Полный текст (18 341 стр.). Показаны 13791–13830 · переход к 13796.
стр. 13791
شرح حديث (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا النفيلي حدثنا زهير حدثنا موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة.
فقال أبو بكر ﵁: إن أحد جانبي إزاري يسترخي، إني لأتعاهد ذلك منه.
قال: لست ممن يفعله خيلاء)].
أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة).
قوله: (ثوبه) لفظ الثوب واسع، يشمل الإزار وغير الإزار، والإزار: هو القطعة الواحدة تشد على وسط الجسد وتستر من وسط الجسد حتى قرب الكعبين، ويقال لها -أيضاً- ثوب، وكذلك القميص يقال له ثوب، وكلها مجموعة يقال لها: ثياب، سواءً كانت قميصاً أو إزاراً أو قطعة واحدة ليست إزاراً ولا رداءً.
وقول النبي ﵊: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) يدل على أن إسبال الثياب من الكبائر، وأنه خطير، وأنه إذا كان موصوفاً بهذا الوصف الذي هو الخيلاء فهو في غاية الخطورة، وإذا لم يكن بوصف الخيلاء -أو قصد الخيلاء- فإن ذلك حرام.
والأحاديث جاءت في النهي عن الإسبال على سبيل العموم؛ لكن جاء في بعضها بيان خطورة الإسبال مع الخيلاء، فدل ذلك على أن الإسبال بقصد الخيلاء فيه وعيد شديد، وأن الإسبال بدون قصد الخيلاء فيه وعيد، ولكنه دون الشيء الذي جاء فيه الخيلاء، وجاء في بعض الأحاديث العموم من غير تقييد، يعني: أن المسبل ذنبه كبير وجرمه عظيم، ولكن يشمل ما كان بخيلاء وما كان بغير خيلاء، وما كان فيه تقييد بالخيلاء يكون أخطر وأشد، وحديث ابن عمر فيه تقييد بالخيلاء.
وقوله: (لم ينظر الله إليه يوم القيامة) المقصود به أنه لا ينظر إليه نظر رحمة وإحسان، بل نظر غضب وسخط، فهذا من جنس الكلام الذي يأتي مضافاً أو منفياً عن بعض الناس يوم القيامة ويكون مثبتاً لهم في بعض المواضع، والمثبت غير المنفي كما في قوله: (ثلاثة لا يكلمهم يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم) فإن قوله: (لا يكلمهم) هذا نفي للتكليم الذي فيه رحمة وإحسان إليهم، وأما التكليم الذي فيه توبيخ وتقريع فهو ثابت في حقهم كما في قوله : ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، فإن هذا كلام ولكنه كلام توبيخ وتقريع، وعلى هذا فالمنفي هو الذي يعود عليهم بالخير وهو الذي فيه إحسان إليهم ورحمة بهم، والذي فيه الإثبات هو الذي فيه توبيخ وتقريع لهم، فيكون النظر من هذا القبيل، فالنظر الذي فيه إحسان ورحمة بهم هو المنفي، ولا ينفي وجود نظر مع سخط وغضب، وعلى هذا فالمنفي المراد به ما كان من جنس الكلام المنفي.
قوله: (قال أبو بكر ﵁: إن أحد شقي إزاري يسترخي فأتعاهده) أبو بكر ﵁ كان إزاره يسترخي من غير قصد منه، ومع ذلك فإنه يجذبه ويرفعه ويتعاهده بالرفع كلما نزل، وقد خشي أبو بكر أن يكون ممن يعنيهم هذا الكلام، فذكر ذلك للنبي ﵊ فقال: (أنت لست ممن يفعله خيلاء) أي: أنه يحصل منه بغير قصد سيئ، وليست فيه تلك النية السيئة.
стр. 13792
تراجم رجال إسناد حديث (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)
قوله: [حدثنا النفيلي].
هو عبد الله بن محمد النفيلي، ثقة أخرج له البخاري وأصحاب السنن.
[حدثنا زهير].
هو زهير بن معاوية، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا موسى بن عقبة].
هو موسى بن عقبة المدني، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سالم بن عبد الله].
هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
هو عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ الصحابي الجليل أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 13793
تفسير قوله (لم ينظر الله إليه)
أما تفسير قوله ﷺ : (لم ينظر الله إليه) بـ (لم يرحمه) كما قال الحافظ ابن حجر فلا يقال: إن النفي يراد به نفي الرحمة؛ ولكنه من نتائجه ومن لوازمه عدم الرحمة.
стр. 13794
النهي عن الإسبال خاص بالرجال دون النساء
وقوله: (من جر ثوبه) الحديث؛ لا يشمل النساء، فقد ورد في حقهن أنهن يرخين ثيابهن ويطلنها وراءهن، فدل ذلك على أن هذا خاص بالرجال، وليس ذلك في حق النساء؛ لأن المطلوب في حقهن الستر والتستر، ولهذا جاء الإذن لهن بإرخاء ذيولهن.
стр. 13795
حكم القول بجواز الإسبال إذا كان بدون خيلاء
هناك من يقول: إن المذاهب الأربعة على جواز الإسبال من غير خيلاء، ولا يجوز الخروج عن المذاهب الأربعة، فنقول: أولاً: لا نعلم أن هذا الكلام الذي قيل صحيح، وأن هذا في المذاهب الأربعة؛ ولكن المسلم عليه أن يعول على الدليل، ومعلوم أن الدليل واضح في تحريم الإسبال، والأئمة الأربعة يوصون باتباع الدليل، ويحثون على اتباع الأدلة والأخذ بالسنن الثابتة عن رسول الله ﷺ ، والنبي ﵊ ما ذكر فرقاً بين أن يكون بقصد الخيلاء أو من غير قصد له، هناك فرق من ناحية شدة الجرم والذنب، لا أنه شيء سائغ بدون خيلاء غير سائغ معها.
والنبي ﷺ عندما أرشد رجلاً إلى رفع ثوبه ما قال له: أنت تفعله خيلاء أو ما تفعله خيلاء؟! وإنما أرشد إلى رفع الثوب، وفي قصة عمر ﵁ مع قصة الشاب الذي جاء يعوده في مرض موته وقد امتدحه وأثنى عليه، أنه لما ذهب الشاب إذا ثوبه يمس الأرض، فقال: ردوا علي الغلام، ثم قال له: ارفع ثوبك، فإنه أتقى لربك وأبقى لثوبك، ما قال له: هل أنت تريد الإسبال خيلاء أو ما تريده خيلاء؟ إن كنت تريد خيلاء فهو حرام وعليك أن ترفعه، وإن كنت لا تريد خيلاء فما في ذلك بأس! ليس هناك إلا: ارفع ثوبك، ليس هناك سؤال واستفسار، وإنما هناك: ارفع ثوبك، وأرشده إلى فائدتين تعود مصلحتهما على المنصوح: إحداهما: دنيوية بحتة، وهي كون الإنسان يبقي على ثوبه، وأنه لا يتعرض للوسخ ولا يتعرض للبلى.
والثانية: دنيوية وأخروية، وهي تقوى الله.
وهذا من جنس ما جاء في الحديث عن النبي ﷺ : (السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب) فائدة دنيوية بحتة، وهي طهارة الفم، وفائدة أخروية ودنيوية وهي: مرضاة الله ، ومعلوم أن مرضاة الله تحصل فوائدها في الدنيا وفي الآخرة.
