← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 16311–16350 · переход к 16316.

стр. 16311

شرح حديث البراء بن عازب في أسئلة القبر للمؤمن والكافر قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير، ح وحدثنا هناد بن السري حدثنا أبو معاوية -وهذا لفظ هناد - عن الأعمش عن المنهال عن زاذان عن البراء بن عازب قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأنما على رءوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر، مرتين أو ثلاثاً. زاد في حديث جرير هاهنا: وقال: وإنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حين يقال له: يا هذا من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ قال هناد: قال: ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ قال: فيقول: هو رسول الله ﷺ ، فيقولان: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت. زاد في حديث جرير: فذلك قول الله : ((يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا)) [إبراهيم:٢٧] الآية. ثم اتفقا قال: فينادي مناد من السماء: أن قد صدق عبدي؛ فافرشوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، وألبسوه من الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، قال: ويفتح له فيها مد بصره. قال: وإن الكافر، فذكر موته قال: وتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري! فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري! فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري! فينادي مناد من السماء: أن كذب، فافرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، قال: فيأتيه من حرها وسمومها، قال: ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه. زاد في حديث جرير قال: ثم يقيض له أعمى أبكم، معه مرزبة من حديد لو ضرب بها جبل لصار تراباً، قال: فيضربه بها ضربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين، فيصير تراباً! قال: ثم تعاد فيه الروح)]. أورد أبو داود حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه الطويل الذي فيه بيان ما يجري في القبر من السؤال ومن النعيم والعذاب. قوله: [(خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأنما على رءوسنا الطير)]. أي: أن اللحد ما كان جاهزاً حتى يوضع الميت فيه، وكانوا لا يزالون يحفرون اللحد، واللحد يحفر في أسفل القبر إلى جهة القبلة بحيث لا يكون الميت تحت فتحة القبر. فلما جاءوا والأمر كذلك جلس الرسول ﷺ وجلسوا حوله ينتظرون، وكان مع الرسول ﷺ عود ينكت به مثل المهموم الذي ينكت ويخط في الأرض، ثم إنه أخبرهم وذكرهم بما يجري في القبر. قوله: [(وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر، مرتين أو ثلاثاً)]. وهذا فيه إثبات عذاب القبر والأمر بالاستعاذة منه، وقد ذكرنا أن الأحاديث جاءت في بيان عذاب القبر من وجوه عديدة، وقد بلغت التواتر. قوله: [(زاد في حديث جرير ها هنا: وقال: وإنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حين يقال له: يا هذا! من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟)]. وهذا يدل على أن الإنسان يسأل في قبره فور دفنه، ولهذا ذكر أنه يسمع قرع نعالهم إذا ولوا مدبرين حين يقال له: من ربك؟ إلخ وقوله: [(حين يقال له: يا هذا! من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟)]. هذه هي الأسئلة الثلاثة التي تكون في القبر، وهي السؤال عن الرب، وعن النبي، وعن الدين. وقد ألف فيها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ كتاب الأصول الثلاثة وأدلتها، وهو خاص بأسئلة عذاب القبر؛ لأن الأصول الثلاثة هي معرفة العبد ربه ودينه ونبيه، وتلك الرسالة قيمة لا يستغني عنها أحد لا عامي ولا طالب علم؛ لأنها مشتملة على هذه الأمور الثلاثة التي يسئل عنها في القبر بالأدلة. وعندما يسأل الميت هذه الأسئلة ويجيب بتلك الأجوبة السديدة فإنه يقال له: كيف عرفت ذلك؟ فيقول: أنه قرأ كتاب الله وآمن وصدف بما فيه، فيفتح له باب من الجنة، فيأتيه من روحها ونعيمها، ويوسع له في قبره حتى يكون مد بصره، وهذا كلها من أمور الغيب التي يجب التصديق بها، والإيمان بأن ذلك حق. ثم ذكر الكافر وأنه يفتح له باب من النار، فيأتيه من حرها وسمومها، أي: من عذاب النار وحرها وسمومها. وهذا فيه دليل على أن عذاب النار يحصل لأصحاب القبور، وأن من كان مستحقاً لعذاب القبر وصله عذاب القبر في حياته البرزخية. والعذاب يكون للروح وللجسد؛ لأن الإحسان حصل من الروح والجسد، والإساءة حصلت من الروح والجسد، فالعذاب يكون للروح والجسد، والنعيم يكون للروح والجسد، والجسد بدون الروح لم يحصل منه عمل، والروح بدون الجسد لم يحصل منها عمل، لكن باجتماع الروح والجسد حصلت الأعمال الصالحة التي يحصل الثواب عليها للروح والجسد، وحصلت الأعمال السيئة التي يكون العقاب عليها لمجموع الروح والجسد.

