Полный текст (18 341 стр.). Показаны 14946–14985 · переход к 14951.
стр. 14946
حكم من طلب الولاية من أجل الدعوة إلى الله
السؤال
هل للإنسان أن يطلب لنفسه ولاية أمر حتى يدعو إلى الله ﵎؟
الجواب
يسأل الله أن يوفقه لما فيه خير الدنيا والآخرة، ولا يسأل ولاية أو يتمنى ولاية، وإنما يسأل الله أن يوفقه لما فيه سعادة الدنيا والآخرة ونفع المسلمين؛ لأن الإنسان لا يدري ماذا سيكون حاله إذا حصلت له الولاية، فقد يتغير وقد يحصل له ضرر بسبب الولاية.
فلا يقوم بالواجب، والشيء الذي كان يريده قد لا يهتم به، أو لا يحسب له حساباً بعدما يصل للولاية.
стр. 14947
حكم من سأل مناصب دينية
السؤال
ما حكم من سأل مناصب دينية كالإمامة أو الأذان أو التدريس؟
الجواب
هذا ما فيه بأس؛ لأن هذه أمور طيبة، ولا بد للناس منها، والإنسان إذا قصد من كونه يصير مؤذناً أن يكون محافظاً على الصلاة ولا تفوته الصلاة، وكونه يتمكن من حفظ القرآن وإثبات محفوظه؛ فهذه كلها مقاصد طيبة.
كذلك كونه يطلب التدريس ليقوم بإيصال الحق وإرشاد الناس إلى الخير فهذا من المقاصد الطيبة.
стр. 14948
حكم من وقف بعض ماله في نيته فقط
السؤال
شخص نوى أن يوقف بعض ماله وكذلك كتبه، لكن لم يثبت ذلك في المحكمة، فهل هذا الوقف يعتبر وقفاً شرعياً؟
الجواب
مجرد النية لا يثبت بها شيء، ولكنه لا يتوقف الأمر على المحكمة، ولو كتب أو أشهد على أن هذا وقف، فإنه يكون بذلك وقفاً، وأما مجرد أن يكون ذلك في قلبه ونيته فهذا لا يثبت، فمن نوى أن يفعل شيئاً ولم يفعله فلا يعتبر، ومجرد النية لا يترتب عليها شيء.
стр. 14949
حكم من قال: لم يحلق الرسول لحيته لعدم وجود الموسى
السؤال
من قال: إن النبي ﷺ لم يحلق لحيته؛ لعدم وجود الموس، بينما نحن نجده في زماننا، فهل يعتبر هذا ساباً للرسول؟
الجواب
سبحان الله! هذا ليس من كلام العقلاء، هذا من كلام المجانين، فقد كان الناس يحلقون عند المروة وعند الجمرة بالموسى.
فهذا الكلام فيه سفه، أقول: هذا سفه وإضافة شيء إلى الرسول ﷺ أنه سيفعل كذا وكذا، يعني: تقويله ما لم يقله، وهو كذب عليه.
стр. 14950
شرح سنن أبي داود [٤٩٣]
لقد أنزل الله آيات مبينات في حق كل من تمرد عن طاعته وارتد عن دينه، وسفك دماء المسلمين، وأخذ حقوقهم بالقوة والعنف، وهم المحاربون الذين خلعوا يداً من طاعة، وأخذوا حقوق الناس عنوة، فهؤلاء جزاؤهم أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيدهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، وإن أخذوا المال خفية فإنه لا تنفذ عليهم أحكام الحرابة، وإنما يقام عليهم حد السرقة فتقطع أيديهم.
стр. 14951
ما جاء في المحاربة
стр. 14952
شرح حديث قتل العرنيين حرابة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في المحاربة.
حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس بن مالك: (أن قوماً من عكل أو قال: من عرينة قدموا على رسول الله ﷺ فاجتووا المدينة، فأمر لهم رسول الله ﷺ بلقاح، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلقوا، فلما صحوا قتلوا راعي رسول الله ﷺ ، واستاقوا النعم، فبلغ النبي ﷺ خبرهم من أول النهار، فأرسل النبي ﷺ في آثارهم فما ارتفع النهار حتى جيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون).
قال أبو قلابة: فهؤلاء قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله].
يقول الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [باب في المحاربة] والمقصود بالمحاربة: إخافة الناس والاعتداء عليهم جهراً وعلانية، وهو يخالف السرقة، لأن السرقة فيها خفاء، وعدم بروز وظهور، وأما هذا ففيه ظهور وبروز وإظهار قوة وبطش، وقد يترتب على ذلك قتل، وقد يترتب على ذلك أخذ مال، وقد يترتب على ذلك الإخافة والذعر وعدم أمن الناس على أنفسهم وأموالهم، فجاءت هذه الشريعة ببيان أحكام ذلك كما جاءت ببيان أحكام السرقة، وهو: ما يكون في الخفاء.
ثم أورد أبو داود ﵀ حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه في قصة العرنيين، الذين قدموا إلى المدينة واجتووها يعني: أصابهم فيها وباء، فسقمت بطونهم، واصفرت ألوانهم، فالرسول ﷺ أمرهم بأن يذهبوا إلى إبل الصدقة، ويشربون من ألبانها وأبوالها، ففعلوا ذلك حتى صحوا، يعني: ذهب ما بهم من المرض وحصلت لهم الصحة والعافية، وحسنت أجسامهم وألوانهم، ولكنهم قابلوا هذا الإحسان إليهم بالإساءة، فقتلوا الراعي واستاقوا النعم، يعني: ذهبوا بالإبل التي كان يرعاها، فبلغ خبرهم إلى النبي ﷺ في أول النهار، فأرسل في طلبهم، فأتي بهم بعدما ارتفع النهار، فأمر النبي ﷺ بقطع أيديهم وأرجلهم، وألقاهم في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا.
والذي حصل منهم أولاً: أنهم ارتدوا وقتلوا وسرقوا، يعني: جمعوا بين هذه الخصال الثلاث، وقد جاءت، وقد فعل النبي ﷺ بهم مثل الذي فعلوا بالراعي فعاقبهم، ونزلت بعد ذلك آية: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣] الآية.
قوله: [عن أنس بن مالك ﵁: (أن قوماً من عكل أو قال: من عرينة قدموا على رسول الله ﷺ ].
