبي ﷺ لم يرد عليه فيه إشارة وتنبيه إلى أنه ليس للإنسان أن يسلم على من يبول، وأنه إذا سلم عليه وهو يبول لا يرد؛ لأن ترك النبي ﷺ الرد عليه يدل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يرد السلام وهو يقضي الحاجة.
وعلى هذا فيفهم من الحديث أن الإنسان لا ينبغي له أن يسلم على من يبول، وعلى المسلم عليه الذي يقضي حاجته ألا يرد السلام، وفيه أيضاً دليل على أن ذكر الله لا يكون في حال قضاء الحاجة.
وفيه أيضاً دليل على أن الإنسان إذا كان يقضي حاجته لا ينبغي له أن يتكلم، ولا أن يخاطب الناس؛ لأن النبي ﷺ ما أجاب المسلّم بشيء، لا بكلام ولا برد السلام؛ لأن التحية ورد السلام لا يناسب أن يكون في مثل هذه الحال، فهذا يفيد أن الإنسان لا يتكلم وهو يقضي حاجته.
وإذا كانت هناك ضرورة تدعو إلى الكلام فللإنسان أن يتكلم على قدر الحاجة.
ثم أشار أبو داود ﵀ إلى أن النبي ﵊ بعدما تيمم رد عليه، فقال: وروي عن ابن عمر وغيره: (أن النبي ﷺ تيمم ثم رد ﵇، يعني: أنه بعدما انتهى من بوله تيمم ثم رد ﵇.
وهذا فيه أن الإنسان حينما يرد السلام ينبغي أن يكون على طهارة، ولكن إذا كان الإنسان ليس على قضاء الحاجة وكان غير متوضئ وغير متيمم فيجوز له أن يذكر الله وأن يرد السلام؛ ولكن الأولى والأشرف أن يكون على طهارة، وقد أورد أبو داود ﵀ هذا الحديث مسنداً في باب التيمم في الحضر.
والمقصود من هذا: أن يكون رد السلام على حال أكمل وأفضل، وإلا فإن ذكر الله والإنسان محدث وليس على وضوء سائغ وجائز، وسيأتي الحديث الذي يدل على ذلك، وهو: (أن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه)، يعني: سواء كان متوضئاً أو غير متوضئ.
ولكن الذي حصل في هذا: هو الإشارة إلى ما هو أكمل وإلى ما هو أفضل، والحديث الذي سيأتي يدل على أن ذلك سائغ وجائز، ولا تنافي بين هذا الحديث والحديث الذي سيأتي والذي فيه: (أن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه).
стр. 110
تراجم رجال إسناد حديث: (مر رجل على النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه)
قوله: [حدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة].
أبو شيبة هو محمد بن إبراهيم، ويكنى بـ أبي شيبة وابناه هما: عثمان وأبو بكر، وأبو بكر اسمه عبد الله ولكنه مشهور بكنيته، وكل منهما ثقة، وكل منهما خرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
وأبو بكر هو المشهور أكثر من عثمان في كثرة الرواية، وكثرة الحديث؛ ولهذا خرج له مسلم في صحيحه -أي: لـ أبي بكر - أكثر من ألف وخمسمائة حديث، وهو أكثر الشيوخ الذين روى عنهم مسلم، يعني: أن الأحاديث التي حدث بها مسلم عن شيوخه أكثرها ما كان عن أبي بكر بن أبي شيبة.
وقد اشتهر أبو بكر بن أبي شيبة بكنيته، وكذلك ينسب إلى أبيه بالكنية، فيقال: أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو بكر اسمه عبد الله، وأبو شيبة اسمه محمد، وهذا فيه الاشتهار بالكنى، والاشتهار بكنية الأب أيضاً، ومثل هذا شهرة أبي بكر الصديق ﵁ أبو بكر بن أبي قحافة، فهو مشهور بكنيته وينسب إلى أبيه مكنى، وهو عبد الله بن عثمان ﵁، وليس مشهوراً باسمه واسم أبيه، وأبوه ليس مشهوراً باسمه، وإنما اشتهر بالكنية.
وهنا أبو بكر بن أبي شيبة اشتهر بكنيته وكنية أبيه.
وأبو بكر ﵁ ليس له ولد اسمه بكر، ولا لـ عمر ابن اسمه حفص، ولكن هذه كنى حصل الاشتهار بها، ولعلها حصلت في زمن مبكر وقبل أن يولد للإنسان ولد، فاستمر عليها وعلى ذكرها.
[حدثنا عمر بن سعد].
هو أبو داود الحفري، والحفر: محلة من الكوفة، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن الأربعة.
[عن سفيان].
هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
وهنا جاء غير منسوب، لأن أبا داود الحفري من أهل الكوفة، وهو يروي عن سفيان الثوري، وكذلك الضحاك بن عثمان يروي عنه أيضاً سفيان الثوري، وحديث سفيان الثوري أخرجه أصحاب الكتب الستة.
وكما قلت: هو من الذين وصفوا باللقب الرفيع الذي هو من أعلى صيغ التعديل: أمير المؤمنين في الحديث، وهو مشهور بالفقه، ومشهور بالحديث رحمة الله عليه.
[عن الضحاك بن عثمان].
هو الضحاك بن عثمان الأسدي، وهو صدوق يهم، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.
[عن نافع].
هو نافع مولى ابن عمر، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
(عن ابن عمر).
هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ من أصحاب رسول الله ﷺ ، ورضي الله عن الصحابة أجمعين.
стр. 111
حكم ذكر الله عند قضاء الحاجة
والنهي في هذا الحديث الذي يبدو أنه على التحريم؛ لأن الإنسان عند أن يقضي حاجته لا يذكر الله، بل يجب أن ينزه ذكر الله عن أن يكون في حال مكروهة أو حال فيها قذر، أو فيها خروج شيء مستقذر.
стр. 112
شرح حديث: (إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن عن حضين بن المنذر أبي ساسان عن المهاجر بن قنفذ ﵁: (أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال: إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر، أو قال: على طهارة)].
أورد أبو داود رحمه الله تعالى حديث المهاجر بن قنفذ ﵁: (أنه مر على النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه فلم يرد ﵇، حتى توضأ ورد ﵇، ثم اعتذر النبي ﷺ إليه وقال: إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر).
أي: أن حالة البول هذه حالة ليست محلاً لذكر الله ، ولكن بعد أن يقضي الإنسان حاجته -حتى قبل أن يتوضأ- هذه حالة لا مانع فيها من ذكر اسم الله ، ولا مانع من قراءة القرآن، والقرآن هو خير الذكر وأفضل الذكر.
ولكن كون النبي ﷺ لم يرد ﵇ إلا بعد أن توضأ، وأشار إلى أنه كره أن يرد إلا وهو على طهارة فيه إشارة إلى الأكمل، وفي هذا أيضاًَ إشارة إلى أن الإنسان ينبغي له أن يحرص على أن يكون على طهارة؛ حتى يكون أكمل في ذكره لله وفي قراءته للقرآن.
وإن كان ذكره لله بعدما ينتهي من بوله وقبل أن يتوضأ سائغ وجائز، إلا أن هذا فيه إشارة إلى الأكمل وإشارة إلى الأفضل، وفيه حسن خلقه ﷺ في اعتذاره للمهاجر بن قنفذ وبيانه له حتى يكون في ذلك بيان لهذا الحكم الشرعي، ولتطييب خاطره ونفسه من كونه سلم ولم يرد عليه، وفيه تنبيه أيضاً كما أسلفت إلى أن الإنسان لا ينبغي له أن يسلم على من يقضي حاجته.
стр. 113
تراجم رجال إسناد حديث: (إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر)
قوله: [حدثنا محمد بن المثنى].
هو أبو موسى العنزي الملقب: الزمن البصري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، فكل منهم روى عنه مباشرة بدون واسطة.
وسبق أن ذكرت في درس مضى أن ثلاثة من صغار شيوخ البخاري هم من رجال الكتب الستة وماتوا في سنة واحدة، وهم: محمد بن المثنى هذا، ومحمد بن بشار بندار ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، فهؤلاء ثلاثة شيوخ لأصحاب الكتب الستة، وقد ماتوا في سنة واحدة قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، وهي سنة (٢٥٢هـ).
وذكروا عن محمد بن المثنى أنه مثل محمد بن بشار في أمور كثيرة، فقالوا: اتفقا في سنة الولادة، وسنة الوفاة، وكلاهما من أهل البصرة، وكانا متفقين في كثير من الشيوخ والتلاميذ، ولهذا قال الحافظ ابن حجر في ترجمة محمد بن المثنى: وكان هو وبندار كفرسي رهان.
يعني: متماثلين، لا أحد منهما يسبق الآخر، كما أن فرسي الرهان يكون بينهما تماثل.
وقال: إن هذين الاثنين ماتا في سنة واحدة، وكانا كفرسي رهان، واتفقا في أمور كثيرة.
[حدثنا عبد الأعلى].
هو عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سعيد].
هو ابن أبي عروبة، وإذا جاء سعيد يروي عن قتادة فالمقصود به ابن أبي عروبة.
وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن قتادة].
هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الحسن].
هو الحسن بن أبي الحسن البصري، وهو ثقة، أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن حضين بن المنذر أبي ساسان].
حضين بن المنذر أبي ساسان ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
[عن المهاجر بن قنفذ].
المهاجر بن قنفذ ﵁ صحابي، أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة.
وفي هذا الحديث أنه توضأ، وفي الحديث الذي روي عن ابن عمر وغيره أنه تيمم، والذي يبدو أنهما قصتان، إحداهما فيها وضوء، والأخرى فيها تيمم.
стр. 114
ذكر الله تعالى على غير طهر
стр. 115
شرح حديث: (كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الرجل يذكر الله تعالى على غير طهر.
حدثنا محمد بن العلاء حدثنا ابن أبي زائدة عن أبيه عن خالد بن سلمة -يعني: الفأفاء- عن البهي عن عروة عن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه)].
أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة بعنوان: باب في الرجل يذكر الله تعالى على غير طهر، بعد أن ذكر الترجمة السابقة التي فيها أن النبي ﷺ لم يرد السلام إلا بعدما توضأ أو تيمم.
ومن المعلوم أن الوقت الذي بين قضاء الحاجة وبين التيمم أو الوضوء يجوز للإنسان أن يذكر الله فيه، والنبي ﷺ ما حصل منه رد السلام إلا بعد الوضوء أو التيمم، وهذا فيه إشارة إلى الأكمل، وأن الإنسان إذا ذكر الله في حال طهارته فهذا أكمل وأفضل.
وبعد هذا أورد هذه الترجمة الدالة على جواز ذكر الله على غير طهارة، لكن ليس في حال قضاء الحاجة، ففي حال قضاء الحاجة لا يرد الإنسان السلام، ولكن فيما بين قضاء الحاجة وبين الوضوء أو التيمم يجوز للإنسان أن يذكر الله .
فأورد أبو داود ﵀ هذا الباب بعد الباب الذي قبله إشارة إلى أن ما جاء في الباب الذي قبله إنما هو إشارة إلى الأكمل، وفي هذا الباب إشارة إلى الجواز وعدم الحرج، وأنه لا بأس بذلك، وأن الذكر قبل الوضوء خلاف الأولى، ولكن ليس من قبيل التحريم، وإنما الأولى والأفضل والأكمل أن يكون الذكر على طهارة، ولكن ذكر الله على غير طهارة جائز لحديث عائشة هذا الذي أورده أبو داود ﵀.