стр. 16312

عذاب القبر ونعيمه غيب يجب التسليم به إن المؤمن يفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها ونعيمها، ويوسع له في قبره مد بصره، أي: فيكون في سعة، وهذا من أمور الغيب، لأن القبور كما هو مشاهد تختلف عما جاء في هذا، ولكن أمور الغيب يجب التصديق بها سواء عرف الكنه والحقيقة أو لم تعرف، ومعلوم أن هذه الأمور لا تعرف، لكن الإنسان لا يجعل إيمانه مبنياً على مشاهدة ومعاينة، فيقول: ما رأيته صدقت به وما لم أره لا أصدق به! فهذا لا يجوز؛ لأن المؤمن من شأنه أن يكون مصدقاً لكل ما جاء الخبر به عن الله وعن رسوله ﷺ ، أدركه عقله أو لم يدركه، والإسلام لا يأتي بما تحيله العقول، ولكنه يأتي بما تحار فيه العقول ولا تدركه، فتلك أمور خفية وأمور واقعة وحاصلة والناس لا يشاهدونها ولا يعاينونها، ولو فتح الإنسان القبر ما رأى نعيماً يأتي من الجنة، ولكن لا ينفي ذلك، لأن الخبر جاء بذلك عن النبي ﷺ فيجب التصديق به. وقد وجد مما يوضح ذلك في الحياة الدنيا أن الجسد والروح تتنعمان، وكذلك يحصل لهما العذاب في الحياة الدنيا، ويكون الأشخاص متقاربين ومن حولهم لا يدرك ما حصل لهذا من العذاب ولهذا من النعيم، وذلك عندما يكونوا نائمين، ثم يحصل لهذا في نومه نعيم وراحة وأنس وسرور، والآخر بجواره يحصل له عذاب في نومه، ويحصل له حزن وخوف وذعر، وكل واحد لا يعلم ما بصاحبه، والناس الذين يكونون بجوارهما أيضاً لا يدركون الشيء الذي قد حصل لكل منهما، فهذه أمور مشاهدة في الحياة الدنيا تحصل للروح وللجسد، والنوم أخو الموت؛ لأنه يحصل للإنسان في نومه من هذه الأمور مثل ما يحصل له في موته وفي قبره من نعيم أو عذاب، فهذا مثال يوضح ما يجري في القبور، والناس لا يدركون كنهه وحقيقته في هذه الحياة الدنيا. قوله: [(قال: ويفتح له فيها مد بصره)]. أي: أن قبره يوسع ويكون حيث ينتهي بصره، ومعلوم أن القبور بالنسبة لما يعقله الناس متجاورة ومتلاصقة، لكن أمور الآخرة غيب كما عرفنا، فهذا يفتح له باب إلى الجنة، وهذا يفتح له باب إلى النار، وهذا يوسع له في قبره، وهذا يضيق عليه في قبره حتى تختلف أضلاعه، والله على كل شيء قدير، والواجب التصديق، وهذا من الإيمان بالغيب الذي مدح الله أهله، والغيب هو كل ما غاب عن الأبصار مما لا يعرف إلا بالشرع، قال تعالى في مدح أهله والثناء عليهم: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:١ - ٣]، فجعل من أول صفات المؤمنين أنهم يؤمنون بالغيب، وليس إيمانهم مبنياً على مشاهدة ومعاينة.

стр. 16313

سؤال الكافر في القبر وعذابه فيه قوله: [(قال: وإن الكافر -فذكر موته- قال: وتعاد روحه في جسده)] الروح تعاد إلى الجسد عند السؤال، ولها اتصال بالجسد وانفصال منه، وتكون على صورة طير كما جاء في الحديث: (أن نسمة المؤمن على صورة طير تعلق بالجنة، وأرواح الشهداء في أجواف طير خضر)، وهذا يدلنا على أن الروح تنعم وحدها، وأيضاً تنعم متصلة بالجسد، والعذاب والنعيم للروح والجسد كما عرفنا. قوله: [(ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري)]. أي أنه يسأل عن ربه فيخبر بأنه ليس عنده جواب، وأنه لا يدري ماذا يقول. قوله: [(فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري! فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري! فينادي مناد من السماء: أن كذب، فافرشوه من النار، وألبسوه من النار)]. كذب لأنه بلغته الرسالة، وبلغه العلم عن الرب والدين والنبي، ومع ذلك بقي على كفره، فيكون كاذباً أنه لا يدري، بل كان عالماً في الحياة الدنيا، ولكن الاستكبار والخذلان الذي حصلا له منعاه من الإيمان بالله ، والدخول في الدين، والشهادة بالألوهية لله ، والنبوة للرسول ﷺ ، فهو كاذب فيما يقول، وإلا فقد وصله العلم والخبر عن الله وعن الدين وعن النبي. ولهذا يؤتى له بالفراش من النار، والفراش هو الذي يكون تحته، ويلبس من النار، أي يكون له لباس من النار. قوله: [(وافتحوا له باباً إلى النار)]. فيأتيه من حرها وسمومها، فيكون معذباً فيها وهو في قبره، كما قال الله : ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]. قوله: [(ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه)]. وهذا مقابل المؤمن الذي وسع له في قبره حتى صار مد بصره، فهذا أفرش من الجنة، وهذا أفرش من النار، وهذا ألبس من الجنة وهذا ألبس من النار، وهذا فتح له باب من الجنة وهذا فتح له باب إلى النار، وهذا يوسع له قبره حتى يكون مد بصره، وهذا يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه والعياذ بالله! قوله: [(زاد في حديث جرير قال: ثم يقيض له أعمى أبكم معه مرزبة من حديد لو ضرب بها جبل لصار تراباً)]. ومن تعذيبه أيضاً أنه يضرب بهذه المرزبة التي لو ضرب بها الجبل لكان هذا حاله، ولذلك قال: (فيضربه بها ضربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين، فيصير تراباً، قال: ثم تعاد فيه الروح).

стр. 16314

تراجم رجال إسناد حديث البراء بن عازب في أسئلة القبر للمؤمن والكافر قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة]. عثمان بن أبي شيبة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي، وإلا النسائي فقد أخرج له في عمل اليوم والليلة. [حدثنا جرير]. جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ح: وحدثنا هناد بن السري]. هناد بن السري أبو السري، ثقة أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد ومسلم وأصحاب السنن. [حدثنا أبو معاوية]. محمد بن خازم الضرير الكوفي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [وهذا لفظ هناد عن الأعمش]. والأعمش هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن المنهال]. منهال بن عمرو، وهو صدوق أخرج له البخاري وأصحاب السنن. [عن زاذان]. وهو صدوق أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن. [عن البراء بن عازب]. البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه، وهو صحابي ابن صحابي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 16315

شرح حديث البراء في سؤال القبر من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هناد بن السري حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا الأعمش حدثنا المنهال عن أبي عمر زاذان قال: سمعت البراء عن النبي ﷺ قال فذكر نحوه]. ثم ذكر الحديث من طريق أخرى، وأحال على ما سبق وأنه نحوه. قوله: [حدثنا هناد بن السري حدثنا عبد الله بن نمير]. عبد الله بن نمير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا الأعمش حدثنا المنهال عن أبي عمر زاذان قال: سمعت البراء]. وقد مر ذكرهم.

