Полный текст (18 341 стр.). Показаны 14841–14880 · переход к 14846.
стр. 14841
شرح حديث: (من رأى منكم منكراً فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن العلاء وهناد بن السري قالا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه عن أبي سعيد ﵁ وعن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن أبي سعيد الخدري ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من رأى منكراً فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده).
وقطع هناد بقية الحديث، وفّاه ابن العلاء: (فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع بلسانه فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)].
أورد أبو داود حديث أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ قال: (من رأى منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الأيمنان).
وهذا لفظ مسلم، وأبو داود هنا ذكره عن شيخين، أحد شيخيه هناد بن السري ذكره مختصراً، وقف عند قوله: (من رأى منكراً فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده).
وأما شيخه الثاني وهو محمد بن العلاء فوفاه، يعني: أتى به وافياً وكاملاً حيث قال بعد ذلك: (فإلم يستطع فبلسانه، فإلم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان).
وهذا فيه بيان أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على درجات: الدرجة الأولى: التغيير باليد التي يكون معها إزالة المنكر والقضاء عليه، وهذا يكون ممن يملكه كالسلطان ونوابه الذين يستطيعون أن يغيروا المنكر بأيديهم وبقوتهم، وكرب البيت فإنه قادر على التغيير بيده، فإن له ولاية على أهل البيت، فيستطيع أن يقضي على المنكر الذي يكون في بيته.
فإن لم يستطع فلينتقل إلى الدرجة الثانية وهي: التغيير باللسان، وذلك أن يأمر وينهى، ويبين المنكر ويحذر منه، ويحذر من مغبته وعواقبه الوخيمة.
فإن لم يستطع فيلنتقل بعد ذلك إلى الإنكار بالقلب، وليس أمامه إلا التغيير بالقلب، وذلك بأن يتأثر وأن يظهر ذلك عليه، وليس ذلك بمجرد كونه في قلبه أو أنكر بقلبه ولم يظهر ذلك التأثر على صفحات وجهه، بل يتأثر بحيث إن الإنسان إذا رئي يظهر عليه التأثر والاكتئاب وعدم الرضا، والكراهية لذلك المنكر الذي لم يستطع أن يغيره بلسانه، وذلك أضعف الأيمان، وهذا أقل شيء، فالإنسان ينكر بقلبه لأنه لا يستطيع ما هو أعلى من ذلك، والحديث من جوامع كلم الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
وقد اختاره النووي من جملة الأربعين التي جمعها، وهي تبلغ اثنين وأربعين حديثاً، وهي من جوامع الكلم، ولهذا أضاف إليه ابن رجب ثمانية أحاديث فأكملها الخمسين، وشرحها في مجلد سماه: (جامع العلوم والحكم في شرح الخمسين حديثاً من جوامع الكلم)، وهو كتاب نفيس مشتمل على الآثار عن السلف، كما هي عادة ابن رجب في أجزائه الحديثية ومؤلفاته الحديثية؛ لأنه يعنى بالنقول عن السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الآثار المتعلقة بموضوع الحديث الذي يشرحه، وهو كتاب نفيس وعظيم.
стр. 14842
تراجم رجال إسناد حديث: (من رأى منكم منكراً فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره)
قوله: [حدثنا محمد بن العلاء].
محمد بن العلاء أبو كريب، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وهناد بن السري].
هناد بن السري أبو السري، وهو ثقة، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم وأصحاب السنن.
[قالا: حدثنا أبو معاوية].
محمد خازم الضرير الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش].
سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن إسماعيل بن رجاء].
إسماعيل بن رجاء بن ربيعة، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.
[عن أبيه].
وهو صدوق، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
[عن أبي سعيد].
هو أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان، صاحب رسول الله ﵊، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
[وعن قيس بن مسلم] قيس بن مسلم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن طارق بن شهاب].
طارق بن شهاب ﵁ صحابي صغير، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سعيد الخدري].
أبو سعيد الخدري ﵁.
стр. 14843
تعليق الإمام النووي على حديث: (من رأى منكراً فاستطاع أن يغيره فليغيره)
ويوجد كلام للنووي في (عون المعبود) حول هذا الحديث.
قال في (عون المعبود): قال النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم: ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلا عذر ولا خوف، ثم إنه قد يتعين كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو، أو لا يتمكن من إزالته إلا هو.
قال العلماء: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، والذي عليه الأمر والنهي لا القبول، ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال، ممتثلاً ما يأمر به، مجتنباً ما ينهى عنه، بل عليه الأمر وإن كان مخلاً بما يأمر به، والنهي وإن كان متلبساً بما ينهى عنه، فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه وينهاها، ويأمر غيره وينهاه، فإذا أخل بأحدهما كيف يباح له الإخلال بالآخر؟! وينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يرفق ليكون أقرب إلى تحصيل المطلوب، فقد قال الإمام الشافعي ﵁: من وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه.
قال: وهذا الباب -أعني باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- قد ضيع أكثره من أزمان متطاولة، ولم يبق منه في هذه الأزمان إلا رسوم قليلة جداً، وهو باب عظيم به قوام الأمر وملاكه.
وإذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح، فينبغي لطالب الآخرة والساعي في تحصيله رضا الله تعالى أن يعتني بهذا الباب، فإن نفعه عظيم لاسيما وقد ذهب معظمه، ويخلص نيته، ولا يهابن من ينكر عليه لارتفاع مرتبته، فإن الله تعالى قال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ﴾ [الحج:٤٠].
وقال: ولا يتاركه أيضاً لصداقته ومودته ومداهنته، وطلب الوجاهة عنده، ودوام المنزلة لديه، فإن صداقته ومودته توجب له حرمة وحقاً، ومن حقه أن ينصحه ويهديه إلى مصالح آخرته، وينقذه من مضارها.
وصديق الإنسان ومحبه هو من يسعى في عمارة آخرته وإن أدى ذلك إلى نقص في دنياه، وعدوه من سعى في ذهاب دينه أو نقص آخرته، وإن حصل بسبب ذلك صورة نفع في دنياه.
انتهى ملخصاً.
стр. 14844
الأسئلة
стр. 14845
لزوم مفارقة مكان المنكر بعد الإنكار بالقلب
السؤال
هل يشترط في المرتبة الثالثة -الإنكار بالقلب- مفارقة المكان الذي حصل فيه المنكر؟
الجواب
أقول: لا شك أن مفارقة المكان هذا يؤثر ويفيد.
стр. 14846
هجران أماكن المنكرات فيه السلامة
السؤال
هل يكفي الإنكار بالقلب فقط دون أن يخرج من مكان المنكر مع أنهم لا يزالون ماضين في منكرهم، وهو جالس معهم ويقول: أنا أنكر بقلبي؟
الجواب
الخروج من مشاركتهم وعدم مجالستهم لا شك أنه هو الذي فيه السلامة له.
стр. 14847
حكم الإنكار باليد على من ليس له عليه ولاية
السؤال
هل لي أن أنكر المنكر بيدي إذا تحققت من أنه لا يحصل بذلك مضرة، وليس لي سلطان أصلاً على هذا المنكر؟
الجواب
ليس للإنسان أن ينكر بيده شيئاً لا يملكه وليس من أهله؛ لأن هذا وإن ظن أنه لا يضره فقد يكون الأمر بخلاف ظنه، فيترتب على ذلك مضرة عليه وعلى غيره.