стр. 13796
الإسبال دون قصد وتعمد الخيلاء من الكبائر
إسبال الإزار بغير قصد الخيلاء من الكبائر؛ لأن النهي عنه جاء مطلقاً يشمل ما كان بخيلاء وما كان بغير خيلاء، والكبائر تتفاوت، فليست على حد سواء؛ والأحاديث في تحريم الإسبال وردت على سبيل الإطلاق، فلا يقال: إنه يحمل على الخيلاء فقط، وإنه يجوز في غير الخيلاء، وإنما الراجح أن الإسبال يحرم وهو من الكبائر وإن انضاف إليه قصد الخيلاء فهو أعظم إثماً
стр. 13797
شرح حديث (لا يقبل الله صلاة رجل مسبل)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبان حدثنا يحيى عن أبي جعفر عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: (بينما رجل يصلي مسبلاً إزاره فقال له رسول الله ﷺ : اذهب فتوضأ.
فذهب فتوضأ ثم جاء، فقال: اذهب فتوضأ.
فقال له رجل: يا رسول الله! ما لك أمرته أن يتوضأ؟ ثم سكت عنه.
قال: إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره، وإن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل)].
هذا الحديث يدل على خطورة إسبال الإزار، وأن الله تعالى لا يقبل صلاة المسبل.
ولكن الحديث ضعيف؛ لأن فيه رجلاً لا يحتج به، وأيضاً المتن فيه نكارة من ناحية كون صلاة الإنسان لا تصح ولا يصح وضوءه إن صلى مسبلاً، وأن عليه أن يعيد الوضوء ويعيد الصلاة؛ فقد جاءت نصوص أخرى تدل على أن الله لا يقبل صلاة بعض الناس بسبب المعاصي، ومع ذلك لا يقال إن عليهم أن يعيدوها، مثلما جاء في الذي يأتي ساحراً أو كاهناً أنه لا تقبل له صلاة أربعين يوماً، وليس معنى ذلك أنه يعيد الصلاة؛ ولكنه يحرم ثوابها، ويحال بينه وبين ثوابها، وهذا الحديث الذي معنا فيه أن الوضوء يعاد، وبعض أهل العلم قال: إن هذه معصية، والمعصية فيها خطورة، والإنسان إذا توضأ وصلى يكون في ذلك جهاد للنفس، وإغاظة للشيطان، وقد جاء في بعض الأحاديث أن الإنسان يتوضأ عند الغضب ويصلي، لكن القول بأن صلاته تبطل فيه نظر.
والراجح أن الصلاة صحيحة والإسبال حرام، فيعاقب على إساءته ويثاب على صلاته، مثلاً: لو أن إنساناً صلى في ثوب حرير، فإنه مطيع عاص، ولو صلى في أرض مغصوبة فهو مطيع عاص؛ فصلاته صحيحة وهو آثم لفعله المعصية، فكذلك الذي يصلي وهو مسبل إزاره، صلاته صحيحة وهو آثم في الإسبال، أما كون وضوئه ينتقض أو أنه يحتاج إلى إعادة الوضوء ثم إعادة الصلاة فهذا مشكل وفيه نكارة، ومع ذلك فالإسناد فيه أبو جعفر وهو لا يحتج به.
стр. 13798
تراجم رجال إسناد حديث (إن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل)
قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل].
هو موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبان].
هو أبان بن يزيد العطار، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[حدثنا يحيى].
هو يحيى بن أبي كثير اليمامي، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي جعفر].
أبو جعفر وهو المدني الأنصاري، وهو مقبول، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي والنسائي في عمل اليوم والليلة وابن ماجة.
[عن عطاء بن يسار].
عطاء بن يسار ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق.
стр. 13799
شرح حديث (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم وذكر منهم المسبل)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن علي بن مدرك عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن خرشة بن الحر عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم.
قلت: من هم يا رسول الله؟ قد خابوا وخسروا! فأعادها ثلاثاً قلت: من هم يا رسول الله؟ خابوا وخسروا! فقال: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب أو الفاجر)].
أورد أبو داود حديث أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم.
فقالوا: خابوا وخسروا يا رسول الله! من هم؟ قال: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب أو الفاجر).
قوله ﷺ : (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) هذا يدل على أن تلك الأعمال من الكبائر، وهي الإسبال والمن بالعطية وكذلك الحلف كذباً في السلع لتنفيقها وترويجها وترغيب الناس في الشراء منها.
وتقديم النبي ﷺ ذكر الثلاث بالعدد، ثم وصفها بهذه الأوصاف قبل أن يذكرها؛ من كمال بيانه ﵊، وذلك أن النفوس عندما تذكر لها هذه الصفات الثلاث فإنها تتشوق وتتشوف وتكون متهيئة لمعرفة هذه الثلاث التي وصفت بهذه الأوصاف الدالة على خطورتها؛ فهذا من كمال بيانه ﷺ ونصحه لأمته ﵊.
أيضاً ذكر العدد فيه فائدة وهي أن الإنسان يطالب نفسه بالعدد، وأن العدد اكتمل أو لم يكتمل، فإما أن يستوفي وإما أن يكون هناك نقص حصل فيبحث عنه، فهذه فائدة العدد وفائدة ذكر الأوصاف، فهذا التقديم لأجل الاهتمام وتحفيز النفوس على الاستعداد والتهيؤ لاستيعاب الشيء الذي سيذكر؛ لأن مثل ذلك دال على أهميته، وهذا من بيانه ﵊ والطريقة التي يتبعها في بيان الأحكام، ومن كمال نصحه لأمته ﵊.
ولذلك نظائر كثيرة منها ما يكون بالعدد الذي هو (ثلاثة) ومنها ما يكون أكثر، ومنها ما هو أقل من ذلك، كما في الحديث الذي أخرجه البخاري في آخر صحيحه من حديث أبي هريرة: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) فإنه بين ﷺ أن الكلمتين الموصوفتين بهذه الصفات الثلاث شأنهما عظيم، ثم بينهما بقوله: (سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، فعندما يسمع الإنسان قوله: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان) يتساءل: ما هما الكلمتان اللتان هذا شأنهما؟ فيتحفه بالإجابة (سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم).
وقوله: [(ولا ينظر الله إليهم)] هذا من جنس الذي مر: (لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء) يعني: النظر الذي يترتب عليه فائدة للمنظور إليه، والنفي هنا هو لتلك الفائدة، وأما النظر الذي فيه مضرة فهو من جنس الكلام الذي فيه مضرة كقوله تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] فهذا كلام، وهنا نفى الكلام (لا يكلمهم الله يوم القيامة) يعني: لا يكلمهم كلاماً فيه مصلحتهم، وكلاماً هو مفيد لهم، وكلاماً فيه إحسان إليهم.
قوله: [(المسبل)] هذا هو محل الشاهد، وهو مطلق يدل على تحريم الإسبال مطلقاً، ولكن إذا كان بقصد خيلاء صار أشد وأعظم، وإذا كان بدون خيلاء فهو شديد وعظيم.
قوله: [(والمنان)] والمنان: الذي يمن بما أعطى، أي: إذا أعطى شيئاً مَنَّ به على من أعطاه.
قوله: [(والمنفق سلعته بالحلف الكاذب)] أي: يروجها، ويجعل الذي يريد الشراء يرغب في السلعة ويحرص عليها تصديقاً لبائعها الحالف كذباً ليوهمه.
وكذلك يدخل في الإثم إذا كان يصف السلعة بأنها كذا ويقسم: والله إنها كذا والله إنها بكذا؛ من أجل أن يرغب فيها الناس، وهذا علاوة على أن الكذب في حد ذاته خطير، ولكنه إذا كان لأمر باطل يكون أشد وأشد.
стр. 13800
تراجم رجال إسناد حديث: (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم) وتراجم رجال إسناده
قوله: [حدثنا حفص بن عمر].
حفص بن عمر ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي.
[حدثنا شعبة].
هو شعبة بن الحجاج الواسطي البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن علي بن مدرك].
علي بن مدرك ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير].
أبو زرعة بن عمرو بن جرير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن خرشة بن الحر].
