← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 14876–14915 · переход к 14881.

стр. 14876

تراجم رجال إسناد حديث: (إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها) قوله: [حدثنا محمد بن العلاء] هو محمد بن العلاء بن الكريب أبو كريب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا أبو بكر]. هو أبو بكر بن عياش، وهو ثقة، أخرج له البخاري ومسلم في المقدمة وأصحاب السنن. [حدثنا مغيرة بن زياد الموصلي]. مغيرة بن زياد الموصلي صدوق له أوهام، أخرج له أصحاب السنن. [عن عدي بن عدي]. هو عدي بن عدي بن عميرة، وهو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة. [عن العرس بن عميرة الكندي]. العرس بن عميرة ﵁ صحابي، أخرج له أبو داود والنسائي.

стр. 14877

شرح حديث: (إذا عملت الخطيئة في الأرض) من طريق أخرى، وتراجم رجال إسناده . قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا أبو شهاب عن مغيرة بن زياد عن عدي بن عدي عن النبي ﷺ نحوه قال: (من شهدها فكرهها كان كمن غاب عنها)]. أورد أبو داود الحديث من طريق آخر، وهو مثل الذي تقدم. قوله: [حدثنا أحمد بن يونس]. أحمد بن يونس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا أبو شهاب]. أبو شهاب عبد ربه بن نافع الحناط، وهو صدوق يهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي. [عن مغيرة بن زياد عن عدي بن عدي عن النبي ﷺ ]. وهذا مرسل.

стр. 14878

شرح حديث: (لن يهلك الناس حتى يعذروا) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا سليمان بن حرب وحفص بن عمر قالا: حدثنا شعبة وهذا لفظه عن عمرو بن مرة عن أبي البختري، قال: أخبرني من سمع النبي ﷺ يقول، وقال سليمان: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال: (لن يهلك الناس حتى يعذروا أو يعذروا من أنفسهم)]. أورد أبو داود حديث رجل من أصحاب النبي ﷺ ، يعني: مبهم غير معروف، وقد عرفنا أن الجهالة للصحابة لا تؤثر، وأن المجهول فيهم في حكم المعلوم، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. قوله: [(لن يهلك الناس حتى يعذروا أو يعذروا من أنفسهم)]. يعني: فسر بأن المقصود بذلك أنها تكثر فيهم الخطايا والذنوب، وأنهم إنما حصل لهم الهلاك بعد أن قامت عليهم الحجة ولم يبق لهم عذر، بل الحق واضح أمامهم وقد عصوا وأقدموا على ما أقدموا عليه على بصيرة.

стр. 14879

تراجم رجال إسناد حديث: (لن يهلك الناس حتى يعذروا) قوله: [حدثنا سليمان بن حرب]. سليمان بن حرب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [وحفص بن عمر]. حفص بن عمر ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي. [قالا: حدثنا شعبة]. هو شعبة بن الحجاج الواسطي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عمرو بن مرة]. هو عمرو بن مرة الهمداني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي البختري]. هو سعيد بن فيروز، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرني من سمع النبي ﷺ ]. أي: رجل من الصحابة سمع رسول الله ﷺ يحدث بهذا الحديث. قوله: [(هذا لفظه)] يرجع إلى حفص بن عمر الذي هو الشيخ الثاني؛ لأن أبا داود له في الحديث شيخان: سليمان بن حرب وهو الشيخ الأول، وحفص بن عمر وهو الشيخ الثاني، وقد ساقه على لفظ حفص، ولهذا قال: وقال سليمان: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ ، لأنه ساقه على لفظ حفص بن عمر، وأشار إلى مخالفة سليمان بن حرب لـ حفص بن عمر.

стр. 14880

كلام الشنقيطي فيما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد أن انتهينا من هذا الباب الذي يتعلق بالأمر والنهي، وسمعنا الكلام الذي نقله صاحب عون المعبود عن الإمام النووي ﵀ فيما يتعلق بالأمر والنهي، نريد أن نقرأ ما كتبه شيخنا الشيخ: محمد بن أمين الشنقيطي رحمة الله عليه فيما يتعلق بالأمر والنهي، وذلك في أضواء البيان عند قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥]، فإنه ذكر فوائد ومسائل تتعلق بالأمر والنهي فنحب أن نسمعها. يقول رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥]. قد يتوهم الجاهل من ظاهر هذه الآية الكريمة عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن نفس الآية فيها الإشارة إلى أن ذلك فيما إذا بلغ جهده فلم يقبل منه المأمور وذلك في قوله: ((إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)). لأن من ترك الأمر بالمعروف لم يهتد، وممن قال بهذا حذيفة وسعيد بن المسيب، كما نقله عنهم الألوسي في تفسيره وابن جرير، ونقله القرطبي عن سعيد بن المسيب وأبي عبيد القاسم بن سلام ونقل نحوه ابن جرير عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر وابن مسعود، فمن العلماء من قال: ((إِذَا اهْتَدَيْتُمْ))، أي: أمرتم فلم يسمع منكم، ومنهم من قال: يدخل الأمر بالمعروف في المراد بالاهتداء بالآية، وهو ظاهر جداً، ولا ينبغي العدول عنه لمنصف، ومما يدل على أن تارك الأمر بالمعروف غير مهتد أن الله تعالى أقسم أنه في خسر، في قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣]. فالحق وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبعد أداء الواجب لا يضر الآمر ضلال من ضل، وقد دلت الآيات كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥]، والأحاديث على أن الناس إن لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر عمهم الله بعذاب من عنده، فمن ذلك ما خرجه الشيخان في صحيحيهما عن أم المؤمنين أم الحكم زينب بنت جحش ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها فزعاً مرعوباً يقول: (لا إله إلا الله! ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها، فقلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث). وعن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ قال: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها، وبعضهم أسلفها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً) أخرجه البخاري والترمذي. وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: يا أيها الناس! إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥]، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن رأى الناس الظالم فلم يأخذوا على يده أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه) رواه أبو داود والترمذي بأسانيد صحيحة. وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا! اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٨١]. ثم قال: كلا والله! لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض ثم ليلعنكم كما لعنهم)، رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن، وهذا لفظ أبي داود. ولفظ الترمذي قال رسول الله ﷺ : (لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، فجلس رسول الله ﷺ وكان متكئاً فقال: لا والذي نفسي بيده حتى يأطروهم على الحق أطراً). ومعنى تأطروهم، أي: تعطفوهم، ومعنى تقصرونه: تحبسونه، والأحاديث في الباب كثيرة جداً، وفيها الدلالة الواضحة على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل في قوله: ((إِذَا اهْتَدَيْتُمْ))، ويؤيده كثرة الآيات الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤]. وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠]. وقوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩]. وقوله: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]. وقوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر:٩٤]. وقوله: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٥]. وقوله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥]. والتحقيق في معناها: أن المراد بتلك الفتنة التي تعم الظالم وغيره هي أن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه عمهم الله بالعذاب صالحهم وطالحهم، وبه فسرها جماعة من أهل العلم، والأحاديث الصحيحة شاهدة لذلك كما قدمنا طرفاً منها. مسائل تتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: المسألة الأولى: اعلم أن كلاً من الآمر والمأمور يجب عليه اتباع الحق المأمور به، وقد دلت السنة الصحيحة على أن من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله أنه حمار من حمر جهنم يجر أمعاءه فيها، وقد دل القرآن العظيم على أن المأمور المعرض عن التذكرة حمار أيضاً، أما السنة المذكورة فقوله ﷺ : (يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه، فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار، فيقولون: أي فلان ما أصابك؟! ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟! فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه). أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أسامة بن زيد ﵄. ومعنى (تندلق أقتابه) تتدلى أمعاؤه أعاذنا الله والمسلمين من كل سوء. وعن أنس ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ : (رأيت ليلة أسري بي رجالاً تقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلما قرضت رجعت، فقلت لجبريل: من هؤلاء، قال: هؤلاء خطباء من أمتك كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون)، أخرجه الإمام أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية وابن حبان وابن مردويه والبيهقي كما نقله عنهم الشوكاني وغيرهم. وعن ابن عباس ﵄ أنه جاءه رجل فقال له: يا ابن عباس - الظاهر إني أريد - إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، فقال ابن عباس: أوبلغت ذلك؟ فقال: أرجو، قال: فإن لم تخش أن تفتضح بثلاثة أحرف في كتاب الله فافعل، قال: وما هي؟ قال: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ ال

стр. 14881

شرح سنن أبي داود [٤٩٠] لابد لكل بداية من نهاية، ولكل مخلوق من فناء، وإن هذه الدنيا التي نعيش فيها سيأتي عليها يوم تنسف جبالها، وتسجر بحارها، ويفنى من عليها، لكن الله يقدم لذلك بمقدمات، ويظهر أمارات أخبر بها الأنبياء أقوامهم، كالمسيح الدجال الذي ما حذر النبي ﷺ من شيء كتحذيره منه. هذا كله بالنسبة للقيامة الكبرى، أما الصغرى: فمن مات فقد قامت قيامته، ويكون قبره عليه روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار.

