← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 15751–15790 · переход к 15756.

стр. 15751

شرح أثر سفيان الثوري (من زعم أن علياً ﵁ كان أحق بالولاية منهما فقد خطأ أبا بكر وعمر والمهاجرين والأنصار) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن مسكين حدثنا محمد -يعني الفريابي - سمعت سفيان يقول: من زعم أن علياً ﵁ كان أحق بالولاية منهما فقد خطّأ أبا بكر وعمر والمهاجرين والأنصار ﵃ جميعهم، وما أراه يرتفع له مع هذا عمل إلى السماء]. ذكر المصنف هذا الأثر عن سفيان الثوري ﵀ قال: من زعم أن علياً ﵁ كان أحق بالولاية منهما فقد خطأ أبا بكر وعمر والمهاجرين. لأن أبا بكر بويع بالخلافة وقبل البيعة بالخلافة ممن بايع، وكذلك المهاجرين والأنصار بايعوه، فمن زعم أنه أحق بالولاية منهما فقد خطأهم جميعاً، واتبع غير سبيل المؤمنين؛ لأنهم اتفقوا على ذلك، ولهذا جاء عن بعض العلماء أنه قال فيما يتعلق بتفضيل غيرهما عليهما: أنه قد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وكذلك من قال: إنه أحق منهما بالولاية فقد اعترض على المهاجرين والأنصار وخطأهم، وهم خير هذه الأمة، وأحرص الناس على كل خير، وأسبق الناس إليه، فرضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. قوله: [وما أراه يرتفع له مع هذا عمل إلى السماء] أي: أنه لن يقبل له عمل؛ لأنه خالف ما عليه أصحاب رسول الله ﷺ .

стр. 15752

تراجم رجال إسناد أثر سفيان الثوري (من زعم أن علياً ﵁ كان أحق بالولاية منهما فقد خطأ أبا بكر وعمر والمهاجرين والأنصار) قوله: [حدثنا محمد بن مسكين]. محمد بن مسكين ثقة، أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. [حدثنا محمد -يعني: الفريابي -]. هو محمد بن يوسف الفريابي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [سمعت سفيان]. سفيان هو الثوري، وقد مر ذكره.

стр. 15753

شرح أثر سفيان الثوري (الخلفاء خمسة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا قبيصة حدثنا عباد السماك سمعت سفيان الثوري يقول: الخلفاء خمسة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز]. ذكر المصنف هذا الأثر عن سفيان الثوري أنه قال: (الخلفاء خمسة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز)، فهؤلاء هم الخلفاء، ولاشك أن عمر بن عبد العزيز من الخلفاء، وقد تقدمه خلفاء، وقد قال النبي ﷺ : (لا يزال أمر الناس قائماً ما وليهم اثنا عشر خليفة)، ولا شك أن عمر بن عبد العزيز منهم، ومعاوية ﵁ قبله منهم، فبعد الخلفاء الراشدين ثمانية من بني أمية، وكلهم وصفوا بأنهم خلفاء، وقد كان الأمر كذلك، فكان أمر الناس ماضياً، وكان المسلمون لهم قوة، وكانوا يجاهدون، ويغزون الكفار في بلادهم، والجيوش في زمن بني أمية وصلت إلى المحيط الأطلسي غرباً، وإلى الصين والسند والهند شرقاً، وكان الأمر كما أخبر به رسول الله ﷺ ، فقد كان أمر الناس قائماً في ذلك الوقت، والجهاد قائم، والقوة للمسلمين، والتغلب لهم على أعدائهم، وهم يغزونهم إلى بلادهم، ويخرجونهم من الظلمات إلى النور، ويهدونهم إلى الصراط المستقيم، ويبصرونهم بالدين، ولم يأت بعد الخلفاء الراشدين من الولاة والملوك والخلفاء مثل معاوية ﵁؛ لأنه صحابي، والصحابة أفضل من غيرهم، وقد قال ﵊: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، فالصحابة خير من التابعين، وكل واحد من الصحابة يعتبر خيراً من أي واحد من التابعين، فالصحابة لهم ميزة على غيرهم، وعمر بن عبد العزيز من التابعين، فـ معاوية خير وأفضل منه، وهو أفضل من كل تابعي. وهذا الأثر الذي جاء عن سفيان غير صحيح؛ لأن في سنده عباد السماك وهو مجهول.

стр. 15754

تراجم رجال إسناد أثر سفيان الثوري (الخلفاء خمسة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز) قوله: [حدثنا محمد بن يحيى بن فارس]. هو محمد بن يحيى بن فارس الذهلي، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن. [حدثنا قبيصة]. هو قبيصة بن عقبة، وهو صدوق ربما خالف، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عباد السماك]. عباد السماك مجهول، أخرج له أبو داود. [سمعت سفيان الثوري]. سفيان الثوري قد مر ذكره.

стр. 15755

لزوم التقيد بالنصوص عند التفضيل بين الصحابة ينبغي معرفة المراتب بين الصحابة ومن ذلك تفضيل المهاجرين على الأنصار، وتفضيل العشرة المبشرين بالجنة على غيرهم، وهكذا، واعتقاد أن فلاناً خير من فلان، وفلاناً أفضل من فلان؛ يترتب عليه اعتقاد أنهم بهذه الدرجات وبهذه المنازل، وأنه لا يجوز خلاف ذلك بأن يجعل المفضول أفضل من الفاضل، فتخالف بذلك النصوص، بل الواجب هو اتباع النصوص، وتقديم من قدم الدليل وتأخير من أخر، وكلهم متقدمون، وأصحاب فضل ونبل وشرف رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، لكنهم متفاوتون في الفضل، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١]

стр. 15756

إطلاق اسم الخليفة على معاوية وعمر بن عبد العزيز السؤال هل تسمية عمر بن عبد العزيز ﵀ (خليفة) قدح في خلافة معاوية ﵁؟ مع العلم أن معاوية خير من عمر؟! الجواب لا يقال إن تسميته خليفة قدح؛ لأن معاوية خليفة أيضاً، وقد ورد في الحديث: (لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر خليفة) وهم الخلفاء الراشدون وثمانية من بني أمية، وأولهم معاوية ﵁، فهو خير الثمانية وأفضلهم، كما قال شارح الطحاوية: وأول ملوك المسلمين معاوية وهو خير ملوك المسلمين، وقال الذهبي في كتابه السير: ملك الإسلام، يعني أول ملك في الإسلام، والنبي ﷺ قال: (خلافة النبوة بعدي ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء) وقد آتى الله ملكه معاوية ﵁، ومكث في الخلافة عشرين سنة، من سنة واحد وأربعين إلى سنة ستين.

стр. 15757

حديث (أي الناس أحب إليك؟ قال عائشة) لا يدل على أنها أفضل من كل الصحابة السؤال عندما سئل النبي ﷺ : (أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قال: فمن الرجال؟ قال: أبوها) فهل يدل هذا على تفضيل عائشة على أبيها؟ الجواب لا يدل على ذلك؛ لأن الأصل عند أهل السنة والجماعة أن الصحابة جميعاً أفضلهم الخلفاء الراشدون: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان. وبعض أهل العلم -وأظنه ابن حزم - يقول: إن أمهات المؤمنين أفضل من غيرهن؛ لأنهن مع النبي ﷺ في الجنة، وهن في درجته ومعه، فيكن أفضل من غيرهن، لكن النصوص على أن خير هذه الأمة -وهو الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة- بعد نبيها: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي.

стр. 15758

حكم تسمية عمر بن عبد العزيز بـ (خامس الخلفاء الراشدين) السؤال هل يصح تسمية عمر بن عبد العزيز بالخليفة الخامس؟ الجواب بعض أهل العلم قال هذا، لكنه غير صحيح؛ لأن معاوية ﵁ هو الخليفة الخامس، وهو أول خليفة بعد الخلفاء الراشدين.

