← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 15366–15405 · переход к 15371.

стр. 15366

تراجم رجال إسناد حديث أبي رمثة (أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه) قوله: [حدثنا أحمد بن يونس]. هو أحمد بن عبد الله بن يونس، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عبيد الله يعني ابن إياد]. عبيد الله بن إياد صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. [حدثنا إياد]. إياد هو أبوه، وهو ثقة، أخرج له الذين أخرجوا لابنه. [عن أبي رمثة]. هو رفاعة بن يثربي، وهو صحابي، أخرج حديثه أبو داود والترمذي والنسائي، وهذا يعتبر من أعلى الإسانيد عند أبي داود؛ لأنه رباعي.

стр. 15367

الإمام يأمر بالعفو في الدم

стр. 15368

شرح حديث (من أصيب بقتل أو خبل فإنه يختار إحدى ثلاث) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الإمام يأمر بالعفو في الدم. حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا محمد بن إسحاق عن الحارث بن فضيل عن سفيان بن أبي العوجاء عن أبي شريح الخزاعي ﵁ أن النبي ﵌ قال: (من أصيب بقتل أو خبل فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه، ومن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم)]. قوله: [باب الإمام يأمر بالعفو في الدم] أي: أنه يشفع إلى أولياء القتيل من أجل أن يعفوا عن القاتل. وهذا يبين أن القصاص ليس كالحدود التي لابد من تنفيذها، وأنه لا يشفع فيها لا من جهة الإمام ولا من جهة غيره، فإذا وصلت إلى الإمام فلا شفاعة في الحدود؛ ولهذا جاء في الحديث الذي سبق في حق أسامة بن زيد: (أتشفع في حد من حدود الله؟!) وهذا استفهام إنكار. فهذا يبين أن القصاص ليس من هذا القبيل؛ وذلك أن الحق في القصاص للمخلوق، فله أن يتركه ويتنازل عنه، ولغيره أن يشفع عنده حتى يتنازل عنه. ولهذا اختلف العلماء هل يقال له: حد أو لا؟ ولو قيل: إنه من الحدود، فإنه مستثنى من منع الشفاعة فيه، بل الشفاعة فيه سائغة، والنبي ﷺ جاء عنه الترغيب في ذلك. وقد أورد أبو داود حديث أبي شريح الخزاعي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : [(من أصيب بقتل)] وهو إزهاق النفس. قوله: [(أو خبل)] الخبل هو الجرح. قوله: [(فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية)] يعني: إذا كان القاتل قتل عمداً فيقتص أولياء القتيل من القاتل فيقتل، أو يحصل العفو منهم فيتركونه دون أن يقتلوه ودون أن يأخذوا منه دية، أو يأخذوا منه دية. وسواءً كانت تلك الدية هي المقدرة أو أكثر منها؛ لأن أخذهم للدية هو مقابل تنازلهم عن حق لهم، وإذا لم يعطوا ما يريدون فلهم أن يقتلوا القاتل قصاصاً، وإذا طلبوا شيئاً وأعطوا إياه فإنه يسقط حقهم في القتل قصاصاً. قوله: [(فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه)] أي: إذا طلب شيئاً أكثر مما حدد له وقدر، وهو أحد هذه الأمور الثلاثة، أو حصل منه اعتداء أو شيء لا يجوز الإقدام عليه، فيؤخذ على يده ويمنع، وليس إلا أحد هذه الأمور الثلاثة فقط. قوله: [(ومن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم)] أي: بعدما يأخذ حقه أو يتنازل عن حقه، سواء القصاص أو الدية، أو عفا عنهما، ثم عاقب فإنه يكون معتدياً، وللمعتدي عذاب أليم.

стр. 15369

تراجم رجال إسناد حديث (من أصيب بقتل أو خبل فإنه يختار إحدى ثلاث) قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل]. هو موسى بن إسماعيل التبوذكي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا حماد]. هو حماد بن سلمة بن دينار البصري وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن. [أخبرنا محمد بن إسحاق]. هو محمد بن إسحاق المدني وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن. [عن الحارث بن فضيل]. الحارث بن فضيل ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة. [عن سفيان بن أبي العوجاء]. سفيان بن أبي العوجاء ضعيف، وحديثه أخرجه أبو داود وابن ماجة. [عن أبي شريح الخزاعي]. أبو شريح الخزاعي رضي الله تعالى عنه صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة. والحديث ضعيف الإسناد؛ لأن فيه سفيان بن أبي العوجاء، وهو ضعيف، ولكن معناه صحيح من جهة أن هناك قصاصاً، أو عفواً مطلقاً عن القصاص والدية، أو عفواً عن القتل مع أخذ الدية.

стр. 15370

شرح حديث (ما رأيت رسول الله رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الله بن بكر بن عبد الله المزني عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس بن مالك ﵁ قال: (ما رأيت رسول الله ﷺ رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو)]. أورد أبو داود ﵀ حديث أنس بن مالك ﵁ قال: [(ما رأيت رسول الله ﷺ رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو)] يعني: أمر بالعفو أمر إرشاد وترغيب، وليس أمر إيجاب؛ لأن هذا حق لهم، ولكن يرغبون في العفو. فـ أنس رضي الله عما كان عليه رسول الله ﵊ من أنه كان يأمر ويرغب ولي القتيل بالعفو عن القصاص مطلقاً، أو العفو عن القتل مع أخذ الدية.

стр. 15371

تراجم رجال إسناد حديث (ما رأيت رسول الله رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو) قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الله بن بكر بن عبد الله المزني]. عبد الله بن بكر بن عبد الله المزني صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة. [عن عطاء بن أبي ميمونة]. عطاء بن أبي ميمونة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي. [عن أنس بن مالك]. أنس بن مالك ﵁ خادم رسول الله ﵊، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﵊. وهذا الإسناد من الرباعيات التي هي أعلى الأسانيد عند أبي داود.

стр. 15372

شرح حديث (قتل رجل على عهد النبي فرفع ذلك إليه، فدفعه إلى ولي المقتول) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة أخبرنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: (قتل رجل على عهد النبي ﵌، فرفع ذلك إلى النبي ﵌ فدفعه إلى ولي المقتول، فقال القاتل: يا رسول الله! والله ما أردت قتله، قال: فقال رسول الله ﵌ للولي: أما إنه إن كان صادقاً ثم قتلته دخلت النار، قال: فخلى سبيله، قال: وكان مكتوفاً بنسعة، فخرج يجر نسعته، فسمي ذا النسعة)]. أورد أبو داود ﵀ حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلاً قتل رجلاً فجيء به إلى النبي ﷺ فدفعه لولي القتيل ليقتله، فقال القاتل: [(يا رسول الله والله ما أردت قتله)] أي: أنه لم يقتله عمداً وإنما قتله خطأً. قوله: [(فقال الرسول ﷺ للولي: أما إنه إن كان صادقاً)] أي: إن كان صادقاً في أنه لم يكن متعمداً. قوله: [(ثم قتلته دخلت النار)] لأنك قتلت معصوماً لا يستحق القتل. فما دام الأمر دائراً بين أن يكون عمداً وأن يكون خطأً، فهذه شبهة يدرأ بها الحكم، ولا يصار للحكم الأشد مع احتمال ذلك. ودفع النبي ﷺ القاتل لولي المقتول على اعتبار أنه اعترف بالقتل، ولكنه قال بعد ذلك: إني ما أردت قتله، فالنبي ﷺ أرشد هذا الولي إلى أن يتركه، وذلك أولى من أن يقتله. ولكن لو أراد أن يأخذ الدية فله ذلك، وإذا أراد أن يعفو عن هذا وهذا فهذا من الأمور المحمودة الطيبة. قوله: [(قال: فخلى سبيله، قال: وكان مكتوفاً بنسعة، فخرج يجر نسعته، فسمي ذا النسعة)]. النسعة سير كان مربوطاً به. وهذا فيه دليل على أن الشخص الذي يخشى انفلاته فإنه يوثق ويمسك حتى لا يهرب.

