Полный текст (18 341 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
شرح حديث: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في البول في المستحم.
حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل والحسن بن علي قالا: حدثنا عبد الرزاق قال أحمد حدثنا معمر أخبرني أشعث وقال الحسن: عن أشعث بن عبد الله عن الحسن عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه)، قال أحمد: (ثم يتوضأ فيه؛ فإن عامة الوسواس منه).
أورد أبو داود ﵀ باب البول في المستحم، والمستحم هو: مكان الاستحمام، أي: مكان الاغتسال، وقيل له: استحمام لأنه مأخوذ من الحميم وهو الماء الحار؛ فإنه يغتسل بالماء الحار لاسيما في الشتاء.
وقوله: (يستحم) يعني: يغتسل، وسواء كان الماء حاراً أو بارداً.
وقد أورد أبو داود حديث عبد الله بن مغفل ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه)، وقال أحمد: (ثم يتوضأ فيه).
وأحمد هو أحد الشيخين اللذين روى عنهما أبو داود وهو الإمام أحمد بن حنبل.
والحديث يدل على النهي عن أن يبول الإنسان في المستحم ثم يتوضأ ويغتسل فيه، وقيل: إن المنع إنما هو في المكان الذي يستحم فيه إذا كان أرضاً سهلة، بمعنى: أنه يمسك البول ويمسك النجاسة.
ومن العلماء من قال: إن المقصود به إذا كان صلباً بحيث إن الإنسان إذا بال يتطاير البول على الإنسان فيلحقه الضرر، وكذلك إذا كان المكان مكاناً صلباً ينحبس فيه البول ويتجمع فيه البول فإنه يحصل بذلك تعرض للوقوع في النجاسة، أما إذا كان له مجرى يمشي فيه كالأماكن الموجودة في البيوت في هذا الزمان من كون الماء له مسالك يذهب فيها فقالوا: إنه لا بأس ولا مانع من الاغتسال فيها.
قوله: [(فإن عامة الوسواس منه)]، يعني: أن الإنسان إذا بال في مكان يستحم فيه ثم وقع البول على أرض ترابية فإن النجاسة يمسكها التراب وتبقى في التراب، والإنسان قد يطأ على هذا المكان النجس ورجله مبلولة إذا كان قد يبس، وإذا كانت الأرض صلبة فإنه يترتب على ذلك أن يتطاير عليه رشاش البول، فيؤدي ذلك إلى الوسواس، ويظل يقول: هل حصلت نجاسة أو لم تحصل نجاسة؟ هل علقت نجاسة أو لم تعلق نجاسة؟ فيكون في ذلك وسواس.
فهذا هو معنى الحديث، وهذا هو التعليل للنهي عن الاغتسال أو البول في المستحم، لكن إذا كان مثل ما هو موجود في هذا الزمان من وجود أماكن يبول الناس ويستحمون فيها والنجاسة تذهب ولا يبقى لها أثر فإن ذلك لا محذور فيه ولا مانع عنه، وإنما النهي فيما إذا لم يكن هناك مجرى والأرض ترابية ويبقى البول على التراب ويطأ الإنسان عليه ويكون منه ملامسة للنجاسة أو كانت الأرض صلبة فيجتمع الماء والبول فيها فيؤدي ذلك إلى الوطء عليه أو كونه يبقى وينشف وتكون الأرض نجسة، أما إذا كان البول يمشي والماء يلحقه فإنه لا يحصل بذلك الذي يحصل في هذه الأحوال.
إذاً: النهي فيما إذا ترتب على ذلك مساسه، فإذا لم يترتب عليه مساسه بأن النجاسة تذهب والبول يذهب والماء يتبعه ولا يبقى شيء يؤثر فإنه لا بأس ويجوز البول في مكان الاستحمام.
والحديث ورد لأوله طرق أخرى، وأما قوله: (فإن عامة الوسواس منه) فما جاء إلا من طريق واحدة والطريق هذه فيها كلام، لكن أوله إذا ضمت الطرق بعضها إلى بعض يكون ثابتاً، وأما ما جاء من ذكر الوسواس الذي جاء من طريق واحدة فهذا هو الذي يضعف.
стр. 142
تراجم رجال إسناد حديث: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه)
قوله: [حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل].
أحمد بن محمد بن حنبل الإمام الجليل المشهور أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وهو آخر الأئمة الأربعة؛ والأئمة الأربعة هم: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة توفي سنة (١٥٠هـ) وتوفي مالك سنة (١٧٩هـ) وتوفي الشافعي سنة (٢٠٤هـ) وتوفي أحمد سنة (٢٤١هـ).
فالإمام أحمد هو آخر الأئمة الأربعة وفاة، وهو الذي اشتهر بكثرة الحديث، وكتابه المسند يبلغ أربعين ألف حديث، فهو موسوعة ضخمة واسعة، وله مؤلفات أخرى غير المسند، لكن المسند كتاب جامع وواسع.
وهو محدث فقيه وإمام مشهور وأحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة.
[والحسن بن علي].
الحسن بن علي هو الحلواني الهذلي، وهو ثقة حافظ أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا النسائي ولم يمر بنا ذكره في النسائي؛ لأنه ليس من رجاله، ويقال له: الحلواني نسبة إلى بلد، ويقال له: الهذلي نسبة إلى قبيلة.
[حدثنا عبد الرزاق].
عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني محدث مشهور مصنف، صاحب المصنف وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[قال أحمد: حدثنا معمر] يعني: أن عبد الرزاق قال: حدثنا معمر، والمصنف هنا أراد أن يبين اختلاف شيخيه بالتعبير فيما بعد عبد الرزاق؛ لأنهما اتفقا على قولهما: حدثنا عبد الرزاق، ثم افترقا؛ فواحد ذكر صيغة التحديث وواحد جاء بالعنعنة.
وأحمد قال في روايته: أخبرني أشعث فقط، وأما الحسن بن علي الحلواني فقال: عن أشعث بن عبد الله فأتى بعن بدل أخبرني وأتى بالنسب؛ لأن ذاك ذكره مهملاً غير منسوب، يعني: في إسناد أحمد، وأما في إسناد الحسن بن علي فجاء مسمى منسوباً، حيث قال: عن أشعث بن عبد الله.
فإذاً: الفرق بين الاثنين هو: أن هذا عبر بالإخبار ولم ينسبه وهذا عبر بعن ونسبه.
ومعمر هو ابن راشد الأزدي البصري ثم اليماني، وهو شيخ عبد الرزاق، وعبد الرزاق أكثر من الرواية عنه وصحيفة همام بن منبه التي تبلغ مائة وأربعين حديثاً روايات مسلم التي أوردها في صحيحه هي من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام.
فهو من شيوخ عبد الرزاق الذين أكثر عنهم، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أشعث].
هو ابن عبد الله وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً وأصحاب السنن الأربعة.
[عن الحسن].
الحسن هو ابن أبي الحسن البصري، وهو ثقة يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن مغفل].
عبد الله بن مغفل رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
والحديث فيه الحسن وهو مدلس وقد روى بالعنعنة، ولكن الحديث الذي سيأتي والطريق الآخر فيه ما يشهد للجملة الأولى التي هي النهي عن البول في المغتسل.
وأما قوله: (فإن عامة الوسواس منه) فهذه ما جاءت إلا من طريق الحسن وهو مدلس ولم يصرح بالسماع، فتكون غير ثابتة، لكن أول الحديث قد جاء ما يشهد له وما يدل عليه من طريق أخرى وهي التي ذكرها أبو داود ﵀ بعد ذلك.
وقوله: [وقال الحسن: عن أشعث].
يعني: عن عبد الرزاق عن معمر عن أشعث بن عبد الله.
وهذا الحديث فيه زيادة في نسخة ابن الأعرابي: [وروى شعبة وسعيد عن قتادة عن عقبة بن صهبان قال: سمعت عبد الله بن مغفل يقول: (البول في المغتسل يؤخذ منه الوسواس) وحديث شعبة أولى].
وهذا ما دام أنه ما نسبه إلى الرسول ﷺ فإنه يكون موقوفاً.
قال: [ورواه يزيد بن إبراهيم عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن عن ابن مغفل قوله].
يعني: أنه موقوف.
стр. 143
شرح حديث: (نهى رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدنا كل يوم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير عن داود بن عبد الله عن حميد الحميري -وهو ابن عبد الرحمن - قال: لقيت رجلاً صحب النبي صلى الله عليه وآله سلم كما صحبه أبو هريرة قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله)].
أورد أبو داود ﵀ حديث رجل من أصحاب النبي ﷺ صحبه كما صحبه أبو هريرة: (أن النبي ﷺ نهى أن يمتشط أحدنا كل يوم)، يعني: يوماً بعد يوم، (وأن يبول في مغتسله)، وهذا يوافق الجزء الأول من الحديث المتقدم فيكون شاهداً له.
وقوله: (نهى أن يمتشط أحدنا كل يوم)، المقصود بذلك: الإشارة إلى الابتعاد عن الترفه وعن كون الإنسان يشغل نفسه دائماً وأبداً في حاله وتجمله وما إلى ذلك، وإنما يكون الإنسان متوسطاً لا مهملاً ولا متوسعاً وشاغلاً وقته في إظهار نفسه بمظهر أحسن؛ لأن ذلك الشغل يكون فيه ترفه ويكون فيه أيضاً اشتغال عن أمور أخرى يكون بحاجة إليها.
فعلى الإنسان ألا يكون شاغلاً باله في نفسه وفي هيئته وفي شكله وفي لباسه وفي شعره وعنايته به وما إلى ذلك، لكن إذا كان الأمر يحتاج إلى ذلك بأن يكون شعثاً ويكون كثيفاً أو يكون هناك أشغال تؤدي إلى أن يكون شعثاً فلا بأس بإصلاحه وترجيله، وقد سبق أن ذكرنا ما يدل على ذلك في شرح كتاب الزينة في آخر سنن النسائي، فيكون المنع إنما هو في الذي لا تدعو إليه حاجة ولا تدعو إليه ضرورة، أما إذا كان الإنسان صاحب عمل وصاحب شغل ويصيبه الشعث ويصيبه التراب ويصيبه كذا وكذا فهذا لا بأس أن يعنى بشعره كل يوم.
стр. 144
تراجم رجال إسناد حديث: (نهى رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدنا كل يوم)
قوله: [حدثنا أحمد بن يونس].
أحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
الملقي: [حدثنا زهير].
زهير بن معاوية، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن داود بن عبد الله].
داود بن عبد الله ثقة، أخرج له أصحاب السنن الأربعة.
[عن حميد الحميري -وهو ابن عبد الرحمن -].