стр. 15759

شرح سنن أبي داود [٥١٩] جعل النبوة رحمة ببني البشر وسراجاً كاشفاً لما يجب على الخلق تجاه خالقهم وأنفسهم، وجعل سبحانه الخلافة امتداداً لمهمة الأنبياء ﵈، والواجب الملقى على عواتق ولاة الأمر عظيم، فهم ساسة الناس وعليهم القيام بمصالح العباد، وإقامة شرع الله في الأرض، ولهم فضل عظيم عند الله وعند الخلق إن قاموا بذلك، وإن لم يقوموا بواجبهم كانت ولايتهم وبالاً عليهم.

стр. 15760

ما جاء في الخلفاء

стр. 15761

شرح حديث الرؤيا التي فسرها أبو بكر عند النبي فقال (أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الخلفاء. حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا عبد الرزاق -قال محمد: كتبته من كتابه- قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: كان أبو هريرة يحدث: (أن رجلاً أتى إلى رسول الله ﷺ فقال: إني أرى الليلة ظلة ينطف منها السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون بأيديهم، فالمستكثر والمستقل، وأرى سبباً واصلاً من السماء إلى الأرض، فأراك يا رسول الله! أخذت به فعلوت به، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع، ثم وصل فعلا به، قال أبو بكر: بأبي وأمي لتدعني فلأعبرنها، فقال: اعبرها، قال: أما الظلة فظلة الإسلام، وأما ما ينطف من السمن والعسل فهو القرآن لينه وحلاوته، وأما المستكثر والمستقل فهو المستكثر من القرآن والمستقل منه، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فهو الحق الذي أنت عليه، تأخذ به فيعليك الله، ثم يأخذ به بعدك رجل فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع، ثم يوصل له فيعلو به، أي رسول الله! لتحدثني أصبت أم أخطأت؟ فقال: أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً، فقال: أقسمت -يا رسول الله- لتحدثني: ما الذي أخطأت؟ فقال النبي ﷺ : لا تقسم). أورد أبو داود ﵀ باباً في الخلفاء. والخليفة هو الذي يلي الأمر، ويقال له: خليفة؛ لأنه يكون خليفة لمن قبله، ولهذا لما توفي رسول الله ﷺ وبايع المسلمون أبا بكر صاروا يلقبونه بخليفة رسول الله، لأنه خلفه وقام بالأمر بعده، فيلقبونه: خليفة رسول الله ﷺ ، وهذا اللقب اختص به؛ لأنه لما جاء عمر ﵁ ثم عثمان ثم علي صار كل واحد منهم يقال له: أمير المؤمنين، وذلك لأن الإضافات ستكثر، فـ أبو بكر هو خليفة رسول الله، وعمر يصير خليفة خليفة رسول الله لو جعلت المسألة بالإضافة، وعثمان خليفة خليفة خليفة رسول الله، فتزاد كلمة، وعلي أيضاً يزيد كلمة، فهم بدلاً من هذه الإضافات اختاروا هذا اللقب الذي هو أمير المؤمنين، فصار أول من تلقب بلقب أمير المؤمنين عمر ﵁، ثم صار يقال لكل واحد من الخلفاء: أمير المؤمنين، فالخلفاء هم الولاة الذين يلون الأمر وكل واحد يخلف الثاني، ويأتي خليفة من بعده، فـ أبو بكر جاء بعده عمر وخلفه وولي الناس من بعده، وكان ذلك بعهد إليه أي أن أبا بكر عهد إلى عمر وأوصى بأن يكون هو الخليفة من بعده، واعتبر هذا الاختيار من أعظم حسنات أبي بكر ﵁؛ لأنه اختار للمسلمين رجلاً قوياً شجاعاً حصل على يديه الخير الكثير حيث فتحت الفتوحات، واتسعت رقعة البلاد الإسلامية، وقضي على دولة الفرس، وحجّم دولة الروم، وأنفقت كنوز كسرى وفلول الروم في سبيل الله على يديه حيث أخذتها الجيوش المظفرة التي بعث بها وأتوا بها إلى المدينة، وتولى قسمتها بنفسه رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ثم اختار الصحابة من بعده عثمان ثم بعد ذلك اختاروا علياً رضي الله تعالى عن الجميع؛ فهؤلاء هم أول الخلفاء، ثم جاء خلفاء من بعدهم. وقد أورد أبو داود حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ وقال: إنه رأى ظلة في منامه، والظلة: الشيء الذي له ظل، والمقصود بذلك سحابة لها ظل، تنطف السمن والعسل، يعني: يتساقط منها سمن وعسل، والناس يتكففون بأكفهم هذا السمن والعسل الذي ينزل، (فمنهم المستقل ومنهم المستكثر) أي: منهم الذي حصل شيئاً كثيراً وقع في كفه، ومنهم من حصل له شيء قليل، قال: (ورأيت سبباً نزل من السماء)، والسبب هو: الحبل. قال: (فأخذت به)، يخاطب الرسول ﷺ ، (فعلوت به ثم أخذه رجل آخر من بعدك فعلا به، ثم آخر فعلا به، ثم آخر انقطع فعلا به) فـ أبو بكر ﵁ بادر وقال: إنني أريد أن أعبر هذه الرؤيا، وطلب منه أن يأذن له فأذن له الرسول ﷺ ، فقال: (أما الظلة فظلة الإسلام) يعني: هذا الدين الذي جاء به الرسول الكريم ﷺ ، وأما كونها تنطف السمن والعسل فإن ذلك ما جاء به من القرآن، وأن الناس يتفاوتون في الأخذ من القرآن وفي العمل بما جاء في القرآن، فمنهم المستقل ومنهم المستكثر، يعني: على حسب ما يحصل منهم من التطبيق والتنفيذ لما جاء في القرآن، ثم الحبل الذي نزل من السماء وعلا به الرسول ﷺ هو إشارة إلى ذهابه وإلى الخلفاء من بعده، وأبو بكر ﵁ هو الذي يليه، ثم عمر، ثم عثمان ﵁، ثم إنه يحصل ما يحصل له من قيام بعض الناس عليه وحصره في داره ثم قتله فيها، ثم إنه وصل بعد ذلك لـ علي ﵁، يعني: علا به عثمان ثم انقطع، ثم وصل وجاء رجل آخر فعلا به وهو علي ﵁ وأرضاه، فهذا هو تعبير هذه الرؤيا، ولما فسر أبو بكر ﵁ هذا التفسير وعبرها بهذا التعبير قال: (أخبرني هل أصبت؟ قال ﵊: أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً، قال: أقسمت لتخبرني بذلك، قال له: لا تقسم) فقوله: لا تقسم أو قال: أقسمت، قيل: المقصود أنه قال: أقسمت ولم يقل: أقسمت بالله، ومثل هذا لا يعتبر قسماً، وقال له النبي ﷺ : لا تقسم، ومن العلماء من يقول: إنه قسم، ولكن اليمين لا تبر إلا إذا كان يترتب على عدم الإبرار مضرة، وأما إذا كان عدم البر فيه مصلحة فإنها لا تبر اليمين، وليس كل من حلف على شيء أن يخبر به فإنه يلزم من حلف عليه الإخبار، فإنه إذا لم يكن في إخباره مصلحة فإنه يحنث في يمينه ويكفرها، وهو خير وأولى من أن يخبر بأمر لا ينبغي الإخبار عنه، ولعل الرسول ﷺ لم يخبره لأن في ذلك إشارة إلى ما حصل لـ عثمان ﵁، وأن النبي ﷺ لو أخبر به لكان في ذلك حزن وتأثير على الناس بمثل هذا الخبر، فأخفاه رسول الله ﷺ ، ولكنه بعد ذلك وقع وعرفه الناس بالوقوع، ولهذا قال ابن القيم ﵀ رداً على من تساءل بقوله: كيف لم يفسره الرسول ﷺ ولم يخبر به، ثم بعد ذلك يأتي الناس ويفسرونه؟ فقال: إن الرسول ﷺ لم يخبر عن أمر سيقع لأنه يترتب عليه شيء، ولكنه بعدما وقع وبعدما ظهر والناس شاهدوه وعرفوه لم يعد هناك بأس أن يتحدث عنه الناس على ضوء ما وقع وعلى ضوء ما قد حصل. ومن قال: حلفت عليك أن تعمل كذا أو لا تعمل كذا، ما دام أنه ليس فيه (بالله) فهو ليس بحلف، وكلمة: حلفت أو أقسمت من دون أن يقول: (بالله) ما يعتبر قسماً، لكن حتى لو قال: أقسمت بالله، أو حلف عليه بالله أنه يخبره بسر من الأسرار التي لا ينبغي أن يخبره بها، فالذي حلف هو مخطئ في حلفه، وعليه أن يكفر عن يمينه، لكن الحديث ظاهره أنه ليس فيه حلف، يعني ليس فيه إلا كلمة: (أقسمت). أما قول النبي ﷺ : (لا تقسم). معناه: نهي عن القسم في المستقبل، وليس بواضح أنه اعتبرها قسماً؛ لأن قوله: لا تقسم، تعني: لا يحصل منك قسم، لأنه هنا قال: (أقسمت) فقط. والرواية عند البخاري: (فوالله يا رسول الله! لتحدثني) هذا يوضح كلمة (أقسمت) ويكون الجواب مثل ما ذكر أنه ما يلزم أن كل من حلف تبر يمينه؛ لأن الإنسان قد يحلف على أن يخبر بسر لا ينبغي أن يخبر به. قوله: [(أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً)]. الإصابة معروفة في مسألة الحبل، والاتصال بالنسبة للرسول ﷺ وبالنسبة للسمن والعسل والظلة، ولكن يبدو أن الشيء الذي أخطأه هو بيان ما جاء في آخر القصة، مما حصل لـ عثمان، وتفسيره له قوله: (وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فهو الحق الذي أنت عليه، تأخذ به فيعليك الله، ثم يأخذ به بعدك رجل فيعلو به) هذا على أنه أبو بكر وهذا طبعاً فيما يتعلق بالخلافة، مجرد كونه يحكم بالحق، وأنه يعلو به، أو يكون عالياً به، بل أيضاً حتى في نفس كونه خليفة، وأنه تبعه ومات بعده. وهكذا تفسير قوله: (ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به) على أنه عمر. وقوله: (ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع، فيوصل له فيعلو به). وهذا فيه إشارة إلى خلافة عثمان، وابن القيم ﵀ قال: إن البخاري ما عنده كلمة: (له)، وإنما عنده: (فينقطع)، ثم يوصل، يعني: يوصل لغيره وليس له، والمقصود من ذلك: علي ﵁ والخلافة التي جاءت بعد عثمان، فذكر ذلك ابن القيم في تهذيب السنن حيث قال: البخاري ما جاء عنده (له)، بخلاف مسلم وغيره فإنه جاء عندهم: (فيوصل له)، ومعنى ذلك: أنه يرجع إلى السابق، بينما المقصود عند البخاري: أنه يرجع إلى الذي جاء بعده، لأنه هو انتهى بكونه قتل ﵁. وفي اللفظ هنا أنهم ثلاثة فقط: (ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع، ثم يوصل له فيعلو به) ولا يوجد رابع. قوله: [(ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع، ثم يوصل له فيعلو به)]. الخلافة في حقه قطعت بموته، بخلاف غيره فإن الأول مات، وتاليه قتل ولكنه ما قتل على الخلافة ﵃، وأما هذا فقد قتل على الخلاف

