Полный текст (18 341 стр.). Показаны 12356–12395 · переход к 12361.
стр. 12356
كلام ابن القيم في مفاسد الخمر وأضرارها
ابن القيم ﵀ له كلام في مفاسد الخمر موجود في كتابه حادي الأرواح، ذكر فيه أضرار الخمر المتنوعة فقال: وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد:١٥].
فذكر سبحانه هذه الأجناس الأربعة ونفى عن كل واحد منها الآفة التي تعرض له في الدنيا، فآفة الماء أن يأسن ويأجن من طول مكثه، وآفة اللبن أن يتغير طعمه إلى الحموضة وأن يصير قارصاً، وآفة الخمر كراهة مذاقها المنافي للذة شربها، وآفة العسل عدم تصفيته، وهذا من آيات الرب تعالى أن تجري أنهار من أجناس لم تجر العادة في الدنيا بإجرائها، ويجريها في غير أخدود، وينفي عنها الآفات التي تمنع كمال اللذة بها كما ينفي عن خمر الجنة جميع آفات خمر الدنيا من الصداع والغول واللغو والإنزاف وعدم اللذة.
فهذه خمس آفات من آفات خمر الدنيا: تغتال العقل ويكثر اللغو على شربها، بل لا يطيب لشاربها ذلك إلا باللغو، وتنزف في نفسها وتنزف المال وتصدع الرأس، وهي كريهة المذاق، وهي رجس من عمل الشيطان، توقع العداوة والبغضاء بين الناس، وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وتدعو إلى الزنا، وربما دعت إلى الوقوع على البنت والأخت وذوات المحارم، وتذهب الغيرة، وتورث الخزي والندامة والفضيحة، وتلحق شاربها بأنقص نوع الإنسان، وهم المجانين, وتسلبه أحسن الأسماء والسمات، وتكسوه أقبح الأسماء والصفات، تسهل قتل النفس وإفشاء السر الذي في إفشائه مضرته أو هلاكه، ومؤاخاة الشياطين في تبذير المال الذي جعله الله قياماً له ولمن يلزمه مؤنته، وتهتك الأستار وتظهر الأسرار، وتدل على العورات، وتهون ارتكاب القبائح والمآثم، وتخرج من القلب تعظيم المحارم، ومدمنها كعابد وثن.
وكم أهاجت من حرب، وأفقرت من غني، وأذلت من عزيز، ووضعت من شريف، وسلبت من نعمة، وجلبت من نقمة، وفسخت مودة، ونسجت عداوة! وكم فرقت بين رجل وزوجته، فذهبت بقلبه وراحت بلبه! وكم أورثت من حسرة وأجرت من عبرة! وكم أغلقت في وجه شاربها باباً من الخير، وفتحت له باباً من الشر! وكم أوقعت في بلية وعجلت من المنية! وكم أورثت من خزية، وجرت على شاربها من محنة، وجرت عليه من سفلة! فهي جماع الإثم ومفتاح الشر، وسلابة النعم، وجالبة النقم، ولو لم يكن من رذائلها إلا أنها لا تجتمع هي وخمر الجنة في جوف عبد كما ثبت عنه ﷺ أنه قال: (من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة) لكفى.
وآفات الخمر أضعاف أضعاف ما ذكرنا، وكلها منتفية عن خمر الجنة.
انتهى ما يتعلق بالمفاسد والأضرار التي تترب على الخمر من كلام ابن القيم ﵀ في كتاب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح.
стр. 12357
شرح سنن أبي داود [٤١٧]
جاءت الشريعة الإسلامية الغراء بحفظ العقل؛ ولهذا حرمت كل ما يؤدي إلى زواله، وأعظم ذلك المسكرات والمخدرات، ووضعت حداً شاملاً لكل ما حرم من المسكرات والمفترات، وهو أن ما أسكر كثيره فقليله حرام، من أي شيء كان، وعلى أي لون كان، وكيفما كان.
стр. 12358
النهي عن المسكر
стр. 12359
شرح حديث (كل مسكر خمر وكل مسكر حرام)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن المسكر.
حدثنا سليمان بن داود ومحمد بن عيسى في آخرين قالوا: حدثنا حماد -يعني: ابن زيد - عن أيوب عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (كل مسكر خمر وكل مسكر حرام، ومن مات وهو يشرب الخمر يدمنها لم يشربها في الآخرة)].
أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى هذه الترجمة بعنوان: باب في النهي عن المسكر، وهنا النهي مقيد بوصف وهو الإسكار، فيدل على أن كل ما أسكر فهو حرام، والتحريم إنما هو لما يسكر كثيره، فيكون قليله تابعاً له من حيث الحرمة، بمعنى: أنه يحرم سداً للذريعة.
إذاً: الحكم معلق ومنوط بالإسكار، والوصف الذي من أجله حرمت الخمر هو الإسكار، فالخمر إنما حرمت لحصول الإسكار فيها.
ثم إن أبا داود ﵀ عقد هذه الترجمة ليبين أن الحكم منوط بالإسكار، وأن المسكر حرام مطلقاً من أي شيء كان؛ لأن الحكم الذي هو التحريم أنيط بعلة الإسكار.
وقد أورد أبو داود حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام)، وقوله: (كل مسكر خمر) فيه أن الخمر ليست مقصورة على العنب، وإنما هي متعلقة بكل مسكر، فكل مسكر يقال له: خمر، لأن الإسكار يحصل به تغطية العقل، والخمر تغطي العقل، فيكون الإسكار نتيجة لاستعمال هذا الشراب، أو المادة التي يكون فيها تخمير العقل وتغطيته.
وقوله: (وكل مسكر حرام) يعني: ليس التحريم مقصوراً على نوع معين، بل كل مسكر فهو خمر، وكل مسكر فإن حكمه التحريم، أي: أنه لا يجوز لإنسان أن يتعاطاه لا قليله ولا كثيره، ولو لم يسكر القليل؛ لأن العبرة بالنهاية وبالغاية، فما أسكر كثيره فقليله حرام كما جاءت بذلك الأحاديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وقوله: (ومن مات وهو يشرب الخمر يدمنها) يعني: أنه يكثر من شربها ومستمر على شربها، هذا هو المقصود بالإدمان.
وقوله: (لم يشربها في الآخرة) الأظهر في معناه: أنه لا يدخل الجنة دخولاً أولياً، فلا يتمتع بما فيها من النعيم، ومن ذلك الخمر التي تكون في الجنة، والتي هي سالمة من كل آفات الدنيا، فإنه لما تعاطاها في الدنيا حرمها في الآخرة، لكن هذا الحرمان له في الآخرة لا يعني أنه يستمر وأنه لا يدخل الجنة أبداً، وأنه سيبقى في النار أبد الآباد، وإنما المقصود من ذلك أنه وإن دخل لا يكون مع أول من يدخل الجنة، وإن كان سيدخلها بعد ذلك إن لم يشأ الله له قبل دخولها المغفرة؛ لأن كل ذنب دون الشرك فأمره إلى الله ، إن شاء عفا عن صاحبه وأدخله الجنة من أول وهلة، وإن لم يشأ العفو عنه وشاء أن يعذبه، فإنه يعذب على مقدار جرمه ثم بعد ذلك يخرج من النار ويدخل الجنة، فمآله إلى الجنة ولا بد.
