← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 12216–12255 · переход к 12221.

стр. 12216

تراجم رجال إسناد حديث: (إذا تدارأتم في طريق فاجعلوه سبعة أذرع) قوله: [حدثنا مسلم بن إبراهيم]. هو مسلم بن إبراهيم الفراهيدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا المثنى بن سعيد]. هو المثنى بن سعيد القسام ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا قتادة]. هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن بشير بن كعب العدوي]. بشير بن كعب العدوي وهو ثقة، أخرج له البخاري ومسلم في المقدمة وأصحاب السنن. [عن أبي هريرة]. هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق.

стр. 12217

شرح حديث: (إذا استأذن أحدكم أخاه أن يغرز خشبة في جداره فلا يمنعه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد وابن أبي خلف قالا: حدثنا سفيان عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إذا استأذن أحدكم أخاه أن يغرز خشبة في جداره فلا يمنعه، فنكسوا، فقال: مالي أراكم قد أعرضتم؟! لألقينها بين أكتافكم). قال أبو داود: وهذا حديث ابن أبي خلف وهو أتم]. أورد أبو داود حديث أبي هريرة وهو في موضوع آخر؛ لأن ذاك يتعلق بالطريق، وعرض الطريق وسعة الطريق، وأما هذا فيتعلق بالتعامل بين الجيران، وأن الواحد إذا احتاج إلى أن يضع خشبته فوق جدار جاره، فإنه لا يرده ولا يمنعه، وهذا فيما إذا كان الجدار يتحمل، وأما إذا كان الجدار فيه خلل، أو فيه شقوق، ولو أضيف إليه شيء لسقط، فإنه لا يعمل شيئاً يؤدي إلى سقوطه. فالحاصل أن الجدار الذي يكون بين الجيران، وكان الذي بناه أول الجارين، وجاء الجار الثاني، فإنه إن احتاج إلى أن يضع خشبة عليه فإنه يفعل، وعلى جاره أن يمكنه ولا يمنعه من ذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: (إذا استأذن أحدكم أخاه أن يغرز خشبة في جداره فلا يمنعه)]. قوله: [(فنكسوا)] يعني: كأنه حصل منهم عدم الرضا بهذا أو بعضهم، فقال: [(ما لي أراكم قد أعرضتم؟! لألقينها بين أكتافكم)] يعني: لأرمين بهذه الحجة وبهذه السنة بين أكتافكم، وأنه يبلغهم إياها، ويصدع بها، وقيل: إن المقصود من ذلك أنه كان أميراً على المدينة فأراد أن يلزمهم بها، يعني: بدل أن يجعلها في الجدار يجعلها على أكتافهم، مبالغة في إلزامهم بهذا الشيء الذي أخبر به رسول الله ﷺ .

стр. 12218

تراجم رجال إسناد حديث: (إذا استأذن أحدكم أخاه أن يغرز خشبة في جداره فلا يمنعه) قوله: [حدثنا مسدد]. هو مسدد بن مسرهد البصري ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. [وابن أبي خلف]. هو محمد بن أحمد بن أبي خلف وهو ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود. [حدثنا سفيان]. هو سفيان بن عيينة المكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الزهري]. هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الأعرج]. هو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج المدني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة]. قد مر ذكره. [قال أبو داود: وهذا حديث ابن أبي خلف وهو أتم]. ابن أبي خلف هو الشيخ الثاني وحديثه أتم من حديث مسدد، فـ أبو داود لم يسق لفظ مسدد وإنما ساق لفظ محمد بن أبي خلف؛ لأنه أتم.

стр. 12219

شرح حديث: (من ضار أضر الله به ومن شاق شاق الله عليه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن يحيى عن محمد بن يحيى بن حبان عن لؤلؤة عن أبي صرمة ﵁، قال غير قتيبة في هذا الحديث: عن أبي صرمة صاحب النبي ﷺ عن النبي ﵌ أنه قال: (من ضار أضر الله به، ومن شاقّ شاق الله عليه)]. أورد أبو داود حديث أبي صرمة صاحب رسول الله ﷺ : [(من ضار أضر الله به، ومن شاق شاق الله عليه)] والمقصود أن الجزاء من جنس العمل، فإذا كان العمل فيه ضرراً بالغير، فالجزاء أن يحصل له الضرر من الله، وكذلك إذا كان فيه مشقة على غيره منه فيكون الجزاء أن يحصل له مشقة من الله ، وقد جاءت أحاديث بمعناه مثل حديث: (لا ضرر ولا ضرار) وكذلك حديث: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه).

стр. 12220

تراجم رجال إسناد حديث: (من ضار أضر الله به ومن شاق شاق الله عليه) قوله: [حدثنا قتيبة بن سعيد]. هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا الليث]. هو الليث بن سعد المصري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن يحيى]. هو يحيى بن سعيد الأنصاري المدني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن محمد بن يحيى بن حبان]. محمد بن يحيى بن حبان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن لؤلؤة]. لؤلؤة هي مولاة الأنصار وهي مقبولة، أخرج لها البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود والترمذي وابن ماجة. [عن أبي صرمة]. أبو صرمة صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن. والحديث فيه هذه المرأة المقبولة أو المجهولة؛ لأنه ما روى عنها إلا محمد بن يحيى بن حبان، ولكن الحديث له شواهد، مثل حديث: (لا ضرر ولا ضرار)، وحديث: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به، ومن شق عليهم فاشقق عليه) وكذلك أيضاً لفظ الحديث جاء من طريق أخرى.

стр. 12221

شرح حديث سمرة أنه كان له نخل في حائط أنصاري فأبى أن يبيعه أو يناقله أو يهبه قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا سليمان بن داود العتكي حدثنا حماد حدثنا واصل مولى أبي عيينة قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي يحدث عن سمرة بن جندب ﵁: (أنه كانت له عضد من نخل في حائط رجل من الأنصار، قال: ومع الرجل أهله، قال: فكان سمرة يدخل إلى نخله فيتأذى به ويشق عليه، فطلب إليه أن يبيعه فأبى، فطلب إليه أن يناقله فأبى، فأتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذكر ذلك له، فطلب إليه النبي ﵌ أن يبيعه فأبى، فطلب إليه أن يناقله فأبى، قال: فهبه له ولك كذا وكذا، أمراً رغبه فيه فأبى، فقال: أنت مضار، فقال رسول الله ﵌ للأنصاري: اذهب فاقلع نخله)]. أورد أبو داود حديث سمرة بن جندب أنه كان له نخل عند رجل من الأنصار، وأن ذلك الأنصاري عنده أهله، فكان يأتي نخله فيكون في ذلك مضايقة لهم، فأرادوا أن يتخلصوا من هذا الدخول والخروج، فطلب الأنصاري منه أن يبيع هذه النخلة أو النخلات فأبى، فطلب منه أن يناقله وأن يبادله عنها في مكان آخر غير البستان هذا فأبى، فجاء الأنصاري إلى الرسول ﷺ يشتكي، فعرض الرسول ﷺ على سمرة مثل ما عرض عليه الأنصاري فأبى، ثم قال له هبها للأنصاري ورغبة في ذلك فأبى، فقال له: [(أنت مضار، فقال للأنصاري: اذهب فاقلع نخله)]. قوله: [(كانت له عضد)] يعني: مجموعة من النخل متصلة. وهذا الحديث غير صحيح وغير ثابت؛ لأن فيه انقطاعاً بين أبي جعفر محمد بن علي وبين سمرة بن جندب، ثم أيضاً فيه نكارة من حيث كونه يقلع النخل ويتلف المال على صاحبه دون أن يستفيد منه صاحبه، وكان يمكن أن يلزم بأمر آخر غير أن يضيع عليه حقه، ثم من جهة أخرى كون هذا الصحابي يكون بهذه الصفة التي فيها الشدة والتعنت، وكونه يعرض عليه كل شيء فيأبى؛ فهذا لا يليق بأصحاب رسول الله ﷺ ، فيكون هذا فيه شيء من النكارة. إذاً: الحديث من حيث الإسناد غير ثابت، ومن حيث المتن أيضاً فيه هذه النكارة، من ناحية كون النخل يقطع ويتلف ولا يستفيد منه صاحبه بشيء، ومن جهة أن هذا الصحابي يكون بهذا الوصف الذي جاء في هذا الحديث كلما يعرض عليه يأبى.