стр. 16316

الأسئلة

стр. 16317

عذاب القبر غير خاص بهذه الأمة السؤال هل السؤال في القبر خاص بهذه الأمة؟ الجواب الأحاديث وردت بأنه يسأل عن هذا الرجل، والمراد به النبي ﷺ ، ولكن قول الله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧] يدل على أن الناس في قبورهم يسألون ويفتنون، وهي ليست خاصة بأمة محمد ﷺ ، ومعلوم أن هذه الأمة هي التي تسأل عن نبيها محمد ﵊، وهو الذي رسالته عامة إلى الثقلين؛ لكن الآية بعمومها تدل على أن التثبيت يحصل في الدنيا وفي الآخرة، ومعلوم أن ذلك لمن حصل منه الإيمان، سواء كان من هذه الأمة أو من غيرها.

стр. 16318

حكم من ينكر عذاب القبر السؤال ما حكم من ينكر عذاب القبر؟ الجواب معلوم أن إنكار عذاب القبر إنكار لشيء معلوم بالأحاديث الكثيرة المتواترة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فالذي يكون عالماً به يخشى عليه أن يكون كافراً؛ لأن هذا مما تواترت به الأحاديث وجاءت وجاء به القرآن في قوله : ((النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا))، فعذاب القبر ثابت في هذه الآية الكريمة في حق آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]. فالذي ينكر عذاب القبر فهو منكر لما جاء في القرآن، فتقام عليه الحجة ويبين له ما جاء في القرآن وما جاء في السنة، وإذا أصر على ذلك فالذي يظهر أنه يكون كافراً، لأنه مكذب بما جاء في القرآن، ومكذب بما جاء في السنن المتواترة.

стр. 16319

حصول العذاب لغير المقبورين السؤال قوله ﷺ هنا في الحديث: (إن المسلم إذا سئل في القبر) هل له مفهوم؟ الجواب ذكر القبر هنا ليس له مفهوم من ناحية أنه لا يسأل إلا من كان مقبوراً، بل كل واحد يسأل، ولكن ذُكر القبر لأن الغالب على الناس أنهم يقبرون، والحالات الأخرى التي هي غير الدفن في القبور ليست بشيء بالنسبة لمن يدفن، وذلك كمن تأكله السباع، أو يغرق في البحر، أو تأكله الحيتان، أو يحترق بالنار ولا يبقى له رفات، فلا يقال إن هذا يسلم من عذاب القبر، فإن عذاب القبر سيصل إلى من يستحقه وإلى من هو أهل له، سواء قبر أو لم يقبر، والله على كل شيء قدير، فهو قادر أن يوصل العذاب إلى من يستحقه وإن لم يقبر. وأمور البرزخ تختلف عن أمور الدنيا، فعلى الإنسان أن يؤمن بما جاء به الوحي ويؤمن بالغيب وإن لم يدرك الكنه والحقيقة، ولا يكون الإنسان مؤمناً بالمشاهدة والمعاينة فقط، بل عليه الإيمان بالغيب، ولهذا أخبر الرسول ﷺ بأن ما يجري في القبور من العذاب تسمعه البهائم، وقد سمعه الرسول ﷺ ، وأخفى الله ذلك عن الجن والإنس، ولو ظهر لهم ذلك وأدركوا ما يجري في القبور من الأهوال لما تدافنوا. وأيضاً: شاء أن يكون من الناس من يؤمن بالغيب، ومنهم من لا يؤمن إلا بالمشاهدة والمعاينة ولا يؤمن بالغيب، فشاء الله أن تكون أمور الآخرة غيباً، وأن يكون ما يجري في القبر غيباً، حتى يتميز من يكون موفقاً ومن يكون مخذولاً، ولو حصل للناس ما يجري في الآخرة لما صار الناس إلى هذا الانقسام الذي شاءه الله من شقي وسعيد، وقد قال النبي ﷺ : (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع)، كما ثبت في صحيح مسلم، ولو سمعوا ما يجري في القبور لأصابهم الذعر والخوف وقد يحصل لهم الموت ولا يدفن بعضهم بعضاً لكثرة من يموت بسبب ذلك، فالله شاء أن يخفى هذا على الناس وأن يتميز من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن بالغيب، ولهذا فإن البهائم والحيوانات تسمع بما يجري في القبور من العذاب، والجن والإنس لا يسمعون، كما جاء في بعض الأحاديث. فالحاصل أن العذاب يصل إلى كل من يستحقه سواء قبر أو لم يقبر، ولا يقال: كيف يصل إليه وقد تفرقت أجزاؤه في البحر أو في البر؟ فإن الله على كل شيء قدير، وأمور الآخرة تختلف عن الدنيا، والواجب التصديق بكل ما جاء به القرآن والسنة من كل غيب، وعدم التردد في ذلك. ومعلوم أيضاً أن من دفن فإن الأرض تأكله وتذهب أجزاؤه فيها، والله يعيد تلك الأجزاء من التراب: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق:٢ - ٣]، وقال الله : ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ [ق:٤]، يعني: فنحن نستخرجهم من الأرض، فجميع الذرات التي اختلطت بالتراب يستخرجها الله تعالى، ويعود الجسم كما كان، كما جاء في قصة الرجل الذي أسرف على نفسه وقال لأولاده: (إذا أنا مت فأحرقوني وذروا نصف الرماد في البر ونصفه في البحر، فأخشى إن قدر الله علي أن يعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، ففعلوا، فأمر الله البحر بأن أخرج ما فيه، والبر أخرج ما فيه، حتى عادت كل ذرة إلى مكانها). ثم أيضاً لو فتح القبر لم نر جنة ولا ناراً، مع أن الجنة والنار موجودتان، وقد أري رسول الله ﷺ الجنة والنار في صلاة الكسوف، ورأى العناقيد المتدلية، ومد يده، ورأى الصحابة يده تمتد ولم يروا ما مدت إليه؛ لأنهم ما رأوا الجنة، ولما عرضت عليه النار تكعكع ورجع القهقرى، ولما فرغ من صلاته سألوه فقال: (عرضت علي الجنة فرأيت عناقيد العنب متدلية، ومددت يدي لآخذ عنقوداً منها ثم تركته، ولو أخذت منه لأكلتم منه ما بقيت الدنيا)، ولكن الله شاء أن تكون أمور الآخرة غيباً ولا تكون علانية؛ ليتميز من يؤمن ومن لا يؤمن، ومن يكون من أهل الشقاء ومن يكون من أهل السعادة.

