Полный текст (18 341 стр.). Показаны 14456–14495 · переход к 14461.
стр. 14456
تفرد الله بعلم الغيب وإطلاعه لرسله ما شاء منه
إن الله تعالى هو المتفرد بعلم الغيب، إذ لا يعلم الغيب على الإطلاق إلا الله ، وغيره لا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه عليه، والنبي ﷺ أطلعه الله على كثير من الغيوب، ولكنه لم يطلعه على كل شيء، وإنما أطلعه على ما شاء من الغيب، كما قال : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧]، وعلى هذا فالنبي ﷺ لا يعلم الغيب على الإطلاق، وإنما الذي يعلم الغيب على الإطلاق هو الله وحده ، ولا أحد يشاركه في ذلك، كما قال : ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥] والنبي ﷺ يعلم من الغيب ما أطلعه الله عليه وما لم يطلعه عليه فإنه لا يعلمه، وسواء كان ذلك في الأمور المستقبلة، أو الأمور التي كانت موجودة في زمانه ﷺ ، فمما هو موجود وحصل في زمانه، ولم يطلع عليه: قصة الإفك، وكون النبي ﷺ رميت زوجته أم المؤمنين بالإفك ولم يعلم أنها بريئة، ولهذا كان يأتي إليها ويقول: (يا عائشة! إن كنت أذنبت ذنباً فتوبي إلى الله واستغفريه)، ولو كان يعلم الغيب من أول وهلة لما شاع الخبر، ولقال: هذا غير صحيح أنا أعلم الغيب وما حصل شيء من هذا؛ ولكنه لم يعلم الحقيقة إلا بعد أن أنزل الله عليه الوحي الذي يتلى في سورة النور.
وكذلك قصة العقد الذي فقد لـ عائشة وقد جلسوا تلك الليلة يبحثون عنه ولم يرتحلوا، والرسول ﷺ أرسل من يبحث عنه، وبعد أن أصبحوا وليس معهم ماء أنزل الله التيمم فتيمموا، ولما أرادوا الارتحال وأثاروا الإبل إذا بالعقد تحت الجمل الذي تركب عليه عائشة، فلو كان الرسول ﷺ يعلم الغيب لعرف مكان ذلك العقد، ولم يجلس الناس تلك الليلة يبحثون، ولم يرسل أحداً يبحث عنه، وإنما قال: استخرجوه من تحت البعير الذي تركب عليه عائشة.
وكذلك قد ذكر أنه يذاد أناس عن الحوض يوم القيامة وفيهم من هو من أصحابه، ولكنه ارتد بعد وفاته ﷺ ، ومات على أيدي الجيوش المظفرة التي بعثها أبو بكر ﵁ لقتال المرتدين، قال ﵊: (فأقول: أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) فلو كان يعلم الغيب لذكر أسماء الذين سيرتدون من أصحابه ويذكر فعلهم، وإنما كان يعرف أنهم مسلمون وأنهم من أصحابه، وقال: (أصحابي أصحابي) لما حصلت الذيادة عن الحوض، فقيل له: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك).
والله تعالى أمر نبيه أن يبين أنه لا يعلم الغيب بقوله: (وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [هود:٣١]، وقال الله في سورة الأعراف: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف:١٨٨]، فعلم الغيب على الإطلاق إنما هو من خصائص الله ، والنبي ﷺ يعلم من الغيوب ما أطلعه الله عليه، وأما الغلو فيه وزعم أنه يطلع على الغيوب، فهذا غير صحيح على الإطلاق، وإنما يعلم ما أطلعه الله عليه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
قوله: [(قام فينا رسول الله ﵌ قائماً، فما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدثه، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه)].
يعني: حفظه من حفظه من أصحابه، ونسيه من نسيه منهم.
قوله: [(قد علمه أصحابه هؤلاء)].
يعني: كانوا موجودين في وقت تحديث حذيفة بالحديث.
قوله: [(وإنه ليكون منه الشيء فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه، ثم إذا رآه عرفه)].
أي: ما وقع فإنه يذكره عند وقوعه، كما أن الإنسان يذكر من غاب عنه ثم لقيه، وكذلك تلك الأخبار التي أخبر بها رسول الله ﷺ معلومة في أذهان من عرفها ومن علمها، فإذا وقعت طبقاً لذلك الخبر، تذكر ذلك الخبر عن رسول الله ﷺ وصار الذي وقع مطابقاً للخبر، فصار مثل الرجل الذي كان يعرف إنساناً قد غاب عنه مدة، ثم لقيه فتذكره.
стр. 14457
تراجم رجال إسناد حديث حذيفة بن اليمان في الفتن
قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة].
عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي وإلا النسائي فأخرج له في عمل اليوم والليلة.
[حدثنا جرير].
هو جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش].
هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي وائل].
هو شقيق بن سلمة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مخضرم، والمخضرم هو من أدرك الجاهلية والإسلام ولم يلق النبي ﷺ .
[عن حذيفة].
هو حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما وهو صحابي ابن صحابي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 14458
شرح حديث (يكون في هذه الأمة أربع فتن في آخرها الفناء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا أبو داود الحفري عن بدر بن عثمان عن عامر عن رجل عن عبد الله عن النبي ﵌ قال: (يكون في هذه الأمة أربع فتن في آخرها الفناء)].
أورد أبو داود حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: (يكون في هذه الأمة أربع فتن في آخرها الفناء)، والفناء هو الموت، وهذا الحديث ذكر فيه هذه الفتن وهي مجملة، والإسناد فيه ضعف؛ لأن فيه رجلاً مبهماً لم يذكر؛ لأنه قال: (عن رجل)، والرجل مبهم، وفي علم الإسناد إذا قيل: عن رجل.
فهو مبهم، وإذا ذكر اسمه ولم يذكر اسم أبيه، أو: اسمه واسم أبيه ولكنه محتمل لعدة أشخاص فيقال له: مهمل، يعني: غير موضح النسبة، بحيث يحصل الاشتراك في ذلك، إما في الاسم وإما في اسم الأب، وإما في اسم الأب مع الاسم، فيكون من قبيل المهمل، وأما هذا فهو مبهم؛ لأنه غير معروف سواء كان رجلاً أو وامرأة.
стр. 14459
تراجم رجال إسناد حديث (يكون في هذه الأمة أربع فتن في آخرها الفناء)
قوله: [حدثنا هارون بن عبد الله].
هو هارون بن عبد الله بن مروان البغدادي لقبه الحمال، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.
[حدثنا أبو داود الحفري].
أبو داود الحفري هو عمر بن سعد، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.
والحفري نسبة إلى محلة في الكوفة، يقال: لها الحفر.
[عن بدر بن عثمان].
بدر بن عثمان ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة في التفسير.
[عن عامر].
عامر هو الشعبي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن رجل عن عبد الله].
عن رجل مبهم، عن عبد الله وهو ابن مسعود الهذلي صاحب رسول الله ﷺ ، وهو أحد فقهاء الصحابة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 14460
شرح حديث (ثم فتنة السراء دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي يزعم أنه مني وليس مني)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن عثمان بن سعيد الحمصي حدثنا أبو المغيرة حدثني عبد الله بن سالم حدثني العلاء بن عتبة عن عمير بن هانئ العنسي قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: (كنا قعوداً عند رسول الله ﵌ فذكر الفتن فأكثر في ذكرها حتى ذكر فتنة الأحلاس، فقال قائل: يا رسول الله! وما فتنة الأحلاس؟ قال: هي هرب وحرب، ثم فتنة السراء دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي يزعم أنه مني وليس مني، وإنما أوليائي المتقون، ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع، ثم فتنة الدهيماء لا تدع أحداً من هذه الأمة إلا لطمته لطمة، فإذا قيل: انقضت تمادت، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، حتى يصير الناس إلى فسطاطين: فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، فإذا كان ذاكم فانتظروا الدجال من يومه أو من غده)].
أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي ﷺ ذكر الفتن فأكثر من ذكرها، قال: حتى ذكر فتنة الأحلاس، فقال قائل: وما فتنة الأحلاس يا رسول الله؟ قال: هي هرب وحرب).
والحرب ذهاب المال والأهل، والهروب والشرود يكون بسبب الفتن، وقيل لها: الأحلاس؛ لمكثها وطولها، وذلك مأخوذ من الحلس وهو الفراش الذي يوضع في الأرض ويجلس عليه فيكون باقياً حتى يزال ويحرك من مكانه، ويقولون عن الرجل إذا كان ملازماً لبيته: حلس بيته، يعني: أنه ملازم لبيته كالحلس والفراش الثابت والمستقر ويجلس عليه صاحبه.
قوله: [(ثم فتنة السراء دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي يزعم أنه مني وليس مني)].
السراء من السرور وهو كثرة التنعم والافتتان بالدنيا ونعمها، وأن الناس يفتنون بالدنيا والأكل من طيباتها والاشتغال بها، فهي مقابل الضراء، كما جاء في الحديث: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن).
قوله: [(دخنها تحت قدمي رجل من أهل بيتي يزعم أنه مني وليس مني)].
يعني: أن غبارها ودخانها الذي يخرج بسبب ذلك الرجل الذي يزعم أنه منه، وليس هو منه على الحقيقة، وإن كان قد يكون منه من حيث النسب، ولكن كونه ليس على منهاجه وطريقته فليس منه، كما في حق ابن نوح الذي قال الله عنه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود:٤٦] مع أنه وعده بنجاته هو وأهله، فقيل: ((لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ)) يعني: ليس من أهله الناجين وإن كان من أهله من حيث النسب ومن حيث التوالد، ولكنه ليس منه على الحقيقة باعتبار الدين.
