Полный текст (18 341 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب بثلاثة أحجار)
قوله: [حدثنا سعيد بن منصور].
سعيد بن منصور، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وقتيبة بن سعيد].
قتيبة بن سعيد بن جميل البغلاني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قالا: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن].
يعقوب بن عبد الرحمن هو القاري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[عن أبي حازم].
أبو حازم هو سلمة بن دينار مشهور بكنيته، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن مسلم بن قرط].
مسلم بن قرط، مقبول، أخرج حديثه أبو داود والنسائي.
[عن عروة].
عروة بن الزبير بن العوام، ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة] عائشة رضي الله تعالى عنها أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 177
شرح حديث: (سئل رسول الله ﷺ عن الاستطابة فقال: بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن عمرو بن خزيمة عن عمارة بن خزيمة عن خزيمة بن ثابت ﵁ أنه قال: (سئل رسول الله ﷺ عن الاستطابة فقال: بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع).
قال أبو داود كذا رواه أبو أسامة وابن نمير عن هشام يعني: ابن عروة].
أورد أبو داود ﵀ حديث خزيمة بن ثابت رضي الله تعالى عنه: (أن النبي ﷺ سئل عن الاستطابة، فقال بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع) يعني: ليس فيها روث مطلقاً، ولكن المقصود الذي يكون طاهراً وهو رجيع ما يؤكل لحمه، هذا هو الذي يكون طاهراً، وأما إذا كان نجساً فإنه لا يزيد النجاسة إلا نجاسة.
وقد سبق أن مر أنه لا يستنجي بعظم ولا روث؛ لأنها طعام الجن ودوابهم.
قال أبو داود: [كذا رواه أبو أسامة وابن نمير عن هشام يعني: ابن عروة].
هذه إشارة إلى أن هناك طريقاً أخرى مثل الطريق السابقة.
стр. 178
تراجم رجال إسناد حديث: (سئل رسول الله ﷺ عن الاستطابة فقال: بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع)
قوله: [حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي].
عبد الله بن محمد النفيلي، ثقة، أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا أبو معاوية].
أبو معاوية محمد بن خارم بن الضرير الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن هشام بن عروة].
هشام بن عروة بن الزبير، ثقة ربما دلس، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو بن خزيمة].
عمرو بن خزيمة، مقبول، أخرج حديثه أبو داود وابن ماجة.
[عن عمارة بن خزيمة].
عمارة بن خزيمة، ثقة، أخرج له أصحاب السنن الأربعة.
[عن خزيمة بن ثابت].
خزيمة بن ثابت صاحب رسول الله ﷺ وصاحب الشهادتين؛ فإن النبي ﷺ جعل شهادته بشهادة رجلين، وهذا من خصائصه رضي الله تعالى عنه، وفي ذلك قصة وهي: أن النبي ﷺ حصل بينه وبين أعرابي بيع وشراء، فالأعرابي قال له النبي ﷺ كذا وهو قال كذا فقال النبي ﷺ : (من يشهد؟ فما أحد تقدم للشهادة، فجاء خزيمة بن ثابت وقال: (أنا أشهد) فقال له: كيف تشهد؟ فقال: الله تعالى أرسلك ونصدقك فيما يأتي من السماء وما يأتي من الوحي ولا نصدقك في كلام مع أعرابي؟!) يعني: أن كل ما تقوله صدق، فأنت قلت هذا الكلام فأنا أشهد أنك صادق، فجعل النبي ﷺ شهادته بشهادة رجلين، ولهذا قالوا: ذو الشهادتين.
فالحافظ ابن حجر في التقريب عندما ذكر ترجمته قال: ذو الشهادتين.
يعني: أن شهادته بشهادة رجلين، وهذا من خصائص هذا الرجل، وكان ذلك بهذه المناسبة العظيمة التي وفق فيها لفهم الصواب والاعتراف به، مع أنه ما حضر الذي جرى بينهما، ولكنه شهد لقول الرسول ﷺ ؛ لأنه هو الصادق في كل ما يقول صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وحديثه أخرجه مسلم وأصحاب السنن الأربعة.
وقوله: [قال أبو داود: كذا رواه أبو أسامة].
هو حماد بن أسامة، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وابن نمير].
هو عبد الله بن نمير، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن هشام].
هشام بن عروة وقد مر ذكره.
стр. 179
الاستبراء من النجاسة
стр. 180
شرح حديث: (ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الاسبتراء.
حدثنا قتيبة بن سعيد وخلف بن هشام المقرئ قالا: حدثنا عبد الله بن يحيى التوأم ح وحدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا أبو يعقوب التوأم عن عبد الله بن أبي مليكة عن أمه عن عائشة ﵂ قالت: (بال رسول الله ﷺ ، فقام عمر ﵁ خلفه بكوز من ماء فقال: ما هذا يا عمر؟! فقال: هذا ماء تتوضأ به قال: ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ، ولو فعلت لكانت سنة)].
أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة: باب الاستبراء، والاستبراء: هو الاستطابة والاستنجاء والتخلص من أثر الخارج من الإنسان، وقد سبق أن مرت ترجمة أخرى متقدمة في التحذير من عدم التنزه من البول في قصة اللذين يعذبان في قبريهما؛ وأحدهما كان لا يستبرئ من بوله، فذكر الاستبراء هناك، وذكره هنا على اعتبار أن هناك فيه التحذير من التهاون في مسألة البول، وكونه يقع على جسد الإنسان أو يقع على ثيابه فلا يبالي به، وهنا معناه أنه يتخلص منه عندما يجلس لقضاء الحاجة، فلا يقوم إلا وقد تخلص من البول ولم يبق شيء يترتب على استعجاله، بل يبقى في مكانه حتى ينتهي من قضاء حاجته، ويزيل أثر الخارج بالماء أو الحجارة، وقد أورد أبو داود ﵀ حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: (بال رسول الله ﷺ فقام عمر خلفه بكوز من ماء فقال: ما هذا يا عمر؟! فقال: هذا ماء تتوضأ به، قال: ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ، ولو فعلت لكانت سنة)].
فسر قوله: (تتوضأ) بشيئين: إما بالوضوء اللغوي الذي هو الاستنجاء به، وهو النظافة والنزاهة وقطع الخارج.
وإما الوضوء الشرعي الذي هو غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، ففسر بهذا وبهذا.
والمقصود: أنه في حال قضاء الحاجة يمكن الاستغناء عن الماء بالحجارة، وأنه لا يلزم أن يكون الماء هو الذي يستطاب ويستنجى به، بل يمكن أن الحجارة تكفي، وهذا فيه إشارة إلى أن هذا سائغ وأن هذا سائغ، ولو أن النبي ﷺ التزم الماء لكان ذلك سنة، ولشق على الناس، فهناك مشقة على الناس إذا كان يلزمهم دائماً أن يكون معهم ماء، وإذا كانوا لا يستنجون إلا بالماء ولا يستنجون بالحجارة، ففي هذا تخفيف على هذه الأمة، وبيان أن الاستنجاء بالحجارة يمكن حتى مع وجود الماء، لكن لا شك أن الماء أتم وأكمل، وما فعله النبي ﷺ فيه بيان أن إزالة آثار الخارج من الإنسان في حال قضاء حاجته تحصل بالماء وبالحجارة، وأن الماء ليس بمتعين، وأن هذا من تخفيف الله وتيسيره على هذه الأمة، ويحتمل أن يكون المراد به الوضوء الشرعي الذي له فروض، وهو يدل على أنه لا يلزم بعد كل قضاء حاجة أن الإنسان يتوضأ الوضوء الشرعي، وكذلك أيضاً لا يلزم أن يستنجي بالماء، بل يمكن أن يستنجي بالحجارة، فكل ذلك يدل عليه الحديث، فيحتمل هذا، ويحتمل هذا.
وبعض أهل العلم رجح أنه الوضوء الشرعي، وبعضهم رجح أنه الوضوء اللغوي، وكما هو معلوم لزوم ذلك وتعينه ليس هناك ما يدل عليه، ولكن لا شك أن كون الإنسان يكون دائماً على وضوء أنه أحسن، ولا شك أنه خير للإنسان أن يكون على وضوء.
стр. 181
تراجم رجال إسناد حديث: (ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ)
قوله: [حدثنا قتيبة بن سعيد وخلف بن هشام المقرئ].
قتيبة بن سعيد مر ذكره.
وخلف بن هشام المقرئ، ثقة، أخرج حديثه مسلم وأبو داود.
[قالا: حدثنا عبد الله بن يحيى التوأم].
عبد الله بن يحيى التوأم، ضعيف، أخرج حديثه أبو داود وابن ماجة.
قوله: [ح وحدثنا عمرو بن عون أخبرنا أبو يعقوب التوأم].
(ح) هذه تستخدم للتحول من إسناد إلى إسناد كما سبق أن ذكرنا؛ لأنه رجع من جديد وأتى بإسناد آخر، وذكر شيخاً له وهو عمرو بن عون، وكل من الشيخين يروي عن التوأم إلا أن الأول ذكره باسمه ونسبه ولقبه، وأما الثاني فذكره بكنيته ولقبه.
