Полный текст (18 341 стр.). Показаны 13756–13795 · переход к 13761.
стр. 13756
حكم حلق اللحية تجملاً لحديث (إن الله جميل يحب الجمال)
السؤال
بعض الناس يستدلون بقوله ﷺ : (إن الله جميل يحب الجمال) على جواز حلق اللحية، ويقولون: إن حالق اللحية أجمل من الذي يعفيها؟
الجواب
الجمال النسوي للنساء، فإذا كان بهذا الاعتبار فنعم! والرسول ﷺ قال: (لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال) وأجمل وجه وجه نبينا محمد ﷺ ، وكان ذا لحية كثة، ذقن وعارضان صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وكان أصحابه يصلون وراءه فيستدلون على قراءته في الصلاة السرية باضطراب لحيته، أي: بحركتها في القراءة من الجوانب، فهذا هو جمال الرجال، وأما عدم الشعر فهذا الجمال النسوي للنساء.
стр. 13757
تحريك الإصبع في التشهد
السؤال
كان النبي ﷺ يحرك الإصبع عند لفظ الجلالة أو الدعاء؛ لكن رأيت الكثير من الناس يحركها من بداية التشهد إلى النهاية، فهل هناك رواية أخرى تدل على ذلك؟
الجواب
لا أعلم شيئاً يدل على أن الإنسان يحركها باستمرار، وإنما يحركها ويدعو بها، أي: عندما يأتي الدعاء: اللهم اللهم يحركها.
стр. 13758
حكم لبس الأخضر من الثياب والقول بأنها ثياب أهل الجنة
السؤال
هل هناك حديث في استحباب لبس الأخضر من الثياب، وأنه لباس أهل الجنة كما يفعله الصوفية؟
الجواب
مسألة الاستحباب لا نعلم شيئاً يدل على استحبابه؛ والأمر -للاستحباب- جاء في البياض.
وقد اشتهر عن بعض أهل البدع في بعض البلاد لبس ثياب بلون معين كالأخضر مثلاً، فإذا كان هذا شعاراً لأهل البدع، فالمناسب عدم لبس هذا الشعار.
стр. 13759
حكم لبس النساء للأبيض من الثياب
السؤال
هل يجوز لبس البياض للنساء أم هو خاص للرجال؟
الجواب
يجوز، ولكن يلبس الثياب التي تناسبهن.
стр. 13760
حكم لبس البنطال
السؤال
جاء في صحيح مسلم: (أن عبد الله بن عمرو دخل على النبي ﷺ وعليه ثوب معصفر فقال له ﷺ : لا تلبسها فإنها من ثياب الكفار) قال: فهل لبس البنطلون على هذا يكون من ثياب الكفار، ويعتبر حراماً؟
الجواب
معلوم أن من لباس الكفار البنطلون، والإنسان لا ينبغي له أن يستعمله، ولكن إذا احتاج إلى استعماله فليجعله على وجه يخالف الكفار بأن يكون واسعاً، ولا يكون ضيقاً يصف الجسم.
стр. 13761
قول محمد بن إسماعيل بن عياش حدثني أبي مع أنه عيب عليه التحديث عن أبيه من غير سماع
السؤال
كيف نجمع بين ما عيب على محمد بن إسماعيل بن عياش عدم سماعه من أبيه وبين تصريحه بالتحديث في حديث أن النبي ﷺ رأى في بيت إحدى نسائه صبغاً أحمر فلم يدخل حتى وارته، قال: (حدثني أبي)؟
الجواب
لا أدري، هل كلمة (حدثني) المقصود بها أنه سمع منه.
-وهذا هو الأصل فيها- أو تجوزاً؟ لكن قد تستعمل (حدثني) بمعنى: (أخبرني) وتطلق على العرض الذي هو السماع من الشيخ، ومعلوم أن هذا يعتبر مثل السماع.
стр. 13762
حكم دعاء ختم القرآن
السؤال
هل يجوز أن أدعو بدعاء ختم القرآن كلما ختمت؟
الجواب
نعم.
إذا ختم يجوز له أن يدعو.
стр. 13763
الجمع بين أدلة الإباحة والتحريم في لبس الأحمر من الثياب
السؤال
لماذا نقول في أحاديث النهي عن الأحمر: متعارضة؟ لماذا لا نقول بأن النهي متقدم والجواز متأخر؛ لأنه ﷺ كان يخطب بمنى وعليه حلة حمراء، فيدل على أنه في أواخر حياته لبس الأحمر؟
الجواب
الجمع مقدم على النسخ؛ لأن الأحاديث المتعارضة إذا أمكن الجمع بينها فهو أولى من النسخ؛ لأن الجمع فيه إعمال الدليلين، فإذا لم يمكن الجمع انتقل إلى معرفة التاريخ أو غيره مما يصار به إلى تحديد الناسخ من المنسوخ.
стр. 13764
شرح سنن أبي داود [٤٥٧]
الملبوسات الوارد ذكرها في السنة الشريفة والسيرة العطرة ينبغي الإلمام بها لأجل التأسي بخير خلق الله أجمعين ﷺ .
ومما ورد أنه كان يلبس عمامة محنكة تغطي الرأس ولها طرفان: طرف يدار من تحت الذقن والآخر يكون ذؤابة في مؤخرة العمامة.
وقد نهى عن لبسة الصماء وعن الاحتباء في الثوب الواحد لما تؤدي إليه هاتان اللبستان من انكشاف العورة، وقد كان ﷺ يحل الأزرار ويربطها.
стр. 13765
العمائم
стр. 13766
شرح حديث دخول رسول الله ﷺ مكة وعليه عمامة سوداء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في العمائم.
حدثنا أبو الوليد الطيالسي ومسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل قالوا: حدثنا حماد عن أبي الزبير عن جابر ﵁ (أن رسول الله ﷺ دخل عام الفتح مكة وعليه عمامة سوداء)].