قوله: (وإنما أوليائي المتقون) أي: أنه ليس من أوليائه وإنما هو من قرابته، ولكنه ليس على دينه ومنهجه وطريقته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، والمتقون هم أولياء الرسول ﷺ الذين هم على طريقته ومنهجه، كما قال ﵊: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) فأولياؤه هم المتقون، ومن كان من أهل بيته وعلى منهاجه وطريقته فقد جمع بين الحسنيين، كونه من قرابته وكونه على منهاجه وطريقته، وأما إن كان من أهل بيته ولكنه ليس على طريقته أو ليس من أهل دينه فإن ذلك لا ينفعه عند الله ، كما حصل ذلك لـ أبي لهب، فإن نسبه نسب شريف، وهو نسب الرسول ﷺ ، ولكن الكفر هو الذي أقصاه وأبعده، وقد قال ﵊: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)، يعني: من أخره عمله فنسبه ليس هو الذي يقدمه، فالعبرة بالأعمال الصالحة، وهي التي تنفع، وهي التي تفيد في الدنيا والآخرة، وأما الأنساب وشرفها فهي حسنة مع وجود الأصل والأساس من الدين والإسلام والتقى والاستقامة على طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ، يقول الشاعر: لعمرك ما الإنسان إلا بدينه فلا تترك التقوى اتكالاً على النسب فقد رفع الإسلام سلمان فارس وقد وضع الشرك النسيب أبا لهب هذا أبو لهب نسيب ولكن الشرك هو الذي وضعه، وسلمان الفارسي رفعه الله تعالى بالإسلام.
قال: (وإنما أوليائي المتقون)، كما قال الله : ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣] هؤلاء هم أولياء الله على الحقيقة، وولاية الله هي الاستقامة على طاعته، وامتثال ما جاء عن الله وعن رسوله ﵊، كما جاء في هذه الآية: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] من هم؟ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣].
قوله: [(ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع)]، يعني: أنه ليس له ثبات أو استقامة، وذلك أن الضلع لا يحمل الورك؛ لأن وضع الورك تحت الضلع فيه الإشارة إلى عدم الثبوت وعدم الاستقرار، وأن ذلك لا يتم ولا يحصل كما أن الورك لا يحمله الضلع، وحتى لو كان بالعكس، وأن الضلع يكون فوقه الورك؛ فإنه لا يحمله لضعف الضلع وضخامة الورك بالنسبة له.
قوله: [(ثم فتنة الدهيماء لا تدع أحداً من هذه الأمة إلا لطمته لطمة)]، يعني: أصيب بها وحصل له منها نصيب، وصغرت الدهيماء للشدة، وقد يصغر الشيء لا للتهوين والتحقير وإنما للشدة، كما في بيت من الشعر: وكل أناس سوف تدخل بينهم دويهية تصفر منها الأنامل قوله: [(لا تدع أحداً من هذه الأمة إلا لطمته لطمة)] يعني: حصل له نصيب منها.
قوله: [(فإذا قيل انقضت تمادت)] أي: أنها تدوم وتستمر، وكلما قيل: انقضت، تمادت وزادت في الاستمرار وطالت.
قوله: [(يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً)].
وذلك لكثرة الفتن، فيصبح الإنسان وهو مؤمن ثم يأتي في المساء وهو كافر والعياذ بالله، أو يمسي وهو مؤمن ثم يصبح وهو كافر، لما يحصل له من الافتتان، وتغير الأحوال، فيكون الإنسان على الإسلام وبعد فترة وجيزة يتحول منه إلى الكفر والعياذ بالله.
قوله: [(حتى يصير الناس إلى فسطاطين)] يعني: جماعتين.
قوله: [(فسطاط إيمان لا نفاق فيه)]، يعني: خالص ليس معه نفاق، وإنما هو إيمان ظاهر وباطن، خلاف النفاق فإنه إيمان ظاهر وكفر باطن، ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤] فالمنافق يظهر الإيمان ويبطن الكفر، وسبب ذلك قوة وعزة الإسلام؛ لأنه لخبثه ولحقده يريد أن يعيش مع الناس ويظهر لهم ما يريدون ويخفي الكفر بالله.
قوله: [(وفسطاط نفاق لا إيمان فيه)] يعني: نفاق خالص، يعني: كفر ظاهر.
قوله: [(فإذا كان ذاكم فانتظروا الدجال من يومه أو من غده)].
يعني: في ذلك الوقت يكون الدجال على وشك الخروج والظهور.
стр. 14461
تراجم رجال إسناد حديث (ثم فتنة السراء دخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي يزعم أنه مني وليس مني)
قوله: [حدثنا يحيى بن عثمان بن سعيد الحمصي].
يحيى بن عثمان بن سعيد الحمصي صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة.
[حدثنا أبو المغيرة].
أبو المغيرة هو عبد القدوس بن الحجاج، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثني عبد الله بن سالم].
عبد الله بن سالم ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي.
[حدثني العلاء بن عتبة].
العلاء بن عتبة صدوق، أخرج له أبو داود.
[عن عمير بن هانئ العنسي].
عمير بن هانئ العنسي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[سمعت عبد الله بن عمر].
هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 14462
شرح حديث (والله ما ترك رسول الله من قائد فتنة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا ابن أبي مريم أخبرنا ابن فروخ أخبرني أسامة بن زيد أخبرني ابن لـ قبيصة بن ذؤيب عن أبيه قال: قال حذيفة بن اليمان: (والله ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوا؟ والله ما ترك رسول الله ﵌ من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعداً إلا قد سماه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته)].
ذكر أبو داود حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه وفيه بيان أن النبي ﷺ أخبر عن قادة الفتن ممن كان أتباعه ثلاثمائة فأكثر، ومعنى ذلك: أن من كان دون هذا فإنه لم يذكره، لكن هذا الحديث ضعيف؛ لأن في إسناده الابن المبهم لـ قبيصة رضي الله تعالى عنه، فهو غير صحيح.
стр. 14463
تراجم رجال إسناد حديث (والله ما ترك رسول الله من قائد فتنة)
قوله: [حدثنا محمد بن يحيى بن فارس].
هو محمد بن يحيى بن فارس الذهلي، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.
[حدثنا ابن أبي مريم].
ابن أبي مريم هو سعيد بن الحكم، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا ابن فروخ].
هو عبد الله بن فروخ، وهو صدوق يغلط، أخرج له أبو داود.
[أخبرني أسامة بن زيد].
هو أسامة بن زيد الليثي، وهو صدوق يهم، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[أخبرني ابن لـ قبيصة بن ذؤيب عن أبيه].
قيل: هو إسحاق، وصاحب الرواية عن قبيصة مجهول.
وقبيصة بن ذؤيب صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قال حذيفة].
وقد مر ذكره.
стр. 14464
شرح حديث حذيفة (إن الناس كانوا يسألون رسول الله عن الخير وكنت أسأله عن الشر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن نصر بن عاصم عن سبيع بن خالد قال: أتيت الكوفة في زمن فتحت تُسترَ أجلب منها بغالاً، فدخلت المسجد فإذا صَدعَ من الرجال، وإذا رجل جالس تعرف إذا رأيته أنه من رجال أهل الحجاز، قال: قلت: من هذا؟ فتجهمني القوم وقالوا: أما تعرف هذا؟! هذا حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله ﵌، فقال حذيفة: (إن الناس كانوا يسألون رسول الله ﵌ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، فأحدقه القوم بأبصارهم، فقال: إني قد أرى الذي تنكرون، إني قلت: يا رسول الله! أرأيت هذا الخير الذي أعطانا الله، أيكون بعده شر كما كان قبله؟ قال: نعم، قلت: فما العصمة من ذلك؟ قال: السيف، قلت: يا رسول الله! ثم ماذا يكون؟ قال: إن كان لله خليفة في الأرض فضرب ظهرك وأخذ مالك فأطعه وإلا فمت عاض بجذل شجرة، قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم يخرج الدجال معه نهر ونار، فمن وقع في ناره وجب أجره وحط وزره، ومن وقع في نهره وجب وزره وحط أجره، قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: هي قيام الساعة)].
أورد أبو داود حديث حذيفة بن اليمان ﵁، وفيه: أن سبيع بن خالد قال: قدمت الكوفة فأتيت مسجدها وإذا فيها صدع من الرجال، وبينهم رجل يظهر أنه من أهل الحجاز، فقلت: من هذا؟ فتجهمه الناس، واستغربوا سؤاله، فقالوا: هذا حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله ﷺ ، وفي هذا قيام الصحابة ﵁ وأرضاهم بنشر العلم، وبيان السنن، ومعلوم أنهم ﵃ وأرضاهم خرجوا من المدينة وانتشروا في الآفاق لنشر السنن وبيان الأحكام الشرعية، ولم يبق في المدينة منهم إلا القليل، وخرج أكثرهم وتفرقوا في الآفاق في الشام ومصر والعراق واليمن، وأماكن مختلفة، كل ذلك لبيان سنن الرسول ﷺ ، وهذا يدل على قيامهم بنشر السنن، وحرصهم على تلقيها عن رسول الله ﷺ ، ثم حرصهم على إبلاغها للناس، وإيصالها إليهم ليعملوا بها، وليستقيموا على ما جاء عن الله وعن رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ثم إن كون أولئك القوم يحتفون بأصحاب الرسول ﷺ ، ويحرصون على الاستفادة منهم، وكونهم يستغربون عمن يسأل عن أصحاب الرسول ﷺ ، كل هذا يدلنا على علو منزلة الصحابة في قلوب التابعين، واحتفائهم بهم، وحرصهم على التلقي منهم، والأخذ عنهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
قوله: [أتيت الكوفة في زمن فتحت تستر].