وكثيراً ما يأتي في التراجم وفي الأحاديث ذكر الرجل، ولا مفهوم له، بمعنى: أن حكم المرأة لا يخالف حكم الرجل، بل حكم الرجل والمرأة واحد، والأحكام هي للرجال والنساء، ولكن يذكر الرجال في التراجم ويأتي ذكرهم في الأحاديث بلفظ الرجل أو الرجال؛ لأن الغالب أن الخطاب مع الرجال؛ لا لأن الحكم يختص بالرجال؛ فبعض الرجال لا يذكر الله على كل أحيانه وبعض النساء كذلك.
وقد جاءت أحاديث كثيرة فيها ذكر الرجال، ولا مفهوم لذكر الرجال، بمعنى: أن النساء ليس لها حكم آخر، بل حكم النساء هو حكم الرجال، والأصل هو تساوي النساء والرجال في الأحكام، إلا ما جاء يخص الرجال دون النساء، وما جاء يخص النساء دون الرجال، فعند ذلك يصار إلى التفريق، أما حيث لا تفريق وحيث لا يأتي شيء يدل على أن هذا خاص بالرجال أو هذا خاص بالنساء فالأصل هو التساوي بين الرجال والنساء.
وقد جاءت جملة كبيرة من الأحاديث في هذا المعنى الذي هو ذكر الرجل، ولا مفهوم له، ومن ذلك قوله ﷺ : (لا تتقدموا رمضان بيوم أو يومين إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه) وكذلك المرأة التي تصوم صوماً تداوم عليه فلها أن تصوم.
فقوله: (إلا رجل) هذا لا مفهوم له، بل المرأة مثل الرجل.
وكذلك قوله ﵊: (من وجد متاعه عند رجل قد أفلس...)، كذلك المرأة إذا كانت مفلسة وقد بيع لها شيء والمبيع موجود عندها فالذي وجده من الغرماء أحق به، سواء وجده عند رجل أو عند امرأة، فقوله: (من وجد متاعه عند رجل) لا مفهوم للرجل، فالمرأة مثل الرجل.
وعلى هذا فالقاعدة: أن أحكام الرجال والنساء واحدة، ولا يختص الرجال بحكم دون النساء، ولا النساء بحكم دون الرجال، إلا إذا جاء شيء يدل على التخصيص؛ إما لأنها أحكام تتعلق بالنساء أو لأنها أحكام يفرق فيها بين الرجال والنساء.
وهذه الأحكام التي يفرق بها بين الرجال والنساء كثيرة، وقد أشرت إلى جملة منها في الفوائد المنتقاة من فتح الباري وكتب أخرى، وهذه هي الفائدة الوحيدة التي ما عزوتها إلى كتاب؛ لأنني لم أنقلها من كتاب، ولكنني كنت أدون ما يعرض لي من فروق بين الرجال والنساء، فتجمعت جملة كبيرة، فأوردتها في ذلك الكتاب، وهي غير معزوة إلى أحد؛ لأنها مسائل كثيرة يفرق فيها بين الرجال والنساء، فهي الفائدة الوحيدة التي لم تنسب ولم تعز إلى مصدر أو كتاب معين، وهي جملة كبيرة من الأحكام التي يختلف فيها الرجال عن النساء، ويفرق فيها بين الرجال والنساء.
والحاصل: أن ذكر الرجل في التراجم وكذلك في الأحاديث لا مفهوم له، وإنما المقصود من ذلك: أن الغالب أن الخطاب مع الرجال دون النساء.
وبعد ذلك أورد حديث عائشة: (أن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه).
стр. 116
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه)
قوله: [حدثنا محمد بن العلاء].
هو محمد بن العلاء أبو كريب، مشهور بكنيته أبي كريب، وبعض المحدثين يذكره بكنيته، فيقول: أبو كريب ويكتفي بها، وبعضهم يذكره باسمه منسوباً، فيقول: محمد بن العلاء، وبعضهم يجمع بين الاسم والكنية والنسبة، ومعرفة الكنى للمحدثين مهمة، وفائدتها: ألا يظن الشخص الواحد شخصين، وذلك فيما لو جاء في أحد الأسانيد: أبو كريب، وجاء في إسناد آخر محمد بن العلاء.
فالذي لا يعرف أن أبا كريب هو محمد بن العلاء يظن أن أبا كريب شخص، وأن محمد بن العلاء شخص آخر، لكن من يعرف أنه واحد فسواء جاء أبو كريب أو جاء محمد بن العلاء فالنتيجة واحدة؛ إذا إنها يراد بها شخص واحد، وإنما يذكر باسمه في بعض الأحيان، ويذكر بلقبه في بعض الأحيان، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا ابن أبي زائدة].
هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
وهو ثقة يدلس، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن خالد بن سلمة -يعني: الفأفاء -].
كلمة (يعني) سبق أن مر التنبيه عليها، وأن المقصود منها: أن تلميذ الراوي اكتفى باسمه، وتلميذه هو زكريا بن أبي زائدة، وهو ما زاد على أن قال: خالد بن سلمة، لكن يحيى بن زكريا، أو من دونه هو الذي قال: الفأفاء، وكلمة (يعني) لها قائل ولها فاعل، ففاعلها زكريا بن أبي زائدة، وقائلها: من دون زكريا بن أبي زائدة.
وخالد بن سلمة صدوق، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.
[عن البهي].
البهي لقب، واسم صاحب اللقب عبد الله بن يسار، وهو صدوق يخطئ، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[عن عروة].
هو عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة فقيه، من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وقد مر ذكرهم فيما مضى، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ ، وقد مر ذكرهم قريباً.
стр. 117
الخاتم يكون فيه ذكر الله تعالى يدخل به الخلاء
стр. 118
شرح حديث: (كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الخاتم يكون فيه ذكر الله تعالى يدخل به الخلاء.
حدثنا نصر بن علي عن أبي علي الحنفي عن همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس أنه قال: (كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه).
قال أبو داود: هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس: (أن النبي ﷺ اتخذ خاتماً من وَرِق ثم ألقاه) والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام].
ثم أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة بعنوان: باب الخاتم يكون فيه ذكر الله يدخل فيه الخلاء.
وهذه الترجمة المقصود منها: أن ما كان فيه ذكر الله هل يدخل به الخلاء أو لا يدخل به في محل الخلاء أو محل قضاء الحاجة؟ وهذا يقال فيه: إن الأولى والذي ينبغي أنه إذا تيسر ألا يدخل الخلاء بشيء فيه ذكر الله فليفعل، ولكنه إذا حصل أمر يقتضي ذلك فإنه لا بأس بذلك، لكن حيث أمكن ألا يدخل بشيء فيه ذكر الله فهذا هو الذي ينبغي.
ولكن إن دعت إلى ذلك الحاجة فإنه لا بأس بإدخاله مع الإنسان، ورسول الله ﷺ كان معه خاتم مكتوب فيه (محمد رسول الله) (محمد) سطر، و (رسول) سطر، و (الله) سطر، وهذا فيه ذكر الله؛ لأنه مكتوب فيه (محمد رسول الله) ﷺ ؛ ومن أجل ذلك قال في الترجمة: فيه ذكر الله.
ثم أورد حديث أنس ﵁: (أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه)، يعني: أنه لا يدخل به الخلاء، وإنما يدخل بدون الخاتم؛ وذلك لأن فيه ذكر الله .
فأورد أبو داود ﵀ حديث أنس بن مالك ﵁ في هذا، وأنه كان ﷺ يضع الخاتم.
ثم بعد ذلك قال أبو داود: إنه حديث منكر.
وبين أن المعروف أنه عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري، عن أنس: (أنه اتخذ خاتماً من ورق فألقاه).
والفرق إنما هو في وضع الخاتم عند دخول الخلاء، كما جاء في حديث الطريق الأولى التي هي: همام عن ابن جريج، ولكن قال أبو داود: إن الحديث منكر، والوهم فيه من همام، والمخالفة فيه من همام، مع أن هماماً ليس من الضعفاء، والمشهور في تعريف المنكر: رواية الضعيف مخالفاً الثقة، وهمام ليس بضعيف، ولكنه من الثقات، وقد أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو ثقة ربما وهم.
قالوا: ولعل المقصود بذلك: التوسع في معنى المنكر، وهو ما فيه المخالفة من الثقة لمن هو أوثق منه، ومن الضعيف للثقة، وعلى هذا فيكون المقصود به: الشاذ؛ لأن مخالفة الثقة للثقات يسمى شاذاً ولا يسمى منكراً، لكن بعض أهل العلم يتوسع في إطلاق المنكر على ما فيه المخالفة.
قالوا: وهذا يتفق مع هذا التوسع، وهو أنه لا توجد هنا المخالفة؛ لأنه ليس هنا ضعيف خالف ثقة، وإنما ثقة خالف من هو أوثق منه.
ولهذا فإن بعض أهل العلم قال: إن أبا داود نوزع في بيان أنه منكر، وأنه ليس فيه إلا تدليس ابن جريج، فإنه مدلس، فإن صرح بالسماع فإنه يصحح، وإلا فإن العلة فيه ليست من همام، وإنما هي من تدليس ابن جريج.
وأما الحكم فهو أنه حيث أمكن ألا يدخل الخلاء بشيء فيه ذكر الله فهذا هو الذي ينبغي، ولكن إذا احتيج إلى ذلك أو دعا الأمر إلى ذلك -كأن خيف أن يسرق ذلك الشيء الذي فيه ذكر الله لو وضعه في الخارج- فإنه يدخل به ولا بأس بذلك، وقد عمت البلوى في أن الناس لابد أن يكون في جيوبهم شيء فيه ذكر الله من الأوراق النقدية وغير النقدية، فالدخول بها الخلاء مما تدعو إليه الحاجة ولا يمكن التحرز منه.
стр. 119
تراجم رجال إسناد حديث: (كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه)
قوله: [حدثنا نصر بن علي].
هو نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي، وقد وافق اسمه واسم أبيه اسم جده وجد أبيه، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي علي الحنفي].
هو عبيد الله بن عبد المجيد، وهو مشهور بكنيته ونسبته، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن همام].
هو همام بن يحيى، وهو ثقة ربما وهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن جريج].
هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس].
هو أنس بن مالك ﵁، وهو صاحب رسول الله ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ ، وأنس بن مالك من صغار الصحابة، والزهري من صغار التابعين.
وهذا الحديث فيه رواية تابعي صغير عن صحابي صغير؛ لأن أنساً ﵁ عُمِّر، وطالت حياته، فأدركه صغار التابعين، ومنهم من روى عنه، ومنهم من لم يروِ عنه، وهنا الزهري يروي عنه، وقد سبق أن ذكرنا أن حديث الأعمش عنه مرسل؛ لأن الأعمش لم يروِ عن أنس.
[قال أبو داود: هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد].
وزياد بن سعد أخرج له أصحاب الكتب الستة.
وهو يعني بهذا أن المعروف ذكر الواسطة بين ابن جريج وبين الزهري، وهو زياد بن سعد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
وبعض أهل العلم قال: إنه يمكن أن يكونا حديثين، فيكون هذا حديث وهذا حديث، فالذي جاء من هذا الطريق حديث، والذي جاء من ذلك الطريق حديث آخر.
وقال: يمكن أن يصحح الحديث الذي قال عنه أبو داود: إنه منكر؛ وذلك لأنه ليس فيه إلا احتمال تدليس ابن جريج، فإن صرح بالسماع حكم له بالصحة والثبوت، وإلا فالعلة فيه ليست من همام، وإنما هي من تدليس ابن جريج.
