← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 12286–12325 · переход к 12291.

стр. 12286

شرح حديث: (أن النبي ﷺ نهى عن الغلوطات) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التوقي في الفتيا. حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي حدثنا عيسى عن الأوزاعي عن عبد الله بن سعد عن الصنابحي عن معاوية ﵁: (أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن الغلوطات)]. أورد أبو داود باب التوقي في الفتيا، والمقصود بالتوقي: التأني والتثبت وعدم التسرع في الفتوى، وإنما يكون هناك حذر وخوف من الزلل ومن الخطأ، ولا بد أن تكون الفتوى مبنية على تأمل وعلى معرفة الأخبار، فمن حصل له أمر من الأمور فإنه يحتاج إلى معرفة حكمه فإن ذلك المسئول عنه يتوقف عن الفتوى حتى يستفصل بحيث يكون جوابه مبنياً على علم، ثم أيضاً الأسئلة والاستفتاءات المناسب أن تكون مبنية على وقوع الشيء وأن الإنسان بحاجة إلى معرفة الحكم ليطبق حكم الله وليؤدي ما هو واجب عليه في ذلك الأمر الذي حدث له والأمر الذي وقع له، وأن يريد معرفة حكمه. وأورد أبو داود حديث معاوية ﵁: (أن النبي ﷺ نهى عن الغلوطات) وفسرت الغلوطات بأنها دقاق المسائل، وقد يكون السؤال تعنتاً وقد يكون من أجل أن يحصل من المسئول شيء يعاب عليه، وأن يحصل منه جواب غير سديد فيكون ذلك سبباً في مذمته والنيل منه، فالأسئلة لا بد أن تكون في أمور واقعة، أو في أمور يحتاج الناس إليها، أما الافتراضات والأشياء التي لا تقع والسؤال عنها لو وقعت وكان كذا وكذا فما الحكم؟ وهي واقعة الندور أو ما إلى ذلك؛ فهذه هي التي عنيت بهذا الحديث. والحديث ضعيف؛ لأن في إسناده من هو متكلم فيه. ولكن معناه صحيح من ناحية أنه منهي عن السؤال تكلفاً، ومن الأشياء التي فيها تكلف وسئل عنها ﷺ وغضب ما جاء في قصة الرجل الذي سمع النبي ﷺ يقول: (إن الله كتب عليكم الحج فحجوا. فقال: الرجل أفي كل عام يا رسول الله؟!) يعني: هل يجب علينا أن نحج كل سنة؟ وهذا صعب إذ كيف يستطيع الناس أن يحجوا كل سنة؟ والآن الناس يأتي منهم عدد قليل من كل بلد فتمتلئ الأرض، فكيف لو كان الناس كلهم يحجون وكل من كان قادراً يجب عليه أن يأتي كل عام؟! فهذا فيه صعوبة وفيه مشقة وفيه مضرة، فإن الحج الواجب هو مرة وما زاد فهو تطوع، ومثل هذا السؤال هو من الأسئلة التي لا يسأل عنها، وقد جاء في القرآن قول الله : (لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١].

стр. 12287

تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي ﷺ نهى عن الغلوطات) قوله: [حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي]. إبراهيم بن موسى الرازي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عيسى]. عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الأوزاعي]. عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الله بن سعد]. عبد الله بن سعد مقبول، أخرج له أبو داود. [عن الصنابحي]. الصنابحي هو عبد الرحمن بن عسيلة وهو تابعي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وقد رحل من اليمن إلى رسول الله ﷺ ولما كان في الجحفة في طريقه إلى المدينة، جاء ركب من المدينة وقالوا: إن النبي ﷺ توفي، فوصل إلى المدينة بعد وفاة النبي ﷺ بخمسة أيام، وهي مدة المسافة بين الجحفة وبين المدينة، ولهذا قال بعض العلماء: كاد أن يكون صحابياً، أي: أنه لم يبق بينه وبين الصحبة إلا شيء يسير، فهو جاء يريد أن يلقى الرسول ﷺ ويتشرف بصحبته، ولكنه وصل المدينة بعد وفاة الرسول ﷺ بخمسة أيام. [عن معاوية]. معاوية بن أبي سفيان أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 12288

شرح حديث: (من أفتي بغير علم كان إثمه على من أفتاه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن علي حدثنا أبو عبد الرحمن المقري حدثنا سعيد -يعني: ابن أبي أيوب - عن بكر بن عمرو عن مسلم بن يسار أبي عثمان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (من أفتي) ح وحدثنا سليمان بن داود أخبرنا ابن وهب حدثني يحيى بن أيوب عن بكر بن عمرو عن عمرو بن أبي نعيمة عن أبي عثمان الطنبذي رضيع عبد الملك بن مروان قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول ﵌: (من أفتي بغير علم كان إثمه على من أفتاه) زاد سليمان المهري في حديثه: (ومن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه) وهذا لفظ سليمان. أورد أبو داود حديث أبي هريرة مرفوعاً: (من أفتي بغير علم كان إثمه على من أفتاه) يعني: إذا كانت الفتوى بجهل فالمفتي آثم، والذي عمل بها على خلاف الصواب يتحمل الذي أفتى إثمه؛ لأنه هو المتسبب في كونه عمل عملاً على خلاف السنة وعمل عملاً ليس وفق ما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ . وقوله: (ومن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه) يعني: أنه عارف المصلحة للمسترشد والمستشير ولكنه خانه ودله على شيء خلاف المصلحة، فإذا سأله عن أمر ويعلم أن الرشد للمستشير في شيء ولكنه حاد وأشار عليه بشيء ليس برشد فإنه يكون خائناً في ذلك. فالمستفتي أو الذي يعمل بخلاف الصواب إذا علم بأن هذه الفتوى غير صحيحة فلا شك أنه آثم، وإذا كان يعلم أن هذا المستفتي غير عالم فإنه مقصر ويكون آثماً، وأما إذا كان الذي سأله عالم وذلك العالم أخطأ فذلك العالم المجتهد غير آثم وهذا المستفتي أيضاً غير آثم، لأنه فعل ما يستطيع. والحديث حسنه الألباني في موضع، وضعفه في موضع آخر، وفيه مسلم بن يسار وهو مجهول الحال، والحافظ قال عنه: مقبول، والألباني حسنه في السنن ولكنه ضعفه في صفة الفتوى وقال: إن راويه مجهول الحال. والذي يبدو أن التضعيف أولى، لكنه كما هو معلوم الاستفتاء فيه تفصيل؛ لأنه إذا كانت الفتوى مبنية على غير علم ولفظ الحديث: (بغير علم) فلا شك أن هذا هو المذموم، أما إذا كانت الفتوى مبنية على علم وقد أخطأ المفتي فإنه لا يأثم، وكذلك المستفتي لا يأثم، لأن هذا هو الذي استطاع أن يفعله، يعني: أنه رجع إلى أهل العلم وأخذ بما أفتوه به، لكنه إذا كان المفتي غير عالم والمستفتي يعلم بأنه غير عالم فكلهم شركاء في الإثم.