تستر مدينة من مدن الجهة الشرقية، وفتحت سنة عشرين للهجرة في أيام عمر.
قوله: [أجلب منها بغالاً، فدخلت المسجد فإذا صدع من الرجال].
أي: جماعة من الرجال.
قوله: [وإذا رجل جالس تعرف إذا رأيته أنه من رجال أهل الحجاز، قال: فقلت: من هذا؟ فتجهمني القوم، وقالوا: أما تعرف هذا؟ هذا حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله ﵌].
المقصود هنا: المكانة والحفاوة، وقولهم: صاحب رسول الله ﷺ ، يعني: هذا ظفر كبير كون التابعين يحصلون واحداً من الصحابة، وقد سبق أن مر بنا في سنن أبي داود حديث هلال بن يسار، الذي فيه: دخلت الرقة، فقال لي بعض أصحابي: ألك في رجل من أصحاب الرسول ﷺ ؟ فقلت: غنيمة، يعني: كونه يلتقي بأحد من أصحاب الرسول ﷺ هذا يعتبر غنيمة.
قوله: [(فقال حذيفة: إن الناس كانوا يسألون رسول الله ﵌ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، فأحدقه القوم بأبصارهم)].
مما حدث به في ذلك المجلس الذي حضره سبيع بن خالد، قال: (إن الناس كانوا يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر، يعني: كان الناس يسألونه عن أمور يتعبدون الله تعالى بها، وكنت أسأله عن الشر، فحدقه الناس بأبصارهم لما ذكر أنه كان يسأل عن الشر، يعني: الأصل هنا أنه يسأله عن الخير، والسؤال عن الشر أمر مستغرب، وكان ﵁ يقول: مخافة أن يدركني، وكان يسأل عن الشر حتى يكون على بينة لو أدرك ذلك الشر، أو كان في ذلك الزمن كيف يصنع).
قوله: [(فأحدقه القوم بأبصارهم)]، يعني: نظروا إليه لما قال بأنه كان يسأل عن الشر.
قوله: [(فقال: إني قد أرى الذي تنكرون)]، يعني: أنهم ينكرون أنه يسأل عن الشر، ولكنه فعل ذلك من أجل أن يكون على علم به حتى يأخذ بأسباب السلامة.
قوله: [(إني قلت: يا رسول الله! أرأيت هذا الخير الذي أعطانا الله، أيكون بعده شر كما كان قبله؟ قال: نعم)].
والخير هو بعثة الرسول ﷺ ، ودخول الناس في هذا الدين، وخروجهم من الظلمات إلى النور، فسأله: هل يكون بعده شر كما كان؟ لأن قبل ذلك كانت الجاهلية، والله أرسل رسوله بالهدى، فأخرج به الناس من الظلمات إلى النور، فهذا خير، وكان الناس على شر.
قوله: [(قال: نعم، قلت: فما العصمة من ذلك؟ قال: السيف)].
يعني: ما الذي يقي من ذلك؟ وما هي سبل الخلاص من ذلك؟ قال: السيف، والمقصود من ذلك: قتال من يستحق القتال ليقضى على فتنه وشره، ويخلص الناس مما ظهر به من الشر.
وهو إما قتال لمن يقاتل، أو قتل لمن يستحق القتل ممن يكون مرتداً، أو صاحب شر يستحق القتل للتخلص من شره، ومن فتنته.
قوله: [(قلت: يا رسول الله! ثم ماذا يكون؟ قال: إن كان لله خليفة في الأرض فضرب ظهرك وأخذ مالك فأطعه وإلا فمت عاض بجذل شجرة)]، أي: لا تخرج عن الجماعة، ولو حصل لك ما حصل من الضرر، بل عليك أن تصبر وأن تحتسب، والجماعة وملازمتها أمر مطلوب، ولو حصل للإنسان الضرر؛ فإنه لا يفارق الجماعة ويخرج عنها بسبب ما يحصل له من ضرر، أو ما يفوته من مصلحة، وإنما عليه أن يصبر؛ لأن الجماعة خير ولو حصل شيء من الظلم أو الجور، فإن الظلم والجور ضرره نسبي، وأما الفوضى والاختلاف وعدم وجود ولاية؛ فإنه يأكل القوي الضعيف، ولا يستقيم للناس أمر، ولا يأمنون على أنفسهم ولا على أموالهم ولا على أعراضهم، وهم دائماً يضعون أيديهم على قلوبهم من شدة الخوف والرعب لكون أهل الفساد ليس لهم صاد ولا راد، ولهذا جاء عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ أنه قال: (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن)، أي: إن كثيراً من الناس لا تؤثر فيه القوارع والزواجر بالقرآن ولا تحرك به لهم ساكناً، ولكنه الخوف من العصا والسوط والأدب، والعصا لمن عصا كما يقولون، فمقالة أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ مقالة عظيمة.
قوله: [(إن كان لله خليفة في الأرض فضرب ظهرك أو أخذ مالك فأطعه وإلا فمت وأنت عاض بجذل شجر)].
يعني: إذا كانت الفتن والاضطرابات والفوضى، وليس هناك ولاية تقيم الدين وتردع المعتدين وتقضي على المجرمين، وكان الناس متفرقين فاعتزل تلك الفرق، ولو أتاك الموت وأنت عاض على جذل شجرة، أي: أصل شجرة، تبقى تحتها وتلازمها مبتعداً عن الشرور والفتن التي حصلت بين الناس.
قوله: (قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم يخرج الدجال معه نهر ونار فمن وقع في ناره وجب أجره وحط وزر).
ثم يخرج الدجال معه نهر ونار، ويأتي الناس ومعه فتن وبلاء فمن أخذ النهر فإنه يحصل الشر ويحصل الوزر، ومن أخذ بالنار التي معه فإن هذا هو الذي يسلم، وهو الذي يحصل الأجر ويسلم من الوزر.
وهذا من جملة أحاديث الدجال المتواترة الثابتة عن رسول الله ﷺ ، وأنه يخرج في آخر الزمان، ويكون ذلك في وقت نزول عيسى بن مريم، وإذا نزل عيسى بن مريم ﵊ من السماء فإنه هو الذي يتولى قتل الدجال بنفسه، وسيكون مسيح الهداية عيسى بن مريم ﵊ يقتل مسيح الضلالة الدجال، فعيسى يقال له: المسيح، والدجال يقال له: المسيح.
قوله: [(قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم هي قيام الساعة)].
يعني: بعد ذلك قيام الساعة وانتهاء الدنيا.
стр. 14465
تراجم رجال إسناد حديث حذيفة (إن الناس كانوا يسألون رسول الله عن الخير وكنت أسأله عن الشر)
قوله: [حدثنا مسدد].
هو مسدد بن مسرهد البصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا أبو عوانة].
أبو عوانة هو وضاح بن عبد الله اليشكري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن قتادة].
هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن نصر بن عاصم].
نصر بن عاصم ثقة، أخرج له البخاري في رفع اليدين ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
[عن سبيع بن خالد].
سبيع بن خالد مقبول، أخرج له أبو داود.
[حذيفة بن اليمان].
حذيفة بن اليمان ﵁ وقد مر ذكره، ولكن الحديث جاء في الصحيحين وفي غيرهما بألفاظ أخرى.
стр. 14466
بيان معنى قوله: (إن كان لله خليفة في الأرض)
قوله في الحديث: (إن كان لله خليفة في الأرض) المقصود به: خليفة من الله وليس خليفة عن الله.
وهل يقال للإنسان: خليفة الله؟ إن أريد بخليفة الله أنه خليفة عن الله، فهذا كلام غير صحيح؛ لأن الله حي شاهد لا يغيب، مطلع على كل شيء، حي لا يموت، وإن أريد به أنه خليفة من الله تعالى جعله يخلف غيره ممن تقدمه، والله تعالى هو الذي يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، فيكون صحيحاً.
стр. 14467
شرح حديث حذيفة (إن الناس كانوا يسألون رسول الله عن الخير) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن نصر بن عاصم عن خالد بن خالد اليشكري بهذا الحديث: (قال: قلت: بعد السيف؟ قال: بقية على أقذاء وهدنة على دخن) ثم ساق الحديث، قال: وكان قتادة يضعه على الردة التي في زمن أبي بكر (على أقذاء) يقول: قذى، (وهدنة) يقول: صلح، (على دخن): على ضغائن].
أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى وفيه بعد السيف: (بقية على أقذاء)، والأقذاء: جمع قذى، أي: أنها منكرة.
قوله: [(وهدنة على دخن)] يعني: يوجد اتفاق، ثم يكون هذا الاتفاق ليس ظاهراً وباطناً، وإنما تتخلله الضغائن.
قوله: [ثم ساق الحديث، قال: وكان قتادة يضعه على الردة التي في زمن أبي بكر].
ذكر أن قتادة ﵁ وهو أحد الرواة كان يضعه على الردة التي حصلت في زمن أبي بكر من قتال المرتدين.
قوله: [(على أقذاء) يقول: قذى، (وهدنة): يقول: صلح، (على دخن): على ضغائن].
هذا التفسير.
стр. 14468
تراجم رجال إسناد حديث حذيفة (إن الناس كانوا يسألون رسول الله عن الخير) من طريق أخرى
قوله: [حدثنا محمد بن يحيى بن فارس].
محمد بن يحيى بن فارس ثقة، وقد مر ذكره.
[حدثنا عبد الرزاق] هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن معمر].
هو معمر بن راشد البصري ثم اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن قتادة].
قتادة مر ذكره.