قوله: (اتخذ خاتماً من ورق ثم ألقاه)].
الوَرِق هو: الفضة، والمعروف أن النبي ﷺ اتخذ خاتماً من ذهب ثم ألقاه فألقى الناس خواتيمهم، وبين لهم أنه حرام، وأما الوَرِق فإنه حلال ومباح اتخاذه، والنبي ﷺ قد اتخذ خاتماً من ورق واستمر ﵊ عليه، وجاء عن أنس: (أنه كان يرى وبيص خاتمه في يده ﷺ ، وكان اتخذ الخاتم من أجل أن يختم به كتبه إلى الزعماء والملوك والرؤساء؛ لأن أصله أنه قيل: إنهم لا يقبلون الكتاب إلا مختوماً، فاتخذ خاتماً وكتب فيه: (محمد رسول الله) ﷺ .
فهذا الحديث الذي فيه وضع الخاتم هو من طريق زياد بن سعد عن الزهري، لكن فيه أن الخاتم من فضة، والذي أعرف أن الذي نزعه النبي ﷺ ونزع الناس خواتيمهم هو أنه كان من ذهب، فما أدري هل قضية الفضة حصل فيها شيء من هذا أم لا؟ ولكن الفضة بقيت مباحة واستمرت إباحتها، وعلى هذا فيجوز اتخاذ الخاتم من الفضة.
стр. 120
الاستبراء من البول
стр. 121
شرح حديث: (أما هذا فكان لا يستنزه من البول)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الاستبراء من البول.
حدثنا زهير بن حرب وهناد بن السري قالا: حدثنا وكيع حدثنا الأعمش قال: سمعت مجاهداً يحدث عن طاوس عن ابن عباس قال: (مر رسول الله ﷺ على قبرين فقال: إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير: أما هذا فكان لا يستنزه من البول، وأما هذا فكان يمشي بالنميمة.
ثم دعا بعسيب رطب فشقه باثنين، ثم غرس على هذا واحداً وعلى هذا واحداً وقال: لعله يخفف عنها ما لم ييبسا).
قال هناد: (يستتر) مكان (يستنزه)].
الاستبراء من البول: هو الاستنزاه منه، والحرص على السلامة من أن يتطاير على الثوب أو الجسد، فلا يتهاون الإنسان في البول بأن يقع على جسده أو ملابسه ثم لا يستنزه منه، بل عليه أن يحرص على ألا يكون في ثيابه على بدنه نجاسة؛ لأنه ورد الوعيد الشديد فيه، وبيان أنه من الكبائر؛ وذلك لأنه جاء فيه عذاب القبر.
ومن المعلوم أن الكبائر هي: الذنوب التي عليها حد في الدنيا، أو توعد عليها بلعنة أو غضب أو نار.
وهنا بين أن صاحب ذلك القبر يعذب في قبره؛ بسبب عدم الاستنزاه من البول، فالإنسان إذا علم النجاسة فعليه أن يبادر إلى إزالتها.
لكنه إذا صلى ثم علم أن في ثوبه أو على بدنه نجاسة فإن صلاته صحيحة، وإن علم في أثناء الصلاة فإن عليه أن ينزع الذي فيه نجاسة إذا كان يمكن نزعه ويواصل الصلاة؛ لأن النبي ﷺ صلى في نعليه وفي أثناء الصلاة نزعهما، فالناس نزعوا نعالهم، ولما فرغ أخبرهم بأن جبريل جاءه وأخبره بأن فيهما نجاسة.
فكون النبي ﷺ بنى على ما قبل النزع دلنا على أن الصلاة تصح في الثوب إذا كان فيه نجاسة أو البدن إذا كان عليه نجاسة إذا لم يعلم إلا بعد الفراغ من الصلاة.
وسواء كان قد أصابته النجاسة ولا يدري عنها ولا عرفها إلا بعد الصلاة، أو كان يعلمها من قبل ولكنه نسيها فإن الصلاة تصح، وهذا بخلاف الوضوء، فإن الإنسان إذا صلى بدون وضوء فعليه أن يعيد الصلاة، وإذا صلى وفي ثوبه نجاسة أو عليه نجاسة ولم يعلم بها إلا بعد الفراغ من الصلاة فإن صلاته صحيحة، بدليل حديث نزع الرسول ﷺ نعليه وهو في الصلاة، وقد اعتبر ما مضى من صلاته قبل النزع، فلو كان ذلك غير سائغ وغير صحيح لاستأنف النبي ﷺ الصلاة من أولها.
أورد أبو داود ﵀ حديث ابن عباس ﵁: (أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير)، يعني: أن الله تعالى أطلع نبيه على أن صاحبي هذين القبرين يعذبان، وقال: (وما يعذبان في كبير)، وليس معنى قوله: (وما يعذبان في كبير) يعني: تسهيل أو تهوين النميمة وعدم الاستبراء من البول، وإنما المقصود: أن تركه شيء سهل عليهما ويسير عليهما، وليس عليهما في تركه مشقة، وليس فيه تعب عليهما، بل تركه هين عليهما، ولكنهما تهاونا في ذلك ووقعا في هذا الأمر المحرم، مع أنه ليس بشيء كبير يشق عليهما، بل هو هين إذا وفقهما الله للتخلص منه والسلامة منه.
فلا يعني ذلك أنه ليس من الكبائر؛ لأن الذنب كبير، ولهذا فالإنسان يعذب عليه في قبره، ولكن المقصود بالنفي هو أنه هين عليهما التخلص منه والسلامة منه، وعدم الوقوع فيه، ومع ذلك فقد وجد منهما التهاون حتى وقعا فيما وقعا فيه.
وقوله: (إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول أو لا يستبرئ من البول) هذا فيه إثبات عذاب القبر، والأحاديث فيه متواترة، بل قد جاء في القرآن إثبات عذاب القبر، كما قال الله في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، فهم يعرضون على النار غدواً وعشياً، أي: وهم في القبور قبل أن تقوم الساعة.
فهذا فيه إثبات عذاب القبر من القرآن الكريم، وأما الأحاديث فهي أحاديث كثيرة جداً ومتواترة عن رسول الله ﷺ ، وأن عذاب القبر حق، وأنه يصل إلى من يستحقه، فالكفار يعذبون في قبورهم كما جاء في آل فرعون، والعصاة من شاء الله أن يعذب عذب ومن شاء ألا يعذب فإن الله تعالى يعفو عنه ويتجاوز.
والحديث الذي معنا يفهم منه أنهما كانا مسلمين؛ لأنهما لو كانا كافرين لكان العذاب على الكفر، فالكفر والشرك أعظم الذنوب وأخطرها، ولكن المقصود: أنهما عُذّبا بهذا الذنب الكبير الذي هو المشي بالنميمة وعدم الاستبراء من البول.
ثم إن النبي ﷺ أخذ جريدة رطبة وشقها قطعتين، وغرز في كل قبر قطعة، وقال: (لعله يخفف عنهما مالم ييبسا)، وهذا من خصائصه ﷺ ، وليس لأحد أن يفعل كما فعل رسول الله ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ أطلعه الله على هذا الغيب الذي هو حصول العذاب في هذا القبر، وعلى سبب العذاب: وهو النميمة وعدم الاستبراء من البول، وأما الناس فإنهم لا يعلمون، ولا يحصل لهم ما يحصل للرسول ﷺ ، والنبي ﷺ يطلعه الله من الغيب على مالم يطلع عليه أمته، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع).
فالرسول ﷺ قد أطلعه الله على ما يجري في القبور، ويسمع ما يحصل في القبور من العذاب والصراع والصياح الذي يكون بسبب ذلك، والبهائم كذلك تسمع ما يجري في القبور، والله تعالى أخفى ذلك على المكلفين: الجن والإنس؛ حتى يتبين أولياء الله من أعداء الله، وحتى يتبين من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن بالغيب؛ لأنهم لو أطلعوا على ما يجري في الغيب وما يجري في القبور لما بقي هناك تمييز بين من يكون ولياً وبين من كان غير ولي، والله تعالى شاء أن يكون الناس فريقين: (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ)، فريق يؤمن بالغيب، وفريق لا يؤمن إلا بما يشاهده ويعاينه.
فالبهائم -كما جاء في بعض الأحاديث- تسمع، والرسول ﷺ يسمع، وقد قال: (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع)، يعني: أنهم لو سمعوا ما يجري في القبور من الصراخ والصياح لما قرّ لهم قرار ولا هدأ لهم بال، بل يمكن أن يصيبهم المرض، ويصيبهم التعب حتى يموتوا، ولا يتمكن بعضهم من أن يدفن بعضاً، والله أطلع نبيه على مالم يطلعهم عليه.
إذاً: هذا من خصائص النبي ﷺ ، وليس لأحد أن يأتي ويغرز أو يضع شيئاً على المقابر، أو ما إلى ذلك من الأشياء التي تفعل في بعض الجهات وفي بعض البلاد؛ فإن هذا من الأمور المنكرة.
стр. 122
تراجم رجال إسناد حديث (أما هذا فكان لا يستنزه من البول)
قوله: [حدثنا زهير بن حرب].
هو أبو خيثمة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[وهناد بن السري].
هناد بن السري ثقة، أخرج له البخاري في (خلق أفعال العباد) ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا وكيع].
هو وكيع بن الجراح الرؤاسي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا الأعمش].
هو سليمان بن مهران الكاهلي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
والأعمش لقب، ومعرفة الألقاب أمر مهم، وفائدته مثل فائدة معرفة الكنى التي أشرت إليها سابقاً، وهي ألا يظن الشخص الواحد شخصين فيما إذا ذكر باسمه في موضع وذكر لقبه في موضع آخر، فإن الذي لا يعرف يظن أن هذا غير هذا، وهذا غير هذا، ومن يعرف يعلم أنه لا فرق بين هذا وهذا، وأن كلها تطلق على شخص واحد، وإنما ذُكر مرة باسمه ومرة بكنيته.
[سمعت مجاهداً].
هو مجاهد بن جبر المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن طاوس].
هو ابن كيسان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
وهو أحد العبادلة، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله ﷺ ، وقد مر ذكر ذلك قريباً.
[قال هناد: (يستتر) مكان (يستنزه)].
هناد هو شيخ أبي داود الثاني؛ لأن أبا داود له في هذا الحديث شيخان: الأول: زهير بن حرب والثاني: هناد، وقد ساق أبو داود الحديث على لفظ زهير الذي هو شيخه الأول، ونبه في الآخر إلى أن هناداً خالف زهيراً بلفظ (يستنزه)، فأتى مكانها بلفظ (يستتر)، فساق لفظ الشيخ الأول، وأتى بمخالفة الشيخ الثاني للشيخ الأول في هذه الكلمة، وهي (يستتر) مكان (يستنزه) يعني: يستتر عند البول، وطبعاً هذا المعنى يختلف، وهذا على هذه الرواية فيه لزوم الاستتار وعدم كشف العورة أمام الناس عند قضاء الحاجة.
стр. 123
شرح حديث: (كان لا يستتر من بوله)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ بمعناه قال: (كان لا يستتر من بوله) وقال أبو معاوية: (يستنزه (].
عقد أبو داود السجستاني ﵀ هذه الترجمة بعنوان: باب الاستبراء من البول.