стр. 12289

تراجم رجال إسناد حديث: (من أفتي بغير علم كان إثمه على من أفتاه) قوله: [الحسن بن علي]. الحسن بن علي الحلواني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي. [حدثنا أبو عبد الرحمن المقري]. أبو عبد الرحمن المقري هو عبد الله بن يزيد المقري المكي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهذا أحد العبادلة الذين يروون عن ابن لهيعة وتكون روايتهم عن ابن لهيعة صحيحة؛ لأنهم سمعوا منه قبل الاختلاط على قول من يقول: إن رواية العبادلة عنه مستقيمة، والعبادلة هم: عبد الله بن يزيد المقري المكي وعبد الله بن المبارك المروزي وعبد الله بن مسلمة القعنبي وعبد الله بن وهب. [حدثنا سعيد يعني: ابن أبي أيوب]. سعيد بن أبي أيوب المصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن بكر بن عمرو]. بكر بن عمرو المعافري المصري صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة فأخرج له في التفسير. [عن مسلم بن يسار أبي عثمان]. مسلم بن يسار قال عنه الحافظ: مقبول، وهو مجهول الحال؛ لأنه روى عنه جماعة ولكن لم يوثقه إلا ابن حبان، وهو معروف بالتساهل، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة عبد السلام بن أبي الجنوب في تقريب التهذيب قال: ولا يغتر بتوثيق ابن حبان له فقد ذكره في الضعفاء، أي: أنه ذكره في الثقات وذكره في الضعفاء. ومسلم بن يسار هذا مقبول، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم في المقدمة وأبو داود والترمذي وابن ماجة. [عن أبي هريرة]. أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق. قوله: [وحدثنا سليمان بن داود أخبرنا ابن وهب حدثني يحيى بن أيوب]. هذه عادة أبي داود في التحويل؛ فإنه أحياناً بعدما يذكر شخصاً أو شخصين في أثناء الإسناد يأتي بالتحويل، مثل ما مر قريباً في الإسناد الذي فيه عمرو بن عون ومسدد عن خالد، فإنه بعد ما انتهى الإسناد من أوله إلى آخره جاء إلى التحويل، ولكنه بين الاختلاف الذي يكون بين الطريقين؛ لأنه أحياناً يذكر الشخص باسم وفي الطريق الثانية يذكره باسم آخر، مثل ما صار في مسلم بن يسار فإنه ذكره في الطريق الثانية بكنيته فقال: عن أبي عثمان الطنبذي وأبو عثمان الطنبذي هو مسلم بن يسار، ففي الطريق الأولى أتى به باسمه وفي الطريق الثانية أتى به بكنيته ولقبه، وطنبذ: قرية من قرى مصر. وقوله: [حدثنا سليمان بن داود أخبرنا ابن وهب حدثني يحيى بن أيوب]. سليمان بن داود وابن وهب مر ذكرهم، ويحيى بن أيوب صدوق ربما أخطأ، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن بكر بن عمرو]. بكر بن عمرو الناجي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عمرو بن أبي نعيمة]. عمرو بن أبي نعيمة مقبول، أخرج له أبو داود. [عن أبي عثمان الطنبذي رضيع عبد الملك بن مروان عن أبي هريرة]. أبو عثمان الطنبذي هو: مسلم بن يسار، وهو الذي جاء في الإسناد الذي قبله باسمه مسلم بن يسار.

стр. 12290

بيان خطأ مقولة: (دعها في رقبة عالم واخرج سالم) هناك مقولة تقول: (دعها في رقبة عالم واخرج سالم) وهذه مقولة غير صحيحة؛ فالإنسان أولاً: لا يسأل إلا من عنده علم، وإذا أخذ بذلك فهو على خير، وأيضاً إن كان المفتي مخطئاً فهو معذور.

стр. 12291

كراهية منع العلم

стр. 12292

شرح حديث: (من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كراهية منع العلم. حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا علي بن الحكم عن عطاء عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة)]. أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان: باب في كراهية منع العلم، يعني: عدم بذله عند الحاجة إليه، فالشخص إذا حصلت له واقعة وأراد أن يعرف حكم الله تعالى فيها ليعمل به، ورجع إلى عالم فإن ذلك العالم عليه أن يفتيه إذا كان عنده علم، وإذا لم يكن عنده علم يدله على ذلك ويكون عوناً له على ذلك أو يقول له: اسأل غيري. فإذا كان المفتي ليس عنده معرفة الجواب أو الاطمئنان إلى الجواب فإنه يحيله إلى غيره، وإن كان عنده الجواب فإنه يجيبه ولا يتأخر في ذلك، فإذا كان عنده الجواب وهو يعرف الجواب فيجيبه في ذلك. فالعلم فائدته: أن يعمل به ويبذله للغير، بمعنى: أن الإنسان يفيد نفسه ويفيد غيره، وقد ذكرنا في الدرس الماضي الحديث الذي فيه فضل العلم وهو قوله ﷺ : (فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب) لأن علم العالم له ولغيره حيث يستفيد منه الناس ببذله، والعابد عبادته له لا تتعداه إلى غيره، فصار العالم مثل القمر، والعابد مثل الكوكب الذي ضوءه شيء يسير بالنسبة إلى ضوء القمر. وأورد أبو داود ﵀ حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة) يعني: يكون اللجام على فمه مماثلة للعمل الذي حصل منه، وهو كونه لم يتكلم بالعلم ولم يبد العلم، ولم يحدث به ولم يخبر به وإنما منعه، فصار الجزاء من جنس العمل، فكما أنه لم يحرك فمه بالنطق بالحق، وإنما أغلقه وأقفله فإنه يوم القيامة يلجم بلجام من نار، يعني: أن الجزاء من جنس العمل. وقوله: (من سئل عن علم فكتمه) المقصود: العلم الشرعي، والشيء الذي يكون الناس بحاجة إليه، فمثلاً: شخص حصل له واقعة أو حصل له قصة فجاء وسأل فيجب بيان الحكم له في هذه الواقعة، وأما بعض الأشياء التي إخفاؤها يكون فيه مصلحة فهذا المصلحة في إخفائها حتى لا يحصل من الناس التساهل في الأمور؛ مثال ذلك جاء في حديث معاذ ﵁ لما قال: (أفلا أبشر الناس؟ قال النبي ﷺ : لا تبشرهم فيتكلوا)، فإن بعض الأشياء قد يكون فيها تهاون من الناس إذا علموا بحكمها؛ فكونهم يرغبون في جانب الوعد ويغفلون عن جانب الوعيد ليس من الحكمة وليس من المصلحة، فمن العلم ما ينبغي إخفاؤه، وهو ما يترتب على إظهاره مضرة. ومن أمثلة العلم الذي ينبغي إخفاؤه: أن الشيخ الألباني ﵀ اعتنى بمسألة كشف الوجه وبيان أن ستره ليس بواجب، وأكثر من الاستدلال والرد وما إلى ذلك، وأنا أقول: إن هذا من العلم الذي ينبغي إخفاؤه، فكان ينبغي للشيخ رحمة الله عليه أن يخفيه، والناس إذا لم يعرفوا أنه غير واجب فإنه خير لهم، حتى لا يتساهلوا ويتهاونوا، فأنا أقول: هذا من العلم الذي ينبغي إخفاؤه؛ لأن بعض النساء مستعدة للانفلات قبل أن تجد مفتياً، فإذا وجدت مفتياً، قالت: هذا عالم كبير وأفتى بهذا؛ إذاً أنا أفعل هذا الشيء. هذا مع أن الصحيح أن الذي أقره الشيخ ليس بصحيح.