مختلف في صحبته، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
الملقي: [عن أبي ذر].
أبو ذر الغفاري جندب بن جنادة ﵁ وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 13801
شرح حديث أبي ذر (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم) وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان عن الأعمش عن سليمان بن مسهر عن خرشة بن الحر عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ بهذا والأول أتم.
قال: (المنان الذي لا يعطي شيئاً إلا مِنَّة)].
أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله.
[والأول أتم] أي: الذي سبق وذكر متنه في الإسناد السابق، وذكر أن مما جاء في الطريق الثاني من الزيادة توضيح المنان بأنه الذي لا يعطي شيئاً إلا مِنَّة، يعني: مِنَّة على من أعطاه إياه.
قوله: [حدثنا مسدد].
هو مسدد بن مسرهد البصري، ثقة أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا يحيى].
هو يحيى بن سعيد القطان، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سفيان].
سفيان هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش].
وهو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سليمان بن مسهر].
هو سليمان بن مسهر، ثقة أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي.
[عن خرشة بن الحر عن أبي ذر].
وقد مر ذكرهما.
стр. 13802
شرح حديث (نعم الرجل خريم الأسدي لولا طول جمته وإسبال إزاره)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا أبو عامر -يعني: عبد الملك بن عمرو - حدثنا هشام بن سعد عن قيس بن بشر التغلبي أخبرني أبي -وكان جليساً لـ أبي الدرداء - قال: كان بدمشق رجل من أصحاب النبي ﷺ يقال له: ابن الحنظلية ﵁، وكان رجلاً متوحداً قلما يجالس الناس إنما هو في صلاة، فإذا فرغ فإنما هو تسبيح وتكبير حتى يأتي أهله، فمر بنا ونحن عند أبي الدرداء فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك! قال: (بعث رسول الله ﷺ سرية فقدمت، فجاء رجل منهم فجلس في المجلس الذي يجلس فيه رسول الله ﵌ فقال لرجل إلى جنبه: لو رأيتنا حين التقينا نحن والعدو فحمل فلان فطعن فقال: خذها مني وأنا الغلام الغفاري كيف ترى في قوله؟ قال: ما أراه إلا قد بطل أجره، فسمع بذلك آخر فقال: ما أرى بذلك بأساً، فتنازعا حتى سمع رسول الله ﷺ فقال: سبحان الله! لا بأس أن يؤجر ويحمد، فرأيت أبا الدرداء سر بذلك، وجعل يرفع رأسه إليه ويقول: أنت سمعت ذلك من رسول الله ﷺ ؟ فيقول: نعم.
فما زال يعيد عليه حتى إني لأقول: ليبركن على ركبتيه.
قال: فمر بنا يوماً آخر فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك! قال: قال لنا رسول الله ﷺ : المنفق على الخيل كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها.
ثم مر بنا يوماً آخر فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك! قال: قال لنا رسول الله ﷺ : نعم الرجل خريم الأسدي لولا طول جمته وإسبال إزاره.
فبلغ ذلك خريماً فعجل فأخذ شفرة فقطع بها جمته إلى أذنيه، ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه.
ثم مر بنا يوماً آخر فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك! فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنكم قادمون على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم وأصلحوا لباسكم حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس، فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش.
قال أبو داود: وكذلك قال أبو نعيم عن هشام قال: حتى تكونوا كالشامة في الناس)].
أورد أبو داود حديث رجل من الصحابة، هو سهل بن الحنظلية ﵁ وكان في الشام، وكان رجلاً معتزلاً للناس، وليس كثير المخالطة، وإنما هو مشتغل بالعبادة والذكر والتسبيح والتهليل، فمر يوماً على مجلس فيه أبو الدرداء، فقال أبو الدرداء: (كلمة تنفعنا ولا تضرك) يعني: ذكّرنا بشيء أو حدثنا بشيء ينفعنا ولا يضرك، والكلمة يراد بها الكلام لا يقصد بها كلمة واحدة؛ لأن الكلمة يراد بها الكلمة الواحدة ويراد بها الكلام، كما يقال: فلان ألقى كلمة أو عنده كلمة، أي: كلام، وكذلك جاء في اللغة وفي الحديث، ومنه حديث: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان) وكلمة الإخلاص (لا إله إلا الله)، وهي عدة كلمات، فالكلمة تطلق على الكلمة الواحدة، وتطلق على الكلام، ولهذا يقول ابن مالك في أول الألفية عن الكلام: واحده كلمة والقول عم وكلمة بها كلام قد يؤم أي: الكلمة قد يقصد بها الكلام، وهنا قوله: (كلمة تنفعنا ولا تضرك) يعني: حدثنا بحديث وبكلام ينفعنا ولا يضرك، وليس المقصود منه الكلمة المفردة، وإنما المقصود منه الكلام؛ لأن الكلمة تطلق على الكلام.
وقوله: (تنفعنا ولا تضرك) يعني: نحن نربح وأنت لا تخسر، وفي الحقيقة أن الكلمة منه تنفعهم وتنفعه وليست المسألة فقط مجرد ارتفاع الضرر عنه، بل النفع حاصل؛ لأن الإنسان إذا دل إلى خير وأرشد إلى خير وحدث بخير فإنه ينتفع، وقد قال ﵊: (من دعا إلى هدى كان له أجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه إثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً).
والمخالطة مع النفع خير من العزلة، وإذا كانت المخالطة فيها ضرر ولا يترتب من ورائها نفع فالعزلة أفضل.
فالعزلة تكون أفضل باعتبار والمخالطة تكون أفضل باعتبار آخر، فالذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم وينفعهم خير من الذي يعتزلهم ولا يفيدهم شيئاً؛ ولكن إذا لم يحصل منه نفع، لعلة لا تمكنه من النفع، أو كانت الخلطة تؤدي إلى ضرر؛ فعند ذلك تكون العزلة خيراً له.
قوله: [(بعث رسول الله ﵌ سرية)].
السرية هي قطعة من الجيش تقتطع وترسل لمهمة ثم تعود، وقيل: إن غايتها إلى أربعمائة شخص، وقد تكون أقل من ذلك، فمن حين خروجها إلى رجوعها يقال لها سرية، فإذا دخلت في الجيش خرجت عن كونها سرية وصارت من ضمن الجيش، وفي جملة الجيش.
فرجعت السرية، وجاء رجل منهم وجلس في المجلس الذي كان يجلس فيه النبي ﷺ وجلسوا في انتظاره، وكانوا يتحدثون قبل أن يصل ﷺ ، فقال ذلك الرجل الذي جلس لرجل بجواره: (لو رأيتنا حين التقينا نحن والعدو فحمل فلان فطعن وقال: خذها مني وأنا الغلام الغفاري؛ كيف ترى في قوله؟ قال: ما أراه إلا قد بطل أجره) يعني: كونه قال هذا الكلام، لأن فيه سمعة وفيه ثناء على نفسه بالشيء الذي قد حصل منه.
فقال الآخر: (ما أرى بذلك بأساً!) يعني: عكس كلام صاحبه الأول.
فسمع النبي ﷺ فقال: (سبحان الله! لا بأس أن يؤجر وأن يحمد) يعني: يحصل له هذا وهذا، يحصل الأجر ويحصل الحمد.
قوله: [(فرأيت أبا الدرداء سر بذلك، وجعل يرفع رأسه إليه، ويقول: أنت سمعت ذلك من رسول الله ﷺ ؟ فيقول: نعم.
فما زال يعيد عليه حتى إني لأقول: ليبركن على ركبتيه)].