والمقصود من ذلك: التنزه منه، والتحرز والتوقي من أن يقع شيء من النجاسة على جسد الإنسان، وعلى ثوب الإنسان، فعلى الإنسان أن يتوقى ذلك، وسبق أن مر حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (مر النبي ﵊ بقبرين فقال: إنهما -أي: صاحبي القبرين- ليعذبان وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستبرئ من البول أو فكان لا يستنزه من البول، ثم دعا بجريدة رطبة فشقها اثنتين، وغرس على كل واحد منهما قطعة وقال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا).
وهذا يدل على أن عدم التنزه من البول من الكبائر؛ لأنه جاء الإخبار بالعذاب عليه في القبر، ومن المعلوم أن الكبيرة هي: ما كان عليها حدّ في الدنيا أو توعد عليها بلعنة أو غضب أو نار.
وهنا أخبر النبي ﷺ عن وجود العذاب في حق هذين الرجلين اللذين كان أحدهما لا يستبرئ من البول، وكان الثاني يمشي بالنميمة، وهو دال على أنهما من الكبائر، وقد ذكرنا أن عذاب القبر حق، وأنه جاء في القرآن ما يدل عليه في حق الكفار، كما قال الله عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦].
وهذا الحديث فيه: أن من الناس من يعذب في قبره، وفيه: بيان سبب العذاب، وهو المشي بالنميمة، وعدم التنزه من البول، ففيه ذكر العذاب وذكر سببه، وفيه: أن النبي ﵊ وضع في كل قبر قطعة من عسيب أو من جريدة رطبة، وقال: (لعله يخفف عنهما مالم ييبسا).
وهذا يشعر بأن صاحبي القبر من المسلمين، ولكنهما عُذّبا بهذين الذنبين، ولو كانا كافرين لكان التعذيب للكفر؛ لأن كل ذنب يعتبر دون الكفر ودون الشرك بالله ، وذكرنا أنه لا يجوز لأحد أن يفعل كما فعل رسول الله ﵊ من وضع الشيء الرطب وغرزه في القبور؛ لأن هذا من خصائصه ﵊، وذلك أن الله تعالى أطلعه على الغيب، وأطلعه على أن صاحبي القبر معذبان، وأطلعه على سبب عذابهما، وهو مشي أحدهما بالنميمة، وعدم استبراء الآخر من البول، وليس أحد يحصل له ما حصل للرسول ﷺ من الاطلاع على الغيب، فلا يجوز فعل ذلك.
وعذاب القبر حق على كل من يستحقه، ومن شاء الله أن يعذب به من المسلمين فإنه يصل إليه ذلك ولابد، وسواء دُفن أو لم يُدفن؛ لأنه لا يختص الأمر بمن دفن في الأرض، بل من يستحق العذاب في البرزخ يصل إليه العذاب، فلا يقال: من أكلته السباع وهو مستحق لعذاب القبر يسلم منه، ولا لمن أحرق وذر في الهواء وهو مستحق لعذاب القبر فإنه يسلم منه، بل إن عذاب القبر يصل إلى كل من شاء الله تعالى أن يعذب فيه.
وعذاب القبر من الأمور الغيبية التي لا تقاس على أمور وأحوال الدنيا، فإننا نؤمن بعذاب القبر، ونعرف أن القبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار، ولو فتحنا القبور فلن نرى جنة ولا ناراً، ولكن ذلك لا يجعل الإنسان يتردد أو يتوقف أو يشك، بل عليه أن يصدق وإن لم ير؛ لأن أمور الآخرة أو أمور البرزخ تختلف عن أمور الدنيا، فأمور الدنيا يعرف فيها الناس النار وعذابها وحصول ذلك، وما جاء في الكتاب والسنة من حصول العذاب على المقبورين، فنحن نؤمن به وإن لم نره، وإن لم نشاهده ونعاينه، وهذا هو الفرق بين من يؤمن بالغيب وبين من لا يؤمن بالغيب ولا يؤمن إلا بما يشاهده ويعاينه.
وبهذا يكون التمييز بين أولياء الله وأعداء الله، ويكون التمييز بين من يكون موفقاً ومن يكون مخذولاً، وبين من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن بالغيب.
وهناك مثال في الدنيا يوضح لنا هذا المعنى: وهو أن الأرواح يحصل لها في النوم نعيم، ويحصل لها عذاب، فينام الشخصان في مكان واحد ثم يقومان من نومهما، وأحدهما كان مرتاحاً في نومه ووجد في نومه ما يسره، ووجد أنه يأكل من النعيم ما لذ وطاب ثم يقوم من نومه ولعابه يسيل! والآخر معه في نفس الغرفة، أو في نفس المكان، ولكنه رأى في منامه أن الوحوش تطارده، والحيات تلاحقه، والعقارب تلسعه، ثم قام من نومه فزعاً، خائفاً مذعوراً، وريقه ناشف! فهذان اثنان في مكان واحد، وقد حصل لأرواحهما ما حصل من الفرق الشاسع، والبون البعيد، فكذلك ما يجري في القبور، فإنه قد يكون الاثنان مقبورين في قبر واحد، وأحدهما منعم والآخر معذب، ولا يصل إلى المنعم من عذاب المعذب شيء، ولا يصل إلى المعذب من نعيم المنعم شيء، بل هذا له نعيمه وهذا له عذابه، والله تعالى على كل شيء قدير.
والمهم في الأمر: أن المسلم لا يتردد ولا يتوقف في الإيمان والتصديق بما جاء به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، سواء أدركه أو لم يدركه، وسواء عقله أو لم يعقله، مع العلم بأن أمور الآخرة ليست مثل أمور الدنيا، وأمور البرزخ ليست مثل أمور الدنيا، حتى يقيس الإنسان هذا على هذا، فإن هناك فرقاً، ولا تستوي أمور الدنيا وأمور الآخرة، فإذا وجد الإنسان الشيء الذي لا يعرفه فلا يتوقف ويترد أو يشك فيما جاء به الحديث عن رسول الله ﵊، بل الواجب التصديق والإيمان.
والقبور فيها أصوات، وفيها صياح وأهوال، ولهذا قال النبي ﷺ : (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع).
وقد مر بنا الحديث، وعرفنا ما يتعلق بإسناده، وقد أورد أبو داود ﵀ له إسناداً آخر حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ ، وقال: بمعناه، يعني: لم يسق متن الحديث الذي جاء بهذا الإسناد، وإنما أحال إلى المتن المتقدم، ولكن من حيث المعنى، يعني: أنه موافق للمتن من حيث المعنى، وليس من حيث اللفظ، ولهذا قال: بمعناه.
وفرق بين أن يقول: بمثله أو بنحوه أو بمعناه؛ لأنه إذا قال: بمثله فمعناه: أن المتن مطابق للمتن لفظاً ومعنى، وإذا قال: بنحوه فمعناه: أنه قريب منه، وإذا قال: بمعناه فالمراد: بمعنى الحديث المتقدم وليس بلفظه.
فهنا أحال إلى المتن المتقدم وقال: بمعناه، ولكنه ذكر كلمة جاءت عن شخص على صيغة، وجاءت عن شخص آخر على صغيرة أخرى.
وهي مثلما تقدم في الحديث المتقدم ذكر الاستنزاه والاستتار، حيث قال أحد الرواة: (كان أحدهما لا يستتر)، وقال راوٍ آخر: (كان أحدهما لا يستنزه من البول)، والاستنزاه هو: التحرز، والاستتار: فُسّر أيضاً بأنه التحرز والتوقي، وأنهما بمعنى واحد، وفسر أنه بمعنى عدم كشف العورة والتهاون في ذلك.
ولكن المطابق لما جاء في الحديث من ذكر البول يدل على أن المقصود من ذلك هو عدم التنزه وعدم التحرز منه؛ لأن كشف العورة يمكن أن تكون مع البول ومع قضاء الحاجة ومع غير ذلك، ولكن الشيء الذي يتعلق ويضاف إلى البول هو عدم التوقي وعدم التحرز منه.
стр. 124
تراجم رجال إسناد حديث: (كان لا يستتر من بوله)
قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة].
عثمان بن أبي شيبة سبق أن مر بنا، وهو عثمان بن محمد بن إبراهيم العبسي، وأبوه مشهور بكنيته أبي شيبة، وهو محمد بن إبراهيم، وعثمان هذا ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، إلا الترمذي.
[حدثنا جرير].
هو جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن منصور].
هو منصور بن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن مجاهد].
هو مجاهد بن جبر المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي ﷺ ، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وهم: عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله عمر وعبد الله بن عمرو، وابن عباس أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ ، وقد مر ذكرهم مراراً.
ومجاهد يروي عن ابن عباس بواسطة وبغير واسطة، وكل منهما صحيح.
[وقال أبو معاوية].
أبو معاوية لم يأت ذكره في الإسناد، وهو أبو معاوية محمد بن خازم الضرير الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
وقوله: (مالم ييبسا) يعني: ما دامت الرطوبة موجودة، وهذا يعني أنه يخفف العذاب بسبب الرطوبة التي في الجريدتين، ومعنى هذا: أن التخفيف مؤقت وليس بدائم، وهذا يبين أن التخفيف إنما هو في حق المسلمين وليس في حق الكفار؛ لأن الكفار لا يخفف عنهم العذاب، كما قال الله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر:٣٦]، والذي خفف عنه عذاب النار هو أبو طالب عم رسول الله ﷺ ؛ بسبب شفاعته له، وهي شفاعة في التخفيف، والذي حصل له مستثنى مما جاء في هذه الآية، وهذا التخفيف الذي حصل له قد جاء بيانه في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إنه في ضحضاح من نار، عليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه) وهو أخف الناس.
وهذا الذي هو أخف الناس يرى أنه لا أحد أشد منه عذاباً؛ لأن كون نعليه في رجليه وشدة حرارتهما يصل إلى دماغه، فالدماغ يغلي من شدة حرارة ما يحصل للرجلين، فإن هذا يبين أن عذاب الله شديد، وأن عذاب النار شديد، وأن أهل النار متفاوتون فيها، وأقلهم عذاباً يرى أنه ليس هناك أحد أشد منه عذاباً والعياذ بالله!
стр. 125
شرح حديث: (كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول منهم)
[حدثنا مسدد قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد قال: حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن حسنة قال: (انطلقت أنا وعمرو بن العاص ﵁ إلى النبي ﷺ ، فخرج ومعه دَرَقة، ثم استتر بها، ثم بال، فقلنا: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة، فسمع ذلك، فقال: ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول منهم، فنهاهم، فعذب في قبره).
قال أبو داود: قال منصور عن أبي وائل عن أبي موسى ﵁ في هذا الحديث قال: (جلد أحدهم) وقال عاصم عن أبي وائل عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ : (جسد أحدهم)].
أورد أبو داود ﵀ حديث عبد الرحمن بن حسنة ﵁ أنه قال: (انطلقت أنا وعمرو بن العاص إلى رسول الله ﷺ ، فخرج ومعه دَرَقة)، وهي: الترس الذي يتخذ للوقاية في الحرب، ويكون من الجلد قال: (فاستتر بها ثم بال، فقلنا: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة)، يعني: تعجباً من هذا الفعل.
وهذا الذي قالاه -أو قاله أحدهما أو قاله أحد معهما- يحتمل أن يكون المراد به أنه جهل من قائله، أو أنه كان قبل إسلام عمرو وقبل إسلام عبد الرحمن بن حسنة وعند ذلك لا يكون هناك إشكال من حيث صدور هذه المقالة، والمذموم هو الكلام الذي فيه تشبيه الرسول ﷺ في عمله -وهو يبول- بالنساء، وهذا أمر منكر؛ لأن الواجب هو أن كل ما يصدر من رسول الله ﷺ فهو على التمام والكمال، وهو أحسن حال وأحسن هيئة.
