Полный текст (18 341 стр.). Показаны 16241–16280 · переход к 16246.
стр. 16241
حكم قول داود الظاهري القرآن محدث غير مخلوق
السؤال
جاء في ترجمة داود الظاهري في السير وطبقات الشافعية وغيرها: أن السلف نقموا عليه قوله: إن القرآن محدث، ولما حكى الذهبي في السير مذاهب الناس في القرآن، قال: وقال داود وطائفة: إن القرآن محدث ولكنه غير مخلوق.
فما مرادهم بقولهم: إن القرآن محدث؟
الجواب
لا أدري ما يضاف إلى داود، وإذا قال: إنه محدث بمعنى أن الله تكلم به متى شاء أن يتكلم به، فهذا الكلام صحيح؛ لكن إذا قصد أنه محدث بمعنى مخلوق فلا، والظاهرية ظاهرية في الفروع، ومؤولة في الصفات، ولو عكسوا لكان خيراً لهم، أي: لو أخذوا بالظاهر وأجروا الصفات على ظاهرها على ما يليق بالله ، وأخذوا في الفروع بالقياس وألحقوا النظير بالنظير؛ لكان هذا أولى، فهذا الكلام الذي قاله الذهبي عن داود أنه قال: محدث غير مخلوق، لا أدري ما المقصود به، وهل هو كلام الذهبي نفسه أو أنه كلام الظاهرية، فإذا كان من كلام الذهبي بمعنى أنه تكلم به وأنه من الحادث ولا يوصف بأنه مخلوق؛ فهذا كلام صحيح.
стр. 16242
شرح سنن أبي داود [٥٣٧]
من عقيدة أهل السنة والجماعة إثبات الشفاعة لأهل الكبائر يوم القيامة، ولم ينكرها إلا المبتدعة من الخوارج والمعتزلة، والشفاعة لها أنواع عديدة أعظمها شفاعة نبينا محمد ﷺ الخاصة به.
وكذلك يؤمنون بالبعث وبالصور، وبخلق الجنة والنار، وقد وردت الأحاديث النبوية دالة على ذلك.
стр. 16243
الشفاعة
стр. 16244
شرح حديث (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الشفاعة.
حدثنا سليمان بن حرب حدثنا بسطام بن حريث عن أشعث الحداني عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)].
وأنكر الشفاعة لأهل الكبائر المعتزلة والخوارج فقالوا: إنهم مخلدون في النار، والأحاديث ترد عليهم.
الشفاعة في الأصل هي: طلب شخص من آخر أن يشفع له في تحصيل خير، وذلك أن الشافع يضم صوته إلى طالب الحق فيكونان شفعاً بعد أن كان الطالب مفرداً، ويكون طلبه قد عزز وأيد وسوعد في الوصول إلى ما يريد.
وهي: طلب الخير للغير، حيث يطلب إنسان من غيره أن يطلب خيراً له، فيفعل.
والشفاعة شفاعتان: شفاعة محمودة، وشفاعة مذمومة.
فالشفاعة المحمودة هي التي تكون في الدنيا بطلب الإنسان فيما يقدر عليه، ليحصل خيراً دنيوياً أو أخروياً.
وفي الآخرة بالطلب من الرسول ﷺ بأن يشفع في الموقف، أو في الخروج من النار، أو في دخول الجنة، أو في غير ذلك من أنواع الشفاعة، وهي تحصل من النبي ﷺ وغيره بالنسبة للخروج من النار، وأما بالنسبة لفصل القضاء فهي خاصة به ﷺ .
وأما الشفاعة المذمومة المحرمة فهي مثل ما يطلبه الكفار من آلهتهم، وما يطلب من غير الله مما لا يجوز الطلب منه، كالطلب من الأموات بأن يشفعوا.
والشفاعة لها أنواع عديدة: منها الشفاعة العظمى: وهي من خصائص نبينا محمد ﵊، فإنه اختص بها، وذلك أن الناس إذا كانوا في الموقف ماج بعضهم في بعض، فيبحثون عمن يشفع لهم إلى ربهم، ليأتي لفصل القضاء بينهم، فيأتون آدم ﵊ ثم نوحاً، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم يطلبوها من نبينا محمد ﷺ .
والشفعاء الذين قبل نبينا محمد ﵊ يعتذرون، وكل واحد يحيلهم إلى من بعده، فإذا وصلت إلى عيسى اعتذر وأحال إلى نبينا محمد ﵊، فيتقدم ويشفع، ويشفعه الله ، ويأتي لفصل القضاء بين عباده ويحاسب الناس، ويذهبون إلى منازلهم من الجنة أو النار.
وهذه الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود، وهي عامة للبشر كلهم من أولهم إلى آخرهم، ولهذا قال النبي ﵊ في الحديث الدال عليها: (أنا سيد الناس يوم القيامة)، ثم بين السبب في ذلك وذكر هذه الشفاعة.
وإنما كان سيدهم وخص يوم القيامة بذكر السيادة؛ لأنه يظهر في ذلك اليوم سؤدده على الجميع، حيث يشفع للجميع، ويستفيد الجميع من شفاعته من لدن آدم إلى الذين قامت عليهم الساعة، ولهذا يقال لها المقام المحمود؛ لأنه مقام يحمده عليه الأولون والآخرون، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وأيضاً من شفاعاته ﷺ التي اختص بها: شفاعته في عمه أبي طالب في أن يخفف عنه العذاب، فصار أخف أهل النار عذاباً، وهو يرى أنه ليس هناك أحد أشد منه، وذلك أنه خفف عنه العذاب فكان في ضحضاح من نار، أو له نعلان من نار يغلي منهما دماغه.
فالنبي ﷺ شفع له فخفف عنه العذاب فصار في ضحضاح من نار، ولولا شفاعة النبي ﷺ لكان في الدرك الأسفل من النار مع الكفار الذين هم أمثاله.
وقد قال الله : ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨] أي: الكفار، وهذا الحديث يدل على حصول النفع لـ أبي طالب، ولكن هذه شفاعة خاصة تستثنى من هذا النفي في قوله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨].
ثم إن النفع الذي استثنى من هذه الآية إنما هو في التخفيف، وأما الإخراج فإنها باقية على عمومها فلا يخرج كافر من النار ويدخل الجنة، بل الكفار باقون في النار أبد الآباد، ولكنها نفعت في التخفيف.
