← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

خلاف الرواة في بعض ألفاظ الحديث قوله: [قال: (دخلت في الإسلام فأهمني ديني)]. يعني: معرفة أحكام دينه وأمور دينه. [فقال أبو ذر: (فأمر لي رسول الله ﷺ بذود)]. الذود أي: عدد من الإبل، قيل: من الثلاث إلى التسع، وقيل: من الثلاث إلى العشر، وقد جاء إطلاقه على الخمس في حديث: (ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة). [قال أبو داود: رواه حماد بن زيد عن أيوب لم يذكر أبوالها]. حماد بن زيد لم يذكر أبوالها، وحماد بن سلمة هو الذي شك هل قال: أبوالها أو لم يقل: أبوالها. [قال أبو داود: هذا ليس بصحيح، وليس في أبوالها إلا حديث أنس تفرد به أهل البصرة]. يعني: ذكر الأبوال ليس بصحيح، وإنما الصحيح في الأبوال حديث أنس الذي تفرد به أهل البصرة، وهو في قصة العرنيين الذين اجتووا المدينة، فأمرهم الرسول ﷺ أن يخرجوا إلى إبل الصدقة، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، ففعلوا، فلما صحوا قتلوا الراعي، واستاقوا الإبل، وقصتهم مشهورة، والحديث في الصحيحين، وفيه التنصيص على الأبوال، وهو دليل على طهارة أبوال الإبل، بل وطهارة بول وروث كل ما يؤكل لحمه؛ لأن الرسول ﷺ أذن لهم أن يشربوا من أبوالها، ولو كانت نجسة لم يأمرهم بالشرب منها، فَأَمْرُه لهم بالشرب منها يدل على طهارتها، وفي ذلك علاج وتداوٍ بحلال، وقد جاء عن النبي ﷺ النهي عن التداوي بالحرام.

стр. 1157

الأسئلة

стр. 1158

حال حديث أبي ذر (إني اجتويت المدينة) السؤال ما حال حديث أبي ذر؟ الجواب حديث أبي ذر صححه أهل العلم واحتجوا به، وفيه هذا الرجل الذي لا يعرف، لكن لعل له شواهد أو متابعات.

стр. 1159

حكم قضاء صلاة من صلى بغير وضوء جهلاً السؤال هل أمر النبي ﷺ أبا ذر أن يقضي الصلوات التي صلاها بغير طهور؟ الجواب ليس في هذا الحديث أنه أمره بإعادة ما صلّاه بغير وضوء على اعتبار أنه لم يكن يعلم الحكم، وقد جاء مثل هذا عن الصحابة عندما صلوا بدون وضوء في الحديث الذي فيه انحباسهم لعقد عائشة، وفيه ثناء أسيد بن حضير على آل أبي بكر، والرسول ﷺ لم يأمرهم بإعادة الصلاة؛ لأن التيمم لم يكن قد شُرع، وما عرفوا هذا الحكم في الشريعة.

стр. 1160

نوع التراب الذي يصح به التيمم السؤال ما هو نوع التراب الذي يصح به التيمم؟ الجواب التيمم يكون بالأرض مطلقاً سواء كانت ترابية أو رملية أو حجرية؛ لعموم الحديث: (أيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره) ومعناه: أنه يتيمم، بل يجوز له أن يتيمم على الجدار، كما فعل الرسول ﷺ ، حيث تيمم بالجدار، وأما ما جاء من ذكر التربة في بعض الروايات فهذا لا ينافي العموم؛ لأن من القواعد المقررة في أصول الفقه: أن التنصيص على بعض أفراد العام لا يسقط عمومه، بل يبقى العموم على ما هو عليه، وأكثر ما في الأمر أن بعض أفراد العموم نص عليه، فإفراد بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصص العام. ومثل هذا أن بعض أهل العلم استدل بقوله: (الشفعة في كل شيء) على أنها تكون في العقار وفي غيره، والتنصيص على العقار في بعض الروايات لا يدل على قصر الحكم عليه، وإنما هو بعض أفراد الشفعة، وهي في كل شيء، فيبقى العموم على ما هو عليه، والتنصيص على بعض أفراده لا يسقط عمومه.

стр. 1161

حكم التيمم على الجدار الأملس السؤال ما حكم التيمم على الجدار الأملس؟ الجواب التيمم على الجدار الأملس يجوز إذا كان عليه غبار، أما إذا كان حديث عهد بالغسل فلا يتيمم به؛ لأنه لا يكون عليه غبار.

стр. 1162

حكم الصلاة على السيارة السؤال هل تجوز الصلاة في السيارة ونحوها؟ الجواب السيارة مثل الراحلة، فليس للإنسان أن يصلي فيها الفريضة؛ لأنه يجب أن يقف ويصلي، أما النافلة فيجوز، فقد كان ﵊ يتنفل على راحلته فإذا جاء وقت الصلاة نزل وصلى، فالسيارة مثل الراحلة، لكن من كان على الطائرة وخشي أن يخرج الوقت وهي في الجو، فيصلي عليها الفريضة إن وجد مكاناً يركع ويسجد فيه، فإن لم يجد فإنه يصلي على كرسيه واقفاً أو جالساً بالإشارة.