حميد بن عبد الرحمن الحميري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهنا قال: هو ابن عبد الرحمن يعني: أن هذا من زيادات من دون التلميذ من أجل توضيح هذا الراوي.
وكما ذكرت سابقاً هناك عبارتان لهذا الغرض: إحداهما: (يعني) والثانية: (هو) والذي هنا هو لفظ (هو) وليس لفظ (يعني).
стр. 145
عدالة الصحابة وما جاء في تحديد مدة صحبة بعضهم للنبي
قوله: [قال: لقيت رجلاً صحب النبي ﷺ كما صحبه أبو هريرة].
هذا فيه ذكر الرجل بنسبته إلى النبي ﷺ وهي الصحبة دون أن يسميه، ولكن أثبت صحبته وأنه صحب النبي ﷺ كما صحبه أبو هريرة، وأبو هريرة معروفة صحبته للرسول ﷺ .
ويحتمل أن يكون المراد بالصحبة الملازمة، ويحتمل أن يكون المراد بالصحبة التي أشار إليها وأضافها إلى أبي هريرة التحقق من أنه صحابي، فكما أن أبا هريرة محقق أنه صحابي فهذا محقق أنه صحابي، فيحتمل أن يكون ذكر أبي هريرة المقصود منه: التحقق من أنه صحابي كما أن أبا هريرة حقيقة صحابي أو أن المقصود به كثرة ملازمة النبي ﷺ ؛ لأن أبا هريرة ﵁ لازم النبي ﷺ .
وقد ذكر الحافظ ابن عبد الهادي في (المحرر في الحديث) عند حديث حميد الحميري، قال: لقيت رجلاً صحب النبي ﷺ أربع سنين كما صحبه أبو هريرة.
قال: الرجل المبهم قيل: هو الحكم بن عمرو وقيل: عبد الله بن سرجس، وقيل: عبد الله بن مغفل.
وتحديد مدة الصحبة بأربع سنين جاء في سنن أبي داود في باب النهي عن وضوء الرجل بفضل المرأة ووضوء المرأة بفضل الرجل حيث قال: (حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير عن داود بن عبد الله ح وحدثنا مسدد قال: حدثنا أبو عوانة عن داود بن عبد الله عن حميد الحميري قال: لقيت رجلاً صحب النبي ﷺ أربع سنين كما صحبه أبو هريرة).
فالإسناد هو الإسناد الأول إلا أن له طريقاً أخرى تنتهي إلى داود بن عبد الله، وعلى هذا فكون المجهول فلان أو فلان أو فلان هذا يتوقف على معرفة أن كل واحد منهم صحبه أربع سنين.
وعلى كل -سواء عرف أو لم يعرف- فالصحابة ﵃ المجهول فيهم في حكم المعلوم سواء سمي أو لم يسم، ولا تؤثر جهالة الصحابة ﵃ وأرضاهم، فكل تؤثر جهالته إلا الصحابة، وكل يحتاج إلى البحث عنه إلا الصحابة؛ لأن الصحابة عدلوا من الله ورسوله ﷺ ، فلا يحتاجون إلى تعديل أحد، وغيرهم هو الذي يحتاج إلى أن تعرف أفعاله فيعدل أو يجرح.
стр. 146
النهي عن البول في الحجر
стр. 147
شرح حديث: (أن النبي ﷺ نهى أن يبال في الجحر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن البول في الجحر.
حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن عبد الله بن سرجس: (أن النبي ﷺ نهى أن يبال في الجحر).
قال: قالوا لـ قتادة: ما يكره من البول في الجحر؟ قال: كان يقال: إنها مساكن الجن].
أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة وهي: [باب النهي عن البول في الجحر]، والجحر هو: الثقوب التي تكون في الأرض والتي تحفرها بعض الحيوانات أو بعض هوام ودواب الأرض وتدخلها وتكون فيها.
ثم أورد حديث عبد الله بن سرجس ﵁: (أن النبي ﷺ : نهى أن يبال في الجحر) وأحد رواة قتادة قال له: ما يكره من البول في الجحر؟ يعني: ما هو السبب في كراهية البول في الجحر؟ فقال: يقال: إنها مساكن الجن، يعني: أن هذا هو التعليل للنهي عن البول فيها.
وهذا من كلام قتادة وأيضاً قال: يقال: إنه كذا وكذا، لكن لاشك أن الإنسان عليه أن يجتنب البول في الجحر سواء كان فيها مساكن جن أو كان فيها دواب وحيوانات، فالإنسان لو بال في الجحر ثم خرج عليه من ذلك الجحر حية أو عقرب أو شيء ففزعه وقام ولوث نفسه بالنجاسة فإن ذلك يكون بسبب هذا التصرف الذي فعله.
فليس للإنسان أن يبول في الجحر، وهذا الحديث غير ثابت، لكن معناه صحيح، وهو أن الإنسان لا يؤذي تلك الحيوانات بالبول؛ لأن فيه إيذاء لها، ثم أيضاً قد تخرج وتؤذيه ويتأذى هو، إما تؤذيه بكونها ضارة فتصيبه بضرر أو على أقل الأحوال يفزع فيتناثر البول على جسده أو على ثيابه فيترتب على ذلك مضرة ومفسدة.
فالحديث لم يصح، ولكن معناه: أن الإنسان يجتنب ذلك؛ لما قد يترتب على ذلك من المفاسد ومن الأذى، وذلك بكونه يؤذي غيره ممن هو في الجحر سواء كان جناً أو حيوانات أو دواباً من دواب الأرض، وأيضاً قد يناله هو الضرر بكونه يخرج منه شيء يؤذيه أو على أقل الأحوال يفزع منه فتقع عليه النجاسة بسبب ذلك.
стр. 148
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي ﷺ نهى أن يبال في الجحر)
قوله: [حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة].
عبيد الله بن عمر بن ميسرة ثقة، أخرج حديثه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
[عن معاذ بن هشام].
معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي صدوق ربما وهم وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
أبوه هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن قتادة].
هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري ثقة مدلس، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن سرجس].
عبد الله بن سرجس رضي الله تعالى عنه صحابي، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.
وهذا الحديث معلول، والعلة التي فيه هي: أن قتادة قيل: إنه لم يسمع من عبد الله بن سرجس وأيضاً هو مدلس وقد روى بالعنعنة، فلو كان سمع منه فإن هناك علة أخرى وهي التدليس؛ لأن قتادة مدلس وقد روى بالعنعنة.
فإذاً: العلة هي: رواية قتادة عن عبد الله بن سرجس وهو إما أنه لم يلقه فيكون السند منقطعاً، أو لقيه ولكن روى عنه بالعنعنة، فيكون الإسناد فيه تدليس.
стр. 149
ما يقول الرجل إذا خرج من الخلاء
стр. 150
شرح حديث: (أن النبي كان إذا خرج من الغائط قال: غفرانك)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما يقول الرجل إذا خرج من الخلاء.
حدثنا عمرو بن محمد الناقد حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة عن أبيه قال: حدثتني عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان إذا خرج من الغائط قال: غفرانك)].
أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة وهي: [ما يقول الرجل إذا خرج من الخلاء]؛ لأنه سبق أن مر ذكر ما يقول إذا أراد أن يدخل الخلاء.
أورد أبو داود حديث عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك).
يعني: أطلب وأسأل غفرانك، وهو مفعول به حذف عامله، والتقدير: أسألك غفرانك أو أطلب غفرانك، فهو كلام مختصر ذكر فيه المفعول وحذف الفعل والفاعل، ومن المعلوم أن الفاعل هو المتكلم، وهو ضمير مستتر في أطلب، أي: أطلب أنا غفرانك.
وقيل: إن الحكمة في كونه يقول: (غفرانك)، هي أنه يحصل التقصير من الإنسان إذا كان في مكان قضاء الحاجة حيث يمتنع من ذكر الله.
ويمكن أيضاً أن يكون المراد به: غفرانك مما يحصل مني من التقصير في عبادتك وفي شكرك؛ لأنك قد أنعمت علي بالنعم، وحصل لي فائدة المطاعم والمشارب، وأنت تفضلت علي بسهولة دخولها وخروجها، وهي نعمة عظيمة أنعمت بها علي، فأنا أسألك المغفرة لما حصل مني من التقصير في شكر هذه النعم ومقابلة هذه النعم التي أنعمت بها علي، وهي أن الطعام يأكله الإنسان ويتغذى به ويستفيد منه، ثم يتحول إلى رجيع وإلى بول ويخرج منه بسهولة ويسر بدون مشقة، ولم يحبس الله الغائط والبول فيتضرر الإنسان.
كل ذلك محتمل، وكل ذلك صالح بأن يكون طلب المغفرة يرجع إليه، يعني: إما لكون الإنسان جلس فترة وهو لا يذكر الله، أو لأنه حصلت له هذه النعم التي لا يقوم بشكرها ولا يؤدي شكرها، وهي نعم عظيمة تستوجب من الإنسان الشكر لله ، ولكنه مقصر؛ ولذا يطلب من الله تعالى المغفرة.
стр. 151
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي كان إذا خرج من الغائط قال: غفرانك)
قوله: [حدثنا عمرو بن محمد الناقد].
عمرو بن محمد الناقد ثقة أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
[عن هاشم بن القاسم].
هاشم بن القاسم ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا إسرائيل].
إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن يوسف بن أبي بردة].
يوسف بن أبي بردة مقبول، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن قال عنه الحافظ في التقريب: مقبول، وذكر في تهذيب التهذيب أن ابن حبان ذكره في الثقات وأن العجلي وثقه، يعني: توثيقه جاء عن ابن حبان والعجلي، ولم يذكر فيه جرح.
[عن أبيه].
وهو أبو بردة بن أبي موسى الأشعري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
وهي أم المؤمنين ﵂ وأرضاها الصديقة بنت الصديق، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
وما قاله الحافظ عن يوسف عنه: بأنه مقبول وأنه يحتاج إلى متابعة، لا يحتاج إلى متابعة؛ لأنه وثقه ابن حبان والعجلي، وصحح الحديث عدد من الأئمة: صححه الحاكم وابن خزيمة وابن حبان وأبو حاتم والنووي والذهبي وابن الجارود، فهؤلاء سبعة أشخاص صححوا هذا الحديث، فهو ثابت وصحيح عن رسول الله ﷺ ، ولا يضر قول الحافظ ابن حجر فيه: إنه مقبول، وإنه يحتاج إلى متابعة.