стр. 12222

تراجم رجال إسناد حديث سمرة أنه كان له نخل في حائط أنصاري فأبى أن يبيعه أو يناقله أو يهبه قوله: [حدثنا سليمان بن داود العتكي]. هو سليمان بن داود العتكي أبو الربيع الزهراني وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. [حدثنا حماد]. هو حماد بن زيد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا واصل مولى أبي عيينة]. واصل مولى أبي عيينة هو صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة. [قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي]. أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سمرة بن جندب]. سمرة بن جندب ﵁ صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

стр. 12223

شرح حديث مخاصمة رجل من الأنصار للزبير في شراج الحرة قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا الليث عن الزهري عن عروة أن عبد الله بن الزبير ﵄ حدثه: (أن رجلاً خاصم الزبير في شراج الحرة التي يسقون بها، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليه الزبير، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم للزبير: اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك، قال: فغضب الأنصاري فقال: يا رسول الله إن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال: اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، فقال الزبير: فو الله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء:٦٥] الآية)]. أورد أبو داود حديث عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما: أن أباه الزبير خاصمه رجل من الأنصار في شراج الحرة، والشراج هو المسيل أو السيل الذي يأتي من الحرة إلى البساتين، وبستان الزبير هو الأعلى، وبستان الأنصاري وراءه، ومعلوم أن الأعلى يشرب ثم يشرب الذي وراءه، ولكن الأعلى لا يحبس الماء عن جاره، بحيث يجعله في بستانه وحده دون أن يستفيد جاره، بل يستفيد ويفيد، فيستفيد هو ويرسل على غيره، فخاصم ذلك الأنصاري الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه فقال له الرسول ﷺ : [(اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك، قال: فغضب الأنصاري فقال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك؟)] يعني: تقول هذا الكلام له؛ لأنه ابن عمتك؛ لأن الزبير أمه هي صفية بنت عبد المطلب وهي عمة الرسول ﷺ ، وهي التي ناداها النبي ﷺ لما نزلت ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] فقال: (يا عباس يا صفية عمة رسول الله يا فاطمة بنت محمد). [(فقال الأنصاري: يا رسول الله أن كان ابن عمتك)] يعني: تقول له هذا الكلام وتجعله يسقي، وهذا كلام فيه جفاء وفيه سوء أدب مع الرسول ﷺ ، فقال الرسول ﷺ : (اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر). قيل: إن الحكم الأول كان فيه إرفاق بالشخص، وليس هو الحكم الذي يجب أن يكون عليه العمل، وإنما أراد من الزبير أن يحسن إلى الجار بأن يحصل منه أي سقي ثم بعد ذلك يرسل إلى جاره. قوله: [(اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر)]. يعني: حتى يصل الماء إلى الجدران أو أسفل الجدار، بحيث تمتلئ المزرعة ويصل الماء إلى أسفل الجدار، الذي هو سور المزرعة أو سور البستان. قوله: [(فقال الزبير: فوالله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء:٦٥]]. يجوز أن يكون ذلك الشخص من المنافقين؛ لأن النفاق إنما هو في الأنصار، وليس في المهاجرين؛ لأن المهاجرين ليس فيهم نفاق، وإنما النفاق حصل في الأنصار؛ لأنه لما ظهر الإسلام وقويت شوكة المسلمين، وكان في المدينة من لم يصل الإيمان إلى قلوبهم، أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، فيجوز أن يكون هذا الشخص الذي قال هذا الكلام من المنافقين، ويجوز أن يكون من غير المنافقين، ولكنه حصل منه هذا الجفاء الذي هو في غاية السوء. وكما هو معلوم أن النفاق إنما هو في الأنصار؛ لأن الإسلام ظهر في المدينة، فالذي عنده شر وعنده خبث أظهر الإيمان وأبطن الكفر؛ حتى يعيش مع الناس، وحتى يكون مع الناس وهو منطو على شر، وأما المهاجرون فليس فيهم منافق؛ لأن الإنسان الكافر من أهل مكة لا يحتاج أن يأتي إلى المدينة وعنده كفر، وإنما يبقى في مكة مع الكفار، ولكن المهاجرون خرجوا من أجل نصرة الرسول ﷺ ، كما قال الله : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر:٨]. فالمهاجرون عندهم الهجرة والنصرة، ولهذا كانوا أفضل من الأنصار؛ لأن عندهم ما عند الأنصار وهو النصرة، وعندهم ما ليس عند الأنصار وهو الهجرة.

стр. 12224

تراجم رجال إسناد حديث مخاصمة رجل من الأنصار للزبير في شراج الحرة قوله: [حدثنا أبو الوليد الطيالسي]. هو هشام بن عبد الملك ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا الليث]. هو الليث بن سعد المصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الزهري]. الزهري مر ذكره. [عن عروة]. هو عروة بن الزبير بن العوام ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أن عبد الله بن الزبير حدثه]. عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما صاحب رسول الله ﷺ صحابي ابن صحابي، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وهم: عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عن الجميع، وهؤلاء العبادلة الأربعة صحابة أبناء صحابة، وابن الزبير أول مولود ولد بعد الهجرة؛ لأنه ولد والناس في قباء قبل أن يدخل النبي ﷺ من قباء إلى المدينة، وحنكه النبي ﷺ .