стр. 1163

حكم التيمم في الحضر السؤال تيمم النبي ﷺ في الحضر، فهل هذا خاص به؟ الجواب لا أدري، والأصل عدم الخصوص حتى يأتي دليل يدل على الخصوص، والذي يظهر لي أن للإنسان أن يفعل ذلك؛ لأنه لا يترتب عليه إلا حصول الأكمل والأصوب، وهو ذكر الله على طهارة، والرسول ﷺ لم يكن يفعل هذا دائماً، وإنما جاء عنه مرة واحدة، ومن المعلوم أن النبي ﷺ : (كان يذكر الله على كل أحيانه)، ومن المعلوم أنه في بعض أحيانه يكون على غير وضوء.

стр. 1164

حكم الترتيب في التيمم السؤال هل يشترط في التيمم الترتيب؟ قال الحافظ ابن حجر: ليس من شرط التيمم الترتيب.

стр. 1165

حكم التفل في اليدين قبل التيمم من الجدار السؤال هل ورد أن النبي ﷺ تفل في يديه عندما مسح على الجدار؟ الجواب لا نعلم هذا، ولماذا هذا التفل؟! فالمتيمم لا يتفل في يديه، وإنما إذا كان الغبار كثيراً في اليدين فإنه يخفف الغبار بالنفخ أو بالنفض.

стр. 1166

حد اليد في اللغة السؤال إذا أطلقت اليد هل تكون للكف؟ الجواب اليد تطلق إطلاقات متعددة: فتطلق على الكف وحده، وتطلق على الكف ومعه الساعد، وعلى الكف ومعه الساعد والعضد إلى المنكب، كل ذلك يطلق عليه أنه يد، ولكن هذا الإطلاق يصار إلى تقييده بالسنة، كما جاء القرآن بإطلاق قطع يد السارق: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، وبينت السنة أن القطع يكون من المفصل الذي بين الكف وبين الساعد، وإطلاق قطع اليد كان يصدق لو قطعت من الكف أو قطعت من المرفق أو قطعت من المنكب؛ لأنه كله يقال له: يد، لكن قد جاءت السنة ببيان حد اليد في القطع، وكذلك أيضاً بينت حد اليد بالنسبة للتيمم، وأما بالنسبة للوضوء فقد جاء تحديد غسل اليدين إلى المرافق في قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦].

стр. 1167

تضعيف صلاة المنفرد في المسجد النبوي السؤال هل من فاتته صلاة الجماعة مع الإمام في المسجد النبوي وصلى وحده يكتب له أجر ألف صلاة؟ الجواب هذا هو الذي يبدو؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)، فأي صلاة يصليها الإنسان فيه فهي خير من ألف صلاة فيما سواه، سواء كانت صلاة جماعة أو منفرد.

стр. 1168

حكم جماع الزوجة مع العلم بعدم وجود ماء الغسل السؤال هل يأثم المسلم بجماع أهله إذا تحقق أنه فاقد للماء في المكان الذي هو فيه؟ الجواب لا، بل يجوز للرجل أن يجامع أهله وإذا لم يجد ماءً فيتيمم، وإذا كان مسافراً وهو في مكان وليس فيه ماء، فله أن يجامع أهله ويتيمم.

стр. 1169

حكم من اعتمرت ولم تقص من شعرها السؤال امرأة اعتمرت ولم تقص شعرها، فما الحكم؟ الجواب إذا كانت حديثة عهد بالعمرة فتقص شعرها الآن، وإذا كان قد مضى عليها وقت طويل فعليها فدية عن ترك التقصير.

стр. 1170

ملتقى الإسناد في حديث أبي ذر (إني اجتويت المدينة) السؤال لماذا جعل أبو داود ملتقى الإسناد عند عمرو بن بجدان؟ الجواب لأنه يوجد فرق في ذكر رجال الإسنادين، ففي إسناد قال: خالد الواسطي، وفي الإسناد الثاني قال: خالد يعني ابن عبد الله الواسطي، فجاء بكلمة يعني، وفي الطريق الأول قال: خالد الواسطي، فبينهما فرق.

стр. 1171

الجمع بين روايات حديث أبي ذر (إني اجتويت المدينة) السؤال كيف نوفق بين روايتي حديث أبي ذر، ففي الرواية الأولى قال: (فأتيت النبي ﷺ ، فقال أبو ذر: فسكتُّ)، وفي الرواية الثانية: (فقال: أبو ذر؟ فقلت: نعم)؟ الجواب لا يوجد تنافٍ، فلعله سكت أولاً، ثم بعد ذلك قال: نعم.

стр. 1172

حكم قضاء من ترك الصلاة متعمداً السؤال هل في حديث أبي ذر ﵁ ردٌّ على من يوجب قضاء الفوائت إذا خرج وقتها؟ الجواب الذين كانوا يتركون الصلاة لمدة طويلة ليس عليهم أن يقضوها، وإنما عليهم أن يتوبوا إلى الله من تركهم الصلاة، والصلاة تقضى إذا نسيها الإنسان أو نام عنها، أما من ترك الصلاة لمدة طويلة فعليه أن يتوب إلى الله من هذا الجرم الذي حصل منه، وأن يحافظ على الصلوات في المستقبل، وأن يكثر من النوافل، أما كونه يترك الصلاة عشرين سنة أو أقل أو أكثر، ثم يهديه الله فيكون من المصلين، ثم بعد ذلك كلما يصلي صلاة يصلي وراءها صلاة قضاء؛ فهذا ليس بصحيح، وإنما عليه أن يتوب مما حصل منه من الإجرام، ويحافظ على الصلاة في المستقبل، ويحافظ على الصلاة في المستقبل.