فهو لم يأت من طرق أخرى وإنما أتى هو من طريق واحدة عن إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة، ويوسف قال عنه الحافظ: إنه مقبول، والمقبول في اصطلاح ابن حجر هو: ما يحتاج إلى متابعة، ولكن كما قلت: الحديث صححه سبعة من العلماء، ويوسف وثقه العجلي وذكره ابن حبان في الثقات.
فالحديث صحيح، وعلى هذا يقول الإنسان عند الخروج: غفرانك، وقد جاء في بعض الأحاديث: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني)، لكن هذا لم يثبت عن رسول الله ﷺ ، بل هو ضعيف، والثابت هو هذا الذي جاء في هذا الحديث وهو: (غفرانك).
والله تعالى أعلم.
стр. 152
شرح سنن أبي داود [٠١٠]
من آداب قضاء الحاجة: عدم الاستنجاء والاستبراء باليمين؛ لأن اليمين مكرمة، فلا تستعمل إلا في الأمور الطيبة، والشمال تستخدم في عكس ذلك، ومن الآداب أيضاً: الاستتار عند قضاء الحاجة.
стр. 153
كراهية مس الذكر باليمين في الاستبراء
стр. 154
شرح حديث: (إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كراهية مس الذكر باليمين في الاستبراء.
حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل قالا: حدثنا أبان حدثنا يحيى عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه، وإذا أتى الخلاء فلا يتمسح بيمينه، وإذا شرب فلا يشرب نفساً واحداً)].
أورد أبو داود رحمه الله تعالى باب كراهية مس الذكر باليمين في الاستبراء، يعني: عند قضاء الحاجة، فإن الإنسان عندما يستنجي أو يستجمر يبتعد عن مس ذكره وإزالة ما حصل في قبله من شيء على إثر قضاء الحاجة بيمينه، فإن ذلك يكون بالشمال ولا يكون باليمين؛ لأن اليمين إنما هي للأكل والشرب والأخذ والإعطاء وغير ذلك من الأمور الطيبة.
وأما الأمور الأخرى التي فيها إزالة أذى كالاستنجاء والاستجمار والتمخط وغير ذلك فإنما تكون بالشمال.
وقد أورد أبو داود ﵀ حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه)، يعني: عند تنزهه واستجماره واستنجائه لا يستعمل اليمين في ذلك، وإنما يستعمل الشمال، وهذا هو مقصود أبي داود ﵀ من إيراد هذا الحديث تحت هذه الترجمة.
قوله: [(وإذا أتى الخلاء فلا يتمسح بيمينه)]، يعني: أنه لا يستعمل اليمين لا في مس الذكر ولا في إزالة آثار البول، وإنما يستعمل اليسار سواء في قبله أو دبره.
فكل ما يتعلق بإزالة الأذى إنما يكون بالشمال ولا يكون باليمين سواء بالنسبة للقبل أو الدبر.
قوله: [(وإذا شرب فلا يشرب نفساً واحداً)]، يعني: أنه لا يستمر في الشرب والإناء في فمه؛ لأنه لابد أن يتنفس في الإناء إذا استمر، ولكن عليه أن يخرج الإناء ويتنفس ثم يعيده، ويكون ذلك ثلاث مرات كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ .
فلا يشرب الإنسان نفساً واحداً؛ لأن الشرب بنفس فيه مضرة على الإنسان في شربه وفيما يترتب على استعمال الماء بهذه الطريقة الذي يعب فيها الماء عباً ويسرع ويكون ذلك بنفس واحد.
وتنفس الإنسان في الماء الذي يشربه شيء سيئ وليس بحسن، وإنما عليه أن يشرب بثلاثة أنفاس وليس بنفس واحد، بحيث يزيل الإناء عن فمه ثم يعيده ثم يخرجه ويتنفس ثم يعيده؛ هكذا جاء في السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
стр. 155
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه)
قوله: [حدثنا مسلم بن إبراهيم].
مسلم بن إبراهيم هو الأزدي الفراهيدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وموسى بن إسماعيل].
هو موسى بن إسماعيل التبوذكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قالا: حدثنا أبان].
أبان هو ابن يزيد العطار ثقة، أخرج له أصحاب الكتاب الستة إلا ابن ماجة.
[حدثنا يحيى].
هو يحيى بن أبي كثير اليمامي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن أبي قتادة].
عبد الله بن أبي قتادة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
(عن أبيه).
وهو أبو قتادة رضي الله، واسمه الحارث بن ربعي صاحب رسول الله ﷺ ، وهو مشهور بكنيته أبي قتادة، وهو صحابي جليل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
وقد ذكروا عدة أقوال في اسمه والمشهور أنه الحارث بن ربعي.
ويقال: عمرو ويقال: النعمان بن ربعي.
стр. 156
ذكر الخلاف في تخصيص النهي عن مس الذكر بحال قضاء الحاجة
وأما النهي عن مس الذكر فقد يقال: هل هو خاص في حال قضاء الحاجة أو على العموم؟
و
الجواب
أن الحديث جاء في قضاء الحاجة، وأبو داود إنما عقد الترجمة في حال قضاء الحاجة، فقال: في الاستبراء، وبعض أهل العلم يقول: إن ذلك يكون عاماً في جميع الأحوال، ومنهم من يقول: إنه إذا حصل هذا في حال الاستبراء فغيره من باب أولى، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن كونه يمسه وليس فيه نجاسة ولا فيه شيء يستقذر ليس من باب أولى مما إذا كان في حال وجود النجاسة عليه وإزالة القذر منه، بل الذي جاء في هذا الحديث والذي جاء هذا النص هو لأن فيه إزالة أذى، واليمين إنما تستعمل في الأمور التي هي بعيدة عن تلك الأماكن، فلا يظهر المنع في غير حال الاستبراء.
стр. 157
شرح حديث: (أن النبي كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن آدم بن سليمان المصيصي حدثنا ابن أبي زائدة قال: حدثني أبو أيوب -يعني: الإفريقي - عن عاصم عن المسيب بن رافع ومعبد عن حارثة بن وهب الخزاعي قال: حدثتني حفصة زوج النبي ﷺ : (أن النبي ﷺ كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه، ويجعل شماله لما سوى ذلك)].
أورد أبو داود ﵀ حديث حفصة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها: (أن النبي ﷺ كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه، ويجعل شماله لما سوى ذلك)، يعني: أن اليمين تكون للطعام، فيأكل بها ويشرب بها، وكذلك عندما يلبس الثياب يبدأ باليمين.
وكذلك تستعمل اليمين في كل أمر مستحسن؛ فعند دخول المسجد تقدم اليمين، وهكذا المصافحة، والأخذ والإعطاء، وكل ذلك إنما يكون باليمين لا يكون بالشمال، والشمال تستعمل في الأمور التي هي دون ذلك مما فيه إزالة أذىً أو امتهان.
стр. 158
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه)
قوله: [حدثنا محمد بن آدم بن سليمان المصيصي].
وهو محمد بن آدم بن سليمان المصيصي الجهني صدوق، أخرج حديثه أبو داود والنسائي.
[حدثنا ابن أبي زائدة].
ابن أبي زائدة هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثني أبو أيوب -يعني: الإفريقي -].
أبو أيوب الإفريقي هو عبد الله بن علي صدوق يخطئ، أخرج له أبو داود والترمذي، وكلمة (يعني: الإفريقي) هذه كما ذكرنا مراراً وتكراراً هي زيادة ممن دون التلميذ.
[عن عاصم].
هو عاصم بن أبي النجود بهدلة صدوق له أوهام، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وحديثه في الصحيحين مقرون، أي: أنهما لم يرويا عنه على سبيل الاستقلال وإنما على سبيل التبع.
[عن المسيب بن رافع].
المسيب بن رافع ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ومعبد].
هو معبد بن خالد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حارثة بن وهب الخزاعي].
حارثة بن وهب الخزاعي ﵁ صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حفصة].
هي حفصة بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
стр. 159
شرح حديث: (كانت يد رسول الله اليمنى لطهوره)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع حدثني عيسى بن يونس عن ابن أبي عروبة عن أبي معشر عن إبراهيم عن عائشة قالت: (كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى)].
أورد أبو داود ﵀ حديث عائشة ﵂ أنها قالت: (كانت يدر سول الله ﷺ اليمنى لطهوره)، يعني: كانت لاستعمال الطهور بحيث يدخلها الإناء ويغرف بها بحيث يخرج الماء من الإناء بها لطهوره عندما يريد أن يتوضأ، فإذا أراد أن يتطهر ويتوضأ فإنه يستعمل يده اليمنى في طهوره.
وهكذا طعامه.
قوله: (وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى) يعني: إذا ذهب للخلاء فإنه يستعمل يده اليسرى، وما كان من أذى مثل المخاط وإخراجه من الأنف كل ذلك يكون باليسرى.
стр. 160
تراجم رجال إسناد حديث: (كانت يد رسول الله اليمنى لطهوره)
[حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع].
هو أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي، وأبو توبة الحلبي هذا هو الذي اشتهرت عنه الكلمة المشهورة في حق الصحابة ﵃ وأرضاهم وفيما يتعلق ب معاوية، وهي أن معاوية ﵁ ستر لأصحاب رسول الله ﷺ ، ومن اجترأ عليه اجترأ على غيره، ومن تكلم فيه تكلم في غيره.
ولهذا قال: هو ستر لأصحاب رسول الله.
يعني: هو حاجز وحاجب، ومن اجترأ عليه فقد تجاوز ذلك الحجاب، بمعنى أنه: عرض نفسه وسهل لنفسه أن يتكلم في الصحابة؛ لأنه تكلم في واحد منهم، ولذا قال: هو ستر لأصحاب رسول الله ﷺ ، فمن اجترأ عليه اجترأ على غيره، يعني: أن من سهل عليه أو أقدم على الكلام فيه بما لا ينبغي وبما لا يليق فإنه يسهل عليه أيضاً أن يقع في بقية أصحاب رسول الله ﷺ .
وهي كلمة عظيمة وواضحة؛ لأن ذلك الصحابي الجليل ﵁ تكلم فيه بعض من لم يوفق ومن خذل ولم يحالفه الصواب، فتكلم فيه وقدح فيه، وهو أحد كتاب الوحي لرسول الله ﷺ وصاحب رسول ﵊.
والكلام في أي واحد من الصحابة إنما هو علامة على خذلان فاعله، كما قال أبو المظفر منصور السمعاني في كتابه الاصطلاح -وهو رد على أبي زيد الدبوسي من الحنفية-: إن القدح في أحد من الصحابة علامة على خذلان فاعله وهو بدعة وضلالة، فالتكلم في أي واحد من الصحابة إنما هو دليل على سوء المتكلم ودليل على أن المتكلم أقدم على الإضرار بنفسه.