والرسول ﵊ لما سمع ذلك قال: (ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل؟) يعني: بسبب الكلام الذي قاله لهم، ثم ذكر أنه عذب في قبره؛ لأنهم كانوا في شرعهم ودينهم أن الواحد منهم إذا أصابته نجاسة فإنه يقطع مكان النجاسة ولا يغسلها، وهذا من الأمور الشاقة التي كلف بها بنو إسرائيل وخففها الله عن هذه الأمة، فجعل ما تحصل فيه النجاسة يغسل بالماء، وأما أولئك فكانوا يقرضونه بالمقاريض ويقطعونه، وإذا أصابت الثوب نجاسة لا يغسلونه ولكنهم يقطعون القطعة التي عليها النجاسة ويرمونها، وهذا يتطلب منهم الاحتراز الشديد؛ حتى لا تفسد عليهم ثيابهم، إذ يلزمهم أن يقطعوها إذا أصابها شيء من البول أو شيء من النجاسة.
فكانوا يفعلون ذلك اعتماداً على ما في دينهم، فهذا الذي عبر عنه بصاحب بني إسرائيل نهاهم أن ينفذوا هذا الشيء الذي فيه مشقة عليهم، وقد جاء في دينهم وشرعهم، فُعذّب في قبره؛ لأنه نهاهم أن يفعلوا شيئاً هم مكلفون به ومطلوب منهم.
ففي قول الرسول ﷺ هذا تنبيه إلى أنه إذا كان صاحب بني إسرائيل عذب في قبره بسبب ذلك، فإن الذي يحصل منه شيء يتعلق بسنة الرسول ﷺ فإنه قد يناله ما نال صاحب بني إسرائيل ووجد منه ما قد يكون سبباً في تعذيبه في قبره.
وفي هذا الحديث بيان أن من أسباب عذاب القبر الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف؛ لأن صاحب بني إسرائيل نهاهم عن شيء هو مشروع في دينهم، وأمر واجب عليهم في دينهم، فنهاهم أن يطبقوا ما جاء في دينهم، ولو كان في ذلك مشقة عليهم؛ لأن التكاليف لابد أن تنفّذ ولو كان فيها مشقة على النفوس؛ لأن النبي ﷺ قال: (حُفّت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات)، وهذه الأمة خفف الله عنها ما هو شديد مما كلفت به الأمم السابقة.
ولهذا جاء في حديث الإسراء: (لما أسري برسول الله ﵊ وفرضت عليه وعلى أمته خمسون صلاة، ومر بموسى اقترح عليه ونصحه بأن يرجع ويطلب من الله التخفيف، وقال: إن بني إسرائيل كلفوا بشيء وما قاموا به) أي: أنه قد جرّب، فهو ينصح نبينا محمداً ﵊ أن يطلب التخفيف؛ حتى لا يحصل لهذه الأمة من العجز عما كُلّفت به ويحصل منهم التقصير كما حصل من بني إسرائيل الذين كلفوا وما قاموا بما كلفوا به.
فالحديث يفيد أن من أسباب عذاب القبر مثل هذا العمل الذي فيه الاعتراض على الأحكام الشرعية والنهي عن تنفيذ ما جاء به الشرع؛ لأن ذلك الرجل نهاهم أن ينفذوا ما جاء في شرعهم فعُذّب في قبره.
[قال أبو داود: قال منصور عن أبي وائل عن أبي موسى في هذا الحديث قال: (جلد أحدهم)].
هذا الحديث جاء أيضاً من طريق أبي موسى وفيه قصة، وهذا مما حصل لبني إسرائيل من الآصار التي حُمّلوها وما فيها المشقة عليهم، والله تعالى خفف عنا ولم يكلفنا ما كلفوا به، وكان فيما جاء في حديث أبي موسى: (جلد أحدهم)، يعني: إذا أصابت النجاسة جلد أحدهم قطعه، وفسر الجلد بأنه الجلد الذي يلبس؛ لأنه كان مما يلبس: الجلود، وعلى هذا فالمقصود به: الجلد الذي يلبس، وفسر بأنه على ظاهره، وأن النجاسة كانت إذا أصابت جلد الإنسان فإنه يقطع أو يزيل هذه التي وقعت عليها النجاسة من جلده، ففسر بهذا، وفسر بهذا، ويكون هذا مما كلفوا به مما هو شاق عليهم.
ولهذا قال الله في آخر سورة البقرة: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فإن هذا يكون من الآصار التي كلفوا بها والتي خففها الله عن هذه الأمة رحمة بها.
[وقال عاصم عن أبي وائل عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: (جسد أحدهم)].
ثم ذكر طريقاً آخر لحديث أبي موسى غير الطريق السابق وفيه بدل (جلد أحدهم): (جسد أحدهم)، ولكن قد جاء عند غير أبي داود من هذا الطريق: (ثياب أحدهم).
والشيخ الألباني جعل هذه الرواية التي هي ذكر الجسد ضعيفة، وكما ذكرت: جاء في بعض الأحاديث عند غير أبي داود من هذه الطريق: (ثياب أحدهم) بدل (جسد أحدهم).
ويحتمل أن يكون المقصود هو إزالة ما حصل من النجاسة من على الجلد، لا أن الجسد يقطع، بل تكون مثل الرواية السابقة، لكن الروايات التي جاءت وفيها ذكر الثياب تبين أن تلك هي المحفوظة أو المعروفة، وهذه تكون ضعيفة أو أنها تفسر بما فُسّرت تلك، أو تحمل على ما تقدم من ذكر الجلد، وأن المقصود به: أنه يزال كما يزال الجلد، ويراد بالجسد: الجلد، وليس المراد به جسد الإنسان بمعنى أنه يقطع ويمزق.
ومحتمل أن يكون المراد بجلد أحدهم: الجلد الذي يلبسه؛ لأنهم كانوا يلبسون الجلود، ويحتمل أن يكون جلده بمعنى: أن القطعة من جلد الإنسان التي وقعت عليها النجاسة يزيلها.
وفي ذلك شدة عليهم، وذلك يتطلب منهم أن يحذروا من أن يحصل منهم ذلك؛ حتى لا يحصل هذا الجزاء أو هذا الذي كُلّفوا به؛ لأن الإنسان إذا عرف أن جسده سيحصل له شيء بسبب ذلك فإنه سوف يحذر من أن يقع منه ذلك الذي يسبب قطعه أو يسبب إزالة الجلد.
стр. 126
تراجم رجال إسناد حديث: (كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول منهم)
قوله: [حدثنا مسدد].
هو ابن مسرهد الذي مرّ ذكره مراراً، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا عبد الواحد بن زياد].
عبد الواحد بن زياد ثقة، وفي حديثه عن الأعمش مقال، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
وهذا الحديث رواه عبد الواحد عن الأعمش، ولكن الحديث جاء من طرق متعددة.
[حدثنا الأعمش].
هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، والأعمش لقبه.
[عن زيد بن وهب].
زيد بن وهب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن بن حسنة].
عبد الرحمن بن حسنة ﵁ صحابي، أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة.
[قال أبو داود: قال منصور].
يعني: في حديث أبي موسى الأشعري، وهذا أشار إليه إشارة، ومنصور هو: ابن المعتمر الذي مر ذكره قريباً، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي وائل].
هو شقيق بن سلمة، وهو ثقة مخضرم، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي وائل، ويأتي ذكره أحياناً باسمه.
[عن أبي موسى].
هو أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري ﵁، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[وقال عاصم: عن أبي وائل].
هو عاصم بن أبي النجود بهدلة، وأبوه مشهور بكنيته أبي النجود، واسمه بهدلة، وهو صدوق له أوهام، وهو أحد القراء وصاحب القراءة المشهورة: قراءة عاصم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، ولكن حديثه في الصحيحين مقرون، يعني: أنه لم يرو عنه صاحبا الصحيح استقلالاً، وإنما رويا عنه مقروناً مع غيره، ومن المعلوم أن من كان كذلك يكون أقل ممن روي عنه على سبيل الاستقلال.
[عن أبي وائل عن أبي موسى].
وأبو وائل وأبو موسى قد مر ذكرهما.
стр. 127
شرح سنن أبي داود [٠٠٨]
من آداب قضاء الحاجة: ألا يقضي الإنسان حاجته في الأماكن التي يستفيد منها غيره، أو يتأذى الناس من قضاء الحاجة في هذا المكان، كالطريق وأماكن الظل ونحوها.
стр. 128
البول قائماً
стр. 129
شرح حديث: (أتى رسول الله سباطة قوم فبال قائماً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب البول قائماً.
حدثنا حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم قالا: حدثنا شعبة ح وحدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة وهذا لفظ حفص عن سليمان عن أبي وائل عن حذيفة أنه قال: (أتى رسول الله ﷺ سُباطة قوم فبال قائماً، ثم دعا بماء فمسح على خفيه).
قال أبو داود: قال مسدد: قال: (فذهبت أتباعد، فدعاني حتى كنت عند عقبه)].
أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة: (باب: البول قائماً)، يعني: ما حكمه؟ والمعروف من عادته ﷺ أنه كان يبول قاعداً، والبول قائماً جاء عنه نادراً وقليلاً، وهو يدل على أن ذلك جائز، ولكن ما داوم عليه الرسول ﷺ هو الأولى والأفضل والأكمل، وهو أن يكون الإنسان عن قعود لا عن قيام، ولكنه إذا فعل ذلك قائماً في بعض الأحيان فلا بأس بذلك إذا أمن ألا يقع عليه شيء من البول بسبب ذلك، ويكون فعل الرسول ﷺ له في بعض الأحيان أو نادراً فيه بيان الجواز عندما يحتاج الإنسان إلى ذلك.
وقد يكون الرسول ﷺ فعل ذلك نادراً لضرورة دعته إلى ذلك، ولكن كونه ﷺ حصل منه ذلك وهو قائم يدلنا على أن الإنسان يجوز له أن يبول قائماً إذا دعا الأمر إلى ذلك، لكن بشرط ألا يصل إليه شيء من رشاش البول بسبب كونه يبول عن قيام.
ذكر المصنف حديث حذيفة ﵁ أنه كان مع النبي ﷺ فجاء سباطة قوم، والسباطة هي: المكان الذي يلقى فيه الأتربة والقمائم وما إلى ذلك، فإنه إذا كنست البيوت وجُمع ما يحصل عن كنسها فإنه يلقى في أفنية البيوت، يعني: خارجها وقريباً منها.
وغالباً ما يكون ذلك المكان فيه أتربة وأشياء إذا وقع عليها البول فإن الأرض تشربه ولا يحصل من ذلك تطاير رشاش البول؛ لأن الأرض تكون سهلة، فالنبي ﷺ جاء سباطة قوم فبال قائماً، وكان معه حذيفة فأراد أن يتباعد، فطلب منه أن يرجع إليه وأن يكون في مكان قريب منه حتى يستره.
وقد يكون هذا الذي جاء في الحديث فيه إشارة إلى أن الرسول ﷺ اضطر إلى ذلك، وأنه احتاج إلى أن يفعله، وأنه ما استطاع أن يصبر إلى أن يصل إلى مكان آخر، ولهذا فعل ذلك وطلب من حذيفة أن يقرب منه حتى يستتر به.
والحديث يدل على أنه يجوز البول قائماً للحاجة، والأصل أن يبال في حال الجلوس.
قوله: [(ثم دعا بماء فمسح على خفيه)].