стр. 15762

شرح حديث (الرؤيا التي فسرها أبو بكر عند النبي ﷺ فقال له (أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً) من طريق أخرى قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا محمد بن كثير حدثنا سليمان بن كثير عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن النبي ﷺ بهذه القصة، قال: (فأبى أن يخبره)] أورد أبو داود الحديث عن ابن عباس وفيه: (فأبى أن يخبره) ومعناه: أنه طلب منه أن يخبره والرسول ما أخبره، والألباني ضعف هذه الرواية، وسبب التضعيف هو سليمان بن كثير؛ لأنه لا بأس به في غير الزهري، وهنا روايته عن الزهري، لكن قوله: (فأبى أن يخبره) هو مقتضى ما تقدم من أنه طلب وما تحقق له ذلك؛ لأن هذا إخبار عن الواقع، فالرسول ﷺ ما أخبره، وامتنع عن إخباره وقد طلب منه وأكد ذلك عليه.

стр. 15763

تراجم رجال إسنادي حديث الرؤيا التي فسرها أبو بكر عند النبي ﷺ فقال له: (أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً) قوله: [حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا عبد الرزاق]. محمد بن يحيى بن فارس مر ذكره، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [قال محمد: كتبته من كتابه]. محمد هو الذهلي، وقوله: كتبته من كتابه، أي: من كتاب شيخه عبد الرزاق. [أخبرنا معمر]. هو معمر بن راشد الأزدي البصري اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الزهري]. مر ذكره. [عن عبيد الله بن عبد الله]. هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو ثقة فقيه أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عباس]. هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ ، وأحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ . وقوله: [حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا محمد بن كثير]. محمد بن كثير هو العبدي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره. والعادة أن أبا داود يروي عنه مباشرة، إلا أنه هنا روى عنه بواسطة. [حدثنا سليمان بن كثير]. هو سليمان بن كثير العبدي، وهو لا بأس به في غير الزهري، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس]. مر ذكرهم. وهذا يعتبر مرسل صحابي؛ لأن الرواية السابقة تدل على ذلك. فهناك يقول: (كان أبو هريرة يحدث)، وهنا (عن عبد الله).

стр. 15764

شرح حديث (من رأى منكم رؤيا؟ فقال رجل: أنا رأيت كأن ميزاناً نزل من السماء) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري حدثنا الأشعث عن الحسن عن أبي بكرة: (أن النبي ﷺ قال ذات يوم: من رأى منكم رؤيا؟ فقال رجل: أنا، رأيت كأن ميزاناً نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر، فرجحت أنت بـ أبي بكر، ووزن عمر وأبو بكر فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان فرجح عمر، ثم رفع الميزان، فرأينا الكراهية في وجه رسول الله ﷺ ]. أورد أبو داود هذا الحديث عن أبي بكرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من رأى منكم رؤيا؟ فقال رجل: أنا يا رسول الله! رأيت كأن ميزاناً نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت بـ أبي بكر، ثم وزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر، ثم وزن عمر وعثمان فرجح عمر، ثم رفع الميزان، فرأينا الكراهية في وجه رسول الله ﷺ وهذا مثل الذي قبله، يدل على خلافة الخلفاء بعد رسول الله ﷺ على هذا الترتيب، وأن أبا بكر بعد رسول الله ﵊، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان بعد عمر رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين. فهو دال على خلافتهم وعلى أن كل واحد منهم يأتي بعد الآخر، وأما ذكر أنهم رأوا الكراهية في وجه الرسول ﷺ ، فلعل ذلك لما يحصل لـ عثمان في آخر الأمر مما قد حصل ووقع.

