Полный текст (18 341 стр.). Показаны 16381–16420 · переход к 16386.
стр. 16381
شرح سنن أبي داود [٥٤٢]
جاء الإسلام بجمع الكلمة على إمام، وقد أخبر الرسول ﷺ عن أقوام يأتون بعده، يخرجون على إمام المسلمين بالسيف، ووصفهم بالاجتهاد في العبادة، والفساد في العقيدة، حيث يقتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان، ويكثرون من الصلاة والصيام، وقراءة القرآن، وأن فيهم رجلاً مثدون اليد هو علامة عليهم.
وقد توعدهم النبي ﷺ بالعذاب وذمهم، وأمر بقتالهم، وذكر الفضل العظيم في ذلك، مما جعل علياً ﵁ يقدم قتالهم على قتال أهل الشام.
стр. 16382
قتال الخوارج
стр. 16383
شرح حديث أن من علامة الخوارج مودن اليد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في قتال الخوارج.
حدثنا محمد بن عبيد ومحمد بن عيسى المعنى، قالا: حدثنا حماد عن أيوب عن محمد عن عبيدة: أن علياً ذكر أهل النهروان فقال (فيهم رجل مودن اليد أو مخدج اليد أو مثدون اليد، لولا أن تبطروا لنبأتكم ما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد ﷺ قال: قلت: أنت سمعت هذا منه؟ قال: إي ورب الكعبة!)].
أورد أبو داود باباً في قتال الخوارج، وكان الباب الماضي في قتل الخوارج، والقتل كما هو معلوم يكون بدون قتال، وأما القتال فإنه على الذين برزوا وسلوا السيوف وأرادوا المقاتلة.
فالقتال يكون من الجانبين، والقتل يكون من جانب واحد عندما يقتضي الأمر ذلك، ولا يندفع الشر إلا به.
وهنا أورد أبو داود ﵀ عدة أحاديث في قتال الخوارج أولها حديث علي ﵁ أنه ذكر أهل النهروان فقال: (فيهم رجل مودن اليد أو مخدج اليد أو مثدون اليد)].
والنهروان: هو محل الموقعة التي حصلت بينه وبين الخوارج، والتي قتل فيها الكثير منهم.
والمودن اليد: قصيرها، أي: أن يده قصيرة، وفي طرفها قطعة من اللحم لها حلمة كلحمة ثدي المرأة، فهذه صفة لرجل منهم.
قوله: [(لولا أن تبطروا لنبأتكم ما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد ﷺ ].
أي: أنه خاف عليهم البطر، وهو أن يحصل منهم تجاوز للحد في قتالهم من أجل أن يستأصلوهم ولا يبقوا على أحد منهم؛ لأنه ورد وعد عظيم في قتالهم، ولكن إذا حصل منهم أن تركوا وكفوا واستسلموا فإنه يمسك عنهم، فلعلهم أن يرجعوا.
قوله: [(قلت: أنت سمعت هذا منه؟ قال: إي ورب الكعبة)].
أراد عبيدة السلماني أن يتحقق من علي أنه سمع هذا منه، فأقسم علي ﵁ برب الكعبة على أنه سمع من رسول الله ﷺ .
стр. 16384
تراجم رجال إسناد حديث أن من علامة الخوارج مودن اليد
قوله: [حدثنا محمد بن عبيد].
محمد بن عبيد بن حساب، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي.
[ومحمد بن عيسى].
محمد بن عيسى الطباع ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة.
[حدثنا حماد].
وهو حماد بن زيد، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أيوب].
أيوب بن أبي تميمة السختياني، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد].
محمد بن سيرين، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيدة].
عبيدة بن عمرو السلماني، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أن علياً].