ومن العلماء من قال: إنه يدخل الجنة، ولكنه لا يشرب الخمر، يعني: أن هذا النعيم الذي في الجنة المتعلق بالخمر لا يحصل له، والذي يظهر هو الأول، وهو من جنس النصوص التي فيها تحريم الجنة أو عدم دخول الجنة لمن فعل فعلاً من المعاصي ومن الكبائر التي ليست كفراً وليست شركاً بالله ، فإن الأمر في ذلك أنه لا يدخلها مع أول من يدخلها، وإن دخلها بعد ذلك، فمن شاء الله تعالى أن يدخل النار ويعذب فيها فإن مآله إلى الجنة ولا بد.
فقوله: (لم يشربها في الآخرة) يعني: في الجنة.
стр. 12360
تراجم رجال إسناد حديث (كل مسكر خمر وكل مسكر حرام)
قوله: [حدثنا سليمان بن داود].
سليمان بن داود أبو الربيع الزهراني ثقة، أخرج حديثه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
[ومحمد بن عيسى].
محمد بن عيسى الطباع ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة.
[في آخرين].
يعني: أن هذين الراويين معهما آناس آخرون أشار إليهم أبو داود دون أن يذكرهم واكتفى بذكر هذين الاثنين.
[قالوا: حدثنا حماد يعني: ابن زيد].
حماد بن زيد بن درهم البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وكلمة (يعني: ابن زيد) هذه قالها أبو داود أو من دون أبي داود، وأما تلميذه سليمان بن داود أبو الربيع الزهراني أو محمد بن عيسى الطباع فلا يحتاج إلى أن يقول: (يعني)، بل ينسب شيخه كما يريد، ويذكر شيخه كما يريد، لكنهما ذكراه بالاقتصار على لفظ حماد دون أن ينسباه، فمن دون التلاميذ لما أراد أن يضيف شيئاً أتى بكلمة (يعني) حتى يتبين بها أن هذا التوضيح والبيان ليس من التلاميذ، وإنما هو ممن دون التلاميذ.
[عن أيوب].
أيوب بن أبي تميمة السختياني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن نافع].
نافع مولى ابن عمر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عمر].
عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وهم: عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير، وهو أيضاً أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ ، الذين يقول فيهم السيوطي في الألفية: والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والحبر كالخدري وجابر وزوجة النبي والبحر المراد به: ابن عباس، وزوجة النبي المراد بها: أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عن الجميع.
стр. 12361
بيان أن الإدمان لا يلزم منه الاستحلال
قوله: (لم يشربها في الآخرة) الأظهر: أنه لا يدخل الجنة دخولاً أولياً، وهذا لا يفهم منه أن إدمانه على الخمر يدل على استحلاله لها، فإن كان مستحلاً لها فهو لا يدخلها أبداً؛ لأنه يكون كافراً بالاستحلال، ولكن الكلام في غير المستحل.
ولا تلازم بين الإدمان والاستحلال، بل قد يكون الإنسان مدمناً وهو عاصٍ، ويعتبر مذنباً، ولا يقول: إنها حلال، ولكنه مبتلى بهذه الخبيثة أم الخبائث.
فلا تلازم بين الإدمان وبين الاستحلال، فيمكن أن يكون مع الإدمان مستحلاً حيث يقول: الخمر حلال، وليست بحرام، ويمكن أن يكون مع إكثاره منها وإدمانه لها يعتبر نفسه مذنباً، وليس بالمستحل، ويقول: إنه مخطئ وإنه قد ابتلي، وهو يعترف بذنبه، فهذا لا يكون كافراً، لكن إن كان مستحلاً فإنه لا يشربها أبداً ولا يدخل الجنة، وأما مع كونه غير مستحل فإنه لا يدخلها مع أول من يدخلها، وهذا مثل قوله ﷺ : (لا يدخل الجنة قتات) أي: نمام، يعني: لا يدخلها مع أول من يدخلها، وليس معنى ذلك أنها محرمة عليه أبداً، كما حرمت على الكفار، حيث لا سبيل للكفار إلى دخول الجنة.
بل كل صاحب كبيرة فأمره إلى الله إن شاء عفا وتجاوز عنه ودخل الجنة من أول وهلة، وإن شاء عذبه ولكنه لا يخلده في النار، ولا يبقيه فيها أبد الآباد، بل يخرجه منها ويدخله الجنة ولا يبقى في النار أبد الآباد إلا الكفار الذين هم أهلها ولا سبيل لهم إلى الخروج منها.
стр. 12362
شرح حديث (كل مخمر خمر وكل مسكر حرام)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن رافع النيسابوري حدثنا إبراهيم بن عمر الصنعاني قال: سمعت النعمان بن أبي شيبة يقول: عن طاوس عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﵌ قال: (كل مخمر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب مسكراً بخست صلاته أربعين صباحاً، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال، قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟! قال: صديد أهل النار، ومن سقاه صغيراً لا يعرف حلاله من حرامه كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال)].
أورد أبو داود حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ قال: (كل مخمر خمر) يعني: كل مخمر للعقل، مغطٍ له ساتر له، يكون خمراً، والمقصود بالمخمر: كل مسكر، وهذا مثل قوله في الحديث الأول: (كل مسكر خمر).
فقوله: (كل مخمر خمر) يعني: كل مسكر مغطٍ للعقل ساتر له، فإنه يكون خمراً ويقال له: خمر، من أي شيء كان من العنب أو التمر أو الزبيب أو البسر أو الشعير أو البر أو العسل أو أي شيء يحصل به الإسكار، ويحصل به تخمير العقل وتغطيته، فما كان كذلك فإنه يقال له: خمر.
وقوله: (وكل مسكر حرام) هو من جنس الجملة الأولى التي وردت في الحديث الأول وهي قوله: (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام) وهنا قال: (كل مخمر خمر) يعني: كل مسكر مغطٍ للعقل خمر.
وقوله: (وكل مسكر حرام).
هذا فيه بيان التحريم، والفرق بين الجملة الأولى والثانية أن الأولى فيها تسمية الخمر، والثانية فيها بيان الحكم وأنها حرام.
وقوله: (ومن شرب مسكراً بخست -يعني: نقصت- صلاته أربعين صباحاً، فإن تاب تاب الله عليه).