قال: هم من عكل وهي قبيلة، أو عرينة وهي قبيلة، وقيل هم من عكل وعرينة، لأنهم مختلطون، وفيهم من هو من هذه القبيلة، وفيهم من هو من هذه القبيلة، وفي بعض الروايات: أنهم ثلاثة من عكل وأربعة من عرينة، أي: أنهم مختلطون.
قوله: [(قدموا على رسول الله ﷺ فاجتووا المدينة)].
يعني: أصابهم الجواء وهو: الوباء والضرر الذي حصل لهم فيها، فاصفرت ألوانهم وسقمت بطونهم.
قوله: [(فأمر لهم رسول الله ﷺ بلقاح)].
وهي: الإبل التي فيها در، فأمرهم بأن يذهبوا إلى إبل الصدقة وهي ترعى في البر ومعها راع يقوم برعايتها ورعيها، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، وفي هذا دليل على أن بول ما يؤكل لحمه وروثه طاهر، وليس بنجس، وذلك أن النبي ﷺ أمرهم بأن يشربوا من الأبوال والألبان، والرسول ﷺ لا يرشدهم إلى أن يتداووا بنجاسة، وهذا من الأدلة التي يستدل بها من قال بطهارة أبوال وأرواث ما يؤكل لحمه، ويستدلون لذلك أيضاً بقصة ركوب النبي ﵊ وطوافه على بعير، ولا يؤمن البعير أن يبول وأن يحصل منه الروث وأن يصيب الأرض من ذلك، فهو دائماً على طهارته، لأن تعريض المسجد للنجاسة غير سائغ، فلما فعل النبي ﷺ ذلك عرف أن بول ما يؤكل لحمه ليس بنجس.
قوله: [(وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها)] وهذا فيه علاج وغذاء فيما يتعلق بالألبان، وكذلك هو علاج فيما يتعلق بالأبوال، ففعلوا ذلك، وفي هذا دليل على أن ابن السبيل له أن يستفيد من مثل هذه الإبل التي هي من إبل الصدقة، وقد جاء في القرآن أن من مصارف الصدقات ابن السبيل قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة:٦٠] فإعطاء اللبان لمن يكون ابن سبيل ذلك سائغ، كما أن إعطاء ذوات الأنعام؛ كالإبل والبقر والغنم لمن هم من أهل الزكاة ومن جملتهم ابن السبيل هذا هو الذي يدل عليه القرآن، والسنة دلت على إعطاء الألبان لمن كان ابن سبيل، وكذلك لمن كان محتاجاً إليها لاستشفائه، ولحصول المرض الذي حصل له، وعلاجه يكون بألبانها وأبوالها.
قوله: [(فلما صحوا)] يعني: حصلت لهم الصحة، وذهب المرض، وحسنت الأجسام، وذهب اصفرارها.
قوله: [(قتلوا الراعي، واستاقوا النعم)]، يعني: ذاهبين بها وهاربين، فبلغ خبرهم إلى الرسول الكريم ﵊ فأرسل في طلبهم، وكان بلوغ الخبر في أول النهار، فذهب بعض الشجعان الفرسان، وأتوا بهم بعدما ارتفع النهار في وقت قصير، وكأن الخبر حصل في وقت قريب، والمسافة أيضاً ليست بعيدة، وقد ذهبوا هاربين شاردين بها، فأتي بهم إلى النبي ﵊ بعدما ارتفع النهار.
قوله: [(فلما صحوا قتلوا راعي رسول الله ﷺ ، واستاقوا النعم، فبلغ النبي ﷺ خبرهم من أول النهار، وأرسل النبي ﷺ في آثارهم، فما ارتفع النهار حتى جيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون)].
قيل: إن المقصود بأنه سمر أعينهم بمسامير من حديد، يعني: تفقأ بها عيونهم، وذلك أنهم فقئوا عيني الراعي، ومثلوا به هذا التمثيل، ففعل بهم كما فعلوا بالراعي، وهذا يدل على أن القتل يكون على هيئة القتل في القصاص، بمعنى: أنه إذا قتل بطريقة ما فإنه يقتل بتلك الطريقة، إلا إذا كانت الطريقة فيها أمر منكر لا يسوغ فعله، فإنه لا يقتل بالطريقة المحرمة التي لا يجوز الإقدام عليها في أي حال من الأحوال، ومن أمثلة ذلك قصة الجارية التي رض اليهودي رأسها بين حجرين، فالرسول ﷺ أمر بأن يفعل باليهودي مثل ما فعل بها، حيث إن الذي قتلها هو من اليهود وقد رض رأسها بين حجرين، فإن القتل يكون على الهيئة التي يكون عليها القتل من الجاني، وهذا هو الذي يدل عليه لفظ القصاص، والله تعالى يقول: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة:١٧٩]؛ لأن لفظ القصاص يشعر بالمقاصة، وأنه يكون على الهيئة التي حصل بها القتل، فإذا كان بتمثيل فإنه يعمل به كما عمل بغيره، ويجازى عند العقوبة كما فعل هو بغيره: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ:٢٦]، وجاء في بعض الألفاظ: (سمر)، وفي بعض الألفاظ: (سمل أعينهم)، قيل: فقأها، وقيل: سمرها بالمخراز أو الإبر التي أحميت في النار، ثم وضعت على العيون حتى تفقأت.
قوله: [قال أبو قلابة: فهؤلاء قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله].
قال أبو قلابة وهو أحد الرواة: (فهؤلاء قوم كفروا) يعني: ارتدوا عن الإسلام، وسرقوا، وقتلوا، وحاربوا الله ورسوله ﷺ .
стр. 14953
تراجم رجال إسناد حديث قتل العرنيين حرابة
قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل عن حماد].
حماد هو ابن سلمة بن دينار البصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[أخبرنا ثابت].
هو ثابت بن أسلم البناني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وقتادة].
هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وحميد].
هو حميد بن أبي حميد الطويل، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس].
أنس مر ذكره، وهذا سند رباعي، لأن الثلاثة الذين فيه في طبقة واحدة، وهم قتادة وحميد وثابت، وكلهم يروي عنهم حماد بن سلمة، وكلهم يروي عن أنس بن مالك، إذاً: هذا إسناد رباعي وهو من أعلى الأسانيد عند أبي داود.
стр. 14954
شرح حديث قتل العرنيين حرابة من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب عن أيوب بإسناده بهذا الحديث قال فيه: (فأمر بمسامير فأحميت، فكحلهم وقطع أيديهم وأرجلهم وما حسمهم)].