стр. 16320

انقطاع عذاب القبر ودوامه السؤال هل عذاب القبر دائم أم على حسب عمل الإنسان في الدنيا؟ الجواب منه ما هو دائم ومنه ما هو غير دائم، فالدائم كما جاء في القرآن في الكفار: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦] أي: فهم في عذاب مستمر، وإذا بعثوا انتقلوا من عذاب شديد إلى عذاب أشد، وأما في حق العصاة فلا يقال إنه دائم، فقد يمكن أن يحصل للإنسان نصيبه من العذاب في القبر وبعد ذلك يسلم، ولهذا فإن من مكفرات الذنوب ومن الأشياء التي يحصل بها التخلص من عذاب جهنم: عذاب القبر، فالإنسان يعذب في قبره فيكون ذلك هو نصيبه من العذاب، ثم بعد ذلك يدخل الجنة، وأيضاً: ورد ما يدل على التخفيف، كما جاء في قصة القبرين اللذين مر بهما الرسول ﷺ وهما يعذبان في ذنبين: فأحدهما كان لا يستبرئ من البول، والثاني كان يمشي بالنميمة، ثم أخذ جريدة رطبة وشقها نصفين، ووضع على كل قبر جريدة وقال: (لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا). وهذا الذي جاء في الحديث من خصائص الرسول ﷺ ، فلا يجوز لأحد بعده أن يضع زهوراً أو أن يضع شيئاً من الأشياء الرطبة أو النبات على قبر؛ لأن النبي ﷺ علم العذاب في القبر وعلم سبب العذاب، وغيره لا يعلم من يعذب ومن ينعم.

стр. 16321

عذاب القبر ونعيمه جزء من نعيم الجنة أو عذاب النار السؤال هل نعيم القبر وعذابه جزء من نعيم الجنة وعذاب النار؟ الجواب نعم، فقد جاء في الحديث أنه يفتح للمؤمن باب إلى الجنة فيأتيه من روحها ونعيمها، والكافر يفتح له باب إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها.

стр. 16322

فتنة القبر للموحد العاصي السؤال هل يمكن أن يجيب المسلم عن أسئلة القبر مع كونه كان مقصراً في الدنيا مع سلامة توحيده؟ الجواب نعم، فالجواب يوفق له من كان مؤمناً، وأما من كان كافراً أو منافقاً فهذا لا يجيب بالجواب الحسن أبداً. والذين ليس لهم إلا النار وليس لهم إلا العذاب هم المنافقون والكفار، وأما غيرهم من العصاة فيدخلون تحت مشيئة الله، فقد يتجاوز عن العاصي من عذاب القبر ومن عذاب النار، والله تعالى أعلم. والذي يعذب في القبر بالنميمة هو مسلم ولم يكن كافراً؛ لأنه لو كان كافراً لعذاب بعذاب الكفر، والتخفيف إنما يكون لمن يعذب بسبب ذنب، والجواب في القبر يرجى أن يحصل من كل مسلم؛ لكن لا يقال إن من أجاب بالجواب السديد يسلم من عذاب النار، وأن كل المسلمين الذين ليسوا منافقين ولا كفاراً لا يعذبون في القبر، بل يمكن أن يتجاوز الله عنهم فلا يعذبون في القبر ولا في النار، ويمكن أن يعذبوا بعذاب القبر ويكفيهم عن عذاب النار، ويمكن أن يحصل لهم عذاب القبر وعذاب النار، مثل أصحاب الكبائر الذين يدخلون في النار ثم يخرجون منها بشفاعة الشافعين، وبعفو أرحم الراحمين.

стр. 16323

لا يسأل الأنبياء في قبورهم السؤال هل يسأل الأنبياء في القبر؟ الجواب الأنبياء -كما هو معلوم- هم الذين يسأل المكلف عنهم في القبور.

стр. 16324

الحكمة من كون الملك الذي يعذب الكافر في القبر أعمى أبكم السؤال ما الحكمة من كون الملك الذي يعذب الكافر في قبره أعمى أبكم؟ الجواب قالوا: يكون أعمى أبكم حتى لا يرحمه؛ لأنه إذا كان يرى أو يسمع فقد يكون فيه شيء من الرحمة، ولكنه إذا كان لا يرى ولا يسمع فإنه يحصل منه العذاب، وليس عنده مجال للرحمة.

стр. 16325

مدى صحة القول بأن عذاب القبر يستمر أربعين ليلة السؤال نجد في بعض الكتب: أن عذاب القبر يستمر أربعين ليلة، فهل يصح هذا؟ الجواب لا نعلم شيئاً يدل على هذا، فهذه أمور غيبية لا يجوز الكلام فيها إلا بدليل.

стр. 16326

الدعاء للميت بعد دفنه جماعياً السؤال عندنا في البلاد إذا مات شخص يقوم أحد العلماء بعد دفنه ويدعو له والباقون يؤمنون، فهل هذه الطريقة صحيحة أم لا؟ الجواب الطريقة الصحيحة أن يدعو كل واحد للميت بأن يثبته الله وأن يغفر له؛ هذا هو الذي ثبت عن رسول الله ﷺ ، وأما أن يأتي واحد ليدعو والناس يؤمنون فلا.