ولهذا الحافظ ابن حجر ﵀ لما جاء عند حديث المصراة في صحيح البخاري وذكر أن بعض الحنفية لا يقولون بمقتضاه فيما يتعلق بكونه يرد الشاة ومعها صاعاً من تمر؛ لأن أحد الحنفية قال: إن الحديث من رواية أبي هريرة، وأبو هريرة ليس في الفقه مثل عبد الله بن مسعود! أبو هريرة له آلاف الأحاديث، وإذا تُكلم فيه في حديث سهل الكلام في الأمور الأخرى، وما الفرق بين حديث وحديث؟ فالحافظ ابن حجر ﵀ قال: وقائل هذا الكلام إنما آذى نفسه بكلامه.
يعني: أنه قال كلاماً أذاه ومضرته عليه هو، وليست على أبي هريرة.
فالاعتذار الذي حصل من أن الحديث من رواية أبي هريرة وهو في الفقه ليس مثل عبد الله بن مسعود معناه: أنه ليس بفقيه، وهذا كلام ساقط وكلام باطل.
ولهذا قال الحافظ ابن حجر ﵀: وقائل هذا الكلام إنما آذى نفسه وتصوره كافٍ في الرد عليه.
يعني: أنه لا يحتاج إلى رد، بل مجرد تصور هذا الكلام يعرف أنه سيء وأنه كلام ساقط وأنه لا قيمة له، وهذا يغني عن أن الإنسان يشغل نفسه في الرد عليه؛ لأن هذا كلام في غاية السوء.
فالصحابة ﵃ وأرضاهم يجب احترامهم وتوقيرهم واعتقاد أنهم خير الناس وأنهم ما كان مثلهم في الماضي ولا يكون مثلهم في المستقبل.
والذي يتكلم فيهم وقد مضى على عصرهم أزمان معنى هذا: أن الحسنات تجري عليهم حتى ممن يقع في نفسه شيء عليهم، فيؤخذ من حسنات المتكلم للذي تكلم فيه، كما جاء في حديث المفلس في قول الرسول ﷺ : (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس من لا درهم له ولا متاع)، يعني: أن المفلس حقاً هو الذي ليس عنده درهم ولا متاع، نعم هو مفلس في الدنيا لكن المفلس حقاً هو المفلس في الآخرة، ولذا النبي ﷺ قال: (ولكن المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام وحج ويأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وسفك دم هذا وأخذ مال هذا، فيعطى لهذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار).
ف أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي قال هذه الكلمة العظيمة التي فيها بيان قدر الصحابة، وأن من سهل عليه أن يتكلم في واحد منهم فمن السهل عليه أن يتكلم في غيره.
[حدثني عيسى بن يونس].
هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن أبي عروبة].
ابن أبي عروبة هو سعيد بن أبي عروبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي معشر].
أبو معشر هو زياد بن كليب الحمصي ثقة، أخرج حديثه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
[عن إبراهيم].
هو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو يرسل كثيراً.
وهنا يروي عن عائشة، وهذا من قبيل المرسل؛ لأن الحديث الذي سيأتي يبين أن هناك واسطة بينه وبينها، وهو الأسود بن يزيد النخعي، وأيضاً هو توفي سنة (٩٦هـ) وعائشة توفيت سنة (٥٩هـ) وعندما توفي كان عمره قريباً من خمسين سنة، يعني: أنه ما أدرك من حياتها إلا الشيء اليسير، وهي كانت بالمدينة وهو كان بالكوفة.
والحديث الذي بعده يوضح هذا؛ لأنه من رواية إبراهيم عن الأسود عن عائشة، ففيه واسطة، وهذا يبين أنه مرسل، والمرسل في اصطلاح المحدثين المشهور فيه: أنه قول التابعي: قال رسول الله ﷺ ، لكنه يطلق إطلاقاً عاماً على رواية الراوي عمن لم يدركه أو أدركه ولم يلقه.
[عن عائشة].
عائشة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها الصديقة بنت الصديق وهي التي حفظ الله تعالى بها الكثير من سنة رسول الله ﷺ لاسيما بما يتعلق في أمور البيت وما يجري بين الرجل وأهل بيته مما لا يطلع عليه إلا النساء؛ فإن عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها حفظت الكثير ووعت الكثير من السنن التي لا يطلع عليها إلا النساء مما كان يجري بين رسول الله ﷺ وبين زوجاته.
فهي من أوعية السنة، وقد رفع الله شأنها وأعلى ذكرها وأنزل الله براءتها فيما رميت فيه من الإفك في آيات تتلى من سورة النور، ومع ما أعطاها الله من الفضل وما أكرمها به من الرفعة كانت تتواضع لله ، كما جاء في الصحيح أنها ﵂ وأرضاها هجرها رسول الله ﷺ مدة طويلة وكان يقول لها: (يا عائشة إن كنت ألممت بذنب فتوبي إلى الله واستغفري)، ولما أنزل الله براءتها كانت تقول: (وكنت أتمنى أن يرى النبي ﷺ في منامه رؤيا يبرئني الله بها -لأن رؤيا الأنبياء وحي- ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله فيّ آيات تتلى) أي: أنها تقول عن نفسها: أنا لا أستحق أن ينزل فيَّ القرآن، وإنما كانت تتمنى أن يأتي وحي عن طريق المنام، يرى النبي ﷺ فيه براءتها، ولكن الله برئها مما رميت به بآيات، ولكن هذا يدل على تواضعها.
وابن القيم ﵀ في كتابه (جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام) عندما جاء إلى الكلام على الصلاة الإبراهيمية وعندما جاء في الكلام على آل محمد ذكر كلاماً عن أمهات المؤمنين، وكل واحدة منهن عقد لها فصلاً وأتى بكلاماً يخصها، ولما جاء عند عائشة ﵂ وأرضاها وبين ما أكرمها الله تعالى به وأشار إلى تواضعها في قولها: (ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله في آيات تتلى)، قال معلقاً على كلامها: فما شأن من يصلي ركعتين في الليل ثم يقول: أنا كذا، أو يصوم يوماً من الدهر ويقول: أنا كذا؟! يعني: أنه يتبجح بعمله، وهي التي أعطاها الله من الإكرام ما أعطاها ومع ذلك تتواضع، كما قال الله في حق أوليائه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾، أي: يؤتون ما آتوا من الأعمال الصالحة ويتقربون له بالأعمال الصالحة ومع ذلك قلوبهم وجلة، وهم وجلون خائفون ألا يتقبل منهم، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠]، فهذا هو شأن أولياء الله: جمعوا بين العمل والمخافة والتواضع.
стр. 161
طريق أخرى لحديث: (كانت يد رسول الله اليمنى لطهوره) وتراجم رجال إسنادها
قال المصنف ﵀: [حدثنا محمد بن حاتم بن بزيع حدثنا عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد عن أبي معشر عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة عن النبي ﷺ بمعناه].
أورد أبو داود ﵀ هذه الطريق الثانية التي ساق إسنادها وأحال متنها إلى المتن المتقدم، أي: بمعنى الحديث المتقدم أو المتن المتقدم.
والإسناد هو نفس الإسناد المتقدم إلا أن فيه بين إبراهيم وعائشة الأسود، يعني: أن الإرسال الذي في الإسناد الأول أمن وعرف الواسطة فيه وهو الأسود بن يزيد النخعي.
قوله: [حدثنا محمد بن حاتم بن بزيع].
محمد بن حاتم بن بزيع ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
[حدثنا عبد الوهاب بن عطاء].
عبد الوهاب بن عطاء صدوق يخطئ، أخرج حديثه البخاري في (خلق أفعال العباد) ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا سعيد].
سعيد هو بن أبي عروبة؛ لأنه في الإسناد الأول قال: ابن أبي عروبة فذكره منسوباً ولم يذكر اسمه، وفي الإسناد الثاني ذكر اسمه وما ذكر نسبته، وسعيد الذي في الإسناد الثاني هو ابن أبي عروبة الذي في الإسناد الأول؛ لأنه في الإسناد الأول ما ذكر اسمه وإنما تلميذه روى عنه بقوله: ابن أبي عروبة، وأما تلميذه في الإسناد الثاني فذكره باسمه سعيد، وما قال: ابن أبي عروبة.
فمعرفة الأشخاص بأنسابهم وأسمائهم وألقابهم وكناهم من الأمور المهمة، والإنسان إذا عرف ذلك يأمن الخطأ في أن يظن أن الشخص الواحد شخصان؛ لأن الذي لا يعرف هذه الأمور إذا جاء ابن أبي عروبة في إسناد وجاء سعيد في إسناد آخر فإنه يظن هذا شخصاً وهذا شخصاً آخر مع أنهما شخص واحد، وإنما ذكر باسمه غير منسوب مرة وذكر بنسبه غير مسمى مرة أخرى، فذكر بنسبه غير مسمى في الإسناد الأول وذكر في الإسناد الثاني مسمى غير منسوب.
[عن الأسود].
الأسود بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
стр. 162
الاستتار في الخلاء
стр. 163
شرح حديث: (ومن أتى الغائط فليستتر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الاستتار في الخلاء.
حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي أخبرنا عيسى بن يونس عن ثور عن الحصين الحبراني عن أبي سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج، ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج، ومن أكل فما تخلل فليلفظ وما لاك بلسانه فليبتلع، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج، ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيباً من رمل فليستدبره؛ فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج).
قال أبو داود: رواه أبو عاصم عن ثور قال: حصين الحميري، ورواه عبد الملك بن الصباح عن ثور فقال: أبو سعيد الخير.
قال أبو داود: أبو سعيد الخير هو من أصحاب النبي ﷺ ].
أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة (باب الاستتار في الخلاء)، يعني: أنه إذا ذهب الإنسان يقضي حاجته في فضاء وفي خلاء فإنه يبحث عن شيء يستتر به يجعله أمامه؛ بحيث إنه لو مر أحد فإنه لا يرى عورته، فالاستتار مطلوب، والنبي ﷺ بال في أصل جدار، يعني: جعله ستراً له، وكذلك جاء في حديث ابن عمر: (أنه أناخ راحلته واستقبلها وجعلها أمامه)، يعني: جعلها ستراً له، فالاستتار مطلوب عند قضاء الحاجة.
