Полный текст (18 341 стр.). Показаны 12321–12360 · переход к 12326.
стр. 12321
شرح حديث (لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في القصص.
حدثنا محمود بن خالد حدثنا أبو مسهر حدثني عباد بن عباد الخواص عن يحيى بن أبي عمرو السيباني عن عمرو بن عبد الله السيباني عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: (لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال)].
أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان: باب في القصص، والقصص هي: ذكر الحكايات والقصص التي فيها تأثير وفيها فوائد للناس، وقد تكون هذه القصص سليمة ومفيدة، وقد يكون فيها شيء من المحذور، فالقاص هو الذي يذكر ويعظ ويأتي بالحكايات والقصص التي فيها تحريك للقلوب وقد لا يكون فيها تحريك للقلوب، ولكنها حكايات عن أناس متقدمين يأتي بها قد تكون مؤثرة وقد تكون غير مؤثرة.
وأورد أبو داود حديث عوف بن مالك رضي الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال).
قوله: (لا يقص) ليس هذا نهياً وإنما هو نفي؛ لأنه لو كان نهياً لصار المختال مأذوناً له في القص، فلو كان نهياً فإن معناه: أنه مأذون لهؤلاء ومنهم المختال لكن المقصود به النفي، يعني: أنه لا يحصل القصص إلا من هذا أو هذا، لكن لا يعني ذلك أنه يكون مأذوناً للمختال.
وقوله: (أمير أو مأمور) الأمير هو: المسئول وهو الذي يتكلم أو مأمور من الأمير، وإذا لم يكن لا هذا ولا هذا فهو الصنف الثالث وهو المختال الذي يحب الفخر ويحب الظهور ويحب البروز وقد يكون مرائياً أو ما إلى ذلك من الصفات.
فهذا إخبار عن الواقع؛ يعني: لا يقص إلا كذا وكذا وكذا، وليس معنى ذلك نفي الوقوع مطلقاً وإنما هو نفي الوقوع إلا من هؤلاء الثلاثة الذين هم: أمير أو مأمور أو مختال، والأمير والمأمور هؤلاء محقون أما المختال فهو منشغل فيما لا يعنيه وداخل في شيء غير مأذون له فيه.
وعلى هذا فقوله: (لا يقص) إخبار عن الواقع، أي: أنه لا يحصل القصص إلا من كذا وكذا وكذا، وهو من جنس قوله ﷺ : (تنكح المرأة لأربع) يعني: أن الناس يتجهون إلى النكاح من أجل هذه الأمور وليس أمراً من النبي ﷺ بأن أن المرأة تنكح لكذا ولكذا ولكذا، وإنما الأمر هو بأنها تنكح من أجل دينها، هذا هو الذي أمر به الشارع، وأما هذا ففيه إخبار عن واقع الناس، فمن الناس من يكون رغبته كذا ومنهم من رغبته كذا ومنهم من رغبته كذا، ومن جنسه لا يقص إلا كذا أو كذا، يعني: أن هذا إخبار بالواقع أن القصص لا تحصل إلا من هذا أو هذا أو هذا والأول والثاني محقان والثالث ليس على حق، وفي هذا دليل على أنه ليس كل أحد يقص على الناس، وإنما الذي يقص يقص بإذن من الوالي؛ لأنه قد يتولى القص ويتولى الكلام من يفسد ومن يضر الناس ومن يلبس على الناس، فلا يتكلم كل من أراد أن يتكلم؛ لأنه قد يتكلم في الضلال وقد يتكلم في إفساد الناس وإفساد عقائد وعبادات الناس، ومثل هذه الأمور إنما تكون من الولاة ونواب الولاة الذين يؤذن لهم ولا تكون ملكاً لأحد؛ لأن عدم تقييدها بترتيب وتنظيم يؤدي إلى الفوضى وإلى أن كل واحد يتكلم بباطله وينشر باطله فيترتب على ذلك فساد الناس.
وقوله: (المختال) يعني: الذي عنده خيلاء وعنده تكبر وحب بروز وظهور وسمعة.
стр. 12322
تراجم رجال إسناد حديث (لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال)
قوله: [حدثنا محمود بن خالد].
محمود بن خالد الدمشقي ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة.
[حدثنا أبو مسهر].
أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثني عباد بن عباد الخواص].
عباد بن عباد الخواص صدوق يهم، أخرج له أبو داود.
[عن يحيى بن أبي عمرو السيباني].
يحيى بن أبي عمرو السيباني مقبول، أخرج له أبو داود.
[عن عوف بن مالك الأشجعي].
عوف بن مالك الأشجعي ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
والحديث جاء من طريق أخرى عن عبد الله بن عمرو بن العاص فيكون هذا الرجل المقبول قد وجد ما يعضده ويؤيده ويشهد له.
стр. 12323
شرح حديث (جلست في عصابة من ضعفاء المهاجرين)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا جعفر بن سليمان عن المعلى بن زياد عن العلاء بن بشير المزني عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (جلست في عصابة من ضعفاء المهاجرين وإن بعضهم ليستتر ببعض من العري، وقارئ يقرأ علينا، إذ جاء رسول الله ﵌ فقام علينا، فلما قام رسول الله ﵌ سكت القارئ، فسلم ثم قال: ما كنتم تصنعون؟ قلنا: يا رسول الله! إنه كان قارئ لنا يقرأ علينا وكنا نستمع إلى كتاب الله.
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: الحمد الله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم.
قال: فجلس رسول الله ﵌ وسطنا ليعدل بنفسه فينا، ثم قال: بيده هكذا فتحلقوا وبرزت وجوهم له، قال: فما رأيت رسول الله ﵌ عرف منهم أحداً غيري.
فقال رسول الله ﵌: أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين! بالنور التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم وذلك خمسمائة سنة)].
أورد أبو داود حديث أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ جاء إلى جماعة من أصحابه وهم فقراء صعاليك وفيهم من يكون ثوبه غير كاف ويستتر بأخيه ويقرب من أخيه حتى لا يظهر شيء من عورته بسبب عدم وجود اللباس الكافي، فوقف عليهم رسول الله ﷺ وقال: (ما تصنعون؟ قالوا: قارئ يقرأ لنا، فجلس النبي ﷺ وقال: الحمد الله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معه) يشير إلى قوله : ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨] فقال لهم: (أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين! بالنور التام يوم القيامة، تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم وذاك خمسمائة سنة) أي: أن الفقراء يسبقون الأغنياء في الدخول؛ لأنهم لا يحاسبون، بخلاف الأغنياء فإنهم يحاسبون على أموالهم وعلى ثرواتهم، فأولئك يسبقونهم لأنهم ليس عندهم شيء يحاسبون عليه من حيث الأموال: تجمعيها ومن أين جاءت؟ وأين صرفت؟ فهذا هو السبب الذي جعل الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء.
والحديث ضعيف ولكن هذه الجملة الأخيرة صحيحة وثابتة؛ لأنها جاءت من طرق مختلفة، أي: أن دخول الفقراء قبل الأغنياء بخمسمائة عام أو بنصف يوم هذا جاء في غير هذا الحديث، والحديث في إسناده من هو متكلم فيه لكن الجملة الأخيرة جاء ما يدل على ثبوتها.