وهذا الذي جاء في الحديث عن النبي ﷺ أيد كلام الثاني الذي قال: لا بأس به، والنبي ﷺ قال: (لا بأس أن يؤجر ويحمد) أي: أنه يحصل له الأجر ويحصل له الحمد، فسرَّ بذلك أبو الدرداء وصار يردد عليه: (أأنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟) حتى قال بشر: (حتى إني لأقول: ليبركن على ركبتيه) يعني: من شدة اهتمامه ومطالبة ذلك الشخص بتأكيد هذا الكلام، وأنه سمعه من رسول الله ﷺ .
قوله: [(فمر بنا يوماً آخر فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك! قال: قال لنا رسول الله ﵌: المنفق على الخيل كالباسط يده بالصدقة لا يقبضها)].
أي: أنه مر بهم مرة ثانية فقال له أبو الدرداء مثلما قال في اليوم الأول: (كلمة تنفعنا ولا تضرك! فقال: قال رسول الله ﷺ : المنفق على الخيل كالباسط يده في الصدقة لا يقبضها).
ومعناه: كأنه مستمر في الإنفاق، فالذي ينفق على الخيل أجره مستمر متتابع كثير؛ لأن شأن الخيل في الجهاد عظيم، وقد قال ﵊: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة)، والإنفاق على الخيل هو في سبيل الله، وهو صدقة جارية مستمرة كشأن الذي يده مبسوطة منفقة ومستمرة بالإنفاق.
قوله: [(ثم مر بنا يوماً آخر فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك! قال: قال لنا رسول الله ﷺ : نعم الرجل خريم الأسدي لولا طول جمته وإسبال إزاره.
فبلغ ذلك خريماً فعجل فأخذ شفرة فقطع بها جمته إلى أذنيه، ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه)].
مر بهم الثالثة فقال أبو الدرداء الكلمة السابقة نفسها: (كلمة تنفعنا ولا تضرك).
قوله: [(فبلغ ذلك خريماً فعجل فأخذ شفرة فقطع بها جمته إلى أذنيه، ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه) يعني: القطع للشعر والرفع للإزار إلى أنصاف الساقين، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث الطويل في هذا الباب.
قوله: [(ثم مر بنا يوماً آخر فقال له أبو الدرداء: كلمة تنفعنا ولا تضرك! فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنكم قادمون على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم وأصلحوا لباسكم حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس، فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش)].
أي أنه مر بهم في المرة الرابعة فقال له الكلمة نفسها: (كلمة تنفعنا ولا تضرك!) فقال: قال رسول الله ﷺ : (إنكم قادمون على إخوانكم) أي: أنهم كانوا في سفر فقال لهم: (إنكم قادمون على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم وأصلحوا ثيابكم حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس) والمقصود كالشيء الواضح الجلي في الناس.
[(فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش)].
الفحش: يطلق على الفحش من القول، لكن سياق الكلام عن إصلاح الظاهر بالثياب الحسنة والترجل، وكأنه يطلق على الحالة السيئة والحالة القبيحة غير الجميلة.
стр. 13803
تراجم رجال إسناد حديث (نعم الرجل خريم الأسدي لولا طول جمته وإسبال إزاره)
قوله: [حدثنا هارون بن عبد الله].
هارون بن عبد الله الحمال البغدادي ثقة، أخرج حديثه مسلم وأصحاب السنن.
[حدثنا أبو عامر -يعني: عبد الملك بن عمرو -].
أبو عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا هشام بن سعد].
هشام بن سعد صدوق له أوهام، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[عن قيس بن بشر التغلبي].
قيس بن بشر التغلبي مقبول أخرج له أبو داود.
[عن أبيه].
أبوه بشر التغلبي صدوق أخرج له أبو داود.
أما ابن الحنظلية فهو سهل بن الحنظلية ﵁، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والنسائي، والحديث في إسناده هذا الرجل المقبول، وقد ضعفه الألباني بسببه.
[قال أبو داود: وكذلك قال أبو نعيم عن هشام].
أبو نعيم هو الفضل بن دكين الكوفي، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهشام هو ابن سعد الذي تقدم في الإسناد.
стр. 13804
السنة في الشعر وحكم طوله
الحديث يدل على عدم تطويل الشعر حتى يصل إلى الأذنين لقوله: (لولا طول جمته)، وقد قصر خريم شعره حتى صار إلى شحمة الأذنين ﵁، مثلما كان شعر رسول الله ﷺ يصل شحمة الأذنين لا ينزل عن ذلك، وهذا قد نزل فأعاده امتثالاً حتى كان كشعر رسول الله ﷺ .
стр. 13805
فضيلة العناية بالخيل في سبيل الله والإعداد للجهاد
المراد بقوله: [(المنفق على الخيل)] أي: في الجهاد وفي غير الجهاد، يعني: في تهيئة أهل الجهاد، ففي تهيئة أهل الجهاد وفي إعداد أهل الجهاد كذلك هو إنفاق عليها؛ لأن بقاءها والتمكن من الاستفادة منها إنما هو بصيانتها واقتنائها والإنفاق عليها والإحسان إليها حتى يستفاد منها عند الحاجة إليها، وليس بلازم أن يكون الإنفاق وقت الجهاد فقط، وأن الإنفاق عليها في غير الجهاد ليس فيه أجر.
ويقاس عليه كذلك تعاهد ورعاية الأسلحة للمسلمين؟ فيؤجر فاعل ذلك قياساً على المنفق على الخيل، ولا شك أن في إعداد العدة وتهيئتها والمحافظة عليها أجراً عظيماً.
стр. 13806
سرور أبي الدرداء بقول النبي ﷺ (سبحان الله لا بأس أن يؤجر ويحمد)
علة سرور أبي الدرداء بقول النبي ﷺ : (سبحان الله! لا بأس أن يؤجر ويحمد) لأن فيما أن عمله لا يحبط بقوله ذلك، يعني: كون الشخص يحصل منه شيء مثل هذا الذي جرى في هذا الحديث؛ لا يحبط عمله؛ لأن الذي شق عليه خشية أن يحبط عمله، فالرسول ﷺ بين أنه لا يحبط عمله، وأنه لا بأس أن يؤجر ويحمد.
стр. 13807
حكم ذكر الرجل بما يكره في غيبته لمصلحة تعود عليه
وفيه دلالة على جواز ذكر المسلم بما يكره وإن كان غائباً، لقوله ﵊: (نعم الرجل خريم الأسدي لولا طول جمته وإسبال إزاره) وهذا إذا كان في ذكره بعيبه مصلحة له، ومنها أن يتدارك النقص الحاصل، فهذه نصيحة بطريقة غير مباشرة، وتعتبر دواءً ناجحاً، وكأن هذا من جنس الحديث الآخر الذي قال: (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل).
стр. 13808
معنى قوله (كأنكم شامة)
أما معنى قوله ﷺ : (كأنكم شامة) فليس المقصود لبس ثياب الشهرة، لكنه ظهور بالخير وبروز بالخير وإظهار لنعمة الله شكراً لله سبحانه.
стр. 13809
شرح سنن أبي داود [٤٥٩]
الكبر من كبائر الذنوب، وصاحبه متوعد بالعذاب والنار، لأن الكبير هو الله، وهو صاحب العظمة والكبرياء، فمن نازعه في ذلك عذبه، كما أن الكبر ينافي التواضع والاستكانة التي حض الشارع وأمر على لزومها وترك التعالي والترفع عن العباد.
стр. 13810
تحريم الكبر
стр. 13811
شرح حديث (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في الكبر.
حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد.
ح: وحدثنا هناد -يعني: ابن السري - عن أبي الأحوص المعنى: عن عطاء بن السائب -قال موسى: عن سلمان الأغر، وقال هناد: عن الأغر أبي مسلم - عن أبي هريرة ﵁ -قال هناد: قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله : الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار)].