يقول الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [باب في العمائم] ذكر هنا ما يتعلق بغطاء الرأس، وهو العمائم، وأما عن استحبابها فالأمر في ذلك واسع.
وقد أورد فيه حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما (أن النبي ﷺ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه عمامة سوداء) وهذا يدل على أنه ﷺ دخل مكة عام الفتح وهو غير محرم، وكذلك أيضاً يدل على جواز لبس الأسود؛ لأنه قال: دخل وعليه عمامة سوداء، فهو دال على جواز لبس الأسود، وقد مر فيما مضى باب فيما يتعلق بالألوان من الثياب ومنها لبس السواد.
стр. 13767
تراجم رجال إسناد حديث دخول رسول الله ﷺ مكة وعليه عمامة سوداء
قوله: [حدثنا أبو الوليد الطيالسي].
أبو الوليد الطيالسي هو هشام بن عبد الملك ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ومسلم بن إبراهيم].
مسلم بن إبراهيم الفراهيدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وموسى بن إسماعيل].
موسى بن إسماعيل التبوذكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قالوا: حدثنا حماد].
[قالوا: حدثنا حماد] وهو ابن سلمة ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[عن أبي الزبير].
أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي، صدوق أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن جابر].
جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ صحابي جليل أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ ، وهذا الإسناد رباعي، وهو من أعلى الأسانيد عند أبي داود.
стр. 13768
شرح حديث (رأيت النبي ﷺ على المنبر وعليه عمامة سوداء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن علي حدثنا أبو أسامة عن مساور الوراق عن جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه ﵁ أنه قال: (رأيت النبي ﷺ على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه)].
أورد أبو داود حديث عمرو بن حريث رضي الله تعالى عنه أنه قال: (رأيت النبي ﷺ على المنبر -يعني: يخطب- وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه) فهذا فيه بيان أن الرسول ﷺ لبس العمامة السوداء، وهو موافق لما تقدم، وأيضاً دال على أن العمامة لها طرف، وأنه قد أرخاه النبي ﷺ بين كتفيه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
стр. 13769
تراجم رجال إسناد حديث (رأيت النبي ﷺ على المنبر وعليه عمامة سوداء)
[حدثنا الحسن بن علي].
الحسن بن علي الحلواني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي.
[عن أبي أسامة].
أبو أسامة حماد بن أسامة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن مساور الوراق].
مساور الوراق وهو صدوق، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.
[عن جعفر بن عمرو بن حريث].
جعفر بن عمرو بن حريث وهو مقبول، أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة.
[عن أبيه].
هو عمرو بن حريث صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
стр. 13770
شرح حديث (فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي حدثنا محمد بن ربيعة حدثنا أبو الحسن العسقلاني عن أبي جعفر بن محمد بن علي بن ركانة عن أبيه (أن ركانة ﵁ صارع النبي ﷺ فصرعه النبي ﷺ ، قال ركانة: وسمعت النبي ﷺ يقول: فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم على القلانس)].
أورد أبو داود حديث ركانة ﵁ أنه صارع النبي ﷺ وصرعه النبي ﵊ وأنه قال: (فرق ما بيننا وبين الكفار لبس العمائم على القلانس) يعني: أن يجمع بين القلنسوة والعمامة، فيلبس القلنسوة ثم العمامة فوقها.
والحديث في إسناده ضعفاء متكلم فيهم، فهو لم يثبت عن النبي ﷺ ، وقد ذكر ذلك الألباني في ضعيف سنن أبي داود؛ ولكنه في إرواء الغليل حسن إسناده فيما يتعلق بالمصارعة؛ لكن الإسناد الذي معنا فيه عدة ضعفاء.
стр. 13771
تراجم رجال إسناد حديث (فرق ما بيننا وبين الكفار العمائم على القلانس)
قوله: [حدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي].
قتيبة بن سعيد الثقفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا محمد بن ربيعة].
محمد بن ربيعة صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.
[حدثنا أبو الحسن العسقلاني].
أبو الحسن العسقلاني مجهول، أخرج له أبو داود والترمذي.
[عن أبي جعفر بن محمد بن علي بن ركانة].
أبو جعفر بن محمد بن علي بن ركانة مجهول، أخرج له أبو داود والترمذي.
[عن أبيه].
وهو مجهول، أخرج له أبو داود والترمذي.
[عن ركانة].
ركانة صحابي أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة.
لكن الإشكال أنه لا يوجد في التقريب: محمد بن علي بن ركانة، في هذه الطبقة إنما هو محمد بن ركانة، فكلمة (علي) هذه جاءت في نسخة من سنن أبي داود، أشار لها المزي، لكن (علي) لا يكون أباه، إلا إذا كان روى عن جده، فيكون مثلاً أباه باعتبار الجد، وإذا لم يدركه صار فيه علة أخرى وهي الانقطاع.
وفي التقريب: محمد بن ركانة بن عبد يزيد المطلبي مجهول من الثالثة ووهم من ذكره في الصحابة أخرج له أبو داود والترمذي.
كما أن كلمة (علي) ما جاءت في جميع نسخ سنن أبي داود.
وعلى كلٍ: الحديث فيه ثلاثة أشخاص مجهولون، وواحد منهم يكفي لتضعيف الحديث.
زد على ذلك أنه مرسل؛ لأن قوله: (أن ركانة) حكاية عن شيء قد حصل وهو ما شاهده ولا عاينه، فتكون علة رابعة.
стр. 13772
شرح حديث (عممني رسول الله ﷺ فسدلها بين يدي ومن خلفي)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن إسماعيل مولى بني هاشم حدثنا عثمان بن عثمان الغطفاني حدثنا سليمان بن خربوذ حدثني شيخ من أهل المدينة سمعت عبد الرحمن بن عوف ﵁ يقول: (عممني رسول الله ﷺ فسدلها بين يدي ومن خلفي)].