فإذاً يكون الجمع بين ما ورد في القرآن من قوله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨] وبين ما جاء من شفاعته لـ أبي طالب أن هذه شفاعة خاصة أخرجت من ذلك العام، ولكن بالنسبة للتخفيف وليس للإخراج.
والأوضح أن شفاعة النبي ﷺ لـ أبي طالب تكون مخصصة لقول الله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر:٣٦]، فإن هذه دالة على أن الكفار لا يخفف عنهم من عذابها، وقد جاءت شفاعة النبي ﷺ في أبي طالب ودلت على حصول التخفيف، وتكون تلك الآية عامة وهذا الحديث مخصصاً.
ثم إن هناك شفاعة ثالثة: وهي الشفاعة بالخروج من النار لمن دخلها من المؤمنين: وهذه تكون من النبي ﷺ ومن غيره، وليست خاصة بالرسول ﷺ ، ولكن قد أعطي كل نبي دعوة مستجابة كما جاء في الحديث، وكل نبي دعا بها، وأما رسول الله ﷺ فقد ادخرها لتكون شفاعة لأمته يوم القيامة، وذلك بالإخراج من النار.
وقد وردت الأحاديث الكثيرة المتواترة في خروج أهل الكبائر من النار، وأنهم يبقون فيها ما شاء الله أن يبقوا، ثم يخرجون بشفاعة الشافعين، ولو شاء الله أن يعفو عنهم فلا يدخلوها فإنهم لا يدخلونها، ولكن من دخلها فإنه لا يخلد فيها وإنما يخرج منها بعد ما يمضي عليه الفترة التي شاء الله أن يمضيها فيها.
وما جاء في بعض الآيات والأحاديث من التخليد لأصحاب الكبائر، مثلما جاء في ذكر الخلود في حق من قتل عمداً، وكذلك الحديث الذي ثبت في الصحيح أن من قتل نفسه بحديدة فإنه يجأ نفسه بتلك الحديدة خالداً مخلدً في نار جهنم أبداً، ومن تردى من شاهق فإنه يكون كذلك في نار جهنم، ومن قتل نفسه بسم فهو يتحسى ذلك السم خالداً مخلداً في جهنم كذلك، فإن ما جاء من ذلك يحمل على الخلود النسبي؛ لقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
فكل ذنب دون الشرك هو تحت مشيئة الله إن شاء عفا عن صاحبه فلم يدخله النار، بل يدخله الجنة من أول وهلة، وإن شاء أدخله النار وعذبه فيها، ولكنه لابد من أن يخرج منها بعد أن يطهر وبعد أن يعذب على الجرم الذي حصل منه، وهو المعصية التي أدخله الله تعالى بها النار.
فهذه هي طريقة أهل السنة والجماعة في أصحاب الكبائر.
وأهل السنة يقولون عن أهل الكبائر: إنهم مؤمنون ناقصو الإيمان، فلا يعطونهم الإيمان الكامل ولا يسلبون عنهم مطلق الإيمان، هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فهو ما ذكرناه.
وهناك شفاعة رابعة: وهي الشفاعة لمن استحق النار أن لا يدخلها، وقد ذكر ابن القيم في تعليقه على تهذيب السنن للمنذري أنه لم يجد نصاً يدل على هذه الشفاعة.
وهي معروفة عند أهل العلم يذكرونها من جملة الشفاعات، وقد ذكر بعض أهل العلم دليلاً عليها، وهو قول الرسول ﷺ على الصراط: (اللهم سلم سلم) فإن هذه شفاعة بأن يسلم من استحق النار من دخولها؛ لأنه إذا لم يسلم فإنه يقع في النار؛ لأن الناس يمرون على الصراط في طريقهم إلى الجنة فمن كان من أهل النار وقع فيها، ومن نجاه الله تجاوزها بسرعة أو ببطء على حسب ما جاء في الأحاديث عن رسول الله ﷺ في ذلك، وأنه على قدر الأعمال، فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالخيل، ومنهم من يزحف زحفاً، وهكذا.
وهناك شفاعة خامسة: وهي الشفاعة في استفتاح الجنة، وأمة محمد ﷺ أول الأمم دخولاً إلى الجنة، فقد قال ﷺ : (وأنا أول شافع وأول مشفع)، فهو أول من يتقدم للشفاعة، وأول من يشفعه الله بعد التقدم للشفاعة.
ومن أنواع الشفاعة: الشفاعة في رفع الدرجات في الجنة، من درجة أدنى إلى درجة أعلى.
وقد ذكر الله في القرآن أن الذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان فإن الله تعالى يلحق بهم ذريتهم ويرفعهم إلى درجاتهم وإلى منازلهم بحيث يكونون مع من هو أعلى درجة.
وكما في زوجات الرسول ﷺ ، فإنهن يرفعن معه في درجته؛ لأنهن زوجاته في الدنيا والآخرة ﵅ وأرضاهن.
والحاصل أن من كان في درجة في الجنة أنزل فإن الله تعالى يرفعه إلى درجة أعلى.
فهذه جملة من أنواع الشفاعة التي ذكرها العلماء.
ذكر أبو داود حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال ﵊: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)، أي: أن النبي ﷺ يشفع لأهل الكبائر من أمته فيخرجون من النار إذا دخلوها، وقد ذكرت أن الأحاديث كثيرة متواترة في ذلك، ومنها الحديث الذي قال فيه النبي ﷺ : (إن لكل نبي دعوة مستجابة دعا بها على قومه، وإنني ادخرت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة).
فقوله ﷺ هنا في حديث أنس (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) معناه: أنها تحصل لهم يوم القيامة وأنه يشفع.
ومن المعلوم أن الشفاعة تكون بأمرين: بإذن الله للشافع أن يشفع، وبرضاه عن المشفوع، كما قال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:٢٦].
стр. 16245
تراجم رجال إسناد حديث (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)
قوله: [حدثنا سليمان بن حرب].
هو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا بسطام بن حريث].
وهو ثقة أخرج له أبو داود.
[عن أشعث الحداني].
أشعث بن عبد الله الحداني، وهو صدوق أخرج له البخاري تعليقاً وأصحاب السنن.
[عن أنس بن مالك].
أنس بن مالك ﵁، خادم رسول الله ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
وهذا الإسناد من أعلى الأسانيد عند أبي داود؛ لأنه رباعي.