وأبو يعقوب التوأم هو عبد الله بن يحيى التوأم، فذكره في الإسناد الأول باسمه ونسبه ولقبه، وفي الإسناد الثاني بكنيته ولقبه.
وعمرو بن عون شيخ أبي داود في الطريق الثاني، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن أبي مليكة].
عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أمه].
هي: ميمونة بنت الوليد، ثقة، أخرج حديثها أبو داود وابن ماجة.
[عن عائشة].
عائشة أم المؤمنين ﵂ وقد مر ذكرها.
والحديث كما هو معلوم ضعيف؛ لأنه يدور على عبد الله بن يحيى التوأم أبي يعقوب، لكن معناه وهو كون الإنسان يكتفي بالحجارة عن الاستنجاء جاء ما يدل عليه؛ لأن استعمال ثلاثة أحجار في الاستنجاء يطهر، ولذا لا يتعين الماء، ولو تعين الماء لكان في ذلك مشقة على الناس.
стр. 182
الأسئلة
стр. 183
عرض الأعمال على الله يوم الإثنين والخميس
السؤال
هل أعمال الأمة كلها تعرض يوم الإثنين والخميس على الله وكذلك الرسول ﷺ يعرض عمله على الله في هذين اليومين؟
الجواب
الحديث ورد عن رسول الله ﷺ أنها تعرض ولذا قال: (أحب أن يعرض عملي وأنا صائم) وهذا فيه أن أعمال الأمة تعرض وعمله ﷺ كذلك يعرض؛ لأن قوله: (عملي) يدل على أن كل الأعمال تعرض.
стр. 184
حكم تعدد الزوجات
السؤال
قول النبي ﷺ في فاطمة ابنته (يسوءني ما يسوءها) لما أراد علي ﵁ أن يتزوج عليها هل يدل على كراهيته ﷺ في أن يتزوج على ابنته؟ وما الصحيح في حكم التعدد في الزواج؟
الجواب
التعدد في الزواج كما هو معلوم جاء به القرآن، وجاءت به السنة عن رسول الله ﷺ ، وكون النبي ﷺ جاء عنه أنه يسوءه ما يسوء فاطمة جاء عنه ما يدل على التعدد، فالتعدد ثابت في الكتاب والسنة، ومن المعلوم أن ابنة الرجل إذا تزوج زوجها عليها يحصل له شيء من التأثر؛ لأنه قد يحصل لها شيء من الضرر، فكون التعدد جائز شيء، وكون الإنسان يسوءه أو يتألم إذا حصل شيء فيه مضرة لابنته شيء آخر.
وما جاء عن النبي ﷺ لا يدل على كراهية التعدد، ولكنه يدل على أنه يسوءه أن فاطمة ابنته يتزوج عليها علي، هذا الذي ساءه؛ لأن الإنسان لا يفرح بأن ابنته يتزوج عليها.
стр. 185
بيان على من يكون إصلاح السيارة المؤجرة إذا تعطلت
السؤال
إذا استخدم شخص سيارة أخيه على أن يقسما فائدة الأجرة نصفين، ثم تعطلت السيارة عند المستعير، فمن الذي عليه دفع قيمة الإصلاح؟
الجواب
يكون إصلاحها منها؛ لأن هذا الإصلاح مثل العلف، والعلف يكون مما ينتج، وما يخلص بعد ذلك فهو الذي يقتسم، فحمل البضاعة ونقلها وما إلى ذلك من التكاليف يكون على هذا المال الذي باليد سواء كان رأس مال أو رأس مال مع الربح؛ لأن الربح عندما يستوفى يقتسم الموجود.
стр. 186
حكم تقصير المرأة شعر رأسها
السؤال
ما حكم تقصير المرأة شعر رأسها تجملاً لزوجها؟
الجواب
إذا كان الشعر كثيفاً ويشق عليها معالجته وإصلاحه، وأرادت أن تخفف شيئاً من ذلك فلا بأس بذلك، ولكن إبقاء النساء على شعورهن هو من زينتهن وجمالهن، ولا شك أن هذا هو الأولى، وهو الذي ينبغي، ولكن إذا فعلت ذلك وخففت منه للتجمل ولم تقصد التشبه بالكفار فنرجو ألا بأس بذلك.
стр. 187
حكم صبغ المرأة شعرها بالسواد
السؤال
ما حكم صبغ المرأة لشعرها بالسواد؟
الجواب
كل بياض لا يغير بالسواد، لا من الرجل ولا من المرأة.
стр. 188
بيان موضع التورك والافتراش في الصلاة
السؤال
إذا صلى الإنسان الوتر ركعة واحدة فهل يجلس متوركاً أو يجلس مفترشاً؟
الجواب
التورك إنما يكون في حالة واحدة، وهي: فيما إذا كانت الصلاة رباعية أو ثلاثية، فإن التشهد الأخير يكون فيه التورك، فالتورك يكون في صلاة لها تشهدان ويكون في الآخر، وما عدا ذلك كله افتراش.
стр. 189
شرح سنن أبي داود [٠١٢]
حث الشرع الحنيف على الطهارة والتنظف حثاً أكيداً، فأمر بالاستنجاء عند قضاء الحاجة، إما بالماء وإما بالحجارة، والماء أفضل؛ لما فيه من زيادة الإنقاء، ومن أراد الصلاة فعليه أن يتوضأ، فإنه لا تصح صلاة بغير وضوء، وقد حث الشرع على السواك؛ لما فيه من طهارة الفم والأسنان.
стр. 190
الاستنجاء بالماء
стр. 191
شرح حديث: (أن رسول الله دخل حائطاً ومعه غلام معه ميضأة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الاستنجاء بالماء.
حدثنا وهب بن بقية عن خالد -يعني الواسطي - عن خالد -يعني: الحذاء - عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس بن مالك ﵁: (أن رسول الله ﷺ دخل حائطاً ومعه غلام معه ميضأة وهو أصغرنا، فوضعها عند السدرة، فقضى حاجته، فخرج علينا وقد استنجى بالماء)].
أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة: (باب في الاستنجاء بالماء)، والاستنجاء سبق أن ذكرنا أنه من النجو وهو القطع، وقيل له ذلك لأنه يقطع أثر الخارج من السبيلين، وقد ذكرنا أيضاً فيما مضى أن الاستنجاء يستعمل بالماء وبالحجارة، والاستطابة كذلك تأتي بالماء وبالحجارة، وأن الاستجمار خاص بالحجارة.
وهنا قال: الاستنجاء بالماء، قيل: لعل أبا داود ﵀ أراد بذلك الرد على من كره أن يستنجى بالماء، قال: لأنه مطعوم فلا يباشر به الخارج، ولكن كما هو معلوم أن النجاسة عندما تزال إنما تزال بالماء، فهذا من جنسه، فكما أن النجاسة تزال بالماء فكذلك أيضاً أثر الخارج يزال بالماء ولا محذور في ذلك ولا مانع، وقد جاءت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ ، ولا كلام لأحد مع رسول الله ﷺ .
والاستنجاء كما عرفنا يكون بالماء ويكون بالحجارة، ويمكن الجمع بين الحجارة والماء فيما إذا كان هناك شيء له جسم فإنه ينبغي أن يستعمل في ذلك الحجارة، فإذا كان الإنسان في مكان خالٍ وعنده حجارة وعنده ماء وكان هناك شيء من أثر الخارج من الإنسان له جرم لا يناسب أن تمسه اليد فيزال أو يذهب بالحجارة، ثم بعد ذلك إذا لم يبق إلا الأثر الذي على الجلد يزال بالماء، لكن حيث يكون الجرم موجوداً فإنه يزال بشيء آخر غير اليد، وبعد ذلك يؤتى بالماء، ويكون قد جمع بين الحجارة والماء، فالجمع بينهما في مثل هذه الحالة لا بأس به، بل هو المناسب؛ لأن فيه عدم مباشرة اليد للجسم النجس، وكذلك تأتي بعد إزالته بالحجارة إزالة أثره الذي على جسد الإنسان.
وقد أورد أبو داود ﵀ حديث أنس بن مالك ﵁: (أن النبي ﷺ دخل حائطاً ومعه غلام معه ميضأة، فوضعها عند السدرة)، يعني: عند شجرة من شجر السدر، (فخرج رسول الله ﷺ عليهم وقد استنجى بالماء)، يعني: أنه استعمل الماء لإزالة أثر الخارج، وهذا نص صريح في استعمال الماء؛ لأنه قال: (قد استنجى بالماء) يعني: وضعه عند السدرة، والرسول ﷺ استعمله وخرج إليهم ﵊ وقد استنجى بالماء، يعني: قد استعمل هذا الماء الذي وضعه الغلام الصغير عند السدرة، وهذا نص واضح في استعمال الماء في الاستنجاء، ولا يقال: إنه وضوء؛ لأن الاستنجاء غير الوضوء، فالاستنجاء خاص بمحل الخارج، والوضوء إنما يكون على الأعضاء التي ذكرها الله في كتابه العزيز، وهي: غسل الوجه -ومنه المضمضة والاستنشاق- وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين، هذا هو الوضوء.