أورد أبو داود حديث أنس بن مالك من طريق أخرى، وفيه: (أنه أمر بمسامير فأحميت، فكحل بها أعينهم) يعني: وضعها على أعينهم كهيئة ميل الكحل حتى ذهبت أعينهم، وهذا ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ:٢٦]، لأنهم فعلوا بالراعي هذا الفعل.
قوله: [(فأمر بمسامير فأحميت، فكحلهم وقطع أيديهم وأرجلهم وما حسمهم)].
يعني: ما حسم موضع القطع؛ لأن المقصود هو الهلاك، وليس المقصود الحياة، أما فيما يتعلق بقطع اليد فإنها تحسم؛ لأن المطلوب هو قطع اليد، وليس المقصود إماتة السارق بقطع يده، وإنما المقصود: قطع هذا العضو الذي حصل به السرقة، فلا يترك الدم ينزف حتى يموت، أو يحصل له ضرر بالغ بسبب خروج دمه، بل يحسم وذلك بأن توضع يده في زيت أو في شيء، ليتقلص مكان خروج الدم، يعني: من العروق بحيث تسدد تلك المنافذ التي يجري منها الدم بسبب وضع اليد في زيت حار أو في ماء حار، فيحصل به تقلص تلك العروق وانسدادها ووقف النزف، أما هؤلاء المحاربون فيراد قتلهم كما قتلوا الراعي.
стр. 14955
تراجم رجال إسناد حديث قتل العرنيين حرابة من طريق ثانية
قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل].
هو موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن وهيب].
هو وهيب بن خالد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أيوب بإسناده].
وقد مر ذكره، بإسناده المتقدم.
стр. 14956
شرح حديث قتل العرنيين حرابة من طريق ثالثة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان قال: أخبرنا ح وحدثنا عمرو بن عثمان حدثنا الوليد عن الأوزاعي عن يحيى -يعني ابن أبي كثير - عن أبي قلابة عن أنس بن مالك بهذا الحديث قال فيه: (فبعث رسول الله ﷺ في طلبهم قافة، فأتي بهم، قال فأنزل الله ﵎ في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة:٣٣] الآية]).
أورد أبو داود حديث أنس بن مالك من طريق أخرى، وأن النبي ﷺ أرسل في طلبهم قافة، والقافة: هم الذين يعرفون الآثار، فالأول أرسل في طلبهم، والذين أرسلوا لم يذكر اختصاصهم، وأنهم من صنف معين، وفي هذه الرواية بيان أنهم قافة، وهم الذين يعرفون الآثار، وهذا دليل على استعمال القافة، وأن ذلك سائغ، وقد جاء في ذلك أحاديث، ومنها قصة مجزز المدلجي الذي جاء في الصحيحين، وأنه رأى أسامة بن زيد وأباه في لحاف وقد بانت أرجلهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فسر رسول الله ﷺ بذلك، وذلك أن كل واحد منهما لونه يختلف عن الآخر، فالرسول ﵊ فرح بقول هذا القائف الذي رأى الأقدام، وقال: إن بعضها من بعض، فالحديث الذي معنا ومع هذا الحديث وغيره من الأحاديث فيه دليل على الأخذ بالقافة، وعلى الاستفادة منهم فيما أقدرهم الله عليه من معرفة الآثار.
قوله: [قال: (فبعث رسول الله ﷺ في طلبهم قافة، فأتي بهم، قال فأنزل الله ﵎ في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة:٣٣] الآية)].
أنزل الله هذه الآية: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣]، وهذه الآية الكريمة فيها حكم المحاربة, وبعض أهل العلم قال: إنما هي للتخيير، وأن هذا يرجع إلى الإمام، وأنه يفعل الذي يرى فيه المصلحة، فإذا رأى القتل قتل، وإذا رأى القطع قطع، وإذا رأى النفي نفى، وإذا رأى الصلب صلب، فالأمر يرجع إلى اختيار الإمام فيختار ما فيه الأصلح.
ومن العلماء من قال: إن هذا يرجع إلى أحوالهم وما يجري منهم، فإذا كانوا قتلوا ولم يأخذوا مالاً قتلوا، وإذا كانوا قتلوا وأخذوا مالاً قتلوا وصلبوا, وإذا كانوا أخذوا مالاً ولم يقتلوا فإنهم تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا لم يحصل منهم شيء من ذلك وإنما حصل منهم إخافة فإنهم ينفون من الأرض.
стр. 14957
تراجم رجال إسناد حديث قتل العرنيين حرابة من طريق ثالثة
قوله: [حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان].
محمد بن الصباح بن سفيان صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة.
[قال: أخبرنا ح وحدثنا عمرو بن عثمان].
عمرو بن عثمان هو الحمصي، وهو صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة.
[حدثنا الوليد].
وهنا أتى بحاء التحويل من أجل الصيغة التي أتى بها كل من الشيخين لـ أبي داود، لأن الأول قال: أخبرنا، والثاني قال: حدثنا، والكل يروي عن الوليد بن مسلم، وهذا يدل على عناية المحدثين الفائقة في الرواية واهتمامهم بألفاظ الرواة، فإن هذا التحويل إنما أتى من أجل الصيغة فقط، وليس من أجل أن فيه عدة أشخاص، وإنما هو شخص واحد عن شيخين، إلا أن واحداً من الشيخين عبر بأخبرنا وهو الشيخ الأول، والشيخ الثاني عبر بحدثنا، وقد اشتركا في الرواية عن الوليد.
ثم كثير من العلماء لا يميزون بين: (حدثنا) و (أخبرنا)، فيأتون بها في الرواية سواء فيما سمع من الشيخ أو فيما قرئ على الشيخ وهو يسمع، ومن العلماء من يجعل (حدثنا) فيما سمع من لفظ الشيخ، و (أخبرنا) فيما قرئ على الشيخ، وذلك التلميذ يسمع، لكن بعض العلماء يستعمل هذه مكان هذه، وهذه مكان هذه، ولكن كما أشرت: إن هذا التحويل يدل على العناية الفائقة التي يكون عليها المحدثون والأئمة الذين يؤلفون كما صنع أبو داود ﵀ في ذكر التحويل من أجل أن أحد الشيخين عبر بأخبرنا والشيخ الثاني عبر بحدثنا.
والوليد هو: الوليد بن مسلم، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الأوزاعي].
هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي أبو عمرو، وهو ثقة فقيه، وهو فقيه الشام ومحدثها، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن يحيى -يعني ابن أبي كثير -].
يحيى بن أبي كثير اليمامي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي قلابة عن أنس].