стр. 14848
حكم الوقوف بعيداً عن النبي ﷺ عند السلام عليه
السؤال
نرى بعض الناس يسلمون على النبي ﷺ من بعد، فهل يجب علينا أن نأمرهم وننهاهم، أم يكفي قيام هيئة الأمر بالمعروف بذلك؟
الجواب
قد تكون الهيئة والمسئولون ما رأوا هذا الشخص الذي رأيته، فكونك تنبهه وترشده إلى أن هذه الهيئة غير صحيحة لا بأس، وشيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه يقول في آخر المنسك عند الكلام على زيارة المدينة: إن هذا أقرب إلى الجفا منه إلى المحبة والصفا، يعني: كون الإنسان يقف في مكان بعيد ويسلم، ومعلوم أن الصحابة ﵃ وأرضاهم لما كان بين أظهرهم، ما كان الواحد منهم يقف في مكان بعيد ويستقبل المكان الذي فيه النبي ﷺ -سواء في الحجرة أو في غير الحجرة- ويسلم هذا السلام، وإنما كان الواحد يمشي حتى يصل إليه، ويقول: السلام عليك يا رسول الله! ورحمة الله وبركاته، وأما أن يقف في مكان بعيد ويسلم فهذا غير صحيح.
стр. 14849
حكم الأمر بالمعروف في وقت الفتن
السؤال
نقل عن الشيخ عبد العزيز رحمة الله عليه أنه ذكر في مجلة الجامعة في أحد الأعداد أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون فرض عين في زمن الفتن كهذا الزمان؟
الجواب
معلوم أنه في الفتن وغير الفتن إذا وجد من يقوم بهذا الأمر حصلت الكفاية كما يبدو بغض النظر عن هذا الكلام الذي نسب إليه هل صحيح أو غير صحيح.
стр. 14850
إنكار الأغاني ببيان أدلة التحريم
السؤال
نحن نركب مع أصحاب السيارات فيفتحون الأغاني، ونقول لهم: نحن لا نحب أن نسمع هذا فهلا أغلقت هذا؟ فيفعل، فهل يكفي هذا أم لابد من بيان وجه التحريم والدليل؟
الجواب
يمكن أن يقول هذا أولاً، ثم بعد ذلك يبين له، فكونك تسمع فإن هذا لا يسوغ ولا يجوز، أنت بذلك تجني على نفسك وتجلب لها العذاب، وتسعى إلى إغراقها، فتبين له الأحاديث في ذلك.
فلا يكفي أن يقول: نحن لا نحب هذا، يعني فيغلقه مادام أنهم موجودون وإذا ذهبوا يفتحه، وإنما عليه أن ينبهه حتى يتخلص من ذلك نهائياً، لا أن يتخلص منه مادام راكباً معه، فإذا نزل فتحه.
стр. 14851
حديث: (من رأى منكراً) وادعاء القلب فيه
السؤال
إن المؤمن إذا رأى المنكر فإن أول ما يقع في نفسه الإنكار القلبي، ثم يتطور مع القدرة إلى الإنكار القولي، أو الإنكار الفعلي إن كان يستطيع ذلك، فصار الحديث كأنه فيه قلب؟
الجواب
لا ليس فيه قلب، فالمنكر موجود والمطلوب تغييره، فما هي الطرق المطلوبة لتغييره؟! إذا وجدت الطريق العليا التي فيها الخلاص منه انتهى الأمر، فلا يحتاج إلى القول ولا إلى إنكار القلب، ويتنزل فيها حسب المراحل، والإنكار بالقلب لابد منه، ومعلوم أنه لا يحصل التغيير باليد إلا مع التأثر بالقلب، وفيما قاله بعض السلف: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكنه شيء وقر في القلب وصدقته الأعمال.
стр. 14852
حكم الشخص إذا رأى آخر يشرب سيجارة فقام بكسرها
السؤال
طالب رأى طالباً آخر يشرب الدخان فأخذ منه السجارة فكسرها، فهل عمله صحيح؟
الجواب
عمله ليس صحيحاً؛ لأنها في جيبه وسيخرج مكانها واحدة أخرى وثانية وثالثة ورابعة وعاشرة، ولكن العمل الصحيح أن ينبهه ويبين له خطأه وأضراره على جسمه وماله وعلى علاقته بالناس الآخرين، لأنه يؤذيهم، فيبين له ذلك.
وأما كونه يستعمل هذا الدخان فكونك ضيعت عليه حبة من هذه الأشياء التي كان يستعملها ما استفاد شيئاً ولكن الفائدة كونه يبين له حتى يتخلص مما معه، وحتى يبتعد عن ذلك في المستقبل، وحتى يهتدي على يديه، فهذا هو الذي ينبغي له.
стр. 14853
علامة التأثر القلبي من المنكر تظهر على الوجه
السؤال
قلتم أن التغيير بالقلب يلزم منه تغير الوجه، وأن ذلك أضعف الإيمان، السؤال، فإذا كان تغير قسمات الوجه عند تغييره بقلبه يجلب له السوء والضرر، أي: أن تمعر الوجه قد يسبب له ضرراً إذا رئي، فما الحكم؟
الجواب
هذا -كما هو معلوم- لا يحصل فيه تكلف، وإنما يحصل بالشيء الذي يكون في قلبه، فمن شدة التأثر يظهر ذلك على وجهه، وليس فيه تكلف.
стр. 14854
الفرق بين النصيحة والإنكار
السؤال
هل هناك فرق بين النصيحة والإنكار؟
الجواب
النصيحة أعم، فهي تكون بالأمر والنهي، وأما الإنكار فيكون بالنهي، وتكون في الأمور المحرمة، وأما النصيحة فهي عامة تشمل الأوامر والنواهي، والدعوة إلى كل خير، والتحذير من كل شر، فهي أعم من الإنكار.
стр. 14855
ضعف إيمان من لا يغير المنكر بقلبه
السؤال
الذي لا يستطيع تغيير المنكر إلا بالقلب، هل يدل هذا على أن إيمانه ضعيف؟
الجواب
لا شك أن ذاك الذي يغير بلسانه وبقلبه يكون أكمل وأقوى، فهو من جنس قوله: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير).
يعني: كلهم في خير، ولكن بعضهم أحسن من بعض، وأقوى من بعض.
стр. 14856
علاقة التغيير بإنكار القلب
السؤال
كيف يسمى إنكار المنكر بالقلب تغييراً مع أن المنكر باق على حاله؟
الجواب
كما هو معلوم حتى الإنكار باللسان فالمنكر يكون باق على حاله، مع وجود البيان بالقول، فقد يتكلم الإنسان بالقول ولا يحصل التغيير، وكونه يظهر عليه التأثر قد يكون ذلك سبباً في استفادة الشخص الواقع في المنكر، كما أن القول باللسان يمكن أنه يؤثر، فأيضاً ظهور ذلك على وجه الإنسان قد يكون مؤثراً ومفيداً.