стр. 15765

تراجم رجال إسناد حديث (من رأى منكم رؤيا؟ فقال رجل: أنا رأيت كأن ميزاناً نزل من السماء) قوله: [حدثنا محمد بن المثنى]. هو محمد بن المثنى أبو موسى الزمن العنزي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة. [حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري]. محمد بن عبد الله الأنصاري من كبار شيوخ البخاري، ممن روى عنه الثلاثيات، وهو ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا الأشعث]. الأشعث يحتمل أن يكون أشعث بن عبد الله الحداني، أو أن يكون أشعث بن عبد الملك الحمراني؛ لأن كلاً من هذين الاثنين روى عن الحسن البصري، وروى عنه محمد بن عبد الله الأنصاري، وكل منهما محتج به، فـ الحداني صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً وأصحاب السنن، والحمراني ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً وأصحاب السنن. [عن الحسن]. هو الحسن بن أبي الحسن البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي بكرة]. أبو بكرة هو نفيع بن الحارث ﵁، صحابي أخرج له أصحاب الكتب الستة.

стр. 15766

شرح حديث (أيكم رأى رؤيا؟ فقال: خلافة نبوة ثم يؤتي الله الملك من يشاء) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن علي بن زيد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه: (أن النبي ﷺ قال ذات يوم: أيكم رأى رؤيا؟ -فذكر معناه، ولم يذكر الكراهية- قال: فاستاء لها رسول الله ﷺ -يعني: فساءه ذلك- فقال: خلافة نبوة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء)]. أورد المصنف الحديث من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله، وما ذكر الكراهية، ولكن ذكر الاستياء، وهو بمعنى واحد، فكونه استاء أو أنهم رأوا الكراهية في وجهه معناهما واحد، وفيه أيضاً: أنه قال: (خلافة نبوة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء).

стр. 15767

تراجم رجال إسناد حديث (أيكم رأى رؤيا؟ فقال: خلافة نبوة ثم يؤتي الله الملك من يشاء) قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل]. هو موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا حماد]. هو حماد بن سلمة بن دينار البصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن علي بن زيد]. هو علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن. [عن عبد الرحمن بن أبي بكرة]. عبد الرحمن بن أبي بكرة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبيه]. مر ذكره. وهذا الإسناد فيه ابن جدعان، ولكن الحديث ثابت بالطريق التي قبله. وقوله: [(خلافة نبوة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء)]. جاء ما يدل عليه، وهو حديث سفينة مولى رسول الله ﷺ ، حيث قال: (خلافة النبوة بعدي ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء).

стр. 15768

شرح حديث (أري الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله ﷺ قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي عن ابن شهاب عن عمرو بن أبان بن عثمان عن جابر بن عبد الله أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: (أري الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله ﷺ ، ونيط عمر بـ أبي بكر، ونيط عثمان بـ عمر قال جابر: فلما قمنا من عند رسول الله ﷺ قلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله ﷺ ، وأما تنوط بعضهم ببعض فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه ﷺ . قال أبو داود: ورواه يونس وشعيب، لما يذكرا عمرو بن أبان]. أورد أبو داود حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: (أري الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله ﷺ ، وأن عمر نيط بـ أبي بكر، وعثمان نيط بـ عمر) فقالوا: أما الرجل الصالح -يعني أولوها- أن الرجل الصالح هو رسول الله ﷺ ، وأن هؤلاء الذين ذكروا من الخلفاء هم ولاة الأمر من بعد رسول الله ﷺ ، فتنوط بعضهم ببعض أي أن كل واحد يلي الآخر ويخلفه ويجيء بعده، فرسول الله ﷺ جاء بعده أبو بكر، ثم أبو بكر جاء بعده عمر، ثم عمر جاء بعده عثمان. والحديث في إسناده ضعف من جهة أن الذي يروي عن جابر في بعض الطريق الموجودة مقبول، وأيضاً جاء عن بعض الرواة أن ذلك المقبول لم يذكر فيكون فيه انقطاع بين الزهري وبين جابر رضي الله تعالى عنه.

стр. 15769

تراجم رجال إسناد حديث (أري الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله ﷺ قوله: [حدثنا عمرو بن عثمان]. هو عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي وهو صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة. [حدثنا محمد بن حرب]. هو محمد بن حرب الحمصي الأبرش، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الزبيدي]. الزبيدي هو محمد بن الوليد الزبيدي الحمصي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي. [عن ابن شهاب]. هو ابن شهاب محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عمرو بن أبان]. عمرو بن أبان مقبول، أخرج له أبو داود. [عن جابر]. هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما، وهو الصحابي الجليل، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله ﷺ . [قال أبو داود: ورواه يونس وشعيب، لم يذكرا عمرو بن أبان]. قال أبو داود: ورواه يونس وشعيب عن الزهري، ولم يذكرا عمرو بن أبان، فيكون منقطعاً، والزهري لا يروي عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما فيكون منقطعاً، وعلى كل حال فهو إما منقطع وإما فيه ذلك الواسطة الذي هو مقبول ويحتاج إلى متابعة، ويونس هو ابن يزيد الأيلي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وشعيب هو ابن أبي حمزة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

стр. 15770

شرح حديث (أن رجلاً قال: يا رسول! إني رأيت كأن دلواً دلي من السماء) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن المثنى حدثني عفان بن مسلم حدثنا حماد بن سلمة عن أشعث بن عبد الرحمن عن أبيه عن سمرة بن جندب (أن رجلاً قال: يا رسول الله! إني رأيت كأن دلواً دلي من السماء، فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها، فشرب شرباً ضعيفاً، ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء عثمان فأخذ عراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء علي فأخذ بعراقيها فانتشطت وانتضح عليه منها شيء)]. أورد أبو داود هذا الحديث عن سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه أن رجلاً قال للنبي ﷺ بأنه رأى كأن دلواً دلي، فأخذ أبو بكر ﵁ بعراقي الدلو، والعراقي هي الخشبتان المعترضتان اللتان تربط بها أطراف الدلو، فهذه يقال لها: العراقي، قال: (فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها فشرب شرباً ضعيفاً، ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع). حتى تضلع، يعني: ملأ بطنه واتصل بطنه بضلعه من امتلاء البطن، وكذلك جاء عثمان فشرب حتى تضلع، ثم أخذها علي ﵁ فانتشطت، يعني: اضطربت، فأصابه شيء منها، وهذا يدل على خلافة كل واحد منهم، وأن أبا بكر ﵁ مدته وجيزة، وعمر مدته طويلة، وهي عشر سنوات وأشهر، وعثمان ﵁ مدته اثنتا عشرة سنة، وعلي رضي الله أربع سنوات وأشهر، ولكن الحديث في إسناده رجل فيه ضعف، وهو الذي يروي عن سمرة وهو مقبول.