стр. 12225

شرح حديث: (أن رسول الله قضى في السيل المهزور أن يمسك حتى يبلغ الكعبين) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة عن الوليد -يعني ابن كثير - عن أبي مالك بن ثعلبة عن أبيه ثعلبة بن أبي مالك: (أنه سمع كبراءهم يذكرون أن رجلاً من قريش كان له سهم في بني قريظة، فخاصم إلى رسول الله ﵌ في مهزور يعني: السيل الذي يقتسمون ماءه، فقضى بينهم رسول الله ﵌ أن الماء إلى الكعبين لا يحبس الأعلى على الأسفل). حدثنا أحمد بن عبدة حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن حدثني أبي عبد الرحمن بن الحارث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله: (أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قضى في السيل المهزور أن يمسك حتى يبلغ الكعبين، ثم يرسل الأعلى على الأسفل)]. أورد أبو داود حديث ثعلبة بن أبي مالك عن كبرائهم، وهذا فيه إرسال، ولكن الحديث الثاني متصل، وهو حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وكل منهما يشهد للآخر، وفيهما أن النبي ﷺ لما تخاصموا في مهزور، وهو المسيل المشترك، جعل من كان في الأعلى يسقي الأول ثم يسقي من كان في الأسفل. وفيهما: أن النبي ﷺ حكم بأنه يحبس الماء حتى يصل إلى الكعبين، أي إذا وقف الإنسان وكانت الأرض مستوية، ثم يوصله إلى جاره. قوله: [(لا يحبس الأعلى على الأسف)] يعني: لا يحول بينه وبين الماء، وإنما يمسك حتى يصل إلى الكعبين ثم يرسله للأسفل.

стр. 12226

تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله قضى في السيل المهزور أن يمسك حتى يبلغ الكعبين) قوله: [حدثنا محمد بن العلاء]. هو محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا أبو أسامة]. هو حماد بن أسامة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الوليد يعني ابن كثير]. الوليد بن كثير وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي مالك بن ثعلبة]. أبو مالك بن ثعلبة وهو مقبول، أخرج له أبو داود. [عن أبيه ثعلبة بن أبي مالك]. ثعلبة بن أبي مالك وهو مختلف في صحبته، وقال العجلي: تابعي ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود وابن ماجة. [أنه سمع كبراءهم]. فيه جهالة، لكن الحديث الذي بعده معلوم الاتصال، وممكن أن يكون كبراؤهم هم الصحابة. [حدثنا أحمد بن عبدة]. هو أحمد بن عبدة الضبي ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن]. المغيرة بن عبد الرحمن صدوق يهم، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة. [حدثني أبي عبد الرحمن بن الحارث]. عبد الرحمن بن الحارث وهو صدوق له أوهام، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن. [عن عمرو بن شعيب]. عمرو بن شعيب وهو صدوق، أخرج له البخاري في جزء القراءة، وأصحاب السنن. [عن أبيه]. هو شعيب بن محمد وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد وجزء القراءة وأصحاب السنن. [عن جده]. هو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 12227

شرح حديث: (اختصم إلى رسول الله رجلان في حريم نخلة فأمر بها فذرعت) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمود بن خالد أن محمد بن عثمان حدثهم حدثنا عبد العزيز بن محمد عن أبي طوالة وعمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (اختصم إلى رسول الله ﵌ رجلان في حريم نخلة، في حديث أحدهما: فأمر بها فذرعت، فوجدت سبعة أذرع، وفي حديث الآخر: فوجدت خمسة أذرع، فقضى بذلك، قال عبد العزيز: فأمر بجريدة من جريدها فذرعت)]. أورد أبو داود حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجلين اختصما في حريم نخلة، الحريم: هو ما تستحقه النخلة من الأرض التي تكون حولها لصاحبها، بحيث يكون ما وراءها لا يملكه، فإذا كان له نخلة في أرض، فإنه لا يملك ما يشاء حول هذه النخلة، وإنما يملك ما يتخذ من الأرض تابعاً لها، وذلك بأن يكون على مقدار عسيبها وجريدها، بأن تؤخذ جريدة منها ثم تجعل في ساقها وتمتد إلى نهاية تلك الجريدة، فيكون ذلك الحد مستديراً من جميع الجهات، هذا هو حريم النخلة، أي: يكون تابعاً لها، والذي يملك النخل يملك هذه الأرض التي بهذا المقدار.

стр. 12228

تراجم رجال إسناد حديث: (اختصم إلى رسول الله رجلان في حريم نخلة فأمر بها فذرعت) قوله: [حدثنا محمود بن خالد]. هو محمود بن خالد الدمشقي ثقة، أخرج حديثه أبو داود والنسائي. [أن محمد بن عثمان]. هو محمد بن عثمان أبو الجماهر وهو ثقة، أخرج له أبو داود وابن ماجة. [حدثنا عبد العزيز بن محمد]. هو عبد العزيز بن محمد الدراوردي صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي طوالة]. هو عبد الله بن عبد الرحمن وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [وعمرو بن يحيى]. هو عمرو بن يحيى المازني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبيه]. هو يحيى بن عمارة المازني وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي سعيد الخدري]. هو سعد بن مالك بن سنان الخدري صاحب رسول الله ﷺ ، وهو مشهور بكنيته ونسبته، كنيته أبو سعيد ونسبته الخدري، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 12229

الأسئلة

стр. 12230

الجمع بين قول أحد الرواة: (فذرعت فوجدت سبعة أذرع) وقول الآخر: (فوجدت خمسة أذرع) السؤال في حديث أبي سعيد الأخير قال أحدهما: (فأمر بها فذرعت فوجدت سبعة أذرع)، وقال الآخر: (فوجدت خمسة أذرع) فكيف الجمع بين القولين؟ الجواب يحتمل أن يكون العسيب طويلاً وأنه يبلغ هذا، أو أنها هي نفسها النخلة ذرع ساقها، والسبعة أذرع هي بمقدار ثلاثة أمتار ونصف.

стр. 12231

وجه تقدير بعض العلماء لحريم النخلة على حسب طولها السؤال لماذا قدر بعض العلماء أن حريم النخلة يكون على حسب طولها؟ الجواب هذا غير واضح؛ لأنها قد تكون غير باسقة (طويلة) وما يستفاد منها يسقط.

стр. 12232

وجه قياس حريم الأشجار على حريم النخلة السؤال هل يقاس حريم الأشجار الأخرى على حريم النخلة؟ الجواب نعم، غير النخلة كذلك أيضاً لها حمى، ومعلوم أن أغصانها تنتشر يميناً ويساراً، فالذي يصل إليه الأغصان يعتبر حريماً لها.

стр. 12233

حكم الخروج من المسجد بعد الأذان السؤال بعض الإخوة يخرجون من المسجد بعد الأذان فهل من تنبيه؟ الجواب الأولى للإنسان أن يخرج من الإشكال، وذلك بأن يخرج قبل الأذان إذا كان يريد أن يخرج من المسجد، وأما إذا كان الخروج لأمر ثم يرجع كالخروج للوضوء مثلاً فلا بأس.

стр. 12234

شرح سنن أبي داود [٤١٢] إن العلم الشرعي فضله عظيم ومنزلته رفيعة، وقد جاء في فضله آيات وأحاديث كثيرة، ولو لم يكن من فضله إلا أنه طريق من طرق الجنة لكفى؛ لذلك يجب على المسلمين والمسلمات أن يتعلموا أمور دينهم الواجبة؛ حتى يعبدوا الله على علم وبصيرة.