стр. 15373

تراجم رجال إسناد حديث (قتل رجل على عهد النبي فرفع ذلك إليه، فدفعه إلى ولي المقتول) قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة]. عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي. [أخبرنا أبو معاوية]. هو أبو معاوية محمد بن خازم الضرير الكوفي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا الأعمش]. هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي صالح]. هو ذكوان السمان المدني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة]. هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁ صاحب رسول الله ﵊، وهو أكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق ﵁ وأرضاه. وهذا يدخل تحت القاعدة المشهورة: الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة، أي: إذا كان هذا وهذا محتملاً فالخطأ في العفو أحسن من الخطأ في العقوبة.

стр. 15374

شرح حديث وائل بن حجر (كنت عند النبي ﷺ إذ جيء برجل قاتل في عنقه النسعة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة الجشمي حدثنا يحيى بن سعيد عن عوف حدثنا حمزة أبو عمر العائذي حدثني علقمة بن وائل حدثني وائل بن حجر ﵁ قال: (كنت عند النبي ﵌ إذ جيء برجل قاتل في عنقه النسعة، قال: فدعا ولي المقتول فقال: أتعفو؟ قال: لا، قال: أفتأخذ الدية؟ قال: لا، قال: أفتقتل؟ قال: نعم، قال: اذهب به، فلما ولى قال: أتعفو؟ قال: لا، قال: أتأخذ الدية؟ قال: لا، قال: أفتقتل؟ قال: نعم، قال: اذهب به، فلما كان في الرابعة قال: أما إنك إن عفوت عنه فإنه يبوء بإثمه وإثم صاحبه، قال: فعفا عنه، قال: فأنا رأيته يجر النسعة)]. أورد أبو داود حديث وائل بن حجر ﵁: أن رجلاً قاتلاً جيء به إلى النبي ﷺ ، فدفعه إلى ولي القتيل، فأراد أن يقتله، فذهب به، فلما ولى قال: (أتعفو؟ قال: لا، قال: أفتأخذ الدية؟ قال: لا، قال: أفتقتل؟ قال: نعم، قال: اذهب به)] أي: أنه لما ولى عرض عليه العفو أو أخذ الدية، لكنه أبى أن يأخذ الدية أو يعفو، بل أراد أن يقتل، ثم كرر عليه ذلك مراراً، ثم قال: [(أما إنك إن عفوت عنه فإنه يبوء بإثمه وإثم صاحبه، قال: فعفا عنه)]. هذا فيه ترغيب في العفو، وأن الإنسان إذا عفا فإنه يبقى حق القتيل في ذمة القاتل؛ لأنه لم يقم عليه الحد الذي يكون كفارة له، على القول بأن القصاص هو من جملة الحدود التي هي كفارات؛ فيبوء ذلك القاتل الذي عفي عنه بإثمه وكذلك بإثم صاحبه الذي قتله. والمقصود بذلك الذنب هو القتل، أما لو أنه أقيم الحد، فمعنى ذلك أنه أخذ حقه وصار القصاص كفارة، وتبقى على القاتل خطاياه وذنوبه من غير هذه الجناية، فالتكفير إنما هو لذنب القتل فقط، وإذا عفا عنه فإن ذنب هذه الجناية يبقى عليه، فيأخذ المقتول حقه منه يوم القيامة، وتبقى عليه ذنوبه الأخرى أيضاً.

стр. 15375

تراجم رجال إسناد حديث وائل بن حجر (كنت عند النبي ﷺ إذ جيء برجل قاتل في عنقه النسعة) قوله: [حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة الجشمي]. هو عبيد الله بن عمر بن ميسرة الجشمي القواريري وهو ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. [حدثنا يحيى بن سعيد]. هو يحيى بن سعيد القطان وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عوف]. هو عوف الأعرابي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا حمزة أبو عمر العائذي]. حمزة أبو عمر العائذي صدوق، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي. [حدثني علقمة بن وائل]. هو علقمة بن وائل بن حجر، وهو صدوق أخرج له البخاري في رفع اليدين ومسلم وأصحاب السنن. [حدثني وائل بن حجر]. وائل بن حجر صحابي، أخرج له البخاري في جزء القراءة، ومسلم وأصحاب السنن.

стр. 15376

سماع علقمة بن وائل بن حجر من أبيه هذا فيه أن علقمة بن وائل قد سمع من أبيه؛ لأنه يروي بالتحديث، حيث قال: حدثني وائل بن حجر، وقد خرج له مسلم، وهذا مما خرجه مسلم، فروايته ثابتة عنه، وابن حجر في التقريب قال: إنه لم يسمع من أبيه، والصحيح أنه قد سمع، وإنما الذي لم يسمع من أبيه هو عبد الجبار بن وائل وأما علقمة فإنه قد سمع، وهذا مما سمعه من أبيه، وقد روى عنه مسلم بعض أحاد يث، ومعلوم أن مسلماً لا يروي إلا أحاديث متصلة.

стр. 15377

طريق أخرى لحديث وائل بن حجر وترجمة رجال الإسناد قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة حدثنا يحيى بن سعيد حدثني جامع بن مطر حدثني علقمة بن وائل بإسناده ومعناه]. أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى وهو مثل الذي قبله. قوله: [حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة حدثنا يحيى بن سعيد حدثني جامع بن مطر]. جامع بن مطر صدوق أخرج له البخاري في رفع اليدين وأبو داود والنسائي.