يعني: أن هذا النقصان الذي قد حصل وهذا البخس الذي قد حصل، إذا تاب تاب الله عليه.
وقوله: (فإن عاد الرابعة كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال) هنا قال: (فإن عاد الرابعة) وما ذكر إلا مرة واحدة، لكن جاء في سنن الترمذي من طريق أخرى عن عبد الله بن عمر أنه ذكر ذلك ثلاث مرات ثم قال: (فإن عاد الرابعة كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال).
فمعنى ذلك: أنه قال: إن شربها بخست صلاته أربعين صباحاً، فإن عاد بخست صلاته أربعين صباحاً، فإن عاد الثالثة كذلك، ثم قال: (فإن عاد -يعني: للرابعة- كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال) ومعنى ذلك: أنه كلما شرب يحصل له المعاقبة بأن يحرم ثواب الصلوات هذه المدة، وإن كان يعتبر مؤدياً للصلاة، ولا يقال: إنه يعيدها لأنها ليس لها أجر، ولكنه فعلها وأداها وحرم ثوابها، وحيل بينه وبين ثوابها عقوبة له على ذلك.
وقوله: (بخست صلاته أربعين صباحاً) أي: أنه يحرم الثواب هذه المدة، فإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد كذلك ثم الثالثة كذلك، وإن عاد الرابعة كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال.
وطينة الخبال هي عصارة أهل النار، وعصارة أهل النار هي ما يخرج منهم من الصديد والقيح، فإن هذا هو الذي يسقى إياه من كان على هذه الهيئة وعلى هذا الوصف، وهو كونه يشرب الخمر، ويكرر شربها، فيحرم الأجر في الصلوات التي يصليها، وإن عاد المرة الرابعة يكون هذا جزاؤه بأن يسقى من طينة الخبال وهي عصارة أهل النار، نعوذ بالله من ذلك! ونسأل الله السلامة والعافية.
وقوله: (ومن سقاه صغيراً لا يعرف حلاله من حرامه، كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال) يعني: من سقى صغيراً ليس عنده معرفة بالحلال والحرام خمراً، فإنه يعاقب بهذه العقوبة؛ لأنه فعل هذا الفعل الشنيع مع غيره ممن هو جاهل، وممن هو صغير غير مدرك وغير مميز.
стр. 12363
تراجم رجال إسناد حديث (كل مخمر خمر وكل مسكر حرام)
قوله: [حدثنا محمد بن رافع النيسابوري].
محمد بن رافع النيسابوري القشيري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة، وهو أحد شيوخ الإمام مسلم الذين أكثر عنهم، والإمام مسلم يوافقه في البلد وفي القبيلة؛ لأن مسلماً قشيري من حيث النسب والقبيلة، ونيسابوري من حيث البلد، وشيخه محمد بن رافع هو بلديه ومن قبيلته، فهو نيسابوري قشيري، وهذا الرجل الذي هو محمد بن رافع هو الذي يروي من طريقه الإمام مسلم صحيفة همام بن منبه، فالأحاديث التي يوردها الإمام مسلم من صحيفة همام بن منبه كلها من طريق محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، فشيخه في أحاديث الصحيفة هو محمد بن رافع.
[حدثنا إبراهيم بن عمر الصنعاني].
إبراهيم بن عمر الصنعاني مستور، أخرج له أبو داود، والمستور: هو مجهول الحال، وهذا الحديث مذكور في ترجمته في تهذيب الكمال.
[قال: سمعت النعمان بن أبي شيبة].
النعمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أبو داود.
[عن طاوس].
طاوس بن كيسان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
ابن عباس هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ ، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
وهذا المستور الذي في سند الحديث لا يؤثر؛ لأن قضية بخس الصلاة أو نقص الصلاة جاءت من طريق أخرى عن ابن عمر، غير هذه الطريق التي جاءت عن ابن عباس، وأما سقيه من طينة الخبال، فقد جاء ذلك من طرق، وعلى هذا فلا يؤثر وجود هذا الشخص المستور في هذا الإسناد.
стр. 12364
حكم المخدرات
المخدرات هي أخطر من الخمر؛ لأن الخمر ضررها مؤقت، وأما هذه المخدرات فتهدم الجسم، ويكون مدمنها ميتاً وهو حي، بسبب إتلافها للجسم.
وأما المسكرات فإنها مادامت مسكرة ففيها الضرر، وإذا ذهب السكر رجعت الأجسام إلى طبيعتها وإلى حالتها، وأما هذه المخدرات فتفتك بالجسم وتتلفه، وتميته، ويكون كأنه فقد حياته وهو حي؛ ولهذا فإن ضررها أكبر من ضرر المسكرات؛ لأن المسكرات ضررها يكون ما دام السكر موجوداً، وأما تلك فضررها مستمر ومتصل ودائم.
قيل: وذكر حرمانه الصلاة لأنها أفضل عبادات البدن، وذكرت الأربعين لأن الخمر تبقى في جوف الشارب وعروقه تلك المدة.
أما كون الصلاة أعظم أركان الإسلام فإن هذا ليس فيه إشكال، وأما كون الخمر تبقى في جوف شاربها أربعين فهذا لا أدري وجهه وصحته؟ فكونها تبقى أربعين بهذا التحديد لا أدري ما وجهه؟ وقد جاء ذكر الأربعين في غير الخمر، كقوله ﷺ : (من أتى عرافاً لم تقبل له صلاة أربعين يوماً) وهذا ليس له دخل بقضية شيء يبقى في جسمه.
стр. 12365
شرح حديث (ما أسكر كثيره فقليله حرام)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة حدثنا إسماعيل -يعني: ابن جعفر - عن داود بن بكر بن أبي الفرات عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما أسكر كثيره فقليله حرام)].
أورد أبو داود حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) وهذا يدلنا على أن كل مسكر محرم قليله وكثيره، أما كثيره فمن أجل الإسكار، وأما قليله فمن أجل أنه ذريعة إلى الكثير، ووسيلة إلى الوصول إلى الكثير، فلذا يقطع الطريق أمام الإنسان، حتى لا يعرض نفسه للوقوع في هذه الخبيثة أم الخبائث، فلو لم يسكر القليل فإنه لا يجوز تعاطيه وإن لم يسكر؛ لأن الأخذ منه والتساهل فيه يؤدي إلى الوصول إلى الكثير الذي يحصل به الإسكار، لكن إذا منع نفسه من ذلك، وحال بين نفسه وبين ذلك، وأبعد نفسه عن ذلك؛ كان في ذلك سلامته ونجاته.
إذاً: قوله ﷺ : (ما أسكر كثيره فقليله حرام) يدلنا على أن كل ما كان مسكراً من أي شيء كان فإنه حرام، وأن ما أسكر منه الكثير فإنه يحرم منه القليل، ولا يقال: إن الأمر متعلق بالإسكار فقط، وأنا أشرب حيث لا إسكار، بل الرسول ﷺ منع ذلك؛ لأنه ذريعة ووسيلة إلى الوصول إلى الأمر المحرم، والشريعة جاءت بسد الذرائع.