стр. 12324
تراجم رجال إسناد حديث (جلست في عصابة من ضعفاء المهاجرين)
قوله: [حدثنا مسدد].
مسدد مر ذكره.
[حدثنا جعفر بن سليمان].
جعفر بن سليمان صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[عن المعلى بن زياد].
المعلى بن زياد صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[عن العلاء بن بشير المزني].
العلاء بن بشير المزني مجهول، أخرج له أبو داود.
[عن أبي الصديق الناجي].
أبو الصديق الناجي هو بكر بن عمرو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سعيد الخدري].
أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان الخدري ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 12325
شرح حديث (لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن المثنى حدثني عبد السلام -يعني: ابن المطهر أبو ظفر - حدثنا موسى بن خلف العمى عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة)].
أورد أبو داود حديث أنس بن مالك ﵁ في فضل ذكر الله والاشتغال به وأن النبي ﵊ قال: (لأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أجلس مع أناس بعد صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة) وهذا يدل على فضل ذكر الله ، وأن شأنه عظيم عند الله ، وأنه بهذا الوصف وبهذه المنزلة وبهذه الدرجة التي بينها رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
стр. 12326
تراجم رجال إسناد حديث (لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى)
قوله: [حدثنا محمد بن مثنى حدثني عبد السلام يعني: ابن مطهر].
عبد السلام بن مطهر صدوق، أخرج له البخاري وأبو داود.
[حدثني موسى بن خلف العمى].
موسى بن خلف العمى صدوق له أوهام، أخرج له البخاري تعليقاً وأبو داود والنسائي.
[عن قتادة عن أنس بن مالك].
قتادة مر ذكره، وأنس بن مالك هو خادم رسول الله ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 12327
شرح حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال له (اقرأ عليَّ سورة النساء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله ﵁ قال: قال لي رسول الله ﵌: (اقرأ علي سورة النساء.
قال: قلت: أأقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: إني أحب أن أسمعه من غيري.
قال: فقرأت عليه حتى إذا انتهيت إلى قوله: ((فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ)) [النساء:٤١] الآية، فرفعت رأسي فإذا عيناه تهملان)].
أورد أبو داود حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال له: (اقرأ علي، فقال: أأقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟!) أي: كيف اقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟! فقال: (إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأ عليه سورة النساء حتى إذا جاء إلى قول الله : ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] الآية قال: فرفعت رأسي فإذا عيناه تهملان) يعني: تذرفان الدموع من البكاء فصلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
стр. 12328
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال له (اقرأ عليَّ سورة النساء)
قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة].
عثمان بن أبي شيبة مر ذكره.
[حدثنا حفص بن غياث].
حفص بن غياث ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش].
الأعمش مر ذكره.
[عن إبراهيم].
إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيدة].
عبيدة بن عمرو السليماني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله].
عبد الله بن مسعود الهذلي رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله ﷺ .
стр. 12329
شرح سنن أبي داود [٤١٦]
الخمر هي أم الخبائث، فما من شر إلا وهو منطوٍ تحتها، ولهذا حرمها الله ، وحرم الأسباب الموصلة إليها، ولعن الرسول ﷺ في الخمر عشرة، فيجب على كل إنسان أن يبتعد عنها، وعن الأسباب الموصلة إليها، وأن يحذر منها وممن يتعاطاها.
стр. 12330
تحريم الخمر
стр. 12331
شرح حديث عمر: (نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة أشياء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الأشربة.
باب في تحريم الخمر.
حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا أبو حيان حدثني الشعبي عن ابن عمر عن عمر ﵄ أنه قال: (نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة أشياء: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير.
والخمر: ما خامر العقل.
وثلاث وددت أن رسول الله ﵌ لم يفارقنا حتى يعهد إلينا فيهن عهداً ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا)].
أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: كتاب الأشربة.
والأشربة يراد بها ما كان ممنوعاً وما كان غير ممنوع، والممنوع: الخمر، وغير الممنوع: الماء وغير ذلك من الأشياء التي هي على أصل الإباحة ولم تحرم، وما يتعلق بأحكامها وآدابها وما إلى ذلك، هذا هو المقصود بكتاب الأشربة.
وبدأ بباب في تحريم الخمر، والخمر كما جاء عن عمر ﵁: ما خامر العقل، أي: غطاه وأزاله، فيكون الإنسان من جملة المجانين أو شبيهاً بالمجانين؛ لأنه كان بعقله فسعى إلى إضاعة عقله وتغطيته بهذا الشراب الخبيث الذي هو أم الخبائث؛ لأنه يفضي إلى الخبائث على اختلاف أنواعها ويؤدي إليها؛ لأنه مع زوال العقل يمكن أن يحصل كل شر بسبب ذلك.
والخمر كانت مستعملة في الجاهلية، وجاء الإسلام فحرمها، وكان تحريمه إياها على ثلاث مراحل: المرحلة الأولى: أنه بين أن الخمر فيها منافع وإثم، ولكن الإثم أعظم من النفع، وهذا فيه إشارة إلى تركها.
المرحلة الثانية: جاء المنع من شربها وقت الصلاة، أي: أنه لا يفعل ذلك والصلاة قريبة بحيث يأتي وقت الصلاة وهو في سكره وغيبوبة عقله.
المرحلة الثالثة: بعد ذلك جاء التحريم البات الذي بين أنها رجس، وأنها من عمل الشيطان، وأمرهم باجتنابها، وأن في ذلك الفلاح، وجاء في الآخر قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١] أي: انتهوا عنها، فتركوها وتخلصوا مما كان موجوداً منها، أعني أصحاب رسول الله ﷺ الذين نزل عليهم تحريمها.
والخمر حرمت لما فيها من الأضرار والمفاسد؛ ولهذا تسمى أم الخبائث؛ لأن الإنسان إذا فقد عقله يمكن أن يقع في كل محرم، بل قد يقع في نكاح المحارم.
ثم أيضاً كون الإنسان أعطاه الله عقلاً ثم سعى باختياره إلى أن يزول عقله وأن يكون شبيهاً بالمجانين هذا من أسوأ ما يكون وأفحش ما يكون.
وابن الوردي له قصيدة لامية في الآداب وهي جميلة، ومنها جزء من بيت يقول فيه: كيف يسعى في جنون من عقل أي: كيف أن إنساناً أعطاه الله عقلاً ثم يسعى إلى أن يكون مجنوناً ويعمل بفكره وعقله إلى أن يتخلص من عقله فيكون من جملة المجانين؟! هذا شيء عجيب! فالإنسان العاقل الذي أعطاه الله عقلاً لا يسعى إلى أن يدمر عقله وأن يتخلص من عقله، فيكون من جملة المجانين.