стр. 12293

تراجم رجال إسناد حديث: (من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة) قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل]. موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا حماد]. حماد هو ابن سلمة بن دينار وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [أخبرنا علي بن الحكم]. علي بن الحكم ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن. [عن عطاء]. عطاء بن أبي رباح المكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة]. أبو هريرة ﵁ قد مر ذكره. وأما تعبير الإمام أبي داود بالكراهية في قوله: باب كراهية منع العلم فغالباً أن السلف يعبرون بالكراهة ويريدون بها التحريم، كما قال : ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨] فإنه ذكر جملة من الأمور الكبيرة مثل: الزنا، والقتل، وقتل الأولاد، وغير ذلك ثم قال في آخرها: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨] فالمكروه هنا هو: المحرم.

стр. 12294

الأسئلة

стр. 12295

حال حديث: (إذا بليتم فاستتروا) السؤال ما حكم حديث: (إذا بليتم فاستتروا)؟ الجواب لا أعلم، لكن المجاهرة أمرها خطير؛ لأن الإنسان الذي يعصي وهو مختفٍ ليس كالذي يعصي وهو مجاهر.

стр. 12296

فضل أبي هريرة ﵁ في إكثاره من رواية الحديث السؤال بعض الأئمة أخرجوا حديث عائشة ﵂ في سرد الحديث في فضائل الصحابة في فضل أبي هريرة، فما وجه الفضيلة؟ الجواب يمكن أن يكون ذلك إشارة إلى عنايته بالحديث وإكثاره من الحديث، وكونه قد روى للأمة الشيء الكثير من الحديث عن رسول الله ﷺ .

стр. 12297

حكم القسم بوجه الله السؤال ذكرتم فيما مضى أنه يجوز الحلف بالقرآن لأنه صفة من صفات الله، والوجه من صفات الله، فهل يقال: ووجه الله أو والوجه؟ وألا يقال: إنه ينبغي أن يقال: وكلام الله بإضافته لله تعالى؛ لأن صفة الوجه صفة ذاتيه كما أن الكلام صفة ذاتيه؟ الجواب يمكن أن يقال: ووجه الله، ويقال: وكلام الله، وإذا قيل: والقرآن فالقرآن هو من كلام الله، لكن المصحف لا يقسم به؛ لأن المصحف فيه كلام الله وغير كلام الله، فيه القرآن وغير القرآن، فيه الورق وهو مخلوق، والمداد وهو مخلوق، والغلاف وهو مخلوق، وأما كلام الله الذي في المصحف فهو غير مخلوق.

стр. 12298

أهمية تحري العالم الذي يسأل السؤال إذا أفتي الإنسان من شيخ وقال له بعض الناس: اذهب إلى الشيخ الفلاني فقال: أليس الذي أنا أستفتيه شيخ يكفي؟! فما هو الصواب في هذا؟ الجواب قبل هذا كله يجب أن يبحث ويكون على علم بمن يكون أولى أن يسأله، وعند ذلك يقصد إليه ويسأله وينتهي.

стр. 12299

حكم ترك النهي عن المنكر السؤال من رأى شخصاً يعمل أمراً غير رشيد ولم ينهه فهل هذا من الخيانة؟ الجواب إذا رآه يعمل أمراً منكراً ولم ينهه فإنه يكون غير قائم بالواجب؛ لقوله ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).

стр. 12300

من يتعامل مع البنوك الربوية اعتماداً على فتاوى بعض المفتين السؤال في بعض البلدان يتعامل بعض الناس مع البنوك الربوية ويعتمدون في ذلك على الفتاوى من بلادهم، فهل عليهم إثم؟ الجواب الواجب عليه أن يسألوا أهل العلم، ولا يكفي أن يتلقوا الفتوى من كل أحد، أو يسألوا كل أحد، فإذا كان عندهم علم بأهل العلم وقصروا أو أعجبتهم مثل هذه الفتوى أو أنهم قصدوا أن يعرفوا الفتوى من شخص يحقق لهم الرغبة التي يريدونها، ولم يريدوا أن يستفتوا أحداً يخشون أن يمنعهم، أو أنهم على علم، ولكنهم يريدون مفتياً متهاوناً فإنه يتحمل الإثم، وهم لا شك شركاء في الإثم.

стр. 12301

فضل نشر العلم

стр. 12302

شرح حديث: (تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن سمع منكم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فضل نشر العلم. حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة قالا: حدثنا جرير عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن سمع منكم)]. أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى هذه الترجمة بعنوان: باب في فضل نشر العلم، أي: فضل بذله وتعليمه وإبلاغه إلى الناس؛ ليعملوا به، فيكون من بلغه العلم يعلمه ويعمل به ويبلغه وينشره. وقد أورد أبو داود ﵀ حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: (تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن سمع منكم). وقوله: (تسمعون) هذا خطاب للصحابة لأنهم هم الذين سمعوا كلام رسول الله ﷺ منه، وسمعوا حديثه وتلقوه منه ﷺ ورضي الله عنهم وأرضاهم، فكل من سمع كلامه ﵊ فإنه من أصحابه، ومن رآه ولم يسمع منه فهو من أصحابه ﵊. فمن سمع كلامه ومن سمع حديثه فهو من أصحابه، ومعلوم أنه لا يسمع الرسول ﵊ إلا أصحابه الكرام ﵃ وأرضاهم، فهم الذين جعلهم الله في زمانه ومكنهم من ذلك بخلاف الذين بعدهم فإنهم لم يروه ولم يسمعوا منه وإنما رأوا من سمع منه، وسمعوا ممن سمع منه، وعلى هذا فأصحاب رسول الله ﷺ هم الذين رأوا النبي ﵊ وسمعوا كلامه. وأما التابعون فقد رأوا من رأى النبي ﷺ وسمع كلامه، أي: أن أعين الصحابة رأت النبي ﵊، وأما التابعون فلم يروا النبي ﷺ ولكنهم رأوا الأعين التي رأت النبي ﷺ ورضي الله تعالى عن الصحابة. فقوله: (تسمعون) أي: تسمعون من النبي ﷺ . وقوله: (ويسمع منكم) أي: التابعون يسمعون من الصحابة، فالذين سمعوا الصحابة هم التابعون، والذين رأوا الصحابة هم التابعون. وقوله: (ويسمع ممن سمع منكم) أي: أتباع التابعين يسمعون من التابعين الذين سمعوا من الصحابة، وهكذا كل جيل يسمع ممن قبله، وممن تقدمه ممن أدركه، وهكذا فيكون شرع الله الذي جاء به رسول الله ﷺ يتناقله الناس منذ زمن الصحابة ويعملون به ويعبدون الله وفقاً لهذا الحق والهدى الذي تلقاه الصحابة عن رسول الله ﵊، وتلقاه التابعون عن الصحابة، وتلقاه أتباع التابعين عن التابعين، وهكذا من بعدهم حتى دونت الكتب وألفت المؤلفات في حديث رسول الله ﷺ ، وصار الناس يرجعون إلى هذه المؤلفات والمصنفات في حديث رسول الله ﷺ ، وعلى هذا فقوله ﷺ : (تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن سمع منكم) نظير قوله ﷺ : (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) فإن قرنه هم: أصحابه الذين سمعوا منه، والذين يلونهم هم: التابعون الذين سمعوا ممن سمع منهم، وأتباع التابعين هم: الذين سمعوا الذين سمعوا ممن سمع من رسول الله ﷺ . وهذا فيه بيان فضل العلم ونشره، وتناقله، وأن كل طبقة تورثه للطبقة التي تليها وهكذا، فطبقة الصحابة هم الذين سمعوا من النبي ﷺ ، وطبقة التابعين هم الذين سمعوا من الصحابة، وطبقة أتباع التابعين هم الذين سمعوا من التابعين، وطبقة أتباع أتباع التابعين هم الذين سمعوا من أتباع التابعين وهكذا. وهذا الحديث ليس فيه دلالة على قلة أهمية السماع بعد عهد أتباع التابعين؛ لأن الأحاديث قد دونت في الكتب، فلا يدل على تقليل أهمية السماع، وإنما كما هو معلوم حصل بعد ذلك تدوين للكتب، وصار الناس يتوارثون هذه الكتب، والسماع كان موجوداً، فكم من مؤلف ومصنف بعد أصحاب الكتب الستة ممن كان في القرن الرابع أو القرن الخامس يروون بالأسانيد مثل: البيهقي ومثل: الطبراني ومثل: أبو عمر ابن عبد البر ومثل: الخطيب البغدادي، ففيهم من كان في القرن الرابع وفيهم من كان في القرن الخامس ومع ذلك كانوا يروون بالأسانيد: حدثنا فلان قال: حدثنا فلان. وأما وجه دلالة أن النبي ﷺ اقتصر على أتباع التابعين فكأن المقصود أن هذا فيه إشارة إلى الطبقات الثلاث التي هي خير القرون، ولكن كما هو معلوم ليس معنى ذلك أن الأمر يقف عندهم؛ وإنما هذا بيان للطبقات الأولى الثلاث، ومن بعدها يأتي تبعاً لها والسلسلة متصلة.