стр. 15378

شرح حديث (جاء رجل إلى النبي ﷺ بحبشي فقال: إن هذا قتل ابن أخي) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عوف الطائي حدثنا عبد القدوس بن الحجاج حدثنا يزيد بن عطاء الواسطي عن سماك عن علقمة بن وائل عن أبيه ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﵌ بحبشي، فقال: إن هذا قتل ابن أخي، قال: كيف قتلته؟ قال: ضربت رأسه بالفأس ولم أرد قتله، قال: هل لك مال تؤدي ديته؟ قال: لا، قال: أفرأيت إن أرسلتك تسأل الناس تجمع ديته؟ قال: لا، قال: فمواليك يعطونك ديته؟ قال: لا، قال للرجل: خذه، فخرج به ليقتله، فقال رسول الله ﵌: أما إنه إن قتله كان مثله، فبلغ به الرجل حيث يسمع قوله، فقال: هو ذا فمر فيه ما شئت، فقال رسول الله ﷺ : أرسله، وقال مرة: دعه يبوء بإثم صاحبه وإثمه فيكون من أصحاب النار، قال: فأرسله)]. أورد أبو داود حديث وائل بن حجر وهو مثل الذي قبله إلا أن فيه شيئاً من التفصيل، فالأول فيه إجمال، وهذا فيه تفصيل. قوله: [(جاء رجل إلى النبي ﷺ بحبشي فقال: إن هذا قتل ابن أخي)]. يعني: أتى برجل من الحبشة وهو عبد. قوله: [(فقال: إن هذا قتل ابن أخي، قال: كيف قتلته؟ قال: ضربت رأسه بالفأس ولم أرد قتله)]. يبدو أنه الذي مر في الحديث السابق الذي قال: ما أردت قتله. ولكن الفأس أداة قتل، وليس هناك احتمال غير القتل؛ لأنه ضرب رأسه بالفأس، وما دام أنه حصل الضرب بالفأس عمداً وهو شيء يقتل، فقوله: (ولم أرد قتله) لا ينفعه وكذلك لو ضرب شخص بسكين وهي من الأشياء القاتلة وقال: لم أرد قتله، فلا ينفعه هذا الكلام، وإلا لذهب كل شخص يجني على غيره ويقول: لم أرد قتله. قوله: [(قال: ضربت رأسه بالفأس ولم أرد قتله، قال: هل لك مال تؤدي ديته؟ قال: لا، قال: أفرأيت إن أرسلتك تسأل الناس تجمع ديته؟ قال: لا، قال: فمواليك يعطونك ديته؟ قال: لا، قال للرجل: خذه، فخرج به ليقتله، فقال رسول الله ﷺ : أما إنه إن قتله كان مثله)]. أي: كان مثله جانياً، على اعتبار أن استحقاق القتل ليس متيقناً. قوله: [(فبلغ به الرجل حيث يسمع قوله، فقال: هو ذا فمر فيه ما شئت، فقال رسول الله ﷺ : أرسله، وقال مرة: دعه يبوء بإثم صاحبه وإثمه فيكون من أصحاب النار، قال: فأرسله)]. أي: أنه يستحق العقوبة، وكما هو معلوم بالنسبة لحقوق الآدميين فإنه يقتص بعضهم من بعض يوم القيامة، وليس هناك إلا الحسنات والسيئات، فإذا كان مع المقتص منه حسنات أخذ منها وأعطيت للمجني عليه، وإذا لم يكن معه منه حسنات، فإنه يؤخذ من سيئات المجني عليه وتلقى على الجاني ثم يلقى في النار، ولكن كل ما كان دون الشرك فإنه يحتمل شفاعة الله ، وإذا عذب فلابد من خروجه من النار وإدخاله الجنة، ولا يبقى في النار أبد الآباد إلا الكفار الذين هم أهلوها.

стр. 15379

تراجم رجال إسناد حديث: (جاء رجل إلى النبي ﷺ بحبشي فقال: إن هذا قتل ابن أخي) قوله: [حدثنا محمد بن عوف الطائي]. محمد بن عوف الطائي ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي في مسند علي. [حدثنا عبد القدوس بن الحجاج]. هو عبد القدوس بن الحجاج أبو المغيرة وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا يزيد بن عطاء الواسطي]. يزيد بن عطاء الواسطي لين الحديث، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد، وأبو داود. [عن سماك عن علقمة عن أبيه]. وقد مر ذكر الثلاثة. والحديث صححه الشيخ الألباني؛ لأنه كما هو معلوم مثل الذي قبله.

стр. 15380

شرح حديث (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن أبي أمامة بن سهل ﵁ قال: (كنا مع عثمان ﵁ وهو محصور في الدار، وكان في الدار مدخل من دخله سمع كلام من على البلاط، فدخله عثمان فخرج إلينا وهو متغير لونه، فقال: إنهم ليتواعدونني بالقتل آنفاً، قال: قلنا: يكفيكهم الله يا أمير المؤمنين! قال: ولم يقتلونني؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إسلام، أو زناً بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس، فوالله ما زنيت في جاهلية ولا في إسلام قط، ولا أحببت أن لي بديني بدلاً منذ هداني الله، ولا قتلت نفساً، فبم يقتلونني؟). قال أبو داود: عثمان وأبو بكر ﵄ تركا الخمر في الجاهلية]. أورد أبو داود حديث عثمان بن عفان ﵁ لما توعده الخارجون عليه الذين حاصروه في داره بالقتل، وآل الأمر إلى قتله ﵁ وأرضاه، قال: [(ولم يقتلونني؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إسلام، أو زناً بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس)] ثم أخبر أنه ما زنى في الجاهلية ولا في الإسلام، يعني: أن الله قد حفظه في جاهليته وفي إسلامه ﵁ وأرضاه فلم يقع منه الزنا، وكذلك لم يقتل أحداً، وكذلك لم يرض بدينه بديلاً، ولن يصير منه ذلك، ومعنى ذلك أن قتلهم له كان بغير حق.

стр. 15381

تراجم رجال إسناد حديث (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث) قوله: [حدثنا سليمان بن حرب]. سليمان بن حرب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا حماد بن زيد]. حماد بن زيد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن يحيى بن سعيد]. هو يحيى بن سعيد الأنصاري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي أمامة بن سهل]. هو أبو أمامة بن سهل بن حنيف له رؤية، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [قال: كنا مع عثمان ﵁]. هو عثمان بن عفان ﵁، أمير المؤمنين وثالث الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة ﵁ وأرضاه.