[عن نصر بن عاصم عن خالد بن خالد اليشكري].
نصر بن عاصم مر ذكره، وخالد قيل هو: سبيع بن خالد الذي مر ذكره.
стр. 14469
شرح حديث (فإن تمت يا حذيفة وأنت عاض على جذل خير من أن تتبع أحداً منهم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي حدثنا سليمان -يعني ابن المغيرة - عن حميد عن نصر بن عاصم الليثي قال: أتينا اليشكري في رهط من بني ليث، فقال: من القوم؟ قلنا: بنو ليث أتيناك نسألك عن حديث حذيفة ﵁ فذكر الحديث قال: (قلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الخير شر؟ قال: فتنة وشر، قال: قلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الشر خير، قال: يا حذيفة! تعلم كتاب الله واتبع ما فيه.
ثلاث مرار، قلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الشر خير؟ قال: هدنة على دخن وجماعة على أقذاء فيها أو فيهم، قلت: يا رسول الله! الهدنة على الدخن ما هي؟ قال: لا ترجع قلوب أقوام على الذي كانت عليه، قال: قلت: يا رسول الله! أبعد هذا الخير شر؟ قال: فتنة عمياء صماء عليها دعاة على أبواب النار، فإن تمت يا - حذيفة - وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحداً منهم)].
أورد أبو داود حديث حذيفة من طريق أخرى تفيد بعض الزيادات.
قوله: [قال نصر بن عاصم الليثي: أتينا اليشكري في رهط من بني ليث، فقال: من القوم؟ قلنا: بنو ليث أتيناك نسألك عن حديث حذيفة فذكر الحديث قال: (قلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الخير شر؟ قال: فتنة وشر)].
هذا الخير هو الذي كانوا عليه.
قوله: [(قال: قلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الشر خير؟ قال: يا حذيفة! تعلم كتاب الله واتبع ما فيه.
ثلاث مرار)].
يعني: أنه يعرف الحق ويعمل به فيكون عالماً عاملاً فيجمع بين العلم والعمل، فيكون على سلامة واستقامة؛ لأنه لابد من الجمع بين العلم والعمل؛ لأن العلم بدون عمل وبال على صاحبه، والعمل بدون علم عمل على جهل وضلال، كشأن النصارى الضالين، كما قال بعض السلف: من فسد من علمائنا فبه شبه من اليهود؛ لأنهم يعرفون الحق ولا يعملون به، ومن فسد من عبادنا فبه شبه من النصارى؛ لأنهم يعبدون الله على جهل وضلال.
قوله: [(قال: قلت: يا رسول الله! هل بعد هذا الشر خير؟ قال: هدنة على دخن وجماعة على أقذاء فيها أو فيهم)].
(هدنة) يعني: صلح، (على دخن) يعني: على إحن وأحقاد وضغائن في القلوب، وليس الظاهر متفق على الباطن، بل الباطن شيء والظاهر شيء، (وجماعة على أقذاء)، يعني: كما يقوم القذى الذي يكون في العيون بضررها وعدم الاستفادة منها فتكون كذلك هذه الحالة، فهو شبيه بقوله: (هدنة على دخن، وجماعة على أقذاء)، وهناك قال: (بقية على أقذاء) أي: الجماعة.
قوله: [(قلت: يا رسول الله! الهدنة على الدخن ما هي؟ قال: لا ترجع قلوب أقوام على الذي كانت عليه)].
معناه: أنه هذا الاتفاق وهذا الصلح الذي يحصل لا ترجع القلوب بعده على ما كانت عليه من قبل متصافية، وإنما تبقى القلوب فيها ما فيها ولو حصل الاتفاق.
قوله: [(قلت: يا رسول الله! أبعد هذا الخير شر، قال: فتنة عمياء صماء عليها دعاة على أبواب النار)].
يعني: فتنة عمياء صماء لا يتضح فيها الأمر ولا يسمع فيها لحق، يكون فيها دعاة إلى النار وذلك بما يلبسون به على الناس، وبما يزينونه للناس من الباطل من أجل أن يستجيبوا لما هم عليه، وتكون النتيجة أنهم يقذفونهم في النار كما جاء في الصحيحين: (من أجابهم إليها قذفوه فيها).
قوله: [(فإن تمت يا حذيفة وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحداً منهم)].
يعني: هؤلاء الذين هذا وصفهم وهذا شأنهم كون الإنسان يعتزلهم ويبتعد عنهم ويكون ملازماً لشجرة يكون تحتها ويموت وهو كذلك خير من أن يكون مع أحد من هؤلاء أو هؤلاء.
стр. 14470
تراجم رجال إسناد حديث (فإن تمت يا حذيفة وأنت عاض على جذل خير من أن تتبع أحداً منهم)
قوله: [حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي].
عبد الله بن مسلمة القعنبي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[حدثنا سليمان -يعني ابن المغيرة -].
سليمان بن المغيرة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حميد].
هو حميد بن هلال، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن نصر بن عاصم الليثي قال: أتينا اليشكري عن حذيفة].
مر ذكرهم.
стр. 14471
شرح حديث (فإن لم تجد يومئذ خليفة فاهرب حتى تموت)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث حدثنا أبو التياح عن صخر بن بدر العجلي عن سبيع بن خالد بهذا الحديث عن حذيفة عن النبي ﷺ قال: (فإن لم تجد يومئذ خليفة فاهرب حتى تموت؛ فإن تمت وأنت عاض-قال في آخره- قال: قلت: فما يكون بعد ذلك؟ قال: لو أن رجلاً نتج فرساً لم تنتج حتى تقوم الساعة)].
ذكر هذه الطريق وفيها ما في الذي قبلها، إلا أن فيها بيان قرب الساعة عند حصول ذلك الشيء الذي أخبر به الرسول ﷺ من كثرة الفتن، وأمره بالاعتزال ولو أن يموت وهو عاض على أصل شجرة، وقال: إن الساعة قريبة وقال: (لو أن رجلاً نتج فرساً لم تنتج حتى تقوم الساعة) يعني: لو أنه أنتج فرساً وولدت لم يحصل لها إنتاج حتى تقوم الساعة.
стр. 14472
تراجم رجال إسناد حديث (فإن لم تجد يومئذ خليفة فاهرب حتى تموت)
قوله: [حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث].
عبد الوارث بن سعيد العنبري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبو التياح].
هو أبو التياح يزيد بن حميد الضبعي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن صخر بن بدر العجلي].
صخر بن بدر العجلي مقبول، أخرج له أبو داود.
[عن سبيع بن خالد عن حذيفة].
مر ذكرهما.
стр. 14473
الأسئلة
стр. 14474
المنع من حمل أحاديث الفتن على وقائع معينة
السؤال
هل يصح حمل هذا الحديث وأمثاله على الواقع المعاصر، وتعيين بعض الفتن بأنها وقعت؟
الجواب
لا يصلح؛ لأن بعض الناس كل شيء يطبقه على الوقت الحاضر، فما من شيء يقع إلا ويقول: إن هذا هو المقصود بالحديث، وهذا غير صحيح، مثل ما جاء في حديث انحسار الفرات عن جبل من ذهب، بعض الناس في هذا الزمان يقول: هو البترول، وهذا غير صحيح؛ لأن لفظ الرسول ﷺ أنه جبل من ذهب، وأن الناس يقتتلون عليه، وأن الهلاك فيه تسعة وتسعون في المائة، والنجاة واحد في المائة، ثم كل واحد لشدة حرصه على الدنيا مع علمه بأن الهلاك تسعة وتسعون في المائة والنجاة واحد في المائة يقول: لعلي أن أكون أنا الناجي من المائة، وكيف يقال: هو البترول؟ وأي افتتان حصل على بترول العراق؟ وأين الهلكى الذين نسبتهم تسعة وتسعون في المائة ويبقى واحد؟ ومع ذلك يوجد في هذا العصر من قال: إن المقصود به: بترول العراق.
إذاً: تطبيق كل شيء على ما هو مشاهد ومعاين، وتحميل النصوص ما لا تتحمل وتطبيقها على أمور لا تناسب ولا تليق مع سياق الألفاظ وسياق الكلام الذي يأبى ذلك، هذا غير صحيح، ولا يجوز للإنسان أن يطبق كل شيء على الواقع، وبعض الناس يأتي بالمصطلحات الواردة في الأحاديث وأخبار الرسول التي أخبر بها ويحاول أن يفسرها بأمور واقعية، وهذا أحد الغماريين الذين في بلاد المغرب، وقد مات قبل ستين سنة تقريباً أو قريباً من ذلك، سمى كتابه: (مطابقة الاختراعات العصرية لما أخبر به سيد البرية)، وأتى بأشياء كثيرة كلها يحمل فيها النصوص ما لا تتحمل، وقد رد عليه الشيخ حمود التويجري ﵀ بكتاب سماه: (إيضاح المحجة في الرد على صاحب طنجة)؛ لأن هذا الغماري من طنجة.
стр. 14475
تشبيه فتن هذا الزمان بقطع الليل المظلم
السؤال
هل هذا الزمان الذي نعيش فيه يصدق عليه وصف النبي ﷺ أن الفتن فيه: (كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً).
الجواب
الله تعالى أعلم، لكن فتنه كثيرة، والناس في هذا الزمان كما هو معلوم أعرضوا عن دينهم، وكثير من الناس ينتمون إلى الإسلام وهم لا يطبقونه ولا يعملون بأحكامه، ومن أجل ذلك حصل لهم الذل والهوان، كما قال ﵊: (وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري).