стр. 16246
شرح حديث الشفاعة للجهنميين
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن الحسن بن ذكوان حدثنا أبو رجاء حدثني عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: (يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ﵌ فيدخلون الجنة، ويسمون الجهنميين)].
أورد أبو داود حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: (يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ﵌، فيدخلون الجنة ويسمون الجهنميين)، أي: أنهم كانوا في جهنم أو جاءوا من جهنم، وهذا ليس ذماً لهم، وإنما نسبوا إليها؛ لأنهم كانوا فيها ثم خرجوا منها، فيكون هذا الذي حصل لهم نعمة عظيمة ومنة كبيرة، حيث انتقلوا من العذاب الذي في جهنم إلى النعيم الذي في الجنة.
وهذا الحديث من أدلة شفاعته ﷺ لأهل الكبائر من أمته، كما يخرجون بشفاعة الشافعين الذين هم غير النبي ﷺ ، فإن هذه الشفاعة ليست من خصائصه ﷺ .
стр. 16247
تراجم رجال إسناد حديث الشفاعة للجهنميين
قوله: [حدثنا مسدد].
مسدد بن مسرهد البصري، ثقة أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي.
[حدثنا يحيى].
يحيى بن سعيد القطان البصري، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الحسن بن ذكوان].
وهو صدوق يخطئ، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة.
[حدثنا أبو رجاء].
أبو رجاء العطاردي، وهو عمران بن ملحان، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثني عمران بن حصين].
عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه، وهو صحابي كنيته أبو نجيد، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 16248
شرح حديث (إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون)].
أورد أبو داود حديث جابر ﵁: (أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون)، وهذا ليس بواضح في الشفاعة؛ لأنه ليس فيه شيء يدل على الشفاعة، ولكنه كما قال بعض أهل العلم: إن من خرج من النار بالشفاعة فإنه يدخل الجنة.
والحديث إخبار عمن دخل الجنة من أول وهلة، ولم يكن هناك شفاعة، وقد يكون دخلها بعد أن عذب في النار، وقد حصلت له شفاعة، فإذا كان في الذين خرجوا من النار ودخلوا الجنة، فإنهم يكونون قد تنعموا في الجنة بعد أن عذبوا في النار، مثلما جاء الحديث الذي قبل هذا: أنهم يسمون الجهنميين؛ لأنهم خرجوا من النار وقد عذبوا فيها.
стр. 16249
تراجم رجال إسناد حديث (إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون)
قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة].
عثمان بن أبي شيبة ثقة أخرج له البخاري وأصحاب الكتب الستة إلا الترمذي، وإلا النسائي فقد أخرج له في عمل اليوم والليلة.
[حدثنا جرير].
جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش].
وهو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سفيان].
وهو طلحة بن نافع وهو صدوق أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن جابر].
جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما، وهو صحابي ابن صحابي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 16250
ذكر البعث والصور
стр. 16251
شرح حديث عبد الله بن عمرو (الصور قرن ينفخ فيه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في ذكر البعث والصور.
حدثنا مسدد حدثنا معتمر قال: سمعت أبي قال: حدثنا أسلم عن بشر بن شغاف عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله وسلم قال: (الصور قرن ينفخ فيه)].
أورد أبو داود هذه الترجمة وهي: باب في البعث والصور.
والبعث هو: إخراج الناس من القبور، وانتقالهم من حياة البرزخ إلى الحياة الباقية؛ لأن الدور ثلاث: دار الدنيا، ودار الآخرة، والبرزخ الذي بين الموت وبين البعث، فهو من ناحية الجزاء تابع للآخرة؛ لأن ما بعد الموت كله جزاء والعمل ينتهي بالموت.
وأما من ناحية الحياة في البرزخ فإنها تختلف عن حياة الآخرة وتختلف عن حياة الدنيا، وهي حياة حقيقية لا يعلمها إلا الله .
وقد مر في الحديث قوله ﵊: (أنا سيد ولد آدم، وأول من ينشق عليه القبر)، يعني: فأول قبر ينشق عن صاحبه قبر نبينا محمد ﷺ ، وأول الناس خروجاً من قبره نبينا محمد صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فإذاً هذا هو البعث.
والبعث يكون بالنفخ في الصور، والصور قرن ينفخ فيه كما جاء في هذا الحديث، فبالنفخة الأولى يحصل الموت، ثم بالنفخة الثانية يحصل البعث: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨]، فهناك نفخة الموت ونفخة البعث، وهناك نفخة الفزع التي ستكون قبل ذلك، وهي التي تكون في نهاية الدنيا، حيث يصغي الإنسان ليتاً ويرفع ليتاً، أي: يذهل ويستمع، ثم تأتي النفخة التي هي نفخة الموت، وبعد ذلك تأتي النفخة التي هي نفخة البعث ونفخة الحياة.
وعندما يحصل النفخ في الصور مرة ثانية يقوم كل من كان ميتاً من أول الدنيا إلى آخرها، ويخرج من قبره إذا كان مقبوراً، ويأتي من الأماكن التي صار فيها إذا لم يقبر، وذلك فيما إذا أكلته الحيتان أو احترق أو تقطع وتمزق في الماء، وغير ذلك من الأحوال التي هي غير الدفن في القبور، فإن الناس يبعثون، وكل منهم تعود أجزاء جسده إلى ما كانت عليه، ويخرج إلى الحياة الباقية التي تكون بعد البعث، ثم بعد ذلك في الجنة أو في النار.
стр. 16252
تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن عمرو (الصور قرن ينفخ فيه)
قوله: [حدثنا مسدد].
مسدد مر ذكره.
[حدثنا معتمر].
معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[سمعت أبي].
سليمان بن طرخان، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أسلم].
أسلم وهو أسلم العجلي ثقة، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي.
[عن بشر بن شغاف].
وهو ثقة أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي.
[عن عبد الله بن عمرو].
عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، صحابي ابن صحابي، وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي ﷺ ، وهم: عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.
стр. 16253
شرح حديث (كل ابن آدم تأكل الأرض إلا عجب الذنب)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا القعنبي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (كل ابن آدم تأكل الأرض إلا عجب الذنب، منه خلق وفيه يركب)].