والحديث فيه دليل على جواز الخدمة في مثل ذلك، وأنه يتولاها الصغار أنسب من أن يتولاها الكبار، ولا بأس بأن يتولاها الكبار، والنبي ﷺ كان يذهب معه كبار وصغار، لكن هذا الحديث الذي ذكره أنس قال: (غلام -أي: صغير- معه ميضأة) والميضأة هي: الوعاء الذي فيه الماء الذي يتوضأ به أو يتطهر به، ويكون صغيراً على قدر حاجة الوضوء، هذا هو الذي يقال له: ميضأة.
стр. 192
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله دخل حائطاً ومعه غلام معه ميضأة)
قوله: [حدثنا وهب بن بقية].
وهب بن بقية ثقة، أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي.
[عن خالد -يعني الواسطي -].
خالد هو ابن عبد الله الواسطي، ووهب بن بقية عندما روى عن شيخه خالد الواسطي ما زاد على كلمة خالد، يعني: ذكره مهملاً غير منسوب، فالذي دون وهب بن بقية -وهو أبو داود أو من دونه- هو الذي أتى بكلمة الواسطي وأتى بعدها بكلمة (يعني).
وخالد بن عبد الله الواسطي ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن خالد -يعني: الحذاء -].
وأيضاً خالد الواسطي عندما روى عن شيخه خالد الحذاء ما زاد على كلمة خالد، فمن دونه أتى بكلمة الحذاء وقال (يعني: الحذاء)، وخالد الحذاء هو خالد بن مهران الحذاء ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، والحذاء لقب، قالوا: ولم يكن حذاءً، يعني: يصنع الأحذية؛ لأن النسب تأتي على هذه الصيغة، مثلما يقال: نجار وحداد وخباز، فهذه نسبة إلى هذه الحرفة وإلى هذا العمل، فـ الحذاء قد يتبادر إلى الذهن أنه يصنع الأحذية، هذا هو المتبادر إلى الذهن، لكن قالوا: ولم يكن يصنع الأحذية، ولكنه كان يجالس الحذائين فقيل له: الحذاء؛ لمجالسته الحذائين، فهي نسبة إلى غير ما يسبق إلى الذهن؛ لأن هذه نسبة لكونه كان يجالس الحذائين، ويقال له: الحذاء وهذه نسبة لا تسبق إلى الذهن.
ويقال: إنه كان عند حذاء فقال له: احذ على كذا، يعني: أنه أعطاه نموذجاً أو مثالاً وقال له: احذ عليه، يعني: اعمل شيئاً على حذائه وعلى مقاسه وعلى مقداره، فقيل له: الحذاء لذلك، وهو لقب كما أشرت إلى غير ما يسبق إلى الذهن.
[عن عطاء بن أبي ميمونة].
عطاء بن أبي ميمونة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[عن أنس بن مالك].
أنس بن مالك ﵁ صاحب رسول الله ﷺ وخادمه، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ ، وقد تقدم ذكرهم مراراً.
стр. 193
شرح حديث سبب نزول قوله تعالى: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن العلاء قال: أخبرنا معاوية بن هشام عن يونس بن الحارث عن إبراهيم بن أبي ميمونة عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (نزلت هذه الآية في أهل قباء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة:١٠٨] قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية)].
أورد أبو داود ﵀ حديث أبي هريرة ﵁ في سبب نزول الآية: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة:١٠٨]، وأنها نزلت في أهل قباء، وهم الذين نزل فيهم رسول الله ﷺ أول ما قدم المدينة، فإنه نزل هناك وبنى مسجد قباء وكان يصلي بالناس فيه، وبعد أيام انتقل إلى المدينة وبدأ ببناء مسجده ﷺ وحجراته المجاورة للمسجد.
وحديث أبي هريرة فيه أن أهل قباء أثنى الله عليهم وأخبر بأنهم يحبون أن يتطهروا، وكانوا يستنجون بالماء، يعني: كانوا يستعملون الماء لإزالة أثر الخارج، وهذا يدل على الاستنجاء بالماء وأنه لا مانع منه ولا محذور فيه، وليس كما قاله بعض أهل العلم: إنه مطعوم فلا يستنجى به، بل يستنجى بالماء ويستنجى بالحجارة، والاستنجاء بالماء أكمل من الاستنجاء بالحجارة، والنبي ﷺ كان يستعمل الماء ويستعمل الحجارة، ولكن استعمال الماء لا شك أنه هو الأتم والأكمل في التطهر وفي حصول النظافة التامة.
стр. 194
تراجم رجال إسناد حديث سبب نزول قوله تعالى: (فيه رجال يحبون أن يتطهروا)
قوله: [قال حدثنا محمد بن العلاء].
محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب مشهور بكنيته، ويذكر باسمه ونسبه، وقد مرت عدة أحاديث عند أبي داود يذكره باسمه ونسبه، فـ محمد بن العلاء هو أبو كريب وكثيراً ما يأتي بكنيته عند بعض المحدثين وأحياناً يجمع بين الكنية والاسم، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن معاوية بن هشام].
معاوية بن هشام صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[عن يونس بن الحارث].
يونس بن الحارث ضعيف، أخرج حديثه أبو داود والترمذي وابن ماجة.
[عن إبراهيم بن أبي ميمونة].
إبراهيم بن أبي ميمونة مجهول، أخرج حديثه أبو داود والترمذي وابن ماجة.
وكلمة (مجهول) إذا أطلقت فيراد بها مجهول العين، وإذا أضيف إليها أنه مجهول الحال فمعناه أن عينه معروفة ولكن جهلت حاله من الثقة والعدالة.
[عن أبي صالح].
أبو صالح هو ذكوان السمان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي صالح وهو كثير الرواية عن أبي هريرة، ويأتي ذكره كثيراً بالكنية، واسمه ذكوان ولقبه السمان، وأيضاً يقال له: الزيات؛ لأنه كان يجلب الزيت ويجلب السمن ويبيعهما، فكان يقال له السمان ويقال له: الزيات، نسبة إلى المهنة وإلى العمل الذي كان يعمله، فالسمان والزيات والنجار والخباز والحداد كلها نسب، فهذا اللفظ يراد به النسبة، يعني: أن صاحبه منسوب إلى هذه المهنة، فالخباز منسوب إلى بيع الخبز أو إلى صناعة الخبز وهكذا، وهذا اللفظ على صيغة المبالغة، لكنه لا يراد به المبالغة إذا أريد به المهنة والحرفة، وإنما يراد به النسبة إلى هذا العمل، وقد جاء في القرآن الكريم: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، وكلمة (ظلام) ليس المقصود بها نفي المبالغة؛ لأن نفي المبالغة لا ينفي الأصل؛ فإن أصل الظلم بالنسبة لله منفي عنه ، وليس النفي هنا للمبالغة، وإنما المعنى: ليس بذي ظلم، يعني: ليس بمنسوب إلى الظلم.
[عن أبي هريرة].
هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁، صاحب رسول الله ﷺ ، وهو أكثر السبعة من الصحابة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
والحديث في إسناده رجلان أحدهما: مجهول حال، والآخر ضعيف، ولكن قصة نزول الآية في أهل قباء والثناء عليهم فثابت، وإنما الذي فيه كلام والذي لم يصح هو ما جاء أنهم يجمعون بين الحجارة والماء، ويجمعون بين الاستنجاء والاستجمار، هذا هو الذي لم يثبت، وأما قضية استنجائهم بالماء فهذا ثابت.
стр. 195
دلك الرجل يده بالأرض إذا استنجى
стр. 196
شرح حديث أبي هريرة: (كان النبي إذا أتى الخلاء أتيته بماء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الرجل يدلك يده بالأرض إذا استنجى.
حدثنا إبراهيم بن خالد حدثنا أسود بن عامر حدثنا شريك وهذا لفظه (ح) وحدثنا محمد بن عبد الله -يعني: المخرمي - حدثنا وكيع عن شريك عن إبراهيم بن جرير عن المغيرة عن أبي زرعة عن أبي هريرة ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا أتى الخلاء أتيته بماء في تور أو ركوة فاستنجى).
قال أبو داود: في حديث وكيع: (ثم مسح يده على الأرض ثم أتيته بإناء آخر فتوضأ).
قال أبو داود: وحديث الأسود بن عامر أتم].
ذكر المغيرة في السند زيادة غير صحيحة، وإنما إبراهيم يروي عن أبي زرعة.