стр. 12235

الحث على طلب العلم

стр. 12236

شرح حديث (من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب العلم. باب الحث على طلب العلم. حدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا عبد الله بن داود سمعت عاصم بن رجاء بن حيوة يحدث عن داود بن جميل عن كثير بن قيس أنه قال: كنت جالساً مع أبي الدرداء ﵁ في مسجد دمشق، فجاءه رجل فقال: يا أبا الدرداء! إني جئتك من مدينة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لحديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ما جئت لحاجة، قال: فإني سمعت رسول الله ﵌ يقول: (من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر)]. أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: كتاب العلم، والعلم الذي يأتي مدحه والثناء عليه في الكتاب والسنة، وكذلك العلماء الذي يأتي الثناء عليهم في الكتاب والسنة، المقصود بذلك: العلم الشرعي، وعلماء الشريعة، والعلم الشرعي هو: علم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وما كان عليه سلف هذه الأمة، هذا هو العلم المحمود الممدوح الذي أُثني عليه وعلى أهله في كتاب الله وسنة نبيه محمد صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. وقد بدأ أبو داود في هذا بباب الحث على طلب العلم، يعني: الترغيب فيه، وأورد فيه حديث أبي الدرداء ﵁، وهو مشتمل على خمس جمل، وكل جملة من هذه الجمل الخمس تدل على فضل العلم الشرعي وفضل أهله. أول هذه الجمل قوله: (من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة) وهذا فيه أن الجزاء من جنس العمل، فكما أن الإنسان سلك طريقاً للعلم فجزاؤه أنه يُسهل له طريق الجنة، والجزاء من جنس العمل، فالعمل هو: سلوك طريق يوصل إلى العلم، والجزاء هو: تسهيل وتيسير طريق يوصل إلى الجنة، فهذا يدل على فضل العلم، وأن شأنه عظيم، وفضله كبير، وأن من سلك الطريقة الموصلة إلى العلم فإنه يجازى على ذلك بأن ييسر له الطريق والسبيل التي توصله إلى الجنة، هذه هي الجملة الأولى من الجمل الخمس. الجملة الثانية: (وإن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم)، ووضع أجنحة الملائكة لطالب العلم قيل: هو كونها تتواضع له وتخضع، وتحرص على أن تحيط وتحضر تلك المجالس الخيرة الطيبة، فإن المجالس التي تحضرها الملائكة هي مجالس العلم. وقيل: معنى وضع أجنحتها: أنها تنتهي من طيرانها وسيرها وتقف عنده، وتحضر ذلك المجلس الذي هو مجلس الذكر ومجلس العلم، وهذا يدل على فضل العلم، وفضل أهله، وفضل مجالس العلم. الجملة الثالثة: (وإن العالم يستغفر له من في السماوات والأرض حتى الحيتان في الماء) وهذا شيء عظيم، فكون هذه المخلوقات الكثيرة العلوية والسفلية، السماء بما فيها من ملائكة، والأرض وما فيها من دواب وحيوانات في البر والبحر؛ كلها تستغفر لطالب العلم، هذا شيء عظيم! فهذا شأن العوالم الكثيرة والخلائق الكثيرة في السماوات وفي الأرض مع طالب العلم، حيث تستغفر له وتدعو له، وهذا شرف عظيم. والسماء فيها ملائكة لا يحصيهم إلا الله ؛ فإن البيت المعمور -وهو في السماء السابعة محاذ للكعبة ولو سقط لسقط عليها- يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة، ومن دخله لا يعود إليه مرة أخرى، وهذا يدل على كثرتهم، وأنهم خلق كثير، وكل هؤلاء يستغفرون لطالب العلم، ويدعون لطالب العلم! فهذا شرف وفضل كبير من الله للمشتغل بعلم الشريعة علم الكتاب والسنة، علم (قال الله وقال رسوله وقال الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم). وقيل: إن هذه الدواب تستغفر لطالب العلم؛ لأنه يشتغل بشيء يعود عليها نفعه، ويعود عليها فائدته؛ وذلك أن العلم الشرعي فيه الرفق بهذه الحيوانات وهذه الدواب، وكذلك الحث على الإنفاق عليها ممن يكون مالكاً لها، فيصل إليها نفع العالم ونفع طالب العلم؛ لأنه يظهر الشيء الذي يعم نفعه حتى يصل إلى هذه الدواب، وهذه المخلوقات. الجملة الرابعة: (وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب) يعني: كفضل القمر في وقت الإبدار الذي هو ليلة أربع عشرة، وخمس عشرة، والكواكب لها ضوء ولكنه ضعيف أمام ضوء القمر، فالفرق بين العالم والعابد أن العالم شأنه كشأن القمر، والعابد شأنه كشأن الكواكب، وذلك أن العابد نفعه مقصور عليه لا يتعداه إلى غيره، فالذي يصلي ويكثر من الصلاة فصلاته له، ولا أحد يشاركه في صلاته، لكن الذي يشتغل بالعلم ويتعلم ويعلم ويرشد ويوجه ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فعلمه له ولغيره، فالصلاة للمصلي وحده، والعلم لصاحب العلم ولغير صاحب العلم، فنفعه متعدٍ، فالصلاة أو العبادة نفعها قاصر على صاحبها؛ ولهذا كان فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب. الجملة الخامسة: (وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر) فشرف عظيم للعلماء أن يقال: إنهم ورثة الأنبياء، وأن يوصفوا بأنهم وارثو الأنبياء، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يورث عنهم المال، ولم يرسلوا لجمع المال، وتركه لأقاربهم الوارثين، بل المال لا يورث عنهم، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث؛ ما تركناه صدقة). إذاً: فميراثهم واسع ومبذول لكل أحد، وليس للأقارب دون غيرهم، ولا لأحد دون أحد، وإنما هو لكل أحد مبذول، ومن أراد أن يحصل العلم فالباب مفتوح، والطريق سالك، فما عليه إلا أن يقدم ويحرص على أن يحصل على نصيب من هذا الميراث الذي هو ميراث النبوة؛ ولهذا كان العلماء ورثة الأنبياء؛ لأن الأنبياء جاءوا بالعلم النافع، والعلماء هم الذين يرثونهم ويتلقون ذلك الميراث، ويحافظون عليه، ويعنون به، وينشرونه ويبذلونه ويعملون بما فيه، ويدعون الناس إلى العمل بما فيه، هذا هو شأن العلماء. إذاً: فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ليس ميراثهم لأقاربهم، وإنما هو عام لكل أحد؛ لأن المال لا يورث عنهم، وإنما يورث عنهم العلم، ويورث عنهم الحق والهدى، هذا هو ميراثهم، وهو مبذول لكل أحد، وبابه مفتوح لكل أحد، ولا يختص به أحد دون أحد، ولذا قال ﵊: (وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وانما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر). والحاصل: أن هذا حديث عظيم اشتمل على خمس جمل كل واحدة منها تدل على فضل العلم وأهل العلم.