стр. 14857
لا يلزم من إنكار المنكر الرؤية
السؤال
هل يلزم رؤية المنكر للإنكار، أم يكفي مثلاً إذا سمعت أن فلاناً يعمل منكراً أذهب لأنكر عليه؟
الجواب
لا يلزم ذلك، فإذا كنت قد تحققت من هذا، وثبت لديك ذلك وإن لم تره فعليك أن تنصحه، وأن تبين له خطورة ذلك، إذا كان ذلك ثابتاً، فليس لازماً للإنسان ألا ينكر إلا شيئاً رآه وشاهده وعاينه، بل إذا شهد عنده ثقاة بأنه حصل من فلان كذا وكذا، فإنه ينصح ذلك الذي حصل منه وإن لم يكن شاهد ذلك وعاينه.
стр. 14858
العيش في مجتمعات المعاصي يضعف الإيمان
السؤال
هل صحيح أن العيش في مجتمعات تعج بالمعاصي والمنكرات يفقد القلب إنكاره للمنكر، ويضعف الإيمان؟
الجواب
أقول: لاشك أنه إذا كثر الإمساس قل الإحساس، وقد تألف النفوس هذا الشيء بالسكوت عليه وعدم التأثر منه، فيصير شيئاً مألوفاً.
стр. 14859
حكم المشاركة في الانتخابات لأجل تغيير المنكر
السؤال
هل المشاركة في الانتخابات من تغيير المنكر باليد، حيث إن الإنسان يختار الرجل الصالح ليكون حاكماً؟
الجواب
هذه الانتخابات ليست من الطرق الشرعية، وإنما هي من الطرق الوافدة على المسلمين من أعدائهم، والحكم فيها للغلبة ولو كانت الأغلبية من أفسد الناس، أو كان الذي ينتخبونه من أفسد الناس؛ لأنهم ينتخبون واحداً منهم، والحكم للغلبة، وحيث يكون الغلبة أشراراً فإنهم سيختارون شريراً منهم.
والدخول في الانتخابات إذا لم يحصل من ورائه فائدة ومصلحة فلا يصلح، ولكن إذا كان سيترتب عليه مصلحة من أن الأمر يدور بين شخصين أحدهما سيء والثاني حسن، ولو لم يشارك في تأييد جانب ذلك الحسن فإنه تغلب كفة ذلك السيئ، فإنه لا بأس بالمشاركة من أجل تحصيل تلك المصلحة ودفع المضرة.
بل لو كان الأمر يدور بين شخصين أحدهما شرير والثاني دونه في الشر كما يحصل في بعض البلاد التي فيها أقليات إسلامية والحكم فيها للكفار، فإذا صار الأمر يدور بين كافرين أحدهما شديد الحقد على المسلمين, وشديد المعاداة لهم، ويضيق عليهم، ولا يمكنهم من أداء شعائرهم، والثاني مسالم، ومتعاطف مع المسلمين، وليس عنده الحقد الشديد عليهم، فلا شك أن ترجيح جانب من يكون خفيفاً على المسلمين أولى من ترك الأمر بحيث يتغلب ذلك الكافر الشديد الحقد على المسلمين.
ومعلوم أنه جاء في القرآن أن المسلمين يفرحون بانتصار الروم على الفرس، وهم كفار كلهم، لكن هؤلاء أخف؛ لأن هؤلاء ينتمون إلى دين، وأولئك يعبدون الأوثان ولا ينتمون إلى دين، وإن كان الجميع كفاراً، لكن بعض الشر أهون من بعض.
ومن قواعد الشريعة ارتكاب أخف الضررين في سبيل التخلص من أشدهما، فإذا ارتكب أخف الضررين في سبيل التخلص من أشدهما فإن هذا أمر مطلوب.
فالحاصل أن الانتخابات في الأصل هي وافدة على المسلمين وليست مما جاء به دينهم، والمشاركة فيها إذا كان سيترتب على ذلك ترجيح جانب من فيه خير على من فيه شر ولو ترك ترجح جانب من فيه شر، فلا بأس بذلك، وكذلك عندما يكون كل منهما شرير، ولكن أحدهما أخف، وأريد ترجيح جانب من كان أخف، كما ذكرت في حق الكافرين اللذين يرجح جانب أحدهما من أجل عدم حصول الضرر من ذلك الذي يكون أشد خبثاً وحقداً على المسلمين، فإنه والحالة هذه يسوغ الانتخاب لهذه القاعدة بارتكاب أخف الضررين في سبيل التخلص من أشدهما.
فلا يجوز أن يشارك في الانتخابات إلا إذا كان الأمر يدور بين خير وشر، وإذا لم يشارك في تأييد الخير سيتقدّم الشرير على غيره، فيجوز الدخول في الانتخابات من أجل تحصيل هذه المصلحة، أو يكونا اثنين خبيثين لكن أحدهما أخف على المسلمين من الآخر، ويمكِّنهم من إقامة شعائرهم، فمثل هذا إذا رجح جانبه من قبل الأقليات الإسلامية لا بأس بذلك؛ لأنهم لا يختارون إماماً للمسلمين، وإنما يختارون واحداً متعاطفاً معهما، فهما شران لا بد منهما، وبعض الشر أهون من بعض، فمن كان أصلح لهم وأخف ضرراً عليهم فإن ارتكاب أخف الضررين في سبيل التخلص من أشدهما أمر مطلوب.
والحاصل: أن الدخول في الانتخابات ليس على إطلاقه، والأصل ألا يدخل فيها إلا إذا حصل في الدخول مصلحة بأن كان الأمر دائراً بين شرير وطيب، أو بين شريرين أحدهما أخف من الآخر، وكان ترك المشاركة يؤدي إلى تغلب من هو أخبث وأشد؛ ففي هذه الحالة لا بأس بذلك من أجل ارتكاب أخف الضررين في سبيل التخلص من أشدهما.
стр. 14860
مناسبة عقد باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كتاب الفتن
السؤال
ألا تكون المناسبة بين هذا الباب وبين كتاب الفتن: أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب في الفتن؟
الجواب
بلى، فلا شك أن هذا من أسباب الفتن، وأيضاً فإن الفتن مع وجودها وحصولها يحتاج فيها إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك بعدم الدخول فيها.
стр. 14861
وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل وقت
السؤال
ألا يمكن أن يقال: إنه لا حجة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمجرد حصول الفتن والملاحم، بل لا بد من ذلك في سائر الأوقات؟
الجواب
لاشك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطلوبان دائماً وأبداً، وليس ذلك في وقت دون وقت، أو حال دون حال.
стр. 14862
لزوم التدرج في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
السؤال
هل يعارض هذا الحديث مسألة التدرج مع المدعو لتألفه وترغيبه؛ لأن الشدة والهجر له قد يزيد في غيه ومعصيته؟
الجواب
التدرج واللين أمران مطلوبان، أي: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكونان باللين والرفق ويكونان بالسر؛ حتى يكون هناك قبول.