стр. 16327

حكم تلقين الميت في القبر السؤال في بعض البلاد بعد أن يدعو الناس للميت يخاطبه أحدهم: يا فلان! إذا سئلت عن كذا فأجب بكذا؟ الجواب هذا شيء مع كونه غير صحيح لا فائدة من ورائه، لأن الإجابة عن أسئلة القبر لا تنبني على التلقين وأنه يقال له: اعمل كذا ولا تعمل كذا، فهذا أمر قد انتهى، والجواب إنما يكون سديداً بتثبيت الله .

стр. 16328

كشف عذاب القبر لبعض الناس السؤال ما قولكم فيما يروى عمن كشف له عن بعض عذاب القبر، كمن رأى قبراً يعذب صاحبه بعذاب معين، ومثل هذا موجود في كتب ابن القيم وغيره؟ الجواب إذا صح ذلك أو ثبت فإنه ممكن، وهو شيء موجود يمكن أن يطلع عليه، لكن ليس كل خبر يذكر يصدق، فقد تروى أخبار وليس لها أساس.

стр. 16329

حكم التقليد في الاعتقاد السؤال استدل بعض أهل العلم بحديث فتنة القبر وعدم إجابته على أنه لا يجوز التقليد في الأمور العقدية، والشاهد منه قوله: (سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته)، فهل هذا صحيح؟ الجواب هذا وارد في التقليد في الشر، فالذي يجيب بأنه سمع الناس يقولون شيئاً فقاله إنما هو فيما يتعلق بالكفر: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢] فهذه هي الطريقة التي كانوا عليها.

стр. 16330

الدفن في البقيع لا يشفع للإنسان السؤال من كان مستحقاً للعذاب في القبر لكنه دفن في جنة البقيع، فهل يسلم لبركة المكان؟ الجواب جاء عن أحد الصحابة أن البلاد لا تقدس أهلها، وإنما يقدس الإنسان عمله. ولو دفن في البقيع شخص كافر أو منافق فهل ينفعه كونه دفن في البقيع؟ الجواب لا ينفعه ذلك، وإنما ينفع الإنسان إيمانه وعمله الصالح، والمهم في الأمر أن يقدم الإنسان لنفسه عملاً صالحاً يلقاه، وسواء دفن في البقيع أو في غير البقيع، وأما أن يبتعد عن الله ثم يقول إن البقيع يشفع له، فهذه أماني كاذبة، وهذا من تلاعب الشيطان بالإنسان. وقول السائل: (جنة البقيع) هذه من تعبير بعض عوام العجم، فهم يقولون: هذه جنة البقيع.

стр. 16331

تخفيف العذاب عن الميت بالصدقة عنه السؤال هل الصدقة عن الميت تؤثر في تخفيف العذاب عنه في قبره مثلاً؟ الجواب يرجى ذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: (اتقوا النار ولو بشق تمرة).

стр. 16332

وضع الميت في صندوق في السواحل السؤال في بلادنا يوجد بعض الأماكن التي تقع في ساحل البحر إذا حفروا قبراً وجدوا الماء قريباً جداً، فلجئوا إلى إدخال الميت في صندوق ثم يضعونه في قبره، فما الحكم؟ الجواب الذي ينبغي أن يدفن في مكان بعيد من البحر إن أمكن ذلك، وأما إذا كانت الأرض كلها كذلك، وكان الأمر يقتضي ذلك، فلا بأس.

стр. 16333

معنى صلاة الميت في قبره السؤال جاء عند ابن ماجة وصححه الشيخ الألباني ﵀ (أن الشمس تمثل للمسئول عند الغروب في قبره، فيقول للملكين: دعاني أصلي! فيقولان: ستفعل) فما المراد بالصلاة هنا؟ الجواب الله تعالى أعلم، لكن الصلاة هنا قد تكون بمعنى الدعاء، كما جاء في الحديث أن موسى ﵇ يصلي في قبره كما ثبت في الصحيح، فإذا ثبت ما ذكره السائل فيمكن أن يكون من هذا القبيل.

стр. 16334

تخصيص ليلة النصف من شعبان بفضيلة السؤال هل توجد فضيلة لليلة النصف من شعبان ويومها؟ الجواب ليلة النصف من شعبان لم يرد فيها شيء ثابت عن رسول الله ﷺ ، والإنسان عليه أن يكون دائماً وأبداً على صلة بالله وأن يعبد الله دائماً، فلا يخص شيئاً من الليالي والأيام إلا وفقاً للدليل، وإذا لم يأت دليل يدل على تخصيص بعض الليالي وبعض الأيام فإن على الإنسان أن يتقيد بما جاء في النصوص، فلا يحدث شيئاً ولا يعمل شيئاً لم تأت به النصوص عن رسول الله ﵊، ولم يثبت في ليلة النصف من شعبان شيء. ولشيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه رسالة اشتملت على أربع رسائل: رسالة الاحتفال بالنصف من شعبان، والاحتفال بالإسراء والمعراج، والاحتفال بالمولد النبوي، ورؤيا خادم الحجرة، وهي الرؤيا المكذوبة التي تروج بين حين وآخر، وهي مشتملة على الباطل والكذب. فهذه الرسائل الأربع طبعت تحت عنوان التحذير من البدع، وقد ذكر أن ليلة النصف من شعبان لم يثبت فيها سنة عن رسول الله ﵊، والإنسان عليه أن يكون متبعاً وألا يكون مبتدعاً، فالشيء الذي ورد يأخذ به، والذي لم يرد يمسك عنه، فقد قال ﵊: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وقال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).