والإمام ابن القيم ﵀ ذكر في كتابه إعلام الموقعين تسعة وتسعين دليلاً على سد الذرائع التي توصل إلى الأمور المحرمة، فالوسائل حرمت من أجل الغايات؛ لأنها تؤدي إلى أمر محرم، فحرم ذلك الشيء الذي يؤدي إليه وإن كان هو نفسه لا يحصل منه الإسكار.
стр. 12366
تراجم رجال إسناد حديث (ما أسكر كثيره فقليله حرام)
قوله: [حدثنا قتيبة].
قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا إسماعيل يعني: ابن جعفر].
إسماعيل بن جعفر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن داود بن بكر بن أبي الفرات].
داود بن بكر بن أبي الفرات صدوق، أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة.
[عن محمد بن المنكدر].
محمد بن المنكدر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن جابر بن عبد الله].
جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما صحابي ابن صحابي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 12367
شرح حديث (سئل رسول الله صلى الله عليه سلم عن البتع فقال كل شراب أسكر فهو حرام)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن عائشة ﵂ قالت: (سئل رسول الله ﷺ عن البتع فقال: كل شراب أسكر فهو حرام)].
أورد أبو داود حديث عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ سئل عن البتع).
والبتع هو: الشراب الذي يتخذ من العسل، وهذا السؤال خاص معين، ولكنه ﷺ أعطى جواباً عاماً؛ لأنه قد أعطي جوامع الكلم ﷺ ، فلم يكن جوابه أن قال: هو حرام، أو قال: هل يسكر أو لا يسكر؟ وإنما قال: (كل مسكر حرام).
إذاً: الحكم معلق بالإسكار سواء جاء من العسل, أو جاء من التمر، أو جاء من العنب، أو البسر، أو الشعير، أو الذرة أو الحنطة أو أي شيء، فكل مسكر حرام، فكان هذا من جوابه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه الذي يعطي الحكم عن المسئول عنه وزيادة، وأن الأمر منوط بالإسكار سواء كان من البتع المتخذ من العسل، أو أي نوع آخر.
وأما إقامة الحد هل يكون بتناول القليل أو بالإسكار؟ فذكر بعض العلماء أنه يعرف شرب الخمر بالتقيؤ، ومعلوم أن التقيؤ قد يكون بالقليل، وليس بلازم أن يكون بالشيء الذي يسكر، فمن شرب شيئاً وعرف أنه خمر، فيكون الحكم أنه شرب خمراً، وليس الحكم من أجل حصول الإسكار فقط، وإنما من أجل شرب الخمر، ومعلوم أن من شرب قليلاً فقد شرب خمراً، فمن جملة الأشياء التي يستدل بها على شرب الخمر التقيؤ، فالإنسان إذا تقيأ وعرف أنه خمر فمعناه أنه فعل أمراً يقتضي الحد.
стр. 12368
تراجم رجال إسناد حديث (سئل رسول الله صلى الله عليه سلم عن البتع فقال كل شراب أسكر فهو حرام)
قوله: [حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي].
عبد الله بن مسلمة القعنبي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[عن مالك].
مالك بن أنس إمام دار الهجرة المحدث الفقيه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن شهاب].
ابن شهاب هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سلمة].
أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف المدني ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
عائشة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها الصديقة بنت الصديق، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 12369
طريق أخرى لحديث (سئل رسول الله ﷺ عن البتع فقال كل شراب أسكر فهو حرام) وتراجم رجال إسنادها
[قال أبو داود: قرأت على يزيد بن عبد ربه الجرجسي: حدثكم محمد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري بهذا الحديث بإسناده زاد: (والبتع: نبيذ العسل، كان أهل اليمن يشربونه)].
أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى وفيه قوله: (والبتع: نبيذ العسل، كان أهل اليمن يشربونه) يعني: أن هذا تفسير للبتع الذي جاء في الحديث من الطريق الأولى، فإنه سأله عن البتع، فقال: (كل شراب أسكر فهو حرام).
والنبيذ هو شيء ينتبذ في أوعية، ويحصل منه التخمر، ويمكن أن يوضع معه شيء، وإلا فالعسل يمكن أنه يبقى بدون أن يتخمر.
قوله: [قرأت على يزيد بن عبد ربه الجرجسي].
يزيد بن عبد ربه الجرجسي ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
[حدثكم محمد بن حرب].
محمد بن حرب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الزبيدي].
الزبيدي هو محمد بن الوليد الزبيدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[عن الزهري بهذا الحديث بإسناده].
أي: بإسناده الذي فوق الزهري، وهو عن أبي سلمة عن عائشة.
[قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لا إله إلا الله ما كان أثبته! ما كان فيهم مثله.
يعني: في أهل حمص.
يعني: الجرجسي].
هذا نقل من أبي داود عن الإمام أحمد أنه كان يثني على الجرجسي شيخ أبي داود في هذا الحديث، وهو أنه ما كان في أهل حمص مثله، وهذه تزكية له وثناء عليه.
стр. 12370
شرح حديث ديلم الحميري (سألت رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله! إنا بأرض باردة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هناد بن السري حدثنا عبدة عن محمد -يعني: ابن إسحاق - عن يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني عن ديلم الحميري ﵁ قال: (سألت رسول الله ﵌ فقلت: يا رسول الله! إنا بأرض باردة نعالج فيها عملاً شديداً، وإنا نتخذ شراباً من هذا القمح نتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا، قال: هل يسكر؟ قلت: نعم، قال: فاجتنبوه، قال: قلت: فإن الناس غير تاركيه، قال: فإن لم يتركوه فقاتلوهم)].
أورد أبو داود حديث ديلم الحميري ﵁: (أنه جاء إلى النبي ﷺ وقال: إنا نتخذ شراباً من القمح نتقوى به على أعمالنا، فقال رسول الله ﷺ : أيسكر؟ فقال: نعم, قال: اجتنبوه، قال: إنهم غير تاركيه -يعني: إنهم قد اعتادوه وألفوه- فقال: إن لم يتركوه فقاتلوهم).
سأله ﷺ عن الإسكار لأن الحكم يتعلق به، أما إذا كان لا يسكر فلا بأس؛ لأن المحذور هو كونه يسكر، فقال: (إنه يسكر).
فالنبي ﷺ قال: (اجتنبوه)، أي: مادام يسكر فإنه يجتنب؛ لأن الخمر يجب اجتنابها والابتعاد عنها.