قوله رحمه الله تعالى: [باب في الكبر] يعني: في تحريمه، وأن صاحبه مذموم ومتوعد، وأن الكبرياء والعظمة إنما هي لله ، وهو الكبير العظيم المتعالي ، والتعالي والترفع والتكبر والتعاظم من الخلق مذموم؛ لأن المطلوب في حقهم أن يكونوا عبيداً لله مستضعفين، فعليهم أن يتواضعوا لله ، وألا يتعالوا ويتكبروا على غيرهم.
فأورد أبو داود هذه الترجمة، وهي عن الكبر وبيان ما ورد فيه من الوعيد، ومن التخويف والزجر والردع لمتعاطيه.
أورد حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً وهو حديث قدسي: (قال الله : العظمة إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني في شيء منهما قذفته في النار).
قوله في الحديث القدسي: (العظمة إزاري والكبرياء ردائي) يعني: أن هذه من الخصائص التي يختص بها ، وهي ملازمة لله، وليس لغيره أن يبحث عنها وأن يتطلبها؛ لأن هذه من خصائص الله .
وقوله: (إزاري وردائي) الشاهد من الحديث أن الله تعالى مختص بها وأنه لا ينازعه أحد فيها، كما أن من يكون له إزار ورداء من الخلق فإن ذلك الإزار والرداء مختص به ليس لأحد غيره مشاركته فيه.
ومن صفات الله (صفة العظمة) و (صفة الكبرياء)، وذكر الإزار والرداء إشارة إلى الاختصاص، وإلى عدم الأحقية في المنازعة فيها، فلا يقال: إن لله إزاراً.
ويُسْكَت عن التفصيل، وإنما يقال: إن لله الكبرياء وله العظمة، وأن الله بين أنه مختص بها كما أن من يكون من الناس عليه إزار ورداء فإن إزاره ورداءه مختصان به، فدل هذا على أن ذلك من خصائص الله ، وأن ليس لأحد أن يتعاطى ذلك أو يتطلب ذلك أو يبحث عن ذلك أو يؤمل أن يحصل له ذلك؛ لأن هذا خصائص الله .
وهذا اللفظ الذي جاء في هذا الحديث من جنس اللفظ الذي جاء عن النبي ﷺ في الأنصار في غزوة حنين لما وجدوا في أنفسهم أنهم لا يحصل لهم ما حصل للناس، فجمعهم في مكان وتحدث معهم، وقال: بلغني أنكم وجدتم في أنفسكم، إذ لم يحصل لكم ما حصل للناس، قالوا: نعم، يا رسول الله! قال: (أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله ﷺ إلى رحالكم؟ ثم قال: الأنصار شعار، والناس دثار) يعني: الأنصار بمنزلة الشعار، وهو ما يلي الجسد من الثياب، لقربهم منه ولاتصالهم به، (والناس دثار) يعني: مثل الثوب الذي بعد الشعار وليس ملاصقاً للجسد، فهذا بيان للقرب والاختصاص به، وأن لهم الصلة الوثيقة بالرسول ﷺ .
وهذا الذي في الحديث فيه اختصاص الله بالكبرياء، وأنه ليس لأحد أن ينازعه فيها ، فهو الكبير المتعالي ذو الجلال والإكرام والعظمة والكبرياء، والعظمة لا تكون إلا لله .
أما الفرق بين الكبرياء والعظمة فالمعاني متقاربة، والعظمة تكون مثلاً صفة لله , والكبرياء تتعلق بأنه ذو الكبرياء على غيره، وأن غيره مفتقر إليه، وأنه بحاجة إليه، يعني: فبعض الصفات وبعض الأسماء تتقارب في معانيها، ويكون بينها فروق دقيقة، وبعضها يكون مماثلاً، مثل: الرحمن والرحيم، كل منهما مشتق من الرحمة، ولكن (الرحمن) أعظم من (الرحيم) ولهذا يطلق على غير الله: رحيم، ولا يطلق على غير الله رحمان، فالرحمن من الأسماء الخاصة به التي لا تطلق على غيره، لا يقال: فلان رحمان، ويقال: فلان رحيم، وقد وصف الله نبيه بأنه ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، ولهذا لما قيل لـ مسيلمة الكذاب: رحمان اليمامة حصل له لقب ملازم لاسمه وهو الكذاب؛ بحيث لا يقال: مسيلمة فقط، بل يقال: مسيلمة الكذاب كأنه اسم مركب.
стр. 13812
تراجم إسناد حديث (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري)
قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد].
موسى بن إسماعيل مرَّ ذكره.
وحماد هو: ابن سلمة بن دينار، ثقة أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[ح: وحدثنا هناد بن السري].
(ح) معناها التحول من إسناد إلى إسناد.
وهناد بن السري أبو السري ثقة، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد ومسلم وأصحاب السنن.
[عن أبي الأحوص].
أبو الأحوص سلام بن سليم الحنفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عطاء بن السائب].
عطاء بن السائب صدوق اختلط، أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن، وهنا يروي عنه أبو الأحوص، وحماد بن سلمة، وليسا من الذين سمعوا منه قبل الاختلاط؛ لأن حماد بن سلمة مختلف فيه، ومعلوم أن المختلف فيه كأنه يعتبر غير سامع؛ لأنه لابد من تحقق السماع قبل الاختلاط حتى يقبل حديثه، وأبو الأحوص لم يسمع منه قبل الاختلاط؛ لكن الحديث ورد في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة وصحابي آخر بنفس المعنى إلا أن فيه لفظ (العزة) بدل (العظمة).
وعطاء بن السائب ليس من رجال مسلم ولهذا قيل: إنه من رجال البخاري وأصحاب السنن.
[قال: موسى عن سلمان الأغر، وقال هناد: عن الأغر أبي مسلم].
(قال: موسى) الذي هو الشيخ الأول: (عن سلمان الأغر)، وقال الشيخ الثاني -وهو هناد -: عن الأغر أبي مسلم، وهما رجلان، ولكن كل منهما ثقة.
سلمان أخرج له أصحاب الكتب الستة، والأغر أبو مسلم أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[عن أبي هريرة].
أبو هريرة ﵁ مر ذكره.
[قال هناد: قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله ].
أي: أن الذي قال: (قال رسول الله) هو هناد الشيخ الثاني في السند.
стр. 13813
حكم القول بأن لله إزاراً ورداء دون تفصيل
في ذكر الإزار والرداء لله فنقول كما قال الله : (العظمة إزاري والكبرياء ردائي) لكن كنوننا نقول: (له إزار) أو (له رداء) ونطلق قد يقطع الكلام ولا يتصل بشيء فيكون شيئاً خطيراً غير لائق بالله .
стр. 13814
وجه إيراد النهي عن الكبر في كتاب اللباس
وجه إيراد أبي داود [باب الكبر] في كتاب اللباس أنه لما ذكر الإسبال، والإسبال يكون للكبر ولغيره، وقد ذكر الحديث الذي فيه النهي عن الإسبال لأجل التعاظم والخيلاء، فذكر -بالمناسبة- الكبر الذي ذم الإسبال لأنه يؤدي إليه أو لأنه سبب للوصول إليه، وأنه يضاعف إثم الإسبال.
стр. 13815
حكم لفظ (العظمة) من ناحية المتن
الحديث في صحيح مسلم فيه لفظ (العزة) بدلاً عن (العظمة) لكن لا يقال: لفظة (العظمة) شاذة أو منكرة؛ لأنها جاءت من حديث عطاء؛ لأن وصف الله بالعظمة لا يشاركه فيه أحد، والعزة لا يشاركه فيها أحد.
стр. 13816
شرح حديث (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن يونس حدثنا أبو بكر -يعني: ابن عياش - عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان)].
أورد أبو داود حديث عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر) هذا في ذم الكبر وبيان خطورته، وأنه من الكبائر، وأن صاحبه متطلب ما ليس له، وتارك للشيء الذي هو له، وهو التواضع الذي يقابله التكبر والترفع والتعاظم.