علي ﵁، أمير المؤمنين، ورابع الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
стр. 16385
شرح حديث أبي سعيد في قتال الخوارج
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن أبيه عن ابن أبي نعم عن أبي سعيد الخدري قال: (بعث علي ﵁ إلى النبي ﷺ بذهيبة في تربتها، فقسمها بين أربعة: بين الأقرع بن حابس الحنظلي ثم المجاشعي، وبين عيينة بن بدر الفزاري، وبين زيد الخيل الطائي، ثم أحد بني نبهان، وبين علقمة بن علاثة العامري، ثم أحد بني كلاب، قال: فغضبت قريش والأنصار وقالت: يعطي صناديد أهل نجد ويدعنا؟! فقال: إنما أتألفهم.
قال: فأقبل رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناتئ الجبين، كث اللحية، محلوق، قال: اتق الله يا محمد! فقال: من يطيع الله إذا عصيته؟ أيأمنني الله على أهل الأرض ولا تأمنوني؟ قال: فسأل رجل قتله أحسبه خالد بن الوليد، قال: فمنعه، قال: فلما ولى قال: إن من ضئضىء هذا أو في عقب هذا قوماً يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتهم قتلتهم قتل عاد)].
أورد بعد ذلك حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (بعث علي ﵁ إلى النبي ﷺ بذهيبة في تربتها).
يعني: في ترابها ما نقيت ولا صفيت.
قوله: [(فقسمها بين أربعة)] يعني ممن أسلموا حديثاً يريد أن يتألفهم على الإسلام، ويريد أن يثبت الإيمان في قلوبهم وأن يقوى إيمانهم؛ حتى يسلم بإسلامهم الفئام الكثيرة من الناس الذين يتبعونهم على ما هم عليه من الحق أو الباطل.
فيريد أن يحسن إسلامهم، حتى يسلم أولئك الذين يتبعونهم في الشر، فيكونون تابعين في الخير، فحصل في نفوس القرشيين والأنصار من ذلك شيء وقالوا: يعطي هؤلاء ويدعنا، فبين ﷺ السبب الذي أعطاهم من أجله؛ وهو أنه يتألفهم على الإسلام حتى يتبعهم الفئام الكثيرة من الناس.
وهذا من حرصه ﷺ على هداية الناس، وعلى خروجهم من الظلمات إلى النور؛ فإنه أعطى هؤلاء المتبوعين من أجل أن يحسن إسلامهم، ومن أجل أن يتبعهم أتباعهم في الخير كما كانوا يتبعونهم من قبل بالشر.
ثم أنه جاء رجل غائر العينين، ناتئ الوجنتين، كث اللحية، محلوق الرأس، وقال: اتق الله يا محمد! فرد عليه الرسول ﵊ وقال: (من يطيع الله إذا عصيته؟!) أي: إذا لم أتقه أنا فمن يطيعه؟! ومعلوم أن الناس الذين يطيعون الله إنما حصلت لهم هذه الفائدة من اتباعهم للرسول ﷺ ، وسيرهم على منهاجه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وقوله: [(أيأمنني الله على أهل الأرض ولا تأمنوني؟!)].
يعني: يأمنني الله بأن بعثني إليهم، وجعلني أدعوهم إلى الهدى، وإلى الخروج من الظلمات إلى النور، ولا تأمنوني أنتم فيما يكون بين يدي أقسمه على حسب المصلحة، وعلى حسب الفائدة التي ترجع للإسلام والمسلمين؟! قوله: [(محلوق)] ومن أوصاف الخوارج أنهم يتميزون بحلق الرءوس، ومعلوم أن حلق الرءوس يمكن أن يكون من غيرهم، ولا يلزم أن يكون كل من حلق رأسه خارجياً، ولكن هذا شأنهم وهذه طريقتهم، أنهم يلتزمون التحليق، ولكن الحلق يمكن أن يحصل من غيرهم ولا يقال الفاعل ذلك: إنه خارجي؛ لأنه جاء في بعض الأحاديث ما يدل عليه؛ وهو أنه رأى صبياً قد حلق بعض رأسه وترك بعضه فقال: (احلقه كله أو دعه كله)، فيدل هذا على جواز الحلق، وعلى أنه سائغ.
قوله: [(قال: فسأل رجل قتله، أحسبه خالد بن الوليد)].