стр. 14476
حكم وصف حصار العراق بأنه فتنة الأحلاس
السؤال
إن حديث الوقت هو التكلم عن الفتن والملاحم، وقد ظهرت في الآونة الأخيرة الكثير من الكتابات في (الإنترنت) في هذا الأمر، وربط القرآن والأحاديث بالأحداث المعاصرة مثلاً، ففتنة الأحلاس قالوا: إن المقصود بها حصار العراق، هل مثل هذا الكلام يعتبر من القول على الله بغير علم؟ وما رأيكم في الاطلاع على مثل هذه الكتابات والرد عليها؟
الجواب
حمل الأحاديث بهذا الشكل، وكأنه لا زمان في الأزمان إلا هذا الزمان، وكل شيء إنما هو يحمل على هذا الزمن.
هذا الكلام غير صحيح.
وأما عن الرد فلا شك أن الشيء الذي يكون باطلاً بيانه وإيضاحه شيء مطلوب.
стр. 14477
حكم وصف الأمة بأنها قد أصبحت منقسمة إلى فسطاطين
السؤال
هل يجوز أن نقول: إن الأمة الآن على فسطاطين، فسطاط إيمان لا نفاق فيه، وفسطاط نفاق لا إيمان فيه؟
الجواب
لا يقال هذا؛ لأن هذا إنما يكون عند خروج الدجال؛ لأنه جاء في آخر الحديث: (فإذا كان ذلك فانتظروا الدجال من يومه أو من عنده)، وهذا لا يكون إلا في آخر الزمان.
стр. 14478
شرح سنن أبي داود [٤٧٦]
إن من دلائل نبوة نبينا محمد ﷺ : إخباره عن فتن تحل بالأمة بعد وفاته، وذكر صلوات الله وسلامه عليه ما يحل بالأمة من خلاف ومن وضع السيف فيهم، وأن ذلك لا يكون من جهة عدو خارجي يتسلط عليهم، وإنما هو من تسلط بعضهم على بعض.
стр. 14479
تابع ما جاء في الفتن ودلائلها
стр. 14480
شرح حديث (من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا عيسى بن يونس حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: (من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا رقبة الآخر)، قلت: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: سمعته أذناي ووعاه قلبي، قلت: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نفعل ونفعل، قال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله].
أورد المصنف حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: (من بايع رجلاً فأعطاه صفقة يده وثمرة فؤاده فليطعه ما استطاع، فإن جاء أحد ينازعه فاضربوا رقبة الآخر)، ثم استوثق منه وقال: (أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم، فقال: إن ابن عمك معاوية يأمرنا بكذا وكذا، فقال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله).
وهذا الحديث أورده أبو داود مختصراً، وهو حديث عظيم، وجاء في صحيح مسلم مطولاً، وكنت أذكر منه جملتين أرددهما كثيراً وهما في قول النبي ﷺ : (فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه) فإن هاتين الجملتين داخلتان في هذا الحديث الطويل عند مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما.
قوله: (من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده) هي كناية عن كونه صافحه بالمبايعة.
قوله: [(وثمرة فؤاده)]، بمعنى: أنه يكون صادقاً ومخلصاً ولا يظهر شيئاً ويخفي شيئاً، فيتفق الظاهر والباطن، ويبايعه ظاهراً بوضع يده في يده، ويكون قلبه متفقاً مع قالبه، وباطنه متفقاً مع ظاهره، ليس شأنه شأن المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، فيظهر الولاء وهو يبطن الحقد والعداوة ويتربص.
قوله: [(فإن جاء أحد ينازعه فاضربوا رقبة الآخر)]، وهذا يدل على أن الإمام المبايع يبقى على بيعته، وأنه لا يجوز الخروج عليه، ولو خرج عليه أحد فإنه يقاتل ويقتل حتى تبقى الجماعة على تماسكها ووحدتها، دون أن يكون فيها تفرق، ودون أن يكون هناك فوضى.
قوله: [قلت: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟].
هذا للتوثق والتأكد، (قال: نعم، قال: فإن ابن عمك معاوية يأمرنا بكذا وكذا)، لأنه قال: (فليطعه ما استطاع)، فقال: إنه يأمرنا بكذا وكذا، قال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله.
إذا كان الأمير والوالي أمر بطاعة فإنه يسمع له ويطاع، وإذا أمر بمعصية فإن السمع والطاعة إنما هي لما جاء عن الله وعن رسوله ﵊، ولهذا جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما الطاعة في المعروف) وجاء عنه ﵊ أنه قال: (لا طاعة لمخلوق في معصية الله)، ولهذا جاء الأمر بطاعة ولاة الأمور تابعاً لطاعة الله ورسوله ﵊ ولم يكن مستقلاً بحيث يسمع له ويطاع مطلقاً، وإنما الذي يسمع له ويطاع مطلقاً هو الله ورسوله ﷺ ، ولهذا قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] فأمر بطاعته وطاعة رسوله ﵊، وأمر بطاعة ولاة الأمور، ولكن لما ذكر طاعة الرسول أظهر الفعل وهو (أطيعوا) ولما جاء عند ولاة الأمور ما أظهر الفعل بل قال: (وأولي الأمر منكم)، فحذف الطاعة مع ولاة الأمور للإشارة إلى أن طاعتهم إنما تكون تابعة لطاعة الله ورسوله ﵊، وقد أظهر الفعل مع الرسول ﵊ وهو (أطيعوا)؛ لأنه لا يأمر إلا بما هو حق، ولا يأمر بمعصية، وهو معصوم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولهذا أعيد الفعل معه، فقال: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)، ولم يعد الفعل مع ولاة الأمور؛ لبيان أن طاعتهم لا تكون مستقلة باستمرار بحيث يسمع لهم ويطاع في كل أمر، وإنما السمع والطاعة مقيدة في أن يكون طاعة لله ورسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
قوله: [ابن عمك]، لأن عبد الله بن عمرو سهمي، ومعاوية أموي، وكل منهما قرشي، فهو يريد بنوة العمومة وهي بعيدة ليست قريبة؛ فهم كلهم من قريش، وقريش هم أولاد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وهو الأب الحادي عشر للنبي ﷺ ، فكلاهما من قريش؛ معاوية وعمرو بن العاص.
стр. 14481
تراجم رجال إسناد حديث (من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده)
قوله: [حدثنا مسدد].
هو مسدد بن مسرهد البصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا عيسى بن يونس].
هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا الأعمش].
الأعمش هو سليمان بن مهران الكاهلي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن زيد بن وهب].
زيد بن وهب وهو ثقة حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة].
عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
[عن عبد الله بن عمرو].
هو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما وهو الصحابي الجليل أحد العبادلة الأربعة من الصحابة وهم عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير، وهو أحد الصحابة المكثرين من الرواية، وكان يكتب، ولكنه ما بلغت أحاديثه مثلما بلغت أحاديث السبعة الذين اشتهروا بكثرة الرواية عن الرسول ﷺ .
стр. 14482
شرح حديث (ويل للعرب من شر قد اقترب)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﵌ قال: (ويل للعرب من شر قد اقترب، أفلح من كف يده)].
أورد أبو داود حديث أبي هريرة قال: (ويل للعرب من شر قد اقترب، أفلح من كف يده)، ومحل الشاهد هنا: (أفلح من كف يده) يعني: في القتال بغير حق، ويمكن أن يكون أيضاً في الفتن التي تحصل، وذكر العرب لأنهم معظم المسلمين في أول الأمر، والإسلام إنما كان أولاًً في العرب، ثم بعد ذلك امتد إلى العجم، واتسعت الفتوحات، ودخل الناس في دين الله، ودخل من العجم من دخل بدون فتوحات بهداية الله : صهيب الرومي وسلمان الفارسي وبلال الحبشي.
قوله: (أفلح من كف يده)، يعني: عن القتال في الفتن.
стр. 14483
تراجم رجال إسناد حديث (ويل للعرب من شر قد اقترب)
قوله [حدثنا محمد بن يحيى بن فارس].
هو محمد بن يحيى بن فارس الذهلي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن.
[حدثنا عبيد الله بن موسى].
عبيد الله بن موسى ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن شيبان].
هو شيبان بن عبد الرحمن، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش عن أبي صالح].
الأعمش مر ذكره، وأبو صالح ذكوان السمان، اسمه: ذكوان، ولقبه: السمان، وهو مشهور بكنيته أبو صالح، وهو مدني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁، صاحب رسول الله ﷺ وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق ﵁ وأرضاه.
وللجمع بين حديث: (ويل للعرب)، وقوله ﷺ : (من قال: هلك الناس فهو أهلكهم)، نقول: لا تنافي بينهما؛ لأن هذا إخبار بأمور ستحصل، وأما الذي يقول: هلك الناس فهو يقول شيئاً ويكون فيه مبطلاً، وهو يكون في مقدمة من وصفهم بالهلاك.
стр. 14484
شرح حديث (يوشك المسلمون أن يحاصروا إلى المدينة)
[قال أبو داود: حدثت عن ابن وهب قال: حدثنا جرير بن حازم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (يوشك المسلمون أن يحاصروا إلى المدينة حتى يكون أبعد مسالحهم سلاح)].
أورد أبو داود حديث ابن عمر: (يوشك المسلمون أن يحاصروا إلى المدينة حتى يكون أبعد مسالحهم سلاح).
يعني: يقرب أن يحاصر المسلمون إلى المدينة، وهذا يمكن أن يشهد له: (إن الإيمان يأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها)، وأن الناس قد يحصل لهم ابتلاء، وأنهم قد يحاصرون حتى يكون أبعد الأماكن التي يدافع عنهم فيها والثغور هي سلاح، وهو مكان قيل: إنه قريب من خيبر، والله تعالى أعلم بالواقع والحقيقة.