стр. 12237

تراجم رجال إسناد حديث (من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة) قوله: [حدثنا مسدد بن مسرهد]. مسدد بن مسرهد البصري ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. [حدثنا عبد الله بن داود]. عبد الله بن داود الخريبي ثقة، أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن. [سمعت عاصم بن رجاء بن حيوة]. عاصم بن رجاء بن حيوة صدوق يهم، أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة. [عن داود بن جميل]. داود بن جميل ضعيف، أخرج له أبو داود وابن ماجة. [عن كثير بن قيس]. كثير بن قيس ضعيف، أخرج له أبو داود وابن ماجة. [قال: كنت جالساً مع أبي الدرداء] أبو الدرداء عويمر بن زيد رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله ﷺ ، مشهور بكنيته أبي الدرداء، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

стр. 12238

طريق أخرى لحديث (من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة) وتراجم رجالها قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي حدثنا الوليد قال: لقيت شبيب بن شيبة فحدثني به عن عثمان بن أبي سودة عن أبي الدرداء. يعني: عن النبي ﷺ بمعناه]. أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى وأحال على الأولى بقوله: بمعناه، أي: بمعنى اللفظ الأول، وبمعنى: الحديث الأول الذي جاء من الطريق الأولى. قوله: [حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي]. محمد بن الوزير الدمشقي ثقة، أخرج له أبو داود. [حدثنا الوليد]. الوليد هو ابن مسلم الدمشقي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [قال: لقيت شبيب بن شيبة]. شبيب بن شيبة مجهول، وقيل: إن الصواب هو شعيب بن رزيق وهو صدوق يخطئ، أخرج له أبو داود في القدر والترمذي. [فحدثني به عن عثمان بن أبي سودة]. عثمان بن أبي سودة ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجة. [عن أبي الدرداء]. أبو الدرداء ﵁ تقدم ذكره. الحديث في إسناده الأول رجلان مجهولان، وفي إسناده الثاني راو فيه كلام، والحديث حسنه الألباني، وقال: إن الطريق الثانية حسنة. والحديث هذا شرحه الحافظ ابن رجب في جزء لطيف على طريقة الحافظ ابن رجب ﵀ في الأجزاء الحديثية، حيث يروي فيها الآثار عن السلف من الصحابة ومن بعدهم، ومن الأجزاء الحديثية التي شرح فيها بعض الأحاديث هذا الحديث الذي هو حديث أبي الدرداء في طلب العلم، وبعض الجمل من هذا الحديث جاءت في أحاديث أخرى، فالجملة الأولى جاءت في حديث أبي هريرة الذي سيأتي وهو في صحيح مسلم، وكذلك بعض الجمل فيه جاءت متفرقة في بعض الأحاديث عن رسول الله ﷺ .

стр. 12239

استغفار جميع الكائنات البحرية وغيرها لطالب العلم وأما هل الحيتان هي التي تستغفر فقط أم جميع الكائنات التي في البحر؟ ف الجواب أن حيوانات البر والبحر والعوالم التي في السماء وهم الملائكة يستغفرون لطالب العلم؛ لقوله: (يستغفر له من في السماوات والأرض حتى الحيتان في الماء).

стр. 12240

سبب ذكر القمر دون الشمس وأما سبب ذكر القمر مع أن الشمس أنفع للناس فهو أن القمر يهتدى به في الظلام، والنجوم يهتدى بها، ولكن الاهتداء بالنجوم هو دون الاهتداء بالقمر، وذكر القمر والنجوم لأنها هي التي تكون في الليل والناس يستفيدون منها في الظلام، وهذا يعني أن ظلمات الجهل تبدد بنور وضياء العلم. وهذا فيه فضل العالم، ويدخل فيه فضل طالب العلم؛ لقوله: (وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم)، فطالب العلم مشتغل بالوصول إلى هذه الغاية، ولا شك أن له نصيباً من هذا الثواب والفضل.

стр. 12241

فضل الرحلة في طلب العلم قوله: [عن كثير بن قيس أنه قال: كنت جالساً مع أبي الدرداء في مسجد دمشق، فجاءه رجل فقال: يا أبا الدرداء! إني جئتك من مدينة الرسول ﷺ لحديث بلغني أنك تحدثه]. هذا يدل على فضل الرحلة في طلب العلم، وعلى أنهم كانوا يرتحلون ويتحملون المشاق في سبيل الحصول على حديث واحد، والسفر في ذلك الوقت شاق ومتعب؛ لأنهم كانوا يسافرون على الدواب وعلى الجمال، ويمكثون الأشهر والمدد الطويلة مع التعب والنصب والمشقة، فكانوا يرتحلون من أجل الحصول على حديث واحد يذكر لهم أنه عند أحد في بلد من البلدان؛ ولهذا كانت الرحلة في طلب الحديث معروفة مشهورة، وفي تراجم الرجال يقال: رحل إلى الشام وإلى العراق وإلى مصر وإلى الحجاز وإلى اليمن، وكل ذلك بعدما يأخذ حديث أهل بلده ويتعلم على من في بلده، ثم بعد ذلك يبحث عن المزيد فيرتحل إلى مختلف الأقطار، وقد تكون الرحلة في حديث واحد كما في هذا الحديث الذي هنا وفيه: أن رجلاً جاء من مدينة الرسول ﷺ إلى الشام من أجل حديث واحد بلغه أنه عند أبي الدرداء، وقد قيل: إن تحديث أبي الدرداء بهذا الحديث يحتمل أن يكون هذا الحديث هو الذي كان عنده، والذي كان يقصده الناس من أجله، ويحتمل أن يكون إنما أورده لبيان فضل الاشتغال بطلب العلم، والعناية به، والاهتمام به وتحمل المشاق في سبيل الوصول إليهِ، وكما هو معلوم العلم لا يحصل إلا بالتعب والنصب والمشقة، والعلماء السابقون الذين خلد الله ذكرهم، وبقي الثناء الجميل عليهم إنما كان ذلك نتيجة للجهود العظيمة التي بذلوها في سبيل تحصيل العلم وبذله ونشره، فحصل لهم ذلك الشرف بسبب التعب والنصب والمشقة. والحاصل: أن هذا يدل على الرحلة في طلب الحديث، وأن الواحد كان يرحل من أجل الحديث الواحد.