أي: سأل خالد قتل هذا الرجل الذي قال هذا الكلام للرسول ﷺ ، لكنه ﷺ منعه من ذلك.
قوله: [(فلما ولى قال: إن من ضئضىء هذا أو في عقب هذا قوماً يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم)].
أي: إن من نسله قوماً يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ومعناه أن عندهم عبادة، وعندهم قراءة للقرآن، ولكنه لا يجاوز تراقيهم؛ لما ابتلوا به من الانحراف عن الجادة والخروج عن المنهج القويم والصراط المستقيم، والمراد بذلك: الخوارج الذين خرجوا على علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
قوله: [(يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان)].
أي: هذا شأنهم، قد خرجوا على الإمام وقاتلوه؛ لأنه رأى التحكيم، وقالوا: لا حكم إلا لله، وهي كما قال علي: كلمة حق أريد بها باطل! فيكون شأنهم أنهم يتجهون بالقتل إلى أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان.
قوله: [(فإن أنا أدركتهم قتلتهم قتل عاد)].
ومعلوم أن الله أهلك عاداً بالريح، والمقصود من ذلك أن يستأصلهم ويقضي عليهم إذا أدركهم، وقد أخبر ﷺ بأنه تقتلهم أولى الطائفتين بالحق، وقد قتلهم علي ﵁.
стр. 16386
تراجم رجال إسناد حديث أبي سعيد في قتال الخوارج
قوله: [حدثنا محمد بن كثير].
محمد بن كثير العبدي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا سفيان].
سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
سعيد بن مسروق الثوري، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن أبي نعم].
وهو عبد الرحمن بن أبي نعم، وهو صدوق أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سعيد الخدري].
سعد بن مالك بن سنان الخدري، صاحب رسول الله ﵊، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 16387
شرح حديث أنس وأبي سعيد في قتال الخوارج
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا نصر بن عاصم الأنطاكي حدثنا الوليد ومبشر -يعني ابن إسماعيل الحلبي - بإسناده عن أبي عمرو قال: -يعني الوليد - حدثنا أبو عمرو قال: حدثني قتادة عن أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: (سيكون في أمتي اختلاف وفرقة، قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية لا يرجعون حتى يرتد على فوقة، هم شر الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء، من قاتلهم كان أولى بالله تعالى منهم.
قالوا: يا رسول الله! ما سيماهم؟ قال: التحليق)].
أورد أبو داود حديث أنس بن مالك وأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما، وهو يتعلق بالخوارج وقتالهم.
قوله: [(سيكون في أمتي اختلاف وفرقة)].
وهذا الافتراق والاختلاف قد حصل بين أهل العراق وأهل الشام، فأهل العراق مع علي ﵁ وهو خليفة المسلمين، وأهل الشام مع معاوية ﵁ الذي أراد أن يقتص من قتلة عثمان أولاً، وكان علي ﵁ رأى أن المصلحة، أن يتم اتفاق الكلمة أولاً، ثم بعد ذلك يتصرف بالتصرف المطلوب أو الذي ينبغي، وكل وقف عند رأيه، وحصلت الفرقة واستمر الأمر على ذلك حتى حصل الاتفاق بجمع الكلمة على يد الحسن بن علي ﵁، الذي أخبر عنه الرسول ﷺ قال: (إنه سيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين).
وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين، تقتلهم أولى الطائفتين بالحق).
قوله: [(قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل)].
أي: يحسنون القول ويسيئون الفعل، فالقول مثل القراءة، ولكن يسيئون الفعل، بكونهم خرجوا على الإمام ونابذوا المسلمين وتصدوا لهم وقاتلوهم.
قوله: [(يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية لا يرجعون حتى يرتد على فوقة)].
الفوق بضم الفاء موضع الوتر من السهم.
وهذا تعليق بالمحال فإن ارتداد السهم على الفوق محال، ورجوعهم إلى الدين أيضاً محال.
وهذه إشارة إلى شدة تمسكهم بالباطل وإصرارهم عليه، وتمكنه من نفوسهم حيث يعتقدون أنهم على حق وهم على باطل كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر:٨].