ومعنى حديث: (يأرز الإيمان إلى المدينة): أن قوة الإيمان تكون هناك، وفيه أيضاً: كون الناس يأتون إلى المدينة من أجل فضلها ومن أجل السلامة من الفتن ومن الشرور التي تحصل في مختلف الأقطار.
стр. 14485
تراجم رجال إسناد حديث (يوشك المسلمون أن يحاصروا إلى المدينة)
[قال أبو داود: حدثت عن ابن وهب].
وهذا فيه انقطاع؛ لأنه لم يصرح بشيء فيه، ومعلوم أنه يروي عن ابن وهب بواسطة، وكثيراً ما يروي عن ابن وهب بواسطة أحمد بن صالح المصري، فلا أدري من هو هذا المحذوف، والحديث صححه الألباني، لكن لا أدري من أي وجه كان تصحيحه مع هذا الانقطاع.
وابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
والحديث أخرجه الحاكم من طريق أحمد بن عبد الرحمن بن وهب وهو ابن أخي عبد الله عن عمه عبد الله عن جرير به.
وجرير بن حازم موجود هنا في الإسناد أيضاً.
وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي، فلعل محدث أبي داود هنا هو أحمد هذا، وإنما لم يسمه أبو داود لما قيل من اختلاطه، ورواية مسلم عنه فقط.
واسمه أحمد بن عبد الرحمن بن وهب بن مسلم المصري الوهبي لقبه بحشل أخرج له مسلم، وهو من الحادية عشرة.
واعتذر الحافظ لـ مسلم فقال: لعل إخراج مسلم عنه قبل اختلاطه.
[حدثنا جرير بن حازم].
جرير بن حازم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيد الله بن عمر].
عبيد الله بن عمر هو العمري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن نافع].
هو نافع مولى ابن عمر، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عمر].
هو عبد الله بن عمر وقد مر ذكره.
ولا يمكن أن يقال: إن هذا حصل في زمن الردة في عهد أبي بكر الصديق ﵁؛ لأنه ليس بظاهر، وما حصل في زمن أبي بكر أن الناس حوصروا بل كانت البلاد بأيديهم.
стр. 14486
قول الزهري في (سلاح) الواردة في حديث ابن عمر وتراجم رجال هذا القول
قال المصنف رحمه لله تعالى: [حدثنا أحمد بن صالح عن عنبسة عن يونس عن الزهري قال: وسلاح قريب من خيبر].
وهذا تفسير من الزهري لسلاح الذي هو أبعد المسالح بأنه قريب من خيبر.
قوله: [حدثنا أحمد بن صالح].
أحمد بن صالح ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل.
[عن عنبسة].
هو عنبسة بن خالد الأيلي، وهو صدوق، أخرج له البخاري وأبو داود.
[عن يونس].
هو يونس بن يزيد الأيلي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
стр. 14487
شرح حديث (وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا سليمان بن حرب ومحمد بن عيسى قالا: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله زوى لي الأرض، أو قال: إن ربي زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة بعامة، ولا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال لي: يا محمد! إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، ولا أهلكهم بسنة بعامة، ولا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها، أو قال: بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، وحتى يكون بعضهم يسبي بعضاً، وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق -قال ابن عيسى:-ظاهرين.
ثم اتفقا- لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله)].
أورد أبو داود حديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ وفيه: أن النبي ﵊ قال: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها)، أي: إن الله زوى له الأرض فشاهدها ورأى ما يصل إليه ملك أمته، وقد حصل ذلك في زمن بني أمية، حيث فتحت الفتوحات في الشرق والغرب حتى وصل عقبة بن نافع إلى المحيط الأطلسي، ووصلت بعض الجيوش التي أرسلت إلى جهة المشرق إلى الصين وإلى السند والهند، واتسعت رقعة البلاد الإسلامية، ودخل الناس في هذا الدين، وتحقق بذلك ما أخبر به الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وكذلك كان الأمر في عهد بني العباس؛ ويذكر عن هارون الرشيد أنه مرت سحابة ببغداد فقال: (أمطري حيث شئت فخراجك سيأتي إلي)؛ لأنها تجاوزت بغداد فلم تمطر عليها، فقال: أين أمطرت فخراجك سيأتيني، بمعنى: أن الأرض التي سينزل فيها ذلك الماء سيصل خراجها إلى بغداد، وذلك إشارة إلى اتساع رقعة البلاد الإسلامية.
فتحقق ما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ من افتتاح البلاد ودخول الناس في هذا الدين الحنيف، مع أن الصحابة ﵃ وأرضاهم وكذلك الذين جاءوا بعدهم ممن صار على منوالهم في الفتوحات والجهاد في سبيل الله كانوا أقل عدداً من أعدائهم وأقل عُدداً، ولكن وجدت عندهم قوة الإيمان التي هي سبب كل خير، وضعف الإيمان وعدم الاستقامة سبب كل شر وضعف وهوان؛ ولهذا قال النبي ﷺ : (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم)، فهذه الفتوحات إنما حصلت بالصدق مع الله وبقوة الإيمان والإخلاص والجهاد من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يهتدي الناس، وأن يدخلوا في دين الله، فالمسلمون كانوا أقل عدداًً وعُدداً، وأعداؤهم الكفار كانوا أكثر عدداًً وعُدداً، ومع ذلك كان المسلمون يتفوقون ويتغلبون على الكفار؛ بسبب ما أعطاهم الله من قوة الإيمان والصدق.
ولهذا جاء في صحيح البخاري: أن جيشاً ذهب إلى قتال الفرس، وكان أميرهم النعمان بن مقرن، وكان فيهم المغيرة بن شعبة، فلما التقوا مع كبير الفرس طلب كبير الفرس واحداً من المسلمين يأتي للتفاوض والتفاهم معه، فذهب المغيرة بن شعبة ﵁، فقال له ذلك الزعيم: ما أنتم؟ قال: نحن قوم من العرب كنا في بلاء وفقر شديد، نعبد الشجر والحجر، ونمص النوى والجلد من الجوع، فبعث الله فينا رسولاً من أنفسنا نعرف أباه وأمه، فدعانا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأمرنا بالجهاد في سبيله، وأخبرنا بأن من قتل منا فهو في الجنة، ووصفها كذا وكذا، ومن عاش منا ملك رقابكم.
هذا الكلام جاء من قوة إيمان، ومن عزيمة وإخلاص لله ؛ ولهذا لما تغيرت أحوال الناس هان المسلمون على أعدائهم بعد أن كان الكفار يهابون المسلمين، صاروا هم الذين يهابون ويخافون الكفار؛ والسبب في ذلك كله ضعف الإيمان، ولذا قال النبي ﷺ في الحديث: (وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري).
قوله: [(وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض)]، الأحمر هو الذهب، والأبيض هو الفضة، وكنوز كسرى وقيصر التي كانت من الذهب والفضة غنمها المسلمون في جهادهم للروم وللفرس، وأحضرت تلك الكنوز إلى المدينة وتولى قسمتها الفاروق ﵁ بنفسه في المدينة، وتحقق بذلك ما أخبر به الرسول الكريم ﵊ في قوله: (ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله) وقد تحقق ذلك وأنفقت في سبيل الله على يد الفاروق ﵁ وأرضاه.
قوله: [(وإني سألت ربي ألا يهلك أمتي بسنة بعامة)]، يعني: بأن يصيبهم قحط عام يصير به هلاك وضرر الجميع، وأعطاه الله ذلك، فالقحط يحصل في بلد، ويحصل في بلد آخر الرخاء والخصب، لكن كونه يحصل لهذه الأمة أنها تهلك بالقحط، وقلة المطر، وتفنى بسبب ذلك، هذا لا يحصل.
قوله: [(وأن لا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم)]، بيضتهم بمعنى: أنه يقضي على الإسلام والمسلمين، والإسلام باق، ولا تخلو الأرض من قائم لله بحجته، ولو حصل ضعف في مكان حصلت قوة في مكان آخر، لكن لا تخلو الأرض ممن يقوم بأمر الله، ولكن الشيء الذي قد حصل هو كون بعضهم يقتل بعضاً، والفتن التي تكون بينهم تحصد بعضهم بالقتل وحصول الأضرار الكبيرة، فقوله ﷺ : (وألا يهلك أمتي بسنة بعامة)، أي بسنة قحط تعم البلاد.
وقوله: (وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم) يعني: لن يوجد عدو ليس من المسلمين يستبيح بيضتهم ويقضي على الإسلام والمسلمين؛ لأن الإسلام باق وعزيز، ولكنه يكون قوياً في بعض الأزمان، ودون ذلك في بعض الأزمان، لكن كونه تخلو منه الأرض أو ينتهي، هذا لا يكون، بل لابد أن يكون هناك من يقوم بشرع الله، ولا يضره من خالفه، كما سيأتي في آخر هذا الحديث.
قوله: [(وإن ربي قال: يا محمد! إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يرد)]، يعني: ما قدره الله وقضاه فإنه لابد من وجوده، وكل شيء شاءه الله لا بد أن يكون، وكل شيء لم يشأه الله لا يمكن أن يكون، ولهذا فإن عقيدة المسلمين في باب القدر تنبني على هاتين الجملتين: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ما سبق به قضاء الله وقدره لابد من وجوده ولابد من حصوله، وما جرى به القضاء بأنه لا يكون فلا سبيل إلى كونه ووجوده، ولهذا يقول الشاعر: فما شئت كان وإن لم أشأ وما شئت إن لم تشأ لم يكن ما شئت يا الله كان وإن لم أشأه أنا، وما شئت أنا إن لم تشأه فإنه لا يكون؛ لأنه لا يكون ولا يقع في ملك الله إلا ما قدره الله وقضاه.