стр. 16335

من الذي ينفخ في الصور السؤال ذكرتم أنه لم يرد نص في أن إسرافيل هو الذي ينفخ في الصور، وقد بحثت فيما بين يدي من المصادر فوقفت على ما يلي: أولاً: في حديث الصور الطويل تسمية الذي ينفخ في الصور بأنه إسرافيل. ثانياً: روى الطبراني في الأوسط تسميته أيضاً بإسرافيل، وقال الهيثمي: إسناده حسن. ثالثاً: في كتاب العظمة لـ أبي الشيخ بن حيان رويت آثار عن بعض السلف بأنه إسرافيل. رابعاً: قال الطبري في تفسيره: تظاهرت الروايات عن الرسول ﷺ بأنه إسرافيل؟ الجواب قال ابن كثير في التفسير عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:٧٣] إنه لا يعلم وجوده في الصحيح، وأما حديث الصور فمعلوم أن فيه كلاماً، وأما هذا الذي ذكره عند الطبراني في الأوسط فنحتاج إلى معرفة مكانه منه؛ حتى يُعرف هل هو ثابت أو غير ثابت، فأنا لا أعلم شيئاً فيما يتعلق بأن إسرافيل ينفخ في الصور، وهو معروف مشهور عند الناس، ومشهور في كتب أهل العلم أنه إسرافيل. وأيضاً كما قلت في التعليل في توسل النبي ﷺ بربوبية الله جبريل وميكائيل وإسرافيل يذكر بعض أهل العلم أنهم موكلون بأنواع الحياة الثلاث، وأن إسرافيل موكل بالنفخ في الصور، ولكن الشأن في الحديث الذي يثبت في ذلك.

стр. 16336

شرح سنن أبي داود [٥٤٠] الميزان من أمور يوم القيامة الثابتة بالكتاب السنة، فقد وردت الآيات والسنن بوزن الأعمال؛ لإقامة الحجة على الناس، وإظهار عدل الله، ولذا فلا ينكره إلا الضلال التاركين للسنة. والدجال من علامات الساعة الكبرى ويكون خروجه آخر الزمان لورود الأحاديث الصحيحة بذلك، وما من نبي إلا حذر قومه منه، وقد ذكر فيه نبينا ﵊ ما لم يذكره نبي قبله.

стр. 16337

ذكر الميزان

стр. 16338

شرح حديث عائشة في ذكر الميزان قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في ذكر الميزان. حدثنا يعقوب بن إبراهيم وحميد بن مسعدة أن إسماعيل بن إبراهيم حدثهم قال: أخبرنا يونس عن الحسن عن عائشة (أنها ذكرت النار فبكت، فقال رسول الله ﷺ : ما يبكيك؟ قالت: ذكرت النار فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحداً: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أو يثقل، وعند الكتاب حين يقال: ﴿هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩] حتى يعلم أين يقع كتابه أفي يمينه أم في شماله أم من وراء ظهره، وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم). قال يعقوب: عن يونس، وهذا لفظ حديثه]. أورد أبو داود باب في الميزان، والميزان هو الذي توزن به أعمال العباد، وتعرف به مقاديرها من حيث الرجحان وعدمه، والميزان له كفتان كما جاء في حديث البطاقة والسجلات. والوزن إنما هو لإظهار عدل الله ، وأن كلاً يجازى بما يستحقه، وأنه لا يظلم بحيث ينقص من حسناته أو يزاد في سيئاته، وليس الوزن من أجل أن يعلم الله الراجح من المرجوح، فإن الله تعالى عالم بكل شيء. وبعض الفرق الضالة أنكرت الميزان من جهة العقل فقالوا: إن الميزان يحتاج إليه البقال، والناس هم الذين يحتاجون إلى معرفة الراجح والمرجوح، والله لا يحتاج إلى ذلك، لعلمه بكل شيء، وهذا هو البلاء الذي حصل لمن ابتلي من المبتدعة، بأن قاس الله على خلقه، ففر من إثبات شيء ثابت بحجة أن ذلك يكون فيه مشابهة، مع أن الله لا يشبه شيئاً من خلقه، وما يضاف إلى الله فإنه على ما يليق به، وما يضاف إلى المخلوقين فعلى ما يليق بهم، والوزن إنما هو من أجل العباد، وليس من أجل شيء يرجع إلى الله . وقد جاءت الآيات في كتاب الله والأحاديث في سنة رسول الله ﷺ مثبتة لذلك، ومن ذلك حديث البطاقة والسجلات الذي يدل على أن له كفتين، ومن ذلك قول الله : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]. وفي آخر حديث في صحيح البخاري عن أبي هريرة: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، وكذلك قوله ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري: (الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن -أو تملأ- ما بين السماء والأرض). وعلى هذا فالوزن ثابت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وأورد أبو داود حديث عائشة ﵂ (أنها ذكرت النار فبكت، فقال رسول الله ﷺ : ما يبكيك؟ قالت: ذكرت النار فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة)؟ والحديث من رواية الحسن عن عائشة بالعنعنة وهو مدلس، ولا أدري هل روايته عن عائشة متصلة أو غير متصلة، لكن سواء روى عنها أم لم يرو فما دام أن ذلك بالعنعنة وهو مدلس فإن ذلك يقدح في الرواية. وأيضاً من ناحية المعنى وأنهم لا يذكرون أهليهم، فهم من حين يخرجون من قبورهم وهم في أمر يذهل بعضهم عن بعض، ولهذا جاء في الحشر أنهم يخرجون حفاة عراة غرلاً، قالت عائشة ﵂: (الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: الأمر أعظم من أن يهمهم ذلك) يعني: أنهم لا يفكرون بالشهوات واللذات وما كان يجري في الدنيا من فتنة الرجال بالنساء والنساء بالرجال؛ لأنهم في حال أكبر من أن يفكروا بهذا الأمر، فهذا كما هو معلوم مما ينسيهم أهليهم، فكل مشغول بنفسه وكل يقول: نفسي نفسي! وأيضاً أولو العزم من الرسل كل واحد منهم يقول في ذلك الموقف: نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، ولا يشفع! فقصْرُه نسيان الأهل على هذه المواقف الثلاثة مع أن الذهول موجود من حين الموقف يدل على أن في المتن نكارة، والإسناد فيه تدليس.