أبو قلابة وأنس قد مر ذكرهما.
стр. 14958
شرح حديث قتل العرنيين حرابة من طريق رابعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا ثابت وقتادة وحميد عن أنس بن مالك ذكر هذا الحديث قال أنس: فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشاً حتى ماتوا].
أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى، وفيه زيادة أن أنساً قال: (رأيت أحدهم يكدم الأرض)، يعني: يعض الحصى من العطش، (حتى ماتوا) يعني: ولم يسقوا ولم يطعموا؛ لأنهم عوقبوا بمثل ما حصل منهم للراعي، والمراد هو: إماتتهم والقضاء عليهم، ولكن بهذه الطريقة التي فعلوها مع الراعي، فجوزوا بنظير ما فعلوا قال تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ:٢٦].
стр. 14959
تراجم رجال إسناد حديث قتل العرنيين حرابة من طريق رابعة
قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل عن حماد].
حماد هو ابن سلمة بن دينار البصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[أخبرنا ثابت].
هو ثابت بن أسلم البناني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وقتادة].
هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وحميد].
هو حميد بن أبي حميد الطويل، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس].
أنس مر ذكره، وهذا سند رباعي، لأن الثلاثة الذين فيه في طبقة واحدة، وهم قتادة وحميد وثابت، وكلهم يروي عنهم حماد بن سلمة، وكلهم يروي عن أنس بن مالك، إذاً: هذا إسناد رباعي وهو من أعلى الأسانيد عند أبي داود.
стр. 14960
طرق أخرى لحديث قتل العرنيين حرابة وفيها بعض الاختلاف في الألفاظ، وتراجم رجال الإسناد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن بشار حدثنا ابن أبي عدي عن هشام عن قتادة عن أنس بن مالك بهذا الحديث نحوه، زاد: ثم نهي عن المثلة ولم يذكر (من خلاف).
ورواه شعبة عن قتادة وسلام بن مسكين عن ثابت جميعاً عن أنس لم يذكرا: (من خلاف) ولم أجد في حديث أحد: (قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف) إلا في حديث حماد بن سلمة].
أورد أبو داود طرقاً أخرى، وفيها ذكر بعض الاختلاف في ألفاظ الرواة، بعضهم قال كذا وبعضهم قال كذا.
قوله: [(نهي عن المثلة)] وهي تقطيع شيء من المقتول وتشويه منظره، وهذا لا يجوز، لكن إذا كان على سبيل القصاص فإن ذلك سائغ؛ لأنه يفعل به كما فعل بغيره، فإذا حصل منه قتل وتمثيل فيقتل بالطريقة التي فعل قال تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ:٢٦].
قوله: [حدثنا محمد بن بشار].
محمد بن بشار هو الملقب: بندار، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة.
[حدثنا ابن أبي عدي].
هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن هشام].
هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن قتادة عن أنس].
قتادة وأنس قد مر ذكرهما.
[ورواه شعبة عن قتادة].
شعبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وسلام بن مسكين عن ثابت جميعاً].
سلام بن مسكين ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
стр. 14961
شرح حديث: (أن ناساً أغاروا على إبل النبي فاستاقوها وارتدوا عن الإسلام)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني عمرو عن سعيد بن أبي هلال عن أبي الزناد عن عبد الله بن عبيد الله قال أحمد: هو -يعني- عبد الله بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب عن ابن عمر: (أن أناساً أغاروا على إبل النبي ﷺ فاستاقوها، وارتدوا عن الإسلام، وقتلوا راعي رسول الله ﷺ مؤمناً، فبعث في آثارهم، فأخذوا فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، قال: ونزلت فيهم آية المحاربة)، وهم الذين أخبر عنهم أنس بن مالك الحجاج حين سأله].
أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: (إن أناساً أغاروا على إبل النبي ﷺ .
قوله: [(فاستاقوها وارتدوا عن الإسلام)].
أي: أخذوها وهربوا بها، وارتدوا عن الإسلام، يعني: أنهم كانوا جاءوا مسلمين ثم ارتدوا، يعني: كفروا بعد إسلامهم، فجمعوا بين هذه الخصال الذميمة، وهي الردة والقتل والعدوان.
قوله: [(وقتلوا راعي رسول الله ﷺ مؤمناً، فبعث في آثارهم، فأخذوا فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، قال: ونزلت فيهم آية المحاربة)، وهم الذين أخبر عنهم أنس بن مالك الحجاج حين سأله].
هذا مثل ما جاء في حديث أنس ﵁، وهؤلاء هم الذين أخبر بهم أنس بن مالك الحجاج لما سأله عن أغلظ عقوبة حصلت من النبي ﷺ ، فحدث بهذا الحديث، وجاء أنه ندم على إخباره بذلك؛ لأن الحجاج سيتخذه ذريعة إلى البطش؛ لأنه كان جائراً وظالماً، فندم على كونه أخبره بذلك.
стр. 14962
تراجم رجال إسناد حديث: (أن ناساً أغاروا على إبل النبي فاستاقوها وارتدوا عن الإسلام)
قوله: [حدثنا أحمد بن صالح].
هو أحمد بن صالح المصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل.
[حدثنا عبد الله بن وهب].
هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرني عمرو].
هو ابن الحارث المصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد بن أبي هلال].
هو سعيد بن أبي هلال المصري، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي الزناد].
هو عبد الله بن ذكوان المدني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن عبيد الله قال أحمد: هو -يعني-: عبد الله بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب].
عبد الله بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب مقبول، أخرج له أبو داود والنسائي.
[عن ابن عمر].
هو عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وكلهم من صغار الصحابة وأبناء صحابة، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 14963
شرح حديث: (أن رسول الله لما قطع الذين سرقوا لقاحه وسمل أعينهم بالنار عاتبه الله)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح أخبرنا ابن وهب أخبرني الليث بن سعد عن محمد بن العجلان عن أبي الزناد: (أن رسول الله ﷺ لما قطع الذين سرقوا لقاحه وسمل أعينهم بالنار، عاتبه الله تعالى في ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة:٣٣] الآية)].
أورد أبو داود هذا الحديث المرسل أو المعضل، لأن أبا الزناد -وهو معروف بالرواية عن الأعرج عن أبي هريرة - أضاف ذلك إلى الرسول ﷺ ، ولم يذكر الذي بينه وبين رسول الله ﷺ فهو مرسل أو معضل.