стр. 1173

لا يعذر تارك الصلاة بالجهل السؤال هل يعذر تارك الصلاة بالجهل؟ الشيخ: لا يعذر بالجهل، وإذا ترك الصلاة نسياناً فليقضيها متى ذكرها، أما إذا ترك الصلاة لمدة طويلة فليحسن في المستقبل؛ لأن الرسول ﷺ في قصة الرجل المسيء صلاته قال له: (ارجع فصلّ فإنك لم تصل) يعني: أن صلواته الماضية كلها كانت بهذه الطريقة، ومع ذلك لم يأمره النبي ﷺ بالقضاء، لكن إذا كان الإنسان قد حصل منه تقصير في صلوات معينة، ويمكنه قضاؤها فليقضها، وبالنسبة لزمن الرسول ﷺ فقد كان زمن تشريع، فبعض الصحابة قد يجتهد فيصلي صلاة لا تصح، والرسول ﷺ لا يأمره بالإعادة، مثلما أقر أسيد بن حضير والذين معه حينما صلوا بدون وضوء؛ لعدم الماء، والتيمم لم يكن قد شرع، فالرسول ﷺ أقرهم، وعمر ﵁ قد جاء عنه أنه قال: لا يصلي الجنب حتى يجد الماء.

стр. 1174

حكم التيمم بالزجاج السؤال هل يجوز التيمم بالزجاج؛ لأن أصله تراب؟ الجواب لا يتيمم الإنسان بالزجاج، ولو كان أصله تراباً فالتيمم يكون بالأرض، وكون الإنسان يمسح زجاجة موضوعة على الأرض فهذا لا يقال: إنه تيمم بالأرض، بل تيمم بالزجاج، وليس كل ما كان أصله تراباً يجوز التيمم عليه، والجدار يجوز أن يتيمم عليه بسبب الغبار الذي يكون عليه، والزجاج إذا كان عليه غبار مثل الجدار الأملس فيجوز التيمم بالغبار الذي عليه.

стр. 1175

معنى قوله: (فكانت تصيبني الجنابة فأمكث الخمس والست) السؤال ما معنى قوله في حديث أبي ذر: (فكانت تصيبني الجنابة فأمكث الخمس والست)؟ الجواب يعني الخمس الليالي والست الليالي، وجاء في الحديث الثاني: (فتصيبني الجنابة فأصلي بغير طهور)! ولم يذكر مدة، فهذه الرواية الثانية بينت أنه كان يصلي بغير وضوء.

стр. 1176

حكم ذكر الله للجنب السؤال هل للجنب أن يذكر الله؟ الجواب يذكر الله، لكن لا يقرأ القرآن، وبعض أهل العلم قال: له أن يقرأ القرآن وهو على جنابة، وبعضهم قال: لا يقرأ القرآن؛ لأنه بإمكانه أن يتخلص من الجنابة بالاغتسال إن كان الماء موجوداً أو بالتيمم إذا عدم الماء.

стр. 1177

شرح سنن أبي داود [٠٥٢] خفف الله عن هذه الأمة ووضع عنها إصرها، فشرع لها التيمم عند فقد الماء أو خوف الضرر من استعماله، وقد جاءت أحاديث كثيرة تبين أحكام التيمم المختلفة.