стр. 16339

تراجم رجال إسناد حديث عائشة في ذكر الميزان قوله: [حدثنا يعقوب بن إبراهيم]. يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وكذلك هو ومحمد بن بشار ومحمد بن المثنى من صغار شيوخ البخاري، وهم من شيوخ أصحاب الكتب الستة، وقد مات الثلاثة في سنة واحدة، وهي سنة مائتين واثنتين وخمسين، أي قبل وفاة البخاري بأربع سنوات. [وحميد بن مسعدة]. صدوق أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [أن إسماعيل بن إبراهيم]. إسماعيل بن إبراهيم ابن علية، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا يونس]. يونس بن عبيد، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الحسن]. الحسن بن أبي الحسن البصري، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عائشة]. عائشة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ . [قال يعقوب: عن يونس، وهذا لفظ حديثه]. أي أن يعقوب عندما ساق الإسناد ذكر أن ابن علية عنعن عن يونس، أي: أن لفظ الإخبار إنما هو لـ حميد بن مسعدة، وأما لفظ المتن فلـ يعقوب.

стр. 16340

الأسئلة

стр. 16341

ذكر ما يوزن يوم القيامة السؤال ما هو الذي يوزن يوم القيامة؟ الجواب توزن الأعمال وتوزن الصحائف، وقيل أيضاً: إنه يوزن الإنسان نفسه، كما جاء في قصة عبد الله بن مسعود ﵁ أن ساقه أثقل من جبل أحد.

стр. 16342

هل تتعدد الموازين السؤال هل هو ميزان واحد أم أنها موازين متعددة؟ الجواب الله أعلم، لكن كما هو معلوم أن الله على كل شيء قدير، والمهم أن الوزن يحصل سواء كان الميزان واحداً أو متعدداً، وكونه واحداً أيضاً ليس فيه إشكال، كما أن الله يسأل الناس واحداً واحداً، ومعلوم أن أمور الآخرة تختلف عن أمور الدنيا. وقوله تعالى: ((وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ)) وقوله: ((خَفَّتْ مَوَازِينُهُ)) لا تعني أنه لا بد وأن تكون الموازين جمعاً؛ لأنه من الممكن أن يكون واحداً ممكن، فليس ذلك بمستحيل من ناحية العقل.

стр. 16343

كيف توزن الأعمال السؤال كيف يوزن العمل مع أنه أمر معنوي؟ الجواب تقلب الأعراض أعياناً فتوزن، وهذا مثل الكلام الذي هو صفة للإنسان وليس له جرم، ولكن الله تعالى يقلب الأعراض ويجعلها أعياناً تقبل الوزن.

стр. 16344

وزن أعمال الكفار السؤال هل توزن أعمال الكفار مع العلم بأنهم من أهل النار، أم أنها توزن فقط لإقامة الحجة عليهم؟ الجواب معلوم أن الكفار ليس لهم حسنات حتى توضع في كفة والسيئات في كفة، والذي يحصل لهم هو الحساب، وذلك أنهم يقررون عليها ويقال: عملت كذا وحصل منك كذا وكذا، وفي ذلك زيادة تبكيت وتقريع لهم. وقد جاء في القرآن: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٣]، والكفار هم الذين يخلدون في النار، وأما من ناحية الوزن والمقابلة بين كفة وكفة فليس عندهم حسنات حتى تكون في الكفة الثانية.

стр. 16345

الترتيب بين الصراط والميزان والحوض السؤال ما هو الترتيب الصحيح بين الصراط والميزان والحوض؟ الجواب الذي يبدو أن الحوض في عرصات القيامة قبل الميزان، والميزان يكون بعد الحساب، والحساب يكون في إنهاء الموقف الذي يموج فيه الناس بعضهم في بعض ويستشفعون، ويأتي الله لفصل القضاء بينهم بالحساب، وعندما يثبت العمل ويكون جاهزاً فعند ذلك يأتي الوزن من أجل أن يوقف العباد على عدل الله ، وبعد الميزان الصراط؛ لأن الصراط ليس بعده إلا النار أو الجنة، وهو فوق النار، ومن جاء على ظهره يريد العبور إلى الجنة فإنه يقع في النار إذا كان من أهلها، وإذا كان ممن وفقه الله فإنه يتجاوز الصراط على الكيفية التي يتفاوت الناس فيها بالسير على الصراط، وذلك حسب أعمالهم، وعلى هذا فالحوض أولاً، والميزان بعده، والصراط بعد ذلك، وذكر بعضهم لترتيبها لفظ: (حمص).

стр. 16346

للميزان كفتان لا لسان السؤال هل للميزان كفتان ولسان؟ الشيخ: أما أن له لساناً فلا أعلم ذلك؛ لأن الإنسان لا يعرف عن ذلك شيئاً، وإنما له كفتان كما جاء في حديث البطاقة والسجلات.