قوله: [(هم شر الخلق والخليقة)].
ومعلوم أن الكفار الذين يقاتلون المسلمين قد وصفهم الله بقوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال:٢٢].
ولاشك أنهم شر الخليقة باتفاق المسلمين وأنه لا نصيب لهم في الإسلام؛ أما الخوارج فأمرهم مشكوك فيه، ولكن هذا كله يدل على خبثهم وعلى منتهى قبحهم، وعلى حصول الضرر الكبير منهم للمسلمين؛ وذلك أنهم يشغلون الناس عن قتال الكفار وعن الجهاد في سبيل الله، مثلما حصل بالنسبة لـ أبي بكر ﵁ حين شغله قتال مانعي الزكاة عن الفتوحات، فلما قضى عليهم، اتجه إلى تجهيز الجيوش للفرس وللروم.
قوله: [(طوبى لمن قتلهم وقتلوه)].
يعني: هذا يدل على فضل قتالهم وعلى فضل من قتلوه.
قوله: [(يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء)].
كانوا يقولون: لا حكم إلا لله، وقوله: [(يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء)] يوضح الجملة التي سبق أن مرت: (يحسنون القيل ويسيئون الفعل)، لأنه قال هنا: (يدعون إلى كتاب الله)، وهذا من أحسن القول، ولكن حقيقتهم أنهم (ليسوا منه في شيء)، يعني: أنهم من حيث التطبيق ومن حيث التنفيذ ليسوا منه في شيء.
فهم يسيئون العمل، وذلك بالخروج على الأئمة وافتتانهم بآرائهم الفاسدة، وأفكارهم المنحرفة الشاذة.
قوله: [(من قاتلهم كان أولى بالله منهم)].
وهذا من جنس الأمثلة التي مر ذكرها قريباً، أي أنهم يظنون أنهم على حق، ومن قاتلهم فهو أولى بالله منهم.
قوله: [(قالوا: يا رسول الله! ما سيماهم؟ قال: التحليق)].
يعني: علامتهم حلق الرءوس، أي: التزام ذلك، وكونهم يعرفون بذلك.
لكن كما عرفنا أنه ليس معناه أن من حلق رأسه فهو منهم، بل قد يكون من غيرهم، وذلك سائغ شرعاً.
стр. 16388
تراجم رجال إسناد حديث أنس وأبي سعيد في قتال الخوارج
قوله: [حدثنا نصر بن عاصم الأنطاكي].
نصر بن عاصم الأنطاكي لين الحديث أخرج له أبو داود.
[حدثنا الوليد].
هو الوليد بن مسلم، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ومبشر - يعني ابن إسماعيل -].
مبشر بن إسماعيل، وهو صدوق أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي عمرو].
أبو عمرو الأوزاعي وهو: عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، ثقة فقيه أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثني قتادة].
قتادة بن دعامة السدوسي، مر ذكره.
[عن أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك].
أبو سعيد الخدري ﵁، مر ذكره.
وأنس بن مالك ﵁ خادم رسول الله ﵊، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 16389
شرح حديث أنس في ذكر التسبيد من سيما الخوارج
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس: أن رسول الله ﷺ نحوه قال: (سيماهم التحليق والتسبيد، فإذا رأيتموهم فأنيموهم).
قال أبو داود: التسبيد: استئصال الشعر].
هذا الحديث الذي أورده أبو داود ﵀ يتعلق بالحديث الذي قبله، وقد أحال في هذه الرواية على ما مضى وقال: [نحوه] أي: نحو الحديث المتقدم فيما يتعلق بالمتن، وأشار إلى أنه يوجد هنا اختلاف عما تقدم، وذلك في قوله: (سيماهم التحليق والتسبيد) فقوله: (سيماهم التحليق)، مر فيما مضى، يعني: أن هذه علامتهم التي يعرفون ويتميزون بها، وأنهم يحلقون رءوسهم ويستأصلون حلقها.