فقال: (إنهم غير تاركيه) يعني: أنهم قد ألفوه فقال ﵊: (إن لم يتركوه فقاتلوهم) يعني: إن امتنعوا وأصروا على أنهم يشربونه فإنهم يقاتلون حتى يتركوه يعني: إذا حصل منهم مقاتلة قوتلوا، لكن إن لم تحصل منهم مقاتلة فإنها تقام عليهم الحدود، فمن حصل منه الشرب أقيم عليه الحد.
فإذا هم قاتلوا بمعنى أنهم وقفوا أمام الجهات المسئولة فإنهم يقاتلون، لكن إذا لم يحصل منهم قتال فإن الذي يحصل منه الشرب يحد.
وسكوت النبي ﷺ عن قول ديلم: إنه يقويهم على أعمالهم، دليل على أن هذه الخمر فيها فائدة، والله تعالى يقول: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩].
стр. 12371
تراجم رجال إسناد حديث ديلم الحميري (سألت رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله! إنا بأرض باردة)
قوله: [حدثنا هناد بن السري].
هناد بن السري أبو السري ثقة، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد ومسلم وأصحاب السنن [حدثنا عبدة].
عبدة بن سليمان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد يعني: ابن إسحاق].
محمد بن إسحاق المدني صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[عن يزيد بن أبي حبيب].
يزيد بن أبي حبيب المصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن مرثد بن عبد الله اليزني].
مرثد بن عبد الله اليزني أبو الخير المصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ديلم الحميري].
ديلم الحميري ﵁ صحابي، وحديثه أخرجه أبو داود.
стр. 12372
شرح حديث أبي موسى (سألت النبي ﷺ عن شراب من العسل فقال ذاك البتع)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا وهب بن بقية عن خالد عن عاصم بن كليب عن أبي بردة عن أبي موسى ﵁ قال: (سألت النبي ﷺ عن شراب من العسل فقال: ذاك البتع، قلت: وينتبذ من الشعير والذرة فقال: ذاك المزر، ثم قال: أخبر قومك أن كل مسكر حرام)].
أورد أبو داود حديث أبي موسى الأشعري أنه سأله عن شراب من العسل فقال: (ذاك البتع، وعن شراب من الشعير والذرة، فقال: ذاك المزر، ثم قال: أخبر قومك أن كل مسكر حرام) يعني: أن حكم هذه الأشربة التي ذكرتها يتعلق بالإسكار، فكل مسكر حرام من أي شيء كان.
وهذا من جنس الحديث الأول الذي فيه السؤال عن البتع فقال: (كل مسكر حرام)، وهنا سئل ﵊ عن الشراب الذي يقال له البتع والشراب الذي يقال له المزر فقال: (كل مسكر حرام)، فأعطى جواباًَ عاماً يدخل فيه المسئول عنه وغير المسئول عنه بياناً أن الحكم متعلق بالإسكار.
стр. 12373
تراجم رجال إسناد حديث أبي موسى (سألت النبي ﷺ عن شراب من العسل فقال ذاك البتع)
قوله: [حدثنا وهب بن بقية].
وهب بن بقية الواسطي ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي.
[عن خالد].
خالد بن عبد الله الطحان الواسطي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عاصم بن كليب].
عاصم بن كليب صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[عن أبي بردة عن أبي موسى].
أبو بردة بن أبي موسى ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
وأبو موسى هو عبد الله بن قيس الأشعري ﵁، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 12374
شرح حديث (أن النبي ﷺ نهى عن الخمر والميسر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن الوليد بن عبدة عن عبد الله بن عمرو ﵄: (أن نبي الله ﷺ نهى عن الخمر والميسر والكوبة والغبيراء وقال: كل مسكر حرام).
قال أبو داود: قال ابن سلام أبو عبيد: الغبيراء: السكركة تعمل من الذرة، شراب يعمله الحبشة].
أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁: (أن النبي ﷺ نهى عن الخمر والميسر والكوبة والغبيراء وقال: كل مسكر حرام).
يعني: بعدما ذكر بعض ما يدخل تحت اسم الخمر وغيرها قال: (كل مسكر حرام) أي: أن الحكم يتعلق بالإسكار، فمن أي نوع اتخذ المسكر فإنه يكون حراماً وليس التحريم على نوع دون نوع وإنما هو مقيد بالإسكار، فمهما وجد فما أسكر كثيره فإن قليله يكون حراماً.
والميسر هو: القمار، والكوبة هي: الطبل، وذكر الطبل مع الخمر؛ لأنه يحصل مع السكر التلذذ بالقيان والمزامير والطرب وما إلى ذلك، فهناك شيء من التلازم بين أم الخبائث وبين آلات اللهو والطرب والكوبة.
والغبيراء هو: نوع من النبيذ الذي يسكر وهو يتخذ من الذرة.
وقوله: [قال ابن سلام أبو عبيد: الغبيراء: السكركة تعمل من الذرة].
السكركة هي: شراب يتخذ من الذرة يستعمل في أرض الحبشة.
стр. 12375
تراجم رجال إسناد حديث (أن النبي ﷺ نهى عن الخمر والميسر)
قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل].
موسى بن إسماعيل التبوذكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا حماد].
حماد بن سلمة بن دينار البصري ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن الوليد بن عبدة].
الوليد بن عبدة مولى عمرو بن العاص ثقة من الثانية، وقيل: هو عمرو بن الوليد مات سنة ثلاث ومائة، أخرج له أبو داود.
[عن عبد الله بن عمرو].
عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما الصحابي الجليل وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
وقوله: [قال ابن سلام أبو عبيد: الغبيراء: السكركة تعمل من الذرة شراب يعمله الحبشة].
هذا تفسير للغبيراء وأبو عبيد القاسم بن سلام له كتاب اسمه (غريب الحديث) فيمكن أن يكون هذا منه.
стр. 12376
حكم شرب السجائر
فإن قيل: هل يدخل في حديث: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) شرب السجائر؟ ف
الجواب
أن الدخان محرم، وفيه ضرر، وفيه إضاعة للمال، وفيه إتلاف للنفس، وفيه إيذاء للناس، كل هذه أمور محرمة موجود فيه، لكن لا أعلم أنه يسكر.
стр. 12377
حكم استعمال المسكر للوضوء وغيره
قوله: (كل مسكر حرام)، كلمة (حرام) المقصود بها تحريم الشراب، أما الاستعمال كالوضوء وغيره؛ فالوضوء كما هو معلوم لا يكون إلا بالماء، ولا يكون بالخمر ولا بالعصير؛ لأنها خرجت عن كونها ماءً فلا يقال لها: ماء؛ لأن النبيذ تغير وصار لونه لوناً لون آخر غير لون الماء، وقد يكون خالطه جزئيات منه، فهذا وإن لم يسكر فإنه لا يجوز أن يتوضأ به؛ لأن الوضوء إنما يكون بالماء، وإذا تغير حاله إلى شيء آخر صار له اسم غير الماء فلا يقال له: هذا ماء وإنما يقال له: نبيذ، والتطهر إنما هو بالماء وليس بالنبيذ.