وأبو الزناد هو من الطبقة الخامسة التي هي طبقة صغار التابعين، يعني: من طبقة الأعمش والزهري وقتادة، وذكر هنا أنه لما حصل منه ما حصل للذين استاقوا الإبل وسملوا أعين الراعي عاتبه الله فأنزل الآية، فهو ذكر المعاتبة في هذه الطريقة، وأما قضية إنزال آية المحاربة فقد مر في الأحاديث الصحيحة ما يدل على ذلك، وأما ذكر العتاب فهذا هو الذي جاء من هذه الطريق التي فيها الانقطاع، وهو غير صحيح.
стр. 14964
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله لما قطع الذين سرقوا لقاحه وسمل أعينهم بالنار عاتبه الله)
قوله: [حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح].
أحمد بن عمرو بن السرح ثقة، أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
[أخبرنا ابن وهب أخبرني الليث بن سعد].
ابن وهب مر ذكره، والليث بن سعد هو المصري، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن عجلان].
هو محمد بن عجلان المدني، وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[عن أبي الزناد].
أبو الزناد هو عبد الله بن ذكوان المدني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
стр. 14965
شرح أثر محمد بن سيرين في قصة العرنيين، وتراجم رجال إسناده
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا ح وحدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا همام عن قتادة عن محمد بن سيرين قال: كان هذا قبل أن تنزل الحدود يعني: حديث أنس].
أورد أبو داود هذا الأثر عن محمد بن سيرين قال: هذا كان قبل أن تنزل الحدود، يعني: هذا الذي حصل من النبي ﷺ في معاملة العرنيين كان قبل أن تنزل الحدود.
قوله: [حدثنا محمد بن كثير].
هو محمد بن كثير العبدي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قال: أخبرنا ح وحدثنا موسى بن إسماعيل].
موسى بن إسماعيل مر ذكره.
[حدثنا همام].
هذا الحديث مثل الذي قبله من حيث تحويل السند بعد ذكر شيخه الأول وبعد ذكر الصيغة، لأن الأول عبر بأخبرنا، والثاني عبر بحدثنا، مثل الذي مر في الحديث السابق.
[عن همام عن قتادة].
همام بن يحيى العوذي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وقتادة مر ذكره.
[عن محمد بن سيرين].
محمد بن سيرين ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
قوله: [قال: كان هذا قبل أن تنزل الحدود].
يعني: التفاصيل الواردة فيما يتعلق بالحرابة.
ولعله يقصد أن هذا قبل أن تأتي التفاصيل التي فيها ذكر ما يتعلق بالقصاص والسرقة.
لكن هذا حد خاص بالحرابة، وليس له علاقة بالحدود، يعني: سواء نزلت قبل أو نزلت بعد فهذا شيء آخر.
стр. 14966
شرح حديث ابن عباس في سبب نزول آيات الحرابة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت حدثنا علي بن حسين عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣] إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣٤] نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه].
أورد أبو داود حديث ابن عباس أن هذه الآية نزلت في المشركين، وهي في المشركين وكذلك تشمل المسلمين الذين يحصل منهم قطع الطريق، وإيذاء الناس، والاعتداء عليهم في أموالهم علناً، ولكن الذي يبين ويوضح أنها في المشركين، قوله في آخر الآية: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٣٣] ومعلوم أن الحدود إذا أقيمت على المسلمين فهي كفارات، وأما بالنسبة للمشركين فإنهم إذا تابوا يتوب الله عليهم وكل شيء يغفره الله قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨]، وهم الذين لهم الخزي في الدنيا ولهم العذاب العظيم في الآخرة إذا أقيم عليهم ذلك الحد؛ لأن الحدود لا تكفر عن المشركين شيئاً؛ لأنه ما دام الشرك موجوداً فلا بد من دخول النار، ولا بد من الخلود فيها، ولكن المسلم هو الذي تكفر الحدود ذنبه، ولا يؤاخذ عليه في الآخرة، وأما الكفار فيؤاخذون في الدنيا والآخرة ما دام أنهم باقون على الشرك؛ لأنهم حصلوا عقاباً في الدنيا وهذا خزي، ولهم في الآخرة عذاب عظيم، أما المسلمون فلهم خزي في الدنيا، ولكن هذا الحد الذي أقيم عليهم هو كفارة لهم، ولا يؤاخذون عليه في الآخرة؛ لأنه جاء في حديث عبادة بن الصامت: (أن الحدود كفارات) وهذا إنما هو في حق المسلمين.
فإذاً: هذا الذي جاء عن ابن عباس يوضح معنى قوله: ((وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ))، وفي حق المسلمين إذا لم يحصل توبة، وحصل إصرار على ذلك الشيء فإن أمره إلى الله في الآخرة إذا لم يتب، وأما الكافر فإنه لا بد من عقوبة له في الآخرة، ولا بد من خلوده في النار، وأنه لا يمكن أن يخرج منها في حال من الأحوال.
فإذاً: هذا الأثر عن ابن عباس يبين معنى قوله: ((وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ))؛ لأن هذا إنما يكون واضحاً في حق المشركين.
قوله: [نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه].
يعني: إذا كان يتعلق بحقوق الناس، لأن الإسلام يهدم ما كان قبله فيما يتعلق بحقوق الله ، وأما إذا كان الكافر أسلم وهو عنده حقوق للناس، وقد اعتدى عليهم وهم يطالبون بحقوقهم فإن ذلك لا يمنع من إقامة الحد عليه، ومن أخذ الحق منه وإيصاله إلى من يستحقه.
стр. 14967
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في سبب نزول آيات الحرابة
قوله: [حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت].
هو أحمد بن محمد بن ثابت المروزي المشهور بـ ابن شبويه، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود.
[حدثنا علي بن حسين].
هو علي بن حسين بن واقد، وهو صدوق يهم، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد ومسلم في المقدمة وأصحاب السنن.
[عن أبيه].
وهو ثقة له أوهام، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[عن يزيد النحوي].
يزيد النحوي ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.
[عن عكرمة].
هو عكرمة مولى ابن عباس، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي ﷺ ، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 14968
شرح سنن أبي داود [٤٩٤]
جاء الإسلام بالعدل في الثواب والعقاب بين الشريف والوضيع فالكل تحت مظلة الإسلام لا فرق بينهم، من أتى حداً من حدود الله تعالى أقيم عليه الحد ولو كان أشرف الشرفاء أو أغنى الأغنياء لا فرق بين عربي ولا عجمي ولا شريف ولا وضيع إلا بالتقوى.