وقد مر أن هذه العلامة لا تعني أنه لا يجوز حلق الرأس، بل يجوز حلقه ويجوز تركه، وقد دل على ذلك الحديث الثابت عن رسول الله ﷺ : (أنه لما رأى صبياً قد حلق بعض رأسه وترك بعضه قال: احلقوه كله أو دعوه كله).
والتسبيد: هو استئصال الشعر.
وقوله: [(فإذا لقيتموهم فأنيموهم)].
الإنامة المقصود بها: القتل؛ لأن الإنسان إذا قتل فإنه يقع على الأرض كالنائم، وذلك ليسلم الناس من شرهم، ومعلوم أن النوم هو أخو الموت، وقد جاء في الحديث: (النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا ينامون)، وقد جاء في القرآن: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢]، يعني: والتي لم تمت يتوفاها في منامها.
قال أبو داود: [التسبيد: استئصال الشعر].
أي: هذا هو تفسير التسبيد الذي جاء معطوفاً على التحليق.
стр. 16390
تراجم رجال إسناد حديث أنس في ذكر التسبيد من سيما الخوارج
قوله: [حدثنا الحسن بن علي].
الحسن بن علي الحلواني، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي.
[حدثنا عبد الرزاق].
عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا معمر].
معمر بن راشد الأزدي البصري ثم اليماني، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن قتادة].
قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس].
أنس بن مالك ﵁، خادم رسول الله ﵊، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 16391
شرح حديث علي في فضل قتال الخوارج
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان حدثنا الأعمش عن خيثمة عن سويد بن غفلة قال: قال علي ﵁: إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ حديثاً، فلأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإنما الحرب خدعة.
سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة)].
أورد أبو داود ﵀ حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
قوله: [قال علي ﵁: إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ ، فلأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه].
يعني: أنه يتحرز في حديثه عن الرسول ﷺ ، ويحتاط ويتوقى أن يزل بذكر شيء لم يقله رسول الله ﷺ ، بل يحافظ على نصه ويأتي به كما تلقاه عن رسول الله ﷺ .
стр. 16392
معنى الخدعة في الحرب
قوله: [فإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإنما الحرب خدعة].
(خدعة) فيها عدة لغات: فهي بفتح الخاء وإسكان الدال، ويقال: بضم الخاء وفتح الدال.
وفيها غير ذلك.
والمعنى: أن الإنسان قد يوري في أمور تحتاج الحرب فيها إلى تورية، بأن يظهر للأعداء أشياء غير مطابقة للواقع من ناحية ما عند الناس من القوة، سواء كانت حسية أو معنوية، ولكنه يأتي بكلام لا يكون واضحاً جلياً في أنه مخالف للواقع وغير مطابق له.
ومعلوم أن التورية يكون الإنسان فيها صادقاً؛ لأنه يقول كلاماً يريد به شيئاً وغيره يفهم غير ذلك.
وهذا مما يحصل في الحرب من إظهار القوة وإن كان هناك شيء من الضعف، مثلما فعل الرسول ﷺ في عمرة القضاء، حين جلس الكفار في الجهة التي هي خلف الحجر ينظرون إلى الرسول ﷺ وأصحابه وهم يطوفون، فكان بعضهم يقول لبعض: يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب، يعني: أنهم هزال ضعاف، فأمر الرسول ﷺ أصحابه بأن يرملوا في الأشواط الثلاثة الأول، حتى إذا كانوا بين الركن والحجر الأسود لم يرملوا، بل يمشون ليحصل لهم شيء من الراحة بعد هذا الرمل، والمقصود من ذلك إظهار قوتهم لأعدائهم الذين قالوا تلك المقالة، حتى عاد بعضهم يحدث بعضاً ويقول: هذا الكلام الذي قلتموه غير صحيح، وذلك بعدما رأوهم يرملون.
وكان هذا أول مشروعية الرمل، ثم إنه بعد ذلك شرع للناس حتى يتذكروا أن المسلمين كان فيهم ضعف ثم إن الله تعالى أعز الإسلام وأهله؛ ولهذا رمل الرسول ﷺ لما حج حجة الوداع من الحجر إلى الحجر، في الأشواط الثلاثة.