стр. 14882

ما جاء في قيام الساعة

стр. 14883

شرح حديث: (أرأيتم ليلتكم هذه لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد) . قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب قيام الساعة. حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري قال: أخبرني سالم بن عبد الله وأبو بكر بن سليمان أن عبد الله بن عمر قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قام فقال: أرأيتم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد) قال ابن عمر: فوهل الناس في مقالة رسول الله ﷺ تلك فيما يتحدثون عن هذه الأحاديث عن مائة سنة، وإنما قال رسول الله ﷺ : (لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض) يريد أن ينخرم ذلك القرن]. أورد أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى هذه الترجمة وهي: [باب قيام الساعة، وهي نهاية الدنيا التي يحصل فيها النفخ في الصور؛ النفخة الأولى فيموت من كان حياً، فيستوي في الموت من كان مات في أول الزمان، ومن مات في نهاية الزمان، ويكون الإنس والجن قد انتهوا وماتوا، ثم يحصل البعث في النفخة الثانية، ويبعث الأموات الأولون والآخرون من مات في أول الدنيا، ومن مات في نهاية الدنيا، ومن مات قبل قيام الساعة فقد قامت قيامته وساعته، وانتهى من هذه الحياة الدنيا، ودخل في الحياة الآخرة أو الدار الآخرة، وقبل قيام الناس من قبورهم، الناس في حياة برزخية ولكنها تعتبر تابعة للدار الآخرة؛ لأن أحكامها من جنس أحكام الآخرة وليس من جنس أحكام الدنيا؛ لأن ما قبل الموت دار عمل، وما بعد الموت دار جزاء، سواء كان في القبر أو بعد الحشر وبعد البعث والنشور، ومن كان موفقاً فهو منعم في قبره ومن كان بخلاف ذلك فإنه معذب في قبره، والحد الفاصل هو الموت، وكل من مات قامت قيامته، والساعة متى تقوم لا يعلم ذلك إلا الله ، ولهذا النبي ﵊ لما سأله جبريل في الحديث المشهور الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب ﵁: (قال: أخبرني عن الساعة؟! قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، يعني: علم جبريل وعلم النبي ﷺ في ذلك سواء، فكلهم لا يعلمون متى تقوم، الله تعالى هو الذي يعلم متى تقوم، فلا يُعلم متى تقوم في أي سنة وفي أي يوم من أي شهر، ولكن بلا شك هي لا تقوم يوم السبت ولا الأحد ولا الإثنين ولا الثلاثاء ولا الأربعاء ولا الخميس، وإنما تقوم يوم الجمعة بالتحديد، لأنه ثبت بذلك الحديث عن رسول الله ﵊، لكن أي جمعة من أي شهر من أي سنة لا يعلم بذلك إلا الله ، والنبي ﵊ كان عندما يسأل إما أن يجيب بالجواب الذي أجاب به جبريل: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، وإما أن يشير إلى شيء من أماراتها وعلاماتها، وإما أن يصرف نظر السائل إلى ما هو أهم من ذلك، فقد ثبت في الصحيح أن النبي ﵊ كان جالساً في حلقة يحدث أصحابه، فجاء رجل ووقف على تلك الحلقة وقال: يا رسول الله! متى الساعة؟! فالنبي ﷺ أعرض عنه، واشتغل مع الناس الذين كان يحدثهم، ولما فرغ من تحديثه لهم قال: (أين السائل عن الساعة؟! فقام الرجل وقال: أنا يا رسول الله! فقال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال: وما إضاعتها يا رسول الله؟! قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة). فأرشد إلى شيء من علاماتها وأماراتها، ولما سأله رجل فقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ لفت نظره إلى الأمر المهم، وهو الاستعداد لما بعد قيام الساعة، فقال له النبي ﵊: (وماذا أعددت لها؟ فقال: حب الله ورسوله، فقال ﵊: المرء مع من أحب)، وعند ذلك قال أنس بن مالك وهو راوي الحديث: فما فرحنا بشيء فرحنا بهذا الحديث؛ لأن النبي ﷺ قال: (المرء مع من أحب)، ثم قال أنس: فأنا أحب رسول الله ﷺ ، وأحب أبا بكر وعمر، وأرجو من الله أن يلحقني بهم لحبي إياهم وإن لم أعمل مثل أعمالهم، فعندما سأله أرشده إلى ما هو أهم، والساعة آتية وكل آت قريب، وليس المهم أن يعرف متى تقوم الساعة، ولكن المهم أن يعرف الإنسان ماذا قدم لنفسه إذا قامت الساعة، فهذا هو الأمر المهم؛ لأنه يحصل بذلك الثواب، وقد جاء عن أمير المؤمنين علي ﵁ كما جاء في صحيح البخاري، قال: إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل. كل يوم يمضي من عمر الإنسان يقربه من النهاية، ويقربه من الأجل، ويقربه من الموت، وبعد الموت لا يجد الإنسان إلا ما قدم، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]. ويقول سبحانه في الحديث القدسي: (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه). الحاصل أن الساعة تقوم على شرار الناس، وينفخ في الصور النفخة الأولى فيموت من كان حياً، ثم ينفخ النفخة الثانية فيبعث الجميع؛ الذين كانوا ماتوا في أول الدنيا، والذين ماتوا عند النفخة في الصور، ويتساوى الجميع، ومن مات قبل ذلك فقد قامت قيامته وساعته، وعندما تقوم الساعة تقوم على الذين كانوا أحياء فيموتون، وأما من مات فإنه قد انتهى، فيستوي الجميع في الموت، ثم ينفخ في الصور النفخة الثانية فيبعث الأولون والآخرون من قبورهم، وأول من ينشق عنه القبر نبينا محمد صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، كما جاء في صحيح مسلم، قال ﵊: (أنا سيد ولد آدم، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع)، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. وقد أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي ﷺ صلى بالناس العشاء الآخرة، فقال: أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد). قوله: [(فإن على رأس مائة سنة منها)] أي: إذا مضى مائة سنة من هذه الليلة لا يبقى على ظهر الأرض أحد ممن كان حياً. قوله: [(لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد)]. يعني: من كان في تلك الليلة موجوداً، لن تمر مائة سنة إلا وقد انتهى، فعند ذلك وهل الناس فيما قاله رسول الله ﷺ ، فظن من ظن أن الساعة تقوم وأن الدنيا تنتهي، وقد بين ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ إنما أراد انخرام ذلك القرن، وليس المقصود من ذلك انتهاء الدنيا، وأن الساعة تقوم والدنيا تنتهي، وإنما المقصود من ذلك أن من كان موجوداً يموت، وهذا يدل على قصر أعمار هذه الأمة؛ فكل من كان على ظهر الأرض في تلك الليلة -وكانت قبل وفاته بقليل- التي أخبر فيها النبي ﷺ أنه إذا مضى عليهم مائة سنة لا بد وأن ينتهوا، وأما الذين يولدون بعد ذلك اليوم فلا يدخلون في الحديث، لأنه قال: ممن كان في تلك الليلة، ومن يولد بعدها قد ينتهي قبل مائة سنة، وقد يعمر فيتجاوز تلك المائة التي بدايتها تلك الليلة التي قال فيها النبي ﵊ ذلك الكلام، وأبو داود أورده هنا لأنه له تعلق بقيام الساعة، وهو على حسب ما ظنه من ظن أن الساعة تقوم بعد نهاية مائة سنة، والذي فهمه ابن عمر وغيره أن المقصود بذلك انخرام العصر، ولكنها في الحقيقة كل من مات فقد قامت قيامته وساعته. قوله: [أن عبد الله بن عمر قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قام فقال: أرأيتم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد). قال ابن عمر: فوهل الناس في مقالة رسول الله ﷺ تلك فيما يتحدثون عن هذه الأحاديث عن مائة سنة، وإنما قال رسول الله ﷺ : (لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض)، يريد أن ينخرم ذلك القرن]. وهذا تفسير ابن عمر ﵁، وأن المقصود بذلك انخرام ذلك القرن، وليس المقصود من ذلك نهاية الدنيا، ويستثنى من ذلك عيسى بن مريم ﵊، فإنه حي ولكنه في السماء، ويستثنى من ذلك الدجال فإنه في جزيرة من الجزر كما مر في حديث الجساسة، وهو حديث ثابت في صحيح مسلم وغيره، وهو في تلك الجزيرة موثق بالحديد، فإذا أذن الله له بالخروج فإنه يخرج، فمسيح الهداية في السماء وسينزل في آخر الزمان، ومسيح الضلالة في الأرض، وستكون نهاية مسيح الضلالة على يدي مسيح الهداية عيسى بن مريم ﵊. فاللفظ ذكر ممن هو على ظهر الأرض، ومعلوم أن الجن يكونون على ظهر الأرض، فيبدو والله أعلم أن الجن والإنس يكونون كذلك. لكن فيما يتعلق بالجن فإن الشيطان الذي هو إبليس ما زال معمراً يغوي الناس، وبقاؤه مستمر، وقد آلى على نفسه أن يغوي الناس، لكن فيما يتعلق بالإنس والجن يبدو والله تعالى أعلم أن قوله: (من هو على ظهر الأرض) يشمل الإنس والجن، لأنهم جميعاً مسكنهم الأرض.

стр. 14884

تراجم رجال إسناد حديث: (أرأيتم ليلتكم هذه لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد) . قوله: [حدثنا أحمد بن حنبل]. هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، الإمام المحدث الفقيه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة. [حدثنا عبد الرزاق]. هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا معمر]. هو معمر بن راشد الأزدي البصري ثم اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الزهري]. هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [قال: أخبرني سالم بن عبد الله]. هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رحمة الله عليه ورضي الله عن عبد الله بن عمر، وهو تابعي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [وأبو بكر بن سليمان]. وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة. [أن عبد الله بن عمر قال]. هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 14885

شرح حديث: (لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم) . قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن سهل حدثنا حجاج بن إبراهيم حدثنا ابن وهب حدثني معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم)]. أورد أبو داود هذا الحديث عن أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم)، ونصف اليوم هو خمسمائة سنة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]، فنصفها خمسمائة سنة، فمن العلماء من قال: إن المقصود من ذلك أنه يؤخرها إلى خمسمائة سنة، ولذلك أورده أبو داود هذا الحديث في باب قيام الساعة، ومعناه: أن الساعة قد تقوم بعد خمسمائة سنة، ومن العلماء من قال: إن معناه يتعلق بالفقراء الذين لن يحاسبوا ويدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام والتي هي نصف يوم، فهو لن يعجز الله. قوله: [(لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم)]. المقصود بذلك: أن يؤخر الأغنياء عن دخول الجنة، وأن يمهلهم للحساب، ويدل عليه ما جاء في الحديث الذي فيه أن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة سنة، فهو يبين معنى هذا الحديث، وأنه ليس المقصود بأن الدنيا تنتهي بعد خمسمائة سنة، لأنه مضى على هذا الحديث ألف وأربعمائة وزيادة، يعني: خمسمائة وخمسمائة والخمسمائة الثالثة هي الآن في خمسها الأخير، فإذاً: الذي يبدو أنه كما قال بعض أهل العلم: إن المقصود من ذلك تأخير الأغنياء في الحساب، فيتأخرون عن الفقراء الذين لا حساب عليهم، ويسبقونهم في دخول الجنة بهذه المدة التي هي خمسمائة سنة أو نصف يوم.

стр. 14886

تراجم رجال إسناد حديث: (لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم) . قوله: [حدثنا موسى بن سهل]. موسى بن سهل ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي. [حدثنا حجاج بن إبراهيم]. حجاج بن إبراهيم ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي. [حدثنا ابن وهب]. هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثني معاوية بن صالح]. هو معاوية بن صالح بن حدير، وهو صدوق له أوهام، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن. [عن عبد الرحمن بن جبير]. عبد الرحمن بن جبير بن نفير، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن. [عن أبيه]. وهو ثقة، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن. [عن أبي ثعلبة الخشني]. هو أبو ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر ﵁، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 14887

شرح حديث: (إني لأرجو ألا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبو المغيرة حدثني صفوان عن شريح بن عبيد عن سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ قال: (إني لأرجو ألا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم، قيل لـ سعد: وكم نصف ذلك اليوم؟ قال: خمسمائة سنة)]. أورد أبو داود حديث سعد بن أبي وقاص، وهو بمعنى ذلك الحديث المتقدم، وقد قال فيه: (إني لأرجو ألا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم). يعني: الأغنياء منهم يؤخرهم في الحساب نصف يوم، وهو خمسمائة سنة، أي: أن الأغنياء يتأخر دخولهم عن الفقراء بنصف يوم؛ لأن هؤلاء الفقراء يدخلون قبلهم لأنه لا حساب عليهم، وأما الأغنياء فإنهم يحاسبون على أموالهم ما دخل وما خرج منها.

стр. 14888

تراجم رجال إسناد حديث: (إني لأرجو ألا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم) قوله: [حدثنا عمرو بن عثمان]. هو عمرو بن عثمان الحمصي، وهو صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة. [حدثنا أبو المغيرة] هو عبد القدوس بن حجاج، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثني صفوان]. هو صفوان بن عمرو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن. [عن شريح بن عبيد]. شريح بن عبيد، وهو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة. [عن سعد بن أبي وقاص]. سعد بن أبي وقاص ﵁، الصحابي الجليل، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 14889

الأسئلة

стр. 14890

حكم ترك دعوة الناس أيام الفتن . السؤال هل هذه الأوصاف التي في حديث أيام الصبر تنطبق الآن علينا، فندع العوام وننظر لأنفسنا؟! الجواب لا، ليس للإنسان أن يدع الأمر والنهي؛ لأن الأمر والنهي يفيد وإن كثرت الفتن، وإن كانت هذه الصفات موجودة في كثير من الناس، لكن الحديث كما عرفنا ضعيف.