وهنا أورد أبو داود ﵀ باب الرجل يدلك يده بالأرض إذا استنجى، وقد ذكرت مراراً وتكراراً أن ذكر الرجل لا مفهوم له؛ لأن الأحكام هي للرجال والنساء، لكن لكون الغالب أن الخطاب والكلام إنما هو مع الرجال يأتي التعبير بالرجل، وليس له مفهوم أن المرأة لا تكون كذلك، وكذلك يأتي في أكثر الأحاديث ذكر الرجل أو الرجال والأحكام هي عامة للرجال والنساء، وذكر الرجل أو الرجال إنما هو لكون الخطاب معهم في الغالب، هذا هو السر والسبب في التنصيص على الرجال مع أن الحكم يعم الرجال والنساء ولا يختص بالرجال دون النساء، والمقصود: أنه عند الاستنجاء إذا كان في اليد أثر أو رائحة فإنها تدلك على الأرض حتى تزول تلك الرائحة أو ذلك الأثر الذي فيها من أثر النجاسة، ويمكن أنه في بعض الأحيان قد يكون الماء قليلاً فيحتاج معه إلى دلك، وأما إذا كان الماء كثيراً فإنه يتابع الإزالة بالماء حتى يزول الأثر عن اليد وعن الجسد وعن المكان الذي فيه النجاسة حتى يزال منه أثر النجاسة، هذا هو المقصود بالدلك، فإذا كان هناك حاجة إلى دلك اليد فإنها تدلك بالأرض وبالتراب.
أورد أبو داود حديث أبي هريرة ﵁، وقد جاء من طريقين: من طريق الأسود بن عامر عن شريك، ومن طريق وكيع عن شريك، وذكر أبو داود ﵀ الحديث على لفظ الأسود بن عامر عن شريك حيث قال: وهذا لفظه.
يقول أبو هريرة ﵁: (كان النبي ﷺ إذا أتى الخلاء أتيته بماء في تور أو ركوة فاستنجى) والتور والركوة وعاءان، يعني: إما هذا أو هذا، ويحمل فيهما الماء ويوضع فيهما الماء.
وقوله: (فاستنجى) هذا يدل على ما دل عليه الباب الذي قبله من ذكر الاستنجاء بالماء؛ لأنه ذهب بماء في تور أو ركوة فاستنجى ﷺ .
ثم قال: وفي حديث وكيع الذي هو الطريق الثاني: (أن النبي ﷺ دلك يده بالأرض، ثم أتاه بماء آخر فتوضأ)، وفيه تنصيص على الدلك الذي هو محل الشاهد للترجمة.
وفيه أيضاً أن الإناء الذي توضأ منه غير الإناء الذي استنجى منه، ولعل السبب في ذلك: أن الماء لم يكن كافياً فانتهى، أو أنه ما بقي منه إلا القليل الذي لا يكفي للوضوء فاتاه بماء آخر وتوضأ به، وهو لا يدل على أن الماء الذي يتوضأ به غير الماء الذي يستنجى به، فلا مانع من أن الإنسان يكون معه ماء في وعاء يستنجي منه ثم يتوضأ بباقيه، لا بأس بذلك ولا مانع منه، والذي ورد في الحديث لعل السبب فيه أنه إما انتهى الماء الأول الذي بالتور أو الركوة أو أنه بقي منه قليل لا يكفي، فأتاه أبو هريرة بإناء آخر فيه ماء فتوضأ به ﷺ .
وقوله: [قال أبو داود: وحديث الأسود بن عامر أتم] الأسود بن عامر هو الأول، وحديث وكيع فيه ذكر الدلك وفيه ذكر الوضوء، وفي (عون المعبود) فسر ذلك وقال: إن حديث الأسود بن عامر أتم وحديث وكيع أنقص، وذكر أن حديث وكيع روي بصيغة أخصر فيها: (أن النبي ﷺ كان معه ماء فجلس وتوضأ).
стр. 197
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (كان النبي إذا أتى الخلاء أتيته بماء)
قوله: [حدثنا إبراهيم بن خالد].
إبراهيم بن خالد ثقة، أخرج حديثه أبو داود وابن ماجة.
[عن الأسود بن عامر].
الأسود بن عامر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن شريك].
هو شريك بن عبد الله النخغي القاضي الكوفي صدوق يخطئ كثيراً، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[قال: وهذا لفظه].
أي: لفظ الأسود بن عامر؛ لأن شريكاً ذكر في الإسنادين، فالذي يراد بقوله: (وهذا لفظه) أي: لفظ الأسود عن شريك، وأما لفظ وكيع عن شريك فهو الذي أشار إليه في الآخر أو أشار إلى ما اشتمل عليه في الآخر؛ لأنه ساق حديث الأسود بن عامر على لفظه حيث قال: (وهذا لفظه)، وأما الآخر فقال: حديث وكيع كذا، واشتمل على كذا.
[ح وحدثنا محمد بن عبد الله].
ثم قال: (ح) وهذه (ح) هي للتحول من إسناد إلى إسناد؛ لأن أبا داود ﵀ ذكر الإسناد الأول ثم ذكر إسناداً آخر؛ ليبدأ بشيخ آخر من شيوخه وهو محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والنسائي.
[حدثنا وكيع].
وكيع هو ابن الجراح الرؤاسي الكوفي ثقة مشهور مصنف، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن شريك عن إبراهيم بن جرير].
إبراهيم بن جرير هو ابن عبد الله البجلي، وأبوه هو الصحابي الجليل جرير بن عبد الله وإبراهيم بن جرير بن عبد الله البجلي صدوق، أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة.
[عن المغيرة].
قوله: (عن المغيرة) ذكر (عن المغيرة) جاء زيادة خطأً؛ لأنه ليس من رجال الإسناد، وإنما الذي في الإسناد هو رواية إبراهيم بن جرير عن ابن أخيه أبي زرعة بن عمرو بن جرير، ولهذا المزي في تحفة الأشراف لما ذكر رواية إبراهيم قال: إبراهيم بن جرير عن ابن أخيه أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة ثم ذكر هذا الحديث، فالحديث عن إبراهيم عن ابن أخيه، وليس فيه المغيرة بينهما، وفي (عون المعبود) ذكر عدة وجوه تدل على أن هذا زائد غير ما فعله المزي، فإنه ذكر عدة وجوه من الأدلة الدالة على أن هذا لفظ مقحم، وأنه زيد في الإسناد خطأً وليس في رجال الإسناد هنا شخص يقال له: المغيرة، بل الحديث من رواية إبراهيم بن جرير عن ابن أخيه أبي زرعة بن عمرو بن جرير.
وأبو زرعة بن عمرو بن جرير ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي زرعة.
وأبو زرعة يطلق على عدد من الرواة، لكن هذا شخص متقدم؛ لأنه من التابعين يروي عن أبي هريرة، وهناك أبو زرعة الرازي في القرن الثالث الهجري من شيوخ الإمام مسلم وهو عبيد الله بن عبد الكريم، وهناك أبو زرعة الدمشقي وهو كذلك في زمانه، وهناك أبو زرعة العراقي الذي هو ابن العراقي زين الدين، فهناك عدد من العلماء يلقبون بأبي زرعة، لكن هذا شخص متقدم؛ لأنه من التابعين يروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهو يروي عنه أحاديث كثيرة، ومما رواه عنه آخر حديث في صحيح البخاري: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم).
[عن أبي هريرة] أبو هريرة مر ذكره.
стр. 198
ما جاء في السواك
стр. 199
شرح حديث: (لولا أن أشق على المؤمنين لأمرتهم بتأخير العشاء، وبالسواك عند كل صلاة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب السواك.
حدثنا قتيبة بن سعيد عن سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ يرفعه قال: (لولا أن أشق على المؤمنين لأمرتهم بتأخير العشاء، وبالسواك عند كل صلاة)].
أورد أبو داود ﵀ باب السواك.
وذلك بعد أن أورد أبو داود ﵀ التراجم المتعلقة بالاستنجاء والاستجمار وآداب قضاء الحاجة، وهي أبواب متعددة تتعلق بآداب قضاء الحاجة وبما يكون به إزالة أثر الخارج بعد ذلك، ثم انتقل إلى الطهارة وإلى الوضوء وكذلك تطهير الفم وتنظيفه حتى تكون رائحته طيبة، وذلك باستعمال السواك، وقد جاء في سنن النسائي أنه قال ﵊: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)، فالسواك فيه فائدة دنيوية وهي كونه مطهرة للفم، وفيه فائدة دنيوية وأخروية وهي أنه مرضاة للرب؛ لأن رضا الرب فيه الفوائد الدنيوية والأخروية، وفيه سعادة الدنيا وسعادة الآخرة، فالنبي ﵊ في هذا الحديث بين الفائدة والحكمة من مشروعية السواك، وأن فيه طهارة ونظافة ونزاهة ورائحة طيبة، وفيه رضا الله حيث قال ﵊: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب).