فمعنى كون الحرب خدعة: أن الإنسان يأتي بكلام أو بفعل يفهم منه الأعداء خلاف ما يحبونه وما يريدونه من ضعف المسلمين ومن عدم قوتهم.
والتورية أيضاً تجوز في غير الحرب، وذلك في الأمور التي يُحَتاجُ فيها إلى التورية.
стр. 16393
الخوارج حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام
قوله: [سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام)].
ما تقدم عنه ﵁ كان تمهيداً لبيان حرصه على رواية ما سمعه من رسول الله ﷺ ، وحرصه على أدائه كما سمعه، وأن سقوطه من السماء أهون عليه من أن يكذب على رسول ﷺ ، بل هو يتحرز ويتحرى ويحتاط، ويأتي بالكلام الذي يرويه عن رسول الله ﷺ على أحسن وجه، وعلى أتم وجه، احتراماً لكلام رسول الله ﷺ ، وحرصاً على أدائه كما سمعه من رسول الله ﵊، فبين بعد ذلك هذا الكلام الذي سمعه في الخوارج.
وحدثاء الأسنان هم صغار الأعمار، أي أنهم شبان، ووصفهم بأنهم حدثاء الأسنان معناه أنهم ما تقدمت بهم السن حتى يجربوا الأمور كما جربها وعرفها من تقدم به العمر، فإن الشباب يحصل في بعضهم شيء من التسرع أو الإقدام على أشياء تكون عاقبتها غير محمودة؛ وذلك لأنه ما حصل عندهم الثبات في الرأي، والثبات في الحق.
ووصفهم أيضاً بأنهم سفهاء الأحلام، وذلك مأخوذ من السفه، والأحلام هي العقول، قال تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الطور:٣٢].
قوله: [(يقولون من قول خير البرية)].
هذا يوضح معنى ما سبق فيما تقدم من الأحاديث: (يحسنون القيل ويسيئون الفعل)، فهم يتكلمون كلاماً حسناً أو كلاماً جميلاً, وهو أن عندهم اشتغالاً بالقرآن، وعناية بالقرآن، ولكن حصل لهم الانحراف عن فهم القرآن، فصاروا بلاء على أهل الإسلام وحرباً لأهل الإسلام؛ ولهذا حذر الرسول ﷺ منهم وبين فضل قتالهم، وأن قتلهم فيه أجر عظيم وثواب جزيل من الله .
وخير البرية هو الرسول ﷺ ، فهم يقولون من قوله، وكذلك يقرءون القرآن، ويشتغلون بقراءته.
وقوله: [(يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)].
قد مر معناه.
قوله: [(فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة)].
الخطاب هنا للصحابة ومن يأتي بعدهم، وهذا فيه بيان فضيلة قتلهم، وأن من قتلهم يؤجر على ذلك لأنه ساعد في القضاء على فتنة قامت على الإسلام والمسلمين.
стр. 16394
تراجم رجال إسناد حديث علي في فضل قتال الخوارج
قوله: [حدثنا محمد بن كثير].
محمد بن كثير العبدي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا سفيان].
سفيان بن سعيد الثوري، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا الأعمش].
سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن خيثمة].
خيثمة بن عبد الرحمن، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سويد بن غفلة].
وهو مخضرم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
وسويد بن غفلة كان موجوداً في زمن النبي ﷺ وقيل: إنه قدم إلى المدينة في اليوم الذي دفن فيه رسول الله ﷺ ، فهو الذي يصدق عليه أن يقال: كاد أن يكون صحابياً، فليس ما بينه وبين الصحبة إلا شيئاً يسيراً؛ لأنه قدم المدينة والناس ينفضون أيديهم بعد دفن رسول الله ﵊، وكان معمراً، وقد ذكر في ترجمته أنه كان يصلي بالناس التراويح في رمضان وعمره مائة وعشرون سنة، وذكر مثل هذا في ترجمة المعرور بن سويد، قالوا: إنه بلغ مائة وعشرين سنة، وكان أسود شعر الرأس واللحية، وهما -أي: سويد بن غفلة والمعرور بن سويد - قد أدركا الجاهلية والإسلام ولم يلقيا النبي ﵊.