стр. 14891

الجمع بين حديث أيام الصبر وحديث: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً) السؤال كيف يكون للصابر أجر خمسين منهم مع أن النبي ﷺ يقول: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه). الجواب لأن العمل الذي يحصلونه بسبب صبرهم أجره عظيم، ولكنه بمجموعه وبكل ما حصل فيه لا يمكن أن يساوي أجر الصحبة، ويماثله؛ لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم كل فرد منهم أفضل من كل فرد يجيء من بعدهم، وهذا متفق عليه بين أهل العلم، ولا يعرف خلافه إلا عن أبي عمر بن عبد البر، فإنه قال: يجوز أن يجيء أحد بعد الصحابة أفضل من بعض الصحابة، ولكن هذا خلاف ما عليه العلماء قاطبة، من أن فضل الصحبة لا يعادله شيء، والقليل الذي يحصل من الصحابة لأنه في خدمة الرسول ﵊، وفي الدفاع عنه، وفي الذب عنه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه خير من الكثير من غيرهم. وقوله في الحديث (أجر خمسين منكم) قال في فتح الودود: هذا في الأعمال التي يشق فعلها في تلك الأيام، لا مطلقاً. ومعناه: أنه ليس كل عمل يعملونه أنه ينطبق عليه هذا، وإنما هو في الأمور التي يشق فعلها، والتي يكون فيها وصفه أنه كالقابض على الجمر. قال في عون المعبود: وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: ليس هذا على إطلاقه، بل هو مبني على قاعدتين إحداهما: أن الأعمال تشرف بثمراتها، والثاني: أن الغريب في آخر الإسلام كالغريب في أوله وبالعكس، لقوله ﵊: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء من أمتي)، يريد المنفردين عن أهل زمانهم، إذا تقرر ذلك فنقول: الإنفاق في أول الإسلام أفضل؛ لقوله ﵊ لـ خالد بن الوليد ﵁: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) أي: مد الحنطة، والسبب فيه أن تلك النفقة أثمرت في فتح الإسلام، وإعلاء كلمة الله ما لا يثمر غيرها، وكذلك الجهاد بالنفوس لا يصل المتأخرون فيه إلى فضل المتقدمين؛ لقلة عدد المتقدمين، وقلة أنصارهم، فكان جهادهم أفضل، ولأن بذل النفس مع النصرة ورجاء الحياة ليس كبذلها مع عدمها، ولذلك قال ﵊: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) فجعله أفضل الجهاد ليأسه من حياته، وأما النهي عن المنكر بين ظهور المسلمين، وإظهار شعائر الإسلام فإن ذلك شاق على المتأخرين؛ لعدم المعين، وكثرة المنكر فيهم، كالمنكر على السلطان الجائر ولذلك قال ﵊: (يكون القابض على دينه كالقابض على الجمر)، لا يستطيع دوام ذلك لمزيد المشقة، فكذلك المتأخر في حفظ دينه، وأما المتقدمون فليسو كذلك؛ لكثرة المعين، وعدم المنكر، فعلى هذا ينزل الحديث. انتهى. وعلى كل فلا شك أن الغربة هي غربة في الأول وغربة في الآخر، لكن لا شك أن الغربة الأولى الذين فيها هم خير الناس وأفضلهم، وجهادهم إنما هو مع الرسول ﵊، وعندهم شيء غير الجهاد، وهو تحمل الكتاب والسنة، وكونهم الواسطة بين الناس وبين رسول الله ﷺ ، فلهم من الأجور والفضائل ما يتفوقون به على غيرهم، ولا يمكن أن يدانيهم أحد بعدهم ولو فعل ما فعل، كما حصل في قصة خالد بن الوليد مع عبد الرحمن بن عوف، حيث قال له ﷺ : (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، ومعنى ذلك: أن الكثير من المتأخرين من الصحابة لا يعادل القليل من عمل المتقدمين، وكذلك الذين يجيئون فيما بعد وإن كان أجرهم عظيماً، إلا أنه بمجموعه لا يعدل الشيء القليل من الذي حصل من أصحاب رسول الله ﷺ ، وعندهم زيادة على العمل الذي يعملون ويعمله غيرهم، وهو أنهم هم الواسطة بين الناس وبين رسول الله ﷺ ، فكل صحابي يروي سنة عن رسول الله ﵊ له كل أجور من عمل بها من حين تكلم بها ذلك الصحابي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ويدخل في ذلك هؤلاء الذين حصل لهم ما حصل، وأنهم يقبضون على دينهم كالقابض على الجمر.

стр. 14892

معنى قول ابن عمر: (يريد أن ينخرم ذلك القرن) السؤال ما معنى قول ابن عمر (يريد أن ينخرم ذلك القرن)؟ الجواب ( انخرم) يعني: انتهى وانقضى ذلك القرن أو ذلك الجيل، أو تلك الفئة من الناس الذين كانوا موجودين على قيد الحياة، سواء من كان منهم في أول عمره أو من كان في نهاية عمره، لأن من كان في نهاية عمره يموت في أول تلك المائة، ومن كان في بداية عمره وشاء الله تعالى أن يعمر وأن يصل إلى مائة سنة، فإنه لابد وأن ينتهي قبل المائة السنة، ومن كان قبل ذلك وعمر فإنه ينقضي ولو كان بلغ عمره مائة وعشرين أو مائة وثلاثين أو أكثر من ذلك، المهم أن من كان على قيد الحياة سواء كان كبيراً أو صغيراً لن يأتي مائة سنة من تلك الليلة إلا وقد فنيوا جميعاً.

стр. 14893

إثبات موت الخضر وعدم تعمره . السؤال هل يستثنى الخضر من الحديث الدال على انتهاء الجيل على رأس المائة السنة؟ الجواب الخضر ليس مستثنى؛ لأنه ما جاء شيء يدل على حياته وبقائه، فما من دليل ثابت يدل على أنه حي وموجود، وإن كان قاله جماعة كثيرة من العلماء، وإنما الأدلة تدل على أنه قد مات، ومنها قول الله : ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء:٣٤]، فإن هذه الآية عامة ولا يستثنى منها إلا إذا جاء دليل يدل على بقائه ووجوده كما تقدم في مسيح الهداية ومسيح الضلالة، ومنها هذا الحديث الذي معنا، فإن هذا يدل على أن من كان موجوداً في تلك الليلة لن تأتي عليه مائة سنة إلا وقد مات، فلو كان الخضر موجوداً فإنه سينتهي خلال هذه المدة، ولم يأت دليل يدل على استثنائه، ومنها أن النبي ﷺ لما كان في بدر، وكان سأل الله ورفع يديه وألح على الله تعالى في الدعاء حتى سقط رداؤه وكان من دعائه قوله: (اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض)، ولو هلكت العصابة الموجودة، فإن الخضر موجود يعبد الله في الأرض إذا كان ما مات، وإذا كان على قيد الحياة. ثم أيضاً: لو كان الخضر موجوداً والرسول ﷺ بعثه الله للناس كافة -وهو كما يقول الناس: إنه يصول ويجول في الدنيا- ألا يأتي إلى النبي ﷺ ويتشرف بصحبته ورؤيته ولقائه والجهاد معه، والذب عنه؟! كيف يكون حياً ثم لا يأتي إلى النبي ﵊ ويجاهد معه وهو ذو بأس، كما يظنه من يظنه من الصوفية والذين لهم فيه أحاديث، وكلام كثير حول وجوده؟! كيف يكون موجودا ًولا يأتي إلى النبي ﵊، والنبي ﵊ قال: (لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي)؟ فإذا كان الخضر حياً كيف لا يتبع النبي ﷺ ولا يأتي إليه يتبعه؟ وقال النبي ﷺ عن عيسى إنه إذا نزل سيحكم بشريعته. فالقول الصحيح أنه غير موجود، وأنه قد مات، لما ذكرته من الأدلة التي ذكرها العلماء والدالة على موته وعدم حياته وبقائه. وقد جاء في صحيح مسلم في قصة الرجل الذي يقتله الدجال ويقسمه قطعتين، ثم يعود، ذكر أحد الرواة أنه الخضر، وهذا في صحيح مسلم، وهو من زيادات الراوي عن الإمام مسلم، وابن حجر ﵀ ألف كتاباً سماه: الروض النضر في نبأ الخضر، وذكر أقوال الناس الذين قالوا بحياته ووفاته، والذين قالوا بنبوته أو عدم نبوته، وهو مطبوع ضمن مجموعة الرسائل المنيرية، وكذلك ذكره أيضاً في الإصابة، ولكنه ألف فيه تلك الرسالة الخاصة المطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية، والقول الصحيح: أنه نبي وليس بولي فقط، ودعوى ولايته عول عليها كثير من الناس، حتى جعلوا للأولياء منازل وصفات كلها بناءً على أن الخضر ولي، ومعلوم أن الولي يأخذ من النبي ويتلقى منه، ومعلوماته إنما تأتي من النبي، وليس عنده معلومات من دون أن تأتي من النبي، بل الحق والهدى ما جاء عن الأنبياء، والأولياء هم تابعون للأنبياء، والقول الصحيح أنه نبي وليس بولي، وقصته في سورة الكهف تدل على أنه نبي، وقد ثبت أنه قال لموسى: (أنت على علم من الله لا أعلمه وأنا على علم من الله لا تعلمه) وقال في نفس القصة، في سورة الكهف عدة مواضع ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف:٦٥]، وفي آخرها ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف:٨٢]. فهذا كله يدل على أنه نبي وليس بولي وقوله لموسى: (أنا على علم من الله) معلوم أن العلم الذي يكون عند الناس إما ولي جاء علمه عن طريق الأنبياء أو نبي جاء علمه عن الله .

стр. 14894

شرح سنن أبي داود [٤٩١] من أعظم الجرائم في الإسلام أن يرتد عنه صاحبه إلى الكفران، ولا يحدث هذا إلا من مخذول بالغ في السفه غايته، ولذا قررت الشريعة حداً لمرتكب هذه الجريمة النكراء لا مجاملة فيه ولا مداهنة وهو القتل، إلا أنه عند قتله يجتنب فيه ما حرمته الشريعة كالإحراق أو التمثيل، بل الأمر مبني على الإحسان في كل شيء، ومنه القتل، كما هو معلوم.