стр. 15771

تراجم رجال إسناد حديث (أن رجلاً قال: يا رسول! إني رأيت كأن دلواً دلي من السماء) قوله: [حدثنا محمد بن المثنى]. محمد بن المثنى هو أبو موسى العنزي الملقب بـ الزمن، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة. [حدثني عفان بن مسلم]. هو عفان بن مسلم الصفار، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا حماد بن سلمة]. هو حماد بن سلمة بن دينار البصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن أشعث بن عبد الرحمن]. أشعث بن عبد الرحمن صدوق، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي. [عن أبيه]. مقبول أخرج له أبو داود. [عن سمرة بن جندب]. سمرة بن جندب ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 15772

ثبوت حديث رؤيا النبي للبئر والنزع منها، ودلالة ذلك على خلافة أبي بكر وعمر) ورد في الصحيحين (أن الرسول ﷺ رأى أنه كان على بئر وأن معه دلواً فنزع بها ما شاء الله أن ينزع، فأخذها أبو بكر فنزع ذنوباً أو ذنوبين وفي نزعه ضعف، ثم أخذها عمر فاستحالت غرباً، أي: دلواً كبيرة جداً، فلم أر عبقرياً يفري فريه حتى ضرب الناس بعطن) هذا ثابت في الصحيحين وفي غيرهما، وهو يدل على خلافة أبي بكر وأنها قصيرة، ويدل على خلافة عمر وأنها طويلة، وما حصل من النفع الكثير واتساع البلاد الإسلامية وقوة الإسلام وأهله في ذلك الزمان، حتى اتسعت رقعة البلاد الإسلامية، وفتحت الفتوحات الواسعة، وقضي على دولة الفرس وقوض دولة الروم، وهما الدولتان العظيمتان في ذلك الزمان، وأنفقت كنوز كسرى وقيصر ملكي الفرس والروم في سبيل الله، وذلك على يد الفاروق حيث أرسلت إليه في المدينة وتولى قسمتها رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فالحديث الذي فيه رؤيا النبي ﷺ بهذا الوصف في حق أبي بكر وعمر ثابت في الصحيحين، وأما هذا الذي فيه نزول الدلو، وأن أبا بكر شرب شرباً ضعيفاً وعمر شرب حتى تضلع -يعني: حتى اتصل أو التصق بطنه بضلعه من امتلائه بالماء- وكذلك عثمان هذا الحديث فيه ضعف.

стр. 15773

شرح قول مكحول (لتمخرن الروم الشام أربعين صباحاً) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن سهل الرملي حدثنا الوليد حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن مكحول قال: لتمخرن الروم الشام أربعين صباحاً لا يمتنع منها إلا دمشق وعمان]. أورد أبو داود هذا الأثر عن مكحول قال: لتمخرن الروم الشام أربعين صباحاً، يعني: أربعين يوماً، ومعناه: أنهم يجوبونها مثلما تمخر السفينة في الماء حيث تشقه وتمضي فيه، لا يمتنع منها إلا دمشق وعمّان، وهما مدينتان من مدن الشام مشهورتان معروفتان. ولا يظهر له مناسبة فيما يتعلق بالخلفاء، إلا إذا كان كما يقول صاحب العون: انقضاء الخلافة وظهور الفتن بعد زمن الخلفاء الراشدين. لكن وكما هو معلوم فإن كانت الخلافة الراشدة قد انتهت، إلا أن الخلافة استمرت بعدها، وحصل لها ثبات واستقرار، وكلام مكحول كلام تابعي، فهو ليس ثابتاً، ولا يقال: له حكم الرفع؛ لأنه ما هو بكلام صحابي، وإنما هو كلام تابعي، وهو كلام مرسل، ويجوز أنه أخذ من بعض الكتب أو القصص أو الحكايات، فلا يعتبر ولا يعول عليه؛ لأنه ما جاء فيه شيء عن رسول الله ﷺ ، ولو صح فيمكن أن يكون في المستقبل، ولا يقال: إنه بعد الخلافة الراشدة، لأنه بعد الخلافة الراشدة -كما هو معلوم- كانت الأمور مستقرة والمسلمون متمكنون من الشام، ولم يحصل للروم دخول بعد أن خرجوا منه في زمن عمر، ومعاوية ﵁ بعدما حصل تنازل الحسن مكث في الخلافة عشرين سنة والأمر بيده، وأمر الإسلام ظاهر وقوي وعزيز، وقد غزوا البلاد المختلفة والجهاد ماض، والروم ما دخلوا بلاد الشام إلا دمشق وعمان، فالقول بأن الخلافة ضعفت بعد الخلفاء الراشدين غير صحيح.

стр. 15774

تراجم رجال إسناد قول مكحول (لتمخرن الروم الشام أربعين صباحاً) قوله: [حدثنا علي بن سهل الرملي]. علي بن سهل الرملي صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي في عمل اليوم والليلة. [حدثنا الوليد]. الوليد هو ابن مسلم الدمشقي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا سعيد بن عبد العزيز]. سعيد بن عبد العزيز ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن. [عن مكحول]. مكحول هو الشامي، وهو ثقة، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن. والألباني ضعف هذا الأثر، ولا أدري هل تضعيفه من جهة الوليد بن مسلم وأنه مدلس، أو شيء آخر، لكن كما هو معلوم من حيث الثبوت لا يعتبر ثابتاً؛ لأن هذا إخبار عن أمر مستقبل، وهذا لا يعتبر إلا إذا جاء عن رسول الله ﷺ ، ولا يقال: إن له حكم الرفع؛ لأن هذا كلام تابعي، والصحابي إذا أخبر عن أمر ليس للرأي فيه مجال ولم يكن معروفاً بالأخذ بالإسرائيليات فإن له حكم الرفع -أي: كلام الصحابي- لأنه إخبار بالأمور المغيبة.

стр. 15775

قول أبي الأعيس (سيأتي ملك من ملوك العجم) وتراجم رجال إسناده قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن عامر المري حدثنا الوليد حدثنا عبد العزيز بن العلاء أنه سمع أبا الأعيس عبد الرحمن بن سلمان يقول: سيأتي ملك من ملوك العجم يظهر على المدائن كلها إلا دمشق]. أورد هذا الأثر عن عبد الرحمن بن سلمان قال: يأتي ملك من ملوك العجم يظهر على المدائن كلها إلا دمشق، وهذا مثل الذي قبله، يعني: هو كلام تابعي وليس من كلام الرسول ﷺ ولا كلام صحابي. قوله: [حدثنا موسى بن عامر المري]. موسى بن عامر المري صدوق له أوهام، أخرج له أبو داود. [عن الوليد عن عبد العزيز بن العلاء]. الوليد بن مسلم تقدم، وعبد العزيز بن العلاء صوابه: عبد الله بن العلاء وهو عبد الله بن العلاء بن زبر، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن. [أنه سمع أبا الأعيس عبد الرحمن بن سلمان]. عبد الرحمن بن سلمان، ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وأخرج له أبو داود. والشيخ الألباني حكم عليه بأنه صحيح الإسناد مقطوع، والوليد بن مسلم صرح بالسماع هنا.

стр. 15776

شرح حديث (موضع فسطاط المسلمين في الملاحم أرض يقال لها الغوطة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا برد أبو العلاء عن مكحول أن رسول الله ﷺ قال: (موضع فسطاط المسلمين في الملاحم أرض يقال لها: الغوطة)]. أورد أبو داود هذا الأثر عن مكحول، وقد رفعه إلى رسول الله ﷺ وقال: (موضع فسطاط المسلمين في الملاحم أرض يقال لها: الغوطة) وهي البساتين التي حول دمشق، والفسطاط معناه: الخباء، ومعنى ذلك: أن جيوش المسلمين تكون في ذلك المكان، وهذا مرسل؛ لأن التابعي إذا قال: قال رسول الله ﷺ كذا فهذا هو المرسل في اصطلاح المحدثين، والمرسل ضعيف؛ لأنه يحتمل أن يكون الذي سقط صحابياً أو تابعياً، وعلى فرض أنه تابعي فيحتمل أن يكون ثقة وأن يكون ضعيفاً، فهو من أجل احتمال أنه تابعي وأن التابعي يكون ضعيفاً أو ثقة اعتبر من قبيل الضعيف، ولو كان الساقط الصحابي فقط فلا يؤثر؛ لأن الصحابة كلهم عدول، ولهذا فقول صاحب البيقونية: ومرسل منه الصحابي سقط هذا الكلام غير مستقيم؛ لأنه لو كان السقوط للصحابي فقط ما كان هناك إشكال، ولكن الإشكال في كون المحذوف الساقط يحتمل أن يكون صحابياً وأن يكون تابعياً، وعلى احتمال أنه تابعي يكون ثقة أو ضعيفاً، لكن الحديث جاء عن أبي الدرداء بهذا اللفظ وزيادة، وقد سبق أن مر في باب المعقل من الملاحم، فيكون أثر مكحول صحيحاً بذاك الذي سبق أن مر وهو صحيح، وإلا لو كان الحديث ما جاء إلا من هذا الطريق فإنه لا يعتبر لكونه مرسلاً، ولكنه جاء من طريق أخرى غير هذا الطريق ومتصل، فيكون هذا له أصل في الصحيح.