أورد أبو داود ﵀ حديث أبي هريرة: (كل ابن آدم تأكل الأرض إلا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب).
وعجب الذنب هو جزء من الإنسان يكون أول ما يخلق منه، ثم عند البعث يبنى عليه، فتأتي الذرات التي ذهبت وتجتمع ويكون أول ما يكون خلقاً وتركيباً، هو عجب الذنب، والمقصود بالتركيب عودة الجسم إلى ما كان عليه، بعد ما دفن في قبره وأكلته الأرض.
وبعد تركيب الجسد يحصل البعث، فيخرج الناس من قبورهم بنفس الأجساد التي كانت في الدنيا، حتى تلقى الجزاء وتلقى النعيم والعذاب، بل هي في القبر أيضاً قد حصل لها النعيم أو العذاب.
والمقصود من الحديث: أن فيه ذكر البعث في قوله: (منه يركب) يعني: أنه يعاد خلقه، وأن كل ذرة من الذرات تأتي إلى مكانها، وأول شيء يكون هو عجب الذنب وأن غيره يأتي ويتبعه.
стр. 16254
تراجم رجال إسناد حديث (كل ابن آدم تأكل الأرض إلا عجب الذنب)
قوله: [حدثنا القعنبي].
عبد الله بن مسلمة بن قعنب، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[عن مالك].
مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث الفقيه أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي الزناد].
وهو عبد الله بن ذكوان المدني، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعرج].
وهو عبد الرحمن بن هرمز المدني، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة] عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁، صاحب رسول الله ﷺ وأكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق.
стр. 16255
خلق الجنة والنار
стр. 16256
شرح حديث (لما خلق الله الجنة قال لجبريل: اذهب)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في خلق الجنة والنار.
حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لما خلق الله الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: أي رب! وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها.
ثم حفها بالمكاره، ثم قال: يا جبريل! اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: أي رب! وعزتك لقد خشيت ألا يدخلها أحد.
قال: فلما خلق الله النار، قال: يا جبريل! اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: أي رب! وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفها بالشهوات ثم قال: يا جبريل! اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال: أي رب! وعزتك لقد خشيت ألا يبقى أحد إلا دخلها)].
أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة: باب خلق الجنة والنار.
أي: أنهما قد خلقتا وأنهما موجودتان الآن، فقد سبق خلقهما، وذلك أن الله خلقهما وأوجدهما فأعد الجنة لأوليائه وأعد النار لأعدائه الذين كفروا به وأشركوا معه غيره.
ولا يقال: إنهما لا تخلقان إلا يوم القيامة، عندما يأتي وقت الانتفاع بها، كما قاله المعتزلة، وقالوا: إن خلقهما قبل ذلك ليس فيه فائدة ولا مصلحة؛ لأنها تبقى مدداً طويلة معطلة لا يستفيد منها أحد.
وقد جاءت الأحاديث دالة على خلقهما ووجودهما، ومن حكمه خلقهما: الترغيب والترهيب، وأن على الإنسان أن يسعى لتحصيل هذه الجنة التي خلقها الله، وأن يسعى إلى التخلص من النار التي خلقها الله وأوجدها، وكذلك أيضاً التنعيم في الجنة والتعذيب في النار، فإنهما موجودان قبل يوم القيامة، وذلك أن الإنسان في قبره منعم في نعيم الجنة أو معذب بعذاب النار؛ لأن كل من مات قامت قيامته، وانتقل من دار العمل إلى دار الجزاء، فهو يجازى على عمله في قبره، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وهو إما منعم وإما معذب.
وقد جاء في القرآن ما يدل على ذلك في قصة آل فرعون، حيث قال الله : ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر:٤٦] ثم قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]: فهذا يدل على أن آل فرعون معذبون في النار قبل يوم القيامة، فإذا قامت الساعة انتقلوا من عذاب شديد إلى عذاب أشد.
وجاء في الحديث: أن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر، وجاء: أن نسمة المؤمن في حواصل طير يعلق في الجنة ويأكل من ثمارها.
فالتنعيم حاصل للروح وللجسد فيصل إليهما ما شاء الله أن يصل من نعيم أو عذاب.
فالفائدة حاصلة بالنسبة للجنة والمضرة حاصلة بالنسبة للنار قبل يوم القيامة.
والأحاديث في خلق الجنة والنار كثيرة، ومنها الحديث الذي أورده أبو داود هنا قال: (لما خلق الله الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال: أي رب! وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها).
يعني: لما فيها من المرغوبات واللذات.
قوله: [(ثم حفها بالمكاره ثم قال: يا جبريل! اذهب فانظر إليها فذهب وعزتك لقد خشيت ألا يدخلها أحد)].
يعني: لما حفت به من المكاره، فلا يصبر الناس على المكاره والتعب والنصب والمشقة؛ لأن طريق الجنة فيه تعب ونصب، ولا يحصل ذلك إلا بأنواع الصبر الثلاثة: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على أقدار الله المؤلمة.
فالجنة لما حفت بالمكاره صار الوصول إليها ليس كالحال قبل أن تكون محفوفة بالمكاره؛ لأنه ليس كل الناس يصبر على المكاره، ولهذا قل من يدخل الجنة وكثر من يدخل النار، ولهذا يقول بعض السلف: لا تغتر بطريق الشر لكثرة السالكين، ولا تزهد بطريق الخير لقلة السالكين، فإنه ليس العجب ممن هلك كيف هلك، وإنما العجب ممن نجا كيف نجا! قوله: [(فلما خلق الله النار قال: يا جبريل! اذهب فانظر إليها، فذهب إليها فنظر فيها ثم جاء فقال: أي رب! وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها)].
أي: لأنه خلقها دون أن تحف بالشهوات، فلا يدخلها أحد لشدتها وعظم هولها، وليس هناك أحد يقدم على أن يكون من أهلها، فلما حفت بالشهوات رجع إليه وقال: خشيت ألا ينجو منها أحد، وذلك لكثرة من يقدم على الشهوات، ويفضل الشهوة العارضة واللذة العاجلة، ويغفل عن العاقبة الوخيمة وعن المضرة الكبيرة التي تترتب على ذلك.
فحفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات، فطريق الجنة فيه المتاعب والمشاق وطريق النار فيه الشهوات التي من أرخى لنفسه العنان فيها وانقاد للشيطان وللنفس الأمارة بالسوء فإنه ينتهي إلى النار، وينتهي إلى الهاوية والعياذ بالله.