والقدر مغيب ولا يعلمه إلا الله، ولكن يمكن أن يعرف المقدر بأمرين: الأمر الأول: الوقوع، فإذا وقع الشيء فهو مقدر؛ لأنه لا يقع إلا مقدر.
والأمر الثاني: حصول الإخبار به من الرسول ﷺ ، فإن هذا يدل على أنه سبق به القضاء والقدر، وأنه لابد أن يوجد ذلك المقدر، ولكنه عرف بإخبار الصادق المصدوق ﵊ بأنه سيحصل كذا وكذا، وأنه سيقع كذا وكذا، وسيجري كذا وكذا، فهذا لا بد وأن يوجد.
وهذا الذي أخبر النبي ﷺ بأنه سيوجد سبق به القضاء والقدر؛ ولهذا قال: (إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد)، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن؛ ولهذا جاء في وصية النبي ﷺ لـ ابن عباس ﵄: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)، وكذلك في الدعاء: (اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت)، فالذي قدره الله وأعطاه لا أحد يمنعه، وما قدر ألا يكون فإنه لا سبيل إلى كونه، ولا سبيل إلى وجوده.
قوله: [(وإني لا أهلكهم بسنة بعامة، ولا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم)]، يعني: قضاء الله وقدره بأنه لا يهلكهم بسنة بعامة، وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فقدر وقضى أن بعضهم يهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً، ويضر بعضهم بعضاً، وهذا يقع.
قوله: [(وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين)]، هذا هو الذي يخشاه النبي على الأمة، وهو كونها تبتلى بمن يضل، سواء كانوا هؤلاء الأئمة أئمة دعوة وتبليغ وإرشاد، أو أصحاب سلطة، والإمامة تكون بكونه متبوعاً وغيره يتبعه وإن لم يكن والياً، وقد يكون والياً ويكون مع إضلاله قوة تساند وتؤيد هذا الضلال، وتحتضن من يكون من أهل الضلال، فقال ﷺ : (وإنما أخشى على أمتي الأئمة المضلين)؛ لأنهم يحرفونهم ويصرفونهم عن الحق والهدى بأن يضلوهم ويخرجوهم من الجادة والاستقامة إلى الطرق المنحرفة الخارجة عن الصراط المستقيم، كما قال الله : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣].
قوله: [(وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة)]، يعني: إذا حصلت الفتن، وبدأ قتل الناس بعضهم لبعض وإهلاك الناس بعضهم لبعض فإن هذا سيبقى، ولكن ليس لأحد أن يأتي من خارج الم
стр. 14488
تراجم رجال إسناد حديث (وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة)
قوله: [حدثنا سليمان بن حرب].
سليمان بن حرب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ومحمد بن عيسى].
محمد بن عيسى هو الطباع، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة.
[قالا: حدثنا حماد بن زيد].
هو حماد بن زيد بن درهم البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أيوب].
هو أيوب بن أبي تميمة السختياني، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي قلابة].
هو أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي أسماء].
أبو أسماء الرحبي هو عمرو بن مرثد، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[عن ثوبان].
ثوبان مولى رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
стр. 14489
شرح حديث (إن الله أجاركم من ثلاث خلال)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عوف الطائي حدثنا محمد بن إسماعيل حدثني أبي قال ابن عوف: وقرأت في أصل إسماعيل قال: حدثني ضمضم عن شريح عن أبي مالك -يعني: الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله أجاركم من ثلاث خلال: ألا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعاً وألا يظهر أهل الباطل على أهل الحق، وألا تجتمعوا على ضلالة)].
أورد أبو داود حديث أبي مالك الأشعري: (إن الله أجاركم من ثلاث: ألا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا)، كما دعا نوح ﵇ على قومه، وحصل هلاكهم، وهذا لم يحصل من النبي ﷺ ، بل إنه ﵊ لما أوذي واشتد به الأذى وخرج مهموماً مغموماً على وجهه خاطبه جبريل، وقال: (إن هذا ملك الجبال فأمره بما شئت، فخاطبه ملك الجبال وقال: إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، وهما جبلا مكة، فقال: لا، بل أرجو من الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً)، فهو لم يدع عليهم مع ما حصل له منهم من الأذى.
قوله: [(وألا يظهر أهل الباطل على أهل الحق)]، بأن يظهر الكفار على المسلمين بحيث يقضوا عليهم، فيكون من جنس (وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم)؛ فإن أريد به الكفار، وأنهم يقضون على الإسلام، ويستبيحون بيضة الإسلام ولا يبقى إسلام، فهذا لا يكون، وهو الذي مر في الحديث السابق، وإن أريد به أنه قد يحصل من أهل الضلال من يكون عنده غلبة وله سلطة وولاية، فهذا يقع ويحصل.
قوله: [(وألا تجتمعوا على ضلالة)]، لا يتفقون على ضلالة، بمعنى: أنهم يتركون الحق وتخلو الأرض من الحق، ولا يبقى إلا الضلال وتجتمع الأمة على الضلال فهذا لا يكون.
والحديث فيه انقطاع بين شريح وبين أبي مالك فهو لم يدركه، ذكر ذلك الألباني ﵀ في السلسلة الضعيفة.
لكن فيما يتعلق بعدم اجتماع الأمة على ضلالة، فإن هذا محل اتفاق ولا خلاف فيه، فالأمة لا تجتمع على ضلالة من أولها إلى آخرها، ولن تخلو الأرض ممن هو على حق وهدى.
стр. 14490
تراجم رجال إسناد حديث (إن الله أجاركم من ثلاث خلال)
قوله: [حدثنا محمد بن عوف الطائي].
محمد بن عوف الطائي ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي في مسند علي.
[حدثنا محمد بن إسماعيل].
هو محمد بن إسماعيل بن عياش، وقد عابوا عليه أنه حدث عن أبيه بغير سماع، أخرج له أبو داود.
[حدثني أبي].
هو إسماعيل بن عياش، وهو صدوق في روايته عن أهل بلده، ومخلط عن غيرهم، وحديثه أخرجه البخاري في رفع اليدين وأصحاب السنن.
[قال ابن عوف: وقرأت في أصل إسماعيل].
إسماعيل هو ابن عياش، يعني: في أصل كتابه.
[قال: حدثني ضمضم].
هو ضمضم بن زرعة، وهو صدوق يهم، أخرج له أبو داود وابن ماجة في التفسير.
[عن شريح].
هو شريح بن عبيد الحضرمي، وهو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة.
[عن أبي مالك -يعني الأشعري -].
أبو مالك الأشعري ﵁، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
стр. 14491
شرح سنن أبي داود [٤٧٧]
باب الفتن باب أغلق بمبعث النبي صلوات الله وسلامه عليه وفتح أو كسر بموت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو في تزايد إلى قيام الساعة.
стр. 14492
تابع ما جاء في الفتن ودلائلها
стр. 14493
شرح حديث (تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن سليمان الأنباري حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن منصور عن ربعي بن حراش عن البراء بن ناجية عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: (تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين، أو سبع وثلاثين، فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاماً، قال: قلت: أمما بقي أو مما مضى؟ قال: مما مضى).
قال أبو داود: من قال: خراش فقد أخطأ].
ذكر الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: (تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين؛ فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاماً قال: قلت: أمما بقي أو مما مضى؟ قال: بل مما مضى)، قيل في هذا الحديث: إن المراد بذلك: قوة الإسلام في هذه المدة، ثم بعد ذلك يحصل التغيير، وقيل: إن المقصود بدوران الرحى: الحروب التي تحصل وتقع، ولا شك أن مدة الخلفاء الراشدين المهديين رضي الله تعالى عنهم كانت خلافة راشدة، وكان الخير عظيماً والإسلام منتشرا، ً وقد حصل بعد مقتل عثمان ﵁ وتولي علي ﵁ شيء من الاقتتال والاختلاف حيث وجدت الفتن، وحصل اقتتال بين المسلمين، ثم بعد ذلك حصل اجتماع للمسلمين على يدي الحسن بن علي ﵄ بتنازله لـ معاوية وحصول اجتماع الكلمة على معاوية بعدما كانت الفرقة وكان الخلاف قبل ذلك، وتحقق ما أخبر به الرسول الكريم ﵊ في قوله في الحسن ﵁، وقد حمله معه على المنبر وهو طفل صغير، وكان ينظر إليه وينظر إلى الناس، ويقول: (إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)، وقد تحقق ذلك في عام واحد وأربعين من الهجرة، والذي سمي بعام الجماعة، حيث اجتمعت الكلمة وصار على الناس خليفة واحد، هو معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه، وقد قال ﵊: (خلافة النبوة بعدي ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء)، وقد آتى الله الملك بعد مدة الخلفاء الراشدين معاوية بن أبي سفيان، وهو خير وأول ملوك المسلمين؛ لأنه صحابي، والخلفاء الذين جاءوا بعده على مختلف العصور والدهور ليسوا من الصحابة، فهو أول الملوك وخير الملوك ﵁ وأرضاه، وقد جاء إطلاق الخلافة على الخلفاء الراشدين وعلى ثمانية من بعدهم، وذلك في الحديث الصحيح الذي قال فيه النبي ﷺ : (لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش)، فإن هؤلاء الخلفاء هم الخلفاء الراشدون، وثمانية من خلفاء بني أمية.