قوله: (مثقال حبة من خردل من كبر) يعني: شيئاً يسيراً من الكبر؛ فإن ذلك سبب في عدم دخول الجنة، والمقصود من ذلك بيان الزجر والتحذير من الكبر، ولا يعني ذلك أن من يكون كذلك يكون من أهل النار الذين هم الكفار، فإن مرتكب الكبيرة أمره إلى الله إن شاء تجاوز عنه وإن شاء عذبه، ولكنه إذا عذبه لا يخلده في النار خلود الكفار، بل لا بد أن يخرج منها ويدخل الجنة، فيكون فاته ما حصل لغيره ممن سلم من الكبر وكان فيمن يدخلون الجنة ولا يعذبون في النار، فإن أهل الجنة في الجنة ينعمون وهو في النار يعذب بسبب كبره.
فهذا لا يعني أنه لا يدخل الجنة أصلاً، فإن الله أخبر بأن كل ذنب دون الشرك فهو تحت مشيئته ، وكل ذنب لم يغفره الله لمن كان غير مشرك فإنه لا يخلد صاحبه في النار، وإنما يدخل النار إذا شاء الله أن يدخلها ويعذب فيها على مقدار جرمه، ثم يخرج من النار ويدخل الجنة، ولا يبقى في النار إلا الكفار الذين هم أهلها والذين لا سبيل لهم إلى الخروج منها فإن الجنة عليهم حرام.
(ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان) يعني: أنه لا يدخلها دخولاً يكون له خلوداً، وأما كونه يدخلها جزاء على ما عنده من الكبائر التي لم يتجاوز الله عنها فذلك وارد، كما جاءت بذلك الأحاديث الدالة على أن أصحاب الكبائر يدخلون النار إذا لم يعف الله عنهم، ولكنه إذا دخل لا يدخل دخول خلود.
стр. 13817
تراجم رجال إسناد حديث (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر)
قوله: [حدثنا أحمد بن يونس].
أحمد بن يونس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبو بكر -يعني: ابن عياش -].
أبو بكر بن عياش وهو ثقة أخرج له البخاري ومسلم في المقدمة وأصحاب السنن.
[عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة].
الأعمش مر ذكره.
وإبراهيم هو: ابن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، ثقة محدث فقيه أخرج له أصحاب الكتب الستة.
وعلقمة هو: النخعي الكوفي، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله].
هو عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه الصحابي الجليل، وهو أحد فقهاء الصحابة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[قال أبو داود: رواه القسملي عن الأعمش مثله].
القسملي عبد العزيز بن مسلم، ثقة ربما وهم، أخرج له أصحاب الكتب إلا ابن ماجة.
стр. 13818
الكبر والإيمان لا يجتمعان
والإيمان يجتمع مع الكبائر مع المعاصي، والمؤمن يكون عنده إيمان وعنده معاص كبائر -إذا كان قد ارتكب كبائر- وصغائر، فيكون عنده إيمان وعنده نقص في الإيمان بسبب الكبائر، فلا يقال: إنهما لا يجتمعان بحيث لا يكون المؤمن موصوفاً بالإيمان إلا إذا كان خالياً من الكبر، يمكن أن يكون مؤمناً ناقص الإيمان لما عنده من الكبر فالجمع بين الإيمان وحصول الكبيرة هذا مذهب أهل السنة والجماعة، وهم وسط بين المرجئة وبين الخوارج والمعتزلة.
المرجئة فرطوا وأهملوا وقالوا: مرتكب الكبيرة مؤمن كامل الإيمان، فلا فرق بين أتقى الناس وأفجر الناس في الإيمان، ولا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة.
وهذا تغليب لجانب الوعد وإهمال لجانب الوعيد.
في مقابل ذلك الإفراط والتشديد والغلو الذي حصل من الخوارج والمعتزلة، فاتفق الخوارج والمعتزلة على خروج مرتكب الكبيرة من الإيمان، لكن هل دخل في الكفر؟ الخوارج قالوا: دخل في الكفر.
والمعتزلة قالوا: خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، فهو في منزلة بين المنزلتين، وهم متفقون على أنه في الآخرة مخلد في النار، وفي الدنيا مختلف عليه بينهم، هؤلاء قالوا إنه كافر، وهؤلاء قالوا إنه في منزلة بين المنزلتين، وهم متفقون على أنه ليس بمؤمن، فقد خرج من الإيمان فكان كافراً على قول الخوارج، وفي منزلة بين المنزلتين على قول المعتزلة.
وأهل السنة والجماعة قالوا: هو مؤمن ناقص الإيمان وهذا القول وسط، فأهل السنة وسط بين طرفين وهدىً بين ضلالتين هما غاية التفريط وغاية الإفراط، فقالوا: هو مؤمن عاصٍ وليس بكافر، ما خرج من الإيمان، وبذلك خالفوا الخوارج والمعتزلة الذين قالوا: ليس بمؤمن.
أهل السنة والجماعة توسطوا بين الخوارج والمعتزلة من جهة وهم المفرطون الغالون، وبين المرجئة المفرطون المتساهلون المتسيبون الذين جعلوا الأمور كلها فوضى، وأنه لا فرق بين أتقى الناس وأفجر الناس.
فأهل السنة قالوا في مرتكب الكبيرة: مؤمن ناقص الإيمان، فقولهم: (مؤمن) خالفوا به الخوارج والمعتزلة الذين قالوا: ما هو بمؤمن، وقولهم: (ناقص الإيمان) خالفوا به المرجئة الذين قالوا: كامل الإيمان.
فالمرجئة غلبوا جانب الوعد وأهملوا جانب الوعيد، والخوارج والمعتزلة غلبوا جانب الوعيد وأهملوا جانب الوعد، وأهل السنة أخذوا بالوعد والوعيد فقالوا: (هو مؤمن) وهذا أخذٌ منهم بالوعد وقالوا: (إنه ناقص الإيمان) وهذا أخذ منهم بجانب الوعيد.
فهم وسط بين أبواب العقيدة المتناقضة المختلفة، وسط في هذا الباب بين المرجئة وبين الخوارج والمعتزلة، ووسط في الصفات بين المشبهة والمعطلة، ووسط في أصحاب الرسول ﷺ بين الروافض والنواصب فعندهم محبة الجميع وعدم الغلو في أحد ولا الجفاء لأحد، فلا جفاء عندهم ولا إفراط.
فهم وسط في أبواب العقيدة المختلفة، وهذا الباب الذي معنا فيما يتعلق بمرتكب الكبيرة واضح، يعني: بأنهم قالوا عن مرتكب الكبيرة: مؤمن ناقص الإيمان، فيُحَبّ على ما عنده من الإيمان ويُبْغَض على ما عنده من الفسق والعصيان فيكون جامعاً بين كونه محبوباً وكونه مبغوضاً، والحب والبغض في الشيء الواحد يجتمعان، فالحب باعتبار والبغض باعتبار، ولا يكون محبوباً بإطلاق ولا مبغوضاً بإطلاق.
أما عند المرجئة فهو محبوب بإطلاق، وعند الخوارج والمعتزلة مبغوض بإطلاق، وعند أهل السنة محبوب باعتبار ومبغوض باعتبار، ويجتمع في الإنسان محبة على ما عنده من الإيمان وبغض على ما عنده من الفسق والفجور والعصيان، وهناك مثال يتضح به الجمع بين الحب والبغض وهو الشيب، الشيب إذا نظر إلى ما قبله وهو الشباب صار غير مرغوب فيه، ولكن بالنسبة لما بعده وهو الموت يصير مرغوباً، فإذا نظر إلى ما بعده صار مرغوباً فيه؛ لأن من هو في المشيب لا يريد الموت، ولكنه بالنسبة للشباب غير مرغوب فيه؛ لأن الشباب هو المرغوب فيه، ولهذا يقول الشاعر: الشيب كره وكره أن يفارقني ف أعجب لشيء على البغضاء مودود وكذلك مرتكب الكبيرة محبوب باعتبار ما عنده من الإيمان ومبغوض على ما عنده من الفجور والعصيان.