أورد أبو داود حديث عبد الرحمن بن عوف قال: (عممني رسول الله) يعني: أنه ألبسه العمامة، وعمل ذلك بيده ﷺ .
(فسدلها من بين يدي ومن خلفي) يعني: جعلها طرفين مسدولين أحدهما من الأمام والثاني من الخلف.
والحديث ضعيف أو غير ثابت عن رسول الله ﷺ .
الملقي: جعل لها طرفين طرف من الأمام وطرف ذؤابة، فهي تلف ويجعل طرفاً من قدام وطرفاً من وراء، الذي يبدأ به يصير من قدام والذي ينتهى به يصير من وراء.
стр. 13773
تراجم رجال إسناد حديث (عممني رسول الله ﷺ فسدلها بين يدي ومن خلفي)
قوله: [حدثنا محمد بن إسماعيل مولى بني هاشم].
محمد بن إسماعيل مولى بني هاشم يقول الحافظ: يحتمل أن يكون ابن أبي سمينة فهو ثقة أخرج له البخاري وأبو داود، وإلا فهو مقبول أخرج له أبو داود.
كلمة (وإلا فهو مقبول) غير واضحة؛ لأن المقبول معروف، وأما المجهول فهو الذي لا يعرف، فإذاً: لعلها (مجهول) وليس (مقبول)، ولهذا في ترجمتها قال عن أحدهما: إنه مجهول، والثاني قال عنه: إنه ابن أبي سمينة كما في تهذيب التهذيب، فالمقبول يكون صالحاً للاحتجاج إذا اعتضد، ويكون معروفاً، وأما هذا فغير معروف.
وهذا هو الذي جرت عليه عادة الحافظ ابن حجر عندما يقول: كذا وإلا فهو مجهول، أي: أنه غير معروف، وليس في ترجمته تطويل وإنما فيها: فلان قال: مجهول، والثاني قال: إنه ابن أبي سمينة، وابن أبي سمينة هو الذي جاء في ترجمته أنه روى عنه أبو داود، وهو يروي عن عثمان بن عثمان، وقد ذكر أن مما يؤيد أنه هذا الذي هو ابن أبي سمينة أن أبا يعلى روى الحديث نفسه في مسنده وسماه: ابن أبي سمينة محمد بن إسماعيل، فيكون هو المتبادر إلى الذهن، وهو الثقة.
[حدثنا عثمان بن عثمان الغطفاني].
عثمان بن عثمان الغطفاني صدوق ربما وهم أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي.
[حدثنا سليمان بن خربوذ].
سليمان بن خربوذ مجهول، أخرج له أبو داود.
[حدثني شيخ من أهل المدينة].
شيخ من أهل المدينة مبهم غير معروف.
[سمعت عبد الرحمن بن عوف].
عبد الرحمن بن عوف ﵁ صاحب رسول الله ﷺ وأحد العشرة المبشرين بالجنة ﵁.
وهذا الإسناد فيه ضعيفان: أحدهما مجهول العين، والآخر مبهم لا يعرف.
стр. 13774
حكم لبس العمائم السوداء
حديث (أن النبي ﷺ لبس عمامة سوداء) يدل على الجواز، ولا يدل على الاستحباب؛ لأن الأبيض والأسود والأحمر غير الخالص جائزة، وكذلك باب اللباس واسع؛ لكن إذا كان أهل البلد اعتادوا لباساً معيناً فليكن مثلهم ولا يخالفهم.
وإذا كان شعاراً معروفاً لبعض أهل البدع فالابتعاد عنه أولى، بالإضافة إلى كونه ليس من زي البلد، وليس مما يستعمل في البلد، وهذا يرجح عدم استعماله.
стр. 13775
لبسة الصماء
стр. 13776
شرح حديث (نهى رسول الله ﷺ عن لبستين)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في لبسة الصماء.
حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن لبستين: أن يحتبي الرجل مفضياً بفرجه إلى السماء، ويلبس ثوبه وأحد جانبيه خارج ويلقي ثوبه على عاتقه)].
أورد أبو داود: [باب لبسة الصماء] والصماء هي نوع من اللباس، وفسرت بتفسيرين: الأول: أن يلبس ثوباً واحداً، أي: قطعة واحدة من قماش وليست قميصاً فيلتحف بها ويحكمها على جسده ويداه من الداخل، فيكون كأنه صخرة صماء ليس لها منافذ.
والمحظور في هذه الهيئة هو ما يخشى من انكشاف العورة عندما يأتي أمر يفزعه، أو أنه قد يحتاج إلى إخراج يديه لأمر يقتضيه فلا يتمكن من ذلك.
والتفسير الثاني هو: أن يلبس ثوباً واحداً ويخرج جنبه، معناه: أن يكون أحد كتفيه مكشوفاً والآخر مغطى، فهذا فيه احتمال انكشاف العورة؛ لأن الثوب الواحد ليس مثل الإزار والرداء، فالإزار يحصل به ستر العورة والرداء يمكن أن يضطبع به كما يحصل في الحج ويجعل اليد اليمنى مكشوفة والطرف الثاني قد وضع على الكتف الأيسر، فلا يكون فيه محظور من ناحية العورة؛ ولكن إذا كان الثوب واحداً فهذا هو الذي فيه احتمال أن تنكشف العورة بسببه.
فيكون النهي عن هاتين اللبستين لأن كلاً منهما فيها محظور.
[(نهى رسول الله ﷺ عن لبستين: أن يحتبي الرجل مفضياً بفرجه إلى السماء)].
وهذه لبسة؛ لأن إحدى اللبستين هي اشتمال الصماء، واللبسة الثانية هي الاحتباء الذي هو على هذه الصورة المذكورة في الحديث، وهي أن الإنسان يجلس فيضع مقعدته على الأرض وينصب ساقيه ثم يلف على ساقيه مع ظهره ثوباً وليس عليه غيره، فيكون أعلاه مكشوفاً بحيث تبدو عورته من فوق، وقد نهي عن هذه الجلسة من هذه الناحية، وأما إذا كان على الإنسان قميص مثلاً وعمل هذا الاحتباء فإن ذلك لا بأس به، وقد مر بنا قريباً، وإنما الممنوع في حق الذي لا يكون عنده إلا ثوب واحد يحتبى به ويكون فرجه مكشوفاًً إلى الأعلى.