стр. 12378
شرح حديث (نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا سعيد بن منصور حدثنا أبو شهاب عبد ربه بن نافع عن الحسن بن عمرو الفقيمي عن الحكم بن عتيبة عن شهر بن حوشب عن أم سلمة ﵂ قالت: (نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر)].
أورد أبو داود حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها: (أن النبي ﷺ نهى عن كل مسكر ومفتر)، والمسكر مر ذكره في الأحاديث، والمفتر هو: الذي يحصل منه الفتور والاسترخاء والخمول والكسل، فيصير الإنسان ليس عنده حركة ولا نشاط، بل خمول، هذا هو المُفتر.
وقيل: إن هذا يكون وسيلة ومقدمة للإسكار.
стр. 12379
تراجم رجال إسناد حديث (نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر)
قوله: [حدثنا سعيد بن منصور].
سعيد بن منصور ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبو شهاب عبد ربه بن نافع].
أبو شهاب عبد ربه بن نافع صدوق يهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[عن الحسن بن عمرو الفقيمي].
الحسن بن عمرو الفقيمي ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
[عن الحكم بن عتيبة].
الحكم بن عتيبة الكندي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن شهر بن حوشب].
شهر بن حوشب صدوق كثير الإرسال والأوهام، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[عن أم سلمة].
أم سلمة هند بنت أبي أمية أم المؤمنين ﵂، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.
الحديث ضعفه الألباني من أجل شهر بن حوشب.
стр. 12380
حكم الأدوية المسكنة للأعصاب والمنومة
الأدوية المسكنة للأعصاب والمنومة تعتبر من المفترات، ولكن إذا كانت تستعمل من أجل العلاج والدواء وليس من أجل شرب أو من أجل تخدير أو ما إلى ذلك فلا بأس بها.
стр. 12381
شرح حديث (وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد وموسى بن إسماعيل قالا: حدثنا مهدي -يعني: ابن ميمون -حدثنا أبو عثمان قال موسى: وهو عمرو بن سالم الأنصاري عن القاسم عن عائشة ﵂ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام)].
أورد أبو داود حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام) والفرق هو: مكيال يتسع لشيء كثير.
وقوله: (فملء الكف منه حرام) هذا كقوله: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) وهنا ذكر هذا المكيال الذي يدل على الكثرة فهو من جنس ما تقدم في قوله: (وما أسكر كثيره فقليله حرام).
стр. 12382
تراجم رجال إسناد حديث (وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام)
قوله: [حدثنا مسدد وموسى بن إسماعيل].
مسدد بن مسرهد البصري ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
وموسى بن إسماعيل مر ذكره.
[قالا: حدثنا مهدي يعني: ابن ميمون].
مهدي بن ميمون ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبو عثمان قال موسى: وهو عمرو بن سالم الأنصاري].
عمرو بن سالم الأنصاري مقبول، أخرج له أبو داود والترمذي.
[عن القاسم].
القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
عائشة ﵂ قد مر ذكرها.
والأحاديث التي مرت شاهدة لهذا الحديث، فهو وإن كان فيه هذا المقبول إلا أنه متفق مع تلك الأحاديث التي فيها: (كل مسكر حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام).
стр. 12383
شرح سنن أبي داود [٤١٨]
حرم الشرع الحنيف في أول الإسلام الانتباذ في أوعية معينة كالدباء والحنتم والمزفت والمقير؛ لأن النبيذ كان إذا تخمر لا يظهر أثر ذلك من خارجها، ثم نسخ ذلك وأُبيح الانتباذ في كل وعاء بشرط ألا يصل النبيذ إلى حد الإسكار، فإذا وصل إلى حد الإسكار فإنه يحرم.
стр. 12384
باب في الداذي
стр. 12385
شرح حديث: (ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الداذي.
حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا زيد بن الحباب حدثنا معاوية بن صالح عن حاتم بن حريث عن مالك بن أبي مريم قال: دخل علينا عبد الرحمن بن غنم فتذاكرنا الطلاء فقال: حدثني أبو مالك الأشعري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها)].
أورد أبو داود هذه الترجمة وهي: باب في الداذي، والداذي قيل: إنها حبوب توضع على النبيذ فيشتد، يعني فتكون سبباً في كونه يكون مسكراً.
وأورد أبو داود حديث أبي مالك الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها) يعني: أن الخمر هي كل مسكر (وكل مسكر حرام)، فالحكم يناط بالإسكار ولو سمي المسكر بأي شيء يسمى به، فإن العبرة بالحقائق لا بالألفاظ، فإذا سميت الخمر باسم لا تعرف به، وقد يكون اسماً ظاهره الطيب وظاهره الحسن فإن الأسماء لا تغير من الحقائق شيئاً، فالحرمة حاصلة والتحريم موجود ولو سميت بغير ذلك، وهذا إخبار من النبي ﷺ بأنه يأتي أناس يشربون الخمر ويسمونها بغير اسمها فيقولون مثلاً: ماء العنب أو ماء الشعير أو ما إلى ذلك، فأي شراب وصل إلى حد الإسكار فهو محرم، وإن كان لم يصل إلى حد الإسكار فهو حلال، وإن وصل إلى حد الإسكار فالقليل والكثير حرام.
стр. 12386
تراجم رجال إسناد حديث: (ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها)
قوله: [حدثنا أحمد بن حنبل].
أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الإمام المحدث الفقيه أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا زيد بن الحباب].
زيد بن الحباب صدوق، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.
[حدثنا معاوية بن صالح].
معاوية بن صالح بن حدير صدوق له أوهام، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.
[عن حاتم بن حريث].
حاتم بن حريث مقبول، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة.
[عن مالك بن أبي مريم].
مالك بن أبي مريم مقبول، أخرج له أبو داود وابن ماجة.
[قال: دخل علينا عبد الرحمن بن غنم].
عبد الرحمن بن غنم مختلف في صحبته فقيل: صحابي، وقيل: تابعي ثقة أخرج له البخاري تعليقاً وأصحاب السنن.
[فقال: حدثني أبو مالك الأشعري].
أبو مالك الأشعري ﵁ صحابي، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
[قال أبو داود: حدثنا شيخ من أهل واسط قال: حدثنا أبو منصور الحارث بن منصور قال: سمعت سفيان الثوري وسئل عن الداذي فقال: قال رسول الله ﵌: (ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها).
قال أبو داود: وقال سفيان الثوري: الداذي شراب الفاسقين].
أورد أبو داود هذا الحديث من طريق أخرى عن سفيان الثوري وسئل عن الداذي فقال: قال رسول الله ﷺ : (ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها) يعني: وهذا معناه: أنه اسم محدث لها وأنه من تسميتها بغير اسمها.