стр. 15777

تراجم رجال إسناد حديث (موضع فسطاط المسلمين في الملاحم أرض يقال لها الغوطة) قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل]. هو موسى بن إسماعيل التبوذكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا حماد]. حماد هو ابن سلمة بن دينار، وإذا جاء حماد غير منسوب ويروي عنه موسى بن إسماعيل فهو حماد بن سلمة كما عرفنا ذلك مراراً، وحماد بن سلمة مر ذكره. [أخبرنا برد أبو العلاء]. برد أبو العلاء صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن. [عن مكحول]. مكحول قد مر ذكره.

стр. 15778

شرح قول الحجاج بن يوسف: (إن مثل عثمان عند الله كمثل عيسى بن مريم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو ظفر عبد السلام حدثنا جعفر عن عوف قال: سمعت الحجاج يخطب وهو يقول: إن مثل عثمان عند الله كمثل عيسى بن مريم، ثم قرأ هذه الآية يقرؤها ويفسرها: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران:٥٥] يشير إلينا بيده وإلى أهل الشام]. أورد أبو داود هذا الأثر عن الحجاج، وهو يتعلق بالخلفاء على اعتبار أنه أمير لـ عبد الملك بن مروان أحد خلفاء بني أمية، والحجاج -كما هو معلوم- معروف بالظلم، وقد قالت أسماء بنت أبي بكر لما قتل ابنها عبد الله بن الزبير: إن الرسول ﷺ قال: (يخرج في ثقيف كذاب ومبير) فأما الكذاب فقد عرفناه، وأما المبير فلا أخاله إلا أنت، والمبير هو الظالم المهلك، والحجاج كان شديد البأس، وكان عنده ظلم وهو مشهور بذلك. أورد أبو داود عنه هذا الأثر أنه قال: إن مثل عثمان كمثل عيسى الذي قال الله تعالى فيه: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:٥٥] ومعناه: أن قرابة عثمان وهم بنو أمية فيهم الخلفاء وهو أحد أمرائهم، وأنهم باقون، وأن لهم التفوق على غيرهم، يقول: يشير إلينا وإلى أهل الشام، يعني: إلى أهل العراق وإلى أهل الشام أي: الذين اتبعوا بني أمية وتابعوهم ولم يخالفوهم، فهو يشير إلى هؤلاء الذين رضوا والذين هم مطيعون وليسوا معارضين لخلافة بين أمية.

стр. 15779

تراجم رجال إسناد قول الحجاج بن يوسف: (إن مثل عثمان عند الله كمثل عيسى بن مريم) قوله: [حدثنا أبو ظفر عبد السلام]. هو عبد السلام بن مطهر، وهو صدوق، أخرج له البخاري وأبو داود. [حدثنا جعفر]. جعفر هو ابن سليمان الضبعي، وهو صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن. [عن عوف]. هو عوف بن أبي جميلة الأعرابي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [قال: سمعت الحجاج يخطب]. الحجاج ليس له رواية، وإنما ورد ذكره في الكتب.

стр. 15780

شرح قول الحجاج بن يوسف (رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه أم خليفته في أهله ؟) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني حدثنا جرير ح وحدثنا زهير بن حرب قالا: حدثنا جرير عن المغيرة عن الربيع بن خالد الضبي قال: سمعت الحجاج يخطب فقال في خطبته: رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه أم خليفته في أهله؟ فقلت في نفسي: لله علي ألا أصلي خلفك صلاة أبداً، وإن وجدت قوماً يجاهدونك لأجاهدنك معهم. زاد إسحاق في حديثه قال: فقاتل في الجماجم حتى قتل]. أورد أبو داود هذا الأثر عن الحجاج وفيه: أنه خطب فقال في خطبته: رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه أم خليفته في أهله؟ والمقصود من ذلك: معرفة الفرق بين هذا وهذا، وهذا الذي فهمه الربيع بن خالد الضبي؛ ولذا قال: لله علي ألا أصلي خلفك صلاة أبداً، وفهم أنه يفضل الخلفاء على الرسل والأنبياء، ومعلوم أن هذا لو حصل أو ثبت يكون ردة، ولكن الإسناد لم يثبت؛ لأن فيه المغيرة بن مقسم الضبي وهو مدلس، ثم أيضاً يحتمل ألا يريد تفضيل الخلفاء على الأنبياء وعلى الرسل، وإنما يريد أن الإنسان إذا أرسل إنساناً في حاجة له وكذلك لو جعل أحداً يخلفه في أهله إذا غاب عنهم، فإن الذي يخلفه أولى من الذي يرسله في حاجة، فيكون من حيث المعنى لا شك أنه صحيح، وأما إذا أريد به المقارنة والموازنة بين الرسل وبين الخلفاء فإن هذا ردة والعياذ بالله وكفر بالله . فهذا الأثر لم يثبت، ولو ثبت أن الحجاج يقارن بين الرسل وبين الخلفاء فهذا ردة، وكلام الذي نذر لا شك أنه مبني على أنه فهمه أنه مقارنة بين الرسل وبين الخلفاء.

стр. 15781

تراجم رجال إسناد قول الحجاج بن يوسف (رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه أم خليفة في أهله ؟) قوله: [حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني]. إسحاق بن إسماعيل الطالقاني ثقة، أخرج له أبو داود. [حدثنا جرير]. هو جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ح، وحدثنا زهير بن حرب]. (ح) وهي التحول من إسناد إلى إسناد. وزهير بن حرب هو أبو خيثمة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي. [قالا: حدثنا جرير عن المغيرة]. المغيرة هو ابن مقسم الضبي، وهو ثقة ولكنه مدلس، وهنا روى بالعنعنة، فيكون ذلك الأثر غير صحيح، لعنعنة هذا المدلس. [عن الربيع بن خالد الضبي]. الربيع بن خالد الضبي ثقة، أخرج له أبو داود. [زاد إسحاق في حديثه قال: فقاتل في الجماجم حتى قتل]. أي: الربيع الذي نذر أنه إذا وجد أناساً يقاتلونه فسيقاتله معهم، وذلك في القتال الذي حصل بين الحجاج وبين عبد الرحمن بن الأشعث في دير الجماجم.