стр. 15382

شرح حديث قصة قتل محلم الليثي لرجل من أشجع قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا محمد -يعني ابن إسحاق - فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال: سمعت زياد بن ضميرة الضمري (ح) وحدثنا وهب بن بيان وأحمد بن سعيد الهمداني قالا: حدثنا ابن وهب أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عبد الرحمن بن الحارث عن محمد بن جعفر أنه سمع زياد بن سعد بن ضميرة السلمي -وهذا حديث وهب وهو أتم- يحدث عروة بن الزبير عن أبيه، قال موسى: وجده، وكانا شهدا مع رسول الله ﵌ حنيناً، ثم رجعنا إلى حديث وهب: (أن محلم بن جثامة الليثي قتل رجلاً من أشجع في الإسلام، وذلك أول غير قضى به رسول الله ﵌، فتكلم عيينة في قتل الأشجعي، لأنه من غطفان، وتكلم الأقرع بن حابس دون محلم؛ لأنه من خندف، فارتفعت الأصوات وكثرت الخصومة واللغط، فقال رسول الله ﵌: يا عيينة! ألا تقبل الغير؟ فقال عيينة: لا والله حتى أدخل على نسائه من الحرب والحزن ما أدخل على نسائي، قال: ثم ارتفعت الأصوات وكثرت الخصومة واللغط، فقال رسول الله ﵌: يا عيينة! ألا تقبل الغير؟ فقال عيينة مثل ذلك أيضاً، إلى أن قام رجل من بني ليث يقال له: مكيتل عليه شكة وفي يده درقة، فقال: يا رسول الله إني لم أجد لما فعل هذا في غرة الإسلام مثلاً إلا غنماً وردت فرمي أولها فنفر آخرها، اسنن اليوم وغير غداً، فقال رسول الله ﵌: خمسون في فورنا هذا، وخمسون إذا رجعنا إلى المدينة، وذلك في بعض أسفاره، ومحلم رجل طويل آدم وهو في طرف الناس، فلم يزالوا حتى تخلص فجلس بين يدي رسول الله ﵌ وعيناه تدمعان، فقال: يا رسول الله! إني قد فعلت الذي بلغك وإني أتوب إلى الله ﵎، فاستغفر الله لي يا رسول الله! فقال رسول الله ﵌: أقتلته بسلاحك في غرة الإسلام؟ اللهم لا تغفر لـ محلم، بصوت عال، زاد أبو سلمة: فقام وإنه ليتلقى دموعه بطرف ردائه، قال ابن إسحاق: فزعم قومه أن رسول الله ﵌ استغفر له بعد ذلك). قال أبو داود: قال النضر بن شميل: الغير: الدية]. أورد أبو داود حديث سعد بن ضميرة ﵁: [(أن محلم بن جثامة قتل رجلاً من أشجع في الإسلام)]. أي: في أول الإسلام. قوله: [(وذلك أول غير قضى به رسول الله ﷺ ]. يعني: أول دية قضى بها رسول الله ﷺ . قوله: [(فتكلم عيينة في قتل الأشجعي؛ لأنه من غطفان، وتكلم الأقرع بن حابس دون محلم؛ لأنه من خندف)]. يعني: واحد تكلم في القتيل، والثاني تكلم في القاتل. قوله: [(فارتفعت الأصوات وكثرت الخصومة واللغط، فقال رسول الله ﷺ : يا عيينة! ألا تقبل الغير؟)]. عيينة هو الذي يحاج عن الأشجعي. قوله: [فقال (عيينة: لا والله حتى أدخل على نسائه من الحرب والحزن ما أدخل على نسائي)]. الحرب قيل: هو نهب المال، وقيل: إن المقصود بها الحرب بالسكون، أي: لا بد أن يصير هناك إخافة وقتل مثلما حصل القتل والإخافة وفي عون المعبود: الحرب: بفتح الحاء وسكون الراء المهملتين، أي: المقاتل. قوله: [(قال: ثم ارتفعت الأصوات وكثرت الخصومة واللغط، فقال رسول الله ﵌: يا عيينة! ألا تقبل الغير؟ فقال عيينة مثل ذلك أيضاً، إلى أن قام رجل من بني ليث يقال له مكيتل عليه شكة وفي يده درقة)]. الشكة: السلاح، والدرقة: هي الترس من الجلد ليس بها خشب ولا عصب. قوله: [(فقال: يا رسول الله! إني لم أجد لما فعل هذا في غرة الإسلام مثلاً إلا غنماً وردت فرمي أولها فنفر آخرها)]. يعني: لا أجد لهذا مثلاً إلا الغنم التي رمي أولها فحصل النفار في آخرها. ومكيتل ليثي من قبيلة محلم فهو يقصد بهذا المثل عيينة؛ لأنه مقابله وهو غطفاني. قوله: [(اسنن اليوم وغير غداً)]. هذا مثل ضربه لترك القتل، كما أن الأول ضربه للقتل؛ ولذلك ترك العطف. ومعناه: قرر حكمك اليوم وغيره غداً؛ لأنك إذا تركت القصاص اليوم في أول ما شرع واكتفيت بالدية ثم أجريت القصاص على أحد فإنه يصير ذلك كهذا المثل. وقال ابن الأثير في النهاية: اسنن اليوم وغير غداً، أي: اعمل بسنتك التي سننتها في القصاص، ثم بعد ذلك إذا شئت أن تغير فغير ما سننت، وقيل: غير من أخذ الغير وهي الدية. وقال الخطابي: هذا مثل يقول: إن لم تقتص منه اليوم لم تثبت سنتك غداً، ولم ينفذ حكمك بعدك، وإن لم تفعل ذلك وجد القائل سبيلاً إلى أن يقول مثل هذا القول، أعني قوله: اسنن اليوم وغير غداً، فتتغير لذلك سنتك وتتبدل أحكامها. وقال السيوطي في مرقاة الصعود: إن مثل محلم في قتله الرجل وطلبه ألا يقتص منه وتؤخذ منه الدية والوقت أول الإسلام وصدره كمثل هذه الغنم النافرة. يعني: إن جرى الأمر مع أولياء هذا القتيل على ما يريد محلم ثبط الناس عن الدخول في الإسلام لمعرفتهم أن القود يغير بالدية والعوض، خصوصاً وهم حراص على درك الأوتار وفيهم الأنفة من قبول الديات، ثم حث رسول الله ﷺ على الإقادة منه بقوله: اسنن اليوم وغير غداً، يريد إن لم تقتص منه غيرت سنتك، ولكنه أخرج الكلام على الوجه الذي يهيج المخاطب، ويحثه على الإقدام والجرأة على المطلوب منه. قوله: [(فقال رسول الله ﷺ : خمسون في فورنا هذا وخمسون إذا رجعنا إلى المدينة، وذلك في بعض أسفاره)]. وهذه هي الدية تسلم خمسون، وتؤجل خمسون إلى الرجوع إلى المدينة، وكان هذا في سفر. قوله: [(ومحلم رجل طويل آدم وهو في طرف الناس)]. يعني فيه سمرة. قوله: [(فلم يزالوا حتى تخلص فجلس بين يدي رسول الله ﵌ وعيناه تدمعان، فقال: يا رسول الله! إني قد فعلت الذي بلغك وإني أتوب إلى الله ﵎ فاستغفر الله لي يا رسول الله، فقال رسول الله ﵌: أقتلته بسلاحك في غرة الإسلام؟ اللهم لا تغفر لـ محلم بصوت عال، زاد أبو سلمة: فقام وإنه ليتلقى دموعه بطرف ردائه، قال ابن إسحاق: فزعم قومه أن رسول الله ﵌ استغفر له بعد ذلك)]. وهذا الحديث ضعيف؛ لأن في إسناده رجلاً مقبولاً، والمقبول ليس بحجة.

стр. 15383

تراجم رجال إسناد حديث قصة قتل محلم الليثي لرجل من أشجع قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا محمد بن إسحاق فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير]. محمد بن جعفر بن الزبير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [قال: سمعت زياد بن ضميرة]. زياد بن ضميرة مقبول، أخرج له أبو داود وابن ماجة. [ح وحدثنا وهب بن بيان]. وهب بن بيان ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي. [وأحمد بن سعيد الهمداني]. أحمد بن سعيد الهمداني صدوق أخرج له أبو داود. [حدثنا ابن وهب]. هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد]. عبد الرحمن بن أبي الزناد صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم في المقدمة وأصحاب السنن. [عن عبد الرحمن بن الحارث]. عبد الرحمن بن الحارث صدوق له أوهام، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن. [عن محمد بن جعفر أنه سمع زياد بن سعد بن ضميرة السلمي وهذا حديث وهب وهو أتم يحدث عروة بن الزبير عن أبيه]. أبوه هو سعد بن ضميرة السلمي وهو صحابي، وجد زياد صحابي، أخرج له أبو داود. وجد زياد أخرج له أبو داود وابن ماجة. [قال أبو داود: قال النضر بن شميل: الغير: الدية]. هذا تفسير للغير بأنها الدية.