والخمر قد جاء تحريمها كما ذكرت على ثلاث مراحل: آية في سورة البقرة، ثم آية في سورة النساء، ثم آية في سورة المائدة وهي التي فيها التحريم البات الذي قال الله فيه: ((فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ))؛ ولهذا قال عمر ﵁ لما سمع ذلك: انتهينا، وكان يقول: (اللهم بين لنا في الخمر بياناً شفاء) ولما نزل قوله: ((إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ))، وقال في الآخر: ((فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ))، قال ﵁: انتهينا.
وقد أورد أبو داود حديث عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة أشياء: من التمر، والعنب، والعسل، والحنطة، والشعير) أي: أن هذا هو الغالب فيها، وليس معنى ذلك أنه مقصور على هذه الأشياء، بل يكون من غيرها، ولكن هذا إشارة إلى الغالب الذي كان موجوداً عندهم في ذلك الوقت، إذ إنه لما نزل تحريم الخمر كانت تتخذ من هذه الأشياء.
ثم إن عمر ﵁ أتى بكلمة تدخل فيها هذه الخمسة وغيرها، حيث عرف الخمر بأنها كل ما يغطي العقل ويخمره ويستره، فما كان كذلك فإنه يقال له خمر، حيث قال: (والخمر ما خامر العقل) أي: كل شيء يغطي العقل ويستره يقال له خمر، سواء كان من هذه الأشياء الخمسة أو من غيرها.
والخمر قيل لها خمر؛ لأنها تغطي العقل وتستره كما يقال للخِمار خمار؛ لأنه يغطي الرأس والوجه، والنبي ﷺ قال في المحرم الذي وقصته دابته: (ولا تخمروا رأسه) أي: لا تغطوه، فالتخمير هو التغطية، فالخمر تغطي العقل وتستره وتحجبه، وتجعل صاحبه يسلب هذه النعمة بشربه ذلك الشيء الذي غطى عقله وصار به من جملة المجانين بعد أن كان من جملة العقلاء.
والخمر فيها أضرار كثيرة ومفاسد عظيمة، ذكر الله جملة منها في آية المائدة في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠ - ٩١]، فهي مشتملة على عدة أمور تدل على تحريم الخمر وعلى وجوب التخلص والابتعاد منها.
قوله: (ثلاث وددت أن النبي ﷺ لم يفارقنا إلا وقد عهد إلينا فيها عهداً).
يعني: أتى بشيء فاصل بيِّن لا يكون فيه مجال للاختلاف، ومعلوم أن الرسول ﷺ لم يخرج من هذه الدنيا إلا وقد بين للناس أمور دينهم، وكان مما بينه ما هو واضح لكل أحد، ومنه ما يعلم بالاستنباط، فالرسول ﷺ ما غادر هذه الحياة إلا وقد أكمل الله به الدين وأتم به النعمة، كما قال الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، لكن عمر ﵁ وأرضاه تمنى أن يكون هناك شيء فاصل في ثلاث: الجد والكلالة وأبواب من الربا، والمقصود بالجد: أبو الأب، وذلك فيما يتعلق بالإرث بينه وبين الإخوة هل يقاسمهم أو يحجبهم؟ أي: هل هو أب فيحجب أو بمنزلة الأخ فيشارك؟ وهي مسألة خلافية بين أهل العلم، وكان رأي الصديق ﵁ وأرضاه أنه يحجب الإخوة؛ لأنه بمنزلة الأب، وعمر ﵁ اختلف رأيه في هذه المسألة وجاء عنه أنه يشارك الإخوة، ولكن قول الصديق ﵁ هو الواضح الجلي، وهو الذي يدل عليه قوله ﷺ : (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر)، فإن قوله ﷺ : (فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر)، يدل على أن الجد أولى من غيره؛ لأنه أولى من الإخوة، ولا يقال: إن الإخوة أولى منه، ولا إنهم مثله؛ لأن الجد هو في النسب من الأصول الوارثين، وأما الإخوة فهم حواش وهم كلالة يحيطون بالإنسان، والكلالة: من لا ولد له ولا والد، وأما الجد فهو أصل من أصوله وهو سبب وجوده، وهو بمنزلة الأب، وعموم قوله ﷺ : (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض) نص في أن الجد مقدم على الإخوة؛ ومقدم على غيره؛ لأنه بمنزلة الأب.
وقد اعتنى ابن القيم ﵀ في كتابه إعلام الموقعين بمسائل في الفرائض وفي غيرها، ومن ذلك مسألة الجد والإخوة، وأورد أن الجد يحجب الإخوة، وذكر عشرين وجهاً كلها تدل على تقديم الجد على الإخوة، وأنه يحجبهم، وأنهم لا يشاركونه، بل هو مقدم عليهم.
إذاً: ما يتعلق بالنسبة للجد قد وجد من النبي ﷺ ما يدل على أنه أولى من غيره في قوله ﷺ : (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر)، والكلالة: من لا ولد له ولا والد، هذا هو الذي يورث كلالة، أي: ليس له والد وليس له ولد، ومعلوم أن الولد جاء ذكره في القرآن، والوالد لم يذكر، ولكن حصل الإجماع على أن الأب يحجب الإخوة، وأنهم لا يرثون، ويكون مثله الجد تماماً؛ لأنه بمنزلته ويقوم مقامه عند فقده، والمقصود بالكلالة التي فيها الاختلاف هم الإخوة الأشقاء والإخوة لأب، أما الإخوة لأم فأمرهم واضح؛ لأنهم أصحاب فروض يرثون حيث لا أصول ولا فروع، يعني: حيث يكون الميت ليس له أب ولا جد، وكذلك ليس له ابن ولا بنت، فإنهم لا يرثون مع وجود الأصل الوارث والفرع الوارث، وإنما الكلام في الإخوة الأشقاء والإخوة لأب؛ لأنهم هم الذين جاء ذكرهم في آخر سورة النساء في قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء:١٧٦] يعني: إن لم يكن لها ولد ولا والد، وهذا بالإجماع، ومعلوم أن الوالد يكون أباً ويكون جداً.
إذاً: الكلالة من ليس له والد ولا ولد.
وقوله: (وأبواب من الربا) قيل: إن هذا إنما هو في ربا الفضل، وأما ربا النسيئة فهذا أمره واضح، فربا الفضل هو الذي فيه إشكال.
الحاصل: أن عمر ﵁ تمنى أن يكون هناك نصوص واضحة لا مجال للاجتهاد فيها، وليس فيها خفاء، والاستنباط منها لا يكون خفياً، هذا هو الذي تمناه، ولكن لا يقال: إن الشريعة لم تأت ببيان هذه المسائل، بل جاءت ببيانها ولكنها فيها خفاء وفيها مجال للاجتهاد، كشأن كثير من المسائل التي تأتي والاجتهاد له مجال فيها.
стр. 12332
تراجم رجال إسناد حديث عمر (نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة أشياء)
قوله: [حدثنا أحمد بن حنبل].
أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الإمام المحدث الفقيه أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا إسماعيل بن إبراهيم].
إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم المشهور بـ ابن علية، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبو حيان].