стр. 1178

تيمم الجنب إذا خاف البرد

стр. 1179

شرح حديث: (يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب ؟) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم؟ حدثنا ابن المثنى، أخبرنا وهب بن جرير، أخبرنا أبي، قال: سمعت يحيى بن أيوب، يحدث عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير المصري، عن عمرو بن العاص ﵁ أنه قال: (احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح فذكروا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: يا عمرو! صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٩] فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئاً)]. قوله: (باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم) أي: إذا خاف الجنب البرد أيتيمم عن الجنابة؟ هذه الترجمة المقصود منها كما هو واضح أن الجنب إذا خشي من الاغتسال أن يصيبه الهلاك، أو يصيبه ضرر كبير يلحق جسمه أو مرض يؤدي به إلى الهلاك، هل له أن يتيمم أو ليس له أن يتيمم؟ وأورد المصنف ﵀ حديث عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، أنه كان في غزوة ذات السلاسل، وكان أميراً عليها، فاحتلم وخشي إن اغتسل أن يهلك لشدة البرد، وذكر قول الله : ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٩]، فتيمم وصلى بالناس وهو إمامهم؛ لأنه أميرهم، فلما جاء إلى الرسول ﷺ وقد أخبروه بذلك قال له: (صليت بأصحابك وأنت جنب يا عمرو؟) فقال له ما قال وتلا عليه الآية التي بنى عليها عمله، وهي قول الله : ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٩] فضحك رسول الله ﷺ ولم يرد شيئاً. وضحكه ﵊ وكونه لم يرد عليه شيئاً إقرار له، ولو كان ذلك باطلاً أو غير سائغ لم يقره على ذلك، وهو لا يقر على باطل ﷺ . ومن المعلوم أن السنة تثبت بطرق ثلاث: وهي القول أو الفعل أو التقرير، ولهذا يعرف المحدثون الحديث بقولهم: هو ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، ويضيفون إلى ذلك: أو وصف خلقي أو خلقي. أي: وصف أخلاقه الكريمة وخلقه الذي خلقه الله عليه ﷺ ، أيضاً هذا يدخل في السنة ويدخل في الحديث، ولكن هذا التعريف كما هو واضح، يشمل الطرق الثلاث التي تثبت بها السنن، وهي القول والفعل والتقرير، فكونه ﷺ ضحك وتبسم ولم يرد شيئاً؛ أي أنه أقره على صنيعه وأقره على فعله. قوله: [(احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك)]. وهذه الغزوة هي التي أمر النبي ﷺ فيها عمرو بن العاص على جيش ذات السلاسل، وهناك في الجيش من هو أفضل منه، وبهذا يجوز أن يولى المفضول مع وجود الفاضل، وذلك لمعنى موجود في المفضول اختير من أجله، ولما أمره الرسول ﷺ فهم من هذا التأمير وهذا التقديم أن فيه تفضيلاً فسأله فقال: (من أحب الناس إليك يا رسول الله؟ قال: عائشة، قال: ومن الرجال؟ قال: أبوها، قال: ثم من؟ قال: عمر)، ثم سكت لما رأى أنه عدد أناساً ولم يعده. في هذه الغزوة أو هذا الجيش الذي كان فيه حصل له احتلام في النوم، واحتاج إلى الغسل وخشي أنه إذا اغتسل والبرد شديد أن يهلك، وفهم من الآية وهي قول الله : ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٩] أنه يعدل عن الاغتسال إلى التيمم، ولما سأله رسول الله ﷺ عن الذي حصل منه وأنه صلى بأصحابه وهو جنب وتلا هذه الآية التي فهم منها ما فهم أقره رسول الله ﵊ حيث ضحك وتبسم ولم يرد عليه شيئاً. وهذا فيه أن الصحابة ﵃ وأرضاهم كانوا يجتهدون في زمن الوحي في الأمور التي تطرأ عليهم كما فعل عمرو في هذه الغزوة، وكما فعل أسيد بن حضير ومن معه عندما كانوا يبحثون عن عقد عائشة ولما جاء وقت الصلاة وليس عندهم ماء صلوا بدون وضوء؛ لأن التيمم لم يشرع بعد، فعلوا ذلك باجتهادهم، حيث رأوا أن الصلاة لا تترك وأن عليهم أن يصلوا على حسب حالهم، فصلوا على حسب حالهم وأقرهم رسول الله ﷺ . قوله: [فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح]. وكان هذا في آخر الليل؛ لأن البرد يكون أشد ما يكون في آخر الليل.

стр. 1180

معنى قوله: (سمعت الله يقول) قوله: [(فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: يا عمرو! صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٩] فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئاً)]. المقصود بقوله: (سمعت الله يقول) سمعت كلام الله ورأيت كلام الله والذي ينص على أن الإنسان لا يقتل نفسه، وأن ذلك يكون فيه قتل للنفس. وستأتي قصة الرجل الذي أصابته شجة واحتلم وسأل وقيل له: (ما نعلم إلا أنك تغتسل، فاغتسل ومات بسبب ذلك، فلما بلغ ذلك رسول الله ﵊ قال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال). ويقول عبد الله بن مسعود ﵁: (إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة:١٠٤] فأرع لها سمعك؛ فإنه خير تؤمر به أو شر تنهى عنه) وهذا السماع إنما هو سماع للقرآن إما من غيره أو كونه يقرأ لنفسه. ومن المعلوم أن المقصود بالسماع من الله، أي: سماع كلام الله، وسبق أن ذكرت الأثر المروي عن عبد الله بن داود الخريبي الذي ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري وهو في قول الله : ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩] قال: إن هذه الآية أشد آية على أصحاب جهم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩] قال: فمن بلغته هذه الآية فكأنما سمع كلام الله. يعني: كأنه سمعه من الله، وكما هو معلوم أن الناس لا يسمعون من الله، وإنما الذي سمع الوحي من الله ونزل به على محمد بن عبد الله ﵊ هو جبريل ﵇، والذي سمع كلام الله من الله هو موسى بن عمران كليم الرحمن ﵊، كما قال الله : ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف:١٤٣] فهو سمع كلام الله من الله، وكذلك نبينا محمد ﵊ ليلة المعراج فإنه سمع كلام الله من الله، ولهذا فكما أن موسى بن عمران كليم الرحمن فإن نبينا محمداً ﵊ هو أيضاً كليم الرحمن، وكما أن إبراهيم خليل الرحمن، فنبينا محمد ﵊ خليل الرحمن، فاجتمع فيه ما تفرق في غيره، الخلة لإبراهيم والتكليم لموسى والخلة والتكليم لنبينا محمد ﷺ .