[(ويلبس ثوبه وأحد جانبيه خارج)].
يعني: جانبي الإنسان، وليس جانبي الثوب، وهو الاضطباع، إلا أنه ليس عنده إلا ثوب واحد بدون إزار، أما إذا كان معه إزار واضطبع فهذا لا بأس به، وهو بالنسبة للحج في موضع واحد وهو عند الطواف، وإذا كان لباس الناس إزاراً ورداء فسواء اضطبع أو لم يضطبع، فذلك جائز ما دام أن العورة مستورة بالإزار.
[(ويلقي ثوبه على عاتقه)].
يعني: طرف الثوب.
стр. 13777
تراجم رجال إسناد حديث (نهى رسول الله عن لبستين)
قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة].
عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي وإلا النسائي فأخرج له في عمل اليوم والليلة.
[حدثنا جرير].
جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش].
الأعمش سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي صالح].
أبو صالح هو ذكوان السمان، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله ﷺ ، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، ﵁ وأرضاه.
стр. 13778
شرح حديث (نهى رسول الله ﷺ عن الصماء وعن الاحتباء في ثوب واحد) وتراجم رجاله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الصماء وعن الاحتباء في ثوب واحد)].
أورد أبو داود حديث جابر ﵁ وهو مجمل فيه النهي عن اشتمال الصماء، وعن الاحتباء في ثوب واحد.
قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن أبي الزبير عن جابر].
وقد مر ذكرهم.
стр. 13779
حل الأزرار
стр. 13780
شرح حديث (فبايعناه وإن قميصه لمطلق الأزرار)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في حل الأزرار.
حدثنا النفيلي وأحمد بن يونس قالا: حدثنا زهير حدثنا عروة بن عبد الله -قال ابن نفيل: ابن قشير أبو مهل الجعفي - حدثنا معاوية بن قرة حدثني أبي قال: (أتيت رسول الله ﷺ في رهط من مزينة، فبايعناه وإن قميصه لمطلق الأزرار، قال: فبايعته، ثم أدخلت يدي في جيب قميصه فمسست الخاتم، قال عروة: فما رأيت معاوية، ولا ابنه قط إلا مطلقي أزرارهما في شتاء ولا حر، ولا يزرران أزرارهما أبداً)].
أورد أبو داود [باب في حل الأزرار] الأزرار جمع زر، والزر هو ما يزر به جيب القميص، وحله: عدم زره.
أورد حديث قرة بن إياس ﵁ أنه جاء مع نفر إلى رسول الله ﷺ ، وقد رآه لابساً قميصاً محلول الأزرار؛ فكان معاوية وابنه مطلقي الأزرار، ولا يزررانها لا في شتاء ولا حر، ولا يزرران أزرارهما أبداً.
هذا الحديث دل على أنهم رأوه محلول الأزرار، ولا يعني هذا أنه محلول الأزرار دائماً وأبداً، وأن هذا شأنه، وإلا فلماذا تتخذ الأزرار إذا كان الإنسان سيكون جيبه مفتوحاً باستمرار، ولكن هذه هي الرؤية التي رآها قرة، فأراد أن يكون على هذه الهيئة التي رأى عليها رسول الله ﷺ ، ولا يعني هذا أن الأزرار وتشترى وتركب في الثياب ثم لا تزر أبداً، هذا لا يدل عليه الحديث.
وقوله: (محلول الأزرار) يدل على أنه كان يحل ويزر، وفي هذه الحالة كان محلولاً؛ لأنه لو لم يكن يزر في بعض الأحيان ما كان لوضعه من الأصل حاجة؛ لكن كونه يشترى ويوضع في القميص إنما يوضع لحاجة، لا للزينة، وإنما يوضع لكونه يزر، والتعبير بكونه محلولاً يعني أنه مطلق الأزرار، ومفهوم ذلك أنه يكون مطلقاً وغير مطلق، وأنه يزره في بعض الأحيان ويطلقه في بعض الأحيان، فتكون هذه الهيئة التي رآه عليها دليلاً على جواز إطلاق الأزرار، ووضعها يدل على زرها والاستفادة من وضعها.
يزر الثوب أبداً، ولعل هذا الصحابي ﵁ رأى هذه الهيئة وأراد أن يفعل تلك الهيئة التي رأى رسول الله ﷺ عليها؛ لكن ذلك لا يعني أن هذا شأنه، وهذا ديدنه أبداً صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وقد كان السلف يستعملون الأزرار، وهي جمع زر، وفي القاموس: أزرار وزرور، وقد جاء في صحيح مسلم في حديث جابر الطويل في صفة الحج أنه جاء إليه جماعة وفيهم محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وقالوا: حدثنا عن حجة رسول الله ﷺ ، وكان قد كبر وعمي ﵁، فسألهم عن أسمائهم، فكل أخبره باسمه، ولما جاء عند محمد قال له: أنا محمد بن علي بن الحسين فاستثناه وقربه، قال: فوضع يده عليّ وفتح زري الأعلى ثم فتح زري الأسفل ثم أدخل يده ووضعها على صدري ثم حدث بالحديث الطويل.
[عن قرة ﵁ قال: (أتيت رسول الله ﷺ في رهط من مزينة فبايعناه وإن قميصه لمطلق الأزرار قال: فبايعته ثم أدخلت يدي في جيب قميصه فمسست الخاتم)].
الخاتم هو خاتم النبوة الذي كان في مؤخر كتفه ﵊.
قوله: [(قال عروة: فما رأيت معاوية ولا ابنه قط إلا مطلقي أزرارهما في شتاء ولا حر، ولا يزرران أزرارهما أبداً)].