يحيى بن سعيد بن حيان أبو حيان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
ويحيى بن سعيد أبو حيان بن حيان هذا في طبقة يحيى بن سعيد الأنصاري، وهناك من رجال الكتب الستة ممن يقال له: يحيى بن سعيد أربعة: اثنان في طبقة واثنان في طبقة، فالطبقة المتقدمة هي في صغار التابعين: يحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن سعيد أبو حيان هذا، وفي الطبقة المتأخرة: يحيى بن سعيد القطان ويحيى بن سعيد الأموي.
[حدثني الشعبي].
عامر بن شراحيل الشعبي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عمر].
عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما الصحابي الجليل أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
[عن عمر].
عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين الهاديين المهديين، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 12333
شرح حديث: (لما نزل تحريم الخمر قال عمر اللهم بين لنا)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عباد بن موسى الختلي أخبرنا إسماعيل -يعني: ابن جعفر - عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: (لما نزل تحريم الخمر قال عمر: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شفاءً، فنزلت الآية التي في البقرة: ((يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ)) [البقرة:٢١٩] الآية، قال: فدعي عمر فقرئت عليه، قال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شفاءً، فنزلت الآية التي في النساء: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء:٤٣]، فكان منادي رسول الله ﵌ إذا أقيمت الصلاة ينادي: ألا لا يقربن الصلاة سكران، فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شفاءً، فنزلت هذه الآية: ((فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ)) [المائدة:٩١]، قال: عمر: انتهينا)].
أورد أبو داود حديث عمر ﵁ أنه قال: (اللهم بين لنا في الخمر بياناً شفاءً، فنزلت آية البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩]) وهذا فيه الإشارة إلى أنه كان ينبغي بمجرد سماع هذا الكلام أن تترك؛ لأن الإثم والضرر أكبر، وذلك لما يحصل من زوال العقل وما يترتب عليه من الأضرار والمنافع.
وكونهم كان يستفيدون منها في البيع والشراء والتجارة هذه من منافعها، ثم نزلت آية النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:٤٣]، فكان منادي رسول الله ﷺ يقول: (لا يقربن الصلاة سكران) يعني: لا يشرب في الوقت الذي يكون قريباً من الصلاة حتى لا يأتي وقت الصلاة وهو سكران.
ثم بعد ذلك نزلت آية المائدة التي فيها الحد الفاصل والحكم الفاصل في تحريمها، وأنها محرمة، وأن الأمر قد استقر وانتهى في بيان حرمتها، وأنه لا يجوز للإنسان أن يتعاطاها، ولهذا فإن الصحابة ﵃ وأرضاهم بادروا إلى تركها وإلى التخلص مما كان بأيديهم منها فكانوا يهريقونها ويتلفونها امتثالاً لما جاء عن الله وعن رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وفي هذا بيان أن الخمر حصل تحريمها على هذه المراحل الثلاث، وكان عمر ﵁ وأرضاه كلما تنزل آية لم يكن التحريم فيها باتاً يقول: (اللهم بين لنا في الخمر بياناً شفاءً) ولما نزلت آية المائدة وفي أخرها ((فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ))، قال ﵁: (انتهينا، انتهينا).
فكان من شأن الصحابة أن أهراقوا ما كان بأيديهم من الخمر وكفوا عن شربها فرضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
وفي هذه الآية الكريمة بيان حرمة الخمر والابتعاد عنها من سبعة وجوه: قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ﴾ [المائدة:٩٠]، فأخبر بأنها رجس، فقيل: نجس، وقيل: خبث، وهذا يدل على تحريمها حيث إنها وصفت بهذا الوصف.
ثم قال: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة:٩٠] فوصفها بأنها من عمل الشيطان، وهذا يدل على تركها والتخلص منها.
ثم قال: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، والاجتناب يدل على أن يكون الإنسان بعيداً منها، وأن تكون في جانب وهو في جانب بحيث لا يكون هناك تقارب بينه وبينها، بل يكون بعيداً منها.
ثم قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وهذا فيه أن تركها فيه الفلاح وأنهم نهوا ليكون لهم الفلاح في ذلك.
ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ والميسر﴾ [المائدة:٩١]، وهذا فيه أن حصول العداوة والبغضاء بين الناس هو بسبب شرب الخمر، فهذان أمران يدلان على وجوب تركها.
ثم قال: ((وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ))، وهذا فيه أن الخمر فيها صد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهما أمران.
ثم قال: ((فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ)) أي: انتهوا.
فهذه أمور سبعة كلها تدل على الامتناع عن الخمر وعلى أن هذه الآية جاءت حداً فاصلاً بحكمها، وأنه لا يجوز تعاطيها ولا قربانها، بل الواجب هو اجتنابها والابتعاد عنها؛ لأن في ذلك الفلاح والانتهاء من الشر والابتعاد عنه.
وقوله: (فكان منادي رسول الله ﷺ إذا أقيمت الصلاة ينادي: ألا لا يقربن الصلاة سكران) يعني: أنه كان عند إقامة الصلاة يقول: (لا يقرب الصلاة سكران).
والسكران كما هو معلوم فاقد العقل فلا يخاطب، وهو قبل أن يبدأ الشرب وقبل السكر كان عنده إدراك، وأما مع السكر فليس عنده عقل بل هو من جملة المجانين، ولكن المقصود من ذلك من كان في مبادئ السكر، حيث لم يحصل تغطية عقله، أو أنه قد شرب وهو يعلم من نفسه أنه في هذه المدة أو في هذه الفترة يكون متصفاً بهذا الوصف الذي هو السكر.
стр. 12334
تراجم رجال إسناد حديث (لما نزل تحريم الخمر قال عمر اللهم بين لنا)
قوله: [حدثنا عباد بن موسى الختلي].
عباد بن موسى الختلي ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
[أخبرنا إسماعيل يعني: ابن جعفر].
إسماعيل بن جعفر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن إسرائيل].
إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي إسحاق].
أبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو عن عمر].
عمرو بن شرحبيل ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[عن عمر بن الخطاب].
عمر بن الخطاب ﵁ قد مر ذكره.
стр. 12335
شرح حديث: (أن رجلاً من الأنصار دعا علياً وعبد الرحمن بن عوف فسقاهما قبل أن تحرم الخمر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان حدثنا عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب ﵁: (أن رجلاً من الأنصار دعاه وعبد الرحمن بن عوف فسقاهما قبل أن تحرم الخمر فأمهم علي في المغرب فقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] فخلط فيها فنزلت: ((لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ)) [النساء:٤٣])].
أورد أبو داود حديث علي ﵁: أنه دعاه رجل من الأنصار هو وعبد الرحمن بن عوف قبل أن تحرم الخمر فشربوا، وأنه جاء وقت المغرب فأمهم علي بن أبي طالب ﵁، وأنه حصل منه تخليط في القراءة بسبب شرب الخمر فنزلت هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:٤٣].
стр. 12336
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رجلاً من الأنصار دعا علياً وعبد الرحمن بن عوف فسقاهما قبل أن تحرم الخمر)
قوله: [حدثنا مسدد].
مسدد بن مسرهد البصري ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا يحيى].
يحيى بن سعيد القطان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سفيان].