стр. 14969
ما جاء في الحد يشفع فيه
стр. 14970
شرح حديث: (أتشفع في حد من حدود الله ؟)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الحد يشفع فيه.
حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني قال: حدثني ح وحدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة: (أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها؟ يعني: رسول الله ﷺ قالوا: ومن يجترئ إلا أسامة بن زيد حب النبي ﷺ ؟! فكلمه أسامة، فقال رسول الله ﷺ : يا أسامة! أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فاختطب فقال: إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)].
أورد أبو داود رحمه الله تعالى هذه الترجمة وهي: [باب في الحد يشفع فيه].
يعني: حكم ذلك، وهو أنه لا يجوز إذا بلغ السلطان، وأما إذا كان لم يبلغ السلطان فإنه لا بأس بذلك، والمنع إنما هو فيما إذا بلغ السلطان، فإنه لا تجوز الشفاعة فيه.
أورد أبو داود حديث عائشة ﵂ في قصة المخزومية، وأن قريشاً همهم شأنها؛ لأن بني مخزوم قبيلة مشهورة، ولها منزلة وشرف عند الناس، فهم أهمهم كون امرأة تسرق منهم، وهذا يدل على أن الإنسان إذا جنى وحصل منه شيء فإنه يؤثر على من ينسب إليه، وعلى من هو منه، وأن هذا يعتبر فيه نسبة إلى تلك القبيلة، ولهذا أهمهم شأن المخزومية، فقالوا: من يشفع لها إلى رسول الله ﷺ ؟ قالوا: أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ ، أي: محبوبه، والحب: هو المحبوب، فكلمه أسامة في ذلك، فالنبي ﷺ قال: (أتشفع في حد من حدود الله؟!) وهذا استفهام إنكار، ثم قال: (إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد) وهنا قوله: (الشريف) معنى هذا أن الشفاعة من أجل أنها شريفة، وأن قبيلتها لها شرف ومنزلة، ومن أجل ذلك أهمهم وطلبوا الشفاعة حتى لا يقام الحد ويكون في ذلك سبة على هذه القبيلة، ومعلوم أن الجاني لا تحمل وزره القبيلة قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، وأن من يكون لهم شرف أو منزلة فقد يحصل فيهم من يكون ساقطاً أو يكون عنده شيء من الخطأ أو الخلال، والمخزومية حصل منها هذه السرقة كما يحصل من سائر الناس، ولكن الذي أهمهم كونها شريفة، ولكن جناية الجاني لا تتعداه إلى غيره، وإن كان ذلك قد يؤثر على الناس من جهة أنهم لا يحبون أن ينسب إليهم من يكون سارقاً أو يكون فيه صفات ذميمة، وإن كان من الناس من قد يحصل منه ذلك ولو كان أهله من أحسن وأفضل وأشرف الناس.
قوله: [(أن قريشاً أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها يعني: رسول الله ﵌؟ قالوا: ومن يجترئ إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ ، فكلمه أسامة، فقال رسول الله ﷺ ].
إن الناس الذين يكون فيهم شرف، ولهم منزلة ومكانة قد يحصل من أحد منهم شيء من الأشياء التي قد يستصعبون نسبتها إليهم، وأنه قد يكون فيهم ساقط، لكن بالنسبة لهذه المرأة التي هي المخزومية لا يقال عنها: إنها ساقطة، ولكن نقول في الجملة: إن من الناس من يكون فيهم شرف وقد يحصل من أحدهم هذا الفعل، وأما بالنسبة للصحابة إذا حصل من أحدهم شيء وأقيم عليه الحد كان كفارة له، وكذلك غيرهم، ولكن أصحاب رسول الله ﷺ لا يجوز أن يذموا ويعابوا وأن ينسب إليهم شيء لا يليق، ومن أقيم عليه الحد كان كفارة له، وقد حصل له الشرف بصحبة النبي ﷺ ولو حصل منه ذنب وأقيم عليه الحد فإنه يكون كفارة له، وإن لم يقم عليه الحد وستره الله فإن أمره إلى الله ، إن شاء عفا عنه وتجاوز، وإن شاء عذبه، وهذا في كل أمة محمد ﷺ .
قوله: [ومن يجترئ]، يعني: كونه يتقدم ليشفع إلا أسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ ، فكلمه أسامة فأنكر عليه وقال: (أتشفع في حد من حدود الله؟!) ثم خطب الناس وبين لهم هذا الحكم، وأن الأمم السابقة كان من أسباب هلاكهم: (أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد)، ثم ضرب مثلاً بابنته فاطمة التي هي سيدة نساء أهل الجنة رضي الله تعالى عنها وأرضاها وهي بضعة منه فقال: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) رغم أن لها ذلك الشرف العظيم، وهو نسبتها إلى الرسول ﷺ وكونها ابنته، فلو حصل منها ذلك فإن الحكم واحد، ولا فرق بين شريف ووضيع.
стр. 14971
تراجم رجال إسناد حديث: (أتشفع في حد من حدود الله ؟)
قوله: [حدثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني].
يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة.
[قال: حدثني ح وحدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي].
قتيبة بن سعيد الثقفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
و (حدثنا) هنا عامل التحويل بين الإسنادين، والصيغة واحدة وهي صيغة التحديث إلا أن الفرق أن الأول أتى بضمير الإفراد، والثاني أتى بضمير الجمع، ففي الأول قال: حدثني، وفي الثاني قال: حدثنا، قالوا: والفرق بين التعبيرين أن الراوي إذا حدثه الشيخ وحده عبر بقول: حدثني، وإما إذا حدثه ومعه غيره عبر بحدثنا، يعني: هو وغيره، ولم يحدثه وحده، والفرق هنا ليس كالذي مر بين أخبرنا وحدثنا، وهذا كما ذكرت من دقة المحدثين وعنايتهم بذكر ألفاظ الرواة على هيئتها وكيفيتها سواء كان للفرق بين كلمتين كحدثنا وأخبرنا، أو للضمير، وإن كانت الكلمة واحدة وهي حدثنا وحدثني.
[حدثنا الليث].
هو الليث بن سعد المصري مر ذكره.
[عن ابن شهاب].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عروة بن الزبير بن العوام].
عروة بن الزبير بن العوام ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
عائشة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 14972
شرح حديث: (أتشفع في حد من حدود الله؟) من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عباس بن عبد العظيم ومحمد بن يحيى قالا: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: (كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها) وقص نحو حديث الليث قال: (فقطع النبي ﷺ يدها)].