ابنه ليس معنا في السند، لأن عروة يروي عن معاوية بن قرة عن أبيه.
стр. 13781
تراجم رجال إسناد حديث (فبايعناه وإن قميصه لمطلق الأزرار)
قوله: [حدثنا النفيلي].
عبد الله بن محمد بن نفيل النفيلي ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.
[وأحمد بن يونس].
أحمد بن يونس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا زهير].
زهير بن معاوية ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عروة بن عبد الله -قال ابن نفيل: ابن قشير أبو مهل الجعفي -].
أي: أن ابن نفيل -الذي هو أحد الشيخين لـ أبي داود وهو النفيلي زاد في نسبته بـ ابن قشير أبو مهل الجعفي، وأما الشيخ الثاني فما ذكره إلا عروة بن عبد الله فقط.
وهو ثقة أخرج له أبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة.
[عن معاوية بن قرة].
معاوية بن قرة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه] قرة وهو صحابي أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.
يمكن أن يكون ابنه إياس بن معاوية بن قرة القاضي المشهور.
стр. 13782
التقنع
стр. 13783
شرح حديث (هذا رسول الله ﷺ مقبلاً متقنعاً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في التقنع.
حدثنا محمد بن داود بن سفيان حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر قال: قال الزهري: قال عروة: قالت عائشة ﵂: (بينا نحن جلوس في بيتنا في نحر الظهيرة قال قائل لـ أبي بكر ﵁: هذا رسول الله ﷺ مقبلاً متقنعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن، فأذن له فدخل)].
أورد أبو داود: [باب في التقنع] والتقنع هو تغطية الرأس مع شيء من مقدم الوجه، وغالباً ما يكون لعدم الظهور والبروز أو لأمر من الأمور مثلما حصل في غزوة تبوك لما مر بديار ثمود أنه قنع رأسه وأسرع ﵊.
قال في العون: هو تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره، (متقنعاً) أي: مغطياً رأسه بالقناع أي: بطرف ردائه على ما هو عادة العرب لحر الظهيرة، ويمكن أنه أراد التستر لكي لا يعرفه كل أحد.
يعني أنه كان عليه إزار ورداء، فوضع طرف الرداء على رأسه، وقد يجعل الرداء كله على الرأس، ويكون مثل وضع الغترة التي تستعمل الآن ومثلما يفعل بعض الحجاج قبل أن يحرم حيث يجعل الرداء على رأسه؛ كما في طريقه إلى أبيار علي قبل الإحرام من المدينة، فيضعه على رأسه لأنه لا يقال له محرم، وتغطية الرأس إنما ينهى عنها بعد الإحرام، وليس بعد لبس ثوب الإحرام، وكذلك بعدما يحلق الإنسان رأسه يضع الرداء على رأسه ويغطي رأسه؛ لكن قد يكون مثلما ذكر أنه يجعل طرف الرداء على رأسه.
стр. 13784
تراجم رجال إسناد حديث (هذا رسول الله ﷺ مقبلاً متقنعاً)
قوله: [حدثنا محمد بن داود بن سفيان].
محمد بن داود بن سفيان مقبول أخرج له أبو داود.
[حدثنا عبد الرزاق].
عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا معمر].
معمر بن راشد الأزدي البصري اليماني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قال الزهري:].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قال عروة].
عروة بن الزبير بن العوام ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
عائشة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، وهي من أكثر الرواة عن رسول الله ﷺ ، وهي من أوعية السنة وحفظتها رضي الله تعالى عنها وأرضاها، ولا سيما ما يتعلق بالأمور الخاصة بالبيت والأمور التي تجري بين الرجل وأهل بيته مما يمكن إفشاؤه وإظهاره، فقد حفظت الشيء الكثير رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
والحديث أخرجه البخاري في اللباس، باب التقنع في وصف هجرة النبي ﷺ .
стр. 13785
حكم التلثم في الصلاة
ليس للإنسان أن يتلثم في صلاته، وإنما يكشف وجهه، والتلثم أو التقنع الذي حصل من النبي ﷺ كان في غير الصلاة وإن كان هناك برد.
стр. 13786
شرح سنن أبي داود [٤٥٨]
إسبال الإزار من الأدواء الاجتماعية التي جاء الشرع الحكيم بمعالجتها، وفي السنة النبوية ما يؤكد أن هذا العمل محرم، بل ورد ما يدل على أنه من الكبائر، وأنه مظنة للعذاب يوم القيامة، وتضمنت النصوص النبوية آداب اللباس للمؤمن، ومنها: ألا ينزل ثوبه من إزار أو قميص أو غيرهما عن الكعبين بقصد الخيلاء أو بغير ذلك، غير أن إثم المسبل خيلاء أعظم جرماً عند الله تعالى.
стр. 13787
تحريم الإسبال
стр. 13788
شرح حديث (وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في إسبال الإزار.
حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن أبي غفار قال: حدثنا أبو تميمة الهجيمي -وأبو تميمة اسمه: طريف بن مجالد - عن أبي جري جابر بن سليم قال: (رأيت رجلاً يصدر الناس عن رأيه، لا يقول شيئاً إلا صدروا عنه، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا رسول الله ﷺ .
قلت: عليك السلام يا رسول الله! مرتين.
قال: لا تقل: عليك السلام، فإن (عليك السلام) تحية الميت، قل: السلام عليك.
قال: قلت: أنت رسول الله ﷺ ؟ قال: أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك، وإن أصابك عام سنة فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفراء -أو فلاة- فضلت راحلتك فدعوته ردها عليك، قال: قلت: اعهد إلي.
قال: لا تسبن أحداً.
قال: فما سببت بعده حراً ولا عبداً ولا بعيراً ولا شاة.
قال: ولا تحقرن شيئاً من المعروف، وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك؛ إن ذلك من المعروف، وارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة، وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك فلا تعيره بما تعلم فيه، فإنما وبال ذلك عليه)].