стр. 14895

الحكم فيمن ارتد

стр. 14896

شرح حديث: (من بدل دينه فاقتلوه) . قال المصنف رحمه الله تعالى: [أول كتاب الحدود. باب الحكم فيمن ارتد. حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل حدثنا إسماعيل بن إبراهيم أخبرنا أيوب عن عكرمة أن علياً ﵁ أحرق ناساً ارتدوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عباس ﵄ فقال: لم أكن لأحرقهم بالنار، إن رسول الله ﷺ قال: (لا تعذبوا بعذاب الله، وكنت قاتلهم بقول رسول الله ﷺ ، فإن رسول الله ﷺ قال: من بدل دينه فاقتلوه)، فبلغ ذلك علياً ﵁ فقال: ويح ابن عباس!]. أورد أبو داود هذا الكتاب بعد كتاب الملاحم فقال: أول كتاب الحدود، والحدود: جمع حد، وهو الفاصل بين الشيئين، والحدود: هي العقوبات المقدرة في هذه الحياة الدنيا، كأن يكون حد القاذف وعقوبته ثمانون جلدة، والزاني البكر مائة جلدة، والثيب يرجم، والسارق يقطع، فالحدود: هي عقوبات مقدرة في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ، وهي عقوبات دنيوية، لكن هذه العقوبات من حصلت له في الدنيا فإنها نصيبه من العذاب على هذا الذنب الذي أقيم عليه الحد فيه، ولا يعذب عليه في الآخرة؛ لأن الحدود هي جوابر عند أهل السنة والجماعة، كما جاء في حديث عبادة بن الصامت ﵁ الذي فيه: (من أتى شيئاً من هذه المعاصي فأقيم عليه الحد كان كفارة له، ومن ستره الله فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه)، يعني: من ستره الله وتاب تاب الله عليه، ومن مات غير تائب فإنه تحت مشيئة الله، ومن أقيم عليه الحد كان كفارة له؛ ولهذا فإن الحدود عند أهل السنة هي جوابر وزواجر مع بعض؛ فهي جبر للنقص، وهي زجر للذي أقيم عليه الحد ألا يعود مرة أخرى، وزجر لغيره ألا يفعل مثل ما فعل فيقام عليه الحد كما أقيم عليه الحد، فهي جوابر وزواجر. أما المعتزلة القائلون بأن مرتكب الكبيرة كافر ومخلد في النار، فعندهم الحدود زواجر وليست جوابر، ولهذا فالإنسان الذي يموت وهو غير تائب فإنه يكون مخلداً في النار؛ لأنه كافر عندهم، وأما أهل السنة والجماعة فعندهم الحدود جوابر وزواجر، لا يقال: إنها جوابر فقط، ولا يقال: زواجر فقط، فهذا من جملة الأسئلة التي إذا سئل عنها فيقال: هل الحدود جوابر أو زواجر؟ فيقال: هي جوابر وزواجر مع بعض، لا يقال: هي جوابر فقط، ولا يقال: زواجر فقط، وهو من الأسئلة التي يكون الجواب عليها ليس باختيار واحد من الاثنين المسئول عنهما، وإنما الجواب بجمعهما مع بعض، وأن كلاً منهما معترف به، فيقال: هي جوابر وزواجر؛ جوابر من أجل النقص الذي حصل؛ لأن صاحبه حصل العقوبة في الدنيا ولن يعاقب على ذلك في الآخرة، وهي زواجر أيضاً لأن نفس الشخص الذي أقيم عليه الحد ينزجر إذا كان حده لا يؤدي إلى فنائه، مثل الجلد للزاني إذا كان بكراً، ففيه زجر له حتى لا يعود مرة أخرى، وغيره أيضاً ينزجر، ولهذا قال: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢]، لأن المقصود بذلك حتى ينزجروا ويرتدعوا، وحتى لا يقعوا فيما وقع فيه فيحصل لهم مثل الذي حصل له، فهي عند أهل السنة جوابر وزواجر، وعند غيرهم كالمعتزلة والخوارج زواجر فقط وليست جوابر. ويشبه هذا من الأشياء التي يكون الجواب عنها ليس باختيار واحد من الاثنين، وإنما هو مجموع الاثنين قول: هل الإنسان مخير أو مسير؟ و الجواب لا يقال: إنه مخير فقط، ولا يقال: إنه مسير فقط، بل يقال: مخير مسير، فهو مخير باعتبار، ومسير باعتبار، والقول بأنه مسير فقط هذا قول الجبرية، وقول بأنه مخير هذا قول المعتزلة، يقولون: الإنسان هو الذي يخلق فعله ويوجده، وأنه يختار لنفسه ما يختار. والصحيح أنه مخير باعتبار أن عنده عقلاً، وأنه مأمور منهي، وأنه إن فعل ما هو طيب يثاب، وإن فعل ما هو سيئ يعاقب، فهو ليس مجبوراً بل هو مخير، يفعل بمشيئته وإرادته، ولهذا فإن الإنسان إذا فعل بمشيئته واختياره شيئاً عوقب عليه، ولا يقال: إنه مسير، بمعنى: أنه ليس له إرادة ولا مشيئة كما تقوله الجبرية، الذين يقولون: إن الإنسان لا مشيئة له ولا إرادة، فهذا كلام غير صحيح، بل الإنسان له مشيئة وإرادة ولكنها لا تخرج عن مشيئة الله وإرادته، وهو مسير باعتبار أنه لا يخرج عن قضاء الله وقدره، فهو مسير بهذا الاعتبار، ومخير باعتبار أن عنده عقلاً، وهو مكلف ومأمور ومنهي، إن أحسن وجد الثواب، وإن أساء وجد العقاب: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]، فالجواب هو بمجموع الأمرين، والذين يقولون بأنه مسير، بمعنى: أنه مجبور وأنه ليس له إرادة، يتضح فساد قولهم بأن الإنسان له حالتان: حالة يكون فيها عنده قدرة وإرادة ومشيئة، وحالة يكون ليس له قدرة ولا إرادة ولا مشيئة، فالإنسان الذي ترتعش يده وتضطرب فهذا يقال عليه: إنه مسير، ولا يقال: إنه مخير؛ لأنه لو قيل له: أوقف يدك، ما يستطيع، ولو ضرب فإنه لا يستطيع أن يوقف يده؛ لأن الارتعاش ليس من اختياره، لكن كونه يأكل ويشرب ويذهب ويجيء هذا باختياره، فله أن يأكل، وله ألا يأكل، وله أن يدخل، وله ألا يدخل، ولهذا النبي ﷺ قال: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)، لأنه إن كان يطيق المأمور به فإنه يفعله، وإن كان لا يطيقه فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، كما قال ﵊: (فأتوا منه ما استطعتم). وأما فيما يتعلق بالنهي فإنه يقدر أن يتركه؛ لأن هذا الترك مستطاع، ولهذا لم يقيد بقوله ﷺ : (ما استطعتم)، فإذا قيل لإنسان: لا تدخل من هذا الباب، فإنه يقدر على ترك ذلك؛ لأنه ليس ثقيلاً عليه، لكن لو قيل له: احمل هذه الصخرة، فقد يستطيع وقد لا يستطيع؛ لأن هذا أمر، وذاك نهي، فالأمر كل يفعله على قدر طاقته: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، والنهي كل يستطيع تركه، ويبين الفرق بين هذا وهذا قول بعض النحويين في تعريف الفاعل، يقولون: الفاعل: اسم مرفوع يدل على من وحصل منه الحدث أو قام به الحدث، وحصل منه الحدث مثل: أكل، شرب، ذهب، خرج، دخل؛ لأن الدخول والخروج والأكل والشرب حصل لفعل الفاعل، لكن ارتعشت يده، أو مات أو مرض هذا ليس فعلاً، وإنما هو وصف قام به الحدث ولم يفعل هو الحدث، فهذا وصف قام به وليس من فعله، فالمرض ليس من فعله، والموت ليس من فعله، والارتعاش ليس من فعله، فهذا قام به الحدث. فإذا طرح السؤال هل هذا الإنسان مسير أو مخير؟ فالجواب بواحد منهما غير صحيح، والجواب الصحيح أن يقال: هو مخير مسير، مخير باعتبار، ومسير باعتبار، كذلك الحدود هل هي زواجر أو جوابر؟ ليس الجواب واحداً منهما، وإنما الجواب هو مجموعهما. أورد أبو داود ترجمة الباب وهي: [باب الحكم فيمن ارتد]، أي: من ارتد عن دين الإسلام، فإن حده القتل، وليس هو مثل الكافر الأصلي، فالكافر الأصلي لا يقتل إلا عن طريق الجهاد، أو كونه يفعل شيئاً يقتضي قتله، أما الذي كان مسلماً ثم ارتد فإنه إذا لم يرجع إلى الإسلام فإنه يقتل؛ لأنه بدل دينه (من بدل دينه فاقتلوه)، فالمرتد: هو الذي ارتد عن الإسلام والعياذ بالله، حصل الخير ثم أدركه الخذلان، فرجع عن الإيمان إلى الكفر، والعياذ بالله! فكان حده القتل إذا لم يعد إلى الإسلام ولم يتب من ردته، والمرتد حكمه القتل لقوله ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه). ثم أورد أبو داود حديث علي ﵁، وقد جاء فيه عن علي ﵇، وهذه العبارة: ﵇ يؤتى بها في بعض الكتب مع ذكر علي، وذكر الحسن والحسين وفاطمة، وهذا غالباً من عمل نساخ الكتب، وليس من عمل المصنفين والمؤلفين، وقد ذكر ذلك ابن كثير ﵀ في تفسيره، عند قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وقد ذكر في تفسير هذه الآية أنه يوجد في بعض الكتب: عن علي ﵇، وقال: إن هذا من عمل النساخ، عندما يأتي ينسخ كتاباً، ويأتي ذكر علي يكتب: ﵇، والصحابة ﵃ وأرضاهم جميعاً يعاملون معاملة واحدة، والطريقة التي درج عليها سلف هذه الأمة هي الترضي عن الصحابة، والترحم على من بعدهم، وكذلك أيضاً يكون الترحم على الصحابة؛ لأنه جاء ذلك عن السلف، وكذلك الترضي يجوز على غير الصحابة، لكن الذي درج عليه سلف هذه الأمة أن الترضي يكون للصحابة، وهي علامة على الصحابي، والترحم علامة على من بعدهم، وأما ما اشتهر في هذا الزمان من الترحم على الميت، فهذا الشيء اشتهر عند الناس بأن ﵀ تقال للميت، والحي لا يقال له: ﵀، والصحيح أنه يقال له: ﵀، لكن الذي جرى عليه عرف الناس وفهمهم أنهم يطلقونه على من كان قد مات. والرجل الصحابي يعرف أنه صحابي عندما يقال: ﵁ فصارت هذه علامة على الصحابي. قوله: [أن علياً ﵁ أحرق ناساً ارتدوا عن الإسلام]. معناه: أنه قتلهم، ولكنه قتلهم بهذه الوسيلة التي هي الإحراق بالنار، فعندما بلغ ذلك ابن عباس ﵁ قال: إن النار لا يعذب بها إلا الله . قوله: [فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لم أكن لأحرقهم بالنار، إن رسول الله ﷺ قال: (لا تعذبوا بعذاب الله)]. يعني: لو كان الأمر لي، ولو كنت منفذاً ذلك الشيء لم أحرقهم، ول