ولاشك أن الأخذ بالوسائل أمر مطلوب في الأمر والنهي، وهذه هي الصفات التي ينبغي أن يكون عليها الأمر والنهي؛ لأن المقصود من الأمر والنهي هو حصول الفائدة، وكل شيء يكون به تحصيل الفائدة فلا شك أنه أولى ومطلوب، فالرفق واللين مطلوبان ويكون ذلك الأمر سراً، فلا شك أنه يفيد وتحصل من ورائه ثمرة، فلا تكون النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علانية، ولا يكون بالشدة والغلظة، وإنما يكونان بالرفق واللين والسر.
وكما أن الإنسان هو نفسه يعجبه أن ينصح سراً وأن يرفق به عند النصيحة، فعليه أن يعامل غيره أيضاً كما يحب أن يعامل، لقوله ﷺ : (من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه).
стр. 14863
حال حديث: (لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر، ولتأخذن على يدي الظالم)
السؤال
ألا يوجد معارضة في قوله: (لتأخذن على يدي الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً)، لأن فيه نوع من الشدة والقوة؟
الجواب
الحديث في إسناده أبو عبيدة عن أبيه، وهو لم يسمع منه، فالحديث إذاً غير صحيح، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكونان باللين، وإذا ما نفع فلابد من القوة ولا يترك الأمر والنهي، ولكن كما جاء في الحديث الذي سيأتي: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإلم يستطع فبلسانه، فإلم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان).
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على درجات، فمن الناس من يستطيع أن يغير بيده، ومنهم من يستطيع أن يغير بلسانه، ومنهم من لا يستطيع لا بهذا ولا بهذا، بل حظه ونصيبه أن يتأثر قلبه، ويظهر ذلك على وجهه بحيث يحصل منه التأثر، ويحصل منه التغيير الذي به يظهر الإنسان أمام من ينكر عليه بأنه منكر عليه.
стр. 14864
شرح سنن أبي داود [٤٨٩]
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع معرفة شروطه وبعض من أحكامه له أهمية كبيرة في حياة الناس عامة، وفي زمن الفتن وانتشار المعاصي خاصة، فهو سبيل النجاة للصالحين عند كثرة الأهواء، وتشعب الآراء، وطغيان الدنيا على القلوب والعياذ بالله! ولذا كان القائم بالأمر بالمعروف والصادع بالحق عند السلاطين الجائرين أعظم منزلة؛ وإن قتل فله أجر شهيد عند الله .
стр. 14865
تابع ما جاء في الأمر والنهي
стр. 14866
شرح حديث: (بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود العتكي حدثنا ابن المبارك عن عتبة بن أبي حكيم قال: حدثني عمرو بن جارية اللخمي قال: حدثني أبو أمية الشعباني قال: (سألت أبا ثعلبة الخشني فقلت: يا أبا ثعلبة! كيف تقول في هذه الآية: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [المائدة:١٠٥]؟! قال: أما والله لقد سألت عنها خبيراً، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوىً متبعاً، ودنياً مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك -يعني: بنفسك- ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيه مثل قبض على الجمر، للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله، وزادني غيره قال: يا رسول الله! أجر خمسين رجلاً منهم؟ قال: أجر خمسين منكم)].
أوردها أبو داود ﵀ في هذا الحديث، وهو حديث أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر رضي الله تعالى عنه، أن رجلاً سأله عن قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥].
فالمقصود ب
السؤال
أنه قد يفهم منها أن الإنسان إذا اهتدى لا يضره ضلال غيره إذا ضل، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بالواجب، ولكن سبق أن مر حديث أبي بكر ﵁، حيث قال: إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها، ثم بين أن المقصود من ذلك بعد أن يأمر الإنسان وينهى، وليس معنى ذلك أنه يترك الأمر والنهي، ولكنه إذا أدى ما عليه فعند ذلك لا يضره ضلال من ضل إذا اهتدى.
أما أن يترك الأمر والنهي ويكفيه أن يكون قد اهتدى، فهذا ليس بصحيح، ولهذا استنتج من قوله: ((إِذَا اهْتَدَيْتُمْ))، أن الاهتداء يقتضي أن يهدي غيره، وأن يرشد غيره، وأن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر.
فلما سأل هذا الرجل أبا ثعلبة الخشني ﵁ قال: لقد سألت خبيراً، يعني: عندي علم في هذه الآية.
فيريد أن يؤكد له أن الجواب عنده، وأنه سأل من عنده علم، ثم أخبر أنه سأل النبي ﷺ عن ذلك.
قوله: [(بل ائتمروا بالمعروف)].
يعني: ليأمر بعضكم بعضاً بالمعروف، ولينه بعضكم بعضاً عن المنكر، ولا يمسك الإنسان عن الأمر والنهي، ويتعلل بأنه قد اهتدى، وأنه لا يضره من ضل إذا اهتدى، بل عليه أن يأمر وينهى، وبعد ذلك يكون قد أدى الذي عليه، ويكون مأجوراً على أمره ونهيه، وإن حصل أن استجيب له فذلك هو المطلوب، وذلك خير على خير، وإن لم يحصل أن استجيب له فإنه مأجور على نصحه وأمره ونهيه، وبذله الخير لغيره.
قوله: [(حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً)].
يعني: أن الناس غلب عليهم الشح والحرص على المال، والتنافس في تحصيله، والشح: بمعنى البخل، بل هو أشد البخل؛ ولهذا يقول الله : ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩].
والبخل عام وخاص؛ لأنه يطلق على بعض أفراد البخل ويقال له: شح، وليست كل أفراد البخل شحاً، وإنما يقال للجميع بخل، ويقال لكل ما كان أشد من غيره شح.
قوله: [(وهوىً متبعاً)].
يعني: أن الناس اتبعوا أهواءهم، ولم يتبعوا ما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ ، بل أعرضوا عن كتاب الله وعن سنة رسوله ﵊، وما كان عليه الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
قوله: [(ودنياً مؤثرة)].
يعني: أن الناس يؤثرونها ويحرصون عليها، ويؤثرون العاجلة على الآجلة، ويحبون العاجلة ولا يهتمون بالآجلة، بل ترى الإنسان يؤثر الدنيا على الآخرة، ويحرص عليها ويغفل عن الآخرة.
قوله: [(وإعجاب كل ذي رأي برأيه)] أي: أن يعجب الإنسان برأيه ولا يعول على نصوص الكتاب والسنة، وإنما يعول على رأيه، والحق هو التعويل على ما جاء في الكتاب والسنة، واطراح الآراء إذا كانت مخالفة لما جاء في الكتاب والسنة.
قوله: [(فعليك بنفسك، ودع عنك أمر العوام).
يعني: عند ذلك عليك أن تجتهد في خلاصك ونجاتك، وتدع عنك الناس، وذلك لقلة الجدوى والفائدة؛ لأنها حصلت هذه الأمور التي انشغلوا بها عن الاستجابة والالتزام بما جاء عن الله وعن رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
قوله: [(فإن من ورائكم أيام الصبر)].
يعني: إن من ورائكم أياماً الصبر فيها عظيم، ومما يحصل من فتن في تلك الأيام فالقابض على دينه فيها كالقابض على الجمر، يعني: من شدة الأهوال والفتن، فالذي يكون على الجادة يكون غريباً بين الناس، والقابض على دينه فيها كالقابض على الجمر.
قوله: [(فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيه مثل قبضٍ على الجمر)].