يعني: توضأ ومسح على خفيه، وهذا الحديث مختصر؛ لأن الحديث فيه: (توضأ ومسح على خفيه) يعني: أنه غسل أعضاء الوضوء، وأما الخفان فقد مسح عليهما؛ لأنه كان عليه خفان فمسح عليهما.
فالمقصود: أنه توضأ ومسح على الخفين، والحديث فيه اختصار ذكر آخره، والذي هو ذكر المسح دون أوله الذي فيه ذكر الوضوء.
стр. 130
تراجم رجال إسناد حديث: (أتى رسول الله سباطة قوم فبال قائماً)
قوله: [حدثنا حفص بن عمر].
حفص بن عمر ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والنسائي.
[ومسلم بن إبراهيم].
هو مسلم بن إبراهيم الفراهيدي الأزدي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قالا: حدثنا شعبة].
هو ابن حجاج الواسطي ثم البصري، ثقة، وُصف بأنه أمير للمؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[(ح) وحدثنا مسدد].
هذه الحاء هي للتحويل، وهذا أول موضع في سنن أبي داود يأتي فيه ذكر التحويل بالحاء التي تكتب حاءً مفردة.
والمقصود منها: الدلالة على التحول من إسناد إلى إسناد؛ لأنه ذكر الإسناد الأول ثم أراد أن يرجع ويذكر إسناداً آخر من شيخه إلى أن يلتقي مع الإسناد الأول عند شخص، ثم يستمران إلى الآخر.
وهذا يسمى التحويل.
وحاء التحويل تكتب حاءً مفردة، وينطق بها فيقال: حاء؛ حتى يسمع السامع أن هناك تحولاً، وأنه رجع من جديد ليذكر إسناداً آخر ليبدأ فيه من شيخ بإسناد غير الإسناد الذي ذكر شيخه أو شيوخه من قبل، ولكن الإسنادين يلتقيان عند شخص ثم يستمران طريقاً واحداً إلى الآخر.
وحاء التحويل فيها التفريق أو الفصل بين أثناء الإسناد وأول الإسناد، ولهذا يأتي بعدها واو، فما يقول: ح حدثنا، وإنما يقول: ح وحدثنا؛ لأن هناك عطفاً على الإسناد الأول، ولكن الإسناد الثاني يمشي إلى أن يلتقي عند المكان الذي وقف عنده الإسناد الأول ثم يستمران بعد ذلك.
ومسدد قد عرفناه.
[حدثنا أبو عوانة].
هو الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة وهو مشهور بكنية أبي عوانة.
[وهذا لفظ حفص].
قال أبو داود: وهذا لفظ حفص، يعني: أن اللفظ الذي سيسوقه هو لفظ الشيخ الأول؛ لأن له ثلاثة: حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم ومسدد، الشيخان الأولان في الإسناد الأول والشيخ الثاني في الإسناد الثاني، ولكن قد أشار أبو داود إلى أن هذا لفظ حفص، يعني: أن الكلام الذي سيسوقه هو لفظ حفص، والذي هو الشيخ الأول.
[عن سليمان].
يعني: أن الالتقاء كان عند سليمان، فالإسناد الأول شيخ شيخ أبي داود هو شعبة، وفي الإسناد الثاني شيخ شيخه أبو عوانة، ويلتقي الإسنادان عند سليمان ثم يتحدان فوق ذلك، وسليمان هو سليمان بن مهران الأعمش، وقد جاء هنا باسمه غير منسوب.
وقد سبق أن مر بنا مراراً أنه يذكر بلقبه الأعمش، وهذا يظهر فيه فائدة معرفة الألقاب، وهي كما قال علماء المصطلح: ألا يظن الشخص الواحد شخصين؛ لأن الذي لا يعرف أن سليمان هو الأعمش يظن أنه إذا جاء في إسناد: الأعمش، وجاء في إسناد آخر: سليمان أن سليمان غير الأعمش، وأن هذا شخص وذاك شخص آخر، لكن من يعرف الأسم والكنية لا يلتبس عليه الأمر.
[عن أبي وائل].
شقيق بن سلمة، وقد مر ذكره قريباً.
[عن حذيفة].
هو ابن اليمان، صاحب رسول الله ﷺ ، وهو صحابي ابن صحابي، ووالده استشهد يوم أحد، وحذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[قال أبو داود: قال مسدد: قال: فذهبت أتباعد].
يعني: أن الشيخين الأولين -وهما: حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم - قد انتهى الحديث عندهما إلى قوله: (فمسح على خفيه).
وأما مسدد الذي هو شيخه في الطريق الثاني فعنده زيادة ليست عند شيخيه الأولين.
قال حذيفة: (فذهبت أتباعد) يعني: أردت أن أبتعد عنه، [(فدعاني حتى كنت عند عقبه)].
والدعوة هنا يحتمل أن يكون قد ناداه وكلمه، وهذا يفيد أن الإنسان عندما يبول ويكون هناك حاجة للكلام وأمر يقتضي الكلام أنه يجوز له أن يفعل ذلك، ويمكن أن يكون بالإشارة، يعني: أشار إليه بأن يأتي حتى كان عند عقبه قريباً منه ليستره.
стр. 131
الرجل يبول بالليل في الإناء ثم يضعه عنده
стр. 132
شرح حديث: (كان للنبي قدح من عيدان تحت سريره)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الرجل يبول بالليل في الإناء ثم يضعه عنده.
حدثنا محمد بن عيسى حدثنا حجاج عن ابن جريج عن حكيمة بنت أميمة بنت رقيقة عن أمها أنها قالت: (كان للنبي ﷺ قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه بالليل)].
أورد أبو داود ﵀ باب في الرجل يبول في الليل في الإناء ثم يضعه عنده.
وقد ذكرت فيما مضى أنه يأتي مراراً ذكر الرجل في التراجم وفي المتون، وليس المقصود به خصوص الرجل، بل الحكم للرجال والنساء، وإنما ذكر الرجل لأن الخطاب غالباً يكون مع الرجال.
فالأحكام التي للرجال هي للنساء والتي للنساء هي للرجال مالم يأت شيء يخص الرجال أو يخص النساء.
هذا هو الأصل، وهو قاعدة من قواعد الشرع، أي: التساوي بين الرجال والنساء في الأحكام إلا ما جاء فيه شيء يخصص للرجال أو يخصص للنساء في الأحكام.
وأورد أبو داود ﵀ حديث أميمة بنت رقيقة: (أن النبي ﷺ كان له قدح من عيدان) والمقصود بالعيدان: النخل، ولعل المقصود أن هذا القدح كان يتكون من ساق النخل؛ لأن العيدان هو النخل الباسق الذي تتخذ الأوعية من ساقها.
وقد سبق أن مر بنا في سنن النسائي وكذلك في صحيح البخاري وصحيح مسلم ذكر النهي عن الإنتباذ في أوعية ومنها النقير، والنقير هو: ما يتخذ من جذوع النخل أو سيقانها، وذلك بأن ينقر وسط الساق ثم يتخذ وعاءً.
وبعض المفسرين قال: إن المقصود: أنه من عيدان النخل إذا قطع خوصها وضم بعضها إلى بعض، لكن مثل هذا غالباً لا يحصل منه أنه يمسك الماء؛ لأنه يذهب الماء بين تلك الأعواد، ويمكن أن يعمل على طريقة محكمة بحيث لا يذهب، لكن العيدان الذي هو النخل الطوال والذي ينقر ساقه أو قطعة من ساقها لا يذهب منه الماء؛ لأنه يتخذ وعاءً، وقد سبق أن مر بنا أنهم كانوا يتخذون الأوعية من ذلك؛ لأن النبي ﷺ نهى عن الانتباذ في النقير، وهو ما ينقر من جذوع النخل ومن سيقانها.
قوله: [(كان للنبي ﷺ قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه بالليل)].
يعني: أنه كان يتخذ هذا الإناء ويبول فيه، ثم يضعه عنده، وقد جاء في بعض الروايات أن هذا كان في مرضه ﵊، وأنه كان مضطراً ومحتاجاً إلى ذلك.
والحديث الذي معنا في إسناده حكيمة، وهي لا تعرف، ولكن قد جاءت أحاديث صحيحة تدل على ذلك، ولكنها مقيدة بمرضه ﷺ ، فيكون ما جاء في هذا الحديث متفقاً مع ما جاء في الأحاديث الأخرى، فهو وإن كان فيه مقال إلا أن الأحاديث الأخرى تشهد له وتدل على ما دل عليه.
стр. 133
تراجم رجال إسناد حديث: (كان للنبي قدح من عيدان تحت سريره)
قوله: [حدثنا محمد بن عيسى].
هو محمد بن عيسى البغدادي الطباع، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة.
[حدثنا حجاج].
هو ابن محمد المصيصي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن جريج].
هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن حكيمة بنت أميمة بنت رقيقة].
حكيمة بنت أميمة بنت رقيقة لا تعرف، يعني: مجهولة، وحديثها أخرجه أبو داود والنسائي.
[عن أمها].
هي أميمة ﵂، وهي صحابية، أخرج حديثها أصحاب السنن.
والله أعلم.
стр. 134
المواضع التي نهي عن البول فيها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب المواضع التي نهي عن البول فيها.
حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟! قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم) حدثنا إسحاق بن سويد الرملي وعمر بن الخطاب أبو حفص -وحديثه أتم- أن سعيد بن الحكم حدثهم قال: أخبرنا نافع بن يزيد حدثني حيوة بن شريح أن أبا سعيد الحميري حدثه عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : (اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل)].
أورد الإمام أبو داود ﵀ هنا: باب المواضع التي نهى النبي ﷺ عن البول فيها.
وهذه الترجمة معقودة لبيان الأماكن التي ليس للإنسان أن يقضي حاجته فيها؛ لأن في قضاء الحاجة فيها ضرر على الناس؛ لحاجتهم إلى تلك المواضع، فنهى عن البول فيها من أجل دفع الضرر عن الناس وعدم إفساد تلك الأماكن التي يكون الناس بحاجة إليها.
стр. 135
شرح حديث أبي هريرة: (اتقوا اللاعنين)
أورد أبو داود ﵀ حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵊ قال: (اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟! قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم)، و (أو) هنا للعطف، يعني: هذا أو هذا، فأي واحد منهما فإنه يمنع منه.
وقوله ﵊: (اتقوا اللاعنين)، أي: ابتعدوا عن قضاء الحاجة في تلك الأماكن، وأطلق على هذين المكانين -وهما: قارعة الطريق والظل الذي يستظل به الناس- أنهما لاعنان، والصحابة ﵃ وأرضاهم سألوا عن اللاعنين: ما هما؟ فأخبرهم النبي ﷺ أن المقصود بذلك: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم.
قوله: [(الذي يتخلى)] يعني: الذي يقضي حاجته ويتغوط أو يبول في طريق الناس أو ظلهم؛ لأن الطريق الذي يسلكونه هو معبرهم ومسلكهم؛ ولأنه إذا حصل منه قضاء الحاجة في الطريق فإنه يعرض الناس إلى أن يطئوا النجاسة أو يجعل هناك منظراً يسوءهم ويكون في نفوسهم شيء من هذا المنظر الكريه الذي رأوه.
والظل هنا هو الذي يحتاج الناس إليه بأن يستظلوا من الشمس إذا مروا في الطريق أو في أي مكان يحتاجون إليه للاستظلال به للقيلولة أو الجلوس تحته، فإن الإنسان لا يجوز له أن يقضي حاجته في هذا المكان.