سفيان هو ابن سعيد بن مسروق الثوري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عطاء بن السائب].
عطاء بن السائب صدوق اختلط، وحديثه أخرجه البخاري مقروناً وأصحاب السنن، ولكن الراوي عنه سفيان الثوري، وهو ممن روى عنه قبل الاختلاط فسماعه صحيح؛ لأن عطاء بن السائب سمع منه سبعة قبل الاختلاط فروايتهم صحيحة وهم: سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وزهير بن معاوية، وزائدة بن قدامة، وحماد بن زيد، والأعمش، وأيوب السختياني.
[عن أبي عبد الرحمن السلمي].
أبو عبد الرحمن السلمي هو عبد الله بن حبيب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن علي بن أبي طالب].
علي بن أبي طالب ﵁ أمير المؤمنين، ورابع الخلفاء الراشدين الهاديين المهديين، صاحب المناقب الجمة، والفضائل الكثيرة ﵁ وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
стр. 12337
شرح أثر ابن عباس في نسخ آية المائدة لآيتي البقرة والنساء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن محمد المروزي حدثنا علي بن حسين عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء:٤٣]، و ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:٢١٩]، نسختهما التي في المائدة: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ﴾ [المائدة:٩٠] الآية)].
أورد أبو داود هذا الأثر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الآية التي في البقرة، والآية التي في النساء نسختهما الآية التي في المائدة وهي: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ)) إلى قوله: ((فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ))، ومعلوم أن تحريم الخمر جاء على مراحل: الأولى: الإشارة إلى المصالح والمفاسد، وأن المفاسد أعظم.
الثانية: التحريم في وقت ما، ومعنى ذلك: أن الحل كان موجوداً؛ لأنه لم يكن التحريم تحريماً عاماً.
فالمرحلة الأولى لم يكن فيها التحريم، وإنما كان فيها الإشارة إلى أن هذا فيه ضرر وفيه منافع ولكن الضرر أكبر.
المرحلة الثالثة: التحريم البات في قوله: ((فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ))، ثم قال: ((فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ)) أي: لأنه تحريم بات، وأنه لا يجوز استعمالها في أي حال من الأحوال، بل يجب التخلص منها وعدم شرب شيء منها أصلاً؛ لأنه جاء فيها التحريم الواضح الجلي الذي لا إشكال فيه، وأما قبل ذلك فقد كان تحريماً مؤقتاً يتعلق بقربان الصلاة، وقبل ذلك كانت هناك الإشارة إلى المفاسد والمضار، ولكن لم يكن هناك ذكر التحريم، ولذا بقي استعمال الخمر سائغاً في هاتين الآيتين، ثم جاء التحريم البات في آية المائدة.
стр. 12338
تراجم رجال إسناد أثر ابن عباس في نسخ آية المائدة لآيتي البقرة والنساء
قوله: [حدثنا أحمد بن محمد المروزي].
أحمد بن محمد بن ثابت المروزي ثقة، أخرج له أبو داود.
[حدثنا علي بن حسين].
على بن حسين بن واقد صدوق يهم، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد ومسلم في المقدمة وأصحاب السنن.
[عن أبيه].
أبوه ثقة له أوهام، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[عن يزيد النحوي].
يزيد بن أبي سعيد النحوي ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.
[عن عكرمة].
عكرمة مولى ابن عباس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ ، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 12339
شرح حديث أنس: (كنت ساقي القوم حيث حرمت الخمر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس ﵁ قال: (كنت ساقي القوم حيث حرمت الخمر في منزل أبي طلحة وما شربنا يومئذٍ إلا الفضيخ، فدخل علينا رجل فقال: إن الخمر قد حرمت، ونادى منادي رسول الله ﵌، فقلنا: هذا منادي رسول الله ﷺ ].
أورد أبو داود حديث أنس بن مالك ﵁، وفيه أنه لما نزل تحريم الخمر كان أنس ﵁ عند أبي طلحة، وهو زوج أمه، وكان معه أناس يشربون الخمر فجاء رجل وقال: (إن الخمر حرمت، ونادى منادي رسول الله ﷺ بتحريمها، وقالوا: هذا منادي رسول الله ﷺ ، وهنا فيه اختصار فقد جاء أنهم تركوها وأهراقوا ما كان عندهم منها، وهذا يدل على مبادرتهم إلى الاستسلام والانقياد لما يأتي عن الله وعن رسوله ﷺ من أحكام.
стр. 12340
تراجم رجال إسناد حديث أنس: (كنت ساقي القوم حيث حرمت الخمر)
قوله: [حدثنا سليمان بن حرب].
سليمان بن حرب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا حماد بن زيد].
حماد بن زيد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ثابت].
ثابت بن أسلم البناني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس].
أنس بن مالك ﵁ خادم رسول الله ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﵊.
وهذا الإسناد من الرباعيات، وهي أعلى الأسانيد عند أبي داود.
стр. 12341
باب العنب يعصر خمراً
стр. 12342
شرح حديث: (لعن الله الخمر وشاربها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب العنب يعصر للخمر.
حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع بن الجراح عن عبد العزيز بن عمر عن أبي علقمة مولاهم وعبد الرحمن بن عبد الله الغافقي أنهما سمعا ابن عمر ﵄ يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه)].
أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان: باب العنب يعصر للخمر، أي: أنه يتخذ الخمر من العنب، ومعلوم أن الخمر يتخذ من العنب وغير العنب، ولكن المشهور والذي كان كثيراً في الاستعمال عندهم هو العنب حتى قال بعض أهل العلم: إن الخمر من حيث اللغة إنما هي ما يتخذ من العنب.
ولكن كما هو معلوم جاءت النصوص والآثار تدل على أن الخمر تتخذ من العنب وغير العنب، وهم أهل اللغة، فليس الأمر مقصوراً على العنب دون غيره، والتحريم لكل ما أسكر، فكل ما أسكر قليله فإنه يكون حراماً قليله وكثيره، سواء كان من العنب أو غير العنب.
وجاء عن بعض فقهاء الكوفة أنهم كانوا يرون أن القليل الذي لا يسكر من غير العنب يسوغ، ويقصرون التحريم في القليل والكثير على ما كان من العنب خاصة، ولكن الصحيح هو ما جاء في بعض الأحاديث: (ما أسكر قليله فكثيره حرام).
أو (ما أسكر منه الفرق فالقليل منه حرام)، وهذا يدل على أنه لا فرق بين العنب وغير العنب، وأن كل ما أسكر كثيره فقليله حرام من أي شيء كان، سواء كان من العنب أو من غير العنب.
وقد أورد أبو داود حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال (لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه).
وهذه تسعة أشياء حصل لعنها، وقد جاء عند ابن ماجة زيادة: (وآكل ثمنها) أي أنه لعن في الخمر عشرة فزاد آكل الثمن، وهؤلاء العشرة أربعة منهم متقابلون، يعني: يتكون من كل واحد اثنان: الأول: (شاربها وساقيها) يعني: الذي يسقي والذي يشرب.
والثاني: (وبائعها ومبتاعها) أي: البائع والمشتري.