стр. 15782

شرح قول الحجاج بن يوسف (اتقوا الله ما استطعتم ليس فيها مثنوية) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو بكر عن عاصم قال: سمعت الحجاج وهو على المنبر يقول: اتقوا الله ما استطعتم، ليس فيها مثنوية، واسمعوا وأطيعوا ليس فيها مثنوية لأمير المؤمنين عبد الملك، والله! لو أمرت الناس أن يخرجوا من باب من أبواب المسجد فخرجوا من باب آخر لحلت لي دماؤهم وأموالهم، والله! لو أخذت ربيعة بمضر لكان ذلك لي من الله حلالاً، ويا عذيري من عبد هذيل! يزعم أن قراءته من عند الله، والله! ما هي إلا رجز من رجز الأعراب ما أنزلها الله على نبيه ﵊، وعذيري من هذه الحمراء يزعم أحدهم أنه يرمي بالحجر فيقول إلى أن يقع الحجر: قد حدث أمر، فوالله! لأدعنهم كالأمس الدابر، قال: فذكرته للأعمش فقال: أنا والله سمعته منه]. أورد أبو داود هذا الأثر عن الحجاج عن الأعمش وعن عاصم بن أبي النجود بهدلة، يقول بأنه سمع الحجاج يخطب ويقول: (اتقوا الله ما استطعتم ليس فيها مثنوية) يعني: بدون استثناء، يعني: اتقوا الله في امتثال أوامره ليس في ذلك استثناء، وليس فيه إلا الاستجابة والالتزام بما جاء عن الله من تقوى الله على حسب الاستطاعة ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] (واسمعوا وأطيعوا ليس فيها مثنوية لأمير المؤمنين عبد الملك بن مروان)، يعني: اسمعوا وأطيعوا بدون استثناء، ومعلوم أن السمع والطاعة لولاة الأمور فيها استثناء وليست على إطلاقها، بل ذلك في حدود طاعة الله ورسوله ﵊، فيسمع له ويطاع في حدود طاعة الله ورسوله، وليس على الإطلاق؛ لأنه جاءت السنة عن الرسول ﵊ بأنه يسمع لولاة الأمر فيما أمروا به فيما كان ليس معصية، أما إذا أمروا بمعصية فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، كما جاءت السنة بذلك عن رسول الله ﷺ . وقد قال المفسرون في قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]: إن فعل الأمر (أطيعوا) أعيد مع النبي ﷺ ولم يعد مع ولاة الأمور، فلم يقل الله : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر منكم، وإنما قال: ((أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)) فأعاد الفعل (أطيعوا) مع الرسول ﵊ ولم يعده مع ولاة الأمور؛ لأن الرسول ﷺ معصوم لا يأمر إلا بما هو حق وهو مبلغ عن الله، وكل ما يأتي به فهو وحي من الله ، وأما ولاة الأمور فإنهم يصيبون ويخطئون، وليسوا بمعصومين، فلم يأت إعادة الأمر (أطيعوا) معهم كما أعيد مع النبي ﷺ ؛ فتكون طاعتهم مقيدة في حدود ما هو طاعة لله ورسوله ﷺ ، أو في حدود ما ليس بمعصية لله ورسوله ﷺ ، فإذا حصل منهم الأمر بما هو معصية فلا يسمع لهم ولا يطاع، وإنما يطاع لله ولرسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ويستجاب لما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ . قوله: [اتقوا الله ما استطعتم ليس فيها مثنوية، واسمعوا وأطيعوا ليس فيها مثنوية لأمير المؤمنين عبد الملك، والله لو أمرت الناس أن يخرجوا من باب من أبواب المسجد فخرجوا من باب آخر لحلت لي دماؤهم وأموالهم]. هذا كلام باطل، نعم عليهم السمع والطاعة إذا أمرهم بأمر ليس فيه معصية، ولكن كونه تحل له الدماء والأموال بمجرد المخالفة في مثل هذا الأمر الذي ذكره حيث يقول لهم: اخرجوا من هذا الباب، فخرجوا من باب آخر غير الباب الذي قال لهم فهذا باطل إذ لا تحل له دماؤهم إلا بما جاءت به الشريعة، وهذا الكلام إنما يدل على ظلمه وعلى جوره وعلى شدة بطشه وبأسه. قوله: [والله! لو أخذت ربيعة بمضر لكان ذلك لي من الله حلالاً]. وهذا كلام باطل أيضاً؛ فأخذ ربيعة بمضر يعني: يقتل قبيلة بقبيلة، أو يأخذ قبيلة بقبيلة، وربيعة بن نزار تنسب إليه القبيلة المشهورة الكبيرة الواسعة، ومضر بن نزار ينتهي إليه نسب الرسول ﷺ ؛ لأن مضر هو جد الرسول ﷺ ، وليس بينه وبين عدنان إلا اثنان فهو مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وعدنان هو الأب الحادي والعشرون للرسول ﷺ ، فـ ربيعة ومضر أخوان وهما أولاد نزار بن معد بن عدنان، وهما قبيلتان مشهورتان كبيرتان واسعتان، فقوله: (لو أخذت ربيعة بمضر كان ذلك لي من الله حلالاً) لا يجوز أخذ شيء ولا قتل لأحد إلا في حدود ما هو سائغ شرعاً، أما مخالفة الشرع والقتل بالظلم فهذا حرام. قوله: [ويا عذيري من عبد هذيل! يزعم أن قراءته من عند الله! والله! ما هي إلا رجز من رجز الأعراب ما أنزلها الله على نبيه ﷺ ]. وهذا كلام باطل، والمقصود بذلك عبد الله بن مسعود الهذلي ﵁، صاحب رسول الله ﷺ ، وذلك أن له مصحفاً، وهو ليس كما قال الحجاج وإنما هو عن رسول الله ﵊، وهذا من ظلمه وبطشه وكذبه، فإن الأمر ليس كما يقول، ومعلوم أن عثمان ﵁ وأرضاه جمع الناس على مصحف واحد، وأحرق ما سوى ذلك إلا ما كان عند عبد الله بن مسعود فإنه أبى أن يعطيهم إياه واحتفظ به، وقال الحجاج هذه المقالة لأنه لم يعط عثمان المصحف ليحرقه كما أحرق غيره، وبقي الناس على المصحف الذي جمعه عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فكلام الحجاج باطل. قوله: [وعذيري من هذه الحمراء]. المقصود من ذلك الموالي الذين قيل: إن أمهم حمراء وليسوا من العرب. قوله: [يزعم أحدهم أنه يرمي بالحجر فيقول: إلى أن يقع الحجر قد حدث أمر]. يزعم أحدهم أنه يرمي بالحجر فيقول: إلى أن يقع الحجر قد حدث أمر، ما أدري وجه هذا الكلام، يعني هل يقول: إنه قبل أن يقع الحجر، أنه حدث أمر، وأن هذا مبادرة أو سرعة إلى الكذب وإلى حصول شيء قبل أن يقع الحجر، في فترة وجيزة؛ لأن الحجر إذا رمي يقع بعد فترة وجيزة، ولا يطول بقاؤه في الهواء قبل أن يقع على الأرض، (قد حدث أمر) لعل المقصود أنه إخبار بأمور فيها إرجاف أو فيها أمور وفيها تنغيص وتكدير للصفو، أي: يريد الحجاج من وراء ذلك تخويف الناس وتهديدهم ألا يقع أمور فيها عدم بقاء الأمن واستمرار الأمن قوله: [والله! لأدعنهم كالأمس الدابر]. معناه: أنه يقضي عليهم فينتهي أمرهم مثلما انتهى أمس ومضى، ومعنى ذلك: أنه يقضي عليهم. وهذه العبارة تشبهها العبارة التي عند الأدباء في هذا الزمان، يقولون: أصبح في خبر كان، يعني: أنه مضى وانتهى. قوله: [قال: فذكرته للأعمش، فقال: أنا- والله- سمعته منه]. يعني: هذا الكلام الذي قلته أيضاً أنا سمعته. وهذا كلام فيه حق، وفيه كلام فيه حق وباطل، وفيه كلام باطل، فالأول حق بلا شك، اتقوا الله ما استطعتم ليس فيها مثنوية، والثاني: اسمعوا وأطيعوا لأمير المؤمنين ليس فيها مثنوية، هذا فيه حق وباطل؛ لأنه إذا كان في غير معصية فهو حق، وإن كان في معصية فهو باطل، وأما ما بعد ذلك من التهديد والكلام فهو باطل.