ولا يعني هذا أن كل ظل لا تقضى الحاجة فيه، بل من الظل ما هو يسير وليس معروفاً أنه محل استظلال للناس، فمثل هذا لا بأس بقضاء الحاجة فيه.
وإنما الذي يكون فيه المنع هو ما كان يحتاج الناس إليه، ولهذا قال: (في طريق الناس أو في ظلهم)، أي: الذي يستظلون به لكونهم يأتون وهناك شجر كبار في الطريق، فالناس يحتاجون إلى أن يجلسوا تحتها ويستظلوا بها، فمن جاء وقضى حاجته تحتها فإنه يكون بذلك قد أفسد الظل على الناس الذي هم بحاجة إليه.
وإطلاق النبي ﷺ على هذين الموضعين بأنهما لاعنان قد فُسِّر بتفسيرين: الأول: إما أن يكون المقصود أن فعل ذلك سبب ووسيلة لأن يلعن من فعل ذلك، فأطلق على المكانين بأنهما اللاعنان.
الثاني: أن لاعن: بمعنى ملعون؛ لأنه يأتي فاعل بمعنى مفعول، كما يقال عيشة راضية بمعنى: مرضية، وسر كاتم بمعنى مكتوم.
والمعنى: أن من فعل ذلك فإنه يلعنه الناس ويسبونه ويشتمونه ويذمونه، لأنه حصل منه التسبب في إيذائهم، يعني: أنه عرض نفسه لأن يذمه.
ومن المعلوم أن هذا اللعن ليس للمعيّن، وإنما هو لعن بالوصف، من باب: لعن الله من فعل هذا، ومن المعلوم أن اللعن بالوصف سائغ وجائز، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة في اللعن بالأوصاف لا بالأعيان، كقوله ﵊: (لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال)، وقوله: (لعن الله النامصة والمتنمصة)، ونحو ذلك من اللعن بالوصف لا بالعين.
وأما لعن المعين فإن ذلك لا يجوز، إلا إذا علم وأنه كان كافراً ومات على الكفر، فإذا كان كافراً وعرف موته على الكفر فإنه يلعن، أما إذا لم يكن كذلك فإنه لا يلعن؛ لأن المعين قد يتوب وقد يمن الله عليه بالهداية ويرجع من الكفر إلى الإسلام.
فلعن المعين هو الذي جاء المنع منه، وأما اللعن بالوصف فإن ذلك سائغ؛ لأنه لا تعيين فيه.
فإذاً: من فعل ذلك فإنه يلعن بفعله، ومن وجد هو يفعل ذلك فلا يقال: لعن الله فلاناً؛ لأن لعن المعين لا يجوز.
стр. 136
شرح حديث معاذ: (اتقوا الملاعن الثلاثة)
ثم أورد أبو داود حديث معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل).
هذا الحديث مثل الذي قبله؛ حيث أطلق على الأماكن بأنها ملاعن؛ لأن من فعل ذلك فيها يكون سبباً في لعن الناس له فيها.
والبراز في الموارد يعني: قضاء الحاجة فيها.
والأصل في البراز أنه الفضاء الواسع، ولكن كني به عن قضاء الحاجة في موارد الماء، وموارد الماء هي: الأماكن التي يرد الناس فيها على الماء أو الطرق التي تؤدي إليه؛ فإن ذلك مما يحتاج الناس إليه، وقضاء الحاجة فيه يعرض المار لوطء النجاسة أو لرؤية المنظر الكريه والمنظر السيء، وكل ذلك فيه إيذاء للناس.
وكذلك قارعة الطريق، وقارعة الطريق هي: المكان الذي يسلكه الناس، وهي الجادة، وسميت (قارعة)؛ لأن أقدامهم تقرعها، فيكون الطريق بيّناً واضحاً بسبب توارد الأقدام وتكررها عليه، وقد يكون الطريق -إذا كان في أرض سهلة- حفرة على طول الطريق؛ بحيث يحفر في الأرض على مقدار الجادة التي تطؤها الأقدام، وهذا شيء مشاهد ومعاين ومعروف في الأماكن التي ليست مزفلتة وليست مرصوفة بأشياء صلبة، فإن تكرر وطء الأقدام على مكان معين أو على طريق معين يؤثر ذلك فيه حتى يكون واضحاً.
فالقارعة: هي وسط الطريق أو المكان الذي تقرعه أقدام الناس، فتؤثر فيه بتكرر مشيها ووطئها عليه، والظل أي: الذي يحتاج الناس إليه، وليس كل ظل يمنع قضاء الحاجة فيه، وكذلك لا يمنع الطريق الذي هو مهجور أو أن سلوكه نادر.
فالمكان الذي اعتاد الناس أن يمشوا فيه وأن يسلكوه، أو الظل الذي يستظلون به، لكونه ظلاً واسعاً تحت شجرة كبيرة مثلاً، فاعتاد الناس أن ينزلوا تحت مثل هذه الشجرة، فحينئذ لا يجوز لأحد أن يفسد ذلك عليهم.
стр. 137
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (اتقوا اللاعنين)
قوله: [حدثنا قتيبة بن سعيد].
هو ابن جميل بن طريف البغلاني، وبغلان قرية من قرى بلخ، وبلخ هي من أكبر بلاد خراسان، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا إسماعيل بن جعفر].
إسماعيل بن جعفر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن العلاء بن عبد الرحمن].
هو العلاء بن عبد الرحمن الجهني الحرقي وهو صدوق ربما وهم، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبيه].
هو عبد الرحمن بن يعقوب الجهني الحرقي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن الأربعة، أي: أن الذين رووا عن الأب هم الذين رووا عن الابن.
[عن أبي هريرة].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله ﷺ ، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ ، بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق ﵁ وأرضاه.
стр. 138
تراجم رجال إسناد حديث معاذ: (اتقوا الملاعن الثلاثة)
قوله: [حدثنا إسحاق بن سويد الرملي].
إسحاق بن سويد الرملي ثقة أخرج حديثه أبو داود والنسائي.
[عمر بن الخطاب أبو حفص].
وهو صدوق أخرج حديثه أبو داود وحده، وهو على اسم الصحابي الخليفة ﵁ وكنيته، فهذا عمر بن الخطاب أبو حفص والخليفة الراشد أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب، فهو على اسمه وهذا شيخ لـ أبي داود.
ولم يرو عنه إلا أبو داود ولهذا لا يأتي في الكتب الأخرى، فلم يمر بنا لا في البخاري ولا في مسلم ولا في النسائي؛ لأنه ليس من رجالهم، وكذلك لا يأتي لا في الترمذي ولا في ابن ماجة؛ لأنه من رجال أبي داود وحده.
قوله: [وحديثه أتم].
يعني: أن الشيخ الثاني الذي هو أبو حفص عمر بن الخطاب حديثه أتم من حديث شيخه الأول.
[أن سعيد بن الحكم حدثهم].
سعيد بن الحكم ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا نافع بن يزيد].
نافع بن يزيد ثقة أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
[حدثني حيوة بن شريح].
حيوة بن شريح ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أن أبا سعيد الحميري حدثه].
أبو سعيد الحميري شامي مجهول أخرج حديثه أبو داود وابن ماجة].
وروايته عن معاذ مرسلة وهنا روايته هي عن معاذ، فهو مجهول وأيضاً السند فيه انقطاع؛ لأن روايته عن معاذ مرسلة، وهذا من قبيل إطلاق المرسل على ما ليس من قول التابعي: قال رسول الله ﷺ : كذا؛ لأنه هنا يروي عن معاذ وروايته عن معاذ مرسلة بمعنى: أن فيها انقطاعاً.
[عن معاذ].
معاذ بن جبل ﵁ صاحب رسول الله ﷺ وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[وفي رواية ابن الأعرابي: قال أبو داود: هذا مرسل وهو مما انفرد به أهل مصر].
يعني: أن هذا حديث مرسل، وهو مثلما ذكر الحافظ ابن حجر أبو سعيد الحميري روايته عن معاذ مرسلة.
قوله: [هو مما انفرد به أهل مصر] يعني: أن في الإسناد ثلاثة من أهل مصر وهم: سعيد بن الحكم، ثم نافع بن يزيد، ثم حيوة بن شريح، وهؤلاء كلهم مصريون.
ومن المعلوم أن الحديث هذا وإن كان مرسلاً إلا أنه مع الحديث الأول مؤداهما واحد ونتيجتهما واحدة، والذي يفيده لفظ الحديث من جهة الطريق ومن جهة الظل ومن جهة الموارد يدخل في ذلك كل ما في معناها من الأشياء أو الأماكن التي هي محل جلوس الناس أو تجمعاتهم أو مسالكهم، كل ذلك يمنع منه؛ لأن العلة هي دفع الأذى.
فهذه الأماكن كل ما كان في معناها فإنه يكون مثلها؛ لأن الحكم واحد والحكمة واحدة والعلة واحدة وهي دفع الأذى عن الناس وعدم إيصال الأذى إليهم.
стр. 139
شرح سنن أبي داود [٠٠٩]
من الآداب التي جاء بها الشرع في التخلي: ألا يبول الإنسان في الماء الراكد ثم يغتسل فيه، وألا يبول في جحر؛ لما يترتب على ذلك من المفاسد، وإذا فرغ الإنسان من قضاء حاجته فعليه أن يأتي بالذكر الوارد في ذلك.
стр. 140
البول في المستحم
стр. 141
شرح حديث: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في البول في المستحم.
حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل والحسن بن علي قالا: حدثنا عبد الرزاق قال أحمد حدثنا معمر أخبرني أشعث وقال الحسن: عن أشعث بن عبد الله عن الحسن عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه)، قال أحمد: (ثم يتوضأ فيه؛ فإن عامة الوسواس منه).
أورد أبو داود ﵀ باب البول في المستحم، والمستحم هو: مكان الاستحمام، أي: مكان الاغتسال، وقيل له: استحمام لأنه مأخوذ من الحميم وهو الماء الحار؛ فإنه يغتسل بالماء الحار لاسيما في الشتاء.
وقوله: (يستحم) يعني: يغتسل، وسواء كان الماء حاراً أو بارداً.
وقد أورد أبو داود حديث عبد الله بن مغفل ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه)، وقال أحمد: (ثم يتوضأ فيه).
وأحمد هو أحد الشيخين اللذين روى عنهما أبو داود وهو الإمام أحمد بن حنبل.
والحديث يدل على النهي عن أن يبول الإنسان في المستحم ثم يتوضأ ويغتسل فيه، وقيل: إن المنع إنما هو في المكان الذي يستحم فيه إذا كان أرضاً سهلة، بمعنى: أنه يمسك البول ويمسك النجاسة.
ومن العلماء من قال: إن المقصود به إذا كان صلباً بحيث إن الإنسان إذا بال يتطاير البول على الإنسان فيلحقه الضرر، وكذلك إذا كان المكان مكاناً صلباً ينحبس فيه البول ويتجمع فيه البول فإنه يحصل بذلك تعرض للوقوع في النجاسة، أما إذا كان له مجرى يمشي فيه كالأماكن الموجودة في البيوت في هذا الزمان من كون الماء له مسالك يذهب فيها فقالوا: إنه لا بأس ولا مانع من الاغتسال فيها.
قوله: [(فإن عامة الوسواس منه)]، يعني: أن الإنسان إذا بال في مكان يستحم فيه ثم وقع البول على أرض ترابية فإن النجاسة يمسكها التراب وتبقى في التراب، والإنسان قد يطأ على هذا المكان النجس ورجله مبلولة إذا كان قد يبس، وإذا كانت الأرض صلبة فإنه يترتب على ذلك أن يتطاير عليه رشاش البول، فيؤدي ذلك إلى الوسواس، ويظل يقول: هل حصلت نجاسة أو لم تحصل نجاسة؟ هل علقت نجاسة أو لم تعلق نجاسة؟ فيكون في ذلك وسواس.