الذي يقبض على الجمر تجده يتململ ولا يستطيع أن يبقي الجمر في يده، بل يريد أن يتخلص منه، فالذي يصبر على دينه في ذلك الزمان كالقابض على الجمر، ومعناه: أن فيه شدة، والجمر يحرقه ويؤلمه، ولكنه مع ذلك متمسك بدينه كصبر القابض على الجمر.
قوله: [(للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله)].
(للعامل فيهم) يعني: في ذلك الوقت، (مثل أجر خمسين يعملون مثل عمله) وزاد أحد الرواة في الرواية: (قيل: منهم؟ قال: بل منكم)، يخاطب النبي ﷺ بذلك أصحابه ﷺ ، ومعلوم أن الصحابة ﵃ أعمالهم أفضل من غيرهم، وأن أي شخص من الصحابة هو أفضل من أي شخص يجيء بعدهم من التابعين وأتباع التابعين ومن بعدهم؛ لأنهم شرفوا بصحبة النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وشرفهم الله بالنظر إلى طلعته، وبسماع حديثه من فمه الشريف، فسمعوا صوته ﵊، ونقلوا السنة إلى من بعدهم، فهم الحاملون لما جاء عن الله وعن رسوله من الكتاب والسنة، والذين أدوها إلى من بعدهم، فهم الواسطة بين الناس وبين رسول الله ﷺ ، ولهذا كل أحد من الرواة يحتاج إلى معرفة حاله، إلا الصحابة فإنه يكفي الواحد منهم شرفاً أن يقال: إنه صحابي، ولا يحتاج إلى أن يبحث عن حاله، وهل هو ثقة أو غير ثقة، هذا شيء لا يذكر عند الصحابة، ولهذا لا يوجد في كتب التراجم عند ذكر الصحابي أن يقال: ثقة أو هو كذا أو هو كذا وإنما يكفيه شرفاً أن يقال: صحابي، أو له صحبة، أو صحب النبي ﷺ ، ولهذا فإن المجهول فيهم في حكم المعلوم، ولهذا يكفي أن يقال: عن رجل صحب النبي ﷺ ، وأما لو جاء لفظ (رجل) في أثناء الإسناد فإن الحديث يكون بذلك ضعيفاً، وأما الصحابة ﵃ فالجهالة فيهم لا تؤثر، والمجهول فيهم في حكم المعلوم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
إذاً: ففضلهم لا يدانيهم فيه أحد، والأجر الذي يحصلونه لا يساويه أجر أحد يجيء بعدهم، وذلك لأن العمل القليل منهم لا يعادله عمل الكثير من غيرهم، وذلك لأن الذي حصل منهم إنما هو مع النبي ﷺ ، وفي الجهاد مع النبي ﵊، والذب عن النبي ﵊، والدفاع عنه ﵊، وكان الإسلام غريباً في أول الأمر، وأهله فيهم قلة، ومع ذلك كانوا يتنافسون في الذب عن رسول الله ﵊، ويتسابقون ويفدونه بأرواحهم وأجسادهم ﵊، ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فالأجر الذي يحصله من جاء بعدهم لا يساوي ما حصلوه من الأجر والثواب ولاسيما فيما يتعلق بتبليغهم السنن، فإنهم الذين بلغوا الكتاب والسنة، ومعلوم أن كل من جاء بعدهم وبلغ سنة عن رسول الله ﵊، فإن ذلك الصحابي الذي بلغ هذه السنة وحفظها عن النبي ﵊ يكون له مثل أجور كل من عمل بهذه السنة من حين تبليغ الصحابي وإرشاده إلى نهاية الدنيا.
стр. 14867
تراجم رجال إسناد حديث: (بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر)
قوله: [حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود العتكي].
هو أبو الربيع سليمان بن داود العتكي الزهراني، وهو ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
[حدثنا ابن المبارك].
هو عبد الله بن المبارك المروزي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عتبة بن أبي حكيم].
عتبة بن أبي حكيم صدوق يخطئ كثيراً، أخرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد وأصحاب السنن.
[حدثني عمرو بن جارية اللخمي].
عمرو بن جارية اللخمي مقبول، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد وأبو داود والترمذي وابن ماجة.
[حدثني أبو أمية الشعباني].
حدثني أبو أمية الشعباني هو: يحمد، وهو مقبول أيضاً، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد وأبو داود والترمذي وابن ماجة.
[سألت أبا ثعلبة الخشني].
هو جرثوم بن ناشر رضي الله تعالى عنه، وهو صحابي، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهذا الإسناد فيه مقبولان، وفيه ذلك الذي هو صدوق يخطئ كثيراً؛ فضعفه الألباني ولكنه قال: إن ما يتعلق بالصبر، والأيام التي فيها الصبر، والقابض على دينه كالقابض على الجمر هذا كله صحيح، وأما بقيته الذي جاء في هذا الإسناد فهو ضعيف.
стр. 14868
شرح حديث: (يوشك أن يأتي زمان يغربل الناس فيه غربلة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا القعنبي أن عبد العزيز بن أبي حازم حدثهم عن أبيه عن وعمارة بن عمرو عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: (كيف بكم وبزمان أو يوشك أن يأتي زمان يغربل الناس فيه غربلة، تبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فكانوا هكذا - وشبك بين أصابعه - فقالوا: وكيف بنا يا رسول الله؟! قال: تأخذون ما تعرفون، وتذرون ما تنكرون، وتقبلون على أمر خاصتكم، وتذرون أمر عامتكم) قال أبو داود: هكذا روي عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ من غير وجه].
أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم أن النبي ﷺ قال (يوشك أن يأتي زمان يغربل الناس فيه غربلة).
والغربلة: أنهم يفتنون فيتميز الصالحون من غيرهم وتبقى حثالة كالنخالة التي تكون في المنخل عندما يغربل فيه الحب أو الدقيق، فإنه يسقط الشيء الخالص، ويبقى الحثالة التي لا تدخل من ثقوب المنخل، فهؤلاء الذين يبقون هم مثل الحثالة التي تبقى في المنخل، والذين فيهم الخير يخرجون كما يتساقط الدقيق أو الحب من فتحات أو من خروق المنخل.
قوله: (يوشك أن يأتي زمان يغربل الناس فيه غربلة تبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأمانتهم واختلفوا فكانوا هكذا - وشبك بين أصابعه -)].
قد مرجت عهودهم وأماناتهم، يعني: اختلطت وذهب الوفاء بها فتذهب الأمانات ولا يوفى بالعهود.
قوله: [(قد مرجت عهودهم وأمانتهم، واختلفوا فكانوا هكذا وشبك بين أصابعه)].
شبك بين أصابعه يعني: كما تتداخل الأصابع مع بعضها عند التشبيك بحيث تختلط وتمتزج، يكون هذا شأن هؤلاء الذين مرجت عهودهم وأماناتهم.
قوله: [(فقالوا: وكيف بنا يا رسول الله؟! قال: تأخذون ما تعرفون، وتذرون ما تنكرون)].
يعني: كيف بنا إذا كان في ذلك الوقت، قال: تأتون ما تعرفون يعني: ما هو معروف، وتدعون ما تنكرون يعني: ما هو منكر أي: ما عرفتم أنه حق فاعملوا به، وما أنكرتم شيئاً ولم تعرفوا أحقيته فاتركوه.