стр. 15783

تراجم رجال إسناد قول الحجاج بن يوسف (اتقوا الله ما استطعتم ليس فيها مثنوية) قوله: [حدثنا محمد بن العلاء]. هو محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا أبو بكر]. هو أبو بكر بن عياش، وهو ثقة، أخرج له البخاري ومسلم في المقدمة وأصحاب السنن. [عن عاصم]. هو عاصم بن أبي النجود بهدلة، وهو صدوق له أوهام، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وحديثه في الصحيحين مقروناً. [ثم قال: فذكرته للأعمش]. الأعمش هو سليمان بن مهران الكاهلي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

стр. 15784

هل الحجاج بن يوسف الثقفي كافر أم لا ؟ ذكر الحافظ ابن حجر في التهذيب أن الشعبي والنخعي كفرا الحجاج. ولا شك أن ذاك الكلام الذي مر قريباً لو ثبت لكان كفراً واضحاً وهو قضية المقارنة بين الرسل والخلفاء، وهذا لا شك أنه أمر خطير، ولا يبعد أن يكون كفراً، وكون الذي جاء عن عبد الله بن مسعود أنه مصحف وأنه تلقاه من رسول الله ﷺ وليس من أراجيز الأعراب.

стр. 15785

شرح قول الحجاج (هذه الحمراء هبرٌ هبرٌ) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا ابن إدريس عن الأعمش قال: سمعت الحجاج يقول على المنبر: هذه الحمراء هبر هبر، أما -والله- لو قد قرعت عصا بعصا لأذرنهم كالأمس الذاهب، يعني: الموالي]. وهذا مثل الذي قبله إلا أن فيه زيادة (هبر هبر)، يعني: قطع قطع، وطبعاً هذا تهديد مثل الذي قبله، يعني: أجعلهم كالأمس الدابر. قوله: [أما -والله- لو قد قرعت عصاً بعصا لأذرنهم كالأمس الذاهب]. معنى ذلك: أنه لو حصل منهم أي شيء ولو كان شيئاً يسيراً مثل المضاربة بالعصي وأنه كان سبباً لبدء الفتنة لأفعلن بهم كذا وكذا، وأجعلهم كالأمس الدابر، معناه: أقضي عليهم، إذا حصل منهم أي شيء ولو كان شيئاً يسيراً فإني أعاقبهم تلك العقوبة التي هي إفناؤهم، فكأن هذا يشعر بأنه لو حصل أي شيء يسير كقرع عصا بعصا فأنا أعقابهم بتلك العقوبة التي هي قطعهم وإفناؤهم وجعلهم كالأمس الدابر، وهذا كذلك من الظلم؛ لأن مجرد حصول ضرب بعصا أو حصول شيء يسير لا تكون المعاقبة عليه بالإفناء.

стр. 15786

تراجم رجال إسناد قول الحجاج (هذه الحمراء هبرٌ هبرٌ) قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة]. عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي وإلا النسائي فقد أخرج له في عمل اليوم والليلة. [حدثنا ابن إدريس]. ابن إدريس هو عبد الله بن إدريس، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الأعمش]. الأعمش مر ذكره.

стр. 15787

ذكر الأقوال عن الحجاج كان الأولى عدم نقلها ذكر الإمام أبو داود هذه الأخبار عن الحجاج لأنها تتعلق بالخلفاء والسمع والطاعة للخلفاء والقضاء على من يعارض الخلفاء، والحقيقة أن عدم ذكرها أولى، مثلما قال صاحب عون المعبود. ولأجل ذلك أُسقطت من رواية اللؤلؤي.

стр. 15788

قول الحجاج (اتقوا الله ما استطعتم ليس فيها مثنوية) من طريق أخرى، وتراجم رجال إسناده قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قطن بن نسير حدثنا جعفر -يعني ابن سليمان - حدثنا داود بن سليمان عن شريك عن سليمان الأعمش قال: جمعت مع الحجاج، فخطب فذكر حديث أبي بكر بن عياش قال فيها: فاسمعوا وأطيعوا لخليفة الله وصفيه عبد الملك بن مروان وساق الحديث، قال: ولو أخذت ربيعة بمضر، ولم يذكر قصة الحمراء]. ذكر أبو داود هذا الكلام عن الحجاج بمثل الذي تقدم، والذي فيه: أخذ ربيعة بمضر، وما وراءه من الكلام الباطل، وقال: لم يذكر قصة الحمراء الذين هم الموالي. قوله: [حدثنا قطن بن نسير]. قطن بن نسير صدوق يخطئ، أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي. [حدثنا جعفر -يعني ابن سليمان -]. هو جعفر بن سليمان الضبعي، وهو صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن. [حدثنا داود بن سليمان]. داود بن سليمان ذكر في تحفة الأشراف قال: سليمان بن داود، لكن ما أدري ما المقصود بـ سليمان بن داود، والإسناد هذا ما أدري هل هو متصل أو أن فيه تحويلاً؛ لأن شريكاً طبقته متأخرة، وفي الغالب أن يكون بينه وبين أبي داود واسطة واحدة، فيحتمل أن يكون هناك طريق أخرى، ولكن ما أدري ما المقصود بـ سليمان بن داود هذا الذي ذكره في تحفة الأشراف. [عن شريك]. شريك هو ابن عبد الله النخعي الكوفي، وهو صدوق اختلط لما ولي القضاء، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن الأعمش]. الأعمش مر ذكره.

стр. 15789

شرح حديث (خلافة النبوة ثلاثون سنة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا سوار بن عبد الله حدثنا عبد الوارث بن سعيد عن سعيد بن جمهان عن سفينة قال: قال رسول الله ﷺ : (خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك -أو ملكه- من يشاء) قال سعيد: قال لي سفينة: أمسك عليك: أبا بكر سنتين، وعمر عشراً، وعثمان اثنتي عشرة، وعلياً كذا قال سعيد: قلت لـ سفينة: إن هؤلاء يزعمون أن علياً لم يكن بخليفة، قال: كذبت أستاه بني الزرقاء، يعني: مروان]. أورد أبو داود هذا الحديث عن سفينة مولى رسول الله ﷺ ، وفيه أن النبي ﷺ قال: (خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك -أو ملكه- من يشاء) هذا شك من الراوي، هل قال: ملكه، أو الملك، وهذا فيه دليل على أن خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة خلافة نبوة، وأنهم على منهاج النبوة، وهم الذين قال فيهم النبي ﷺ في حديث العرباض: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ) فهذا الحديث يدل على فضل الخلفاء، وحديث سفينة يدل على فضل الخلفاء وعلى فضل خلافتهم، وأنها خلافة نبوة، وذلك أنهم أتوا بعد النبي ﷺ مباشرة، وهم على منهاجه وعلى طريقته، ولهذا أمر النبي ﷺ باتباع سنتهم مع سنته ﷺ في حديث العرباض الذي أشرت إليه. ثم إن سفينة أخبر سعيد بن جمهان بتفصيل هذه الثلاثين فقال: (امسك) يعني: اعدد (أبا بكر سنتين) يعني: ولي الخلافة سنتين، طبعاً وفيه كسر، (وعمر عشراً، وعثمان اثنتي عشرة، وعلياً كذا). ولم يذكر المقدار، ولكن خلافتهم هذه المدة التي هي الثلاثون هي خلافة نبوة كما وصف ذلك رسول الله ﷺ ، وبعد ذلك يؤتي الله الملك من يشاء.

стр. 15790

تراجم رجال إسناد حديث (خلافة النبوة ثلاثون سنة) قوله: [حدثنا سوار بن عبد الله]. سوار بن عبد الله ثقة، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي. [حدثنا عبد الوارث بن سعيد]. هو عبد الوارث بن سعيد العنبري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سعيد بن جمهان]. سعيد بن جمهان صدوق له أفراد، أخرج له أصحاب السنن. [عن سفينة]. هو سفينة مولى رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه مسلم وأصحاب السنن.
следующие страницы →