أورد أبو داود حادثة جابر بن سليم ﵁، وهي أنه رأى رجلاً يصدر الناس عن رأيه، أي يقومون بما يأمرهم به وبما يرشدهم إليه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فجاء إليه حتى وصل إليه وقال: (عليك السلام يا رسول الله! فقال ﵊: لا تقل: عليك السلام، فإن (عليك السلام) تحية الميت) والسلام يقدم على المدعو له، فيقال: السلام عليك، ولا يقال: عليك السلام.
وقوله: (تحية الميت) يعني: أن هذا هو الذي اعتادوه في أشعارهم؛ فإنهم يقدمون (عليك) على الدعاء بالسلام، فيقولون مثلاً: عليك سلام الله، أو عليك مني السلام وليس المعنى أن هذا هو المشروع في السلام على الأموات، بل السلام على الأموات كالسلام على الأحياء، يقدم الدعاء أولاً، ولهذا كان النبي ﵊ يقول: (السلام عليكم أهل الديار)، عندما يذهب إلى البقيع، ولا يقول: عليكم السلام أهل الديار، فالسلام على الحي والميت فيه تقديم الدعاء على المُسَلَّم عليه.
فمعنى قوله: (عليك السلام تحية الموتى) أن هذا هو الذي اعتادوه وكانوا يفعلونه لا أنه سنة، أو مشروع في حق الأموات بل لقد جاءت السنة بتقديم الدعاء على المُسَلَّم عليه: (السلام عليكم أهل الديار)، (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) عندما يسلم الإنسان على الأحياء، ويسلم على الأموات كما يسلم على الأحياء.
فقوله: (إنها تحية الموتى) لا يدل على أن هذه سنة، وإنما هو إخبار بالذي قد حصل منهم وألفوه، في أشعارهم ومنها ما رثى به عبدة بن الطبيب قيس بن عاصم التميمي المنقري وهو من الصحابة المشهورين، وكان من عظماء الرجال، وقد قال فيه: عليك سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترحما ومنه قوله: وما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدما وهذا البيت الثاني عظيم يعني: يدل على عظم شأن الذي فُقِد، وقد صار هذا البيت كالمثل يتمثل به عندما يفقد شخص له شأن وله منزلة، ويكون موته خسارة كبيرة فادحة، فإنه يقال: وما كان قيس هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدما مثل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه، ومثل الشيخ محمد بن عثيمين رحمة الله عليه، مثلها يصلح أن يقال فيه مثل هذا البيت؛ لأن موتهما مصيبة وخسارة كبيرة ونقص، وبه يتبين قول الرسول ﷺ : (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من قلوب الرجال، ولكن يقبض العلم بموت العلماء).
قوله: [(قلت: أنت رسول الله ﷺ ؟ قال: أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك، وإن أصابك عام سنة فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفراء أو فلاة فضلت راحلتك فدعوته ردها عليك)].
لما سأله: (أنت رسول الله؟ قال: أنا رسول الله) الذي من شأنه كذا وكذا، وذكر شيئاً من صفات الله ، فذكر أنه (إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك)؛ لأنه لا يكشف الضر إلا هو ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلَاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢].
قوله: [(وإن أصابك عام سنة فدعوته أنبتها لك)].
(عام سنة) يعني: جدب وقحط، فإذا كانت سنة مجدبة ودعي الله فإنه هو الذي ينزل المطر وينبت النبات وهو الذي يستغاث به، وهو الذي يرجى، وهو الذي يدعى، وهو الذي بيده ملكوت كل شيء وبيده كل الخير .
وإذا كنت بأرض فلاة أو قفراء يعني: مجدبة.
(فضلت راحلتك فدعوته ردها عليك) يعني: أن كل شيء بيد الله ، فهو الذي يدعى، وهو الذي يرجى، والدعاء عبادة، والعبادة من حق الله قال الله : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدَاً﴾ [الجن:١٨]، وقال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢]، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] وغير ذلك من الآيات التي فيها أن الدعاء إنما يكون لله ، وقد جاء في الحديث عن النبي ﵊ أنه قال: (الدعاء هو العبادة).
قوله: (اعهد إلي) يعني: أوصني بوصية أستفيد منها وأعتمد عليها.
(قال: لا تسب أحداً) يعني: احفظ لسانك من السباب.
قوله: [(قال: فما سببت بعده حراً ولا عبداً ولا بعيراً ولا شاة)].
أي أنه بعد هذا العهد وهذه الوصية ما سب إنساناً ولا حيواناً، وإنما حفظ لسانه، وهذا يدلنا على ما كان عليه أصحاب الرسول ﷺ ورضي الله عنهم وأرضاهم من الانصياع لما يأتي عن الله وعن رسوله ﵊، والاستسلام والانقياد وتنفيذ الشيء الذي يؤمرون به، فهم أحرص الناس على كل خير وأسبق الناس إلى كل خير، وهم القدوة وهم الواسطة بين الناس وبين رسول الله ﵊، وما عرف الناس حقاً ولا هدى إلا عن طريق الصحابة الكرام ﵃ وأرضاهم.
قوله: (ولا تحقرن شيئاً من المعروف)].
يعني: ولو كان يسيراً، فإن الشيء اليسير في موضعه وفي الحاجة الداعية إليه يكون كبيراً وعظيماً، وهذا فيه إشارة وحث على بذل الإحسان وبذل المعروف وألا يتقالَّ الإنسان الشيء الذي يخرجه وينفقه، فإن الشيء القليل ممن لا يملك الكثير يقع موقعه في حق من هو بحاجة إلى ذلك الشيء القليل، فلا يتهاون الإنسان، ويستسهل النفقة أو الصدقة ولو كان بالشيء اليسير؛ لأن الشيء اليسير ينفع الفقير الذي ليس بيده شيء، وليس عنده شيء، فالإنسان لا يتهاون في ذلك ولا يستهين بالشيء القليل ويقول: إن هذا لا يكفي؛ فالشيء القليل خير من لا شيء.