فهذا هو معنى الحديث، وهذا هو التعليل للنهي عن الاغتسال أو البول في المستحم، لكن إذا كان مثل ما هو موجود في هذا الزمان من وجود أماكن يبول الناس ويستحمون فيها والنجاسة تذهب ولا يبقى لها أثر فإن ذلك لا محذور فيه ولا مانع عنه، وإنما النهي فيما إذا لم يكن هناك مجرى والأرض ترابية ويبقى البول على التراب ويطأ الإنسان عليه ويكون منه ملامسة للنجاسة أو كانت الأرض صلبة فيجتمع الماء والبول فيها فيؤدي ذلك إلى الوطء عليه أو كونه يبقى وينشف وتكون الأرض نجسة، أما إذا كان البول يمشي والماء يلحقه فإنه لا يحصل بذلك الذي يحصل في هذه الأحوال.
إذاً: النهي فيما إذا ترتب على ذلك مساسه، فإذا لم يترتب عليه مساسه بأن النجاسة تذهب والبول يذهب والماء يتبعه ولا يبقى شيء يؤثر فإنه لا بأس ويجوز البول في مكان الاستحمام.
والحديث ورد لأوله طرق أخرى، وأما قوله: (فإن عامة الوسواس منه) فما جاء إلا من طريق واحدة والطريق هذه فيها كلام، لكن أوله إذا ضمت الطرق بعضها إلى بعض يكون ثابتاً، وأما ما جاء من ذكر الوسواس الذي جاء من طريق واحدة فهذا هو الذي يضعف.
стр. 142
تراجم رجال إسناد حديث: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه)
قوله: [حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل].
أحمد بن محمد بن حنبل الإمام الجليل المشهور أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وهو آخر الأئمة الأربعة؛ والأئمة الأربعة هم: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة توفي سنة (١٥٠هـ) وتوفي مالك سنة (١٧٩هـ) وتوفي الشافعي سنة (٢٠٤هـ) وتوفي أحمد سنة (٢٤١هـ).
فالإمام أحمد هو آخر الأئمة الأربعة وفاة، وهو الذي اشتهر بكثرة الحديث، وكتابه المسند يبلغ أربعين ألف حديث، فهو موسوعة ضخمة واسعة، وله مؤلفات أخرى غير المسند، لكن المسند كتاب جامع وواسع.
وهو محدث فقيه وإمام مشهور وأحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة.
[والحسن بن علي].
الحسن بن علي هو الحلواني الهذلي، وهو ثقة حافظ أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا النسائي ولم يمر بنا ذكره في النسائي؛ لأنه ليس من رجاله، ويقال له: الحلواني نسبة إلى بلد، ويقال له: الهذلي نسبة إلى قبيلة.
[حدثنا عبد الرزاق].
عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني محدث مشهور مصنف، صاحب المصنف وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[قال أحمد: حدثنا معمر] يعني: أن عبد الرزاق قال: حدثنا معمر، والمصنف هنا أراد أن يبين اختلاف شيخيه بالتعبير فيما بعد عبد الرزاق؛ لأنهما اتفقا على قولهما: حدثنا عبد الرزاق، ثم افترقا؛ فواحد ذكر صيغة التحديث وواحد جاء بالعنعنة.
وأحمد قال في روايته: أخبرني أشعث فقط، وأما الحسن بن علي الحلواني فقال: عن أشعث بن عبد الله فأتى بعن بدل أخبرني وأتى بالنسب؛ لأن ذاك ذكره مهملاً غير منسوب، يعني: في إسناد أحمد، وأما في إسناد الحسن بن علي فجاء مسمى منسوباً، حيث قال: عن أشعث بن عبد الله.
فإذاً: الفرق بين الاثنين هو: أن هذا عبر بالإخبار ولم ينسبه وهذا عبر بعن ونسبه.
ومعمر هو ابن راشد الأزدي البصري ثم اليماني، وهو شيخ عبد الرزاق، وعبد الرزاق أكثر من الرواية عنه وصحيفة همام بن منبه التي تبلغ مائة وأربعين حديثاً روايات مسلم التي أوردها في صحيحه هي من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام.
فهو من شيوخ عبد الرزاق الذين أكثر عنهم، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أشعث].
هو ابن عبد الله وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً وأصحاب السنن الأربعة.
[عن الحسن].
الحسن هو ابن أبي الحسن البصري، وهو ثقة يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن مغفل].
عبد الله بن مغفل رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
والحديث فيه الحسن وهو مدلس وقد روى بالعنعنة، ولكن الحديث الذي سيأتي والطريق الآخر فيه ما يشهد للجملة الأولى التي هي النهي عن البول في المغتسل.
وأما قوله: (فإن عامة الوسواس منه) فهذه ما جاءت إلا من طريق الحسن وهو مدلس ولم يصرح بالسماع، فتكون غير ثابتة، لكن أول الحديث قد جاء ما يشهد له وما يدل عليه من طريق أخرى وهي التي ذكرها أبو داود ﵀ بعد ذلك.
وقوله: [وقال الحسن: عن أشعث].
يعني: عن عبد الرزاق عن معمر عن أشعث بن عبد الله.
وهذا الحديث فيه زيادة في نسخة ابن الأعرابي: [وروى شعبة وسعيد عن قتادة عن عقبة بن صهبان قال: سمعت عبد الله بن مغفل يقول: (البول في المغتسل يؤخذ منه الوسواس) وحديث شعبة أولى].
وهذا ما دام أنه ما نسبه إلى الرسول ﷺ فإنه يكون موقوفاً.
قال: [ورواه يزيد بن إبراهيم عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن عن ابن مغفل قوله].
يعني: أنه موقوف.
стр. 143
شرح حديث: (نهى رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدنا كل يوم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير عن داود بن عبد الله عن حميد الحميري -وهو ابن عبد الرحمن - قال: لقيت رجلاً صحب النبي صلى الله عليه وآله سلم كما صحبه أبو هريرة قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله)].
أورد أبو داود ﵀ حديث رجل من أصحاب النبي ﷺ صحبه كما صحبه أبو هريرة: (أن النبي ﷺ نهى أن يمتشط أحدنا كل يوم)، يعني: يوماً بعد يوم، (وأن يبول في مغتسله)، وهذا يوافق الجزء الأول من الحديث المتقدم فيكون شاهداً له.
وقوله: (نهى أن يمتشط أحدنا كل يوم)، المقصود بذلك: الإشارة إلى الابتعاد عن الترفه وعن كون الإنسان يشغل نفسه دائماً وأبداً في حاله وتجمله وما إلى ذلك، وإنما يكون الإنسان متوسطاً لا مهملاً ولا متوسعاً وشاغلاً وقته في إظهار نفسه بمظهر أحسن؛ لأن ذلك الشغل يكون فيه ترفه ويكون فيه أيضاً اشتغال عن أمور أخرى يكون بحاجة إليها.
فعلى الإنسان ألا يكون شاغلاً باله في نفسه وفي هيئته وفي شكله وفي لباسه وفي شعره وعنايته به وما إلى ذلك، لكن إذا كان الأمر يحتاج إلى ذلك بأن يكون شعثاً ويكون كثيفاً أو يكون هناك أشغال تؤدي إلى أن يكون شعثاً فلا بأس بإصلاحه وترجيله، وقد سبق أن ذكرنا ما يدل على ذلك في شرح كتاب الزينة في آخر سنن النسائي، فيكون المنع إنما هو في الذي لا تدعو إليه حاجة ولا تدعو إليه ضرورة، أما إذا كان الإنسان صاحب عمل وصاحب شغل ويصيبه الشعث ويصيبه التراب ويصيبه كذا وكذا فهذا لا بأس أن يعنى بشعره كل يوم.
стр. 144
تراجم رجال إسناد حديث: (نهى رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدنا كل يوم)
قوله: [حدثنا أحمد بن يونس].
أحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
الملقي: [حدثنا زهير].
زهير بن معاوية، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن داود بن عبد الله].
داود بن عبد الله ثقة، أخرج له أصحاب السنن الأربعة.
[عن حميد الحميري -وهو ابن عبد الرحمن -].
حميد بن عبد الرحمن الحميري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهنا قال: هو ابن عبد الرحمن يعني: أن هذا من زيادات من دون التلميذ من أجل توضيح هذا الراوي.
وكما ذكرت سابقاً هناك عبارتان لهذا الغرض: إحداهما: (يعني) والثانية: (هو) والذي هنا هو لفظ (هو) وليس لفظ (يعني).
стр. 145
عدالة الصحابة وما جاء في تحديد مدة صحبة بعضهم للنبي
قوله: [قال: لقيت رجلاً صحب النبي ﷺ كما صحبه أبو هريرة].
هذا فيه ذكر الرجل بنسبته إلى النبي ﷺ وهي الصحبة دون أن يسميه، ولكن أثبت صحبته وأنه صحب النبي ﷺ كما صحبه أبو هريرة، وأبو هريرة معروفة صحبته للرسول ﷺ .
ويحتمل أن يكون المراد بالصحبة الملازمة، ويحتمل أن يكون المراد بالصحبة التي أشار إليها وأضافها إلى أبي هريرة التحقق من أنه صحابي، فكما أن أبا هريرة محقق أنه صحابي فهذا محقق أنه صحابي، فيحتمل أن يكون ذكر أبي هريرة المقصود منه: التحقق من أنه صحابي كما أن أبا هريرة حقيقة صحابي أو أن المقصود به كثرة ملازمة النبي ﷺ ؛ لأن أبا هريرة ﵁ لازم النبي ﷺ .
وقد ذكر الحافظ ابن عبد الهادي في (المحرر في الحديث) عند حديث حميد الحميري، قال: لقيت رجلاً صحب النبي ﷺ أربع سنين كما صحبه أبو هريرة.
قال: الرجل المبهم قيل: هو الحكم بن عمرو وقيل: عبد الله بن سرجس، وقيل: عبد الله بن مغفل.
وتحديد مدة الصحبة بأربع سنين جاء في سنن أبي داود في باب النهي عن وضوء الرجل بفضل المرأة ووضوء المرأة بفضل الرجل حيث قال: (حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير عن داود بن عبد الله ح وحدثنا مسدد قال: حدثنا أبو عوانة عن داود بن عبد الله عن حميد الحميري قال: لقيت رجلاً صحب النبي ﷺ أربع سنين كما صحبه أبو هريرة).
فالإسناد هو الإسناد الأول إلا أن له طريقاً أخرى تنتهي إلى داود بن عبد الله، وعلى هذا فكون المجهول فلان أو فلان أو فلان هذا يتوقف على معرفة أن كل واحد منهم صحبه أربع سنين.
وعلى كل -سواء عرف أو لم يعرف- فالصحابة ﵃ المجهول فيهم في حكم المعلوم سواء سمي أو لم يسم، ولا تؤثر جهالة الصحابة ﵃ وأرضاهم، فكل تؤثر جهالته إلا الصحابة، وكل يحتاج إلى البحث عنه إلا الصحابة؛ لأن الصحابة عدلوا من الله ورسوله ﷺ ، فلا يحتاجون إلى تعديل أحد، وغيرهم هو الذي يحتاج إلى أن تعرف أفعاله فيعدل أو يجرح.
следующие страницы →