فإذا لم يكن في الأماكن المخصصة كالتي في البيوت وغيرها وإنما كان في العراء أو في الخلاء أو في الأماكن البارزة التي يمكن أن يرى الناس فيها الإنسان إذا قضى حاجته فإنه يستتر بأن يجعل أمامه شيئاً إما حجرة أو شجرة لا يستظل بها؛ لأنه ورد النهي عن التخلي في ظل الناس، وأن ذلك لا يجوز، لكن يجوز تحت الشجرة الصغيرة التي يجعلها الإنسان سترة له أو فيها ظل لا يحتاج الناس إليه؛ لأنه ظل ليس بواسع وإنما هو قليل، فمثل ذلك لا بأس بجعله سترة، والاستتار مطلوب.
وقد أورد فيه أبو داود ﵀ حديثاً لا يصح؛ لأن في إسناده مجهولاً أو مجهولين؛ فهو غير ثابت، ولكن الاستتار ثابت ومطلوب، وفائدته معروفة ومحققة.
والحديث الذي أورده أبو داود في هذه الترجمة هو حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (من اكتحل فليوتر)، أي: فليكتحل وتراً، والوتر هو واحد ثلاثة خمسة، هذا هو الوتر، فهناك أوتار وأشفاع، ولكن ليكن انتهاؤه بوتر أو ختامه بوتر.
قوله: [(من فعل فقد أحسن)]، يعني: من أوتر عند اكتحاله فقد أحسن.
قوله: [(ومن لا فلا حرج عليه)]، يعني: ومن لم يوتر بمعنى أنه جعله شفعاً ولم يجعله وتراً فلا بأس.
قوله: [(ومن استجمر فليوتر)] أي: قطع الخارج أو أثر الخارج بالجمار، وهي: الحجارة، ويقال له: استجمار لأنه مأخوذ من استعمال الحجارة في إزالة آثار الخارج من بول أو غائط، وقيل له: استجمار لأنه فعل للجمار وهي الحجارة.
ولهذا يقال للحصى الذي يرمى به الجمار في منى: جمار، فقوله: (من استجمر) يعني: من استعمل الحجارة في قضاء الحاجة (فليوتر)، يعني: فليكن استجماره وتراً.
وقد سبق أن مر بنا أنه لا يستنجي الإنسان بأقل من ثلاثة أحجار.
قوله: [(ومن أكل فما تخلل فليلفظ، وما لاك بلسانه فليبلع)]، يعني: إذا خلل أسنانه وأخرج شيئاً من أسنانه فإنه يلفظه، وما كان كان في لسانه فإنه يبلعه.
قوله: [(ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيباً من رمل فليستدبره)].
هذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث للترجمة، فقوله: (فمن أتى الخلاء فليستتر)، يعني: من ذهب إلى قضاء الحاجة في مكان خالٍ وفي مكان في فضاء فليجعل أمامه شيئاً يستره.
قوله: [(فإن لم يجد إلا يجمع كثيباً من رمل فليستدبره)].
يعني: فإن لم يجد شيئاً يستره فليجمع كثيباً من رمل وذلك بأن يلم التراب حتى يبرز أمامه ويقضي حاجته وراءه، ثم قال: (من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج عليه) لكن الاستتار كما هو معلوم قد جاء في غير هذا الحديث كما أشرت إلى ذلك آنفاً.
قوله: [(فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم)] وهذا كما هو معلوم أن الشياطين تحضر في أماكن قضاء الحاجة، ولهذا سبق أن مر أن هذه الحشوش محتضرة، يعني: تحضرها الشياطين، ولأن الحالة التي يكون الإنسان عليها لا يذكر فيها الله ، وهم يأتون إلى الأماكن التي لا ذكر لله فيها وإلى الأماكن القذرة.
ولهذا شرع أن يقال عند دخول الخلاء: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث).
стр. 164
تراجم رجال إسناد حديث: (ومن أتى الغائط فليستتر)
[قال أبو داود: رواه عاصم عن ثور قال: حصين الحميري].
يعني: بدل حصين الحبراني؛ لأنه قال في الأول: الحبراني، وهنا قال: الحميري، والحميري والحبراني بمعنى واحد؛ لأن حبران فخذ من حمير، فهي نسبة خاصة ونسبة عامة مثل أبو إسحاق السبيعي الهمداني: السبيعي نسبة خاصة والهمداني نسبة عامة؛ لأن سبيع من همدان، وهكذا حبران هم من حمير، فإذا جاء في بعض المواضع حبراني وجاء في بعضها حميري فالمؤدى واحد؛ لأن حمير نسبة عامة وحبران نسبة خاصة.
والحاصل: أن أبا داود ﵀ أراد أن يبين اللفظ الذي جاء عن أبي ثور من طريق أبي عاصم، وأنه عبر بـ الحميري بدل الحبراني في الإسناد المتقدم.
[ورواه عبد الملك بن الصباح عن ثور فقال: أبو سعيد الخير] أي: أضاف إليه الخير.
[قال أبو داود: أبو سعيد الخير هو من أصحاب النبي ﷺ ].
[حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي].
إبراهيم بن موسى الرازي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا عيسى بن يونس].
عيسى بن يونس مر ذكره.
[عن ثور].
هو ثور بن يزيد الحمصي ثقة، أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن.
[عن الحصين الحبراني].
الحصين الحبراني هو الحميري، وقد عرفنا أنه لا فرق بينهما، وهو مجهول، أخرج حديثه أبو داود وابن ماجة.
[عن أبي سعيد].
وأبو سعيد هذا هو حبراني أيضاً، وهو مجهول، وحديثه أخرجه أبو داود وابن ماجة، فـ أبو داود ذكر أن عبد الملك بن الصباح رواه وقال: أبو سعيد الخير، ثم قال أبو داود: أبو سعيد الخير من أصحاب رسول الله ﷺ .
والحافظ ابن حجر في التقريب قال: إن هذا غير هذا، وقد وهم من خلط بينهما، بل هذا شخص وهذا شخص، فـ أبو سعيد الخير من أصحاب رسول الله ﷺ وأما الذي في الإسناد فهو أبو سعيد الحبراني مجهول، وحديثه أخرجه أبو داود وابن ماجة.
[عن أبي هريرة].
أبو هريرة رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله ﷺ ، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق.
وقوله: [رواه أبو عاصم عن ثور].
أبو عاصم الضحاك بن مخلد، وهناك أبو عاصم خشيش بن أصرم النسائي، لكن خشيش بن أصرم مات سنة (٢٥٣هـ) والضحاك بن مخلد مات سنة (٢١هـ) أو بعدها، فبين وفاتيهما فترة، وعلى هذا فيكون هو الضحاك بن مخلد أبو عاصم النبيل، وهو من أتباع التابعين، وهو الذي روى عنه البخاري عدداً من الأحاديث الثلاثية التي بين البخاري فيها وبين رسول الله ﷺ ثلاثة أشخاص: صحابي وتابعي وتابع تابعي.
فـ أبو عاصم النبيل هو من أتباع التابعين، وهو الذي يمكن أنه يروي عن ثور بن يزيد الحمصي.
والضحاك بن مخلد أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ورواه عبد الملك بن الصباح].
عبد الملك بن الصباح صدوق، قال في التقريب: أخرج له البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة.
ولم يذكر أبا داود مع أنه موجود عند أبي داود في هذا الإسناد، فكأنه يرى أنه ليس من رواته، وإنما ذكر هذه الرواية تعليقاً وتنبيهاً فقط على الرواية المتقدمة.
فلا أدري هل الأشخاص الذين يأتون هكذا لا يذكرون أو أنه سها عن ذلك، والمسألة تحتاج إلى معرفة الاصطلاح.
وأبو عاصم كما هو معلوم له أحاديث كثيرة عند أبي داود بطريقة متصلة لكن عبد الملك هو الذي ما ذكر أنه روى له أبو داود، فهذا يحتاج إلى معرفة اصطلاح المزي هل ترك مثل هؤلاء أم لا؟ لأنه لا أحد يذكر تعليقاً إلا البخاري، وأما غيره فلا يذكر، لكن هل هذه الإشارة يغفلونها نهائياً ولا يعتبرون الرجل من رجال أبي داود؟ يحتاج هذا الأمر إلى أن يبحث.
وأبو داود قال: أبو سعيد الخير هو من أصحاب رسول الله ﷺ ، وهذا هو بناءً على هذا، لكن كلام الحافظ ابن حجر يفيد بأن هناك خطأً، وأن هذا شخص آخر ليس الذي في هذا الإسناد، وأن من جمعهما وخلط بينهما فقد أخطأ، والذي في الإسناد ذكره الحافظ ابن حجر في التقريب وقال: إنه مجهول، كتلميذه الذي هو الحصين الحبراني، فهذا مجهول وهذا مجهول، وكل منهما ليس له إلا هذا الحديث أيضاً في هذين الكتابين: كتاب أبي داود وكتاب ابن ماجة، لكن أبا سعيد الخير ذكر تمييزاً، فـ الحافظ لما ذكر ترجمة لـ أبي سعيد الخير ما رمز لأحد خرج له، فإنه قال: أبو سعيد الحبراني، بضم المهملة الحمصي ويقال: أبو سعيد الخير، اسمه زياد وقيل: عامر وقيل: عمر، مجهول من الثالثة.
ثم قال: أبو سعيد الخير الأنماري صحابي له حديث، وقد وهم من خلطه بالذي قبله ووهم أيضاً من صحف الذي قبله به.
تمييز.
يعني: أن أبا سعيد هذا هو الحبراني وهو المجهول.
وأما أبو سعيد الخير فله حديث واحد، ولكن ما ذكر من الذي رواه، وإنما رمز له بقوله: تمييز، يعني: أنه له حديث واحد ليس في الكتب الستة.
стр. 165
شرح سنن أبي داود [٠١١]
لقد أمرنا النبي ﷺ بالطهارة والنظافة عند التبول أو التبرز، ونهانا أن نستنجي بأحد ثلاثة أشياء: برجيع أو عظم أو حممة؛ وعلل ذلك بأن هذه الأشياء هي من طعام الجن وعلف دوابهم، والطهارة من النجاسة واجبة، ويكون ذلك بالاستنجاء بالماء أو بالحجارة، فكل ذلك جائز ووارد.
стр. 166
ما ينهى عنه أن يستنجى به
стр. 167
شرح حديث: (يا رويفع! لعل الحياة ستطول بك بعدي)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما ينهى عنه أن يستنجى به.
حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني حدثنا المفضل - يعني: ابن فضالة المصري - عن عياش بن عباس القتباني: أن شييم بن بيتان أخبره عن شيبان بن أمية أن مسلمة بن مخلد استعمل رويفع بن ثابت على أسفل الأرض قال شيبان: فسرنا معه من كوم شريك إلى علقماء أو من علقماء إلى كوم شريك، يريد علقام، فقال رويفع: (إن كان أحدنا في زمن رسول الله ﷺ ليأخذ نضو أخيه على أن له النصف مما يغنم ولنا النصف، وإن كان أحدنا ليطير له النصل والريش وللآخر القدح، ثم قال: قال لي رسول الله ﷺ : يا رويفع! لعل الحياة ستطول بك بعدي، فأخبر الناس أنه من عقد لحيته أو تقلد وتراً أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمداً ﷺ منه بريء)].