стр. 14897

منهج أهل السنة في إثبات الإرادة للإنسان . قال المصنف رحمه الله تعالى: [أول كتاب الحدود. باب الحكم فيمن ارتد. حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل حدثنا إسماعيل بن إبراهيم أخبرنا أيوب عن عكرمة أن علياً ﵁ أحرق ناساً ارتدوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عباس ﵄ فقال: لم أكن لأحرقهم بالنار، إن رسول الله ﷺ قال: (لا تعذبوا بعذاب الله، وكنت قاتلهم بقول رسول الله ﷺ ، فإن رسول الله ﷺ قال: من بدل دينه فاقتلوه)، فبلغ ذلك علياً ﵁ فقال: ويح ابن عباس!]. أورد أبو داود هذا الكتاب بعد كتاب الملاحم فقال: أول كتاب الحدود، والحدود: جمع حد، وهو الفاصل بين الشيئين، والحدود: هي العقوبات المقدرة في هذه الحياة الدنيا، كأن يكون حد القاذف وعقوبته ثمانون جلدة، والزاني البكر مائة جلدة، والثيب يرجم، والسارق يقطع، فالحدود: هي عقوبات مقدرة في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ، وهي عقوبات دنيوية، لكن هذه العقوبات من حصلت له في الدنيا فإنها نصيبه من العذاب على هذا الذنب الذي أقيم عليه الحد فيه، ولا يعذب عليه في الآخرة؛ لأن الحدود هي جوابر عند أهل السنة والجماعة، كما جاء في حديث عبادة بن الصامت ﵁ الذي فيه: (من أتى شيئاً من هذه المعاصي فأقيم عليه الحد كان كفارة له، ومن ستره الله فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه)، يعني: من ستره الله وتاب تاب الله عليه، ومن مات غير تائب فإنه تحت مشيئة الله، ومن أقيم عليه الحد كان كفارة له؛ ولهذا فإن الحدود عند أهل السنة هي جوابر وزواجر مع بعض؛ فهي جبر للنقص، وهي زجر للذي أقيم عليه الحد ألا يعود مرة أخرى، وزجر لغيره ألا يفعل مثل ما فعل فيقام عليه الحد كما أقيم عليه الحد، فهي جوابر وزواجر. أما المعتزلة القائلون بأن مرتكب الكبيرة كافر ومخلد في النار، فعندهم الحدود زواجر وليست جوابر، ولهذا فالإنسان الذي يموت وهو غير تائب فإنه يكون مخلداً في النار؛ لأنه كافر عندهم، وأما أهل السنة والجماعة فعندهم الحدود جوابر وزواجر، لا يقال: إنها جوابر فقط، ولا يقال: زواجر فقط، فهذا من جملة الأسئلة التي إذا سئل عنها فيقال: هل الحدود جوابر أو زواجر؟ فيقال: هي جوابر وزواجر مع بعض، لا يقال: هي جوابر فقط، ولا يقال: زواجر فقط، وهو من الأسئلة التي يكون الجواب عليها ليس باختيار واحد من الاثنين المسئول عنهما، وإنما الجواب بجمعهما مع بعض، وأن كلاً منهما معترف به، فيقال: هي جوابر وزواجر؛ جوابر من أجل النقص الذي حصل؛ لأن صاحبه حصل العقوبة في الدنيا ولن يعاقب على ذلك في الآخرة، وهي زواجر أيضاً لأن نفس الشخص الذي أقيم عليه الحد ينزجر إذا كان حده لا يؤدي إلى فنائه، مثل الجلد للزاني إذا كان بكراً، ففيه زجر له حتى لا يعود مرة أخرى، وغيره أيضاً ينزجر، ولهذا قال: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢]، لأن المقصود بذلك حتى ينزجروا ويرتدعوا، وحتى لا يقعوا فيما وقع فيه فيحصل لهم مثل الذي حصل له، فهي عند أهل السنة جوابر وزواجر، وعند غيرهم كالمعتزلة والخوارج زواجر فقط وليست جوابر. ويشبه هذا من الأشياء التي يكون الجواب عنها ليس باختيار واحد من الاثنين، وإنما هو مجموع الاثنين قول: هل الإنسان مخير أو مسير؟ و الجواب لا يقال: إنه مخير فقط، ولا يقال: إنه مسير فقط، بل يقال: مخير مسير، فهو مخير باعتبار، ومسير باعتبار، والقول بأنه مسير فقط هذا قول الجبرية، وقول بأنه مخير هذا قول المعتزلة، يقولون: الإنسان هو الذي يخلق فعله ويوجده، وأنه يختار لنفسه ما يختار. والصحيح أنه مخير باعتبار أن عنده عقلاً، وأنه مأمور منهي، وأنه إن فعل ما هو طيب يثاب، وإن فعل ما هو سيئ يعاقب، فهو ليس مجبوراً بل هو مخير، يفعل بمشيئته وإرادته، ولهذا فإن الإنسان إذا فعل بمشيئته واختياره شيئاً عوقب عليه، ولا يقال: إنه مسير، بمعنى: أنه ليس له إرادة ولا مشيئة كما تقوله الجبرية، الذين يقولون: إن الإنسان لا مشيئة له ولا إرادة، فهذا كلام غير صحيح، بل الإنسان له مشيئة وإرادة ولكنها لا تخرج عن مشيئة الله وإرادته، وهو مسير باعتبار أنه لا يخرج عن قضاء الله وقدره، فهو مسير بهذا الاعتبار، ومخير باعتبار أن عنده عقلاً، وهو مكلف ومأمور ومنهي، إن أحسن وجد الثواب، وإن أساء وجد العقاب: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]، فالجواب هو بمجموع الأمرين، والذين يقولون بأنه مسير، بمعنى: أنه مجبور وأنه ليس له إرادة، يتضح فساد قولهم بأن الإنسان له حالتان: حالة يكون فيها عنده قدرة وإرادة ومشيئة، وحالة يكون ليس له قدرة ولا إرادة ولا مشيئة، فالإنسان الذي ترتعش يده وتضطرب فهذا يقال عليه: إنه مسير، ولا يقال: إنه مخير؛ لأنه لو قيل له: أوقف يدك، ما يستطيع، ولو ضرب فإنه لا يستطيع أن يوقف يده؛ لأن الارتعاش ليس من اختياره، لكن كونه يأكل ويشرب ويذهب ويجيء هذا باختياره، فله أن يأكل، وله ألا يأكل، وله أن يدخل، وله ألا يدخل، ولهذا النبي ﷺ قال: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)، لأنه إن كان يطيق المأمور به فإنه يفعله، وإن كان لا يطيقه فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، كما قال ﵊: (فأتوا منه ما استطعتم). وأما فيما يتعلق بالنهي فإنه يقدر أن يتركه؛ لأن هذا الترك مستطاع، ولهذا لم يقيد بقوله ﷺ : (ما استطعتم)، فإذا قيل لإنسان: لا تدخل من هذا الباب، فإنه يقدر على ترك ذلك؛ لأنه ليس ثقيلاً عليه، لكن لو قيل له: احمل هذه الصخرة، فقد يستطيع وقد لا يستطيع؛ لأن هذا أمر، وذاك نهي، فالأمر كل يفعله على قدر طاقته: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، والنهي كل يستطيع تركه، ويبين الفرق بين هذا وهذا قول بعض النحويين في تعريف الفاعل، يقولون: الفاعل: اسم مرفوع يدل على من وحصل منه الحدث أو قام به الحدث، وحصل منه الحدث مثل: أكل، شرب، ذهب، خرج، دخل؛ لأن الدخول والخروج والأكل والشرب حصل لفعل الفاعل، لكن ارتعشت يده، أو مات أو مرض هذا ليس فعلاً، وإنما هو وصف قام به الحدث ولم يفعل هو الحدث، فهذا وصف قام به وليس من فعله، فالمرض ليس من فعله، والموت ليس من فعله، والارتعاش ليس من فعله، فهذا قام به الحدث. فإذا طرح السؤال هل هذا الإنسان مسير أو مخير؟ فالجواب بواحد منهما غير صحيح، والجواب الصحيح أن يقال: هو مخير مسير، مخير باعتبار، ومسير باعتبار، كذلك الحدود هل هي زواجر أو جوابر؟ ليس الجواب واحداً منهما، وإنما الجواب هو مجموعهما. أورد أبو داود ترجمة الباب وهي: [باب الحكم فيمن ارتد]، أي: من ارتد عن دين الإسلام، فإن حده القتل، وليس هو مثل الكافر الأصلي، فالكافر الأصلي لا يقتل إلا عن طريق الجهاد، أو كونه يفعل شيئاً يقتضي قتله، أما الذي كان مسلماً ثم ارتد فإنه إذا لم يرجع إلى الإسلام فإنه يقتل؛ لأنه بدل دينه (من بدل دينه فاقتلوه)، فالمرتد: هو الذي ارتد عن الإسلام والعياذ بالله، حصل الخير ثم أدركه الخذلان، فرجع عن الإيمان إلى الكفر، والعياذ بالله! فكان حده القتل إذا لم يعد إلى الإسلام ولم يتب من ردته، والمرتد حكمه القتل لقوله ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه). ثم أورد أبو داود حديث علي ﵁، وقد جاء فيه عن علي ﵇، وهذه العبارة: ﵇ يؤتى بها في بعض الكتب مع ذكر علي، وذكر الحسن والحسين وفاطمة، وهذا غالباً من عمل نساخ الكتب، وليس من عمل المصنفين والمؤلفين، وقد ذكر ذلك ابن كثير ﵀ في تفسيره، عند قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وقد ذكر في تفسير هذه الآية أنه يوجد في بعض الكتب: عن علي ﵇، وقال: إن هذا من عمل النساخ، عندما يأتي ينسخ كتاباً، ويأتي ذكر علي يكتب: ﵇، والصحابة ﵃ وأرضاهم جميعاً يعاملون معاملة واحدة، والطريقة التي درج عليها سلف هذه الأمة هي الترضي عن الصحابة، والترحم على من بعدهم، وكذلك أيضاً يكون الترحم على الصحابة؛ لأنه جاء ذلك عن السلف، وكذلك الترضي يجوز على غير الصحابة، لكن الذي درج عليه سلف هذه الأمة أن الترضي يكون للصحابة، وهي علامة على الصحابي، والترحم علامة على من بعدهم، وأما ما اشتهر في هذا الزمان من الترحم على الميت، فهذا الشيء اشتهر عند الناس بأن ﵀ تقال للميت، والحي لا يقال له: ﵀، والصحيح أنه يقال له: ﵀، لكن الذي جرى عليه عرف الناس وفهمهم أنهم يطلقونه على من كان قد مات. والرجل الصحابي يعرف أنه صحابي عندما يقال: ﵁ فصارت هذه علامة على الصحابي. قوله: [أن علياً ﵁ أحرق ناساً ارتدوا عن الإسلام]. معناه: أنه قتلهم، ولكنه قتلهم بهذه الوسيلة التي هي الإحراق بالنار، فعندما بلغ ذلك ابن عباس ﵁ قال: إن النار لا يعذب بها إلا الله . قوله: [فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لم أكن لأحرقهم بالنار، إن رسول الله ﷺ قال: (لا تعذبوا بعذاب الله)]. يعني: لو كان الأمر لي، ولو كنت منفذاً ذلك الشيء لم أحرقهم، ول