стр. 12303

تراجم رجال إسناد حديث: (تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن سمع منكم) قوله: [حدثنا زهير بن حرب]. زهير بن حرب أبو خيثمة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي. [وعثمان بن أبي شيبة]. عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي وإلا النسائي فأخرج له في عمل اليوم والليلة. [قالا: حدثنا جرير]. جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الأعمش]. هو سليمان بن مهران الكاهلي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الله بن عبد الله]. عبد الله بن عبد الله الرازي صدوق، أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة والنسائي في مسند علي. [عن سعيد بن جبير]. سعيد بن جبير ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عباس]. عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 12304

شرح حديث: (نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى عن شعبة قال: حدثني عمر بن سليمان من ولد عمر بن الخطاب عن عبد الرحمن بن أبان عن أبيه عن زيد بن ثابت ﵁ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: (نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه)]. أورد أبو داود حديث زيد بن ثابت ﵁ مرفوعاً: (نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه) وهذا يدل على فضل نشر العلم؛ لأن هذا دعاء من النبي ﷺ لمن يقوم بذلك حيث قال: (نضر الله امرأً سمع منا حديثاً حتى يبلغه) يعني: أنه يحفظه ويبلغه، فتتصل السلسلة ويتوارث الناس الحق والهدى ويأخذ جيل عن جيل، وأول جيل أخذ عن النبي ﷺ هم أصحابه الكرام لقوله: (سمع منا حديثاً) وهذا يدل على أن الصحابة ﵃ هم الذين سمعوا منه مثل الحديث الذي قبله (تسمعون ويسمع منكم). فهذا الحديث فيه فضل تحمل السنة وتلقيها ونشرها، وفيه بيان أن من فائدة النشر وإبلاغ السنن أنه قد يأتي من يشتغل في الاستنباط، وقد يكون الذي تحمل ليس متمكناً من الاستنباط مثلما يتمكن من يبلغ إياه، فيكون الخير في حفظ هذا الذي حفظ السنة وأتقنها وبلغها لمن بعده، فإن هذا الذي يبلغ قد يستخرج منها ما لم يستخرجه غيره، ولهذا قال: (رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) فيكون حفظ السنة وأتقنها وحافظ عليها وأداها إلى غيره، وقد يكون ذلك الغير أشد تمكناً في الاستنباط والفقه والفهم، فيستنبط منه أحكام وفوائد. وقوله: (رب حامل فقه ليس بفقيه) يعني: أن الإنسان قد يحفظ الشيء ولكنه ليس عنده ما يكون عند غيره من الناس من جهة قوة الفهم وقوة الاستنباط أو الحرص على الاستنباط والقصد إلى الاستنباط، ومن المعلوم أن العلم النافع هو الذي جمع فيه بين الرواية والدراية، وجمع فيه بين الفقه والحديث، فالحديث هو الأساس الذي يبنى عليه الفقه، والفقه إذا لم يكن مستنداً إلى حديث فإنه قد يكون مبنياً على رأي مجرد، وقد يكون الذي يشتغل بالفقه ولا يشتغل بالحديث يحتج بحديث ضعيف أو حديث موضوع إذا وجده مسنداً إلى رسول الله ﷺ ؛ يفعل ذلك لأنه لا يعرف ما يثبت وما لا يثبت، ولهذا تكلم الإمام الخطابي في أول كتابه معالم السنن بكلام جميل في مدح العناية بالحديث والفقه، وأن من يقتصر على الحديث يكون عنده نقص في جانب الفقه، ومن يقتصر على الفقه دون الحديث يكون عنده نقص في جانب الحديث، ولكنه إذا اعتنى بهذا وبهذا فقد جمع بين الحسنيين، ثم ضرب لذلك مثلاً فقال: إن الذي يشتغل بالحديث ولا يشتغل بالفقه والاستنباط مثل الذي يبني له بنياناً فيتقن أساسه ويحكم أساسه ولكنه يقف عند حد الأساس، فلا يستفيد منه الفائدة المرجوة أو الفائدة الكاملة؛ لأن البنيان أحكم أساسه ولكن ما وضع فوقه حجراً وغرفاً وأشياء مما يستفيد الناس منها، وهذا مثل الذي يشتغل بالحديث ولا يشتغل بالاستنباط، فمهمته القراءة دون الفهم ودون معرفة ما يؤخذ من الحديث أو التأمل في الحديث، فهو مثل الذي يبني بنياناً على غير أساس، فالبنيان موجود والغرف موجودة ولكن الأساس غير موجود فيمكن أن ينهار، ولكنه إذا جمع بين إحكام الأساس ووجود الفروع التي بنيت على الأساس، صار هذا هو الإحسان، وهكذا الجمع بين الحديث والفقه يكون فيه تقوية الأساس ووجود البنيان على الأساس. فهذا يدلنا على أهمية الاستنباط وأهمية الفهم، واستخراج الكنوز من حديث رسول الله ﷺ ، وفيه أيضاً إشارة إلى المحافظة على حديث الرسول ﷺ ؛ لأن حفظ حديث الرسول على ما هو عليه دون أن يختصر ودون أن يروى بالمعنى لا شك أن هذا هو الذي ينبغي أن يكون؛ لأن هذا فيه تمكين المتفقه من الاستنباط من حديث الرسول ﷺ والعناية بحديث الرسول ﷺ بحيث يستنبط منه ويستخرج منه ما اشتمل عليه من كنوز. ومن المعلوم أن الإنسان إذا نظر في شروح الحديث يرى كثيراً من الفوائد التي تستنبط من الحديث وأن في الحديث كذا وفي الحديث كذا، ويجد نفائس وأشياء دقيقة، لكن ما كل إنسان يستطيع أن يستخرجها، وقد يتعجب إذا رأى مثلها مستنبطة من الحديث، يعني: من ناحية دقة الفهم وجودة الاستنباط من حديث رسول الله ﷺ . ومن المعلوم أن ثمرة الحديث هو الفقه، فالنبي ﷺ يقول: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) والفقه في الدين إنما يكون بالتأمل في نصوص الكتاب والسنة ومعرفة ما اشتملت عليه من كنوز وما اشتملت عليه من أحكام ومن حكم. وقوله: (نضر الله امرأً سمع منا حديثاً حتى يبلغه إلى من هو أفقه منه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه) هذا دعاء من النبي ﷺ بالنضرة لحامل الحديث، وأولى الناس وأحق الناس بهذه الدعوة الكريمة هم أصحاب رسول الله ﷺ ، بل إن قوله: (سمع منا حديثاً) إنما يراد به أصحاب الرسول ﷺ ، ولكن ورد الحديث بصيغ أخرى تشمل الصحابة وغير الصحابة بلفظ: (نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها) لأن كلمة: (سمع مقالتي) يمكن أن تكون من النبي ﷺ ومن غيره، وأما قوله هنا: (سمع منا حديثاً) فلا يكون إلا للصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. وقوله: (ورب حامل فقه ليس بفقيه) لأنه عند قوة الحفظ ولكن ما عنده الدقة في الاستنباط واستخراج الكنوز التي في الحديث، فقد يبلغ الحافظ للحديث المتقن له لغيره ممن يكون أشد تمكناً منه في الاستنباط، فيكون هذا الذي حفظ هو الذي مكن غيره من معرفة أحكام الشريعة المستنبطة من حديث رسول الله ﷺ ، وهذا الاشتغال بالنصوص ممن وصلت إليه ممن تحملها لا شك أن الفضل في ذلك بعد توفيق الله إنما هو للرسول ﷺ الذي دل الناس على الحق والهدى من بعده، وهكذا الذين تلقوه منه وهم أصحاب رسول الله ﷺ .