стр. 15384

شرح سنن أبي داود [٥٠٦] جاء الإسلام داعياً إلى حرمة دم المسلم، فمن قتل قتيلاً دفع إلى أولياء المني عليه، فإن شاءوا قتلوا وإن شاءوا عفوا على عوض أو بدون عوض، ولا يقتل مسلم بكافر، ولا حر بعبد، ولا يعفى من العقوبة من قتل بعد أخذ الدية، ومن سقى غيره سماً قتل به، ومن قتل عبده قتل به، ومن جدع أنف عبده جدع به، ومن خصى عبده خُصى به.

стр. 15385

ولي العمد يرضى بالدية

стр. 15386

شرح حديث (ألا إنكم يا معشر خزاعة قتلتم هذا القتيل من هذيل وإني عاقله) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ولي العمد يرضى بالدية. حدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا ابن أبي ذئب حدثني سعيد بن أبي سعيد قال: سمعت أبا شريح الكعبي ﵁ يقول: قال رسول الله ﵌: (ألا إنكم يا معشر خزاعة قتلتم هذا القتيل من هذيل، وإني عاقله، فمن قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خيرتين: بين أن يأخذوا العقل، أو يقتلوا)]. قوله: [باب ولي العمد يرضى بالدية]. أي: أن من حقه أن يقتص، ومن حقه أن يأخذ الدية، ومن حقه أن يعفو عن القصاص وعن الدية. فكل هذه الأمور الثلاثة لولي الدم أن يأخذ بأي شيء منها، فإن اختار ولي العمد القود اقتص من القاتل، وإن عفا عن القتل وأخذ الدية أخذها، وإن عفا عن القتل والدية فله ذلك. وقد أورد أبو داود حديث أبي شريح الخزاعي الكعبي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : [(ألا إنكم يا معشر خزاعة قتلتم هذا القتيل من هذيل وإني عاقله)]. أي: وإني دافع الدية، والعقل هو الدية. قوله: [(فمن قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خيرتين: أن يأخذوا العقل، أو يقتلوا)]. الذي يبدو أنه قتل عمد؛ لأن قتل الخطأ ليس فيه إلا أخذ الدية، وهو حكم مستمر، وقوله: [(بعد مقالتي هذه)] يعني: أن صاحب الدم هو بخير النظرين: إما أن يقتل، وإما أن يأخذ الدية. فالذي يفهم من الحديث: أن هذا قتل عمد وليس خطأ؛ لأنه قال: [(بعد مقالتي هذه)] وكأن هذا حكم انتهى وأنه في المستقبل من قتل عمداً فإن صاحب الدم الذي هو ولي القتيل مخير بين شيئين: إما أن يقتص وإما أن يأخذ الدية.

стр. 15387

تراجم رجال إسناد حديث (ألا إنكم يا معشر خزاعة قتلتم هذا القتيل من هذيل وإني عاقله) قوله: [حدثنا مسدد بن مسرهد]. هو مسدد بن مسرهد البصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. [حدثنا يحيى بن سعيد]. مر ذكره. [حدثنا ابن أبي ذئب]. هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثني سعيد بن أبي سعيد]. هو سعيد بن أبي سعيد المقبري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [قال: سمعت أبا شريح الكعبي]. أبو شريح الخزاعي ﵁ وهو صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

стр. 15388

شرح حديث (من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يودى أو يقاد) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عباس بن الوليد بن مزيد أخبرني أبي حدثنا الأوزاعي حدثني يحيى (ح) وحدثنا أحمد بن إبراهيم حدثني أبو داود حدثنا حرب بن شداد حدثنا يحيى بن أبي كثير حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن حدثنا أبو هريرة ﵁ قال: (لما فتحت مكة قام رسول الله ﵌ فقال: من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يودى، أو يقاد، فقام رجل من أهل اليمن يقال له: أبو شاه فقال: يا رسول الله اكتب لي، قال عباس بن مزيد: اكتبوا لي، فقال رسول الله ﷺ : اكتبوا لـ أبي شاه) وهذا لفظ حديث أحمد. قال أبو داود: (اكتبوا لي) يعني: خطبة النبي ﷺ ]. أورد أبو داود حديث أبي هريرة وهو مثل حديث أبي شريح. فالحديثان مؤداهما واحد، وهو أن ولي القتيل مخير بين هذا وهذا، وهو: إما أن يقتص، أو يترك القصاص ويتحول إلى الدية. وفيه: أن رجلاً من أهل اليمن يقال له: أبو شاه قال: (اكتبوا لي) أي: اكتبوا لي هذه الخطبة التي سمعتها من رسول الله ﷺ ، وهو يدل على جواز كتابة العلم؛ لأن الرسول ﷺ أمر بأن يكتب لـ أبي شاه ذلك الشيء الذي طلبه، وهي هذه الخطبة المشتملة على هذه الأحكام.

стр. 15389

تراجم رجال إسناد حديث (من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يودى أو يقاد) قوله: [حدثنا عباس بن الوليد بن مزيد]. عباس بن الوليد بن مزيد ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي. [أخبرني أبي] أبوه الوليد بن مزيد ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي. [حدثنا الأوزاعي]. هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثني يحيى]. هو يحيى بن أبي كثير اليمامي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ح وحدثنا أحمد بن إبراهيم]. هو أحمد بن إبراهيم الدورقي، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة. [حدثني أبو داود]. هو سليمان بن داود الطيالسي وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن. [حدثنا حرب بن شداد]. حرب بن شداد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة. [حدثنا يحيى بن أبي كثير حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن]. أبو سلمة بن عبد الرحمن ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا أبو هريرة]. هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وقد مر ذكره. قوله: [قال العباس]. هو العباس بن الوليد.

стр. 15390

شرح حديث (لا يقتل مؤمن بكافر، ومن قتل مؤمناً متعمداً دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوه وإن شاءوا أخذوا الدية) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسلم حدثنا محمد بن راشد حدثنا سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ عن النبي ﵌ قال: (لا يقتل مؤمن بكافر، ومن قتل مؤمناً متعمداً دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوه، وإن شاءوا أخذوا الدية)]. أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ قال: [(لا يقتل مؤمن بكافر)] أي: أنه لا يقاد مؤمن بكافر، ثم ذكر محل الشاهد من الترجمة الذي فيه: [(ومن قتل مؤمناً متعمداً دفع إلى أولياء المقتول)]. يعني: يدفع إلى أولياء المقتول ليقتلوه، أو يأخذوا الدية، وهو مثل حديث أبي شريح وحديث أبي هريرة المتقدمين.