стр. 14898

النهي عن قتل الرجل حرقاً حتى وإن كان مستحقاً للقتل . قال المصنف رحمه الله تعالى: [أول كتاب الحدود. باب الحكم فيمن ارتد. حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل حدثنا إسماعيل بن إبراهيم أخبرنا أيوب عن عكرمة أن علياً ﵁ أحرق ناساً ارتدوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عباس ﵄ فقال: لم أكن لأحرقهم بالنار، إن رسول الله ﷺ قال: (لا تعذبوا بعذاب الله، وكنت قاتلهم بقول رسول الله ﷺ ، فإن رسول الله ﷺ قال: من بدل دينه فاقتلوه)، فبلغ ذلك علياً ﵁ فقال: ويح ابن عباس!]. أورد أبو داود هذا الكتاب بعد كتاب الملاحم فقال: أول كتاب الحدود، والحدود: جمع حد، وهو الفاصل بين الشيئين، والحدود: هي العقوبات المقدرة في هذه الحياة الدنيا، كأن يكون حد القاذف وعقوبته ثمانون جلدة، والزاني البكر مائة جلدة، والثيب يرجم، والسارق يقطع، فالحدود: هي عقوبات مقدرة في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ ، وهي عقوبات دنيوية، لكن هذه العقوبات من حصلت له في الدنيا فإنها نصيبه من العذاب على هذا الذنب الذي أقيم عليه الحد فيه، ولا يعذب عليه في الآخرة؛ لأن الحدود هي جوابر عند أهل السنة والجماعة، كما جاء في حديث عبادة بن الصامت ﵁ الذي فيه: (من أتى شيئاً من هذه المعاصي فأقيم عليه الحد كان كفارة له، ومن ستره الله فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه)، يعني: من ستره الله وتاب تاب الله عليه، ومن مات غير تائب فإنه تحت مشيئة الله، ومن أقيم عليه الحد كان كفارة له؛ ولهذا فإن الحدود عند أهل السنة هي جوابر وزواجر مع بعض؛ فهي جبر للنقص، وهي زجر للذي أقيم عليه الحد ألا يعود مرة أخرى، وزجر لغيره ألا يفعل مثل ما فعل فيقام عليه الحد كما أقيم عليه الحد، فهي جوابر وزواجر. أما المعتزلة القائلون بأن مرتكب الكبيرة كافر ومخلد في النار، فعندهم الحدود زواجر وليست جوابر، ولهذا فالإنسان الذي يموت وهو غير تائب فإنه يكون مخلداً في النار؛ لأنه كافر عندهم، وأما أهل السنة والجماعة فعندهم الحدود جوابر وزواجر، لا يقال: إنها جوابر فقط، ولا يقال: زواجر فقط، فهذا من جملة الأسئلة التي إذا سئل عنها فيقال: هل الحدود جوابر أو زواجر؟ فيقال: هي جوابر وزواجر مع بعض، لا يقال: هي جوابر فقط، ولا يقال: زواجر فقط، وهو من الأسئلة التي يكون الجواب عليها ليس باختيار واحد من الاثنين المسئول عنهما، وإنما الجواب بجمعهما مع بعض، وأن كلاً منهما معترف به، فيقال: هي جوابر وزواجر؛ جوابر من أجل النقص الذي حصل؛ لأن صاحبه حصل العقوبة في الدنيا ولن يعاقب على ذلك في الآخرة، وهي زواجر أيضاً لأن نفس الشخص الذي أقيم عليه الحد ينزجر إذا كان حده لا يؤدي إلى فنائه، مثل الجلد للزاني إذا كان بكراً، ففيه زجر له حتى لا يعود مرة أخرى، وغيره أيضاً ينزجر، ولهذا قال: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢]، لأن المقصود بذلك حتى ينزجروا ويرتدعوا، وحتى لا يقعوا فيما وقع فيه فيحصل لهم مثل الذي حصل له، فهي عند أهل السنة جوابر وزواجر، وعند غيرهم كالمعتزلة والخوارج زواجر فقط وليست جوابر. ويشبه هذا من الأشياء التي يكون الجواب عنها ليس باختيار واحد من الاثنين، وإنما هو مجموع الاثنين قول: هل الإنسان مخير أو مسير؟ و الجواب لا يقال: إنه مخير فقط، ولا يقال: إنه مسير فقط، بل يقال: مخير مسير، فهو مخير باعتبار، ومسير باعتبار، والقول بأنه مسير فقط هذا قول الجبرية، وقول بأنه مخير هذا قول المعتزلة، يقولون: الإنسان هو الذي يخلق فعله ويوجده، وأنه يختار لنفسه ما يختار. والصحيح أنه مخير باعتبار أن عنده عقلاً، وأنه مأمور منهي، وأنه إن فعل ما هو طيب يثاب، وإن فعل ما هو سيئ يعاقب، فهو ليس مجبوراً بل هو مخير، يفعل بمشيئته وإرادته، ولهذا فإن الإنسان إذا فعل بمشيئته واختياره شيئاً عوقب عليه، ولا يقال: إنه مسير، بمعنى: أنه ليس له إرادة ولا مشيئة كما تقوله الجبرية، الذين يقولون: إن الإنسان لا مشيئة له ولا إرادة، فهذا كلام غير صحيح، بل الإنسان له مشيئة وإرادة ولكنها لا تخرج عن مشيئة الله وإرادته، وهو مسير باعتبار أنه لا يخرج عن قضاء الله وقدره، فهو مسير بهذا الاعتبار، ومخير باعتبار أن عنده عقلاً، وهو مكلف ومأمور ومنهي، إن أحسن وجد الثواب، وإن أساء وجد العقاب: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]، فالجواب هو بمجموع الأمرين، والذين يقولون بأنه مسير، بمعنى: أنه مجبور وأنه ليس له إرادة، يتضح فساد قولهم بأن الإنسان له حالتان: حالة يكون فيها عنده قدرة وإرادة ومشيئة، وحالة يكون ليس له قدرة ولا إرادة ولا مشيئة، فالإنسان الذي ترتعش يده وتضطرب فهذا يقال عليه: إنه مسير، ولا يقال: إنه مخير؛ لأنه لو قيل له: أوقف يدك، ما يستطيع، ولو ضرب فإنه لا يستطيع أن يوقف يده؛ لأن الارتعاش ليس من اختياره، لكن كونه يأكل ويشرب ويذهب ويجيء هذا باختياره، فله أن يأكل، وله ألا يأكل، وله أن يدخل، وله ألا يدخل، ولهذا النبي ﷺ قال: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)، لأنه إن كان يطيق المأمور به فإنه يفعله، وإن كان لا يطيقه فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، كما قال ﵊: (فأتوا منه ما استطعتم). وأما فيما يتعلق بالنهي فإنه يقدر أن يتركه؛ لأن هذا الترك مستطاع، ولهذا لم يقيد بقوله ﷺ : (ما استطعتم)، فإذا قيل لإنسان: لا تدخل من هذا الباب، فإنه يقدر على ترك ذلك؛ لأنه ليس ثقيلاً عليه، لكن لو قيل له: احمل هذه الصخرة، فقد يستطيع وقد لا يستطيع؛ لأن هذا أمر، وذاك نهي، فالأمر كل يفعله على قدر طاقته: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، والنهي كل يستطيع تركه، ويبين الفرق بين هذا وهذا قول بعض النحويين في تعريف الفاعل، يقولون: الفاعل: اسم مرفوع يدل على من وحصل منه الحدث أو قام به الحدث، وحصل منه الحدث مثل: أكل، شرب، ذهب، خرج، دخل؛ لأن الدخول والخروج والأكل والشرب حصل لفعل الفاعل، لكن ارتعشت يده، أو مات أو مرض هذا ليس فعلاً، وإنما هو وصف قام به الحدث ولم يفعل هو الحدث، فهذا وصف قام به وليس من فعله، فالمرض ليس من فعله، والموت ليس من فعله، والارتعاش ليس من فعله، فهذا قام به الحدث. فإذا طرح السؤال هل هذا الإنسان مسير أو مخير؟ فالجواب بواحد منهما غير صحيح، والجواب الصحيح أن يقال: هو مخير مسير، مخير باعتبار، ومسير باعتبار، كذلك الحدود هل هي زواجر أو جوابر؟ ليس الجواب واحداً منهما، وإنما الجواب هو مجموعهما. أورد أبو داود ترجمة الباب وهي: [باب الحكم فيمن ارتد]، أي: من ارتد عن دين الإسلام، فإن حده القتل، وليس هو مثل الكافر الأصلي، فالكافر الأصلي لا يقتل إلا عن طريق الجهاد، أو كونه يفعل شيئاً يقتضي قتله، أما الذي كان مسلماً ثم ارتد فإنه إذا لم يرجع إلى الإسلام فإنه يقتل؛ لأنه بدل دينه (من بدل دينه فاقتلوه)، فالمرتد: هو الذي ارتد عن الإسلام والعياذ بالله، حصل الخير ثم أدركه الخذلان، فرجع عن الإيمان إلى الكفر، والعياذ بالله! فكان حده القتل إذا لم يعد إلى الإسلام ولم يتب من ردته، والمرتد حكمه القتل لقوله ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه). ثم أورد أبو داود حديث علي ﵁، وقد جاء فيه عن علي ﵇، وهذه العبارة: ﵇ يؤتى بها في بعض الكتب مع ذكر علي، وذكر الحسن والحسين وفاطمة، وهذا غالباً من عمل نساخ الكتب، وليس من عمل المصنفين والمؤلفين، وقد ذكر ذلك ابن كثير ﵀ في تفسيره، عند قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وقد ذكر في تفسير هذه الآية أنه يوجد في بعض الكتب: عن علي ﵇، وقال: إن هذا من عمل النساخ، عندما يأتي ينسخ كتاباً، ويأتي ذكر علي يكتب: ﵇، والصحابة ﵃ وأرضاهم جميعاً يعاملون معاملة واحدة، والطريقة التي درج عليها سلف هذه الأمة هي الترضي عن الصحابة، والترحم على من بعدهم، وكذلك أيضاً يكون الترحم على الصحابة؛ لأنه جاء ذلك عن السلف، وكذلك الترضي يجوز على غير الصحابة، لكن الذي درج عليه سلف هذه الأمة أن الترضي يكون للصحابة، وهي علامة على الصحابي، والترحم علامة على من بعدهم، وأما ما اشتهر في هذا الزمان من الترحم على الميت، فهذا الشيء اشتهر عند الناس بأن ﵀ تقال للميت، والحي لا يقال له: ﵀، والصحيح أنه يقال له: ﵀، لكن الذي جرى عليه عرف الناس وفهمهم أنهم يطلقونه على من كان قد مات. والرجل الصحابي يعرف أنه صحابي عندما يقال: ﵁ فصارت هذه علامة على الصحابي. قوله: [أن علياً ﵁ أحرق ناساً ارتدوا عن الإسلام]. معناه: أنه قتلهم، ولكنه قتلهم بهذه الوسيلة التي هي الإحراق بالنار، فعندما بلغ ذلك ابن عباس ﵁ قال: إن النار لا يعذب بها إلا الله . قوله: [فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لم أكن لأحرقهم بالنار، إن رسول الله ﷺ قال: (لا تعذبوا بعذاب الله)]. يعني: لو كان الأمر لي، ولو كنت منفذاً ذلك الشيء لم أحرقهم، ول

стр. 14899

تراجم رجال إسناد حديث: (من بدل دينه فاقتلوه) . قوله: [حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل]. هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، الإمام المحدث الفقيه، من أئمة المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا إسماعيل بن إبراهيم]. هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم المشهور بـ ابن علية، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا أيوب]. هو أيوب بن أبي تميمة السختياني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عكرمة]. هو عكرمة مولى ابن عباس، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عباس]. ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهو صحابي جليل أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 14900

حد الردة ليس من الحدود المكفرة . أورد الحديث هنا في كتاب الحدود من أجل الردة، لكن ليس معنى ذلك أنه يكون كفارة له، كالحدود التي هي كفارات؛ لأنه قتل كافراً، فانتهت حياته بهذه الوسيلة ومآله إلى النار ما دام أنه لم يتب، ولو تاب لم يقتل، فحد المرتد لا يكون من الحدود المكفرة؛ لأن صاحبه خالد مخلد في النار، فهو أورده أبو داود في كتاب الحدود، ولكنه ليس من الحدود التي تكون كفارات؛ لأن صاحبه خرج من الإسلام، ومات على الكفر والعياذ بالله!

стр. 14901

شرح حديث: (لا يحل دم رجل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عمرو بن عون أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يحل دم رجل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)]. أورد أبو داود حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (لا يحل دم رجل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) ومحل الشاهد هو هذا الأخير (التارك لدينه المفارق للجماعة) أي: المرتد الذي ارتد عن الإسلام، وفارق جماعة المسلمين، فإنه يقتل، وهؤلاء الثلاثة يقتلون، الثيب الزاني يقتل والوسيلة هي الرجم. قوله: [(والنفس بالنفس)]، إنسان قتل إنساناً عمداً فإنه يقتل به، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة:١٧٨]، قال بعد ذلك: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة:١٧٩]. قوله: [(والتارك لدينه المفارق للجماعة)] التارك لدينه أي: الذي ارتد عن دين الإسلام، وفارق جماعة المسلمين بردته، فإن حكمه أن يقتل، فهذا الحديث عن عبد الله بن مسعود، وهو متفق عليه، وقد ذكر أشياء يكون فيها القتل، مثل الصائل إذا لم يندفع إلا بالقتل فإنه يقتل، وهذا يكون مما أذن فيه، ولكنه لا يقتل ابتداءً، بل الواجب هو الدرء ما استطاع بغير القتل، وأما هذه الأمور الثلاثة التي جاءت فإن القتل فيها يكون من أول وهلة.