أورد الإمام أبو داود السجستاني ﵀ باب ما نهي عنه أن يستنجى به.
وهذه الترجمة معقودة لأمور نهي عن الاستنجاء بها، وقد مرت أحاديث فيها النهي عن أشياء يستنجى بها، ولكنها جاءت من أجل الاستدلال على أمور أخرى غير الذي يستنجى به، وهذه الترجمة معقودة لما نهي أن يستنجى به.
وقد أورد أبو داود ﵀ حديث رويفع بن ثابت رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال له: (يا رويفع! لعل الحياة ستطول بك بعد، فأخبر الناس أن من عقد لحيته أو تقلد وتراً أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمداً ﷺ بريء منه).
والمقصود بالترجمة هو قوله في آخر الحديث: (أو استنجى برجيع أو عظم)، وأما الباقي فإنه لا علاقة له بالترجمة، وإنما يدل على أمور أخرى لا علاقة لها بالترجمة، وإيراد الحديث إنما هو من أجل الجملة الأخيرة؛ لأنه اشتمل على ثلاث جمل كلها إخبار عن النبي ﷺ بأنه بريء ممن فعلها، وآخرها كونه استنجى برجيع دابة أو عظم.
قوله: [(من عقد لحيته)].
فسر بتفسيرين: أحدهما: أنهم كانوا في الجاهلية في الحرب يفتلون لحاهم ويعقدونها.
الثاني: أنه معالجة الشعر حتى ينكمش ويتجعد ويتعقد بدلاً من أن يسترسل، فيحتمل هذا ويحتمل هذا.
قوله: [(أو تقلد وتراً)].
وهو: ما يجعل على الدواب في رقابها.
وقيل: إن المقصود من ذلك: أنهم كانوا يجعلون فيها تمائم وتعويذات يستعيذون بها لتدفع الآفات وترد الأمور المكروهة، وهذه عقيدة جاهلية وأمور منكرة ومحرمة، فلا يعول الإنسان إلا على الله في جلب النفع ودفع الضر، ولا يجوز تعليق التمائم أو غيرها من أجل أنه يدفع المكروه والآفات؛ فإن هذا من الأمور المحرمة التي لا يسوغ تعاطيها ولا يسوغ الإقدام عليها.
قوله: [(أو استنجى برجيع دابة أو عظم)]، إذا كانت الدابة مما يؤكل لحمه فهو ممنوع الاستنجاء برجيعها؛ لأنه جاء ما يدل على أن الروث يكون علفاً لدواب الجن، والعظم يكون طعاماً للجن، وأما إذا كان من غير مأكول اللحم فإنه نجس، والنجاسة لا تزال بالنجاسة، فما يؤكل لحمه كالإبل والبقر والخيل وغير ذلك من مأكول اللحم فهذا هو الذي يكون رجيعه علفاً لدواب الجن، وأما ما لا يؤكل لحمه فأرواثه نجسة، فلا تزال بها النجاسة؛ لأنها تزيد النجاسة نجاسة، ويمكن أيضاً أنها تنشر النجاسة في أماكن أخرى غير المكان الذي عليه النجاسة في الأصل.
قوله: [(فإن محمداً ﷺ بريء منه)]، هذا يدل على تحريم ذلك، وفيه: أن هذه الأمور التي وصف من فعلها بأن النبي ﷺ بريء منه من الكبائر، وأنها حرام، وأنها لا تسوغ ولا تجوز.
وفي الحديث قصة وهي: أن مسلمة بن مخلد كان أميراً لـ معاوية على مصر فاستناب رويفع بن ثابت على جزء من أرض مصر، وكان شييم بن بيتان صاحب رويفع ﵁، فلما ذهب إلى البلد الذي عين فيه والذي استنيب فيه من قبل والي مصر مسلمة بن مخلد، كان يمشي هو وإياه في الطريق إلى ذلك المكان الذي يقال له: علقام، وكانا يسيران من بلد إلى بلد، من كوم شريك إلى علقماء أو من علقماء إلى كوم شريك يريد علقام يعني: يريد البلد الذي أسند إليه القيام بولايته، فكانا في هذه المسافة التي بين هاتين البلدتين في أثناء الطريق يتحدثان بهذا الحديث أو بهذا الكلام، أي: أنه في مسافة معينة من الطريق من هذا البلد إلى هذا البلد في أثناء الطريق حدث بهذا الحديث، فقال: (إنا كنا في زمن رسول الله ﷺ يأخذ أحدنا النضو)، والنضو: هو البعير الذي يكد ويعمل عليه، وقد هزل بسبب العمل عليه، فكان أحدهم يأخذ البعير على النصف مما يغنم، على أن صاحب البعير -الذي هو مالكه- له نصف ما ينتج من الفوائد عن طريق استعمال هذا البعير، والذي استعمله واستأجره له النصف، وهذا يدل على جواز مثل هذه المعاملة.
فمثلاً: كون الإنسان عنده سيارة ويعطيها إنساناً ليستعملها بالأجرة، وما حصل من ريع أو نقود لكل واحد منهما جزء، هذا له النصف، وهذا له النصف، أو هذا له الربع وهذا له ثلاثة أرباع، المهم أن يكون هناك نسبة معلومة بحيث يكون كل واحد منهما له نصيب من الريع والناتج الذي ينتج بسبب هذا العمل فهذا يدل على جواز ذلك.
وقد أجازه بعض أهل العلم ومنعه كثير من أهل العلم وقالوا: إن ذلك لا يجوز إلا بأجرة المثل، لكن هذا العمل الذي جاء عن رويفع أنهم كانوا يفعلونه في زمن النبي ﷺ يدل على أن ذلك جائز، ثم أيضاً هو شبيه بالمضاربة التي أجمع المسلمون عليها، وهي كون الإنسان يدفع المال إلى عامل ليعمل به وما حصل من ربح فهو بينهما على النسبة التي يتفقان عليها.
هذه معاملة كانت في الجاهلية وأقرها الإسلام، وهي محل إجماع بين أهل العلم لا خلاف بينهم في ذلك، وهي مثل المزارعة والمساقاة، والمزارعة هي: أن الإنسان يعطي الأرض لشخص يزرعها على النصف مما يخرج منها أو يعطيه نخلاً ليسقيه على النصف من الثمرة، وذلك جائز، وقد جاء في ذلك قصة خيبر، ومعاملة النبي ﷺ لليهود في خيبر، وأنه عاملهم على نصف ما يخرج منها من ثمر أو زرع.
فكون الإنسان يدفع دابته أو سيارته إلى إنسان ليستعملها في الأجرة وما حصل من ريع ونتاج وفائدة تكون بينهما على النصف لا بأس بذلك؛ لأن هذا من جنس المضاربة، ومن جنس المزارعة والمساقاة، والمضاربة مجمع عليها، والمساقاة والمزارعة فيها خلاف بين أهل العلم، لكن النصوص جاءت في جوازها، وذلك في قصة خيبر.
فاستعمال الدابة أو السيارة على أن الإنسان يعمل بها وما حصل من شيء فهو بينهما، أو يؤجرها بالنقود وما حصل من شيء بينهما لا بأس بذلك، هذا هو الصحيح في هذه المعاملة؛ لأنه وجد ما يدل على ذلك، ومنه ما جاء في قصة رويفع أنهم كانوا يفعلون ذلك في زمن النبي ﷺ ، وفي أن ذلك مماثل للمضاربة، وقد أجمع أهل العلم عليها، ومماثل للمزارعة والمساقاة، وقد جاء ما يدل عليها في حديث رسول الله ﷺ .
قوله: [(وإن كان أحدنا ليطير له النصل والريش وللآخر القدح)] يعني: أنه عند القسمة يكون لهذا هذا الشيء، ولهذا هذا الشيء، وفي هذا دليل على أنه ما يمكن أن يقسم قسمته عندما يطلب أحد الشريكين القسمة، أما إذا كان الشيء لا يصلح للقسمة ولا يقبل القسمة فإن هذا لا سبيل إلا بيعه، ثم يقتسمون نقوده على حسب النسبة، وعلى حسب الملك للأصل، فإذا كان أنصافاً يقتسمون القيمة أنصافاً، وإذا كان ثلثاً وثلثين فيقتسمونها على هذا الأساس.
فالأصل في القسمة أن ما يمكن قسمته وطلب أحد الشريكين القسمة فإنه يقسم، وأما إذا كان لا يقبل القسمة أو كان في قسمته مضرة فإنه يباع وتقسم قيمته.
ثم بعد ذلك أخبر عما حدثه به رسول الله ﷺ بقوله: (يا رويفع! لعل الحياة تطول بك فأخبر الناس)، وقد طالت الحياة بـ رويفع ﵁، وعُمِّر، وحصل ما أشار إليه رسول الله ﷺ من أن الحياة تطول بـ رويفع وحدث بهذا الحديث عن رسول الله ﷺ .
стр. 168
تراجم رجال إسناد حديث: (يا رويفع! لعل الحياة ستطول بك بعدي)
قوله: [حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني].
يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني شيخ أبي داود، وقد أطال في نسبه، وقد ذكرنا أن التلميذ يذكر نسب شيخه كما يريد، فيمكن أن يختصره، ويمكن أن يطوله، ويمكن أن يذكره باسمه فقط ولا يضيف إلى ذلك شيئاً إذا كان معروفاً ومشهوراً، ويمكن أن ينسبه ويطيل في نسبه كما فعل أبو داود هنا؛ فإنه أطال في نسبه، وأحياناً لا يزيد على كلمتين، وإنما يذكر اسمه واسم أبيه.
وقد سبق أن مر بنا أن من دون أبي داود أحياناً يضيف في نسبة شيخ أبي داود ويأتي بكلمة (يعني) أو (هو) ابن فلان، كما سبق ذكر ذلك وبيانه.
فالحاصل أن التلميذ يذكر شيخه إما مختصراً نسبه، وقد يذكر اسمه فقط، وكثيراً ما يأتي من هذا القبيل، وإما قد يذكره ويطيل في نسبه كما فعل أبو داود هنا، لكن إذا اختصر نسبه، وأراد أحد ممن دون التلميذ أن يوضح فيزيد، ولكن بعبارة تشعر بأن الزيادة ممن دون التلميذ وهي إما (هو) وإما (يعني).
[ويزيد بن خالد].