стр. 15391

تراجم رجال إسناد حديث (لا يقتل مؤمن بكافر ومن قتل مؤمناً متعمداً دفع إلى أولياء المقتول فإن شاءوا قتلوه وإن شاءوا أخذوا الدية) قوله: [حدثنا مسلم]. هو مسلم بن إبراهيم، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا محمد بن راشد]. محمد بن راشد صدوق يهم، أخرج له أصحاب السنن. [حدثنا سليمان بن موسى]. سليمان بن موسى صدوق في حديثه بعض لين، أخرج له مسلم في المقدمة، وأصحاب السنن. [عن عمرو بن شعيب]. عمرو بن شعيب صدوق، أخرج له البخاري في جزء القراءة، وأصحاب السنن. [عن أبيه]. هو شعيب بن محمد، وهو صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وجزء القراءة، وأصحاب السنن. [عن جده]. هو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما وهو صحابي جليل، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 15392

حكم من قتل بعد أخذ الدية

стр. 15393

شرح حديث (لا أعفي من قتل بعد أخذه الدية) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب من قتل بعد أخذ الدية. حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا مطر الوراق وأحسبه عن الحسن عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﵌: (لا أعفي من قتل بعد أخذه الدية)]. قوله: [باب من قتل بعد أخذ الدية]. أي: أنه تجاوز الحد؛ لأن الذي له: إما القتل أو الدية، فإذا تنازل عن القتل سقط حقه فيه، فلا سبيل إلى القتل، وإنما الذي له هو هذا الذي انتهى إليه من أخذ الدية. قوله: [(لا أعفي من قتل بعد أخذه الدية)]. لأنه حصلت منه الجناية، وحقه من القتل سقط، بل لو تنازل واحد من ورثة القتيل فإن القود والقصاص يسقط، ويكون الأمر راجعاً إلى أخذ الدية فقط، فمن اعتدى بعد أخذه الدية فمعناه أنه تجاوز الحد. والحديث في إسناده انقطاع؛ لأن الحسن لم يسمع من جابر رضي الله تعالى عنه.

стр. 15394

تراجم رجال إسناد حديث (لا أعفي من قتل بعد أخذه الدية) قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا مطر الوراق]. مطر الوراق صدوق كثير الخطأ، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن. [وأحسبه عن الحسن]. يعني: فيه شك. هو الحسن بن أبي الحسن البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن جابر بن عبد الله]. جابر بن عبد الله صحابي جليل، وهو أحد الصحابة السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 15395

ما جاء فيمن سقى رجلاً سماً أو أطعمه فمات

стр. 15396

شرح حديث (أن امرأة يهودية أتت رسول الله بشاة مسمومة فأكل منها) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فيمن سقى رجلاً سماً أو أطعمه فمات أيقاد منه؟ حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي حدثنا خالد بن الحارث حدثنا شعبة عن هشام بن زيد عن أنس بن مالك ﵁: (أن امرأة يهودية أتت رسول الله ﵌ بشاة مسمومة، فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فسألها عن ذلك، فقالت: أردت لأقتلك، فقال: ما كان الله ليسلطك على ذلك، أو قال: علي، فقالوا: ألا نقتلها؟ قال: لا، فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﵌]. قوله: [باب فيمن سقى رجلاً سماً أو أطعمه فمات أيقاد منه؟]. ذكر الرجل هنا لا مفهوم له، فالمرأة كذلك، سواء كانت ساقية أو مسقية، وإنما يخاطب الرجال بالأحكام في الغالب، ولهذا يأتي ذكر الرجال أو الرجل دون النساء في تراجم الأبواب وفي كلام العلماء، والحكم لا يختص بالرجل دون المرأة، وكذلك يأتي في الأحاديث ذكر الحكم مضافاً إلى الرجل وهو لا يختص بالرجل، بل الأصل التساوي بين الرجال والنساء في الأحكام، إلا إذا جاء دليل يدل على اختصاص الرجال بحكم دون النساء فإنه يختص بهم، أو جاء دليل يختص بالنساء دون الرجال فإنه يختص بهن. وخطاب النبي ﷺ لواحد خطاب للجميع، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، ومن قتل غيره بسم سقاه إياه أو أطعمه إياه ومات بسبب ذلك، فإنه يقاد منه، بل إن القود يكون بالمماثلة فيقتل بما قتل به، فإذا قتل بسم قتل بسم، وإذا ألقى المقتول من شاهق ألقي القاتل من شاهق، وإذا قتل بأي شيء قتل به، إلا أن يكون ذلك الفعل محرماً لا يجوز فعله في حق الرجل أو المرأة، فإنه لا يفعل به الفعل المحرم الذي فعله بغيره. ومن الأدلة على ذلك: فعل الرسول ﷺ باليهودي الذي رض الجارية بين حجرين فأمر ﷺ أن يرض بين حجرين؛ لأن هذه مماثلة، والقصاص يكون بالمماثلة، وإذا أراد أن يقتص بشيء آخر أقل منه فإنه لا بأس بذلك، ولكن القتل بالمماثلة سائغ وجائز. وقد أورد أبو داود حديث أنس بن مالك ﵁: [(أن امرأة يهودية أتت رسول الله ﵌ بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله ﵌ فسألها عن ذلك، فقالت: أردت لأقتلك، فقال: ما كان الله ليسلطك على ذلك أو قال: علي، فقالوا: ألا نقتلها؟ قال: لا، فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﵌]. هذه امرأة من اليهود أهدت إلى رسول الله ﵊ شاة مشوية ووضعت فيها سماً، وجعلت قسطاً كبيراً من السم في الذراع؛ لأنه ﷺ كان يعجبه الذراع، ولما أكل رسول الله ﵊ ومعه بعض أصحابه تكلمت الذراع، أنطقها الله وأخبرت النبي ﷺ بأنها مسمومة، فامتنع الرسول ﷺ من الأكل وأمر الذين معه أن يمتنعوا عن الأكل، ثم دعا بالمرأة فسألها عن ذلك، فقالت: أردت أن أقتلك، فقال ﵊: [(ما كان الله ليسلطك على ذلك أو قال: علي)] شك من الراوي. [(فقالوا: ألا نقتلها؟ قال: لا)]. وذلك أنه ﷺ ما كان ينتقم لنفسه، ولكنه جاء في بعض الروايات أنه أمر بقتلها؛ لأنه مات بسببها بعض أصحابه. إذاً: التوفيق بين ما جاء أن النبي ﷺ نهاهم عن قتلها لما استأذنوه، وبين أنه أمر بقتلها كما جاء في بعض الروايات: أن نهيه عن قتلها كان فيما يتعلق به، فهي قد سمته فلم ينتقم لنفسه ﷺ ، ولكنه لما مات بعض أصحابه بسبب ذلك السم أمر بقتلها فقتلت. قال أنس: [(فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ ] يعني: كأنها علامة سواد أو شيء من التغير في لهواته ﷺ . أما كيف قتلها فلا نعلم أقتلها بالسم أو غيره، لكن كما عرفنا أن من قتل بشيء قتل به، ويجوز أن يقتل بغير ما قتل به.