وقريب منها ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة في تعريف الصحابي أنه من لقي النبي ﷺ مؤمناً به، ومات على الإسلام.
قال: وهل يلحق به من رآه بعد أن توفي وقبل أن يدفن، كما ذُكِر أن أبا ذؤيب الهذلي الشاعر حصل له ذلك؟ قال: هذا محل خلاف، وإن صح- يعني هذا الخبر- فالأوجه أنه لا يعتبر صحابياً؛ لأنه إنما يعتبر صحابياً من رآه في حياته ﵊.
[قال علي].
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وهو رابع الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة.
فإن قيل: هل يجوز قتل الخوارج بدون إذن الإمام؟ ف
الجواب
لا يجوز القتل بدون إذن الإمام؛ لأن القتل يسبب القتل، ولكن القتل بطريقة مشروعة هو المشروع، أما القتل باغتيالات وبأمور فيها تعد وتجاوز، هذا يؤدي إلى اختلاط الأمور، وليس كل إنسان يفهم الخارجي ويميزه عن غيره، فقد يتهم شخص شخصاً أو جماعة ويزعم أنهم خوارج، فلذلك إنما يكون الأمر بالقتل من الإمام حيث يرى المصلحة في القتل والقتال.
стр. 16395
شرح حديث زيد بن وهب في قتال الخوارج
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق عن عبد الملك بن أبي سليمان عن سلمة بن كهيل قال: أخبرني زيد بن وهب الجهني أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي ﵇ الذين ساروا إلى الخوارج، فقال علي ﵇: أيها الناس: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن ليست قراءتكم إلى قراءتهم شيئاً، ولا صلاتكم إلى صلاتهم شيئاً، ولا صيامكم إلى صيامهم شيئاً، يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم، وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية.
لو يعلم الجيش يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم ﷺ ، لنكلوا عن العمل، وآية ذلك أن فيهم رجلاً له عضد وليست له ذراع، على عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض)! أفتذهبون إلى معاوية وأهل الشام، وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذارريكم وأموالكم؟ والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس، فسيروا على اسم الله.
قال سلمة بن كهيل: فنزلني زيد بن وهب منزلاً منزلاً حتى مر بنا على قنطرة، قال: فلما التقينا، وعلى الخوارج عبد الله بن وهب الراسبي فقال لهم: ألقوا الرماح وسلوا السيوف من جفونها، فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء.
قال: فوحشوا برماحهم، واستلوا السيوف، وشجرهم الناس برماحهم، قال: وقتلوا بعضهم على بعضهم، قال: وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان، فقال علي ﵇: التمسوا فيهم المخدج، فلم يجدوا.
قال فقام علي ﵁ بنفسه حتى أتى ناساً قد قتل بعضهم على بعض، فقال: أخرجوهم.
فوجدوه مما يلي الأرض، فكبر وقال: صدق الله وبلغ رسوله.
فقام إليه عبيدة السلماني فقال: يا أمير المؤمنين! والله الذي لا إله إلا هو لقد سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ فقال: إي والله الذي لا إله إلا هو! حتى استحلفه ثلاثاً وهو يحلف].
стр. 16396
اجتهاد الخوارج في العبادة وانحرافهم عن الجادة
أورد أبو داود حديث علي ﵁، وهو يتعلق بقتال الخوراج أيضاً، وفيه أن زيد بن وهب الجهني كان في الجيش الذين كانوا مع علي ﵁ الذين ساروا إلى الخوارج، وقد كان يحدث بذلك سلمة بن كهيل، فذكر أن علياً ﵁ خطب الناس وقال: أيها الناس! إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن، ليست قراءتكم إلى قراءتهم شيئاً).