стр. 12305

تراجم رجال إسناد حديث: (نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه) قوله: [حدثنا مسدد]. مسدد بن مسرهد البصري ثقة، أخرج حديثه البخاري أبو داود والترمذي والنسائي. [حدثنا يحيى]. يحيى هو ابن سعيد القطان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن شعبة]. شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثني عمر بن سليمان من ولد عمر بن الخطاب]. عمر بن سليمان بن عاصم ثقة، أخرج له أصحاب السنن. [عن عبد الرحمن بن أبان]. عبد الرحمن بن أبان بن عثمان بن عفان ثقة، أخرج له أصحاب السنن. [عن أبيه]. أبوه أبان بن عثمان ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن. [عن زيد بن ثابت]. زيد بن ثابت ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 12306

بيان أنه ليس من شرط الراوي أن يكون فقهياً ولا عاملاً بما علم في هذا الحديث دلالة على أنه ليس من شرط الراوي أن يكون فقيهاً. ولا يشترط لتبليغ العلم أن يكون المبلغ عاملاً بما علم، ولكن ثمرة العلم هو العمل، والإنسان الذي يعلم ولا يعمل هذا نقص في حقه.

стр. 12307

حكم رواية الحديث بالمعنى إذا قال قائل: هل الصحابي أو غيره إذا روى الحديث بالمعنى يناله فضل حديث النبي ﷺ : (نضر الله امرأً) مع أنه رواه بمعناه؟ الجواب إذا كان لا يتمكن من اللفظ فإن الله يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]؛ لأن المقصود اللفظ والمعنى جميعاً، فإذا تعذر الإتيان باللفظ وهو متقن المعنى فإنه يأتي به ولا يتركه، فما دام أنه أتقن المعنى فيأتي به، وأما إذا كان متقناً اللفظ فلا ينبغي له أن يعدل عنه إلى غيره، بل يتمسك به ويحافظ عليه؛ لأن المحافظة على كلام المعصوم ﷺ والاستخراج منه والاستنباط منه لا شك أن هذا هو الأساس وهذا هو الأصل، لكن إذا لم يمكنه الإتيان باللفظ وهو متقن المعنى فإنه يأتي به بالمعنى. ومن الذين اعتنوا بالألفاظ والمحافظة عليها من المحدثين الإمام مسلم رحمة الله عليه، فإنه اعتنى في كتابه بالمحافظة على الألفاظ وعدم الرواية بالمعنى، فكان يحافظ على الألفاظ ويحرص عليها ولهذا قال الحافظ ابن حجر في ترجمته في تهذيب التهذيب: قلت: حصل للإمام مسلم حظ عظيم ما حصل لغيره في العناية بالمحافظة على الألفاظ وعدم الرواية بالمعنى، وذكر شيئاً من الثناء عليه في هذا الباب، ثم قال: وقد حاول جماعة من النيسابوريين السير على منواله فلم يفعلوا شيئاً، يعني: لم يبلغوا مبلغه ولا فعلوا مثلما فعل.

стр. 12308

بيان عدم صحة مقولة: كل محدث فقيه وليس كل فقيه محدثاً هناك عبارة تقول: (كل محدث فقيه وليس كل فقيه محدثاً) وهذه العبارة ليست بصحيحة، فلا يقال: كل محدث فقيه؛ لأن النبي ﷺ قال: (رب حامل فقه ليس بفقيه) حامل فقه يعني: حديث، ولكنه ليس بفقيه، فليس من شرط المحدث أن يكون فقيهاً، وكونه ليس كل فقيه محدثاً هذا صحيح، ولكن كون كل محدث فقيه ليس بلازم، فقد يكون فقيهاً وقد يكون غير فقيه؛ لأن النبي ﷺ قال في هذا الحديث: (رب حامل فقه ليس بفقيه)، لكن لا يقال: كل فقيه محدث؛ لأن الفقيه قد يشتغل بالفقه ويعتني بمعرفة المسائل وحصرها وتقييدها ولا يشتغل بالحديث، ولهذا قد يستدل بحديث ضعيف أو حديث موضوع.