أورد أبو داود حديث عائشة ﵂ من طريق أخرى، وأنها كانت تستعير المتاع وتجحده، والنبي ﷺ أمر بقطع يدها، والحديث الأول ذكر السرقة، ولعلها كانت جمعت بين الأمرين.
стр. 14973
تراجم رجال إسناد حديث: (أتشفع في حد من حدود الله؟) من طريق ثانية
قوله: [حدثنا عباس بن عبد العظيم].
هو عباس بن عبد العظيم العنبري، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[ومحمد بن يحيى].
هو محمد بن يحيى الذهلي، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.
[قالا: حدثنا عبد الرزاق].
هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا معمر].
هو معمر بن راشد الأزدي البصري ثم اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري عن عروة عن عائشة].
الزهري وعروة وعائشة قد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
стр. 14974
طرق أخرى لحديث: (أتشفع في حد من حدود الله) وتراجم رجال الإسناد
[قال أبو داود: روى ابن وهب هذا الحديث عن يونس عن الزهري وقال فيه كما قال الليث: إن امرأة سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح].
وهذا مثل الذي قبله إلا أن فيه ذكر السرقة، وأن ذلك في غزوة الفتح يعني: عام الفتح.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ورواه الليث عن يونس عن ابن شهاب بإسناده فقال: استعارت امرأة].
يونس بن يزيد الأيلي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وروى مسعود بن الأسود ﵁ عن النبي ﷺ هذا الخبر قال: سرقت قطيفة من بيت رسول الله ﷺ ].
وروي هذا الحديث معلقاً وهو عن مسعود بن الأسود الصحابي ﵁ أنها سرقت قطيفة من بيت رسول الله ﷺ .
و [مسعود بن الأسود صحابي أخرج له ابن ماجة، وهنا ما ذكر أبو داود أنه معلق وليس متصلاً؛ لأنه ليس له ذكر عند أبي داود في المتصلات، وإنما هو في المعلقات.
[قال أبو داود ورواه أبو الزبير عن جابر: (أن امرأة سرقت فعاذت بـ زينب بنت رسول الله ﷺ ].
ذكر طريقاً أخرى عن أبي الزبير، وهو محمد بن مسلم بن تدرس المكي، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن جابر].
هو جابر بن عبد الله ﵄، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي، وأنها سرقت واستعاذت بـ زينب يعني: طلبت منها أن تعيذها وأن تكون عوناً لها على التخلص من مغبة ما حصل لها.
стр. 14975
شرح حديث: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا جعفر بن مسافر ومحمد بن سليمان الأنباري قالا: أخبرنا ابن أبي فديك عن عبد الملك بن زيد نسبه جعفر إلى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل عن محمد بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود)].
أورد أبو داود هذا الحديث عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود) وهذا يدل على أن الحدود لا يشفع فيها، وأنه لابد أن ينفذ الحد إذا بلغ السلطان، وأما العثرات التي ليس فيها حدود وكان الشخص الذي حصل منه ذلك ليس له سوابق، أو أنه معروف بالسلامة والصلاح ولكنه حصل منه خطأ عارض فإنه يمكن مسامحته وإقالة عثرته، وأما من كان معروفاً بالتساهل في هذه الأمور التي ليس فيها حد ولكن فيها تعزير، فإن هذا يردع بما يمنعه حتى لا يعود، وأما إذا حصل ممن له منزلة ومكانة وهو معروف بالصلاح، وهو غير متكرر منه، فإنه تقال عثرته، وهذا هو مقتضى هذا الحديث، وهو يدل على أن غير الحدود ليست كالحدود، وأنه يمكن أن يشفع فيها ويمكن أن يعفى عنها في حق من يكون كذلك من ذوي الهيئات.
стр. 14976
تراجم رجال إسناد حديث: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود)
قوله: [حدثنا جعفر بن مسافر].
جعفر بن مسافر صدوق ربما أخطأ، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة.
[ومحمد بن سليمان الأنباري].
محمد بن سليمان الأنباري صدوق، أخرج له أبو داود.
[قال: أخبرنا ابن أبي فديك].
هو محمد بن إسماعيل بن مسلم، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الملك بن زيد نسبه جعفر إلى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل].
عبد الملك بن زيد ذكره أحد الرواة، وهو محمد بن سليمان وقال: عبد الملك بن زيد، ووقف عندها، أما جعفر الذي هو الشيخ الأول فنسبه إلى جده وهو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل الذي هو أحد المبشرين بالجنة.
وعبد الملك بن زيد قال عنه النسائي: لا بأس به، أخرج له أبو داود والنسائي.
[عن محمد بن أبي بكر].
هو محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرة].
هي عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، وهي ثقة، أخرج لها أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
عائشة ﵂ وقد مر ذكرها.
стр. 14977
الأسئلة
стр. 14978
حكم من به مرض نفسي
السؤال
هل المريض مرضاً نفسياً يعتبر مرفوعاً عنه القلم؟
الجواب
القلم مرفوع عمن يغيب عقله، وأما من كان عقله حاضراً وعنده اكتئاب وأمراض نفسيه فهذا لا يكون مرفوعاً عنه القلم، وإنما يرفع القلم عن فاقد العقل، كما جاء في الحديث: (رفع القلم عن ثلاثة: النائم حتى يستيقظ، والمجنون حتى يفيق، والصغير حتى يبلغ).
стр. 14979
كيفية قضاء الصلوات الفائتة في عمر العبد
السؤال
ما هي كيفية قضاء الصلوات المكتوبة الفائتة في العمر السابق؟ ومتى؟ وهل تكون بنية جهرية بين العبد وربه؟
الجواب
إذا كان الإنسان تاركاً للصلاة فيما مضى من حياته فيتوب إلى الله توبة نصوحاً، والتوبة تجب ما قبلها، ويحرص في المستقبل على أن يستقيم، وأن يلتزم بالطاعة، والبعد عن المعصية، ومن تاب تاب الله عليه، والإنسان إذا كان عليه شيء من الصلاة فبعض أهل العلم يقول: إنه كافر، والشيء الذي يحصل في الكفر لا يقضى، وإنما يتوب منه، ومن تاب تاب الله عليه.
стр. 14980
ما جاء في العفو عن الحدود ما لم تبلغ السلطان
стр. 14981
شرح حديث: (تعافوا الحدود فيما بينكم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب العفو عن الحدود ما لم تبلغ السلطان.