وقوله: [وقال سفيان الثوري: الداذي شراب الفاسقين].
يعني: أن الخمر أو كل شراب مسكر هو شراب أهل الفسوق أو إنما الذي يفعله أهل الفسوق إلا من كان مستحلاً فإنه يكون كافراً.
وقوله: [حدثنا شيخ من واسط قال: حدثنا أبو منصور الحارث بن منصور].
الحارث بن منصور صدوق يهم، أخرج له أبو داود.
[قال: سمعت سفيان الثوري].
سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ثقة فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
والحديث فيه مقبولان، ولكن له شواهد ذكرها ابن القيم في تهذيب السنن فقال: ولفظ حديث ابن ماجة الذي أشار إليه المنذري: (ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رءوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم القردة والخنازير)، وقد أخرج ابن ماجة أيضاً من حديث ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أبي أمامة يرفعه: (لا تذهب الليالي والأيام حتى يشرب طائفة من أمتي الخمر يسمونه بغير اسمها)، وأخرجه أيضاً من حديث ابن محيريز عن ثابت بن السمط عن عبادة عن النبي ﷺ .
وقال البخاري في صحيحه: باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه، وقال هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد قال: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثنا عطية بن قيس الكلابي قال: حدثني عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري والله! ما كذبني سمع النبي ﷺ يقول: (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم تأتيهم الحاجة فيقولون: ارجع إلينا غداً فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة).
وهذه كلها شواهد لقوله في هذا الحديث: (يسمونها بغير اسمها).
стр. 12387
الأسئلة
стр. 12388
حكم الأدوية الطبية والبنج والعطور التي فيها كحول
السؤال
كثرت الأسئلة عن حكم استخدام الأدوية الطبية والبنج والعطور التي فيها كحول؟
الجواب
البنج ليس فيه إسكار، وإنما فيه تخدير حيث يكون الإنسان ليس به حراك لفترة معينة حتى يتمكنوا من إجراء عملية له ونحو ذلك، فالبنج ليس فيه إسكار وإنما فيه شبه الموت، فإذا بنج إنسان يصير كأنه لا حياة فيه، فيقطعون جلده كما يشاءون وهو لا يحس ولا يشعر.
وأما العطور فالأشياء التي فيها كحول تترك، والطيب الطيب كثير بحمد الله، فيستغنى بما هو طيب عن غيره.
стр. 12389
حكم إقامة الحد على شارب الخمر بمجرد الرائحة
السؤال
هل يقام الحد على شارب الخمر بمجرد الرائحة؟
الجواب
جاء عن بعض الصحابة شيء من هذا، لكن قد يشرب الإنسان خمراً وهو لا يعرف أنها خمر، لذا لا يقام الحد بمجرد الرائحة.
стр. 12390
حكم الثمر المسكر
السؤال
في بلادنا نوع من الثمرات اسمها دوريان، إذا أكلنا منها أكثر من خمس حبات فقد تؤدي إلى الإسكار، فهل يدخل ذلك في قوله ﷺ : (ما أسكر كثيره فقليله حرام)؟
الجواب
الذي يمنع هو الذي يسكر، والذي يصل إلى حد الإسكار، لكن إذا كان من الأشياء الطيبة فلا، فإن صاحب عون المعبود ذكر أن الزعفران إذا أكثر منه يسكر، مع أنه يستعمل ويخلط بالأطعمة ويستفاد منه، وكونه يحصل الإسكار بالكثرة لا يدل على تحريمه؛ لأنه ليس بشراب ولا بشيء من الأشياء التي تتخذ أو تخمر، وإنما هو شيء طيب، ولكنه قد يؤدي الإكثار منه إلى أمر لا يجوز، لكن لا يقال: إن استعماله لا يجوز، فالزعفران يجوز استعماله، مع أن الكثير منه يسكر، والله أعلم.
стр. 12391
باب في الأوعية
стр. 12392
شرح حديث: (نهى عن الدباء والحنتم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الأوعية.
حدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا منصور بن حيان عن سعيد بن جبير عن ابن عمر وابن عباس ﵃ قالا: (نشهد أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير)].
أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى هذه الترجمة بعنوان: باب في الأوعية، أي: الأوعية التي ينتبذ فيها وتتخذ أوعية للنبيذ، والنبيذ يجوز شربه بشرط ألا يصل إلى حد الإسكار، ولا يجوز تركه حتى يسكر؛ لأنه يكون بذلك خمراً، والخمر لا يجوز استعمالها ولا الاحتفاظ بها، فينتبذ في الأوعية ما لم يصل النبيذ إلى حد الإسكار، فإن لم يصل إلى حد الإسكار فإنه ينتفع به ويستفاد منه.
وقد جاءت أحاديث عديدة فيها نهي الرسول ﷺ عن الانتباذ في بعض الأوعية، وتلك الأوعية كانت غليظة وكثيفة وسميكة بحيث إنه لو حصل التغير إلى حد الإسكار لا يظهر على سطحها من الخارج وعليها من الخارج، بخلاف الأسقية، فإنها إذا وصل النبيذ إلى حد الإسكار تتأثر وتتغير تلك الأسقية، ويظهر تغير ما في باطنها على ظاهرها، وقد تتشقق وتتفطر بسبب ذلك الذي تغير في داخلها، فنهوا في أول الأمر عن الانتباذ في أوعية غليظة سميكة إذا وصل النبيذ فيها إلى حد الإسكار لا يظهر عليها من الخارج، فمنعوا منها ونهوا عنها في أول الأمر، وبعد ذلك رخص لهم أن ينتبذوا في كل وعاء بشرط ألا يشربوا مسكراً، أي: أنه ينتبذ في أي وعاء ولكن بشرط ألا يصل إلى حد الإسكار، وإنما يستعمل قبل أن يصل إلى حد الإسكار.
وقد أورد أبو داود ﵀ حديث ابن عباس وابن عمر رضي الله تعالى عنهم وفيه: (أن الرسول ﷺ نهى عن أربعة أشياء: عن الدباء والنقير والحنتم والمزفت).
وهذه أربعة أوعية: الدباء وهو: القرع، وكانوا يقطعون رأس الدباء ثم يستخرجون اللب الذي في وسطها، ويبقى الغلاف الخارجي فييبسونه في الشمس فيكون وعاءً يضعون في وسطه النبيذ واللبن وغير ذلك من الأشربة، فكانوا ينتبذون فيه، ومعنى ذلك: أنهم كانوا يقطعون رأس الدباء الذي فيه العرق فإذا قطع يكون لها فم مستوٍ فيستخرجون اللب من أعلاها إلى أسفلها، ويبقى الغلاف الخارجي فتكون وعاءً توضع فيه الحاجات المائعة وغير المائعة، ومن ذلك أنه كان ينتبذ فيها، فهذا معنى قوله: (الدباء) يعني: أنها لا تتخذ وعاء ينتبذ فيه.