стр. 12309

شرح حديث: (والله لأن يهدي الله بهداك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا سعيد بن منصور حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل -يعني: ابن سعد ﵁ عن النبي ﷺ قال: (والله! لأن يهدي الله بهداك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)]. أورد أبو داود حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁: (والله! لأن يهدي الله بهداك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) وهذا يدل على فضل نشر العلم، وأن من اهتدى على يديه إنسان فهو خير له من حمر النعم. وقد جاء في ذلك حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل إثم من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً) فهذا يدلنا على فضل تبليغ السنن وتبليغ الحديث وتبليغ الحق، وأن من دعا غيره إلى الحق والهدى فاستفاد بسببه فالله يأجر هذا المستفيد على عمله، ويأجر الذي أفاده بمثل ما آجره به دون أن ينقص من أجر الفاعل المستفيد شيئاً، بل يعطي الله الدال مثلما أعطى المدلول تفضلاً منه ؛ ولأنه كان هو السبب في وصول هذه السنة وهذا الحق والهدى إلى هذا الإنسان الذي عمل به. ولهذا كان نبينا محمد ﵊ له مثل أجور أمته من حين بعثه الله إلى قيام الساعة، فله ﷺ مثل أجور أمته كلها من أولها إلى آخرها؛ لأنه هو الذي دل الناس على الحق والهدى، فله أجور أعماله وله مثل أجور أمته، وبهذا يتبين كونه خير الناس، وأنه سيد الخلق، وأنه أفضل البشر؛ لأن هذه الأجور التي تحصل لأمته على اختلاف العصور والدهور باتباع الحق والهدى الذي جاء به يكون له مثل أجورهم كلهم من أولهم إلى آخرهم، وأحق الناس وأسعد الناس بعد رسول الله ﷺ بهذا الثواب هم أصحاب رسول الله ﵊، الذين تلقوا السنن عنه وحفظوها وأدوها إلى من بعدهم، فكل صحابي يحفظ سنة عن رسول الله ﷺ ثم الناس يتناقلونها ويعملون بها على مر العصور والدهور فالله تعالى يعطي ذلك الصحابي مثلما أعطى كل من عمل بهذه السنة التي جاءت من طريقه والتي رواها عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. وهكذا من جاء بعدهم ممن أخذ عنهم، ودل على الحق والهدى الذي جاء عن طريقهم فإنه يؤجر مثل أجور كل من استفاد خيراً بسببه وبسبب دعوته وتوجيهه وإرشاده. وهذا الحديث قاله النبي ﷺ في حق علي رضي الله تعالى، وهذا من مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، فإن النبي ﷺ أعطاه الراية يوم خيبر وقال له: (ثم ادعهم إلى الإسلام فوالله! لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم). والنعم هي: الإبل، وكانت الحمر هي أنفس أموالهم، فخاطبهم بالشيء الذي هو نفيس عندهم، والذي هو معروف عندهم من المال الذي يعتبر أنفسه وأحسنه، وفيه إقسام للتأكيد. وقوله: (لأن يهدي الله بك) يدخل في ذلك الهداية من الكفر إلى الإسلام ويدخل فيه الهداية من الضلالة ومن الفسق، كل ذلك يدخل، يدخل في ذلك الهداية التي هي الدخول في الإسلام والخروج من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، أو أن يكون الإنسان على ضلال وهو من المسلمين ثم يهديه الله على يديه فينتقل من الضلالة إلى السنة ومن البدعة إلى السنة، فإن الله تعالى يثيب هذا الذي دعا وأرشد مثلما يثيب ذلك العامل، ولا شك أن هذا خير من المال ومن أنفس الأموال. ومن قام بتوزيع الأشرطة والكتب والمطويات للناس يعتبر عمله هذا من نشر العلم وإن لم يكن هو طالب علم، ويدخل في حديث: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً) إذ لا شك أن المتسبب في الخير والموصل الخير إلى الغير ويهتدي الناس بسبب ذلك لا شك أنه شريك في الأجر.

стр. 12310

تراجم رجال إسناد حديث: (والله لأن يهدي الله بهداك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) قوله: [حدثنا سعيد بن منصور]. سعيد بن منصور ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم]. عبد العزيز بن أبي حازم صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبيه]. أبوه هو أبو حازم سلمة بن دينار ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سهل يعني: ابن سعد]. سهل بن سعد الساعدي ﵁ صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة. وهذا الإسناد رباعي، والأسانيد الرباعية هي أعلى ما يكون من الأسانيد عند أبي داود.

стр. 12311

شرح سنن أبي داود [٤١٥] الحديث عن بني إسرائيل مما جاء الشرع بجوازه، فما كان موافقاً لشرعنا ففي شرعنا غنىً عنه، وما كان مخالفاً لشرعنا فلا يؤخذ به، وما ليس موافقاً ولا مخالفاً لشرعنا فلا يصدق ولا يكذب، فعلى طالب العلم أن يعرف هذا، كما أن عليه أن يكون طلبه للعلم من أجل الله ، لا من أجل غرض دنيوي أو من أجر رياء أو سمعة، فإن من لم يكن طلبه العلم لأجل الله لن يفلح لا في الدنيا ولا في الآخرة.

стр. 12312

الحديث عن بني إسرائيل

стр. 12313

شرح حديث (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الحديث عن بني إسرائيل. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا علي بن مسهر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)]. أورد أبو داود باب الحديث عن بني إسرائيل، يعني: أن يتحدث بأحاديثهم والأشياء التي تؤثر عنهم وتنقل عنهم، وأن مثل ذلك لا بأس به، لكن هذا كما هو معلوم إذا كان في أمور ليس فيها باطل؛ لأن الحديث بالباطل ونشر الباطل لا يجوز، ولكن إذا كان فيه فوائد وفيه أخبار وما إلى ذلك فإن الحديث سائغ، ومعلوم أن أخبار بني إسرائيل إنما تتناقل وليس هناك أسانيد فيها متصلة، وإنما ساغ للناس أن يتحدثوا بما يسمعوا من أخبارهم لكن إذا كان فيها باطل فليس للإنسان أن يذكر ذلك الباطل إلا مفنداً له ومبيناً فساده وأن ذلك لا يليق ولا يصلح، أما أن يذكر ذلك ويسكت عنه فهذا لا ينبغي. وهذه الترجمة في الحديث عنهم، وأما الترجمة التي سبق أن مضت فهي في حديثهم وكلامهم؛ لأنه تقدم أن ترجم بقوله: باب رواية حديث أهل الكتاب، يعني: كونهم يتحدثون وينقل عنهم، قال فلان كذا، ولكن الذي هنا هو كونه يوجد أخبار في الكتب تنسب إلى بني إسرائيل فإنه يمكن التحدث بها ويمكن تناقلها حيث لا يكون فيها محذور أو أمر لا يسوغ أو يحصل به ضرر، اللهم إلا أن يبين بطلانه ويبين فساده إذا ذكر وتحدث به. وأورد أبو داود حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج). قوله: (حدثوا) يعني: أنه سائغ لهم، والمقصود هنا الإذن والإباحة، وليس المقصود به الوجوب ولا الاستحباب وإنما الإرشاد والإباحة. وكون الإنسان يذكر شيئاً من أخبارهم يجوز ذلك مثلما هو موجود الآن في كتب أهل السنة من أخبار بني إسرائيل لاسيما في المواعظ. وأما الحديث عن بني إسرائيل الموجودين الآن فمن المعلوم أن بني إسرائيل الآن ما عندهم إلا الخبث والشر، والأحاديث التي يتحدث بها هي ما كانت عن بني إسرائيل مما هو موجود في الكتب السابقة، فأما اليهود الموجودون الآن لا يبحث عن كلامهم ولا يتحدث به؛ إذ ليس عندهم إلا الشر والخبث، وإنما المقصود من ذلك ما كان من أخبار المتقدمين التي فيها عبر وفيها عظات وفيها كلام جميل وحكم وما إلى ذلك.

стр. 12314

تراجم رجال إسناد حديث (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) قوله: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة]. أبو بكر بن أبي شيبة عبد الله بن محمد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي. [حدثنا علي بن مسهر]. علي بن مسهر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن محمد بن عمرو]. محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي صدوق له أوهام، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي سلمة]. أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف المدني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة]. أبو هريرة ﵁ قد مر ذكره.

стр. 12315

شرح حديث (كان نبي الله ﷺ يحدثنا عن بني إسرائيل) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن المثنى حدثنا معاذ حدثني أبي عن قتادة عن أبي حسان عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال (كان نبي الله ﵌ يحدثنا عن بني إسرائيل حتى يصبح ما يقوم إلا إلى عظم صلاة)]. أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁: (أن النبي ﷺ كان يحدثهم عن بني إسرائيل) ومعلوم أن حديث النبي ﷺ عن بني إسرائيل هو إخبار منه ﷺ ، فإذا ثبت هذا الخبر عن بني إسرائيل بإسناد صحيح متصل إلى رسول الله ﷺ فإنه يصدق هذا الخبر، ويعتبر هذا الخبر صدقاً ما دام ثابتاً عن رسول الله ﵊، وأما إذا لم يكن ثابتاً عن النبي ﷺ فإنه لا يصدق ولا يكذب، وقد سبق أن النبي ﵊ قال: (إذا حدثكم أهل الكتاب بشيء فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم (وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [العنكبوت:٤٦]) إلا أن يكون ذلك الحديث الذي جاء عن بني إسرائيل باطلاً كأشياء تضاف إلى الأنبياء لا تليق بهم، فهذه لا يتردد في تكذيبها، بل الواجب هو المبادرة إلى تكذيبها وعدم تصديقها. وقوله: (كان يحدثنا عن بني إسرائيل حتى يصبح) لعل هذا حصل في بعض الليالي، ومعلوم أن هذا كان بعد صلاة الليل، وليس معنى ذلك أنه يكون من أول الليل إلى آخره، وأنه يشغل بذلك عن صلاة الليل، فقد كان ﷺ مداوماً عليها، وكان ﷺ يصلي من أول الليل ومن وسطه ومن آخره حتى انتهى وتره صلوات الله وسلامه وبركاته عليه إلى السحر، ومعنى ذلك: أن هذا كان في بعض الأحيان وليس دائماً وأبداً. وقوله: (وما يقوم إلا إلى عظم صلاة) يعني: إلى صلاة فريضة. وقوله: (حتى يصبح) معناه: أنه يقوم إلى صلاة الفجر.