هذا ثقة أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة.
[حدثنا المفضل يعني: ابن فضالة المصري].
المفضل بن فضالة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
ويزيد بن خالد الذي هو شيخ أبي داود والذي أطال في ذكر نسبه ما زاد في ذكر شيخه على أن قال: المفضل فقط ولم ينسبه، فهو مهمل، فجاء أبو داود أو من دون أبي داود فقال: ابن فضالة وأتى بكلمة (يعني).
[عن عياش بن عباس القتباني].
عياش بن عباس القتباني، ثقة، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن، وعياش وعباس من الألفاظ المتقاربة في الرسم والشكل، وإنما الفرق بينهما في النقط.
والتصحيف والتحريف يأتي في مثل هذه الألفاظ المتقاربة التي رسمها واحد وشكلها واحد، ويسمونها المؤتلف والمختلف، أي: ما تتفق فيه الألفاظ من حيث الرسم والشكل وتختلف في النطق؛ لأن رسمها متقارب، والفرق إنما هو في النقط والنطق.
[أن شييم بن بيتان أخبره].
شييم بن بيتان، ثقة، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي.
[عن شيبان القتباني].
شيبان بن أمية أبو حذيفة ذكره أبو داود في آخر الإسناد، وهو مجهول، أخرج حديثه أبو داود وحده.
[عن رويفع].
رويفع بن ثابت صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي والنسائي.
стр. 169
طريق أخرى لحديث: (يا رويفع! لعل الحياة ستطول بك بعدي) وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يزيد بن خالد حدثنا مفضل عن عياش أن شييم بن بيتان أخبره بهذا الحديث أيضاً عن أبي سالم الجيشاني عن عبد الله بن عمرو يذكر ذلك وهو معه مرابط بحصن باب أليون.
قال أبو داود: حصن أليون على جبل بالفسطاط، قال أبو داود: وهو شيبان بن أمية يكنى أبا حذيفة].
أورد أبو داود ﵀ إسناداً آخر عن عبد الله بن عمرو بن العاص بمثل ما جاء في الإسناد المتقدم والمتن المتقدم.
والمقصود منه: أن شييم بن بيتان رواه عن شيبان وعن أبي سالم الجيشاني، وبهذا يتبين أن الحديث سليم وصحيح؛ لأن في الإسناد الأول مجهولاً، لكن جاء في الإسناد الثاني ما يرفع ضعف الحديث، وعلى هذا فالحديث ثابت؛ لأنه جاء من طريق أخرى.
فليس التعويل على الطريق الأولى التي فيها رجل مجهول وهو شيبان بن أمية؛ لأن هذه الطريق التي فيها مجهول جاءت من طريق لا جهالة فيها، بل رجالها ثقات، فالإسناد هو نفس الإسناد إلا أنه بعد شييم جاء إسناد آخر غير إسناد شيبان الذي هو مجهول، وبذلك يصح الحديث.
وأحال بالمتن على ما تقدم فقال: أخبره بهذا الحديث أيضاً.
قوله: [يذكر ذلك وهو معهم مرابط]، يعني: يذكر المكان الذي حدثه به وهو مرابط، وهو حصن باب أليون، وفسره بعد ذلك بأنه حصن على جبل.
قوله: [حدثنا يزيد بن خالد حدثنا مفضل عن عياش عن شييم بن بيتان عن أبي سالم الجيشاني].
هؤلاء مر ذكرهم في الإسناد السابق الذي وصل إلى شييم بن بيتان، ثم صار هناك طريق آخر عن أبي سالم الجيشاني وهو سفيان بن هانئ، ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي، ويقال: له صحبة.
والمخضرم: هو الذي أدرك الجاهلية والإسلام ولم يلق النبي ﷺ ، وأما إذا لقي النبي ﷺ فيكون صحابياً.
[عن عبد الله بن عمرو].
عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، صحابي جليل، أحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله ﷺ ، والعبادلة هم: عبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير بن العوام وعبد الله بن عباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين، وأحاديثه عند أصحاب الكتب الستة.
стр. 170
شرح حديث: (نهانا رسول الله أن نتمسح بعظم أو بعر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل حدثنا روح بن عبادة حدثنا زكريا بن إسحاق حدثنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: (نهانا رسول الله ﷺ أن نتمسح بعظم أو بعر)].
أورد أبو داود ﵀ حديث جابر وفيه: النهي عن شيء يستنجى به وهو العظم والبعر، والبعر: هو الروث، يعني: روث ما يؤكل لحمه، وهو كما تقدم.
وقوله: (نتمسح) يعني: نستنجي.
стр. 171
تراجم رجال إسناد حديث: (نهانا رسول الله أن نتمسح بعظم أو بعر)
قوله: [حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل].
أحمد بن محمد بن حنبل الإمام الفقيه المحدث المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وهو آخر الأئمة الأربعة في الزمن؛ لأن وفاته كانت في سنة (٢٤١هـ) وأولهم أبو حنيفة توفي سنة (١٥٠هـ) ومالك توفي بعده سنة (١٧٩هـ) والشافعي توفي سنة (٢٠٤هـ) فهذه سنوات وفيات هؤلاء الأئمة الأربعة.
وبعض الناس يستعمل في هذا حروف أبجد بدلاً من ذكر السنين؛ لأنها تكون أخصر وأسهل في الحفظ، وإذا عرف الكلمة ثم فكها وعرف مقدار الأعداد التي تخرج منها يكون بذلك قد عرف سنة الوفاة، ويستعمل بعض الشعراء ذلك بأن يذكر الكلمات استغناءً عن ذكر الأرقام والأعداد.
وقد ذكر بيت من أبيات الشعر فيه وفيات الأئمة الأربعة بحروف الأبجد قال فيه الشاعر: فـ نعمان هم قن وطعق لـ مالك وللشافعي در ورام ابن حنبل فـ نعمان هم قن قن: يعني: قاف ونون مائة وخمسين.
وطعق لـ مالك طاء وعين وقاف تصير مائة وتسعة وسبعين.
وللشافعي در دال وراء تساوي مائتين وأربعة.
ورام ابن حنبل تكون مائتين وواحداً وأربعين.
فهذا بيت اشتمل على وفيات الأئمة الأربعة بالحروف الأبجدية.
وأصحاب الكتب الستة كلهم خرجوا حديثه.
[حدثنا روح بن عبادة].
روح بن عبادة، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا زكريا بن إسحاق].
زكريا بن إسحاق، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبو الزبير].
أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي، فقيه يدلس، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أنه سمع جابر بن عبد الله].
جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما، صحابي ابن صحابي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
وهذا الحديث رجال إسناده كلهم من رجال الكتب الستة: الإمام أحمد بن حنبل عن روح بن عبادة عن زكريا بن إسحاق عن أبي الزبير عن جابر، هؤلاء كلهم خرج حديثهم أصحاب الكتب الستة، فالحديث مسلسل بالرواة الذين خرج لهم أصحاب الكتب الستة.
стр. 172
شرح حديث: (قدم وفد الجن على رسول الله ﷺ
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا حيوة بن شريح الحمصي حدثنا ابن عياش عن يحيى بن أبي عمرو السيباني عن عبد الله بن الديلمي عن عبد الله بن مسعود قال: (قدم وفد الجن على رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد! انه أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حممة؛ فإن الله تعالى جعل لنا فيها رزقاً، قال: فنهى النبي ﷺ عن ذلك)].
أورد أبو داود ﵀ حديث عبد الله بن مسعود ﵁، أن وفد الجن جاءوا إلى رسول الله ﷺ وطلبوا منه أن ينهى أمته عن أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حممة، والعظم والروث سبق أن تكلمنا عليهما، والحممة قيل: إنها العظام التي أحرقت أو الأخشاب التي قد أحرقت، ولكن الذي يناسب ما جاء في قصة الجن هو العظام، وأيضاً إذا كانت قد أحرقت فبالإضافة إلى أن فيها إفساداً لطعام الجن، فكذلك لا يحصل المقصود منها إذا استنجى بها؛ وذلك لاحتراقها ولتفتتها، فلا يمكن الاستفادة منها في هذا المجال الذي هو الاستنجاء وقطع الخارج.
وفي هذا دليل على أن التعليل للنهي عن الاستنجاء بالروث والعظام أنه طعام الجن، وقد جاء في بعض الأحاديث: أن الله يجعل على العظم شيئاً من اللحم يستفيد منه الجن، ويجعل على الروث شيئاً تستفيد منه دواب الجن.
قوله: [(انه أمتك)] المقصود: انه الإنس؛ وإلا فإن الجن من أمته ﷺ ؛ لأنه مبعوث إلى الثقلين الجن والإنس، فالمراد: أمتك الذين هم من جنسك، أي: من البشر.
стр. 173
تراجم رجال إسناد حديث: (قدم وفد الجن على رسول الله ﷺ
قوله: [حدثنا حيوة بن شريح الحمصي].
حيوة بن شريح الحمصي، ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة.
وهناك حيوة بن شريح المصري وهو فوقه، فإن طبقة الحمصي متأخرة، وأما حيوة بن شريح المصري فطبقته متقدمة، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة ولم يخرج له النسائي، ولهذا لم يمر بنا في سنن النسائي أن من شيوخه حيوة بن شريح.
[عن ابن عياش].
إسماعيل بن عياش الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده، وإذا روى عن غيرهم يكون مخلطاً، وهنا روايته عن أهل بلده؛ لأنه حمصي، والذي روى عنه حمصي، أخرج حديثه البخاري في (رفع اليدين) وأصحاب السنن الأربعة.
[عن يحيى بن أبي عمرو السيباني].
يحيى بن أبي عمرو السيباني، ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عبد الله بن الديلمي].
عبد الله بن فيروز بن الديلمي، ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة.
[عن عبد الله بن مسعود].
عبد الله بن مسعود الهذلي صاحب رسول الله ﷺ من المهاجرين، وهو من فقهاء الصحابة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وبعض العلماء يقول: إنه أحد العبادلة الأربعة، ولكن المشهور أن العبادلة الأربعة ليس فيهم عبد الله بن مسعود؛ لأنهم من صغار الصحابة وكانوا في أسنان متقاربة، وأما عبد الله بن مسعود فهو من كبار الصحابة، وهو ممن تقدمت وفاته؛ لأنه توفي سنة (٣٢هـ)، وأما أولئك فقد عاشوا وأدركهم جم غفير لم يدركوا عبد الله بن مسعود، فالصحيح أنهم عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير.
стр. 174
الاستنجاء بالحجارة
стр. 175
شرح حديث: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائظ فليذهب معه بثلاثة أحجار)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الاستنجاء بالحجارة.
حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد قالا: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم عن مسلم بن قرط عن عروة عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن؛ فإنها تجزئ عنه)].
أورد أبو داود ﵀ باب الاستنجاء بالحجارة، والاستجمار: هو الاستنجاء والاستطابة، وهذان اللفظان يستعملان أو يطلقان على ما يحصل بالماء وعلى ما يحصل بالحجارة؛ لأن هذا كله يقال له: استنجاء واستطابة، فإذا استعمل الماء فهو استطابة، وإن استعمل الحجارة فهو استنجاء، وهو استطابة، فالاستطابة تحصل سواء بالماء أو بالحجارة، كل ذلك يقال له: استطابة، لكن الاستجمار إنما يكون بالحجارة فقط ولا يكون بالماء؛ لأنه مأخوذ من استعمال الجمار، وهو استعمال الحصى في إزالة الخارج، والجمار هو الحصى، فهو خاص بإزالتها بالحجارة، أما الاستنجاء والاستطابة فإنها تصلح للماء وللحجارة، وهنا قال: الاستنجاء بالحجارة، فعبر بالاستنجاء لأنه يكون بالماء ويكون بالحجارة، والاستنجاء مأخوذ من النجو وهو القطع، وقطع أثر الخارج يكون بالماء ويكون بالحجارة، فهذا هو معنى الاستنجاء.
أورد أبو داود ﵀ حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليأخذ ثلاثة أحجار؛ يستطيب بهن؛ فإنها تجزئ عنه) يعني: يستنجي بهن؛ لأن الاستطابة والاستنجاء بمعنى واحد وتستعمل للماء وللحجارة.
وقوله: (فليأخذ) يدل على أن الإنسان يحرص على أن يحصل على هذا الذي يكون به قطع الخارج، فإذا ذهب الإنسان إلى الخلاء فليأخذ معه ثلاثة أحجار إذا كانت الأرض التي ذهب إليها ليس فيها حجارة، لكن إذا كانت الأرض التي ذهب إليها فيها حجارة فليأخذ من الأرض التي ذهب إليها.
وهذا الحديث فيه دلالة على استعمال الحجارة واستعمال الثلاث، وأنه لا يستنجى بأقل من ثلاثة أحجار، إلا إذا كان الحجر كبيراً وله ثلاث شعب فإن كل شعبة بمنزلة الحجر، كما قال بعض أهل العلم: إذا استنجى بحجر كبير له ثلاث شعب فإن ذلك يقوم مقام الثلاثة الأحجار.
стр. 176
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب بثلاثة أحجار)
قوله: [حدثنا سعيد بن منصور].
سعيد بن منصور، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وقتيبة بن سعيد].
قتيبة بن سعيد بن جميل البغلاني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قالا: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن].
يعقوب بن عبد الرحمن هو القاري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[عن أبي حازم].
أبو حازم هو سلمة بن دينار مشهور بكنيته، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن مسلم بن قرط].
مسلم بن قرط، مقبول، أخرج حديثه أبو داود والنسائي.
[عن عروة].
عروة بن الزبير بن العوام، ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة] عائشة رضي الله تعالى عنها أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 177
شرح حديث: (سئل رسول الله ﷺ عن الاستطابة فقال: بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن عمرو بن خزيمة عن عمارة بن خزيمة عن خزيمة بن ثابت ﵁ أنه قال: (سئل رسول الله ﷺ عن الاستطابة فقال: بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع).
قال أبو داود كذا رواه أبو أسامة وابن نمير عن هشام يعني: ابن عروة].
أورد أبو داود ﵀ حديث خزيمة بن ثابت رضي الله تعالى عنه: (أن النبي ﷺ سئل عن الاستطابة، فقال بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع) يعني: ليس فيها روث مطلقاً، ولكن المقصود الذي يكون طاهراً وهو رجيع ما يؤكل لحمه، هذا هو الذي يكون طاهراً، وأما إذا كان نجساً فإنه لا يزيد النجاسة إلا نجاسة.
وقد سبق أن مر أنه لا يستنجي بعظم ولا روث؛ لأنها طعام الجن ودوابهم.
قال أبو داود: [كذا رواه أبو أسامة وابن نمير عن هشام يعني: ابن عروة].
هذه إشارة إلى أن هناك طريقاً أخرى مثل الطريق السابقة.
стр. 178
تراجم رجال إسناد حديث: (سئل رسول الله ﷺ عن الاستطابة فقال: بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع)
قوله: [حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي].
عبد الله بن محمد النفيلي، ثقة، أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا أبو معاوية].
أبو معاوية محمد بن خارم بن الضرير الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن هشام بن عروة].
هشام بن عروة بن الزبير، ثقة ربما دلس، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو بن خزيمة].
عمرو بن خزيمة، مقبول، أخرج حديثه أبو داود وابن ماجة.
[عن عمارة بن خزيمة].
عمارة بن خزيمة، ثقة، أخرج له أصحاب السنن الأربعة.
[عن خزيمة بن ثابت].
خزيمة بن ثابت صاحب رسول الله ﷺ وصاحب الشهادتين؛ فإن النبي ﷺ جعل شهادته بشهادة رجلين، وهذا من خصائصه رضي الله تعالى عنه، وفي ذلك قصة وهي: أن النبي ﷺ حصل بينه وبين أعرابي بيع وشراء، فالأعرابي قال له النبي ﷺ كذا وهو قال كذا فقال النبي ﷺ : (من يشهد؟ فما أحد تقدم للشهادة، فجاء خزيمة بن ثابت وقال: (أنا أشهد) فقال له: كيف تشهد؟ فقال: الله تعالى أرسلك ونصدقك فيما يأتي من السماء وما يأتي من الوحي ولا نصدقك في كلام مع أعرابي؟!) يعني: أن كل ما تقوله صدق، فأنت قلت هذا الكلام فأنا أشهد أنك صادق، فجعل النبي ﷺ شهادته بشهادة رجلين، ولهذا قالوا: ذو الشهادتين.
فالحافظ ابن حجر في التقريب عندما ذكر ترجمته قال: ذو الشهادتين.
يعني: أن شهادته بشهادة رجلين، وهذا من خصائص هذا الرجل، وكان ذلك بهذه المناسبة العظيمة التي وفق فيها لفهم الصواب والاعتراف به، مع أنه ما حضر الذي جرى بينهما، ولكنه شهد لقول الرسول ﷺ ؛ لأنه هو الصادق في كل ما يقول صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وحديثه أخرجه مسلم وأصحاب السنن الأربعة.
وقوله: [قال أبو داود: كذا رواه أبو أسامة].
هو حماد بن أسامة، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وابن نمير].
هو عبد الله بن نمير، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن هشام].
هشام بن عروة وقد مر ذكره.
стр. 179
الاستبراء من النجاسة
стр. 180
شرح حديث: (ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الاسبتراء.
حدثنا قتيبة بن سعيد وخلف بن هشام المقرئ قالا: حدثنا عبد الله بن يحيى التوأم ح وحدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا أبو يعقوب التوأم عن عبد الله بن أبي مليكة عن أمه عن عائشة ﵂ قالت: (بال رسول الله ﷺ ، فقام عمر ﵁ خلفه بكوز من ماء فقال: ما هذا يا عمر؟! فقال: هذا ماء تتوضأ به قال: ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ، ولو فعلت لكانت سنة)].
أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة: باب الاستبراء، والاستبراء: هو الاستطابة والاستنجاء والتخلص من أثر الخارج من الإنسان، وقد سبق أن مرت ترجمة أخرى متقدمة في التحذير من عدم التنزه من البول في قصة اللذين يعذبان في قبريهما؛ وأحدهما كان لا يستبرئ من بوله، فذكر الاستبراء هناك، وذكره هنا على اعتبار أن هناك فيه التحذير من التهاون في مسألة البول، وكونه يقع على جسد الإنسان أو يقع على ثيابه فلا يبالي به، وهنا معناه أنه يتخلص منه عندما يجلس لقضاء الحاجة، فلا يقوم إلا وقد تخلص من البول ولم يبق شيء يترتب على استعجاله، بل يبقى في مكانه حتى ينتهي من قضاء حاجته، ويزيل أثر الخارج بالماء أو الحجارة، وقد أورد أبو داود ﵀ حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (بال رسول الله ﷺ فقام عمر خلفه بكوز من ماء فقال: ما هذا يا عمر؟! فقال: هذا ماء تتوضأ به، قال: ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ، ولو فعلت لكانت سنة)].
فسر قوله: (تتوضأ) بشيئين: إما بالوضوء اللغوي الذي هو الاستنجاء به، وهو النظافة والنزاهة وقطع الخارج.
وإما الوضوء الشرعي الذي هو غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، ففسر بهذا وبهذا.
والمقصود: أنه في حال قضاء الحاجة يمكن الاستغناء عن الماء بالحجارة، وأنه لا يلزم أن يكون الماء هو الذي يستطاب ويستنجى به، بل يمكن أن الحجارة تكفي، وهذا فيه إشارة إلى أن هذا سائغ وأن هذا سائغ، ولو أن النبي ﷺ التزم الماء لكان ذلك سنة، ولشق على الناس، فهناك مشقة على الناس إذا كان يلزمهم دائماً أن يكون معهم ماء، وإذا كانوا لا يستنجون إلا بالماء ولا يستنجون بالحجارة، ففي هذا تخفيف على هذه الأمة، وبيان أن الاستنجاء بالحجارة يمكن حتى مع وجود الماء، لكن لا شك أن الماء أتم وأكمل، وما فعله النبي ﷺ فيه بيان أن إزالة آثار الخارج من الإنسان في حال قضاء حاجته تحصل بالماء وبالحجارة، وأن الماء ليس بمتعين، وأن هذا من تخفيف الله وتيسيره على هذه الأمة، ويحتمل أن يكون المراد به الوضوء الشرعي الذي له فروض، وهو يدل على أنه لا يلزم بعد كل قضاء حاجة أن الإنسان يتوضأ الوضوء الشرعي، وكذلك أيضاً لا يلزم أن يستنجي بالماء، بل يمكن أن يستنجي بالحجارة، فكل ذلك يدل عليه الحديث، فيحتمل هذا، ويحتمل هذا.
وبعض أهل العلم رجح أنه الوضوء الشرعي، وبعضهم رجح أنه الوضوء اللغوي، وكما هو معلوم لزوم ذلك وتعينه ليس هناك ما يدل عليه، ولكن لا شك أن كون الإنسان يكون دائماً على وضوء أنه أحسن، ولا شك أنه خير للإنسان أن يكون على وضوء.
следующие страницы →