قوله: [(وتقبلون على أمر خاصتكم، وتذرون أمر عامتكم)].
وتقبلون على أمر خاصتكم، يعني: كل يسعى لسلامة نفسه وحفظها، وكونهم مرجت عهودهم وأماناتهم، وصاروا بهذه الأوصاف والهيئات معناه أن الإنسان يحرص على أن يبقى سالماً، وألا يصيبه ما أصابهم، وألا يحصل له ما حصل لهؤلاء الذين مرجت عهودهم وأماناتهم، ومعلوم أن الأمانات عامة تشمل كل ما بين الإنسان وبين ربه، وكل ما بينه وبين الناس، كما قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨].
أي: كل ما أمر به الإنسان سواء كان حقاً لله أو حقاً للمخلوقين فإن عليه أن يؤديه، وبذلك يكون أدى الأمانة، وإذا كان بخلاف ذلك فإنه يكون قد خان الأمانة، والصلاة أمانة، والزكاة أمانة، والغسل من الجنابة أمانة، وكل هذه أمانات، وحقوق الآدميين أمانة، وعلى الإنسان أن يؤدي الأمانات.
стр. 14869
تراجم رجال إسناد حديث: (يوشك أن يأتي زمان يغربل الناس فيه غربلة)
قوله: [حدثنا القعنبي].
هو عبد الله بن مسلمة القعنبي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[أن عبد العزيز بن أبي حازم حدثهم].
عبد العزيز بن أبي حازم صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
سلمة بن دينار، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عمارة بن عمرو].
عمارة بن عمرو ثقة، أخرج له أبو داود وابن ماجة.
[عن عبد الله بن عمرو بن العاص].
عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة وهم: عبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير بن العوام وعبد الله بن عباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين وعبد الله بن عمرو أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قال أبو داود: هكذا روي عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ من غير وجه].
يعني: أنه جاء من وجوه أخرى غير هذا الوجه، وغير هذا الطريق.
стр. 14870
شرح حديث: (يوشك أن يأتي زمان يغربل الناس فيه غربلة) من طريق أخرى .
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا الفضل بن دكين حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن هلال بن خباب أبي العلاء قال: حدثني عكرمة قال: حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (بينما نحن حول رسول الله ﷺ إذ ذكر الفتنة فقال: إذا رأيت الناس قد مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا -وشبك بين أصابعه- قال: فقمت إليه فقلت: كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك؟ قال: الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة)].
أورد أبو داود حديث ابن عمرو من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله، قال عبد الله بن عمرو ﵄: (بينما نحن حول رسول الله ﷺ إذ ذكر الفتنة فقال: إذا رأيتم الناس قد مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا -وشبك بين أصابعه-).
فكون الناس تخف أماناتهم ولا يؤتمنون وكذلك العهود لا يوفون بها فهذه من فتنة المحيا.
قوله: [(مرجت عهودهم)].
يعني: أنهم كلهم على عدم الوفاء بالعهود، وكذا عدم الأمانة، فكلهم اختلطوا وصاروا بهذه الطريقة.
قوله: [(قال: فقمت إليه فقلت: كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك؟ قال: الزم بيتك)].
يعني: ابتعد عن الفتن.
قوله: [(واملك عليك لسانك)].
يعني: لا تتكلم بما لا ينبغي، فلا تكون سبباً في الفتنة لا بقول ولا بعمل.
قوله: [(وخذ بما تعرف ودع ما تنكر)].
يعني: ما عرفت أنه حق فخذ به، وما عرفت أنه منكر فدعه وابتعد عنه.
قوله: [(وعليك بأمر خاصة نفسك)].
يعني: اجتهد في خلاصك، ولا تهلك مع من هلك، كما جاء عن بعض أهل العلم أنه قال: لا يغتر الإنسان بطريق الشر ولو كثر السالكون لها، ولا يزهد عن طريق الخير وإن قل السالكون لها، فليس العجب ممن هلك كيف هلك وإنما العجب ممن نجا كيف نجا، لأن الهالكين كثيرون، والله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦]، ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣].
فالهلاك هو الغالب، ولهذا لا يستغرب حصول الهلاك، وإنما العجب من النجاة؛ لأن الناجين قليلون بالنسبة للهالكين، فليس العجب ممن هلك كيف هلك، وإنما العجب ممن نجا كيف نجا، فلا يزهد الإنسان في طريق الخير لقلة السالكين، ولا يغتر بطريق الشر لكثرة الهالكين، فالإنسان يحرص على أن يكون من القليل الناجي ويحذر أن يكون من الكثير الهالك.
قوله: [(وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة)].
يعني: حيث لا يجدي ولا يفيد عملك معهم شيئاً، أما إذا كان مفيداً، وينتفع الناس بالنصح والأمر والنهي فلا يعدل عنه.
قوله: [(جعلني الله فداك)].
الصحابة ﵃ يفدون الرسول ﷺ بأرواحهم وبآبائهم وأمهاتهم، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
وبالنسبة للتفدية بالآباء والأمهات -أي قول: فداك أبي وأمي- هذا ما يعرف أنه قيل إلا في حق الرسول صلوات الله وسلامه وبركاته عليه؛ لأن الرسول ﷺ أعز من الآباء والأمهات، وأحب إلى الناس من آبائهم وأمهاتهم؛ لأن النعمة التي ساقها الله للمسلمين على يديه أعظم وأجل نعمة، ولهذا كانت محبته يجب أن تكون فوق محبة الآباء والأمهات، كما قال ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين).
لكن كونه يفدي بنفسه لشخص آخر قد يكون جائزاً، لأن من الناس من يكون بقاؤه خيراً للإسلام والمسلمين، فذهاب من دونه وفقدانه أهون من ذهاب من كان في هذه المنزلة، لكن قضية التفدية بالآباء والأمهات هذه غير معروفة إلا في حق الرسول صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
قوله: [(عليك بخاصة نفسك)] يعني: اجتهد في خلاص نفسك، فلا تهلك مع من هلك.
يقول صاحب العون: وفي هذا رخصة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كثر الأشرار، وضعف الأخيار.
لكن كثرة الأشرار وقلة الأخيار هذا هو الأصل، وسنة الله في خلقه أن الهالكين هم الكثيرون، وأن الناجين هم القليلون، فلو ترك الأمر لقلة الأخيار وكثرة الأشرار فمعناه أنه يترك نهائياً، ولكن المقصود: حيث لا يجدي الأمر والنهي، أو يحصل به مضرة على الإنسان.
وقد ورد التشبيك بين الأصابع في مقام المدح والثناء في حديث المؤمن للمؤمن، وجاء هنا في جانب الذم، ففيه الإشارة إلى الاختلاط والامتزاج، وأنهم كلهم بهذه الطريقة، ففي جانب المدح كالبنيان: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً وشبك بين أصابعه)، وهؤلاء مرجت عهودهم وأماناتهم فصاروا هكذا في اختلاطهم وامتزاجهم، كما تمتزج الأصابع في بعضها البعض عند التشبيك، وهؤلاء كذلك تداخلوا وامتزج بعضهم ببعض، وصاروا على قلب رجل واحد، وعلى وجهة واحدة وهي عدم الوفاء بالعهود وعدم أداء الأمانات.