قوله: [(تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين، أو سبع وثلاثين)]،قيل: إن المراد بذلك مدة خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة وهي ثلاثون سنة، ويضاف إليها خمس أو قريباً من ذلك في آخر عهد النبي ﷺ ، وقيل: إن المراد بذلك: ما حصل في سنة خمس وثلاثين من الهجرة من قتل عثمان ﵁، وما حصل بعد ذلك من الفتن، لكن كما هو معلوم أن استخدام التاريخ الهجري إنما حصل في زمن عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، لكن إذا اعتبرت مدة الخلفاء الراشدين الأربعة التي هي ثلاثون سنة، وضم إليها خمس سنوات من بعدها فيكون معنى ذلك أن هذه المدة هي الخلافة الراشدة، وقد حصل فيها الخير الكثير، وإن وجد شيء من الاختلاف.
وعلى هذا يكون المقصود برحى الإسلام: قوته واستقامته وسلامته، وكونه على منهاج النبوة، وكون الخلافة خلافة نبوة، ويكون بدوران الرحى حصول الخير والنفع، كما أن الرحى إذا دارت على الحب وصار طحيناً ودقيقاً بسبب دوران الرحى حصل بذلك النفع.
فيكون معنى هذا: أن الدوران يشبه دوران الرحى بطحن الحب، فيكون في ذلك فوائد للناس، وهذا يطابق ويوافق ما حصل في زمن الخلفاء الراشدين الذين خلافتهم خلافة نبوة، وقد قال ﵊ (خلافة النبوة بعدي ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) فعلى هذا يكون المعنى: حصول استقامة وقوة خلافة راشدة، وخلافة نبوة في خمس وثلاثين سنة؛ منها ثلاثون مدة الخلفاء، ومنها خمس هي المدة الباقية من حياة النبي ﷺ بعد قوله ذاك.
ودوران الرحى بهذا المعنى على اعتبار النفع، وأن خلافة الخلفاء الراشدين حصل فيها خير وهي خلافة راشدة، ويستقيم على معنى دوران الرحى بالحب وطحن الحب، كونه يصير دقيقاً يستفاد منه، ومعلوم أن الحب لا يستفاد منه إلا بالطحن، والرحى هي التي تطحن الحب وتجعله دقيقاً فيكون معنى ذلك أنه حصل للناس في هذه المدة فوائد عظيمة وخير كثير.
ولهذا من الأبيات التي يلغز بها بعض الشعراء بحجري الرحى، فيقول: أخوان من أم وأب لا يفتران من التعب ما منهما إلا ضن يشكو معاناة التعب فلنا بصلحهما ردى ولنا بحربهما نشب إذا اصطلحا وانطبق واحد على الثاني بلا حركة، فلن يكون هناك حب يطحن، فاصطلاحهما لا نستفيد منه، ولكن إذا صار بينهما حرب، وهذا يدور على هذا، فيحصل الطحين ويستفيد الناس.
وهذا يؤتى به في كتب الأدب في الإلغاز.
ومعلوم أن الاقتتال إنما حصل بعد قتل عثمان، وقبل اجتماع الكلمة على معاوية، ولكن على هذا المعنى الذي ذكرته، والذي ذكره بعض العلماء: أن المراد به القوة والانتشار والاستقامة، فيدخل في ذلك مدة الخلفاء الراشدين مع خمس سنين من زمن الرسول ﷺ .
وأما على القول بأن دوران الرحى المقصود به الحرب، فالحرب إنما حصلت بعد مقتل عثمان، فقد حصلت الفتن وحصل الاقتتال بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم وهم مجتهدون، والمجتهد المصيب له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر واحد، وخطؤه مغفور له، والواجب هو إحسان الظن بالجميع، وعدم النيل من أحد منهم، بل الواجب هو الترضي عنهم ومحبتهم وموالاتهم جميعاً، وسلامة القلوب والألسنة من كل ما لا يليق بهم، هذا هو الواجب في حق أصحاب رسول الله ﷺ .
قوله: [(فإن يهلكوا فسبيل من هلك)]، يعني: من الأمم السابقة، والهلاك لا يلزم أن يكون بتلف وذهاب أجسادهم، بل يكون بانحرافهم وحصول فتن وأمور مضلة.
قوله: [(وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين سنة)]، ولا شك أنه لم يحصل الهلاك، ولكن حصل قيام الدين، وقيام الملك لبني أمية بعد عهد الراشدين، وقد حصل في زمن بني أمية خير ونفع عظيم، وفتحت الفتوحات وبلغت الديار الإسلامية المفتوحة إلى المحيط الأطلسي غرباً، وإلى بلاد السند والهند والصين شرقاً، وقد سبق أن مر حديث النبي ﷺ أنه قال: (زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها)، وقد بلغ ملك هذه الأمة في زمن بني أمية مبلغاً وصل إلى حد المحيط الأطلسي غرباً وإلى الصين شرقاً، فصار في ذلك القوة للإسلام وأهله.
ولهذا قال ﵊ في الحديث الصحيح: (لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر خليفة)، والخلفاء الثمانية هم خلفاء بني أمية، وقبلهم الخلفاء الراشدون الهادون المهديون، فهذا فيه بيان أن الإسلام قوي حيث انتشر في هذه المدة، وفتحت الفتوحات، وكثرت الخيرات، واتسعت رقعة البلاد الإسلامية.
قوله: [(وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاماً)]، قيل المقصود به: ملكهم، وقد قام ملك بني أمية هذه المدة من حين بويع معاوية ﵁ بالخلافة بعد تنازل الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه، فمدة سبعين بعد ذلك فيها قوة، وبعد ذلك حصل الضعف في بني أمية، وحصلت الحروب والاقتتال الذي أدى إلى ظهور بني العباس وتغلبهم على بني أمية وانتزاعهم الملك منهم، فتكون مدة السبعين هي من خلافة معاوية إلى تمام السبعين، وخلافة بني أمية تبلغ تسعاً وثمانين سنة، لكن في آخرها حصل اضطراب وقلاقل وفتن، ولكن مدة السبعين سنة هي مدة الخلفاء الأقوياء والتي حصل فيها خير كثير، وفتحت الفتوحات، وكثرت الخيرات، واتسعت رقعة البلاد الإسلامية، وقوي الإسلام وصار عزيزاً، وأمر الناس ماضياً، فتحقق ما أخبر به الرسول الكريم ﵊ من قوله: (لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر خليفة)، فيكون المقصود بذلك الخلفاء الثمانية الذين هم من بني أمية، وهم من كانوا في مدة سبعين سنة ابتداء من خلافة معاوية، وفي آخرها التي هي فوق السبعين مقدار تسعة عشر سنة بقية مدة الخلافة الأموية حتى ظهر عليهم العباسيون وتغلبوا عليهم.
وانتزعوا الملك منهم، تلك كان فيها ضعف، وعدم قوة، وعدم استقامة؛ بسبب الحروب والفتن التي حصلت في آخر عهد بني أمية.
قوله: [(قال: قلت: أمما بقي أو مما مضى؟ قال: مما مضى)].
يعني: كأن السبعين بعدما مضى.
стр. 14494
تراجم رجال إسناد حديث (تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين)
قوله: [حدثنا محمد بن سليمان الأنباري] محمد بن سليمان الأنباري صدوق، أخرج له أبو داود.
[حدثنا عبد الرحمن].
هو عبد الرحمن بن مهدي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سفيان].
سفيان هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن منصور].
هو منصور بن المعتمر، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ربعي بن حراش].
ربعي بن حراش ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن البراء بن ناجية].
البراء بن ناجية ثقة، أخرج له أبو داود.
[عن عبد الله بن مسعود].
عبد الله بن مسعود ﵁، صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[قال أبو داود: من قال: خراش فقد أخطأ].
خراش بالخاء بدل الحاء، في والد ربعي، فإنما هو بالحاء المهملة، وليس بالخاء المعجمة، ويقال: الحاء المهملة والخاء المعجمة؛ لأن رسم الحاء والخاء واحد، والنطق بها واحد، إلا أن هذه فيها إعجام نقطة وتلك خالية مهملة.
ولا يقال: الجيم المعجمة؛ لأن الجيم رسمها ولفظها يختلف عن الحاء والخاء؛ لأن الحاء والخاء بينهن تشابه، وأما الجيم فهي تختلف في النطق عن الحاء والخاء، فلا يقال: الجيم المعجمة؛ لأن لفظ الجيم أخرجها عن الحاء والخاء، لكن الحاء والخاء رسمها واحد والنطق بها واحد، إلا أن الفرق في النقطة، فلذلك احتاجوا إلى أن يقولوا: معجمة ومهملة، فهنا حراش بالحاء المهملة هو الصواب، ومن قال: خراش بالخاء المعجمة فقد أخطأ.
стр. 14495
المقصود بالهلاك في قوله (فإن يهلكوا فسبيل من هلك)
قوله: [(فإن يهلكوا)].
الهلاك هنا معلوم أنه ليس هلاك وذهاب الأجسام؛ لأن هذه الأمة لا تهلك، بل لابد وأن تبقى وهي باقية، ولكن الذي حصل هو هلاك في التصور والعمل، وليس أن الله يهلكهم بسنة عامة ويقضي عليهم، فهذا لا يكون في هذه الأمة، ولكن يحصل لهم أن يهلكوا بأن يكونوا على خلاف الهدى والاستقامة، فيكون فيه شيء من الضلال ويكون سبيل من مضى ممن ضل، وليس المقصود به الهلاك الذي هو الفناء، وألا يبقى لهم وجود.
وقوله: (مما مضى) معناه: أنه تابع لما مضى؛ وهذه السبعون مضافة إلى الخمس والثلاثين، وهذه مدة الخلفاء الراشدين ومدة قوة بني أمية.
следующие страницы →