стр. 1181

الأحكام العصرية المستنبطة من قوله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم) وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٩] هذه الآية استدل بها بعض أهل العلم على تحريم شرب الدخان؛ لأن الله تعالى نهى عن قتل النفس، ومن المعلوم أن شرب الدخان من الأسباب التي يكون بها الهلاك ومن أسباب الأمراض، ومن المعلوم أيضاً أن الشريعة جاءت بعموماتها وبقواعدها تشمل ما هو موجود في زمنه ﷺ وما ليس بموجود مما يجد ويحدث. ومن المعلوم أن الدخان شيء جديد، وإنما طرأ ووجد في الأزمان المتأخرة، ولكن الشريعة تستوعب ما يحدث وما يجد من النوازل؛ وذلك بعموماتها وقواعدها وقياس المثيل على المثيل، وإلحاق النظير بالنظير؛ وذلك أن قوله: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) فيه نهي عن قتل النفس بأي طريقة كانت، وعن قتل الغير، وكون الإنسان لا يقدم على أي شيء يؤدي إلى هلاكه وقتل نفسه هو ما تقتضيه هذه الآية، ولهذا فهم عمرو ﵁ منها أنه لو اغتسل بالماء البارد لهلك، واحتج بهذه الآية وتلاها على رسول الله ﷺ ، فتبسم رسول الله ﷺ ولم يرد عليه شيئاً، أي: أنه أقره على ذلك.

стр. 1182

تراجم رجال إسناد حديث (يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب ؟) قوله: [حدثنا ابن المثنى]. محمد بن المثنى العنزي أبو موسى الملقب بـ الزمن ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة. [أخبرنا وهب بن جرير]. وهب بن جرير بن حازم ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا أبي]. أبوه هو جرير بن حازم، وهو أيضاً ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [سمعت يحيى بن أيوب]. يحيى بن أيوب صدوق ربما أخطأ، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن يزيد بن أبي حبيب]. يزيد بن أبي حبيب ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عمران بن أبي أنس]. عمران بن أبي أنس ثقة أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. ولم يخرج له ابن ماجة. [عن عبد الرحمن بن جبير المصري]. عبد الرحمن بن جبير المصري ثقة أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. [عن عمرو بن العاص]. عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله ﷺ وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. وعمرو بن العاص ﵁ روى قصة إسلامه مسلم في صحيحه، قال: (إنه جاء ليسلم وكان إسلامه عام الحديبية، فلما مد يده ليبايع الرسول ﷺ فمد رسول الله يده فقبض عمرو يده، فقال رسول الله ﷺ : لماذا يا عمرو؟ قال: أردت أن أشترط، قال: وماذا تشترط؟ قال: أن يغفر لي -يعني: ما كان من الشرك وما كان من أمر الجاهلية- فقال ﵊: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟) قوله: (أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟) أي: أن التوبة تجب ما قبلها، وأعظم الذنوب وأبطل الباطل وأظلم الظلم الشرك، وإذا حصلت التوبة منه فإن الله تعالى يغفر ذلك، فكيف لما هو دونه من الكبائر والمعاصي، فـ عمرو ﵁ عند المبايعة قال هذه المقالة وأجابه رسول الله ﷺ بهذا الجواب الذي فيه بيان أن الإسلام يهدم ما كان قبله، والهجرة تهدم ما كان قبلها، والحج يهدم ما كان قبله.

стр. 1183

مصطلح المتفق والمفترق في ترجمة الرجال قوله: [قال أبو داود: عبد الرحمن بن جبير مصري مولى خارجة بن حذافة وليس هو ابن جبير بن نفير]. لما كان هذا الإسناد فيه هذا الرجل المصري وهو عبد الرحمن بن جبير المصري، وكان هناك شخص آخر يوافقه في الاسم واسم الأب وهو عبد الرحمن بن جبير بن نفير، فهذا حمصي وذاك مصري، فأراد أن يبين أن هذا غير هذا. وهذا يسمونه المتفق والمفترق في علم المصطلح، يعني: أن تتفق الأسماء وأسماء الآباء وتختلف الأشخاص.