стр. 12242

حكم تسمية مدينة الرسول ﷺ بالمدينة المنورة وقوله: [إني جئتك من مدينة الرسول ﷺ ] قد يقول قائل: هل في هذا دلالة على أن تسميتها بالمدينة المنورة خطأ؟ و الجواب أن وصف المدينة بالمنورة إنما حصل في أزمان متأخرة، ومعناه: أنها نورت ببعثة الرسول ﷺ ، وحصل الإشعاع والنور والضياء الذي انتشر وظهر منها، ومعلوم أن هذا شيء حادث، ولكن هذه التسمية إنما جاءت في زمن متأخر، وفي القرآن وفي السنة إنما يأتي ذكرها بلفظ المدينة، بدون وصف، يعني: أن الآيات من كتاب الله والأحاديث من سنة رسول الله ﷺ ، وكذلك في كلام المتقدمين إنما يأتي ذكرها بلفظ المدينة، والمدينة قيل: إنها علم بالغلبة؛ لأنه غلب على مدينة الرسول ﷺ ، وإن كانت المدينة تطلق على المدن، فكل مدينة يقال لها: مدينة، أي: أن هناك مدناً وقرى، ولكن هذا اللفظ عند الإطلاق ينصرف إلى مدينة الرسول ﷺ ؛ ولهذا يقول ابن مالك في الألفية في باب الإضافة: وقد يصير علماً بالغلبة مضاف أو مصحوب أل كالعقبة والعقبة مثل المدينة، ومثل الكتاب لـ سيبويه عند النحويين، فعندما يقال: الكتاب ينصرف إلى كتاب سيبويه، والمدينة تنصرف إلى مدينة الرسول ﷺ ، هذا عند الإطلاق؛ ولهذا في شرح هذا البيت من ألفية ابن مالك يقول ابن عقيل في شرحه: إن من الأعلام ما يكون علماً بغلبة الإطلاق مثل المدينة ومثل الكتاب؛ فإن لفظ المدينة إذا جاء ينصرف إلى مدينة الرسول ﷺ وإن كان عاماً في كل مدينة، لكنه عند الإطلاق ينصرف إلى مدينة الرسول ﷺ ، والكتاب الذي هو كتاب سيبويه ينصرف إلى كتاب سيبويه، وإن كان الكتاب يطلق وينطبق على كل كتاب. الحاصل: أن المعروف في نصوص الكتاب والسنة وكذلك في كلام المتقدمين أنهم يقولون: المدينة فقط، ثم جاء في أزمان بعد ذلك في القرن الثامن في كتب ابن كثير وكتب الحافظ ابن حجر أنهم يقولون: المدينة النبوية، وهذا موجود في فتح الباري في مواضع عديدة، وموجود في تفسير ابن كثير وموجود في البداية والنهاية لـ ابن كثير عندما يأتي ذكر المدينة يقول: المدينة النبوية، ثم في الأزمان المتأخرة قيل: المدينة المنورة، وعلى كل الأمر في ذلك واسع، لكن كونه لا يطلق عليها إلا المدينة المنورة، وإذا ذكرت بغير المنورة بأن قيل: المدينة فقط، أو قيل: المدينة النبوية يستنكر ذلك، فهذا أمر منكر، فكما ذكرت الأمر في ذلك واسع، فهي لا شك أنها المدينة النبوية، وهي المدينة، وهي مدينة منورة بالحق والهدى، وظهور النور والهدى كان من هذه المدينة؛ لأنه شع منها النور، وانطلق منها الهداة المصلحون إلى سائر أقطار الأرض، ولكن كونه يعتقد أو أنه ينكر على من لا يقول: المنورة، بأن يقول: المدينة فقط، أو يقول: مدينة الرسول، أو يقول: المدينة النبوية؛ فهذا الإنكار أمر منكر. وأنا ذكرت في الفوائد المنتقاة من فتح الباري مواضع كثيرة في فتح الباري وفي تفسير ابن كثير والبداية والنهاية فيها وصف المدينة بالمدينة النبوية.

стр. 12243

رحلة العلماء لطلب العلو في الأسانيد رحلة الرجل إلى أبي الدرداء يحتمل أن يكون الحديث كان لا يوجد إلا عند أبي الدرداء، ويحتمل أنه وجده نازلاً، ولكنه ذهب ليحصله عالياً، وقد كانوا يفعلون ذلك، يعني: أن الواحد منهم كان يحصل الحديث نازلاً، ثم يرتحل إلى الذي حدث به من حدثه، ويحصله رأساً، فيكون بذلك مساوياً للذي أخذ منه من قبل، والذي كان حصله عن طريقه نازلاً.

стр. 12244

شرح حديث (ما من رجل يسلك طريقاً يطلب فيه علماً إلا سهل الله له به طريق الجنة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زائدة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﵌: (ما من رجل يسلك طريقاً يطلب فيه علماً إلا سهل الله له به طريق الجنة، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه)]. أورد أبو داود حديث أبي هريرة وهو يشتمل على جملتين: الجملة الأولى هي مثل الجملة الأولى في حديث أبي الدرداء وفيها: (ما من أحد يسلك طريقاً ليحصل به علماً إلا سلك الله به طريقاً إلى الجنة). والجملة الثانية: (ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه). وحديث أبي هريرة هذا أخرجه مسلم في صحيحه مطولاً، وهو مشتمل على أمور أخرى غير هذين الأمرين، وفيه أن النبي ﷺ قال: (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه) كل هذه الجمل موجودة في صحيح مسلم. وقد أورد النووي ﵀ هذا الحديث في الأربعين النووية؛ لأنه من جوامع كلم الرسول ﷺ ، وهذا الحديث حديث عظيم، والحافظ ابن رجب ضمن كتابه جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم شرح هذا الحديث الذي هو حديث أبي هريرة ﵁. وفيه جمل فيها أن الجزاء من جنس العمل، كقوله: (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه بها كربة من كرب القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة) وبالمناسبة فإن الذي يحصل لإخواننا المسلمين كالأفغانيين من الذهاب عن بلادهم ونزوحهم؛ بسبب الحرب التي حصلت في بلادهم، هم في حاجة إلى المساعدة وإلى الإعانة وإلى بذل ما يمكن إفادتهم به من المطاعم والملابس وما إلى ذلك، ويدخل هذا في قوله: (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة)، ولاشك أن إخواننا المساكين الذين يحصل لهم ما يحصل من الضرر، ويحصل لهم الهروب من مساكنهم ومن بلادهم، وينالهم ما ينالهم من النصب والمشقة، ويصيرون في العراء بدون مأوى وبدون طعام؛ هم بحاجة إلى مساعدة إخوانهم المسلمين الذين يمدون لهم يد العون. وقوله ﷺ : (من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه) أي: أن العمل هو الذي يقرب إلى الله ، وهو الذي يرتفع الإنسان به درجةً عند الله ، وليست الأنساب هي التي تقدم وتقرب إلى الله ، ولكن النسب إذا وجد مع العمل الصالح فهذا شيء طيب، ولكن النسب بدون عمل صالح لا ينفع ولا يفيد، فمن بطأ به عمله على أن يصل إلى المنازل العالية والدرجات الرفيعة، وأن يكون من أهل الجنة، فليس نسبه هو الذي يسرع به إلى المنازل العالية، ويوصله إلى الدرجات الرفيعة عند الله ، وإنما العمل الصالح هو الذي يوصل إلى هذه المنازل، وإلى دخول الجنة، كما قال الشاعر: لعمرك ما الإنسان إلا بدينه فلا تترك التقوى اتكالاً على النسب فقد رفع الإسلام سلمان فارس وقد وضع الشرك النسيب أبا لهب وهذان البيتان ذكرهما الحافظ ابن رجب في آخر شرح هذا الحديث من كتابه جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم، فالتعويل هو على العمل الصالح وليس على الأنساب؛ ولهذا الرسول ﷺ لما نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤] قال: (يا بني فلان! يا بني فلان! ثم قال: يا صفية عمة رسول الله! أنقذي نفسك من النار لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد! سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئاً).

стр. 12245

تراجم رجال إسناد حديث (ما من رجل يسلك طريقاً يطلب فيه علماً إلا سهل الله له به طريق الجنة) قوله: [حدثنا أحمد بن يونس]. أحمد بن يونس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا زائدة]. زائدة بن قدامة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الأعمش]. الأعمش هو سليمان بن مهران الكاهلي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي صالح]. أبو صالح هو ذكوان السمان، اسمه ذكوان ولقبه السمان، ويقال له: الزيات، قيل: لأنه كان يجلب الزيت والسمن فلقب بذلك، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة]. أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله ﷺ ، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق ﵁ وأرضاه.