стр. 16347

الدجال

стр. 16348

شرح حديث أبي عبيدة في ذكر الدجال قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الدجال حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن خالد الحذاء عن عبد الله بن شقيق عن عبد الله بن سراقة عن أبي عبيدة بن الجراح قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (إنه لم يكن نبي بعد نوح إلا وقد أنذر الدجال قومه، وإني أنذركموه، فوصفه لنا رسول الله ﷺ وقال: لعله سيدركه من قد رآني وسمع كلامي! قالوا: يا رسول الله! كيف قلوبنا يومئذ أمثلها اليوم؟ قال: أو خير)]. أورد بعد ذلك أبو داود باباً في الدجال، والدجال: هو إنسان من بني آدم يخرج في آخر الزمان، ويكون ذلك قرب قيام الساعة في زمن عيسى بن مريم ﵊، ويكون موجوداً قبل أن ينزل عيسى، ويكون أيضاً في زمن المهدي، فقد جاء في الحديث أن عيسى بن مريم يصلي وراء إمام المسلمين، وقد جاء في بعض الأحاديث أنه المهدي، ثم بعد ذلك يخرج الدجال ويقتله عيسى بباب لد، فهو من علامات الساعة التي تكون في آخر الزمان، وهو فتنة عظيمة، ويأتي الناس بأمور عجيبة غريبة فيفتنون به، وقد أعطي القدرة على الانتقال، فجاء أن سيره في الأرض كالغيث استدبرته الريح، ويطوف المدن ولا يمنع من شيء منها إلا من مكة والمدينة، ويأتي الناس بجنة ونار، وناره جنة وجنته نار، ولا يستطيع دخول المدينة بل تمنعه الملائكة من دخولها، وجاء في الحديث أنها ترجف ثلاث رجفات فيخرج إليه كل كافر وكافرة وكل منافق ومنافقة، ويتبعونه. وقد جاء فيه أحاديث كثيرة متواترة في الصحيحين وفي غير الصحيحين، وقد جاء أن الأنبياء حذروا أممهم منه، وحذر النبي ﷺ أمته منه، وجاء عنه أحاديث تدل على أنه قريب جداً، وقد جاء أنه قال: (إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه، وإلا فكل امرئ حجيج نفسه)، ولعل هذا كان قبل أن يعلم أن وقته متأخر؛ لأنه جاء عنه ﵊ نصوص تدل على تأخر وقته، وعلى وجود أمور تقع قبل وقته، فما جاء من الأحاديث يحمل على أنه لم يكن قد أوحي إليه بالوقت الذي يخرج فيه بالتحديد، ولكنه قريب، فقد أخبر ﵇ أنه بعث والساعة كهاتين، والدجال من علامات الساعة، ولكن جاء في بعض الأحاديث ما يدل على قربه، وأنه قد يخرج وهو فيهم، وقد يخرج وهو ليس فيهم، وجاءت بعد ذلك نصوص تدل على أنه لا يخرج وهو فيهم، وإنما يكون في وقت متأخر، وأن عيسى هو الذي يتولى قتله، ويكون ذلك في أمور ليست متصلة بزمانه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. وأورد أبو داود حديث أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح رضي الله تعالى عنه. قوله: [(إنه لم يكن نبي بعد نوح إلا وقد أنذر الدجال قومه)]. يعني: أنذرهم فتنة الدجال. قوله: [(وإني أنذركموه، فوصفه لنا رسول الله ﷺ وقال: لعله سيدركه من قد رآني وسمع كلامي)]. معناه: أنه قد يخرج في زمن قريب، وأن الذين رأوا الرسول ﷺ وصحبوه قد يدركونه ويرونه، وهذا يشبه الحديث الذي قال: (إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه، وإلا فكل امرئ حجيج نفسه). قوله: [(قالوا: يا رسول الله! كيف قلوبنا يومئذ، أمثلها اليوم؟ قال: أو خير)]. أي: كيف تكون قلوبنا يوم خروج الدجال من ناحية الثبات؛ لأنه إذا جاء بالفتنة فإن بعض الناس سيتأثر ويتغير ما في نفسه، لأنه يرى أموراً مذهلة. وهنا أشار إلى أن قلوبهم مثل الآن أو خير، أي: أنهم سيثبتون ولا يحصل لهم الافتتان به، فلا يصدقونه ويتبعونه، وقد أخبرهم النبي ﷺ عن أخباره، وأن جنته نار وناره جنة. والحديث ضعفه الألباني؛ ففي إسناده عبد الله بن سراقة قال البخاري: إنه لم يسمع من أبي عبيدة.

стр. 16349

تراجم رجال إسناد حديث أبي عبيدة في ذكر الدجال قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل]. موسى بن إسماعيل التبوذكي، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا حماد]. حماد بن سلمة بن دينار البصري، ثقة أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن خالد الحذاء]. خالد بن مهران الحذاء، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الله بن شقيق]. وهو ثقة أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن. [عن عبد الله بن سراقة]. عبد الله بن سراقة وثقه العجلي، وقال البخاري: إنه لم يسمع من أبي عبيدة، أخرج له أبو داود والترمذي. الملقي: [عن أبي عبيدة بن الجراح]. أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح رضي الله تعالى عنه، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 16350

شرح حديث ابن عمر في ذكر الدجال قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مخلد بن خالد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: (قام النبي ﷺ في الناس فأثنى على الله بما هو أهله، فذكر الدجال فقال: إني لأنذركموه، وما من نبي إلا قد أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه، ولكني سأقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه: تعلمون أنه أعور وأن الله ليس بأعور)]. أورد أبو داود حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن الرسول ﷺ خطب الناس وحذرهم من فتنة الدجال، وذكر لهم أنه ما من نبي إلا وقد أنذره قومه، وأنه ﷺ سيقول فيه قولاً ما قاله نبي قبله، ومعنى ذلك أن الله تعالى قد أعطاه من العلم ما لم يعطه أحداً قبله من الأنبياء الذين أنذروا أقوامهم إياه، فإنه قد وصفه لهم في حديثه هذا أنه أعور والله ليس بأعور، وهو يدعي الألوهية، ومع ذلك فهو يحمل شاهداً يدل على كذبه، وهو أنه لا يستطيع أن يغير هذا الأمر الذي فيه من التشويه والهيئة القبيحة. والحديث يدل على أن هذا الكلام الذي جاء في آخر الحديث والذي أخبر النبي ﷺ أصحابه به ليس مما كان عند الأنبياء السابقين، وإنما أطلعه الله عليه. وهو يدل أيضاً على وصف الله بأن لله عينين، وهو من الأدلة التي يستدل بها أهل السنة والجماعة على إثبات العينين لله ، لأنه قال: (إن ربكم ليس بأعور)، والعور هو ألا يكون معه إلا عين واحدة، والله له عينان.
следующие страницы →