وهذا الحديث فيه الجمع بين ذكر الفائدة العاجلة والآجلة؛ لأن الفائدة العاجلة هي في كونه مطهرة للفم، والفائدة العاجلة والآجلة هي كونه مرضاة لله ؛ لأن مرضاة الله فيها الفوائد العاجلة والآجلة، ويشبه هذا -أي: الجمع بين الفائدتين: العاجلة والآجلة- ما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه في مرض موته لما طعنه المجوسي الطعنة التي نال الشهادة بها وتحقق بذلك ما أخبر به الرسول ﷺ أنه شهيد، وأيضاً استجاب الله دعاءه بأن ينال الشهادة في سبيل الله وأن يكون ذلك في بلد رسول الله ﵊؛ لأنه دعا بهذه الدعوة في إحدى سفراته، كما في صحيح البخاري أنه قال: (اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل وفاتي في بلد رسولك ﷺ ، وقد حقق الله له ذلك رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وطعن وهو يصلي بالناس صلاة الفجر، طعنه رجل مجوسي، وبقي أياماً وبطنه مفتوحة، وكانوا يسقونه اللبن فيخرج من جوفه، ويسقونه الماء فيخرج من جوفه، وكان يغمى عليه ويفيق، فكان الناس يعودونه، فممن عاده رجل شاب جاء إليه وأثنى عليه ومدحه، وقال: هنيئاً لك يا أمير المؤمنين! صحبت رسول الله ﷺ وأحسنت صحبته، ثم صحبت أبا بكر، ثم وليت، ثم شهادة، ثم كذا وعدد له أشياء يمدحه فيها فقال: (وددت أن يكون ذلك كفافاً لا علي ولا لي)، وهذا من تواضع أولياء الله، كما قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] فلما ذهب الغلام وإذا ثوبه يمس الأرض فقال: (ردوا علي الغلام.
فردوه إليه، فقال: يا ابن أخي! ارفع ثوبك؛ فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك)، أنقى لثوبك يعني: لا يتوسخ ولا يصيبه شيء من الأذى إذا رفعته، وهذه فائدة عاجلة وفائدة دنيوية، والفائدة العاجلة والآجلة في قوله: (وأتقى لربه)؛ لأن تقوى الله فيها الفوائد الدنيوية والأخروية، كما قال الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]، وقال : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]، وقال سبحانه: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال:٢٩].
فأرشده رضي الله تعالى عنه وأرضاه إلى هذه الفوائد العاجلة والآجلة بقوله: (ارفع ثوبك؛ فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك) فهذا من جنس ما جاء في قوله ﷺ : (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)، ففي الحديث فائدة دنيوية وفائدة دنيوية وأخروية، وعمر ﵁ وأرضاه قال هذا الكلام مع ما هو فيه من الشدة، فمع ما هو فيه من الشدة ما تساهل في أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، والذي نبهه رجل أثنى عليه ومدحه مدحاً عظيماً، ولكنه لما رأى هذا الأمر المنكر نبهه عليه، وهذا يدلنا على أن الأمور المحرمة ينبه عليها، ولا يتساهل في بعض الأمور كما يقال في هذا الزمان بعض العبارات الخاطئة، كقولهم: الدين فيه لباب وقشور! وبعض الناس يتكلم في القشور ويترك اللباب.
وهذا كلام ساقط؛ فإن الدين كله لباب ولا قشور فيه، وإذا كان عمر ﵁ وأرضاه قد نبه على تحريم الإسبال والابتعاد عنه مع ما هو فيه من الشدة وما هو فيه من المرض الشديد والألم الشديد، فهذا يدلنا على أن أمور الدين كلها يجب العناية بها، ولكن عندما تكون هناك أمور مجتمعة يبدأ بالأهم فالأهم، يعني: إذا كان هناك أمر خطير وقع فيه الإنسان وأمر آخر دونه بكثير فلا يذهب ويتكلم في الأمر اليسير ويترك الأمر الخطير، بل الواجب البداءة بالأمر الخطير والأمر الشديد والعظيم، ثم بعد ذلك يؤتى بما وراءه، كما فعل رسل الله الكرام عليهم الصلاة والسلام؛ فإن كل نبي من الأنبياء كان يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ثم بعد ذلك ينبه على الأخطاء التي وقع فيها قومه، مثل الذين كانوا ينقصون المكاييل والموازين، فإن نبيهم بعدما دعاهم إلى التوحيد نبههم على ما عندهم من الأخطاء وما عندهم من الأمور المحرمة، فبدأ بالأهم فالأهم.
والرسول ﷺ لما أرسل معاذاً إلى اليمن قال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)، وهذا يبين لنا تقصير الذين ينتسبون إلى الدعوة في هذا الزمان ويعنون بأمور فرعية وأمور جزئية وهي في الحقيقة مهمة، ولكن أهم منها إخلاص العبادة لله والابتعاد عن الشرك وتحقيق التوحيد، وهذا هو الأهم، وهذا هو الذي يجب البداءة به ويجب العناية به، والأمور الأخرى تأتي تبعاً، لكن لا تكون هي كل شيء وهي الشغل الشاغل، والشيء الذي بعث الله به رسوله ﷺ هو الذي يهمل وهو الذي يغفل عنه، فقد يرى بعض هؤلاء الناس يطوفون بالقبور ويستغيثون بالأموات ولا يحرك ذلك عندهم ساكناً، وتكون هناك أمور جزئية وأمور فرعية يشتغلون بها ولا يلتفتون إلى هذا الوباء وهذا الضرر الكبير الذي يقع فيه كثير من المسلمين في كثير من أقطار الأرض، ومع ذلك لا ينبهون على هذه الأخطاء ولا يتكلمون فيها.
فالواجب هو التنبيه على ما هو أخطر، ثم بعد ذلك ينتقل إلى ما هو دونه، والذي يغفل الجانب الأعظم والجانب الأهم الذي هو التوحيد فإنه مثل الإنسان الذي يرى إنساناً فيه جرح ينزف ويرى فيه دمل في أحد أطرافه فيأتي ليعالج الدمل ويترك الجرح الذي ينزف على ما هو عليه مع أن ذاك يؤدي إلى الهلاك وهذا أمره أخف! فالواجب هو العناية بأصول الدين وفروعه كلها، ولا يجوز أن يقال: إن الدين فيه لباب وقشور، بل كله لباب، ولكنه متفاوت في الأهمية، فهذا اللباب ليس على حد سواء، بل هو متفاوت، وأهم شيء وأعظم شيء يدعى إليه وينبه عليه هو إفراد العبادة لله والابتعاد عن معصيته وعن الشرك الذي هو محبط للذنوب والذي لا يغفره الله وكل ذنب دونه فهو تحت مشيئة الله .
وهذا الذي جاء في هذا الحديث تحت هذه الترجمة التي هي باب السواك، فيه بيان فائدة السواك من رسول الله ﷺ ، وهكذا الحديث الذي عند النسائي والمشتمل على أنه مطهرة للفم ومرضاة للرب.
والحديث يجر بعضه بعضاً، وقد دعا ذلك إلى أن نذكر المثال المناسب الموافق له، ثم بيان ما كان عليه عمر ﵁ من الاعتناء بجميع أمور الدين، وأن هذا الذي يقال: إنه عندما ينبه الإنسان إنساناً يجر الثياب يكون هذا اشتغالاً بالقشور، هذا قول باطل، ثم ليتهم حين يتركون هذا يدعون إلى التوحيد أو ينبهون الناس على فضل التوحيد؛ وإنما يدعون إلى أمور أخرى هي شغلهم الشاغل، ولا يتكلمون إلا فيها في الليل والنهار! وقد انتهى أبو داود ﵀ من الأحاديث المتعلقة بالاستنجاء والاستجمار وآداب قضاء الحاجة وما يتعلق بذلك، ثم انتقل إلى الطهارة وبدأ بالطهارة التي تسبق الوضوء وتعقبه سواء كان الإنسان على وضوء أو على غير وضوء قبل الوضوء وبعد الوضوء عند الوضوء وعند الصلاة، فكون الإنسان يستاك ليس له وقت معين، ولكنه جاء فيه ما يدل على استعماله في بعض الأحوال وفي بعض المناسبات مثل: عند الوضوء، وعند الصلاة، وعند القيام من النوم، وعند دخول المنزل، وكذلك عند تغير رائحة الفم، وفي مناسبات جاءت بها السنة.
وعلى كل حال السواك ليس له أوقات معينة، فيمكن الإنسان أن يستاك في أي وقت.
ثم أورد المصنف حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: [(لولا أن أشق على المؤمنين لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)]، وفي بعض الروايات: (لولا أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، وهذا يدل على أهمية السواك وأنه ينبغي استعماله وأن يحرص عليه؛ لأن النبي ﷺ ما منعه من أن يأمر به أمر إيجاب إلا خوفه من المشقة على الناس، لكن بقي الاستحباب وبقي الندب؛ لأن قوله: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك)، يعني: أمر إيجاب؛ وأما الأمر بالندب فموجود وقائم، ولكن الذي ما حصل هو الإيجاب، ولهذا استنبط بعض أهل العلم من هذا الحديث فائدتين أصوليتين إحداهما: أن الأصل في الأوامر الوجوب؛ لأن قوله: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم) فيه أنه لو لم يكن الأصل في الأمر الوجوب ما قال هذا رسول الله؛ لأنه لو أ
стр. 200
تراجم رجال إسناد حديث: (لولا أن أشق على المؤمنين لأمرتهم بتأخير العشاء وبالسواك عند كل صلاة)
قوله: [حدثنا قتيبة بن سعيد].
هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن سفيان].
سفيان هو ابن عيينة المكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
وإذا جاء سفيان يروي عنه قتيبة فالمراد به سفيان بن عيينة؛ لأن سفيان بن عيينة متأخر عن سفيان الثوري، فـ سفيان الثوري توفي سنة (١٦١هـ)، وابن عيينة توفي سنة (١٩٧هـ) يعني: قريباً من المائتين، فهو متأخر وقتيبة عمر؛ لأن عمره بلغ تسعين سنة، فقد ولد سنة (١٥٠هـ) ومات سنة (٢٤٠هـ) فأدرك عشر سنوات من حياة الثوري، لكن عندما يأتي سفيان يروي عنه قتيبة فالمراد به ابن عيينة المكي.
[عن أبي الزناد].
أبو الزناد هو عبد الله بن ذكوان مشهور بلقبه أبي الزناد، وهو لقب على صفة الكنية؛ لأن أبا الزناد ليس كنية وإنما هو لقب على صيغة الكنية، وكنيته أبو عبد الرحمن.
وهو عبد الله بن ذكوان المدني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعرج].
الأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، والأعرج لقب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
أبو هريرة ﵁ قد مر ذكره.
وأحاديث أبي هريرة يأتي فيها كثيراً أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، والأعرج أحياناً يأتي بلقبه وأحياناً يأتي باسمه عبد الرحمن بن هرمز، والأعرج لقب وقد ذكرنا فيما مضى أن معرفة الألقاب ومعرفة الكنى مهمة، فائدتها: ألا يظن الشخص الواحد شخصين فيما لو ذكر باسمه مرة وبقلبه مرة أخرى، فإن من لا يعرف ذلك قد يظن أن هذا شخص وهذا شخص مع أن الواقع أن الاسم واللقب كليهما يرجعان إلى شخص واحد وليس إلى شخصين.
وقوله: [عن أبي هريرة يرفعه].
كلمة (يرفعه) تعادل (قال رسول الله ﷺ يعني: بدل ما يقول: قال رسول الله ﷺ يقول: (يرفعه) فهذه الصيغة تعادل (قال رسول الله).
فقوله: (يرفعه) يعني: يرفعه ويسنده إلى رسول الله ﷺ ، وهذه من العبارات التي تدل على الرفع وليس فيها التصريح بإضافة ذلك إلى رسول الله ﷺ ، ولكنها بمعناه وبحكمه، ومثلها: يبلغ به، ورواية، وقد سبق أن ذكرنا في الدروس الماضية أن قوله: (رواية) يعني: يرويه عن رسول الله ﷺ ؛ لأنه لو كان من كلامه ما قال فيه: يرفعه، ولا قال: رواية، وإنما يقول: عن أبي هريرة قال كذا، يعني: فيكون موقوفاً عليه، لكن حيث يأتي قال رسول الله ﷺ أو يرفعه أو ينميه أو رواية أو يرويه وما إلى ذلك فإن هذه الصيغ كلها بمعنى الرفع إلى رسول الله ﵊ وإسناد الحديث إليه وأنه من كلامه ﷺ وليس موقوفاً على الصحابي، وكما هو معلوم أيضاً أن لفظ الحديث لا يمكن أن ينطق به إلا رسول الله ﷺ ؛ لأن قوله: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) هذا لا ينطق به إلا رسول الله ﷺ ، ولا يمكن أن يكون من كلام الصحابي، بل هو من كلام الرسول ﷺ .
стр. 201
شرح حديث: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا عيسى بن يونس حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، قال أبو سلمة: فرأيت زيداً يجلس في المسجد وإن السواك من أذنه موضع القلم من أذن الكاتب، فكلما قام إلى الصلاة استاك].
أورد أبو داود حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ أن النبي ﵊ قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، وهذا الحديث لفظه مثل لفظ حديث أبي هريرة إلا أنه بلفظ (أمتي) وهناك بلفظ: (على المؤمنين) وهناك زيادة ذكر العشاء وتأخير العشاء، وهنا خاص بالسواك.
وقوله: [(لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)] الكلام فيه كالكلام في حديث أبي هريرة المتقدم.
ثم أخبر أبو سلمة الذي يروي عن زيد بن خالد أن زيد بن خالد ﵁ كان يصطحب معه السواك ويكون من أذنه منزلة القلم من أذن الكاتب، وأنه كان إذا قام إلى الصلاة استاك.
وهذا يدل على ما كان عليه أصحاب الرسول ﷺ من المبادرة ومن الملازمة لتنفيذ الأحكام وتنفيذ السنن وتطبيقها، وأنهم كانوا يستسلمون وينقادون لما يأتي عن الرسول الكريم ﷺ ، فهم السباقون إلى كل خير والحريصون على كل خير، ما كان مثلهم قبلهم ولا يكون بعدهم مثلهم ﵃ وأرضاهم، وهم خير الناس وأفضل الناس وهم أسبق الناس إلى كل خير، وهم أحرص الناس على كل خير، وكل خير في اتباعهم، وكل شر في اتباع من خلف ولم يكن من السلف.
стр. 202
تراجم رجال إسناد حديث: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)
قوله: [حدثنا إبراهيم بن موسى].
إبراهيم بن موسى هو الرازي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عيسى بن يونس].
هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن إسحاق].
هو محمد بن إسحاق بن يسار المدني صدوق مدلس، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[عن محمد بن إبراهيم التيمي].
محمد بن إبراهيم التيمي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سلمة بن عبد الرحمن].
أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف المدني ثقة، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن زيد بن خالد الجهني].
عن زيد بن خالد الجهني ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
والله أعلم.
стр. 203
شرح حديث: (أن رسول الله أُمر بالوضوء لكل صلاة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عوف الطائي حدثنا أحمد بن خالد حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عبد الله بن عبد الله بن عمر قال: قلت: أرأيت توضؤ ابن عمر ﵄ لكل صلاة طاهراً وغير طاهر عمَّ ذاك؟ فقال: حدثتنيه أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر ﵄ حدثها: (أن رسول الله ﷺ أُمر بالوضوء لكل صلاة طاهراً وغير طاهر، فلما شق ذلك عليه أُمر بالسواك لكل صلاة)، فكان ابن عمر يرى أن به قوة، فكان لا يدع الوضوء لكل صلاة.
قال أبو داود: إبراهيم بن سعد رواه عن محمد بن إسحاق قال: عبيد الله بن عبد الله].
سبقت ترجمة أبي داود لباب السواك، ومر ذكر بعض الأحاديث عن رسول الله ﷺ التي فيها بيان تعظيم شأن السواك والحث عليه والترغيب فيه، وأنه لم يكن واجباً، ولكنه كان مندوباً إليه مرغباً فيه؛ حيث قال ﵊: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة).
ثم أورد أبو داود ﵀ أن محمد بن يحيى بن حبان سأل عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن وضوء عبد الله بن عمر لكل صلاة طاهراً أو غير طاهر، يعني: سواء كان على وضوء أو كان على غير وضوء: ما هو المستند في هذا؟ وما هو الدليل؟ أو ما الذي عول عليه في ذلك؟ فـ ابن عمر ﵁ كان يتوضأ لكل صلاة سواء جاء وقت الصلاة وهو على وضوء أو أنه جاء وقد أحدث، فكان يتوضأ لكل صلاة، فسأل محمد بن يحيى بن حبان ابنه عبد الله بن عبد الله بن عمر عن فعله هذا: على أي شيء بناه؟ وعلى أي شيء أتى به؟ فقال عبد الله بن عبد الله حدثتني أسماء بنت زيد بن الخطاب عن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر: (أن النبي ﵊ أُمر بالوضوء لكل صلاة طاهراً وغير طاهر فلما شق ذلك عليه أُمر بالسواك عند كل صلاة)، فكان عبد الله بن عمر يرى أن به قوة، فكان يتوضأ لكل صلاة.
يعني: سواء كان على طهارة أو غير طهارة.
والحديث أورده أبو داود من أجل قوله: (ثم أمر بالسواك)، هذا هو المقصود من إيراد الحديث تحت هذه الترجمة، وقد سبق أن مر أن السواك سنة وليس بواجب، وقيل: إن ما جاء في هذا الحديث يدل على وجوبه، ولكن قوله ﷺ : (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) يدل دلالة واضحة على أنه غير واجب؛ لأنه لو كان واجباً لم يكن هناك حاجة إلى أن يقول: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، فهو مرغب فيه ومستحب، وهو مطهرة للفم مرضاة للرب، كما قال ذلك رسول الله ﷺ .