стр. 14871
تراجم رجال إسناد حديث: (يوشك أن يأتي زمان يغربل الناس فيه غربلة) من طريق أخرى .
قوله: [حدثنا هارون بن عبد الله].
هو هارون بن عبد الله الحمال البغدادي، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.
[حدثنا الفضل بن دكين].
الفضل بن دكين هو أبو نعيم، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا يونس بن أبي إسحاق].
هو يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وهو صدوق يهم قليلاً، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.
[عن هلال بن خباب أبي العلاء].
هلال بن خباب أبو العلاء صدوق، أخرج له أصحاب السنن.
[قال: حدثني عكرمة].
هو عكرمة مولى ابن عباس، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قال: حدثني عبد الله بن عمرو].
عبد الله بن عمرو مر ذكره.
стр. 14872
شرح حديث: (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عبادة الواسطي حدثنا يزيد -يعني ابن هارون - أخبرنا إسرائيل حدثنا محمد بن جحادة عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر أو أمير جائر)].
أورد أبو داود حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر أو أمير جائر)، وذلك أن الجهاد فيه احتمال السلامة واحتمال الهلاك؛ لأنه يقتل، وقد ينتصر ويغلب، ويحصل الغنيمة والأجر والثواب من الله ، وأما السلطان الجائر فهو قاهر لمن بين يديه، فيبطش به، ويؤدي ذلك إلى هلاكه، ويكون هلاكه أقرب من هلاك من يجاهد في سبيل الله، فمن أجل ذلك كانت الكلمة التي تقال عنده بهذه المنزلة، والمقصود من ذلك: أنه عندما يقول كلاماً باطلاً في مجلسه لا يسكت عليه، وإنما يبين أن الحق هو كذا، ولا يقر الباطل ويسكت عليه، وإنما يبين الحق وأنه خلاف ما يقول، وأن الذي قاله ليس بصحيح وإنما الصحيح هو كذا وكذا، لأن هذا هو الذي جاء عن الله وعن رسوله ﵊، فكونه يكون عند سلطان جائر معناه: أنه يكون عرضة للهلاك، لاسيما إذا كان ذلك الجائر معروفاً بإزهاق النفوس وإتلافها بأي سبب من الأسباب ولو كان أمراً يسيراً.
стр. 14873
تراجم رجال إسناد حديث: (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر)
قوله: [حدثنا محمد بن عبادة الواسطي].
محمد بن عبادة الواسطي صدوق، أخرج له البخاري وأبو داود وابن ماجة.
[حدثنا يزيد -يعني ابن هارون -].
هو يزيد بن هارون الواسطي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا إسرائيل].
هو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا محمد بن جحادة].
محمد بن جحادة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عطية العوفي].
هو عطية بن سعد العوفي، وهو صدوق يخطئ كثيراً، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجة.
[عن أبي سعيد الخدري].
أبو سعيد الخدري ﵁، صاحب رسول الله ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ ، وعطية العوفي يخطئ كثيراً، والحديث صححه الألباني ولعل ذلك لشواهد.
стр. 14874
العلماء هم المعنيون ببيان الحق
والجور في السلطان كونه يبطش بالناس، ومن السهل عليه إزهاق النفوس، مثل ما اشتهر به الحجاج من البطش والشدة والقسوة، وسهولة القتل عليه، ولهذا كان بعض العلماء يكره أن يحدث مثل الحجاج بالحديث الذي فيه قصة العرنيين، وأنهم حصل منهم كذا والرسول عمل فيهم كذا وكذا لأن هذا يجرئه على بطشه وجوره.
والصدع بالحق يعني به العلماء الذين عندهم معرفة، وإلا فإن غير العالم يمكن أن ينكر ما هو معروف لجهله وعدم بصيرته، فليس كل واحد يقبل منه الأمر والنهي، ولهذا قالوا: لابد في الأمر والنهي من العلم والبصيرة، لقول الله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨].
وقد ذكرت الأثرة في بعض الأحاديث لكنها غير الجور، فالأثرة: الاستئثار بالمال، والاستئثار بحظوظ الدنيا، وأما الجور فهو العدوان على الناس بسفك دمائهم أو سلب أموالهم.
وهذا الحديث لا يستفاد منه مشروعية الكلام على أخطاء الولاة على المنابر؛ لأن هذا تشهير وإيذاء، والإنسان لا يرضى لنفسه أن ينصح على المنابر، وأن يشهر به على المنابر وأن يتكلم معه بحضرة الناس، ولهذا قال الشافعي رحمة الله عليه: من نصح أخاه سراً فقد نصحه وزانه، ومن نصحه علانية فقد فضحه وشانه.
стр. 14875
شرح حديث: (إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن العلاء أخبرنا أبو بكر حدثنا مغيرة بن زياد الموصلي عن عدي بن عدي عن العرس بن عميرة الكندي عن النبي ﷺ قال: (إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها -وقال مرة: أنكرها- كان كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها)].
أورد أبو داود حديث العرس بن عميرة الكندي ﵁.
قوله: [(إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها وأنكرها كمن غاب عنها)] معناه: أنه كأنه لم يرها لأنه رأى شيئاً وأنكره، فهو مثل الذي لم ير؛ لأنه سلم بهذا الإنكار، وذاك سلم بكونه ما رأى.
قوله: [(ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها)].
يعني: إذا سمع بأمر قد حصل وهو غائب عنه ولكنه أعجبه كان كمن شهده، لأنه رضي بالأمر المنكر، ورضي بالأمر المحرم، فهو بهذا الرضا وبهذا الفرح والسرور لحصوله رغم غيبته كالذي حضر أو شهد.
стр. 14876
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها)
قوله: [حدثنا محمد بن العلاء] هو محمد بن العلاء بن الكريب أبو كريب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا أبو بكر].
هو أبو بكر بن عياش، وهو ثقة، أخرج له البخاري ومسلم في المقدمة وأصحاب السنن.
[حدثنا مغيرة بن زياد الموصلي].
مغيرة بن زياد الموصلي صدوق له أوهام، أخرج له أصحاب السنن.
[عن عدي بن عدي].
هو عدي بن عدي بن عميرة، وهو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة.
[عن العرس بن عميرة الكندي].
العرس بن عميرة ﵁ صحابي، أخرج له أبو داود والنسائي.
стр. 14877
شرح حديث: (إذا عملت الخطيئة في الأرض) من طريق أخرى، وتراجم رجال إسناده .
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا أبو شهاب عن مغيرة بن زياد عن عدي بن عدي عن النبي ﷺ نحوه قال: (من شهدها فكرهها كان كمن غاب عنها)].
أورد أبو داود الحديث من طريق آخر، وهو مثل الذي تقدم.
قوله: [حدثنا أحمد بن يونس].
أحمد بن يونس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبو شهاب].
أبو شهاب عبد ربه بن نافع الحناط، وهو صدوق يهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[عن مغيرة بن زياد عن عدي بن عدي عن النبي ﷺ ].