стр. 14902

تراجم رجال إسناد حديث: (لا يحل دم رجل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث) قوله: [حدثنا عمرو بن عون]. عمرو بن عون ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا أبو معاوية]. هو أبو معاوية محمد بن خازم الضرير الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الأعمش]. هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الله بن مرة]. عبد الله بن مرة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن مسروق]. هو مسروق بن الأجدع، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الله]. هو عبد الله بن مسعود الهذلي صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 14903

شرح حديث: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث) قال المصنف رحمه الله تعالى [حدثنا محمد بن سنان الباهلي حدثنا إبراهيم بن طهمان عن عبد العزيز بن رفيع عن عبيد الله بن عمير عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصان فإنه يرجم، ورجل خرج محارباً لله ورسوله فإنه يقتل أو يصلب، أو ينفى من الأرض، أو يقتل نفساً فيقتل بها)]. أورد أبو داود حديث عائشة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها، أن النبي ﷺ قال (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصان فإنه يرجم، ورجل خرج محارباً لله ورسوله فإنه يقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض، أو يقتل نفساً فيقتل بها). ذكر هنا في هذا الحديث الرجل الزاني المحصن، وكذلك قتل القاتل قصاصاً، ولم يذكر الردة، ولكنه ذكر المحاربة، وهو سيذكر في باب المحاربة؛ لأنه يتعلق بأحكام المحاربة، وقد يكون أورده في باب الردة من جهة أن الذي يحارب الله ورسوله يحصل منه الردة، فيكون ذكره من هذه الناحية، والحديث الذي سبق أن مر وهو حديث ابن مسعود ذكر الثلاثة: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة، وهذا مثله فيما يتعلق بالزاني وفيما يتعلق بالنفس بالنفس، وأما ما يتعلق بالقسم الثالث الذي هو المحاربة، وإذا كان الذي حصل منه ذلك ارتد عن الإسلام، وفعل هذه الأمور فإنه يدخل تحت هذا الباب الذي هو: باب الحكم فيمن المرتد. قوله: [(لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله)]، كلمة (مسلم) هذه فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، لأنه لا يدخل الإسلام بدون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فتكون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صفة كاشفة، يعني: أنها زيادة توضيح وبيان وأن شأن المسلم أن يكون كذلك، فالشهادتان تعتبر صفة كاشفة؛ لأن الإسلام لا يكون إلا بالشهادتين، وبدون الشهادتين لا يدخل في الإسلام. قوله: [(دم امرئ مسلم)]. يعني: يدل على أنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ لأنه إذا لم يكن كذلك لا يقال: إنه مسلم، وعلى هذا تكون (يشهد أن لا إله الله وأن محمداً رسول الله) صفة كاشفة، وهي التي توضح وتبين. قوله: [(رجل زنى بعد إحصان فإنه يرجم)]. يعني: أنه محصن ولم يكن بكراً، فالبكر حكمه الجلد مائة والتغريب مدة عام، وأما الثيب فإنه يرجم بالحجارة حتى الموت؛ لأن في رمي الحجارة عقوبة على سائر الجسد، وأن الحجارة تقع عليه هنا وهنا، لأن اللذة التي حصلت بالجماع هي في جميع الجسد، فكان حكمه أن يرجم وأن يقتل هذه القتلة؛ لأن العمل الذي عمله فيه خبث، ولأنه قد أعف نفسه بالحلال فأقدم على الحرام فصارت عقوبته أن يرجم. وأما ما يتعلق بالحرابة فقد جاء في القرآن الكريم بيان الأحوال التي يكون عليها معاملة الحرابة وذلك في قول الله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣]، هذه أحوال من أربع تكون للمحاربة، وقد اختلف العلماء فيها فمنهم من قال: إن الإمام مخير بين هذه الأمور وغيرها، يفعل ما فيه المصلحة، ومنهم من فصل وقال: إن قتل وأخذ المال صلب، وإن قتل ولم يأخذ مالاً فإنه يقتل، ومن أخذ مالاً ولم يقتل فإنه تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى من خلاف كما جاء ذلك في القرآن، والذي جاء في الحديث ليس فيه ذكر ما جاء في القرآن فيكون فيه اختصار، وذكره لكلمة (رجل) لا مفهوم له في الحرابة. قوله: (ورجل خرج محارباً لله ورسوله فإنه يقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض). لا يوجد فيه ذكر القطع للأيدي والأرجل من خلاف.

стр. 14904

تراجم رجال إسناد حديث: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا بإحدى ثلاث) قوله: [حدثنا محمد بن سنان الباهلي]. محمد بن سنان الباهلي ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة. [حدثنا إبراهيم بن طهمان]. إبراهيم بن طهمان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبد العزيز بن رفيع]. عبد العزيز بن رفيع ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبيد الله بن عمير]. عبيد الله بن عمير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عائشة]. عائشة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها، الصديقة بنت الصديقة، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 14905

لا يستدل بالحديث على إسلام تارك الصلاة . وهذا الحديث لا يدل على أن تارك الصلاة لا يكفر، وأنه يكفي في دخوله الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ لأن تارك الصلاة جاءت الأحاديث في كفره، وذلك في قوله ﵊: (بين المسلم وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة)، وقال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، وقال في الولاة الذين سئل عن الخروج عليهم: (لا، ما صلوا) وقد جاء في الحديث الآخر: (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان) فدل على أن ترك الصلاة هي من الكفر الذي عند الناس فيه من الله برهان، فالحديث وإن لم يأت بنص على كفر تارك الصلاة هنا إلا أنه جاءت نصوص أخرى دلت على أن تارك الصلاة من جملة الكفار.

стр. 14906

شرح حديث أبي موسى في قتل اليهودي الذي أسلم ثم ارتد . قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن حنبل ومسدد قالا: حدثنا يحيى بن سعيد قال مسدد: حدثنا قرة بن خالد حدثنا حميد بن هلال حدثنا أبو بردة قال: قال أبو موسى: (أقبلت إلى النبي ﷺ ومعي رجلان من الأشعريين أحدهما عن يميني والآخر عن يساري، فكلاهما سأل العمل، والنبي ﷺ ساكت، فقال: ما تقول يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس؟ قلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، وكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته قلصت، قال: لن نستعمل، أو لا نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس، فبعثه على اليمن، ثم اتبعه معاذ بن جبل قال: فلما قدم عليه معاذ قال: انزل وألقى إليه وسادة، وإذا رجل عنده موثق، قال ما هذا؟، قال: هذا كان يهودياً فأسلم ثم راجع دينه دين السوء، قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله، قال: اجلس نعم. قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله ثلاث مرات، فأمر به فقتل، ثم تذاكرا قيام الليل، فقال أحدهما معاذ بن جبل: أما أنا فأنام وأقوم، أو أقوم وأنام، وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي)]. أورد أبو داود حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أنه جاء إلى النبي ﷺ ومعه اثنان من الأشعريين أحدهما عن يمينه والثاني عن يساره، وكانا يريدان العمل، وأن يوليا ولم يشعرا أبا موسى بالذي في أنفسهما والذي يريدان أن يقولاه لرسول الله ﷺ ، فلما وصلوا تكلموا وكلهم يطلب العمل، وأبو موسى الأشعري ساكت، فالرسول سأل أبا موسى، قال: والله ما علمت بالشيء الذي أرادا، فما كان يدري عن قصدهما، فبرأ نفسه من أن يكون موافقاً لهما، وأن يكون طالباً هذا الذي يطلبانه، فالرسول ﷺ عند ذلك ولاه ولم يولهما، فقال: (إنا لا نولي هذا الأمر أحداً طلبه) وذلك أن الإنسان إذا حرص على ولاية قد لا يوفق في القيام بها، ولكنه إذا لم يكن حريصاً ثم ابتلي بها فإنه تكون مظنة بأن يحصل له التوفيق في ذلك، ولهذا قال النبي ﵊: (إنا لا نولى هذا الأمر أحداً طلبه) فولى أبا موسى ولم يولهما، وفيه أن النبي صلى عندما جاءوا إليه كان يستاك، وشفتاه قد ارتفعت بسبب السواك. ولذلك قال: (وكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته قلصت). يعني: ارتفعت أو انحسرت بسبب السواك. قوله: [(لا نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس)]. هو شك من الراوي هل قال الرسول: يا أبا موسى أو قال عبد الله بن قيس؟ أي: هل خاطبه بكنيته أو باسمه، ومخاطبة النبي ﷺ إياه في موضعين من الحديث، وكل ذلك بالشك من الراوي، هل قال الرسول ﷺ : يا أبا موسى أو قال يا عبد الله بن قيس؟ فأرسله إلى اليمن وولاه عليها، ثم أتبعه بـ معاذ، وكان كل واحد منهما له مخلاف، أي: له مكان معين يكون والياً عليه، فكان يسير كل واحد منهما فيما هو تحت ولايته، فيلتقيان في على الحدود بين المخلافين، فلما جاء معاذ إلى أبي موسى وكان راكباً على دابته، أي: معاذ، قال له: أنزل ووضع له وسادة ليجلس عليها، فقال: ما هذا الذي هو موثق؟ وكان عندهم رجل موثق بالحبال، فقالوا: هذا كان يهودياً فأسلم ثم ارتد عن الإسلام وراجع دينه دين السوء، أي: رجع إلى الكفر، فقال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله، أي: هذا قضاء الله ورسوله، أو هذا حكم الله ورسوله، فكرر عليه، ثم بعد ذلك أمر به فقتل، فنزل، فصارا يتحدثان فيما بينهما، وكان من كلام معاذ رضي الله تعالى عنه فيما يتعلق بصلاة الليل أنه ينام ويقوم يعني: ليس كل ليله نوم، وليس كل ليله قيام، وإنما بعضه قيام وبعضه نوم، ويقول: أرجو في نومتي ما أرجوه في قومتي، يعني: أنه يقصد من وراء النوم التقوي على القيام، وفي هذا دليل على أن الأعمال المباحة إذا احتسب فيها العبد فإنه يؤجر عليها؛ لأنه قال: يرجو أن يحصل الأجر في حال نومته مثل ما يحصل في حال قومته؛ لأنه إنما نام ليتقوى ولينشط على القيام، ومحل الشاهد من الحديث: قتل ذلك اليهودي الذي ارتد عن الإسلام وقال: هذا قضاء الله ورسوله يعني: أنه يقتل كما مر في الحديث: (من بدل دينه فاقتلوه).

стр. 14907

تراجم رجال إسناد حديث أبي موسى في قتل اليهودي الذي أسلم ثم ارتد . قوله: [حدثنا أحمد بن حنبل]. هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، الإمام الفقيه المحدث، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [ومسدد]. هو مسدد بن مسرهد البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. [قالا: حدثنا يحيى بن سعيد]. هو يحيى بن سعيد القطان البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [قال مسدد: حدثنا قرة بن خالد]. قرة بن خالد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا حميد بن هلال]. حميد بن هلال ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا أبو بردة]. هو أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [قال: قال أبو موسى]. هو أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس رضي الله تعالى عنه، وهو صحابي أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

стр. 14908

فوائد من حديث أبي موسى في قتل اليهودي الذي أسلم ثم ارتد . والمرتد إذا تاب فإنه لا يقتل، واليهودي هنا قد استتيب ولم يتب. وأما بالنسبة لمدة الاستتابة فإنه يوجد خلاف بين العلماء فمنهم من قال: إنه يستتاب مدة ثلاثة أيام، ومنهم من يقول أقل أو أكثر، ومنهم من يقول: يكرر عليه في الحال، ثم يقتل في، ولا شك أنه يستتاب في هذه المدة فإن أصر على كفره ولم يعد إلى الإسلام فإنه يقتل. ويستفاد من هذا الحديث على إباحة الاستياك بحضرة الرعية، ولهذا بوب له بعض أهل العلم، فقال: باب استياك الإمام بحضرة رعيته، يعني: أنه ليس من الأشياء التي تستقذر ولا تفعل أمام الناس. وأما الاستياك باليد اليسرى أو اليمنى فالأمر في ذلك واسع. كذلك إذا كان الإنسان يرغب بالولاية في نفسه ولم يطلبها باللسان، ثم صارت إليه فإنه لا يدخل فيمن طلب الولاية.