قوله: [(وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك؛ إن ذلك من المعروف)].
المعروف لا يكون خاصاً بإعطاء المال، وإنما يكون -أيضاً- بالمعاملة الطيبة؛ فكون الإنسان يكلم غيره وهو منطلق الوجه هذا من المعروف، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (والكلمة الطيبة صدقة) يعني: صدقة من الإنسان على نفسه، وصدقة منه على غيره، فهي صدقة على نفسه؛ لأنه تكلم بكلام طيب، وصدقة منه على غيره؛ لأنه قابل غيره بكلام حسن طيب، ولهذا جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة)، يعني: يعطي ما تيسر، وإن لم يجد يرد بكلام طيب وبكلام حسن.
قوله: [(وارفع إزارك إلى نصف الساق)].
أي: أن الإزار لا يرفع مطلقاً، وإنما يكون حده الأعلى نصف الساق، ولا بأس بنزوله إلى ما فوق الكعبين، ولا يجوز نزوله عن الكعبين، وقد جاء عن النبي ﷺ قوله: (ما أسفل من الكعبين فهو في النار).
قوله: [(فإن أبيت فإلى الكعبين)].
يعني: إلى ما دونهما، فلا يغطيهما بحيث يصل إليهما، بل يكونان مكشوفين، وقد وردت الأحاديث في النهي عن الإسبال، وكذلك ورد ما يدل على الكيفية المشروعة التي ينبغي أن يكون عليها الإزار أكثر مما جاء في القمص، وذلك لأن الإزار قد يسترخي، فإذا جعل إلى نصف الساق فذلك يعني أنه إذا نزل ينزل إلى منطقة سائغة، ولو جعل قريباً جداً من الكعبين فيمكن أن ينزل إذا استرخى فيغطي الكعبين ويقع في المحذور، بخلاف القميص؛ فإن الأصل في القميص أنه لا يسترخي لكونه مشدوداً بالكتفين، وإنما الذي قد ينزل الإزار.
وعلى هذا: فإن الإزار وكذلك القميص يكون في حدود هذه المسافة التي فوق الكعبين إلى نصف الساق.
قوله: [(وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة)].
الإسبال هو نزول الثوب عن الكعبين، والمخيلة: هي الخيلاء، وكون الإسبال من الخيلاء ليس بلازم ألا يصدق عليه النهي إلا مع الخيلاء، ولكنه من أسبابه الخيلاء، أو قد يحصل بسببه الخيلاء، وإلا فإنه قد يقع من إنسان بأن يسترخي إزاره مثلما حصل لـ أبي بكر ﵁ من غير قصد منه، ويتعاهده كلما نزل رفعه، ولكن لا يقال: إنه لا ينهى عنه إلا إذا كان القصد منه الخيلاء ويقول أحدهم: أنا ما أريد الخيلاء، إذاً: لا بأس أن أنزل عن الكعبين وأسبل في ثيابي! فإن النهي عام، وأما ذكر المخيلة فمعناه أن ذلك مظنة الخيلاء، والرسول ﷺ يقول: (ما أسفل من الكعبين فهو في النار) وهذا يدلنا على أنه متى حصل الإسبال فسواء قصد الخيلاء أو لم يقصد ما دام أنه نازل عن الكعبين؛ فهو محرم وصاحبه آثم، لكنه يتفاوت فمن عنده هذا القصد السيئ أعظم جرماً ممن ليس عنده ذلك القص
стр. 13789
تراجم رجال إسناد حديث (وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة)
قوله: [حدثنا مسدد].
هو مسدد بن مسرهد البصري، ثقة أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا يحيى].
هو يحيى بن سعيد القطان البصري، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي غفار].
هو مثنى بن سعد ليس به بأس -يعني: صدوق-، أخرج له البخاري في الأدب المفرد أبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا أبو تميمة الهجيمي -واسمه].
الشيخ: عن أبي تميمة الهجيمي -واسمه طريف بن مجالد -].
وهو ثقة أخرج له البخاري وأصحاب السنن.
[عن أبي جري جابر بن سليم].
أبو جري جابر بن سليم ﵁ صحابي أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي.
стр. 13790
تحريم الإسبال في القميص والإزار
والقميص كالإزار لحديث ابن عمر موقوفاً: [(ما قال رسول الله ﷺ في الإزار فهو في القميص)] ولكن الأحاديث وردت في الإزار أكثر؛ لأن فيه مجالاً للاسترخاء.
стр. 13791
شرح حديث (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا النفيلي حدثنا زهير حدثنا موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة.
فقال أبو بكر ﵁: إن أحد جانبي إزاري يسترخي، إني لأتعاهد ذلك منه.
قال: لست ممن يفعله خيلاء)].
أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة).
قوله: (ثوبه) لفظ الثوب واسع، يشمل الإزار وغير الإزار، والإزار: هو القطعة الواحدة تشد على وسط الجسد وتستر من وسط الجسد حتى قرب الكعبين، ويقال لها -أيضاً- ثوب، وكذلك القميص يقال له ثوب، وكلها مجموعة يقال لها: ثياب، سواءً كانت قميصاً أو إزاراً أو قطعة واحدة ليست إزاراً ولا رداءً.
وقول النبي ﵊: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) يدل على أن إسبال الثياب من الكبائر، وأنه خطير، وأنه إذا كان موصوفاً بهذا الوصف الذي هو الخيلاء فهو في غاية الخطورة، وإذا لم يكن بوصف الخيلاء -أو قصد الخيلاء- فإن ذلك حرام.