стр. 12316

تراجم رجال إسناد حديث (كان نبي الله ﷺ يحدثنا عن بني إسرائيل) قوله: [حدثنا محمد بن المثنى]. محمد بن المثنى أبو موسى العنزي الملقب الزمن ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة. [حدثنا معاذ]. معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي صدوق ربما وهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا أبي]. أبوه هشام بن أبي عبد الله الدستوائي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن قتادة]. قتادة بن دعامة السدوسي البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي حسان]. أبو حسان الأعرج صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن عبد الله بن عمرو]. عبد الله بن عمرو الصحابي الجليل أحد العبادله الأربعة من أصحاب النبي ﵊، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

стр. 12317

باب في طلب العلم لغير الله تعالى

стр. 12318

شرح حديث (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في طلب العلم لغير الله تعالى. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا سريج بن النعمان حدثنا فليح عن أبي طوالة عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة) يعني: ريحها]. أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان: باب في طلب العلم لغير الله ، أي: يطلبه لدنيا أو لسمعة وشهرة ولم يكن قصده أن يعرف الحق ويعمل به ويدعو إلى الله على بصيرة، وإنما الدافع له والباعث له على طلب العلم هو الدنيا أو طلب الجاه وعلو المنزلة والشهرة وما إلى ذلك، دون أن يكون الباعث له هو ابتغاء وجه الله والدار الآخرة ومعرفة الحق للعمل به والدعوة إليه. وقد أورد أبو داود حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من طلب علماً مما يبتغى به وجه الله) لأن العلوم الشرعية يبتغى بها وجه الله . وقوله: (يبتغى به وجه الله) فيه إثبات صفة الوجه لله ، وإثبات لازم الصفة التي هي رضا الله ، وأما إذا فسر برضا الله فقط فهذا لا يسوغ؛ لأن الوجه صفة، ورضا الله صفة، فإذا فسر الوجه بأنه الرضا فمعناه: أنه لم يثبت الوجه، ولكن إذا أثبت الوجه وأثبت الرضا الذي هو لازم هذه الصفة في ابتغاء وجه الله فإن ذلك صحيح، أما إذا لم تثبت الصفة التي هي: الوجه وقيل: إن معناها رضا الله فقط دون إثبات صفة الوجه فهذا باطل لا يسوغ، وهذا نظير قول القائل في تفسير قول الله : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١] قال: في ملكه وتحت تصرفه، فإذا كان يقصد من قوله: في ملكه وتحت تصرفه أن هذا هو معنى اليد وليس لها معنى آخر، وأنها ليست صفة من صفات الله ؛ فهذا باطل، وإن أريد به إثبات الصفة وإثبات لازم الصفة وهو أن كل شيء في يد الله وكل شيء فهو في ملكه وتحت تصرفه سبحانه تعالى فهذا حق. وقوله: (عرضاً من الدنيا) يعني: شيئاً من الدنيا وعرضاً من أعراضها الزائلة. وقوله: (لم يجد عرف الجنة) يعني: ريحها؛ لأن العرف هو: الريح، وليس معنى ذلك أنه يكون حكمه حكم الكفار الذين لا يجدون ريح الجنة أبداً، وإنما المقصود من ذلك: أنه إذا لم يتجاوز الله تعالى عنه لا يحصل ذلك له من أول وهلة، ولكن كل من مات وهو غير مشرك بالله فإن أمره إلى الله إن شاء عفا عنه وتجاوز عنه، وإن شاء عذبه، وإذا عذبه لا يخلده في النار كتخليد الكفار، وإنما يخرجه منها ويدخله الجنة فيكون مآله إلى الجنة. وإن قيل: هل يدخل في هذا الحديث الاشتراك في المسابقات التي عليها جوائز، إذا كان طالب العلم ممن يحرص على العلم؟ الجواب كون الإنسان يشتغل بالعلم من أجل معرفة الحق والهدى ثم بعد ذلك جعلت مسابقة فيها جوائز ودخل فيها فهذا لا يخرجه عن كونه تعلم العلم من أجل معرفة الحق والعمل به؛ لأنه لم يتعلم من أجل الجوائز، ولم يكن الباعث له أن يكون عنده استعداد للمنافسة في الجوائز، وإنما تعلمه لمعرفة الحق والهدى، وهذا جاء عرضاً وتبعاً وشيئاً طارئاً لم يكن هو المقصود عند التعلم وعند الاشتغال بالعلم. وأما هل يدخل في هذا من يدرس ليصبح مدرساً ويحصل على الراتب؟ فإذا كان غرضه الدنيا فقط فله نصيب من هذا الحديث، وإن كان قصده أنه يتعلم الحق ويعمل به وينفع الناس به فهذا من الثواب المعجل الذي يعجله الله له في الدنيا قبل الآخرة؛ لأن الإنسان قد يعلم ويرشد الناس ويفيد التلاميذ ويكون سبباً في هدايتهم وفي استقامتهم مع كونه مدرساً ويأخذ الراتب الذي يعطى للمدرسين، فإذا كان الباعث له أن يفيد الناس وأن يفيد الطلاب وأن يكون عوناً لهم على معرفة الحق والهدى فلا شك أنه على خير كما قال ﷺ : (ولكل امرئ ما نوى).

стр. 12319

تراجم رجال إسناد حديث (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا) قوله: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا سريج بن النعمان]. سريج بن النعمان ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن. [حدثنا فليح]. فليح بن سليمان صدوق كثير الخطأ، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي طوالة عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر]. أبو طوالة عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر الأنصاري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سعيد بن يسار]. سعيد بن يسار ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة]. أبو هريرة قد مر ذكره.