стр. 12246

رواية حديث أهل الكتاب

стр. 12247

شرح حديث (ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب رواية حديث أهل الكتاب. حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري أخبرني ابن أبي نملة الأنصاري عن أبيه ﵁: (أنه بينما هو جالس عند رسول الله ﵌ وعنده رجل من اليهود مُرَّ بجنازة، فقال: يا محمد! هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال النبي ﷺ : الله أعلم، فقال اليهودي: إنها تتكلم، فقال رسول الله ﷺ : ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا: آمنا بالله ورسله، فإن كان باطلاً لم تصدقوه، وإن كان حقاً لم تكذبوه)]. أورد أبو داود باب رواية حديث أهل الكتاب، والمقصود من ذلك: أن أهل الكتاب عندما يحصل منهم كلام، ويحصل منهم أحاديث أو إخبار عن شيء موجود في شرائعهم فإنه يروى، ولكنه لا يعول عليه إلا إن جاء في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ما يؤيده، أما إذا وجد عندهم شيء لم يأت في الكتاب والسنة ما يؤيده، ولم يكن من الأمور الباطلة التي لا تليق برسل الله فإنه لا يقبل ولا يرد، وإذا كان الذي يحدثون به ويروونه فيه نيل من أنبياء الله ورسوله، فإن هذا لا يجوز روايته ويجب إنكاره، واعتقاد أنه باطل، وما جاء في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ما يدل على إثباته فإنه يكون ثابتاً بدلالة الكتاب والسنة على ذلك، مثل قول الله : ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ﴾ [المائدة:٤٥]، فهذه أحكام موجودة في التوراة، ونحن عرفنا أنها موجودة في التوراة المنزلة لمجيء القرآن من الله بالإخبار بذلك، فالتوارة المنزلة فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف، وهذا عرفناه عن طريق الكتاب العزيز، وكذلك أيضاً ما يأتي عن طريق السنة نصدق به ونعلم أنه موجود في كتبهم؛ لحصول الإخبار به في السنة المطهرة. وإذا لم يكن لا هذا ولا هذا وليس من الأمور الباطلة التي يجب إنكارها، وكان من الأمور التي لا بأس بها ولا مانع منها، ولكن لم تأت في الكتاب والسنة، وكان كلاماً جميلاً أو كلاماً حسناً؛ فموقفنا منه أننا لا نصدق ولا نكذب به، ونقول: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. إذاً: هذا هو الموقف مما يكون مع أهل الكتاب سواءً مما بأيدهم من كتب، أو مما يضيفونه إلى دينهم من كلام، أو حتى أيضاً ما يوجد في كتبنا من أخبار إسرائيلية لم تكن ثابتة عندنا واشتملت على كلام جميل، فنحن لا نصدق ولا نكذب، ونقول: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم؛ لأننا لو صدقنا مطلقاً فيمكن أن يكون باطلاً، فنكون قد صدقنا بباطل، وإن كذبنا مطلقاً فيمكن أن يكون حقاً فنكون قد كذبنا بحق، ولكن إذا لم نصدق ولم نكذب، ولكن قلنا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم فهذا هو الذي فيه السلامة وفيه العصمة والبعد عن الوقوع في شيء محذور. وقد أورد أبو داود حديث أبي نملة وهو من أصحاب رسول الله ﷺ أنه قال: (بينما هو جالس عند رسول الله ﷺ وعنده رجل من اليهود مر بجنازة، فقال: يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال النبي ﷺ : الله أعلم، فقال اليهودي: إنها تتكلم). يعني: أنه قاله عما عندهم في كتبهم، وعما عندهم في دياناتهم، والرسول ﷺ قال: (الله أعلم) ولعله ﷺ قال ذلك قبل أن يعلم بما يجري في القبور وما يحصل في القبور من العذاب ومن الكلام ومن السؤال والجواب، وما إلى ذلك، فيحتمل أن يكون الأمر كذلك، ولكن الحديث غير صحيح؛ لأن فيه نملة بن أبي نملة وهو غير محتج به، ولكن الكلام الأخير الذي فيه قول النبي ﷺ : (إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم) هذا ثابت في صحيح البخاري، بل قد جاء في صحيح البخاري في عدة مواضع، منها في كتاب التوحيد ومنها في كتاب الشهادات، وفي مواضع متعددة، وهذه هي الطريقة التي تسلك، فما يحصل من رواية الشيء أو ذكر شيء من أهل الكتاب وعن أهل الكتاب، فإنه يسلك فيه هذا المسلك: لا يُصدقون ولا يُكذبون، ولكن يقال: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم.

стр. 12248

تراجم رجال إسناد حديث (ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم) قوله: [حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي]. أحمد بن محمد بن ثابت المروزي هو ابن شبويه، وهو ثقة، أخرج له أبو داود. [حدثنا عبد الرزاق]. عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا معمر]. معمر بن راشد الأزدي البصري ثم اليماني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الزهري]. الزهري هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرني ابن أبي نملة الأنصاري]. ابن أبي نملة هو نملة بن أبي نملة وهو مقبول أخرج له أبو داود. [عن أبيه]. أبوه ﵁ صحابي، أخرج له أبو داود.

стр. 12249

حكم الجلوس مع اليهود إن قيل: هل في هذا الحديث دلالة على جواز الجلوس مع اليهود؟ ف الجواب أن اليهود في زمنه ﷺ كانوا موجودين في المدينة، وكانوا يأكلون عنده، وكانوا يأتون إليه، ومعلوم أنهم إذا كانوا في بلاد المسلمين أو تحت حكم الإسلام، وجاءوا وحضروا لحاجاتهم ولأمورهم أو لأي شيء يقتضي ذلك، فإنه لا بأس بذلك.

стр. 12250

تكلم الجنازة الجنازة تتكلم كما جاء في بعض الأحاديث أنها تقول: (قدموني قدموني)، وجاء أيضاً أنها تتكلم في القبر، وأنه يحصل منها كلام، وكل ذلك جاءت به السنة عن رسول الله ﷺ ، ولكن هذا الحديث الذي قال فيه النبي ﷺ : (الله أعلم) إن ثبت فيكون محمولاً على أنه قبل أن ينزل عليه الوحي ببيان ذلك الذي جاءت به السنة عن رسول الله ﷺ من تكلم الجنازة.

стр. 12251

شرح حديث زيد بن ثابت (أمرني رسول الله ﷺ فتعلمت له كتاب يهود) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن يونس حدثنا ابن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة -يعني: ابن زيد بن ثابت - قال: قال زيد بن ثابت ﵁: (أمرني رسول الله ﵌ فتعلمت له كتاب يهود، وقال: إني والله! ما آمن يهود على كتابي، فتعلمته، فلم يمر بي إلا نصف شهر حتى حذقته، فكنت أكتب له إذا كتب، وأقرأ له إذا كتب إليه)]. أورد أبو داود حديث زيد بن ثابت في أمر النبي ﷺ إياه أن يتعلم لغة اليهود حتى يقرأ الكتب التي تأتي بهذه اللغة، وكذلك حتى يكتب إليهم بلغتهم، فكان ﵁ يقرأ ما يأتي ويكتب ما يراد إرساله، وحذقه وأتقنه في فترة وجيزة في مقدار نصف شهر، فرضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهذا الحديث يدل على جواز تعلم اللغة التي يحتاج إلى معرفتها من أجل أن يكتب بها من يحتاج إلى الكتابة في ذلك، كما كان النبي ﷺ محتاجاً إلى ذلك، وقد أمر زيد بن ثابت بهذا، وقد أخبر ﵊ بالسبب الذي جعله يأمر زيداً، وهو أنه لا يأمن اليهود؛ لا يأمنهم حين يكتبون ولا يأمنهم حين يقرءون؛ لأنهم قد يقرءون له شيئاً على غير الصواب، وقد يكتبون على غير الصواب، فالنبي ﷺ أراد رجلاً من أصحابه يتولى هذه المهمة. ومناسبة الحديث للترجمة أنه يتعلق بروايات أهل الكتاب، وذلك الذي عند أهل الكتاب يمكن أن يعرف عن طريق الترجمة.