وأما الوضوء لكل صلاة فقد كان أُمر به ﷺ أولاً فشق ذلك عليه، فخفف ونسخ ذلك، وأمر بالسواك، عند كل صلاة، وعبد الله بن عمر ﵄ كان يرى أن به قوة، فالذي نسخ هو الوجوب، وأما الاستحباب فلا يزال باقياً، ولذلك كان يتوضأ لكل صلاة على أساس أنه مستحب، وأن هذا أكمل وأفضل، ولا شك أن تجديد الوضوء سائغ، وعدم تجديده والبقاء على الوضوء الأول كافٍ ومجزئ ولا يلزم التجديد، لكنه إذا جدد الوضوء فإن ذلك حسن وهو خير إلى خير، وابن عمر ﵁ وأرضاه رأى أن ما حصل آخراً إنما هو نسخ للوجوب، وأنه انتقل إلى الاستحباب، فكان ابن عمر ﵁ يرى أن به قوة، ولذا كان يتوضأ لكل صلاة سواء كان على طهارة أو على غير طهارة، يعني: إما أن يتوضأ ابتداءً أو يتوضأ تجديداً للوضوء.
стр. 204
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله أُمر بالوضوء لكل صلاة)
قوله: [حدثنا محمد بن عوف الطائي].
محمد بن عوف الطائي ثقة، أخرج حديثه أبو داود والنسائي في مسند علي أو في خصائص علي.
[حدثنا أحمد بن خالد].
أحمد بن خالد صدوق، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة والأدب المفرد وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا محمد بن إسحاق].
هو محمد بن إسحاق المدني صدوق يدلس، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[عن محمد بن يحيى بن حبان].
محمد بن يحيى بن حبان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن عبد الله بن عمر].
هو عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[حدثنيه أسماء بنت زيد بن الخطاب].
أسماء بنت زيد بن الخطاب قيل: لها صحبة، وحديثها أخرجه أبو داود.
[أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر].
عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر قيل: له صحبة، وحديثه أخرجه أبو داود.
فـ أسماء بنت زيد بن الخطاب وعبد الله بن حنظلة بن أبي عامر كل منهما خرج حديثه أبو داود، فلا يأتي هذا الرجل وهذه المرأة في الكتب الستة إلا عند أبي داود؛ لأنهما ممن انفرد بالرواية عنه أبو داود، وعبد الله بن حنظلة هذا أبوه هو الغسيل المشهور بغسيل الملائكة؛ لأنه كان على جنابة فسمع الدعاء للجهاد والنداء للجهاد فخرج مسرعاً ولم يغتسل، فقتل واستشهد، فأخبر الرسول ﷺ بأنه رآه تغسله الملائكة، فكان يقال له: الغسيل أو يقال له: غسيل الملائكة، وعبد الله هذا هو ابن حنظلة الغسيل.
ثم بعد ذلك قال أبو داود: (إبراهيم بن سعد رواه عن محمد بن إسحاق وقال: عبيد الله بن عبد الله)، وإبراهيم بن سعد هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
ومحمد بن إسحاق مر ذكره.
والخلاف بين هذه الرواية والرواية السابقة أن الرواية السابقة فيها: عبد الله بن عبد الله وهذه الرواية فيها: عبيد الله بن عبد الله أخوه، وعبيد الله بن عبد الله هذا هو شقيق سالم الذي هو أحد الفقهاء السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم، وحديث عبيد الله بن عبد الله أخرجه أصحاب الكتب الستة، فسواء كان هذا أو هذا فإن كلاً منهما ثقة، وحيثما دار الحديث فهو يدور على ثقة، فاختلاف الرواية التي فيها أنه عبد الله مع الرواية التي فيها أنه عبيد الله لا يؤثر ذلك في الحديث؛ لأن كلاً منهما ثقة.
стр. 205
الأسئلة
стр. 206
حكم تقديم حضور الدرس على صلاة النافلة
السؤال
بعض الطلاب إذا صلى الفرض استدبر القبلة واستقبل حلقة الدرس -التي تكون وسط المسجد- ولم يصل الراتبة التي بعد الفرض، فهل عملهم هذا صحيح؟
الجواب
ليس هذا بصحيح، بل على هؤلاء الطلاب أن يصلوا الراتبة، والإنسان إذا وصل إلى المكان الذي هو قريب يمكن أن يصليها في مكانه وذلك بأن يستقبل القبلة ويصلي، وإذا فرغ من الصلاة فإن مكانه محجوز به، ولا أحد ينافسه فيه، فيجمع بذلك بين الإتيان بالسنة الراتبة وبين حضور الدرس، والسنن الرواتب على الإنسان أن يحافظ عليها، وهي: أربع قبل الظهر وثنتان بعدها وثنتان بعد المغرب وثنتان بعد العشاء وثنتان قبل الفجر.
والله أعلم.
стр. 207
شرح سنن أبي داود [٠١٣]
دين الإسلام دين النظافة والطهارة، ولذا حث على كل خصال الخير والفطرة، وحذر من كل صفات الشر والفساد، ومن خصال الفطرة التي حث الإسلام عليها: السواك، فقد جاء الحث عليه والترغيب فيه في عدة أحاديث عن رسول الله ﷺ ، وما ذاك إلا لفضله وأهميته.
стр. 208
كيفية الاستياك
стр. 209
شرح حديث: (دخلت على النبي وهو يستاك)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كيف يستاك.
حدثنا مسدد وسليمان بن داود العتكي قالا: حدثنا حماد بن زيد عن غيلان بن جرير عن أبي بردة عن أبيه قال مسدد: قال: (أتينا رسول الله ﷺ نستحمله، فرأيته يستاك على لسانه)، قال أبو داود: وقال سليمان: قال: (دخلت على النبي ﷺ وهو يستاك، وقد وضع السواك على طرف لسانه وهو يقول: إه إه) يعني: يتهوع، قال أبو داود: قال مسدد: كان حديثاً طويلاً ولكني اختصرته].
أورد أبو داود هذه الترجمة: باب كيف يستاك، بعدما ذكر السواك ومشروعيته والترغيب فيه والحث عليه، والاستياك يكون على اللسان ويكون على الأسنان، قالوا: والاستياك في الأسنان يكون عرضاً؛ لأنه بذلك ينظف الأسنان ولا يعرض اللثة لأن تجرح أو تتأثر، فإذا كان يستاك من فوق إلى تحت فإن ذلك قد يؤثر على اللثة، ولكنه إذا كان يستاك عرضاً فإنه يجري على الأسنان دون أن يؤثر على اللثة.
وأورد أبو داود حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أنه جاء مع نفر من الأشعريين إلى رسول الله ﷺ ، وفي بعض الروايات أنهم جاءوا يستحملونه ويطلبون منه الحملان، يعني: يحملهم أو يعطيهم مركوبات يركبون عليها للجهاد في سبيل الله، وجاء في بعض رواية هذا الحديث أن أبا موسى رضي الله تعالى عنه جاء ومعه اثنان من الأشعريين، وكان أبو موسى بينهما، وجاءوا إلى النبي ﷺ ، ولما وصلوا إليه وجدوه يستاك، فالأشعريان اللذان كانا مع أبي موسى طلبا منه العمل، وأرادا منه أن يوليهما، وأبو موسى ﵁ ما كان يعرف ما في أنفسهما وما كانا يريدان، وخشي أن الرسول ﷺ يظن أنهم جاءوا لهذه المهمة ولهذا الغرض، وأن أبا موسى غرضه غرضهم؛ لأنه جاء وإياهما فتكلما، فأراد أن يبرئ ساحته، وأنه ما عرف ما في نفوسهما وما أراداه، وأن هذا شيء منهما، وأنه ليس متفقاً معهما على ذلك، ولا يعرف أنهما كان يريدان ذلك، والرسول ﷺ قال: (إنا لا نولي عملاً أحداً طلبه، ثم ولى أبا موسى ولم يولهما)، ولى أبا موسى على اليمن وأتبعه بـ معاذ بن جبل ولم يول الاثنين اللذين طلبا العمل.
فالمقصود: أنهم جاءوا إليه وهو يستاك، وقد بوب النسائي لهذا بقوله: باب استياك الإمام بحضرة رعيته.
يعني: أن هذا من الأمور التي لا يختفي الإنسان ويتوارى فيها عن الأنظار عندما يؤديها؛ لأنها من الأمور الطيبة وليست من الأمور المستكرهة والمستقذرة التي لا يناسب أن تكون إلا إذا كان الإنسان غير بارز فيها، بل يكون مستتراً ومختفياً، ولهذا قال: باب استياك الإمام بحضرة رعيته.
يعني: أن مثل ذلك سائغ، وأن المجالس والمجامع التي يكون فيها الناس يمكن أن يستاك فيها من يستاك؛ لأن النبي ﷺ استاك وعنده الناس، وهؤلاء الذين جاءوا إليه جاءوا إليه وهو يستاك ولذا قال: (والسواك على لسانه وهو يقول: إه إه) يعني: أنه يتهوع كأنه يريد أن يتقيأ؛ لأن السواك إذا كان على اللسان كأنه يحصل له شيء فكأنه يشبه التقيؤ.
وقوله: [قال مسدد: قال: (أتينا رسول الله ﷺ نستعمله فرأيته يستاك على لسانه) قال أبو داود: وقال سليمان: قال: (دخلت على النبي ﷺ وهو يستاك)].