والمقصود من ذلك: أن الجنة والنار قد وجدتا وأنهما موجودتان الآن، ولا يقال: إنهما إنما يخلقان يوم القيامة؛ لأن وجودهما قبل ذلك يكون بدون انتفاع وبدون تضرر، بل الانتفاع حاصل والتضرر حاصل قبل يوم القيامة، كما قد عرفنا ذلك.
ومما يدل على وجود الجنة والنار حديث الكسوف الذي فيه: أن النبي ﷺ عرضت عليه الجنة والنار وهو يصلي، فمد يده في الصلاة ليتناول عنقوداً من العنب، ثم إنه ترك، ولما فرغ من صلاته ذكر أنه عرضت عليه الجنة ورأى عناقيد العنب متدلية فأراد أن يأخذ عنقوداً، ولو أخذه لأكلوا منه ما بقيت الدنيا.
وعرضت عليه النار فتكعكع ورجع القهقرى لما رآها، وهذا يدل على وجودها؛ لأن الرسول ﷺ رأى شيئاً موجوداً.
وهذا يدلنا على أن على الإنسان أن يؤمن بالغيب وأن يصدق بكل ما جاءت به الأخبار، سواء أدرك ذلك أم لم يدركه، وسواء عقل ذلك أم لم يعقله.
стр. 16257
تراجم رجال إسناد حديث (لما خلق الله الجنة قال لجبريل: اذهب)
قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل].
موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا حماد].
حماد بن سلمه بن دينار البصري، ثقة أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[عن محمد بن عمرو].
محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، وهو صدوق أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سلمة].
أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
وقد مر ذكره.
стр. 16258
الأسئلة
стр. 16259
الحلف بصفات الله
السؤال
هل في قول جبريل: (وعزتك) هذا دليل على الحلف بصفات الله؟
الجواب
هذا دليل على الحلف بصفات الله، فيحلف بأسماء الله وصفاته ولا يحلف بغيره، ولهذا قال: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)، المقصود من ذلك أن يكون الحلف بالخالق بأسمائه وصفاته؛ لأن الله تعالى بذاته وصفاته الخالق وكل ما سواه مخلوق، فيحلف بالخالق ولا يحلف بالمخلوق.
стр. 16260
تناقض المعتزلة في قولهم بفناء النار وخلود أهل الكبائر فيها
السؤال
هل يمكن أن نرد على المعتزلة بالتناقض في كلامهم حيث إنهم يقولون: إن الجنة والنار تفنيان ثم يقولون: إن أهل الكبائر مخلدون فيها؟
الجواب
أنا لا أعرف عن المعتزلة أنهم يقولون بأن النار تفنى، وإذا كانوا يقولون بهذا فهم مخطئون في البداية والنهاية، مخطئون في البداية لكونهم قالوا: إن الجنة والنار إنما تخلقان يوم القيامة ولا تخلقان قبل ذلك، والنصوص قد جاءت بأنهما مخلوقتان قبل ذلك، ومخطئون في النهاية حيث قالوا: تفنى النار، وقد جاءت النصوص بأن الجنة والنار باقيتان إلى غير نهاية، وأما العصاة فإنهم يخرجون من النار ويدخلون الجنة، فإذا كانوا يقولون بالفناء فهم مخطئون فيما يتعلق بالجنة والنار من جهتين.
стр. 16261
مدى صحة القول بأن للكفار ناراً وللعصاة ناراً
السؤال
ما مدى صحة القول بأن النار ناران: نار الكفار تبقى أبد الآبدين، والنار التي يدخلها أهل الكبائر إذا خرجوا منها فنيت، هل هذا التقسيم صحيح؟
الجواب
ذكر هذا ابن القيم في كتابه الوابل الصيب في الكلم الطيب قال: الدور ثلاث: دار الطيب المحض، ودار الخبث المحض، ودار جمعت بين خبث وطيب، قال: فالجنة دار الطيب المحض، والنار التي فيها الكفار دار الخبث المحض؛ لأن الكفار باقون فيها إلى غير نهاية، والنار التي فيها العصاة هي التي يكون فيها من جمع بين خبث وطيب ويخرجون من المكان الذي هم فيه ويبقى مكانهم ليس فيه أحد، فـ ابن القيم في كتابه الوابل الصيب قسم هذا التقسيم.
стр. 16262
من مات فقد قامت قيامته
السؤال
ذكرتم أن من مات فقد قامت قيامته، هل هو حديث؟
الجواب
لا أعلم حديثاً في هذا؛ لكن هذا هو الواقع؛ لأن القيامة بالنسبة لكل أحد هي بموته، فإذا مات انتهى من الدنيا وانتقل إلى الآخرة، والقيامة التي تكون عند نهاية الدنيا تكون بالنفخ في الصور؛ لأن الساعة تطلق على الموت وعلى البعث، فمن إطلاقها على الموت: (إن من شرار الناس من تأتيهم الساعة وهم) يعني: الذين تقوم عليهم الساعة فيموتون عند النفخ في الصور، ومن إطلاقها على القيام من القبور ما جاء في القرآن: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، أي: يوم يحصل البعث.
стр. 16263
التوفيق بين رؤية جبريل للجنة وأن فيها ما لا عين رأت
السؤال
هل هناك تعارض بين الحديث الذي جاء في وصف الجنة: أن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، والحديث الذي يدل على أن جبريل رأى الجنة وما فيها من النعيم، وأن آدم كان يسكن في الجنة، فإنه رأى نعيمها، فكيف يقال: إن فيها ما لا عين رأت؟
الجواب
كون جبريل وآدم رأيا الجنة لا ندري هل رأيا كل ما فيها؟ والمقصود: أن فيها من النعيم ما لا يعرفه الناس وما لا يدركه الناس وفيها ما يعرفون أسماءه وأنواعه، ولكن الفرق بين ما في الدنيا وما في الآخرة -مثلما قال ابن عباس -: إنه ليس في الدنيا ما يشبه ما في الجنة إلا الأسماء، فاللذة موجودة، ولكن فرق بين لذة ما في الدنيا ولذة ما في الآخرة، فالناس يعرفون العنب ويعرفون الرمان، فعنب الجنة فيه عناقيد، أما عناقيد الجنة فقد قال النبي ﷺ في الحديث الذي أشرت إليه آنفاً: (ولو أخذت منه عنقوداً لأكلتم منه ما بقيت الدنيا).