стр. 12320

باب في القصص

стр. 12321

شرح حديث (لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في القصص. حدثنا محمود بن خالد حدثنا أبو مسهر حدثني عباد بن عباد الخواص عن يحيى بن أبي عمرو السيباني عن عمرو بن عبد الله السيباني عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: (لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال)]. أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان: باب في القصص، والقصص هي: ذكر الحكايات والقصص التي فيها تأثير وفيها فوائد للناس، وقد تكون هذه القصص سليمة ومفيدة، وقد يكون فيها شيء من المحذور، فالقاص هو الذي يذكر ويعظ ويأتي بالحكايات والقصص التي فيها تحريك للقلوب وقد لا يكون فيها تحريك للقلوب، ولكنها حكايات عن أناس متقدمين يأتي بها قد تكون مؤثرة وقد تكون غير مؤثرة. وأورد أبو داود حديث عوف بن مالك رضي الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال). قوله: (لا يقص) ليس هذا نهياً وإنما هو نفي؛ لأنه لو كان نهياً لصار المختال مأذوناً له في القص، فلو كان نهياً فإن معناه: أنه مأذون لهؤلاء ومنهم المختال لكن المقصود به النفي، يعني: أنه لا يحصل القصص إلا من هذا أو هذا، لكن لا يعني ذلك أنه يكون مأذوناً للمختال. وقوله: (أمير أو مأمور) الأمير هو: المسئول وهو الذي يتكلم أو مأمور من الأمير، وإذا لم يكن لا هذا ولا هذا فهو الصنف الثالث وهو المختال الذي يحب الفخر ويحب الظهور ويحب البروز وقد يكون مرائياً أو ما إلى ذلك من الصفات. فهذا إخبار عن الواقع؛ يعني: لا يقص إلا كذا وكذا وكذا، وليس معنى ذلك نفي الوقوع مطلقاً وإنما هو نفي الوقوع إلا من هؤلاء الثلاثة الذين هم: أمير أو مأمور أو مختال، والأمير والمأمور هؤلاء محقون أما المختال فهو منشغل فيما لا يعنيه وداخل في شيء غير مأذون له فيه. وعلى هذا فقوله: (لا يقص) إخبار عن الواقع، أي: أنه لا يحصل القصص إلا من كذا وكذا وكذا، وهو من جنس قوله ﷺ : (تنكح المرأة لأربع) يعني: أن الناس يتجهون إلى النكاح من أجل هذه الأمور وليس أمراً من النبي ﷺ بأن أن المرأة تنكح لكذا ولكذا ولكذا، وإنما الأمر هو بأنها تنكح من أجل دينها، هذا هو الذي أمر به الشارع، وأما هذا ففيه إخبار عن واقع الناس، فمن الناس من يكون رغبته كذا ومنهم من رغبته كذا ومنهم من رغبته كذا، ومن جنسه لا يقص إلا كذا أو كذا، يعني: أن هذا إخبار بالواقع أن القصص لا تحصل إلا من هذا أو هذا أو هذا والأول والثاني محقان والثالث ليس على حق، وفي هذا دليل على أنه ليس كل أحد يقص على الناس، وإنما الذي يقص يقص بإذن من الوالي؛ لأنه قد يتولى القص ويتولى الكلام من يفسد ومن يضر الناس ومن يلبس على الناس، فلا يتكلم كل من أراد أن يتكلم؛ لأنه قد يتكلم في الضلال وقد يتكلم في إفساد الناس وإفساد عقائد وعبادات الناس، ومثل هذه الأمور إنما تكون من الولاة ونواب الولاة الذين يؤذن لهم ولا تكون ملكاً لأحد؛ لأن عدم تقييدها بترتيب وتنظيم يؤدي إلى الفوضى وإلى أن كل واحد يتكلم بباطله وينشر باطله فيترتب على ذلك فساد الناس. وقوله: (المختال) يعني: الذي عنده خيلاء وعنده تكبر وحب بروز وظهور وسمعة.

стр. 12322

تراجم رجال إسناد حديث (لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال) قوله: [حدثنا محمود بن خالد]. محمود بن خالد الدمشقي ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة. [حدثنا أبو مسهر]. أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثني عباد بن عباد الخواص]. عباد بن عباد الخواص صدوق يهم، أخرج له أبو داود. [عن يحيى بن أبي عمرو السيباني]. يحيى بن أبي عمرو السيباني مقبول، أخرج له أبو داود. [عن عوف بن مالك الأشجعي]. عوف بن مالك الأشجعي ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. والحديث جاء من طريق أخرى عن عبد الله بن عمرو بن العاص فيكون هذا الرجل المقبول قد وجد ما يعضده ويؤيده ويشهد له.

стр. 12323

شرح حديث (جلست في عصابة من ضعفاء المهاجرين) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا جعفر بن سليمان عن المعلى بن زياد عن العلاء بن بشير المزني عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (جلست في عصابة من ضعفاء المهاجرين وإن بعضهم ليستتر ببعض من العري، وقارئ يقرأ علينا، إذ جاء رسول الله ﵌ فقام علينا، فلما قام رسول الله ﵌ سكت القارئ، فسلم ثم قال: ما كنتم تصنعون؟ قلنا: يا رسول الله! إنه كان قارئ لنا يقرأ علينا وكنا نستمع إلى كتاب الله. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: الحمد الله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم. قال: فجلس رسول الله ﵌ وسطنا ليعدل بنفسه فينا، ثم قال: بيده هكذا فتحلقوا وبرزت وجوهم له، قال: فما رأيت رسول الله ﵌ عرف منهم أحداً غيري. فقال رسول الله ﵌: أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين! بالنور التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم وذلك خمسمائة سنة)]. أورد أبو داود حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ جاء إلى جماعة من أصحابه وهم فقراء صعاليك وفيهم من يكون ثوبه غير كاف ويستتر بأخيه ويقرب من أخيه حتى لا يظهر شيء من عورته بسبب عدم وجود اللباس الكافي، فوقف عليهم رسول الله ﷺ وقال: (ما تصنعون؟ قالوا: قارئ يقرأ لنا، فجلس النبي ﷺ وقال: الحمد الله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معه) يشير إلى قوله : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨] فقال لهم: (أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين! بالنور التام يوم القيامة، تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم وذاك خمسمائة سنة) أي: أن الفقراء يسبقون الأغنياء في الدخول؛ لأنهم لا يحاسبون، بخلاف الأغنياء فإنهم يحاسبون على أموالهم وعلى ثرواتهم، فأولئك يسبقونهم لأنهم ليس عندهم شيء يحاسبون عليه من حيث الأموال: تجمعيها ومن أين جاءت؟ وأين صرفت؟ فهذا هو السبب الذي جعل الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء. والحديث ضعيف ولكن هذه الجملة الأخيرة صحيحة وثابتة؛ لأنها جاءت من طرق مختلفة، أي: أن دخول الفقراء قبل الأغنياء بخمسمائة عام أو بنصف يوم هذا جاء في غير هذا الحديث، والحديث في إسناده من هو متكلم فيه لكن الجملة الأخيرة جاء ما يدل على ثبوتها.

стр. 12324

تراجم رجال إسناد حديث (جلست في عصابة من ضعفاء المهاجرين) قوله: [حدثنا مسدد]. مسدد مر ذكره. [حدثنا جعفر بن سليمان]. جعفر بن سليمان صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن. [عن المعلى بن زياد]. المعلى بن زياد صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن العلاء بن بشير المزني]. العلاء بن بشير المزني مجهول، أخرج له أبو داود. [عن أبي الصديق الناجي]. أبو الصديق الناجي هو بكر بن عمرو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي سعيد الخدري]. أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان الخدري ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 12325

شرح حديث (لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن المثنى حدثني عبد السلام -يعني: ابن المطهر أبو ظفر - حدثنا موسى بن خلف العمى عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة)]. أورد أبو داود حديث أنس بن مالك ﵁ في فضل ذكر الله والاشتغال به وأن النبي ﵊ قال: (لأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أجلس مع أناس بعد صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة) وهذا يدل على فضل ذكر الله ، وأن شأنه عظيم عند الله ، وأنه بهذا الوصف وبهذه المنزلة وبهذه الدرجة التي بينها رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
следующие страницы →