حدثنا سليمان بن داود المهري أخبرنا ابن وهب قال: سمعت ابن جريج يحدث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: (تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب)].
أورد أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى هذه الترجمة وهي: [باب العفو عن الحدود ما لم تبلغ السلطان].
أي: أن التسامح في الحدود والأعراض هذا قبل أن تصل إلى السلطان سائغ، وأن المحظور والممنوع فيما إذا بلغت السلطان، فإنه ليس لأحد أن يعفو بعد بلوغ السلطان, وليس لأحد أن يشفع، وليس للسلطان أن يعفو، بل الواجب هو إقامة الحدود، وقبل بلوغها السلطان يمكن المسامحة، ويمكن الإعراض عنها وعدم المطالبة بها إلا إذا أراد الإنسان الذي حصلت له الجناية أو عليه الجناية، وأما إذا بلغت السلطان فإنه ليس هناك إلا التنفيذ.
وقد أورد أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: (تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب) أي: هذا أمر لغير الولاة، وهو للجاني والمجني عليه، فالتسامح والتعافي يكون فيما بينهم قبل أن تبلغ السلطان، فإذا وصلت إلى السلطان فإنه لا مجال لعفو صاحب المجني عليه، ولا مجال للشفاعة أيضاً في ترك الحد، وليس للسلطان أن يترك ذلك بعد ثبوته، وإنما عليه أن يقيم الحد، ولهذا قال: (ما بلغني من حد فقد وجب) يعني: وجب تنفيذه، والتسامح والتعافي إنما هو قبل بلوغه السلطان.
стр. 14982
تراجم رجال إسناد حديث: (تعافوا الحدود فيما بينكم)
قوله: [حدثنا سليمان بن داود المهري].
هو سليمان بن داود المهري المصري، وهو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي.
[أخبرنا ابن وهب].
هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قال: سمعت ابن جريج].
هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو بن شعيب].
هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو صدوق، أخرج له البخاري في جزء القراءة وأصحاب السنن.
[عن أبيه].
هو شعيب بن محمد، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة والأدب المفرد وأصحاب السنن.
[عن عبد الله بن عمرو بن العاص].
وهو الصحابي الجليل أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ ، وهذا فيه بيان الراوي عن المرء الذي روى عنه شعيب بن محمد، فإن روايته عن عبد الله بن عمرو بن العاص، فكثير من الروايات يأتي فيها: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهذا فيه بيان للجد، وأنه جد شعيب، وشعيب يروي عن جده وقد ثبت سماعه منه، وهو متصل، وهذا الإسناد فيه تسمية الجد، وأنه عبد الله بن عمرو بن العاص، أي: أن شعيباً يروي عن جده عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما.
وعبد الله بن عمرو بن العاص حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 14983
ما جاء في الستر على أهل الحدود
стр. 14984
شرح حديث: (لو سترته بثوبك كان خيراً لك)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الستر على أهل الحدود.
حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان عن زيد بن أسلم عن يزيد بن نعيم عن أبيه: (أن ماعزاً أتى النبي ﷺ ، فأقر عنده أربع مرات، فأمر برجمه وقال لـ هزال: لو سترته بثوبك كان خيراً لك)].
أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي: [باب الستر على أهل الحدود].
والمقصود بالستر عليهم هو: عدم إظهار أمرهم، ورفع دعواهم وأنه يستر عليهم، ولكن هذا فيه تفصيل؛ لأنه إذا كان قبل أن يصل إلى السلطان فقد مر بنا حديث التعافي، وأن التسامح في ذلك ممكن، وإنما المحذور إذا بلغت السلطان.
والستر على أصحاب الحدود إذا كان الشخص معروفاً بالفسق والفجور أو معروفاً بأمور محرمة والإقدام عليها، وكونه لم تحصل له عقوبة تردعه فإن عدم الستر في هذه الحالة أولى؛ لأنه يترتب على ذلك كون شره ينتشر، وأنه يحصل منه هذا العمل المنكر باستمرار، ويحصل الإضرار بالناس، وأما إذا كان لم يحصل منه هذا التكرار، وإنما حصل منه هفوة أو زلة أو ما إلى ذلك، فهذا يمكن أن يفرق بينه وبين من يكون معروفاً بالسوابق وتكرار تلك الأمور المحرمة، وإنما الستر فيه تفصيل.
وأبو داود ﵀ أورد حديثاً ضعيفاً، لكن الحديث الذي مر والأمر بالتعافي يدل على الستر، ولكن كما أشرت ليس كل صاحب حد يستر عليه.
أورد أبو داود حديث نعيم بن هزال رضي الله تعالى عنه: أن ماعزاً أتى إلى النبي ﷺ وأقر بالزنا، فقال لـ هزال الذي هو والد نعيم: (لو سترته بثوبك كان خيراً لك) وذلك أن هزالاً كان ولي أمر ماعز، وقد أوصاه به والده مالك والد ماعز، وكان نشأ في حجره، ولما حصل له ذلك قال له: لو ذهبت إلى النبي ﷺ وأخبرته بالذي حصل من الزنا، فالرسول قال له: (لو سترته) يعني: لو أخفيت عنه وما قلت له يأتي إلي، هذا هو المقصود بمحل الشاهد للترجمة في قوله: (الستر على أهل الحدود) لأنه قال: (لو سترته بثوبك) يعني: لو أخفيت أمره ولم تقل له أن يأتي إلي ويعترف بالزنا، والإنسان إذا استتر بستر الله وتاب إلى الله ، وأحسن في المستقبل، فالتوبة تجب ما قبله، والله تعالى يتوب على من تاب.
стр. 14985
شرح حديث: (لو سترته بثوبك كان خيراً لك) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عبيد حدثنا حماد بن زيد حدثنا يحيى عن ابن المنكدر: أن هزالاً أمر ماعزاً أن يأتي النبي ﷺ فيخبره].
وهذا فيه بيان وجه كون النبي قال لـ هزال: (لو سترته بثوبك كان خيراً لك) لأنه هو الذي أمر ماعزاً أن يخبر النبي ﷺ بالذي حصل منه.
فالثاني فيه بيان أن هزالاً هو الذي أمره، وذلك فيه بيان أن النبي ﷺ قال لـ هزال وهو الذي أمره بأن يبلغ النبي ﵇ بما حصل منه: (لو سترته بثوبك كان خيراً لك).
следующие страницы →