стр. 16264
الشفاعة لمن لم يعمل خيراً قط
السؤال
في بعض ألفاظ حديث الشفاعة أنها تكون لمن لم يعمل خيراً قط، فهل يدل هذا على انتفاء عمل الجوارح من الإيمان حتى الصلاة؟
الجواب
معلوم أن هذا من أحاديث الوعد، وأحاديث الوعد لا يجوز للإنسان أن يعول عليها ويترك أحاديث الوعيد، وإنما يأخذ بنصوص الوعد والوعيد، فيكون خائفاً راجياً، لا يغلب جانب الخوف، ولا يغلب جانب الرجاء، حتى يحصل الخير ويسلم من الشر، وحتى يعمل عملاً صالحاً ويبتعد عن الأعمال المحرمة، وإذا كان في آخر الدنيا فإنه يغلب جانب الرجاء حتى لا يحصل له قنوط ويأس عند الموت، بل يحسن الظن بالله ، ويرجو ثواب الله .
فهذا الذي جاء في بعض الأحاديث: أنه ما عمل خيراً قط قد يكون عمل أشياء ولكنها ذهبت لمن يستحقها من الدائنين، كما قال النبي ﷺ : (أتدرون من المفلس؟ ثم قال: المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام وحج، ويأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وسفك دم هذا، فيعطى لهذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من سيئاتهم وطرح عليه، ثم طرح في النار)، فتكون عنده أعمال ولكنها ذهبت لغيره.
أما تارك الصلاة فقد جاء في كفره أحاديث.
стр. 16265
من أسماء الله الطيب ويجوز التكني به
السؤال
هل الباعث من أسماء الله؟ وكذلك الطيب؟ وهل يجوز التكني بأبي الطيب؟
الجواب
لا أذكر نصاً خاصاً في اسم الباعث.
أما الطيب فقد ورد في صحيح مسلم: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً).
ويجوز أن يسمى الإنسان الطيب، وأن يكنى بأبي الطيب؛ لأن من أسماء الله ما يسمى بها غيره، ومنها ما لا يسمى به سواه ، فمما يسمى به غيره: الرءوف والرحيم والسميع والبصير تطلق على المخلوق كما قال الله : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، والمقصود بذلك رسول الله ﷺ ، وقال : ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان:٢]، وكذلك العزيز وكذلك الكريم، لكن ما يضاف إلى الله يختص به وما يضاف إلى المخلوقين يختص بهم، وهناك أسماء لا تطلق إلا على الله مثل: الله والباري والصمد والرحمن وغيرها.
стр. 16266
معنى شفاعة أرحم الراحمين
السؤال
في صحيح البخاري: (ولم يبق إلا شفاعة أرحم الراحمين)، فهل معنى ذلك أنه يجوز أن يقال: إن الله تعالى يشفع؟
الجواب
الشفاعة كما هو معلوم أنها كون الغير يشفع عند غيره، وهذا لا يحصل لله ، فهو تعالى لا يشفع عند غيره، بل غيره يشفع عنده، وقد سبق أن مر الحديث الذي قال فيه: (ويحك إن شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه)، فلا أعرف هذه اللفظة، وإنما المقصود من ذلك ما يحصل من العفو والتجاوز، وإلا فإن الله تعالى هو الذي يشفع عنده، ولا تكون الشفاعة منه عند غيره.
стр. 16267
شروط الشفاعة وكيف تتفق مع الشفاعة لأبي طالب
السؤال
ذكرتم أن للشفاعة شرطين: إذن الله للشافع ورضاه عن المشفوع، وذكرتم شفاعة النبي ﵌ لعمه أبي طالب، فهل معنى ذلك أن الله رضي عن أبي طالب؟
الجواب
لا يوجد رضا عن أبي طالب؛ لأنه معذب، ولكن الذي حصل هو التخفيف وهذان الشرطان إنما هما في الغالب، وإلا فإن أبا طالب ليس مرضياً عنه، بل هو كافر وليس بعد الكفر ذنب، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
وأيضاً: حصلت له الشفاعة للتخفيف مع بقائه في النار على حال هو فيها أخف أهل النار، ويرى أنه ليس هناك أحد أشد منه عذاباً، والعياذ بالله.
стр. 16268
الحكمة من الشفاعة
السؤال
ما هي الحكمة من الشفاعة، أي: لماذا نحتاج إلى شفاعة النبي ﵌ لدخول الجنة، ولا يخرجنا الله بنفسه من النار بدون شفاعة؟
الجواب
قدر الله أن يحصل إكرام للشافع وفائدة للمشفوع، وأن تكون الشفاعة هي الوسيلة إلى هذه الغاية، فيكون في ذلك إكرام للشافع وإظهار لفضله ومنزلته، مثلما حصل بالنسبة لنبينا محمد ﷺ في الشفاعة العظمى، فإنه ظهر فيها إكرامه وسؤدده وفضله على الجميع، وحصل له المقام المحمود الذي يحمده عليه الأولون والآخرون، فهي من الأشياء التي يرفع الله تعالى بها من يشاء، ويستفيد بتلك الشفاعة من يشاء، فيحصل للمشفوع له خير، ويحصل للشافع إكرام ببيان منزلته وعلو مكانته.
стр. 16269
نفخ إسرافيل في الصور
السؤال
هل ثبت أن إسرافيل هو الذي ينفخ في الصور؟
الجواب
لا نعلم نصاً واضحاً في هذا، لكن بعض العلماء يذكر هذا مثلما ذكره ابن كثير في تفسير سورة الأنعام، فإنه ذكر أنه جاء في الصحيح، لكن لا نعلم نصاً في أن إسرافيل هو الذي ينفخ في الصور، وهو من المشهورين في الملائكة، وقد ذكر بعض أهل العلم في حديث توسل النبي ﷺ إلى ربه بربوبيته لجبريل وميكائيل وإسرافيل أن ذلك لأن هؤلاء موكلون بأنواع الحياة، فجبريل موكل بالوحي الذي به حياة القلوب، وميكائيل موكل بالقطر الذي به حياة الأبدان، وإسرافيل موكل بنفخ الصور الذي به الحياة بعد الموت، لكن لا أعلم نصاً في هذا.