стр. 12252

تراجم رجال إسناد حديث زيد بن ثابت (أمرني رسول الله ﷺ فتعلمت له كتاب يهود) قوله: [حدثنا أحمد بن يونس حدثنا ابن أبي الزناد]. أحمد بن يونس مر ذكره، وابن أبي الزناد هو عبد الرحمن بن أبي الزناد، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم في المقدمة وأصحاب السنن، وعبد الرحمن بن أبي الزناد أبوه أبو الزناد، وكنيته أبو عبد الرحمن أي: أنه يكنى بابنه هذا الذي يروي عنه، وأبو الزناد ليس بكنية، ولكنه لقب على صيغة الكنية، وأبو الزناد هو عبد الله بن ذكوان المدني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن خارجة يعني: ابن زيد بن ثابت]. خارجة بن زيد بن ثابت تابعي ثقة، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [قال: قال زيد بن ثابت] زيد بن ثابت ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 12253

باب في كتاب العلم

стр. 12254

شرح حديث عبد الله بن عمرو (كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في كتاب العلم. حدثنا مسدد وأبو بكر بن أبي شيبة قالا: حدثنا يحيى عن عبيد الله بن الأخنس عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو قال: (كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﵌ أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله ﵌ بشر يتكلم في الغضب والرضا؟! فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﵌ فأومأ بأصبعه إلى فيه فقال: اكتب، فو الذي نفسي بيده! ما يخرج منه إلا حق)]. أورد أبو داود باب في كتاب العلم. يعني: كون العلم يكتب، والعلم لا شك أنه يكتب، والحاجة داعية إلى الكتابة؛ حتى لا يضيع العلم؛ لأنه إذا اعتمد على الحفظ فقد يذهب الحفاظ، ويذهب ما معهم، وقد ينسى الحافظ، ولكنه إذا دون اطمأن الناس إلى ضبط العلم وتقييده وعدم تعرضه للضياع. وقد جاءت أحاديث تدل على كتابة العلم، وأحاديث تدل على عدم كتابة العلم، وقد جمع العلماء بين ما جاء في النهي عن كتابة العلم وما يدل على كتابة العلم بأن الأحاديث التي فيها النهي كانت متقدمة، ثم جاء الترخيص متأخراً، فدل على أن آخر الأمرين من رسول الله ﷺ الأمر بكتابة العلم. وقيل: إنه كان ممنوعاً في أول الأمر حتى لا يختلط الحديث بالقرآن، ولئلا يلتبس غير القرآن بالقرآن، هذا هو السبب، وأما إذا كتب هذا مستقلاً وهذا مستقلاً ولم يختلط هذا بهذا، فإنه لا بأس به. والحاصل: أنه جمع بين الأحاديث الواردة في عدم الكتابة والكتابة بما يدل على اعتبارها جميعاً، وأن المنع من الكتابة كان متقدماً، والإذن بالكتابة كان متأخراً. وقد أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمرو أنه قال: (كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﵌ أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله ﵌ بشر يتكلم في الغضب والرضا؟! فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﵌ فأومأ بأصبعه إلى فيه -أي: إلى لسانه- فقال: اكتب، فو الذي نفسي بيده! ما يخرج منه إلا حق) والرسول ﷺ معصوم فيما يبلغ عن الله ، وكل ما يصدر منه ﷺ فإنه حق، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. وقوله: (كنت أكتب أريد حفظه) يعني: كنت أكتب أريد حفظه بالكتابة، والحفظ حفظان: حفظ صدر وحفظ كتاب، أي: أن الحفظ يكون بالكتاب، ويكون بالصدر، والذي كان يريده هو الحفظ بالكتاب، ومعلوم أن الحفظ بالصدر يعرض له النسيان، وقد يحصل الموت لصاحبه فيذهب معه علمه، والنبي ﷺ قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من قلوب الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء)، والصحابة ﵃ وأرضاهم كانوا يحفظون القرآن، ولما مات في قتال المرتدين عدد كبير من القراء، اقترح الصحابة على أبي بكر جمع القرآن؛ لئلا يضيع ويذهب بذهاب حملته، فتردد في فعل ذلك؛ لأنه لم يفعله النبي ﷺ ، ولكنه بعد ذلك استقر رأيه وأداه اجتهاده إلى قبول ذلك وإلى استحسانه، فجمع ما كان عند الصحابة في صحف، ثم في عهد عثمان ﵁ جمع في مصحف واحد، وفرق على المدن، حتى يعتمد الناس عليه، وحتى لا يختلف الناس. والحاصل: أن كتابة العلم ثابتة، ولو لم تكن الكتابة حاصلة ما وصلت هذه الأحاديث الكثيرة وهذا السنن بالتناقل وأخذ أشخاص عن أشخاص، لكن بهذه الكتابة وبهذا التدوين نفع الله بهذه الكتابة وحفظ الله سنة نبيه ﷺ بتدوينها وكتابتها. ولهذا يقول ابن القيم: لو لم تحصل الكتابة لم يصل إلينا من العلم إلا الشيء اليسير، لكن الكتابة هي التي بها وصل إلينا ما وصل من هذه الأسفار وهذه المجلدات من أحاديث رسول الله ﷺ . وقوله: (فنهتني قريش) المقصود: رجال من قريش، والمقصود: المسلمون، وليس المقصود الكفار، فالذين نهوه هم مسلمون من الصحابة، لكنهم خشوا أن يكون هناك شيء يحصل وهو غير مقصود، فالنبي ﷺ بين أن كل ما يصدر منه ﷺ حق، وأنه إن حصل منه شيء في حال الغضب فهو حق، ولا يصدر منه إلا حق صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، سواء في حال الرضا أو في حال الغضب.

стр. 12255

تراجم رجال إسناد حديث (كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله) قوله: [حدثنا مسدد وأبو بكر بن أبي شيبة]. مسدد مر ذكره، وأبو بكر بن أبي شيبة هو عبد الله بن محمد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي. [حدثنا يحيى]. يحيى بن سعيد القطان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبيد الله بن الأخنس]. عبيد الله بن الأخنس صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث]. الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث ثقة، أخرج له أبو داود وابن ماجة. [عن يوسف بن ماهك]. يوسف بن ماهك ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الله بن عمرو]. عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
следующие страницы →