بين أبو داود ﵀ لفظ كل من شيخيه؛ لأن أبا داود له في هذا الحديث شيخان: أحدهما: مسدد، والثاني: سليمان بن داود العتكي، ولفظ الأول يقول: (أتينا رسول الله)، ولفظ الثاني يقول: (دخلت على النبي ﷺ وهو يستاك)، والمقصود: أن فيه كيفية الاستياك أو فيه الإشارة إلى الكيفية، وأن السواك كان على طرف لسانه.
стр. 210
استياك الرجل بسواك غيره
стр. 211
شرح حديث: (كان رسول الله يستن وعنده رجلان)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الرجل يستاك بسواك غيره.
حدثنا محمد بن عيسى حدثنا عن عنبسة بن عبد الواحد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يستن وعنده رجلان أحدهما أكبر من الآخر؛ فأوحى الله إليه في فضل السواك أن كبر: أعط السواك أكبرهما)].
أورد أبو داود باباً في الرجل يستاك بسواك غيره.
يعني: أن ذلك سائغ، وأن الشخص يمكن أن يستاك بسواك غيره، وأنه لا مانع من ذلك ولا محذور فيه، وأورد فيه حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يستن، وهذا هو المقصود من إيراد الحديث تحت الترجمة، والاستياك: هو أن يدلك الإنسان أسنانه بالسواك، وأصل الاستنان مأخوذ من إمرار الشيء الحديد كالسكين على الذي يسمونه المسن؛ حتى يشحذها لكي تكون حادة، فكان يدلك أسنانه ويستن كما يفعل بالمسن عندما يجرى الحديد عليه من أجل أن يشحذه فيكون حاداً وقاطعاً، كما يعمل بالمدية عندما تسن بشيء فيه خشونة حتى تكون حادة.
فالمقصود منه قوله: (يستن) يعني: أنه كان يدلك أسنانه بالسواك، وكان عنده رجلان.
وقوله: (وأوحى الله إليه في فضل السواك أن كبر)].
يعني: في باقيه، فالفضل هو الباقي، وقوله: (أن كبر) يعني: أن يعطي السواك لغيره ولكن يعطيه للكبير، وهذا يدلنا على توقير الكبار وتقديمهم على غيرهم، وقد جاء في حديث حويصة ومحيصة أنهما أتيا إلى الرسول ﷺ ، فأراد أصغرهما أن يبدأ بالكلام فقال النبي ﷺ : (كبر) يعني: دع الأكبر يتكلم.
والمقصود هنا أن هذا السواك الذي استاك به رسول الله ﷺ دفعه لأكبرهما ليستاك به! ويدل هذا الحديث على استياك الرجل بسواك غيره، وكذلك سيأتي في حديث عائشة أنه ﷺ أعطاها سواكه لتغسله، فبدأت واستاكت به، ثم غسلته وأعطته إياه، فدل على جواز الاستياك بسواك الغير.
وذكر الرجل -كما ذكرت مراراً- لا مفهوم له، فيدخل في هذا الرجل وكذلك المرأة، ففي حديث عائشة الذي سيأتي أنها استاكت بسواك الرسول ﷺ ، وأحد الرجلين الذي هو الأكبر استاك بسواك الرسول، فلا يختص الحكم بالرجال دون النساء إلا إذا وجد دليل في أمر من الأمور أو في حكم من الأحكام على أن هذا الحكم يخص الرجال أو يخص النساء، وإلا فإن الأصل هو تساوي الرجال والنساء في الأحكام، وهذه قاعدة من قواعد الشرع، وقد أشرت إليها مراراً وتكراراً.
стр. 212
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يستن وعنده رجلان)
قوله: [حدثنا محمد بن عيسى].
محمد بن عيسى الطباع ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة.
[حدثنا عنبسة بن عبد الواحد].
عنبسة بن عبد الواحد ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً وأبو داود.
[عن هشام بن عروة].
هشام بن عروة ثقة ربما دلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه] عروة بن الزبير بن العوام ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
أم المؤمنين ﵂ وأرضاها الصديقة بنت الصديق، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
[قال أحمد -هو ابن حزم -: قال لنا أبو سعيد -هو ابن الأعرابي -: هذا مما تفرد به أهل المدينة].
هذا ليس من كلام أبي داود وإنما هو من كلام من دون أبي داود ومن الزيادات التي زيدت على كتابه السنن، وقد سبق أن مر بنا أن الرملي -وهو أحد رواة أبي داود - ذكر إسناداً لأثر من غير طريق أبي داود، يعني: أنه جاء عنده من غير طريق أبي داود فأتى به، وهو ليس من كلام أبي داود ولا من فعل أبي داود، وإنما هو من الزيادات التي زادها الرواة عن أبي داود، والرملي من رواة السنن وابن الأعرابي الذي معنا هنا من رواة السنن، وهذا الكلام قيل: إنه في نسخة ابن الأعرابي وإن بعض النساخ رآه فجعله في نسخة اللؤلؤي مع أنه في نسخة ابن الأعرابي، والمقصود منه أنه قال: هذا مما تفرد به أهل المدينة، يعني: أن رواته الذين هم: هشام وعروة وعائشة من أهل المدينة.
стр. 213
شرح حديث: (أن النبي كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي أخبرنا عيسى بن يونس عن مسعر عن المقدام بن شريح عن أبيه قال: (قلت لـ عائشة ﵂: بأي شيء كان يبدأ رسول الله ﷺ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك)].
أورد أبو داود ﵀ هذا الحديث وهو لا علاقة له بالترجمة؛ فالترجمة هي الاستياك بسواك الغير، وهذا لا علاقة له بالترجمة ولا يدل عليها، ولا أدري كيف جاء هذا الحديث تحت هذه الترجمة! اللهم إلا أن يكون هناك ترجمة باب وسقطت، وهي: الاستياك عند دخول المنزل؛ فإن هذا هو الذي يدل عليه الحديث، فالحديث لا يدل إلا على البدء بالاستياك عند دخول المنزل، وقد قال بعض أهل العلم: إن هذه السنة من السنن المهجورة، فكون الرجل إذا دخل منزله استاك هذا مما يجهله كثير من الناس، ومما لا يفعله كثير من الناس؛ لأن كون الرجل إذا دخل بيته أخذ السواك وجعل يستاك جاءت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ .
فالحديث الذي أورده أبو داود لا يدل على الترجمة، ولا علاقة له بها، ويحتمل -والله أعلم- أن تكون هناك ترجمة ساقطة وهي: الاستياك عند دخول المنزل.
وهذا الحديث ليس من رواية اللؤلؤي؛ إنما هو من رواية ابن داسة وقبله قال: [قال لنا أبو داود: قال أبو جعفر محمد بن عيسى: عنبسة بن عبد الواحد كنا نعده من الأبدال قبل أن نسمع أن الأبدال من الموالي] ثم ساق هذا الحديث، لكن من ناحية الترجمة إذا كانت هي هذه فالإشكال أو الإيراد لا يزال باقياً من جهة أنه لا علاقة له بالترجمة، ولهذا أقول: يحتمل أن يكون تحت ترجمة ساقطة، وهي: السواك عند دخول المنزل، أو أنه جاء تبعاً؛ لأنه في بعض الأحيان يأتي بترجمة ويذكر أحاديث فيها لا علاقة لها بالترجمة، وإنما يكون جاءت على سبيل التبع، وفي سنن النسائي أمثلة كثيرة من هذا القبيل، يعني: أنها جاءت عن طريق التبع، لأنها لا علاقة لها بالباب الذي بعده.
والمعلوم أن رواية اللؤلؤي من آخر الروايات، وأنه حذف أبو داود بعض الأشياء التي كانت قبل ذلك مما أملاه على الطلاب، فيحتمل أن هذا الحديث كان موجوداً في بعض النسخ، ثم أسقطه من السنن كما في رواية اللؤلؤي.
стр. 214
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك)
قوله: [حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي].
إبراهيم بن موسى الرازي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا عيسى بن يونس].
عيسى بن يونس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن مسعر].
مسعر بن كدام ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن المقدام بن شريح].
هو المقدام بن شريح بن هانئ، ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[عن أبيه].
هو شريح وهو ثقة مخضرم، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[عن عائشة].
عائشة ﵂ قد مر ذكرها.
стр. 215
سبب الاستياك عند دخول المنزل
وأما الحكمة في كونه يستاك عند دخول المنزل: فممكن -والله أعلم- أن ذلك حتى تكون رائحة فم الإنسان طيبة بحيث إن أهله يشمون منه رائحة طيبة، وإذا كان هناك شيء في فمه يمكن أن يكون فيه كراهية أو شيء من هذا فإنه يزول بالاستياك، لعل هذا -والله أعلم- هو السبب.
وهذا كما قلت من السنن المهجورة، والسنن المهجورة كثيرة، ومنها أيضاً تقبيل الحجر الأسود بعد الانتهاء من الطواف، والشرب من ماء زمزم في العمرة، فإن من سنن العمرة أن الإنسان عندما يطوف ويصلي ركعتي الطواف يشرب من ماء زمزم، ثم يأتي ويستلم الحجر ثم يذهب إلى الصفا.
следующие страницы →