стр. 16270
متى تكون نفخة الموت
السؤال
متى تكون نفخة الموت هل بعد النار التي تحشر الناس إلى أرض المحشر أو قبل ذلك؟
الجواب
تكون بعد ذلك؛ لأن هذه النفخة لا تكون لمن كان حياً، والنار التي تخرج هي تخرج روح كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى أناس لا خير فيهم هم شرار الخلق وعليهم تقوم الساعة، ولهذا لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله الله، ومعناه: أن الأخيار قد ذهبوا، والريح اللينة التي تقبض كل مؤمن ومؤمنة حصلت قبل ذلك، والنفخ يحصل به موت من كان حياً، والذين كانوا أحياء في ذلك الوقت هم شرار الخلق كما جاء ذلك في الحديث عن رسول الله ﷺ .
стр. 16271
مدى صحة القول بوجود ثقوب في الصور
السؤال
هل صحيح أن الصور فيه ثقوب بعدد أرواح الخلائق؟
الجواب
هذا شيء من علم الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله، وإذا جاء فيه نص فيمكن أن يتكلم فيه، وإلا فليس هناك سوى السكوت.
стр. 16272
شرح سنن أبي داود [٥٣٨]
من عقائد أهل السنة والجماعة الإيمان بمواقف الآخرة، ومن ذلك حوض النبي ﷺ الذي يرده المؤمنون، ويذاد عنه الذين غيروا وبدلوا.
والمبتدعة ينكرون الحوض ويعتقدون فيه اعتقادات باطلة مخالفة لما جاء في السنة من صفته، وغير ذلك مع تواتر أحاديث الحوض عن النبي ﵌.
стр. 16273
الحوض
стр. 16274
شرح حديث ابن عمر (إن أمامكم حوضاً ما بين ناحيتيه كما بين جرباء وأذرح)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الحوض.
حدثنا سليمان بن حرب ومسدد قالا: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أمامكم حوضاً ما بين ناحيتيه كما بين جرباء وأذرح)].
الحوض هو حوض رسول الله ﷺ الذي يرده الناس يوم القيامة وهم عطاش، فيشرب منه من يشرب، ومن شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً، ومنهم من يذاد عنه ويمنع مع شدة حاجته إليه، وتكون ذنوبه ومعاصيه هي التي حالت بينه وبين ذلك.
وقد اختلف فيه هل يكون قبل الصراط أو بعد الصراط؟ فجاء عن بعض أهل العلم أنه يكون بعد الصراط، والكثيرون قالوا: إنه قبل الصراط، وهو الأقرب؛ لأن الذين يذادون عنه لو كان بعد الصراط فإنهم لا يتجاوزون إليه حتى يذاودون عنه بل يقعون في النار، وعلى هذا فالذود إنما يناسب أن يكون قبل الصراط، والله أعلم.
وأورد أبو داود حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال (إن أمامكم حوضاً ما بين ناحيتيه كما بين جرباء وأذرح).
وهذا فيه إثبات الحوض للنبي ﷺ ، وأنه أمام الناس، وأنه واسع.
وجرباء وأذرح هي من بلاد الشام، وهي متقاربة، وجاء في بعض الروايات أنه قال: (ما بين المدينة وجرباء وأذرح)، فتكون المسافة على هذا كما بين المدينة إلى جرباء وأذرح فتكون بعيدة، وعلى ما جاء في هذه الرواية هي كما بين جرباء وأذرح، فتكون غير بعيدة.
وقد جاءت التقادير عن النبي ﷺ بألفاظ متعددة، منها ما هو واسع جداً، ومنها دون ذلك، وجاء في الأحاديث الصحيحة أيضاً أن طوله وعرضه سواء، وأن زواياه سواء، وعلى هذا فيكون مربعاً.
ولكن كل الأحاديث تدل على أن للنبي ﷺ حوضاً، وأنه يورد عليه الحوض، وأنه يذاد عنه أناس فلا يشربون، وأناس يشربون ولا يظمئون بعد ذلك أبداً.
وأحاديث الحوض متواترة عن رسول الله ﷺ ، وقد ذكر ابن القيم في (تهذيب السنن) أنها جاءت عن أربعين صحابياً وسماهم، وذكر الحافظ ابن حجر في (الفتح) أنهم يبلغون الخمسين أو يزيدون عن الخمسين صحابياً.
стр. 16275
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر (إن أمامكم حوضاً ما بين ناحيتيه كما بين جرباء وأذرح)
قوله: [حدثنا سليمان بن حرب].
سليمان بن حرب، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ومسدد].
مسدد بن مسرهد البصري، ثقة أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[قالا: حدثنا حماد بن زيد].
وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أيوب].
أيوب بن أبي تميمة السختياني، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن نافع].
نافع مولى ابن عمر وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عمر].
عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﵊.
стр. 16276
شرح حديث زيد بن أرقم (ما أنتم جزء من مائة ألف جزء ممن يرد عليّ الحوض)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا حفص بن عمر النمري حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة عن زيد بن أرقم قال: كنا مع رسول الله ﷺ فنزلنا منزلاً فقال (ما أنتم جزء من مائة ألف جزء ممن يرد عليَّ الحوض).
قال: قلت: كم كنتم يومئذ؟ قال: سبعمائة أو ثمانمائة].
أورد أبو داود حديث زيد بن أرقم ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما أنتم جزء من مائة ألف جزء ممن يرد عليَّ الحوض).
وهذا يدل على كثرة الواردين على الحوض، وقد سأل أبو حمزة زيداً: كم كنتم يومئذ؟ قال: سبعمائة أو ثمانمائة.
يعني أن الذي يردون الحوض على رسول الله ﷺ كثيرون، وأن نسبة هؤلاء إنما هي شيء يسير ممن عداهم.
стр. 16277
تراجم رجال إسناد حديث زيد بن أرقم (ما أنتم جزء من مائة ألف جزء ممن يرد عليّ الحوض)
قوله: [حدثنا حفص بن عمر النمري].
حفص بن عمر النمري ثقة، أخرج له البخاري أبو داود والنسائي.
[حدثنا شعبة].
شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو بن مرة].
عمرو بن مرة الجملي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي حمزة].
وهو طلحة بن يزيد الأيلي، وثقه النسائي، وأخرج له البخاري وأصحاب السنن.