стр. 13819
شرح حديث (الكبر من بطر الحق وغمط الناس)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب حدثنا هشام عن محمد عن أبي هريرة ﵁: (أن رجلاً أتى النبي ﷺ -وكان رجلاً جميلاً- فقال: يا رسول الله! إني رجل حبب إليَّ الجمال وأعطيت منه ما ترى حتى ما أحب أن يفوقني أحد -إما قال: بشراك نعلي وإما قال: بشسع نعلي- أفمن الكبر ذلك؟ قال: لا.
ولكن الكبر من بطر الحق وغمط الناس)].
أورد أبو داود حديث أبي هريرة ﵁ في قصة الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ وكان جميلاً ويحب الجمال فقال: إني كما ترى، ولا أحب أن يفوقني أحد بشراك نعلي أو بشسع نعلي -شك من الراوي- أفمن الكبر ذلك؟ قال ﵊: لا.
ولكن الكبر من بطر الحق وغمط الناس.
وبطر الحق رده وعدم قبوله، وغمط الناس احتقارهم وازدراؤهم، وأما إذا كان الإنسان يحب الجمال، وليس عنده الشهرة التي هي مذمومة، ولا التعالي والترفع على الناس الذي هو مذموم، فإن ذلك يكون محموداً.
стр. 13820
تراجم رجال إسناد حديث (الكبر من بطر الحق وغمط الناس)
قوله: [قال: حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى].
أبو موسى محمد بن المثنى الزمن العنزي، ثقة أخرج له أصحاب الكتب، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبد الوهاب].
هو عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا هشام].
هو هشام بن حسان، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد].
هو محمد بن سيرين، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر ﵁، وقد مر ذكره.
стр. 13821
الأسئلة
стр. 13822
تفسير (ما أسفل من الكعبين في النار)
السؤال
بعض الناس يفسر الحديث: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) بأن الذي في النار القطعة التي نزلت من الإزار لا الكعبان؟
الجواب
المقصود أن الشخص يعذب، ولكن بسبب هذا الذي حصل من النزول عن الأمر المشروع الذي هو النزول عن الكعبين يعني: كونه إن كان في النار يعذب به فيمكن، وهو من جنس قوله: (ويل للأعقاب من النار) والعقب: خلف الرجل، وهو موضع ينبو عنه الماء إذا لم يتعاهد، فيعذب صاحبه، لأجل الإخلال بما هو واجب وبما هو مطلوب في الوضوء، فليس المقصود أن ذلك يقذف في النار، ولكن يعذب به في النار بأن يكون ناراً تحرقه ويتلظى بها.
ومعلوم أن العذاب يكون للإنسان كله، مثلما جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (أخف الناس عذاباً أبو طالب، فهو في ضحضاح من نار عليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه) يعني: النار في أسفل شيء وأعلى شيء منه يغلي من شدة حرارة ذلك الذي يجد في رجليه.
стр. 13823
حكم التوسل بالمصطفى ﷺ
السؤال
هل يجوز التوسل بالرسول ﷺ ؟
الجواب
يجوز التوسل بمحبة الإنسان للرسول ﷺ وباتباعه للرسول ﷺ ، أما التوسل بشخصه وبذاته فهذا لم يأت عنه ﷺ ما يدل على ذلك، بل جاء عن الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم ما يدل على خلافه، وهو أنهم كانوا في حياته ﷺ يأتون إليه ويطلبون منه الدعاء ويتوسلون إليه بدعائه ﷺ ، ولما توفي ﵊ ما كانوا يأتون إلى قبره أو يتوسلون به، ويقولون: نتوسل إليك بنبيك، وإنما يطلبون من الشخص الذي يكون معهم أن يدعو ويتوسلون بدعاء ذلك الداعي الذي اختاروه لأن يدعو، وقد جاء ذلك في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنه لما كان عام قحط وجدب وخرج يستسقي بالناس طلب من العباس أن يدعو، وقال ﵁: (اللهم! إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا وتسقينا)، يعني: في حياته كنا نتوسل إليك به فنطلب منه الدعاء وأنك تسقينا وأنك تجيب دعاءه.
(وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قم يا عباس! فادع الله).
فلو كان التوسل به ﷺ وبشخصه مشروعاً ما كان عمر ﵁ يعدل إلى التوسل بأحد غير النبي ﷺ ، فدل على أن الرسول ﷺ لما كان حياً بين أظهرهم كانوا يأتون ويطلبون منه الدعاء ويتوسلون بدعائه، ولما مات ﷺ ما كانوا يتوسلون به، وإنما طلبوا من عمه العباس في عهد عمر أن يدعو، واختار عمر ﵁ العباس مع وجود من هو خير من العباس وأفضل من العباس، وعمر نفسه أفضل من العباس؛ ولكنه اختاره لقرابته من رسول الله ﷺ ، ولهذا قال: (وإنا نتوسل إليك بعم نبينا)، ما قال: نتوسل إليك بـ العباس، لأن المقصود هو القرابة والصلة بينه وبين رسول الله ﷺ ، وكونه أقرب قريب لرسول الله ﷺ .
علي ﵁ أفضل من العباس، وكلهم من أهل البيت، وكان علي موجوداً في ذلك الوقت؛ لأن علياً ﵁ بعد عمر وبعد عثمان وولي الخلافة، والعباس هو الذي طلب منه الدعاء لأنه أقرب أقرباء رسول الله ﷺ ، لأنه عمه، ولو كان ﷺ يورث لورثه العباس ولم يرثه علي، ولو كان ﵊ يورث عنه المال لكان لزوجاته من ميراثه الثمن
стр. 13824
ما جاء في قدر موضع الإزار
стр. 13825
شرح حديث (إزرة المؤمن إلى نصف الساق)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في قدر موضع الإزار.
حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه قال: سألت أبا سعيد الخدري ﵁ عن الإزار قال: على الخبير سقطت! قال رسول الله ﷺ : (إزرة المسلم إلى نصف الساق، ولا حرج -أو لا جناح- فيما بينه وبين الكعبين، ما كان أسفل من الكعبين فهو في النار، من جر إزاره بطراً لم ينظر الله إليه)].
يقول الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [قدر موضع الإزار].
أي: موضع نهايته من الأسفل، وهو أن يكون إلى نصف الساق، ولا ينزل عن الكعبين، بل يكون بين الكعبين ونصف الساق، فهو المكان الذي يكون فيه منتهى الثوب سواء كان إزاراً أو قميصاً.
وقد أورد أبو داود حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سأله رجل عن قدر موضع الإزار فقال: (على الخبير سقطت) يعني: أنك سألت من عنده علم عن رسول الله ﷺ في ذلك.
وهذا يقوله أبو سعيد ﵁ من أجل طمأنة الشخص السائل إلى أن عنده علماً وأنه خبير بذلك، ففيه حث له على أن يتلقى عنه ذلك العلم الذي تلقاه عن رسول الله ﷺ ، وهذا يبين ما كان عليه صحابة رسول الله ﷺ من الحرص على الخير وبذل العلم ونشره رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
ثم قال: قال رسول الله ﷺ : (إزرة المسلم إلى نصف الساق) أي: أنها تنتهي إلى نصف الساق من الجهة العليا وتنتهي إلى الكعبين من الجهة السفلى، فيكون ما بين هذين المكانين هو الذي يجوز للإنسان أن يفعله، وليس له أن ينزل الثوب عن الكعبين؛ لأنه إذا نزل عن ذلك فإنه يكون قد وقع في الإسبال المحرم المنهي عنه المتوعد عليه بالوعيد الشديد الثابت عن رسول الله ﷺ في قوله: (من جر إزاره بطراً لم ينظر الله إليه).