وهذا مرسل.
стр. 14878
شرح حديث: (لن يهلك الناس حتى يعذروا)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا سليمان بن حرب وحفص بن عمر قالا: حدثنا شعبة وهذا لفظه عن عمرو بن مرة عن أبي البختري، قال: أخبرني من سمع النبي ﷺ يقول، وقال سليمان: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال: (لن يهلك الناس حتى يعذروا أو يعذروا من أنفسهم)].
أورد أبو داود حديث رجل من أصحاب النبي ﷺ ، يعني: مبهم غير معروف، وقد عرفنا أن الجهالة للصحابة لا تؤثر، وأن المجهول فيهم في حكم المعلوم، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
قوله: [(لن يهلك الناس حتى يعذروا أو يعذروا من أنفسهم)].
يعني: فسر بأن المقصود بذلك أنها تكثر فيهم الخطايا والذنوب، وأنهم إنما حصل لهم الهلاك بعد أن قامت عليهم الحجة ولم يبق لهم عذر، بل الحق واضح أمامهم وقد عصوا وأقدموا على ما أقدموا عليه على بصيرة.
стр. 14879
تراجم رجال إسناد حديث: (لن يهلك الناس حتى يعذروا)
قوله: [حدثنا سليمان بن حرب].
سليمان بن حرب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وحفص بن عمر].
حفص بن عمر ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي.
[قالا: حدثنا شعبة].
هو شعبة بن الحجاج الواسطي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو بن مرة].
هو عمرو بن مرة الهمداني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي البختري].
هو سعيد بن فيروز، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرني من سمع النبي ﷺ ].
أي: رجل من الصحابة سمع رسول الله ﷺ يحدث بهذا الحديث.
قوله: [(هذا لفظه)] يرجع إلى حفص بن عمر الذي هو الشيخ الثاني؛ لأن أبا داود له في الحديث شيخان: سليمان بن حرب وهو الشيخ الأول، وحفص بن عمر وهو الشيخ الثاني، وقد ساقه على لفظ حفص، ولهذا قال: وقال سليمان: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ ، لأنه ساقه على لفظ حفص بن عمر، وأشار إلى مخالفة سليمان بن حرب لـ حفص بن عمر.
стр. 14880
كلام الشنقيطي فيما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
بعد أن انتهينا من هذا الباب الذي يتعلق بالأمر والنهي، وسمعنا الكلام الذي نقله صاحب عون المعبود عن الإمام النووي ﵀ فيما يتعلق بالأمر والنهي، نريد أن نقرأ ما كتبه شيخنا الشيخ: محمد بن أمين الشنقيطي رحمة الله عليه فيما يتعلق بالأمر والنهي، وذلك في أضواء البيان عند قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥]، فإنه ذكر فوائد ومسائل تتعلق بالأمر والنهي فنحب أن نسمعها.
يقول رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥].
قد يتوهم الجاهل من ظاهر هذه الآية الكريمة عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن نفس الآية فيها الإشارة إلى أن ذلك فيما إذا بلغ جهده فلم يقبل منه المأمور وذلك في قوله: ((إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)).
لأن من ترك الأمر بالمعروف لم يهتد، وممن قال بهذا حذيفة وسعيد بن المسيب، كما نقله عنهم الألوسي في تفسيره وابن جرير، ونقله القرطبي عن سعيد بن المسيب وأبي عبيد القاسم بن سلام ونقل نحوه ابن جرير عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر وابن مسعود، فمن العلماء من قال: ((إِذَا اهْتَدَيْتُمْ))، أي: أمرتم فلم يسمع منكم، ومنهم من قال: يدخل الأمر بالمعروف في المراد بالاهتداء بالآية، وهو ظاهر جداً، ولا ينبغي العدول عنه لمنصف، ومما يدل على أن تارك الأمر بالمعروف غير مهتد أن الله تعالى أقسم أنه في خسر، في قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣].
فالحق وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبعد أداء الواجب لا يضر الآمر ضلال من ضل، وقد دلت الآيات كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥]، والأحاديث على أن الناس إن لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر عمهم الله بعذاب من عنده، فمن ذلك ما خرجه الشيخان في صحيحيهما عن أم المؤمنين أم الحكم زينب بنت جحش ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها فزعاً مرعوباً يقول: (لا إله إلا الله! ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها، فقلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث).
وعن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ قال: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها، وبعضهم أسلفها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً) أخرجه البخاري والترمذي.
وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: يا أيها الناس! إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥]، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن رأى الناس الظالم فلم يأخذوا على يده أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه) رواه أبو داود والترمذي بأسانيد صحيحة.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا! اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٨١].
ثم قال: كلا والله! لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض ثم ليلعنكم كما لعنهم)، رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن، وهذا لفظ أبي داود.
ولفظ الترمذي قال رسول الله ﷺ : (لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، فجلس رسول الله ﷺ وكان متكئاً فقال: لا والذي نفسي بيده حتى يأطروهم على الحق أطراً).
ومعنى تأطروهم، أي: تعطفوهم، ومعنى تقصرونه: تحبسونه، والأحاديث في الباب كثيرة جداً، وفيها الدلالة الواضحة على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل في قوله: ((إِذَا اهْتَدَيْتُمْ))، ويؤيده كثرة الآيات الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤].
وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠].
وقوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩].
وقوله: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩].
وقوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر:٩٤].
وقوله: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٥].
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥].
والتحقيق في معناها: أن المراد بتلك الفتنة التي تعم الظالم وغيره هي أن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه عمهم الله بالعذاب صالحهم وطالحهم، وبه فسرها جماعة من أهل العلم، والأحاديث الصحيحة شاهدة لذلك كما قدمنا طرفاً منها.
مسائل تتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: المسألة الأولى: اعلم أن كلاً من الآمر والمأمور يجب عليه اتباع الحق المأمور به، وقد دلت السنة الصحيحة على أن من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله أنه حمار من حمر جهنم يجر أمعاءه فيها، وقد دل القرآن العظيم على أن المأمور المعرض عن التذكرة حمار أيضاً، أما السنة المذكورة فقوله ﷺ : (يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه، فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار، فيقولون: أي فلان ما أصابك؟! ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟! فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه).
أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أسامة بن زيد ﵄.
ومعنى (تندلق أقتابه) تتدلى أمعاؤه أعاذنا الله والمسلمين من كل سوء.
وعن أنس ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ : (رأيت ليلة أسري بي رجالاً تقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلما قرضت رجعت، فقلت لجبريل: من هؤلاء، قال: هؤلاء خطباء من أمتك كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون)، أخرجه الإمام أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية وابن حبان وابن مردويه والبيهقي كما نقله عنهم الشوكاني وغيرهم.
وعن ابن عباس ﵄ أنه جاءه رجل فقال له: يا ابن عباس - الظاهر إني أريد - إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، فقال ابن عباس: أوبلغت ذلك؟ فقال: أرجو، قال: فإن لم تخش أن تفتضح بثلاثة أحرف في كتاب الله فافعل، قال: وما هي؟ قال: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ ال
следующие страницы →