стр. 14909

شرح حديث أبي موسى في قتل اليهودي الذي أسلم ثم ارتد من طريق ثانية . قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن علي حدثنا الحماني -يعني عبد الحميد بن عبد الرحمن - عن طلحة بن يحيى وبريد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي بردة عن أبي موسى قال: (قدم عليّ معاذ وأنا باليمن، ورجل كان يهودياً فأسلم فارتد عن الإسلام، فلما قدم معاذ قال: لا أنزل عن دابتي حتى يقتل، فقتل) قال أحدهما: وكان قد استتيب قبل ذلك]. أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى، وفيه ذكر قصة المرتد باختصار وقال أحدهما: أي: أحد الراويين اللذين هما: طلحة وبريد بن عبد الله بن أبي بردة. قال أحدهما: إنه استتيب قبل ذلك، يعني: هذا الذي قتل والذي جاء في قصة معاذ وأبي موسى استتيب، وأن قتله كان بعد استتابته.

стр. 14910

تراجم رجال إسناد حديث أبي موسى في قتل اليهودي الذي أسلم ثم ارتد من طريق ثانية . قوله: [حدثنا الحسن بن علي]. هو الحسن بن علي الحلواني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي. [حدثنا الحماني -يعني عبد الحميد بن عبد الرحمن -]. عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني صدوق، أخرج حديثه البخاري ومسلم في المقدمة وأبو داود والترمذي وابن ماجة. [عن طلحة بن يحيى]. هو طلحة بن يحيى التيمي، وهو صدوق يخطئ، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [وبريد بن عبد الله بن أبي بردة]. بريد بن عبد الله بن أبي بردة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي بردة عن أبي موسى]. أبو بردة وأبو موسى قد مر ذكرهما.

стр. 14911

حديث أبي موسى في قتل اليهودي الذي أسلم ثم ارتد من طريق ثالثة، وتراجم رجال إسناده . قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن العلاء حدثنا حفص حدثنا الشيباني عن أبي بردة بهذه القصة، قال: فأتي أبو موسى برجل قد ارتد عن الإسلام، فدعاه عشرين ليلة أو قريباً منها، فجاء معاذ فدعاه فأبى، فضرب عنقه]. أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى وفيه ما في الذي قبله، وذكرها هنا أنه استتابه وأمهله مدة طويلة. قوله: [حدثنا محمد بن العلاء]. هو محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا حفص]. هو حفص بن غياث، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا الشيباني]. هو سليمان بن فيروز أبو إسحاق، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي بردة بهذه القصة]. أبو بردة مر ذكره. [قال أبو داود: ورواه عبد الملك بن عمير عن أبي بردة ولم يذكر الاستتابة]. عبد الملك بن عمير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. قوله: [عن أبي بردة ولم يذكر الاستتابة]. يعني: أنه ما ذكر أنه استتيب إذا كان ذكره من كان قبله، وكونه لم يذكر الاستتابة لا يدل على أنها ما حصلت، فهو ما نفى الاستتابة وإنما سكت عنها، فيكون ذكرها هو الثابت، وكونه لم يستتبه إما اكتفاء بالاستتابة السابقة، وأنه قد استتيب من قبل، كما جاء في بعض الروايات التي مرت أنه استتيب مدة عشرين ليلة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ورواه ابن فضيل عن الشيباني عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى لم يذكر فيه الاستتابة]. ثم ذكر طريقاً أخرى. [ورواه ابن فضيل]. هو محمد بن فضيل بن غزوان، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الشيباني عن سعيد بن أبي بردة]. الشيباني مر ذكره، وسعيد بن أبي بردة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبيه عن أبي موسى لم يذكر فيه الاستتابة]. يعني: ما قال: ولم يستتبه، وإنما سكت عنها، وعدم الذكر لا يدل على عدمها، وإنما الشيء الذي يمكن أن يعتبر معارضاً هو إذا قالوا: ولم يستتبه، ولو قال ذلك يمكن أن يحمل على أنه في آخر العمر عند اللحظة التي قتل فيها وكان مستتاباً قبل ذلك.

стр. 14912

الأسانيد التي لم يذكر فيها الاستتابة في حديث قتل اليهودي الذي أسلم ثم ارتد . قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن العلاء حدثنا حفص حدثنا الشيباني عن أبي بردة بهذه القصة، قال: فأتي أبو موسى برجل قد ارتد عن الإسلام، فدعاه عشرين ليلة أو قريباً منها، فجاء معاذ فدعاه فأبى، فضرب عنقه]. أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى وفيه ما في الذي قبله، وذكرها هنا أنه استتابه وأمهله مدة طويلة. قوله: [حدثنا محمد بن العلاء]. هو محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا حفص]. هو حفص بن غياث، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا الشيباني]. هو سليمان بن فيروز أبو إسحاق، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي بردة بهذه القصة]. أبو بردة مر ذكره. [قال أبو داود: ورواه عبد الملك بن عمير عن أبي بردة ولم يذكر الاستتابة]. عبد الملك بن عمير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. قوله: [عن أبي بردة ولم يذكر الاستتابة]. يعني: أنه ما ذكر أنه استتيب إذا كان ذكره من كان قبله، وكونه لم يذكر الاستتابة لا يدل على أنها ما حصلت، فهو ما نفى الاستتابة وإنما سكت عنها، فيكون ذكرها هو الثابت، وكونه لم يستتبه إما اكتفاء بالاستتابة السابقة، وأنه قد استتيب من قبل، كما جاء في بعض الروايات التي مرت أنه استتيب مدة عشرين ليلة. قال المصنف رحمه الله تعالى: [ورواه ابن فضيل عن الشيباني عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى لم يذكر فيه الاستتابة]. ثم ذكر طريقاً أخرى. [ورواه ابن فضيل]. هو محمد بن فضيل بن غزوان، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الشيباني عن سعيد بن أبي بردة]. الشيباني مر ذكره، وسعيد بن أبي بردة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبيه عن أبي موسى لم يذكر فيه الاستتابة]. يعني: ما قال: ولم يستتبه، وإنما سكت عنها، وعدم الذكر لا يدل على عدمها، وإنما الشيء الذي يمكن أن يعتبر معارضاً هو إذا قالوا: ولم يستتبه، ولو قال ذلك يمكن أن يحمل على أنه في آخر العمر عند اللحظة التي قتل فيها وكان مستتاباً قبل ذلك.

стр. 14913

شرح حديث أبي موسى في قتل اليهودي الذي أسلم ثم ارتد من طريق رابعة . قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا ابن معاذ حدثنا أبي حدثنا المسعودي عن القاسم بهذه القصة، قال: فلم ينزل حتى ضرب عنقه وما استتابه]. أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى، وفيه أنه قال: وما استتابه، وهذا فيه النفي، وليس كالذي قبله والذي جاء بلفظ: (لم يذكر الاستتابة) لأنه سكت عنها، وهنا قال: وما استتابه، لكن هذا يحمل على أنه ما استتابه في الحال، اكتفاء بالاستتابة السابقة التي قد حصلت قبل ذلك. قوله: [حدثنا ابن معاذ]. هو عبيد الله بن معاذ العنبري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. [حدثنا أبي]. أبوه معاذ بن معاذ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا المسعودي]. هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودي، وهو صدوق اختلط قبل موته، أخرج له البخاري تعليقاً وأصحاب السنن. [عن القاسم]. هو القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود المسعودي، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن. قوله: [بهذه القصة]. يعني: التي مرت وما استتابه، وهذا فيه نفي للاستتابة، وهذا كما هو معلوم جاء من طريق المسعودي، وفيه ضعف، وهو مخالف للطرق الأخرى الكثيرة للحديث، والتي فيها التنصيص على الاستتابة، ولهذا ضعف الألباني هذه الطريق، ولكن لو صحت فإنها لا تنافي الروايات الأخرى، لأنه يمكن أن تحمل على أنه ما استتابه في الحال اكتفاء بالاستتابة السابقة. ويجوز للقاضي أن يؤخر المرتد مدة طويلة نحو عشرين يوماً لعله أن يراجع نفسه.

стр. 14914

تراجم رجال إسناد حديث أبي موسى في قتل اليهودي الذي أسلم ثم ارتد من طريق رابعة . قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا ابن معاذ حدثنا أبي حدثنا المسعودي عن القاسم بهذه القصة، قال: فلم ينزل حتى ضرب عنقه وما استتابه]. أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى، وفيه أنه قال: وما استتابه، وهذا فيه النفي، وليس كالذي قبله والذي جاء بلفظ: (لم يذكر الاستتابة) لأنه سكت عنها، وهنا قال: وما استتابه، لكن هذا يحمل على أنه ما استتابه في الحال، اكتفاء بالاستتابة السابقة التي قد حصلت قبل ذلك. قوله: [حدثنا ابن معاذ]. هو عبيد الله بن معاذ العنبري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. [حدثنا أبي]. أبوه معاذ بن معاذ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا المسعودي]. هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودي، وهو صدوق اختلط قبل موته، أخرج له البخاري تعليقاً وأصحاب السنن. [عن القاسم]. هو القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود المسعودي، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن. قوله: [بهذه القصة]. يعني: التي مرت وما استتابه، وهذا فيه نفي للاستتابة، وهذا كما هو معلوم جاء من طريق المسعودي، وفيه ضعف، وهو مخالف للطرق الأخرى الكثيرة للحديث، والتي فيها التنصيص على الاستتابة، ولهذا ضعف الألباني هذه الطريق، ولكن لو صحت فإنها لا تنافي الروايات الأخرى، لأنه يمكن أن تحمل على أنه ما استتابه في الحال اكتفاء بالاستتابة السابقة. ويجوز للقاضي أن يؤخر المرتد مدة طويلة نحو عشرين يوماً لعله أن يراجع نفسه.

стр. 14915

شرح حديث الأمر بقتل عبد الله بن أبي السرح لردته . قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن محمد المروزي حدثنا علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال: (كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب لرسول الله ﷺ ، فأزله الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به رسول الله ﷺ أن يقتل يوم الفتح، فاستجار له عثمان بن عفان ﵁، فأجاره رسول الله ﷺ ]. أورد أبو داود حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان من كتبة الوحي للرسول ﵊، فأزله الشيطان وأغواه وأضله، فلحق بالكفار وهرب إلى مكة، فأهدر النبي ﷺ دمه). قوله: [(فأزله الشيطان فلحق بالكفار، فأمر به رسول الله ﷺ أن يقتل يوم الفتح)]. يوم فتح الله عليه مكة، وكان هو من كتبة الوحي ثم لحق بالكفار، فأمر النبي ﷺ أن يقتل فصار في جوار عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه فأجاره النبي ﷺ وتركه ولم يقتله.
следующие страницы →