والحنتم: جرار تتخذ من الطين وكان ينتبذ بها.
والمزفت هو: ما طلي بالزفت.
والنقير هو: أنهم كانوا يأتون إلى أصل النخلة أو إلى خشبة عريضة فينقرونها بحيث تكون كالقدح أو الإناء فينتبذون فيها، فهذه الأشياء الأربعة كان النهي عنها موجوداً في أول الإسلام؛ لأن الانتباذ فيها قد يؤدي إلى الإسكار، وقد يغفلون عنها ويصل ما فيها إلى حد الإسكار فيشربونه ويسكرون، فنهوا عن الانتباذ فيها وأمروا أن ينتبذوا في الأسقية التي إذا حصل تغير للذي في داخلها يظهر على سطحها وعلى خارجها أنه تغير، وأنه حصل فيه الاشتداد والتغير، فإنه إذا اشتد يظهر على سطحها وقد يتمزق فيكون ذلك علامة على أنه وصل إلى حد الإسكار فيتركونه، وما كان قبل ذلك يستعملونه، وأما مثل الدباء والنقير والمزفت والحنتم فإنها قد تبلغ إلى حد الإسكار ولكن سطحها الخارجي لا يتبين عليه ذلك؛ لسماكته ولكثافته.
فهذه أوعية كان النهي عنها في أول الأمر وبعد ذلك لما مضى وقت واستقرت الأحكام واستقر للناس تحريم الخمر أذن الرسول ﷺ لهم أن ينتبذوا في كل سقاء لكن بشرط ألا يشربوا مسكراً كما جاء في حديث بريدة الذي ذكر فيه ثلاثة أمور فيها الناسخ والمنسوخ، وهو قوله ﷺ : (كنت نهيتكم عن الانتباذ في الأوعية فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكراً، وكنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، وكنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي ألا فادخروا)، فالناسخ والمنسوخ موجود في حديث بريدة بن الحصيب هذا، ومنه الانتباذ في أوعية كالحنتم والنقير والدباء وغير ذلك، فكان الحكم الناسخ أنهم ينتبذون في أي وعاء لكن بشرط ألا يشربوا مسكراً، يعني: أنهم يتنبهون بحيث يستعملونه قبل أن يصل إلى حد الإسكار.
وقول ابن عمر وابن عباس ﵄: (نشهد أن رسول الله ﷺ نهى عن) فيه تأكيد للخبر وأنهما يعرفان ذلك تماماً ويشهدان أن الرسول ﷺ نهى عن هذه الأشياء، أي عن الانتباذ فيها، وهي هذه الأمور الأربعة أو هذه الأوعية الأربعة.
فهذا إخبار منهما بأن النبي حرم هذا، وأكدا هذا الإخبار بأنهما يشهدان بأن الرسول ﷺ حرم ذلك، فشهادتهما فيها إخبار عن شيء سمعاه من رسول الله ﷺ ، فالنهي والتحريم المضاف إلى النبي ﷺ إنما هو مأخوذ من سماع كلامه ﷺ .
والانتباذ هو: وضع بعض الأشياء التي تتحول إلى نبيذ كالتمر ونحوه حتى تصير نبيذاً، يعني: أنهم يضعون التمر في الماء عدة أيام ثم بعد ذلك يتحول ويتحلل إلى أن يختلط بهذا الماء، فهذا هو النبيذ، لكن إذا وصل إلى حد الإسكار فإنه لا يجوز وقبل ذلك يجوز، والحديث الذي فيه قصة عمر بن الخطاب ﵁ أنهم كانوا يسقونه اللبن فيخرج من جوفه ويسقونه النبيذ فيخرج من جوفه المقصود بالنبيد: أنه كان تمراً يعصرونه مع الماء حتى تختلط حلاوته بالماء فيكون الماء حلواً.
فالنبيذ إذا وصل إلى حد الإسكار بأن وضع التمر في الماء وأغلق عليه مدة ووصل إلى حد الإسكار لا يجوز، وإذا استعمل قبل أن يصل إلى حد الإسكار فإنه جائز، فالانتباذ يشمل نبذ الطعام ونبذ التمر ونبذ الزبيب ونبذ العنب، فالنبيذ هو ماء مختلط به جزئيات التمر أو جزئيات الزبيب أو جزئيات العسل أو جزئيات كذا فقبل أن يسكر هو مباح، وإذا وصل إلى حد الإسكار يصير خمراً حراماً.
стр. 12393
تراجم رجال إسناد حديث: (نهى عن الدباء والحنتم)
قوله: [حدثنا مسدد].
مسدد بن مسرهد البصري ثقة، أخرج له أبو داود والبخاري والترمذي والنسائي.
[حدثنا عبد الواحد بن زياد].
عبد الواحد بن زياد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا منصور بن حيان].
منصور بن حيان ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي.
[عن سعيد بن جبير].
سعيد بن جبير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عمر وابن عباس].
ابن عمر هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، الصحابي الجليل أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ ، ومثله عبد الله بن عباس بن عبد المطلب هو أحد العبادلة وأحد السبعة.
стр. 12394
شرح حديث: (حرم رسول الله ﷺ نبيذ الجر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل ومسلم بن إبراهيم المعنى قالا: حدثنا جرير عن يعلى -يعني: ابن حكيم - عن سعيد بن جبير قال: سمعت عبد الله بن عمر ﵄ يقول: (حرم رسول الله ﷺ نبيذ الجر.
فخرجت فزعاً من قوله: حرم رسول الله ﵌ نبيذ الجر، فدخلت على ابن عباس ﵄ فقلت: أما تسمع ما يقول ابن عمر؟ قال: وما ذاك؟ قلت: قال: حرم رسول الله ﷺ نبيذ الجر.
قال: صدق؛ حرم رسول الله ﷺ نبيذ الجر.
قلت: وما الجر؟ قال: كل شيء يصنع من مدر)].
أورد أبو داود حديث ابن عباس وابن عمر وهو مثل الذي قبله إلا أن الذي قبله مشتمل على أربعة أشياء، وهذا مشتمل على واحد وهو الحنتم، والحنتم هي جرار تتخذ من المدر الذي هو الطين.
стр. 12395
تراجم رجال إسناد حديث: (حرم رسول الله ﷺ نبيذ الجر)
قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل].
موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ومسلم بن إبراهيم].
مسلم بن إبراهيم الفراهيدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[المعنى قالا: حدثنا جرير].
جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن يعلى يعني: ابن حكيم].
يعلى بن حكيم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[عن سعيد بن جبير قال: سمعت عبد الله بن عمر].
سعيد بن جبير وعبد الله بن عمر قد مر ذكرهما.
следующие страницы →