(من جر إزاره) أي: أنزله عن الكعبين، فإنه بذلك يكون مسبلاً، وهذا محرم، وقد عرفنا فيما مضى أن من جر الإزار متعمداً وقاصداً به الخيلاء فإن إثمه يكون أكبر وأعظم، وإن كان متعمداً ولكنه لم يرد الخيلاء فإن ذلك حرام ومن كبائر الذنوب.
قوله: [(إزرة المسلم إلى نصف الساق ولا حرج -أو لا جناح- فيما بينه وبين الكعبين، ما كان أسفل من الكعبين فهو في النار)].
وما كان بين الكعبين إلى نصف الساق فهذا هو السائغ المشروع الذي لا بأس به.
قوله: [(فهو في النار)] المقصود من ذلك أن صاحبه يكون معذباً على هذا الفعل، ويحتمل أن يكون المراد أنه يعذب بهذا الذي نزل في النار يوم القيامة؛ لأن ذلك هو سبب العذاب وهو نزوله عن الكعبين.
قال الخطابي: (فهو في النار) يتأول على وجهين: أحدهما: أن ما دون الكعبين من قدم صاحبه في النار عقوبة له على فعله.
والوجه الآخر: أن يكون معناه أن صنيعه ذلك وفعله الذي فعله في النار، على معنى أنه معدود ومحسوب من أفعال أهل النار.
ولا شك أن هذا يؤدي إلى النار، وهو فعل يستحق عليه العقوبة بالنار، ويحتمل أن يعذب بنفس هذا الذي نزل من الكعبين بحيث يكون ناراً تتلظى يوم القيامة؛ لأنه فعل أمراً منكراً فيعذب به يوم القيامة، ومعلوم أنه قد جاءت أحاديث بأن من فعل أمراً محرماً فإنه يعذب به نفسه في الآخرة، مثل الذي تحسى سماً، وكذلك الذي تردى من شاهق، فنفس العمل الذي عمله يعذب به يوم القيامة.
ولو قال قائل: ألا يحتمل أن يراد أن الجزء من الإزار أو الثوب النازل تحت الكعبين يكون في النار على حد قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء:٩٨] فيكون جزء الثوب من حصب جهنم مثل الناس والحجارة وما ورد فيه نص بذلك؟! فيقال: لا.
هذا المقدار هو الذي يعذب به صاحبه مثلما يعذب الذي يتحسى السم في النار، ومن يقذف نفسه من شاهق فيعذب بنفس العمل، فهكذا القطعة من الثوب النازلة عن الكعب تلتهب عليه ناراً ويعذب بها، وكذلك جاءت أحاديث كثيرة في أن نفس الذنب يعذب صاحبه بمثله، والجزاء من جنس العمل.
قوله: [(ومن جر إزاره بطراً لم ينظر الله إليه)].
أي: النظر الذي يكون فيه رحمة له وإحسان إليه، وأما النظر الذي هو عام أو يكون فيه غضب وتبكيت وتقريع فهذا لا ينفيه الحديث، مثل قوله: (لا يكلمهم الله يوم القيامة)؛ جمعاً بين ذلك وبين قوله: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] ونحوه، فـ ((اخْسَئُوا)) كلام، ولكنه كلام تقريع وتبكيت، و (لا يكلمهم) أي: التكليم الذي فيه منفعة لهم وإحسان إليهم، فالمنفي غير المثبت، المنفي نوع من الكلام، والمثبت نوع من الكلام، وفي النظر أيضاً المنفي نوع والذي يثبت نوع آخر.
أما حقيقة النظر فهو تقليب الحدقة، هذا بالنسبة للمخلوقين، أما الله وصفاته فعلى خلاف عما يوصف به خلقه، والفرق بين صفات الخلق وصفات الله كالفرق بين الخالق والمخلوق.
стр. 13826
تراجم رجال إسناد حديث (إزرة المؤمن إلى نصف الساق)
قوله: [حدثنا حفص بن عمر].
حفص بن عمر ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي.
[حدثنا شعبة].
هو شعبة بن الحجاج الواسطي البصري، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن العلاء بن عبد الرحمن].
هو العلاء بن عبد الرحمن الحرقي، صدوق أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.
[عن أبيه].
أبوه -كذلك- ثقة أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.
[عن أبي سعيد الخدري].
هو سعد بن مالك بن سنان الخدري ﵁، صاحب رسول الله ﵊، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 13827
شرح حديث (الإسبال في الإزار والقميص والعمامة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هناد بن السري حدثنا حسين الجعفي عن عبد العزيز بن أبي رواد عن سالم بن عبد الله عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، من جر منها شيئاً خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)].
أورد أبو داود حديث ابن عمر، وهو يدل على أن الإسبال يكون بكل لباس يلبسه الإنسان، سواء كان قميصاً أو إزاراً أو جبة أو مشلحاً أو أي شيء يلبسه الإنسان، وإنما ذكر الإزار في كثير من الأحاديث؛ لأن هذا هو الذي كان يلبس كثيراً، ولأن الإزار أيضاً يسترخي، فجاء التنصيص عليه حتى يُحذر نزوله عن الكعبين.
أما العمامة وكيف يكون الإسبال فيها فالذي يبدو أنه مثلما ذكر بعض أهل العلم أنه الشيء الذي يكون خارجاً عن المعتاد أو عن المألوف بأن يطول طولاً فاحشاً كمن يسحب العمامة وراءه من فوق رأسه، فالإسبال في العمامة هو ما يكون فيه زيادة فاحشة كبيرة عن القدر المحتاج إليه.
стр. 13828
تراجم رجال إسناد حديث (الإسبال في الإزار والقميص والعمامة)
قوله: [حدثنا هناد بن السري].
هناد بن السري أبو السري ثقة، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد ومسلم وأصحاب السنن.
[حدثنا حسين الجعفي].
حسين بن علي الجعفي صدوق أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد العزيز بن أبي رواد].
عبد العزيز بن أبي رواد صدوق ربما وهم، أخرج له البخاري تعليقاً وأصحاب السنن.
[عن سالم بن عبد الله].
هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو تابعي ثقة أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه] عبد الله بن عمر ﵄، وهو الصحابي الجليل أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 13829
شرح قول ابن عمر (ما قال رسول الله ﷺ في الإزار فهو في القميص)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هناد حدثنا ابن المبارك وعباد].
(عباد) هذه زائدة.
[حدثنا ابن المبارك عن أبي الصباح عن يزيد بن أبي سمية قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: (ما قال رسول الله ﷺ في الإزار فهو في القميص)].
أورد أبو داود هذا الأثر عن ابن عمر ﵄، وهو قوله: (ما قال رسول الله ﷺ في الإزار فهو في القميص) يعني: أن وكل ما ذكر مما يتعلق بالإزار من ناحية الإسبال فإنه يقال في القميص، وكذلك في غير القميص من الألبسة الأخرى التي هي مثل المشلح والجبة وما إلى ذلك.
стр. 13830
تراجم رجال إسناد قول ابن عمر (ما قال رسول الله ﷺ في الإزار فهو في القميص)
قوله: [حدثنا هناد عن ابن المبارك].
ابن المبارك هو: عبد الله بن المبارك المروزي، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي الصباح].
هو سعدان بن سالم، صدوق أخرج له أبو داود.
[عن يزيد بن أبي سمية].
يزيد بن أبي سمية مقبول، أخرج له أخرج له أبو داود.
[عن ابن عمر].
هو عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁ مر ذكره.
следующие страницы →