стр. 1184

شرح حديث عمرو بن العاص في الجمع بين الوضوء والتيمم للجنب قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن سلمة المرادي أخبرنا ابن وهب، عن ابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص أن عمرو بن العاص ﵁ كان على سرية، وذكر الحديث نحوه قال: (فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة ثم صلى بهم) فذكر نحوه، ولم يذكر التيمم. قال أبو داود: وروى هذه القصة عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال فيه: (فتيمم). ]. ذكر أبو داود ﵀ الحديث من طريق أخرى، وفيه أن أبا قيس مولى عمرو بن العاص أخبر عن عمرو وقصته، وأنه لما صلى بالناس وهو جنب أنه غسل مغابنه وتوضأ، ولكن لم يذكر التيمم. وقد جاء من طريق أخرى أنه تيمم، والطريق السابق فيه أنه تيمم، لكن هذا فيه أنه توضأ وتيمم للغسل؛ لأن الوضوء ولو كان الماء بارداً أسهل من الاغتسال، لكن ينبغي أن يعلم أنه إذا أمكن للإنسان أن يسخن الماء فليسخن الماء ويغتسل به ولا يعدل إلى التيمم، لكن إذا كان في فلاة أو في بر أو في عراء، وليس هناك كن يستكن به، فإنه يتضرر بالماء مع شدة البرد. فالحاصل أن هذه الرواية التي ذكرها أبو داود فيها أنه توضأ وغسل مغابنه، وهي ما حول أصول الفخذين كما سبق أن مر بنا غسل المغابن، وهي الأماكن التي لا يصل إليها الماء إلا بمشقة. قوله: [(فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة ثم صلى بهم). فذكر نحوه ولم يذكر التيمم]. عدم ذكر التيمم لا يؤثر؛ لأنه ذكر من طريق أخرى، وعدم ذكر اليتيم في هذه الرواية لعله حصل اختصاراً. [قال أبو داود: وروى هذه القصة عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال فيه: فتيمم]. وهذه الرواية التي أشار إليها من قبل أنه لم يتيمم جاء فيها أنه تيمم، في الرواية السابقة أيضاً ذكر أنه تيمم. إذا: هذه الرواية فيها وضوء مع التيمم. كذلك من كان معه ماء ويخشى إذا اغتسل به الهلاك، لكن يستطيع الوضوء، فالذي يبدو كما جاء في هذا الحديث أنه يتوضأ ويتيمم للباقي. كذلك لو كان الإنسان عنده ماء، لكن لا يكفي للاغتسال وإنما يكفي لبعضه، فإنه يستعمله ويتيمم للباقي؛ لأنه استطاع الأصل في البعض فيفعله ويتيمم للباقي.

стр. 1185

تراجم رجال إسناد حديث عمرو بن العاص في الجمع بين الوضوء والتيمم للجنب قوله: [حدثنا محمد بن سلمة المرادي]. محمد بن سلمة المرادي المصري ثقة أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة. [أخبرنا ابن وهب]. ابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري ثقة فقيه أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن لهيعة]. هو عبد الله بن لهيعة المصري وهو صدوق، احترقت كتبه فساء حفظه، وحديثه أخرجه مسلم مقروناً وأبو داود والترمذي وابن ماجة، أما النسائي فكان لا يروي عنه، وإذا جاء في إسناد ومعه غيره ذكر ذلك الغير وأبهم ابن لهيعة، فقال: حدثنا فلان ورجل آخر أو وآخر. فكان إذا جاء الإسناد وفيه شخصان يرويان الحديث أحدهما ابن لهيعة، وهو يريد أن يروي الحديث عن غير ابن لهيعة فإنه يأتي بالإسناد، ولكن لا يترك ابن لهيعة بحيث لا يشير إليه ولا إشارة؛ لأن التحديث حصل من شخصين، وهو لا يحدث عن ابن لهيعة ولا يخرج له، فكان يشير إليه بالإشارة فيقول: أخبرنا عمرو بن الحارث ورجل آخر، يعني بالآخر ابن لهيعة؛ لأنه لا يريد أن يروي عن ابن لهيعة، ولا يريد أن يحذفه أصلاً، وكأن الحديث إنما جاء عن شخص واحد ولم يأت عن شخصين، لكن سمى من يريد أن يحدث عنه وأبهم من لا يريد أن يحدث عنه؛ فبذلك حصل المحافظة على الطريقة التي حصل بها التحديث، وهو أن الحديث جاء عن شخصين، والشخص الذي لا يريد أن يحدث عنه أبهمه، والشخص الذي يريد أن يحدث عنه أظهره، والمعول عليه هو من ذكره وحدث عنه. [وعمرو بن الحارث] ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص]. أبو قيس مولى عمرو بن العاص اسمه: عبد الرحمن بن ثابت، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أن عمرو بن العاص]. هذا الحديث صورته صورة المرسل؛ لأن أبا قيس ما أدرك القصة ولكنه أخبر بها من طريق عمرو بن العاص مولاه. [قال أبو داود: وروى هذه القصة عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال فيه: فتيمم]. الأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، فقيه الشام ومحدثها، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. وحسان بن عطية ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. أما قوله: [وروى هذه القصة عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال فيه: فتيمم]. لعل الذي روى القصة عن الأوزاعي من دون يزيد بن أبي حبيب.