стр. 15397

تراجم رجال إسناد حديث (أن امرأة يهودية أتت رسول الله بشاة مسمومة فأكل منها) قوله: [حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي]. يحيى بن حبيب بن عربي ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [حدثنا خالد بن الحارث]. هو خالد بن الحارث الهجيمي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا شعبة]. هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن هشام بن زيد]. هشام بن زيد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أنس بن مالك]. أنس بن مالك ﵁ خادم رسول الله ﵊، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 15398

شرح حديث (أن امرأة من اليهود أهدت إلى النبي ﷺ شاة مسمومة فما عرض لها) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا داود بن رشيد حدثنا عباد بن العوام (ح) وحدثنا هارون بن عبد الله حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا عباد عن سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة قال هارون: عن أبي هريرة ﵁: (أن امرأة من اليهود أهدت إلى النبي ﵌ شاة مسمومة، قال: فما عرض لها النبي ﵌. قال أبو داود: هذه أخت مرحب اليهودية التي سمت النبي ﷺ ]. أورد أبو داود حديث أبي هريرة ﵁: [(أن امرأة من اليهود أهدت شاة مسمومة إلى رسول الله ﷺ فما عرض لها رسول الله ﵊] أي: لم يعاقبها ﵊ على ذلك الفعل الذي حصل منها؛ لأنه لم ينتقم لنفسه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. وفيه: قبول الهدايا من الكفار، وأن ذلك سائغ، لاسيما إذا كان في ذلك القبول مصلحة وفائدة، وهي كونهم يميلون إلى الإسلام ويتجهون إليه، فإن مثل ذلك أمر مطلوب، وكذلك إذا كانوا جيراناً فإنه يتعامل معهم بالإحسان إليهم؛ لأن ذلك من أسباب هدايتهم ودخولهم في الإسلام.

стр. 15399

تراجم رجال إسناد حديث (أن امرأة من اليهود أهدت إلى النبي ﷺ شاة مسمومة فما عرض لها) قوله: [حدثنا داود بن رشيد]. داود بن رشيد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي. [حدثنا عباد بن العوام]. عباد بن العوام ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ح وحدثنا هارون بن عبد الله]. (ح) هي للتحول من إسناد إلى إسناد، وهارون بن عبد الله الحمال البغدادي ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [حدثنا سعيد بن سليمان]. سعيد بن سليمان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عباد عن سفيان بن حسين]. سفيان بن حسين ثقة في غير الزهري، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم في المقدمة وأصحاب السنن. [عن الزهري]. الزهري ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سعيد]. هو سعيد بن المسيب وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين باتفاق. [وأبي سلمة]. هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة على اختلاف في السابع منهم. [عن أبي هريرة]. هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله ﵊، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﵊، بل هو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق رضي الله تعالى عنه وأرضاه. والألباني ضعف الحديث، ولعله لأن سفيان بن حسين يروي عن الزهري، وهو ضعيف في روايته عن الزهري، لكن معناه مستقيم؛ لأن الرسول ﷺ لما قالوا له: (أنقتلها؟ قال: لا) فهذا متفق مع ذلك من ناحية أن الرسول ﷺ ما قتلها انتقاماً لنفسه، ولكنه بعد ذلك قتلها لما مات بسبب سمها بعض أصحابه. [قال أبو داود: هذه أخت مرحب اليهودية التي سمت النبي ﷺ ]. يعني: هذه المرأة التي سمت النبي ﷺ هي أخت مرحب اليهودي.

стр. 15400

شرح حديث جابر (أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية ثم أهدتها لرسول الله) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا سليمان بن داود المهري حدثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: (كان جابر بن عبد الله ﵄ يحدث أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية، ثم أهدتها لرسول الله ﵌، فأخذ رسول الله ﵌ الذراع، فأكل منها، وأكل رهط من أصحابه معه، ثم قال لهم رسول الله ﵌: ارفعوا أيديكم، وأرسل رسول الله ﵌ إلى اليهودية فدعاها فقال لها: أسممت هذه الشاة؟ قالت اليهودية: من أخبرك؟! قال: أخبرتني هذه في يدي، للذراع، قالت: نعم، قال: فما أردت إلى ذلك؟ قالت: قلت: إن كان نبياً فلن يضره، وإن لم يكن نبياً استرحنا منه، فعفا عنها رسول الله ﵌ ولم يعاقبها، وتوفي بعض أصحابه الذين أكلوا من الشاة، واحتجم رسول الله ﵌ على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة، حجمه أبو هند بالقرن والشفرة، وهو مولى لبني بياضة من الأنصار)]. أورد أبو داود حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما: أن امرأة يهودية أهدت إلى رسول الله ﷺ شاة مسمومة، فأكل منها رسول الله ﵊ ومعه رهط من أصحابه، ثم أمرهم أن يرفعوا أيديهم وأن يمتنعوا من الأكل؛ لأنها مسمومة، وبعد ذلك دعا باليهودية وسألها: أسممت هذه الشاة؟ قالت: نعم، قال: وما حملك على ذلك؟ قالت: إن كنت نبياً فلن يضرك وإن كنت غير نبي استرحنا منك. فالنبي ﷺ لم يعاقبها ولم ينتقم لنفسه ﷺ ؛ لكن لما توفي بعض أصحابه الذين أكلوا من الشاة بسبب سمها، بعد ذلك أمر بقتلها؛ من أجل أنها قتلت بعض أصحابه. قوله: [(واحتجم رسول الله ﵌ على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة)]. الكاهل: هو أعلى الظهر من جهة الرقبة. قوله: [(حجمه أبو هند بالقرن والشفرة)]. قيل: إن القرن مكان، وقيل: إنه قرن يستعمل بدل آلة الحجامة، والشفرة هي السكين.

стр. 15401

تراجم رجال إسناد حديث جابر (أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية ثم أهدتها لرسول الله) قوله: [حدثنا سليمان بن داود المهري]. سليمان بن داود المهري ثقة، أخرج حديثه أبو داود والنسائي. [حدثنا ابن وهب]. هو عبد الله بن وهب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرني يونس]. هو يونس بن يزيد الأيلي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن شهاب قال: كان جابر بن عبد الله]. ابن شهاب وجابر مر ذكرهما. وهذا الحديث فيه انقطاع بين ابن شهاب وبين جابر رضي الله تعالى عنه.

стр. 15402

شرح حديث (أن رسول الله أهدت له يهودية بخيبر شاة مصلية) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا وهب بن بقية حدثنا خالد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة: (أن رسول الله ﵌ أهدت له يهودية بخيبر شاة مصلية، نحو حديث جابر، قال: فمات بشر بن البراء بن معرور الأنصاري فأرسل إلى اليهودية: ما حملك على الذي صنعت؟ فذكر نحو حديث جابر، فأمر بها رسول الله ﵌ فقتلت ولم يذكر أمر الحجامة)]. أورد أبو داود حديث أبي سلمة مرسلاً عن رسول الله ﵊ في قصة اليهودية، وهو قريب من الذي قبله حديث جابر، وفيه: أن النبي ﷺ أمر بقتلها لما مات بسببها بشر بن البراء بن معرور الأنصاري ﵁. وفيه: أنه لم يذكر الحجامة التي جاءت في الحديث الأول وهو مرسل، لكن جاء ما يشهد له.