[عن زيد بن أرقم].
زيد بن أرقم ﵁ صاحب رسول الله ﵊، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 16278
شرح حديث أنس (هل تدرون ما الحوض؟ فإنه نهر وعدنيه ربي في الجنة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هناد بن السري حدثنا محمد بن فضيل عن المختار بن فلفل قال: سمعت أنس بن مالك يقول: (أغفى رسول الله ﷺ إغفاءة، فرفع رأسه متبسماً، فإما قال لهم وإما قالوا له: يا رسول الله! لم ضحكت؟ فقال: إنه أنزلت عليَّ أنفاً سورة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] حتى ختمها، فلما قرأها قال: هل تدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي في الجنة، وعليه خير كثير، عليه حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب).
أورد أبو داود حديث أنس بن مالك ﵁.
قوله: [(أغفى رسول الله ﷺ إغفاءة)] أي: نام نوماً يسيراً.
قوله: [(فرفع رأسه متبسماً)] والمقصود من ذلك أنه كان يوحى إليه، وقام متبسماً.
قوله: [(فإما قال لهم وإما قالوا له)] أي: إما بدءوه بالسؤال أو بدأهم بالإخبار عن الذي قد حصل له، فذكر على أنهم بدءوه فقالوا: (لم ضحكت؟) أي: ما الذي أضحكك يا رسول الله؟ وأرادوا أن يعرفوا السبب الذي حصل من أجله ذلك، وهم يعلمون أنه يوحى إليه في مثل هذه الحالة، وأنه ﷺ إنما فعل ذلك لأمر حسن وسار قد حصل، ثم أخبرهم ﵊.
قوله: [(إنه أنزلت علي آنفاً سورة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١]).
أي: نزلت في هذه الإغفاءة، وقد قرأ عليهم: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر:١ - ٣]، ثم قال عن الكوثر: (فإنه نهر وعدنيه ربي في الجنة عليه خير كثير، عليه حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب).
أي أن آنيته عدد نجوم السماء، وهذا يدل على أن الكوثر نهر في الجنة، وأن فيه حوضاً، وجاء في بعض الأحاديث الصحيحة بيان أن الحوض يصب فيه ميزابان من الجنة، وعلى هذا فيكون الكوثر في الجنة والحوض في عرصات القيامة، وهو يمد ويصل إليه الماء من ذلك النهر الذي في الجنة.
وعلى هذا فيكون الحوض شيئاً والكوثر شيئاً آخر وليسا شيئاً واحداً، والكوثر هو الأصل والحوض فرع منه، والكوثر في الجنة والحوض إنما هو في عرصات القيامة، والماء الذي في الحوض جاء من الكوثر كما جاء في ذلك الحديث عن رسول الله ﷺ .
وهذا الحديث فيه دليل على أن: (بسم الله الرحمن الرحيم) من السورة، وبعض أهل العلم يقول إن بسم الله الرحمن الرحيم من القرآن، وهي فاصلة بين كل سورتين ما عدا الأنفال والتوبة، فإنهما ليس بينهما: (بسم الله الرحمن الرحيم).
قوله: [(ترد عليه أمتي يوم القيامة)] والمقصود بالأمة هنا أمة الإجابة بلا شك، وهناك أناس ارتدوا يردون عليه فيذادون عنه، وجاء في بعض الروايات أنه قال: (فأقول: أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، والمقصود بذلك الذين ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ ، فقاتلهم الصديق ومات من مات منهم على الردة، فهؤلاء هم الذين يذادون عن الحوض.
وهذا الحديث رواه أنس بن مالك، فيكون من مراسيل الصحابة؛ لأن السورة مكية، ومعلوم أن مراسيل الصحابة حجة، ولاشك أن الشيء الذي ما شهده الصحابي إنما أخذه عن صحابي آخر، وإذا جاء عنهم شيء مضاف إلى رسول الله ﵊ سواء كان مما أدركوه أو مما لم يدركوه فإنه يعتبر ثابتاً، ونسبته إلى رسول الله ﵊ صحيحة؛ لأنه إما أن يكون أخذه من رسول الله ﷺ ، أو أنه أخذه عن الصحابة الذين شاهدوه وعرفوه.
стр. 16279
تراجم رجال إسناد حديث أنس (هل تدرون ما الحوض؟ فإنه نهر وعدنيه ربي في الجنة)
قوله: [حدثنا هناد بن السري].
هناد بن السري أبو السري، وهو ثقة أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد ومسلم وأصحاب السنن.
[حدثنا محمد بن فضيل].
محمد بن فضيل بن غزوان، وهو صدوق أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن المختار بن فلفل].
وهو صدوق له أوهام، أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
[سمعت أنس بن مالك].
أنس بن مالك ﵁ خادم رسول الله ﵊، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﵊.
وهذا الإسناد من الأسانيد العالية عند أبي داود، فإنه من الرباعيات التي هي أعلى الأسانيد عند أبي داود.
стр. 16280
شرح حديث أنس في رؤية الكوثر ليلة المعراج
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عاصم بن النضر حدثنا المعتمر قال: سمعت أبي قال: حدثنا قتادة عن أنس بن مالك قال: (لما عرج بنبي الله ﷺ في الجنة -أو كما قال- عرض له نهر حافتاه الياقوت المجيَّب -أو قال المجوف- فضرب الملك الذي معه يده فاستخرج مسكاً، فقال محمد ﷺ للملك الذي معه: ما هذا؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك الله ].
أورد أبو داود حديث أنس بن مالك ﵁ وفيه إثبات الكوثر بالسنة، وهو ثابت في القرآن، وفيه شيء آخر وهو كونه مخلوقاً وموجوداً؛ لأنه عندما رأى الجنة رأى فيها الكوثر.
وأتى بهذا الحديث في بحث الحوض من أجل التلازم الذي بين الحوض وبين الكوثر، لأن الماء الذي في الحوض يكون من الكوثر.
قوله: [(فضرب الملك الذي معه يده فاستخرج مسكاً)].
يعني استخرج مسكاً من أرض هذا النهر.
قوله: [(فقال محمد ﷺ للملك الذي معه: ما هذا؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك الله .
أي: هذا النهر هو الكوثر الذي أعطاك الله في قوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر:١ - ٣].
следующие страницы →