والثالث: (وحاملها والمحمولة إليه).
والرابع: (وعاصرها ومعتصرها) عاصرها سواء كانت له أو لغيره، ومعتصرها الطالب من غيره أن يعصرها له أو لغيره، كل هذا جاء لعنه في حديث رسول الله ﷺ .
стр. 12343
تراجم رجال إسناد حديث: (لعن الله الخمر وشاربها)
قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة].
عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي وإلا النسائي فأخرج له في عمل اليوم والليلة.
[حدثنا وكيع بن الجراح].
وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد العزيز بن عمر].
عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز صدوق يخطئ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي علقمة].
أبو علقمة الصواب فيه أنه أبو طعمة وهو مقبول، أخرج له أبو داود والنسائي في عمل اليوم والليلة وابن ماجة.
[وعبد الرحمن بن عبد الله الغافقي].
عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي مقبول أيضاً، أخرج له أبو داود وابن ماجة.
وهما اثنان مقرونان، وكل منهما مقبول فيشد بعضهما حديث بعض، أو يشد بعضهما رواية بعض.
والحديث قد جاء من طرق أخرى غير هذا الطريق.
[أنهما سمعا ابن عمر].
ابن عمر قد مر ذكره.
стр. 12344
وجه لعن الخمر
ولعن الخمر في قوله: (لعن الله الخمر) هو على اعتبار أنها سبب الشر وأنها خبيثة، بل هي أم الخبائث.
ويحمل اللعن على المعنى الظاهر وهو الطرد من رحمة الله بالنسبة للفاعلين، فهم الذين يطردون من رحمة الله، وأما الخمر فهي ملعونة؛ لأنها سبب الطرد من رحمة الله.
стр. 12345
حكم العطور والأدوية المشتملة على كحول
والعطور التي فيها كحول هل تدخل في هذا الذي فيه اللعن؟ وهل يجوز حمل تلك العطور إلى آخرين؟
الجواب
إذا كانت تسكر فإن حكمها حكم الخمر؛ والشيء الذي يكون فيه إسكار يستغنى عنه بالشيء الذي هو سليم طيب، وما أكثر الطيب! فيستغنى به عن الشيء الذي هو خبيث، والذي فيه الإسكار.
وأما الأدوية التي فيها شيء من الكحول بنسبة ضئيلة فإن ذلك لا يؤثر.
стр. 12346
ما جاء في الخمر تخلل
стр. 12347
شرح حديث: (أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمراً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في الخمر تخلل.
حدثنا زهير بن حرب حدثنا وكيع عن سفيان عن السدي عن أبي هبيرة عن أنس بن مالك ﵁: (أن أبا طلحة ﵁ سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمراً، قال: أهرقها، قال: أفلا أجعلها خلاً؟ قال: لا)].
أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان: باب في الخمر تخلل، يعني: أنها تحول من كونها خمراً مسكراً إلى كونها خلاً، وذلك بأن يطرح فيها أشياء تذهب سكرها، وتذهب شدتها، فتتخذ خلاً يستفاد به في الطعام.
وأورد أبو داود حديث أنس بن مالك ﵁ في قصة أبي طلحة وأنه استأذن النبي صلى الله ﷺ في خمر لأيتام وذلك لما نزل تحريم الخمر، وسأل عن كونها تخلل فقال له: (أهرقها)، فدل على أنه لا يجوز الاحتفاظ بها، وأن الإنسان الذي علم بتحريم الخمر عليه المبادرة إلى التخلص منها، وذلك بإهراقها وعدم إبقائها.
وكذلك لا يجوز له أن يعمل على تخليلها، بل الواجب عليه المبادرة إلى إهراقها والتخلص منها، ولو كان التخليل سائغاً لكان هؤلاء الأيتام الذين هم بحاجة إلى المحافظة على أموالهم أولى من يرخص له في ذلك، لكن ما دام أنه حصل التحريم والمنع ولو كان لأيتام دل على أن الأمر لا يسوغ ولا يجوز.
هذا إذا تدخل فيه صنع الإنسان، أما إذا تخللت بنفسها ففي ذلك خلاف بين أهل العلم، فمنهم من يقول: إن من قصد تخليلها أو قصد أنها تتحول إلى خل بحبسها فإن ذلك لا يجوز، وأما إذا كان لم يقصد هذا وإنما حصل أنها تركت حتى صارت خلاً ولم يكن ذلك مقصوداً فإنه لا بأس به، ولكن التخلص منها والابتعاد منها لا شك أنه هو الذي ينبغي، وذلك لأن القول بأنه إذا تخللت جاز استعمالها يؤدي ذلك إلى الاحتفاظ بها حتى تتحول بنفسها.
стр. 12348
تراجم رجال إسناد حديث: (أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمراً)
قوله: [حدثنا زهير بن حرب].
زهير بن حرب أبو خيثمة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[عن وكيع].
وكيع مر ذكره.
[عن سفيان عن السدي].
سفيان مر ذكره.
والسدي هو إسماعيل بن عبد الرحمن صدوق يهم، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.
[عن أبي هبيرة].
أبو هبيرة هو يحيى بن عباد بن شيبان ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[عن أنس بن مالك].
أنس بن مالك ﵁ مر ذكره.
стр. 12349
الخمر مما هي
стр. 12350
شرح حديث: (إن من العنب خمراً وإن من التمر خمراً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الخمر مما هي؟ حدثنا الحسن بن علي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن الشعبي عن النعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله ﵌: (إن من العنب خمراً، وإن من التمر خمراً، وإن من العسل خمراً، وإن من البر خمراً، وإن من الشعير خمراً)].
أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان: الخمر مما هي؟ يعني: من أي شيء تكون؟ ومن أي شيء تتخذ؟ وأورد أبو داود حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: (إن من العنب خمراً، وإن من التمر خمراً، وإن من البر خمراً، وإن من الشعير خمراً، وإن من العسل خمراً) وهذه هي التي جاءت في الحديث الأول الذي قال فيه: (نزل تحريم الخمر وهي تتخذ من كذا وكذا)، فتلك الخمسة هي هذه الخمسة التي جاءت في هذا الحديث، ولكن هذا لا يعني أنها لا تتخذ من غير ذلك، بل تتخذ من غير ذلك، ولكن هذا هو الذي كان مشهوراً عندهم في المدينة أول ما نزل تحريم الخمر.
стр. 12351
تراجم رجال إسناد حديث: (إن من العنب خمراً وإن من التمر خمراً)
قوله: [حدثنا الحسن بن علي].
الحسن بن علي الحلواني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي.
[حدثنا يحيى بن آدم].
يحيى بن آدم الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر].
إسرائيل مر ذكره.
وإبراهيم بن مهاجر صدوق لين الحفظ، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.
[عن الشعبي عن النعمان بن بشير].
الشعبي مر ذكره.
والنعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما صحابي من صغار الصحابة، توفي رسول الله ﷺ وعمره ثمان سنوات، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
стр. 12352
شرح حديث: (إن الخمر من العصير والزبيب والتمر والحنطة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مالك بن عبد الواحد أبو غسان حدثنا معتمر قال: قرأت على الفضيل بن ميسرة عن أبي حريز أن عامراً حدثه أن النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الخمر من العصير والزبيب والتمر والحنطة والشعير والذرة، وإني أنهاكم عن كل مسكر)].
أورد أبو داود حديث النعمان بن بشير أيضاً أن النبي ﷺ قال: إن الخمر من العصير -أي: عصير العنب- والزبيب والتمر والحنطة والشعير والذرة.
وهذا الحديث جاء فيه زيادة الذرة، وجاء فيه زيادة الزبيب؛ لأن العصير المقصود به العنب، وهنا ذكر الزبيب، وهذا يبين أن هذه الأشياء إنما هي أمثلة وليست حصراً لما تتخذ منه الخمر.
стр. 12353
تراجم رجال إسناد حديث: (إن الخمر من العصير والزبيب والتمر والحنطة)
قوله: [حدثنا مالك بن عبد الواحد أبو غسان].
مالك بن عبد الواحد أبو غسان المسمعي ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود.
[حدثنا معتمر].
معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قال: قرأت على الفضيل بن ميسرة].
الفضيل بن ميسرة صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
[عن أبي حريز].
أبو حريز هو عبد الله بن حسين صدوق يخطئ، أخرج له البخاري تعليقاً وأصحاب السنن.
[أن عامراً حدثه أن النعمان بن بشير].
عامر هو الشعبي، وهو والنعمان بن بشير قد مر ذكرهما.
стр. 12354
شرح حديث: (الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبان حدثني يحيى عن أبي كثير عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة).
قال: أبو داود: اسم أبي كثير الغبري: يزيد بن عبد الرحمن بن غفيلة السحمي، وقال بعضهم: أذينة.
والصواب: غفيلة].
في الحديث السابق الذي مر لما ذكر الستة الأشياء قال: (وإني أنهاكم عن كل مسكر) يعني: منها ومن غيرها، فليس الأمر مقصوراً على هذه الأشياء وإنما هي أمثلة؛ ولهذا جاء بعد ذلك شيء يشملها ويشمل غيرها، وأن الأمر متعلق بالإسكار، أما إذا لم يكن الشراب مسكراً فإنه مباح وحلال، وما وصل إلى حد الإسكار سواء كان منها أو من غيرها، فإنه حرام لا يسوغ ولا يجوز.
ثم أورد أبو داود حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة) يعني: في الغالب وليس ذلك للحصر كما هو معروف، وقد مر في الأحاديث السابقة ذكر أشياء متعددة غير العنب والتمر يكون منها اتخاذ الخمر.
وأهل الكوفة لا يرون تحريم الخمر إلا إذا كانت من العنب، وأما من غيره فلا يحرم إلا الكثير، وقالوا: إن في اللغة أن الخمر هي من العنب، فما كان من العنب فهو الخمر والباقي يقاس، والقياس لا يكون إلا بالكثير.
ويجاب: بأنه لا يسلم؛ لأن اللغة لا تحصر الخمر في العنب؛ وهذا هو كلام أهل اللغة، فإن الذين ذكروا هذه الأمور المتعددة هم من أهل اللغة وهم الصحابة ﵃ وأرضاهم، وقد جاء ذلك في حديث الرسول ﷺ .
ثم لو لم يكن هناك إلا القياس، فإن القياس صحيح، وإلحاق النظير بالنظير أمر مطلوب، ولا شك أن المقيس يلحق بالمقيس عليه في جميع الأمور، ومعلوم أن القليل حرام وإن كان لا يسكر سواء كان من العنب أو غيرها؛ لأنه ذريعة إلى الكثير الذي يسكر، فإذا سد الباب وابتعد عن الوقوع في أي شيء يوصل إلى المحذور، فإن هذا قدر مشترك بين العنب وغيره، فلا يكون المنع خاصاً بالعنب دون غيره، وإنما هو للجميع.
стр. 12355
تراجم رجال إسناد حديث: (الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة)
قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل].
موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبان].
أبان بن يزيد العطار ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[حدثني يحيى].
يحيى هو ابن أبي كثير اليمامي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي كثير].
أبو كثير هو يزيد بن عبد الرحمن الغبري ثقة أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[عن أبي هريرة].
أبو هريرة ﵁ قد مر ذكره.
[قال أبو داود: اسم أبي كثير الغبري: يزيد بن عبد الرحمن بن غفيلة السحمي، وقال بعضهم: أذينة والصواب: غفيلة].
وهذا واضح.
стр. 12356
كلام ابن القيم في مفاسد الخمر وأضرارها
ابن القيم ﵀ له كلام في مفاسد الخمر موجود في كتابه حادي الأرواح، ذكر فيه أضرار الخمر المتنوعة فقال: وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد:١٥].
فذكر سبحانه هذه الأجناس الأربعة ونفى عن كل واحد منها الآفة التي تعرض له في الدنيا، فآفة الماء أن يأسن ويأجن من طول مكثه، وآفة اللبن أن يتغير طعمه إلى الحموضة وأن يصير قارصاً، وآفة الخمر كراهة مذاقها المنافي للذة شربها، وآفة العسل عدم تصفيته، وهذا من آيات الرب تعالى أن تجري أنهار من أجناس لم تجر العادة في الدنيا بإجرائها، ويجريها في غير أخدود، وينفي عنها الآفات التي تمنع كمال اللذة بها كما ينفي عن خمر الجنة جميع آفات خمر الدنيا من الصداع والغول واللغو والإنزاف وعدم اللذة.
فهذه خمس آفات من آفات خمر الدنيا: تغتال العقل ويكثر اللغو على شربها، بل لا يطيب لشاربها ذلك إلا باللغو، وتنزف في نفسها وتنزف المال وتصدع الرأس، وهي كريهة المذاق، وهي رجس من عمل الشيطان، توقع العداوة والبغضاء بين الناس، وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وتدعو إلى الزنا، وربما دعت إلى الوقوع على البنت والأخت وذوات المحارم، وتذهب الغيرة، وتورث الخزي والندامة والفضيحة، وتلحق شاربها بأنقص نوع الإنسان، وهم المجانين, وتسلبه أحسن الأسماء والسمات، وتكسوه أقبح الأسماء والصفات، تسهل قتل النفس وإفشاء السر الذي في إفشائه مضرته أو هلاكه، ومؤاخاة الشياطين في تبذير المال الذي جعله الله قياماً له ولمن يلزمه مؤنته، وتهتك الأستار وتظهر الأسرار، وتدل على العورات، وتهون ارتكاب القبائح والمآثم، وتخرج من القلب تعظيم المحارم، ومدمنها كعابد وثن.