стр. 15403

تراجم رجال إسناد حديث (أن رسول الله أهدت له يهودية بخيبر شاة مصلية) قوله: [حدثنا وهب بن بقية]. وهب بن بقية ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي [حدثنا خالد]. هو خالد بن عبد الله الواسطي الطحان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن محمد بن عمرو]. هو محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، وهو صدوق له أوهام، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي سلمة]. هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وقد مر ذكره.

стр. 15404

شرح حديث (كان رسول الله يقبل الهدية ولا يأكل الصدقة) [حدثنا وهب بن بقية عن خالد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﵌ يقبل الهدية ولا يأكل الصدقة)]. قوله: [(كان رسول الله ﷺ يقبل الهدية ولا يأكل الصدقة)]. لما ذكر في الحديث السابق أن الشاة قد أهديت إلى الرسول ﵊، أتى بهذا الحديث ليبين أنه كان يقبل الهدية من المسلمين وغير المسلمين، ولكنه كان يأخذ الهدية ويكافئ عليها صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. وقبوله للهدية تطييباً لخواطر من يهدي من المسلمين، وكذلك من غير المسلمين تأليفاً واستجلاباً ممن يؤمل أن يدخل في الإسلام. وهذا كما هو معلوم فيما يتعلق بالرسول ﷺ أنه كان يقبل الهدية، أما أصحاب الأعمال كالموظفين وغيرهم فلا يجوز لهم قبول الهدايا، وبعض الناس قد يستدل لجواز قبول الهدايا بأن الرسول ﷺ كان يقبل الهدية، ولكن غيره ليس مثله ﷺ ؛ لأنه معصوم وغيره ليس بمعصوم، ثم أيضاً جاءت أحاديث تدل على منع قبول الهدايا منها حديث: (هدايا العمال غلول) كما سبق أن مر بنا. إذاً: الرسول ﷺ كان يقبل الهدية، وكان يكافئ على الهدية، وغيره ليس مثله ﷺ ، وكان لا يأكل الصدقة؛ لأن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. وإسناد هذا الحديث هو نفس الإسناد السابق.

стр. 15405

شرح حديث (كان رسول الله يقبل الهدية ولا يأكل الصدقة، فأهدت له يهودية بخيبر شاة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا وهب بن بقية في موضع آخر عن خالد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة ولم يذكر أبا هريرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﵌ يقبل الهدية ولا يأكل الصدقة، زاد: فأهدت له يهودية بخيبر شاة مصلية سمتها، فأكل رسول الله ﷺ منها وأكل القوم، فقال: ارفعوا أيديكم؛ فإنها أخبرتني أنها مسمومة، فمات بشر بن البراء بن معرور الأنصاري، فأرسل إلى اليهودية: ما حملك على الذي صنعت؟ قالت: إن كنت نبياً لم يضرك الذي صنعت، وإن كنت ملكاً أرحت الناس منك، فأمر بها رسول الله ﵌ فقتلت، ثم قال في وجعه الذي مات فيه: ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت بخيبر، فهذا أوان قطعت أبهري)]. أورد أبو داود حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن وهو مرسل، وقد ذكر ما في الحديث السابق المتصل عن أبي هريرة أنه ﷺ كان يقبل الهدية ولا يأكل الصدقة، وزاد أنه أهدت له امرأة يهودية شاة مشوية، وجعلت فيها سماً فأكل منها، فكلمته الذراع التي أكل منها رسول الله والتي نهس منها ﵊ بأن فيها سماً. وهذا من دلائل نبوته ﵊، حيث حصل أمر خارق للعادة، فقد أطلعه الله عليها فأخبر بها. وفي هذا وأمثاله دليل على أن الكلام قد يكون بغير لسان وحنجرة ومخارج حروف، ليس كما يقوله بعض الفرق الضالة: إنه لا بد في الكلام من لهاة ولسان وحنجرة ومخارج حروف، ولهذا يؤولون كلام الله ، ويقولون: إن الله لا يتكلم بصوت يسمع؛ قالوا: لأننا لو أثبتنا أنه يتكلم بصوت يسمع للزم أن يكون له لهاة وحنجرة ولسان وشفتان ومخارج حروف، فيكون هناك مشابهة للمخلوقين، وهذا كلام باطل؛ لأن الكلام يثبت لله على وجه يليق به، ولا يلزم من الإثبات التشابه بينه وبين المخلوقين، وهناك إثبات مع تشبيه وهذا باطل لاشك فيه، وهناك إثبات مع تنزيه وهذا هو الحق الذي لا ريب فيه. فهذا الحديث وأمثاله يدل على بطلان هذا الذي قالوه: أن الكلام لا يتصور إلا بحنجرة ولهاة ولسان ومخارج حروف، فهذه الذراع من تلك الشاة أنطقها الله وتكلمت، وكذلك الحجر الذي كان بمكة، كان يسلم على رسول الله ﵊ إذا مر به ويقول: (السلام عليك يا محمد). فالله تعالى أنطق الحجر وأنطق الذراع ولم يكن ذلك بالصورة أو بالكيفية التي يتخيلونها ويتصورونها، فإذا كانت هذه المخلوقات وجد منها الكلام على وجه لا يشبه ما هو موجود في المخلوقين، فالله يتكلم كلاماً يليق بجلاله ولا يكون مشابهاً لخلقه. فقولهم: إنه لا يتصور الكلام إلا بكذا وكذا وكذا، هذا كلام غير صحيح؛ لأنه وجد الكلام من بعض المخلوقات على وجه يخالف ما هو معلوم ومشاهد في المخلوقين. إذاً: الله يتكلم وكلامه يليق به، ولا يلزم من إثبات الكلام التشبيه؛ لأننا عرفنا أن هذه المخلوقات التي وجد منها الكلام لم يكن بهذه الطريقة التي يقولون: إنه لا يتصور الكلام إلا بكذا وكذا وكذا إلى آخره. قوله: [(قالت: وإن كنت ملكاً أرحت الناس منك، فأمر بها رسول الله ﷺ فقتلت)]. اليهود كانوا يعرفون أنه رسول الله وأنه نبي، وهم يعرفون ذلك من كتبهم، ولكن الحسد والبغي حملهم على ذلك، فقولها: إن كنت نبياً وإن كنت ملكاً، هذا كلام غير صحيح، فهم يعلمون ويعرفون أنه نبي، وقد جاءت صفاته وصفات أصحابه في كتبهم، كما جاء في آخر سورة الفتح: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ [الفتح:٢٩] الآية. فالرسول ﷺ مذكور في التوراة والإنجيل، وكذلك أصحاب رسول الله ﵊ قد ذكروا في التوراة والإنجيل. قوله: [(ثم قال في وجعه الذي مات فيه: ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت بخيبر، فهذا أوان قطعت أبهري)]. الأبهر: هو العرق الذي به الحياة، بحيث إذا انقطع مات صاحبه، والمقصود من ذلك أن أثر ذلك السم كان موجوداً معه ﷺ حتى وفاته، فقد كان يجد أثر ذلك السم بين حين وآخر، حتى جاء الأجل وقبض الله تعالى روح نبيه ﷺ ورفعه إلى الرفيق الأعلى. قوله: [حدثنا وهب بن بقية] هو نفس الإسناد السابق.
следующие страницы →