стр. 1186

التيمم من الجنابة للمجروح

стр. 1187

شرح حديث: (إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في المجروح يتيمم. حدثنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي، حدثنا محمد بن سلمة، عن الزبير بن خريق، عن عطاء، عن جابر ﵁ أنه قال: (خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك، فقال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر -أو يعصب شك موسى - على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده)]. أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة باب: في المجروح يتيمم. يعني: الذي أصابه جرح ويلحقه ضرر باستعمال الماء فإنه يتيمم، وأورد فيه حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما (أن رجلاً كان في سرية وأصابه شجة في رأسه، فسأل أصحابه هل يتيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء) وذلك لأن التيمم إنما جاز عند فقد الماء والماء موجود. قوله: (فاغتسل ومات، فلما بلغ ذلك رسول الله ﵊ قال: قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، إنما شفاء العي السؤال). في هذا دليل على أن الإنسان إذا كان واجداً للماء، ولكن لا يقدر على استعماله أو يلحقه ضرر باستعماله فإنه يكون في حكم غير الواجد للماء، وأن له أن ينتقل إلى التيمم، ولهذا أنكر الرسول ﷺ على هؤلاء الذين قالوا: (لا نجد لك رخصة وأنت تجد الماء وتقدر عليه) مع أن الضرر يلحق به إذا استعمل الماء، وفعلاً لما استعمل الماء مات، فأنكر عليهم الرسول ﷺ وقال: (قتلوه قتلهم الله) يعني: أضاف ﵊ القتل إليهم؛ لأنهم تسببوا في قتله بفتواهم. ومن المعلوم أن إلحاق الضرر بالإنسان وكون الفعل يترتب عليه مضرة قد تؤدي إلى الهلاك هذا خلاف ما تقتضيه الشريعة، والإنسان يصلي على حسب حاله، فإذا كان الإنسان يستطيع استعمال الماء ولا يلحقه ضرر باستعماله فليستعمله، وإن كان يلحقه ضرر باستعماله فإنه يصير إلى التيمم حتى لا يهلك نفسه، وحتى لا يلحق الضرر بنفسه. قوله: (إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر -أو يعصب- على جرحه خرقة ويمسح عليها) يعني: أن يجعل على الجرح جبيرة ويمسح عليها ويغسل الذي هو غير مجروح، والمجروح لا يصب عليه الماء حتى لا يلحقه بوصوله إليه مضرة، ويمسح على ذلك مثلما يمسح على العمامة لأنها مغطية للرأس، ومثلما ويمسح على الخفين لأنهما مغطيان للقدمين، فكذلك هذا الجزء الذي يغطيه الإنسان يمسح عليه، سواء كان في أعضاء الوضوء أو خارج أعضاء الوضوء، بأن يكون مثلاً فيه جبيرة في جنبه أو في ساعده، فإنه يغسل ما كان خارج الجبيرة ويمسح على الجبيرة.

стр. 1188

تراجم رجال إسناد حديث: (إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة) قوله: [حدثنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي]. موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي صدوق يغرب أخرج له أبو داود والنسائي. [حدثنا محمد بن سلمة]. محمد بن سلمة الباهلي الحراني ثقة أخرج له البخاري في جزء القراءة، ومسلم وأصحاب السنن. وهذا غير محمد بن سلمة المرادي الذي مر قريباً؛ لأن محمد بن سلمة المرادي مصري وهو من طبقة شيوخ أبي داود، أما محمد بن سلمة الباهلي الحراني فهو من حران وهو من طبقة شيوخ شيوخه، فإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه أبو داود فهو المصري الذي مر ذكره قريباً، وإذا جاء محمد بن سلمة يروي عنه أبو داود بواسطة فهو الحراني الباهلي. [عن الزبير بن خريق]. الزبير بن خريق لين الحديث أخرج له أبو داود وحده. [عن عطاء]. عطاء بن أبي رباح ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن جابر]. جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما صحابي ابن صحابي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ وهم: أبو هريرة وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد وجابر وأنس بن مالك وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين، ستة رجال وامرأة واحدة. هذا الحديث فيه الزبير بن خريق وهو لين الحديث، لكن التيمم لمن به جرح ويخشى على نفسه الهلاك جاء من طرق أخرى.

стр. 1189

وجه ذكر التيمم والمسح والغسل في الرواية والجمع بينها لا يجمع بين التيمم وبين المسح، بل يكفي المسح عن التيمم؛ لأن التيمم لا يكون إلا عند عدم الإتيان بالاغتسال أو الإتيان بالوضوء، أما إذا أتى المرء بالاغتسال أو الوضوء ومعه المسح فيكون مثل المسح على العمامة أو المسح على الخفين فلا يحتاج إلى تيمم، لكن هذه الرواية فيها الجمع بين التيمم وبين المسح. قوله: [(إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده)]. يعني: هذه الرواية ما جاءت إلا من طريق واحد وفيها ذكر الجمع بين التيمم وبين المسح والشيخ الألباني لما ذكر هذا الحديث قال: إنه حسن إلا من قوله: (إنما كان يكفيه) وما بعده، فإن هذا ليس له شاهد، وأما ما قبله فله شاهد. وعلى هذا يغسل غير المكان المعصوب وغير الجبيرة ويمسح على الجبيرة ولا يتيمم.

стр. 1190

شرح حديث: (أصاب رجلاً جرح في عهد رسول الله ﷺ ثم احتلم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا نصر بن عاصم الأنطاكي، حدثنا محمد بن شعيب، أخبرني الأوزاعي أنه بلغه عن عطاء بن أبي رباح أنه سمع عبد الله بن عباس ﵄ قال: (أصاب رجلاً جرح في عهد رسول الله ﷺ ثم احتلم، فأمر بالاغتسال، فاغتسل فمات، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: قتلوه قتلهم الله! ألم يكن شفاء العي السؤال؟). ]. أورد أبو داود ﵀ حديث ابن عباس وهو مثل حديث جابر المتقدم في قصة الرجل الذي فيه جرح، وأن أصحابه قالوا له: لا نجد لك رخصة في استعمال التيمم مع وجود الماء ثم اغتسل فمات، فالرسول ﷺ قال: [(قتلوه قتلهم الله! إنما شفاء العي السؤال)] يعني: إذا كان الإنسان يجهل الحكم وليس عنده علم فالشفاء من هذا أن يسأل، والطريق للوصول إلى الحق أن يسأل، ولا يفتي بشيء يؤدي إلى الضرر أو يلحق الهلاك بالناس.