والأحاديث جاءت في النهي عن الإسبال على سبيل العموم؛ لكن جاء في بعضها بيان خطورة الإسبال مع الخيلاء، فدل ذلك على أن الإسبال بقصد الخيلاء فيه وعيد شديد، وأن الإسبال بدون قصد الخيلاء فيه وعيد، ولكنه دون الشيء الذي جاء فيه الخيلاء، وجاء في بعض الأحاديث العموم من غير تقييد، يعني: أن المسبل ذنبه كبير وجرمه عظيم، ولكن يشمل ما كان بخيلاء وما كان بغير خيلاء، وما كان فيه تقييد بالخيلاء يكون أخطر وأشد، وحديث ابن عمر فيه تقييد بالخيلاء.
وقوله: (لم ينظر الله إليه يوم القيامة) المقصود به أنه لا ينظر إليه نظر رحمة وإحسان، بل نظر غضب وسخط، فهذا من جنس الكلام الذي يأتي مضافاً أو منفياً عن بعض الناس يوم القيامة ويكون مثبتاً لهم في بعض المواضع، والمثبت غير المنفي كما في قوله: (ثلاثة لا يكلمهم يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم) فإن قوله: (لا يكلمهم) هذا نفي للتكليم الذي فيه رحمة وإحسان إليهم، وأما التكليم الذي فيه توبيخ وتقريع فهو ثابت في حقهم كما في قوله : ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، فإن هذا كلام ولكنه كلام توبيخ وتقريع، وعلى هذا فالمنفي هو الذي يعود عليهم بالخير وهو الذي فيه إحسان إليهم ورحمة بهم، والذي فيه الإثبات هو الذي فيه توبيخ وتقريع لهم، فيكون النظر من هذا القبيل، فالنظر الذي فيه إحسان ورحمة بهم هو المنفي، ولا ينفي وجود نظر مع سخط وغضب، وعلى هذا فالمنفي المراد به ما كان من جنس الكلام المنفي.
قوله: (قال أبو بكر ﵁: إن أحد شقي إزاري يسترخي فأتعاهده) أبو بكر ﵁ كان إزاره يسترخي من غير قصد منه، ومع ذلك فإنه يجذبه ويرفعه ويتعاهده بالرفع كلما نزل، وقد خشي أبو بكر أن يكون ممن يعنيهم هذا الكلام، فذكر ذلك للنبي ﵊ فقال: (أنت لست ممن يفعله خيلاء) أي: أنه يحصل منه بغير قصد سيئ، وليست فيه تلك النية السيئة.
стр. 13792
تراجم رجال إسناد حديث (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)
قوله: [حدثنا النفيلي].
هو عبد الله بن محمد النفيلي، ثقة أخرج له البخاري وأصحاب السنن.
[حدثنا زهير].
هو زهير بن معاوية، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا موسى بن عقبة].
هو موسى بن عقبة المدني، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سالم بن عبد الله].
هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
هو عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ الصحابي الجليل أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 13793
تفسير قوله (لم ينظر الله إليه)
أما تفسير قوله ﷺ : (لم ينظر الله إليه) بـ (لم يرحمه) كما قال الحافظ ابن حجر فلا يقال: إن النفي يراد به نفي الرحمة؛ ولكنه من نتائجه ومن لوازمه عدم الرحمة.
стр. 13794
النهي عن الإسبال خاص بالرجال دون النساء
وقوله: (من جر ثوبه) الحديث؛ لا يشمل النساء، فقد ورد في حقهن أنهن يرخين ثيابهن ويطلنها وراءهن، فدل ذلك على أن هذا خاص بالرجال، وليس ذلك في حق النساء؛ لأن المطلوب في حقهن الستر والتستر، ولهذا جاء الإذن لهن بإرخاء ذيولهن.
стр. 13795
حكم القول بجواز الإسبال إذا كان بدون خيلاء
هناك من يقول: إن المذاهب الأربعة على جواز الإسبال من غير خيلاء، ولا يجوز الخروج عن المذاهب الأربعة، فنقول: أولاً: لا نعلم أن هذا الكلام الذي قيل صحيح، وأن هذا في المذاهب الأربعة؛ ولكن المسلم عليه أن يعول على الدليل، ومعلوم أن الدليل واضح في تحريم الإسبال، والأئمة الأربعة يوصون باتباع الدليل، ويحثون على اتباع الأدلة والأخذ بالسنن الثابتة عن رسول الله ﷺ ، والنبي ﵊ ما ذكر فرقاً بين أن يكون بقصد الخيلاء أو من غير قصد له، هناك فرق من ناحية شدة الجرم والذنب، لا أنه شيء سائغ بدون خيلاء غير سائغ معها.
والنبي ﷺ عندما أرشد رجلاً إلى رفع ثوبه ما قال له: أنت تفعله خيلاء أو ما تفعله خيلاء؟! وإنما أرشد إلى رفع الثوب، وفي قصة عمر ﵁ مع قصة الشاب الذي جاء يعوده في مرض موته وقد امتدحه وأثنى عليه، أنه لما ذهب الشاب إذا ثوبه يمس الأرض، فقال: ردوا علي الغلام، ثم قال له: ارفع ثوبك، فإنه أتقى لربك وأبقى لثوبك، ما قال له: هل أنت تريد الإسبال خيلاء أو ما تريده خيلاء؟ إن كنت تريد خيلاء فهو حرام وعليك أن ترفعه، وإن كنت لا تريد خيلاء فما في ذلك بأس! ليس هناك إلا: ارفع ثوبك، ليس هناك سؤال واستفسار، وإنما هناك: ارفع ثوبك، وأرشده إلى فائدتين تعود مصلحتهما على المنصوح: إحداهما: دنيوية بحتة، وهي كون الإنسان يبقي على ثوبه، وأنه لا يتعرض للوسخ ولا يتعرض للبلى.
والثانية: دنيوية وأخروية، وهي تقوى الله.
وهذا من جنس ما جاء في الحديث عن النبي ﷺ : (السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب) فائدة دنيوية بحتة، وهي طهارة الفم، وفائدة أخروية ودنيوية وهي: مرضاة الله ، ومعلوم أن مرضاة الله تحصل فوائدها في الدنيا وفي الآخرة.
следующие страницы →