وكم أهاجت من حرب، وأفقرت من غني، وأذلت من عزيز، ووضعت من شريف، وسلبت من نعمة، وجلبت من نقمة، وفسخت مودة، ونسجت عداوة! وكم فرقت بين رجل وزوجته، فذهبت بقلبه وراحت بلبه! وكم أورثت من حسرة وأجرت من عبرة! وكم أغلقت في وجه شاربها باباً من الخير، وفتحت له باباً من الشر! وكم أوقعت في بلية وعجلت من المنية! وكم أورثت من خزية، وجرت على شاربها من محنة، وجرت عليه من سفلة! فهي جماع الإثم ومفتاح الشر، وسلابة النعم، وجالبة النقم، ولو لم يكن من رذائلها إلا أنها لا تجتمع هي وخمر الجنة في جوف عبد كما ثبت عنه ﷺ أنه قال: (من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة) لكفى.
وآفات الخمر أضعاف أضعاف ما ذكرنا، وكلها منتفية عن خمر الجنة.
انتهى ما يتعلق بالمفاسد والأضرار التي تترب على الخمر من كلام ابن القيم ﵀ في كتاب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح.
стр. 12357
شرح سنن أبي داود [٤١٧]
جاءت الشريعة الإسلامية الغراء بحفظ العقل؛ ولهذا حرمت كل ما يؤدي إلى زواله، وأعظم ذلك المسكرات والمخدرات، ووضعت حداً شاملاً لكل ما حرم من المسكرات والمفترات، وهو أن ما أسكر كثيره فقليله حرام، من أي شيء كان، وعلى أي لون كان، وكيفما كان.
стр. 12358
النهي عن المسكر
стр. 12359
شرح حديث (كل مسكر خمر وكل مسكر حرام)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن المسكر.
حدثنا سليمان بن داود ومحمد بن عيسى في آخرين قالوا: حدثنا حماد -يعني: ابن زيد - عن أيوب عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (كل مسكر خمر وكل مسكر حرام، ومن مات وهو يشرب الخمر يدمنها لم يشربها في الآخرة)].
أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى هذه الترجمة بعنوان: باب في النهي عن المسكر، وهنا النهي مقيد بوصف وهو الإسكار، فيدل على أن كل ما أسكر فهو حرام، والتحريم إنما هو لما يسكر كثيره، فيكون قليله تابعاً له من حيث الحرمة، بمعنى: أنه يحرم سداً للذريعة.
إذاً: الحكم معلق ومنوط بالإسكار، والوصف الذي من أجله حرمت الخمر هو الإسكار، فالخمر إنما حرمت لحصول الإسكار فيها.
ثم إن أبا داود ﵀ عقد هذه الترجمة ليبين أن الحكم منوط بالإسكار، وأن المسكر حرام مطلقاً من أي شيء كان؛ لأن الحكم الذي هو التحريم أنيط بعلة الإسكار.
وقد أورد أبو داود حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام)، وقوله: (كل مسكر خمر) فيه أن الخمر ليست مقصورة على العنب، وإنما هي متعلقة بكل مسكر، فكل مسكر يقال له: خمر، لأن الإسكار يحصل به تغطية العقل، والخمر تغطي العقل، فيكون الإسكار نتيجة لاستعمال هذا الشراب، أو المادة التي يكون فيها تخمير العقل وتغطيته.
وقوله: (وكل مسكر حرام) يعني: ليس التحريم مقصوراً على نوع معين، بل كل مسكر فهو خمر، وكل مسكر فإن حكمه التحريم، أي: أنه لا يجوز لإنسان أن يتعاطاه لا قليله ولا كثيره، ولو لم يسكر القليل؛ لأن العبرة بالنهاية وبالغاية، فما أسكر كثيره فقليله حرام كما جاءت بذلك الأحاديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وقوله: (ومن مات وهو يشرب الخمر يدمنها) يعني: أنه يكثر من شربها ومستمر على شربها، هذا هو المقصود بالإدمان.
وقوله: (لم يشربها في الآخرة) الأظهر في معناه: أنه لا يدخل الجنة دخولاً أولياً، فلا يتمتع بما فيها من النعيم، ومن ذلك الخمر التي تكون في الجنة، والتي هي سالمة من كل آفات الدنيا، فإنه لما تعاطاها في الدنيا حرمها في الآخرة، لكن هذا الحرمان له في الآخرة لا يعني أنه يستمر وأنه لا يدخل الجنة أبداً، وأنه سيبقى في النار أبد الآباد، وإنما المقصود من ذلك أنه وإن دخل لا يكون مع أول من يدخل الجنة، وإن كان سيدخلها بعد ذلك إن لم يشأ الله له قبل دخولها المغفرة؛ لأن كل ذنب دون الشرك فأمره إلى الله ، إن شاء عفا عن صاحبه وأدخله الجنة من أول وهلة، وإن لم يشأ العفو عنه وشاء أن يعذبه، فإنه يعذب على مقدار جرمه ثم بعد ذلك يخرج من النار ويدخل الجنة، فمآله إلى الجنة ولا بد.
ومن العلماء من قال: إنه يدخل الجنة، ولكنه لا يشرب الخمر، يعني: أن هذا النعيم الذي في الجنة المتعلق بالخمر لا يحصل له، والذي يظهر هو الأول، وهو من جنس النصوص التي فيها تحريم الجنة أو عدم دخول الجنة لمن فعل فعلاً من المعاصي ومن الكبائر التي ليست كفراً وليست شركاً بالله ، فإن الأمر في ذلك أنه لا يدخلها مع أول من يدخلها، وإن دخلها بعد ذلك، فمن شاء الله تعالى أن يدخل النار ويعذب فيها فإن مآله إلى الجنة ولا بد.
فقوله: (لم يشربها في الآخرة) يعني: في الجنة.
стр. 12360
تراجم رجال إسناد حديث (كل مسكر خمر وكل مسكر حرام)
قوله: [حدثنا سليمان بن داود].
سليمان بن داود أبو الربيع الزهراني ثقة، أخرج حديثه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
[ومحمد بن عيسى].
محمد بن عيسى الطباع ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة.
[في آخرين].
يعني: أن هذين الراويين معهما آناس آخرون أشار إليهم أبو داود دون أن يذكرهم واكتفى بذكر هذين الاثنين.
[قالوا: حدثنا حماد يعني: ابن زيد].
حماد بن زيد بن درهم البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وكلمة (يعني: ابن زيد) هذه قالها أبو داود أو من دون أبي داود، وأما تلميذه سليمان بن داود أبو الربيع الزهراني أو محمد بن عيسى الطباع فلا يحتاج إلى أن يقول: (يعني)، بل ينسب شيخه كما يريد، ويذكر شيخه كما يريد، لكنهما ذكراه بالاقتصار على لفظ حماد دون أن ينسباه، فمن دون التلاميذ لما أراد أن يضيف شيئاً أتى بكلمة (يعني) حتى يتبين بها أن هذا التوضيح والبيان ليس من التلاميذ، وإنما هو ممن دون التلاميذ.
[عن أيوب].
أيوب بن أبي تميمة السختياني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن نافع].
نافع مولى ابن عمر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عمر].
عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وهم: عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير، وهو أيضاً أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ ، الذين يقول فيهم السيوطي في الألفية: والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والحبر كالخدري وجابر وزوجة النبي والبحر المراد به: ابن عباس، وزوجة النبي المراد بها: أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عن الجميع.
следующие страницы →