стр. 1191

تراجم رجال إسناد حديث: (أصاب رجلاً جرح في عهد رسول الله ﷺ ثم احتلم) قوله: [حدثنا نصر بن عاصم الأنطاكي]. نصر بن عاصم الأنطاكي لين الحديث أخرج له أبو داود وحده. [حدثنا محمد بن شعيب]. وهو صدوق أخرج له أصحاب السنن. [أخبرني الأوزاعي]. الأوزاعي مر ذكره. [أنه بلغه عن عطاء بن أبي رباح]. عطاء بن أبي رباح، مر ذكره، وهذا فيه انقطاع. [عن ابن عباس]. هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي ﵊، وهو أحد العبادلة الأربعة وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﵊. وهذا الحديث من طريق ابن عباس وذاك من طريق جابر وهذا يشهد لذاك.

стр. 1192

المتيمم يجد الماء بعدما يصلي في الوقت

стр. 1193

شرح حديث: (خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في المتيمم يجد الماء بعدما يصلي في الوقت. حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي، أخبرنا عبد الله بن نافع، عن الليث بن سعد، عن بكر بن سوادة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيداً طيباً فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للذي توضأ وأعاد: لك الأجر مرتين)]. قوله: (باب في المتيمم يجد الماء بعدما يصلي في الوقت) يعني: لم يجد الماء وتيمم وصلى ثم وجد الماء بعد الصلاة في الوقت، أما لو وجد الماء بعد خروج الوقت فلا إشكال؛ لأنه صلى الصلاة في وقتها بالتيمم وقد خرج الوقت، ولكن الإشكال فيما إذا كان قد صلى والوقت لا يزال باقياً ووجد الماء، فهل يتوضأ ويعيد الصلاة مادام الوقت لم يخرج، أو أنه أدى ما عليه بكونه فعل الشيء الذي هو واجب عليه؟! وفيه وجوب الصلاة بالتيمم إذا دخل وقتها. قوله: [(خرج رجلان)] أي: من أصحاب رسول الله ﷺ قوله: [(في سفر فتيمما وصليا)] لما دخل الوقت تيمما وصليا، فبعد ذلك وجدا الماء والوقت لا يزال باقياً فاختلفا، واحد منهما أعاد الوضوء والصلاة والثاني لم يعد. وفيه اجتهاد الصحابة ﵃ في زمنه ﷺ عندما تنزل النازلة، مثلما مر في قضية أسيد بن حضير وأصحابه حين صلوا بدون وضوء قبل مشروعية التيمم، وعمار ذهب يتمرغ في التراب وعمر ﵁ لم يصل. فهذان الرجلان أحدهما توضأ وأعاد الصلاة، والثاني لم يعد الصلاة، فلما جاءا الرسول ﷺ وأخبراه بالذي حصل، قال: للذي لم يعد الصلاة: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للذي أعاد الصلاة: لك الأجر مرتين.

стр. 1194

معنى قوله: (أصبت السنة) قوله: [(أصبت السنة)] دليل على أن هذا هو الحق؛ لأن من أصاب السنة فقد أدى ما عليه وفرغ من الصلاة وقد حصلت على وجه مشروع، ووجود الماء بعد ذلك لا يؤثر، لكن بعضهم قال: إن عليه الإعادة، ولكن هذا الحديث يدل على أنه لا إعادة عليه؛ لأن قوله: (أصبت السنة) يعني أن هذا هو الحق. وكذلك قوله: (وأجزأتك صلاتك) يعني: التي صليتها بتيممك ولم تعدها فهي صحيحة، ولأن الآخر ما قال له: أصبت السنة، لكنه قال: (لك الأجر مرتين)؛ لأنه يجزى إذ صلى صلاتين، وهذا في زمن التشريع، لكن الآن بعدما عرف الدليل عن رسول الله ﷺ في قوله للذي لم يعد الصلاة: (أصبت السنة) على الإنسان أن يصلي بالتيمم ثم بعد ذلك إذا وجد الماء فلا يتوضأ ويصلي الصلاة من جديد؛ لأنه مثل الإنسان الذي كان مسافراً وقصر الصلاة ولما وصل إلى بلده كان قد أدى الصلاة مقصورة، فلا يجب عليه أن يصلي مرة ثانية؛ لأنه أدى ما عليه في حال سائغ له أن يصلي فيه.

стр. 1195

حكم من صلى بالتيمم ووجد الماء قبل إتمام الصلاة أما من كان في الصلاة ووجد الماء فقال بعض أهل العلم: إنه يخرج من الصلاة ويتوضأ ويصلي، وبعضهم قال: يستمر، لكن الذي يظهر أنه يخرج من الصلاة ويتوضأ؛ لأنه وجد الماء قبل أدائها وقبل إتمامها، فإذاً: يرجع إلى الأصل، وأما الذي فرغ منها وانتهى فهو الذي قال فيه الرسول ﵊: (أصبت السنة).
следующие страницы →