وهذا من جنس ما جاء في بعض الروايات: (تحقرون صلاتكم عند صلاتهم، وقراءتكم عند قراءتهم)، ومعناه أن هذا الذي يعمله المسلمون الذين هم على السنة، وعلى طريقة صحيحة من العبادة قليل إذا قورن بما عند الخوارج من اجتهاد في العبادة، ولذلك يحقر الناس صلاتهم إلى صلاة الخوارج، وصيامهم إلى صيامهم، وأعمالهم إلى أعمالهم، ومعناه: أنهم مجتهدون في العبادة، ولكنهم منحرفون عن الجادة، بعقائدهم الفاسدة، وبشبههم الباطلة، وفهمهم للقرآن على غير حقيقته، وخروجهم على جماعة المسلمين وقتالهم، وكونهم يحسنون القول ويسيئون الفعل، ولذلك خطب علي ﵁ وأرضاه بالناس وبين لهم أحوال هؤلاء وقال: إنه يرجو أن يكون هؤلاء هم الذين أخبر عنهم الرسول ﷺ ، وأن يكون هو الذي وفق لقتالهم.
وقد جاء عن النبي ﷺ ما يدل على أنه هو الذي وفق لقتالهم، حيث قال: (تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق) وقد قاتلهم علي ﵁ وأرضاه، وهذا الحديث فيه بيان قتلهم وانتصاره عليهم، فقد قتل الكثيرين منهم حتى صاروا أكواماً بعضهم فوق بعض، ولم يُصَب من المسلمين إلا رجلان.
قوله: [(يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم، وهو عليهم)].
أي: أنهم يفهمونه على غير وجهه، فهم كما قال الله : (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر:٨]، فهم يظنون أنهم على شيء وهم بخلاف ما ظنوا؛ يظنون أنهم على حق وهم على باطل؛ للشبه التي عرضت لهم، وللباطل الذي أشربته قلوبهم.
قوله: (لا تجاوز صلاتهم تراقيهم)] تقدم في الأحاديث السابقة: (لا تجاوز قراءتهم) وتقدم: (لا يجاوز إيمانهم) وذكر هنا الصلاة، والصلاة من الإيمان، والمراد أنهم يعملون أعمال الجوارح ولكن الاعتقاد فاسد؛ وهذا يوضح معنى قول الله في سورة الغاشية: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٢ - ٤]؛ لأنهم أهل عبادة، وأهل نصب، وأهل تعب، ولكنهم والعياذ بالله ليسوا على هدى، وإنما هم على ضلالة، ولذلك جاء في الحديث أنهم كلاب النار.
стр. 16397
عظيم الأجر لمن قاتل الخوارج
قوله: [لو يعلم الجيش يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم ﷺ لنكلوا عن العمل].
أي: لنكلوا عن الأعمال الأخرى، وصار اشتغالهم بهم، وفي بعض النسخ: (لاتكلوا على العمل) أي لاتكلوا على هذا العمل، وهو قتال الخوارج؛ لأنهم حصلوا الأجر العظيم بذلك فيتكلون عليه، وهذا مثلما جاء في بعض الأحاديث من التحذير من إخبار الناس ببعض الأمور التي قد تجعلهم يتركون العمل، ومن ذلك ما جاء في حديث معاذ الذي ذكر فيه حق الله على العباد، وحق العباد على الله، قال: أفلا أبشر الناس؟ قال: (لا تبشرهم فيتكلوا).
وهذا فيه بيان أن على الإنسان ألا يغتر بكونه عمل شيئاً مما يتعلق بالوعد، ويغفل جانب الوعيد، وإنما عليه أن يُعمل أحاديث الوعد وأحاديث الوعيد، فيكون خائفاً راجياً؛ لأن بعض الناس يتجه إلى أحاديث الوعد -كما فعلت المرجئة- ويهمل جانب الوعيد، وبعض الناس يتجه إلى أحاديث الوعيد -كما فعلت المعتزلة والخوارج- ويهمل جانب الوعد، والواجب هو الاعتدال والتوسط، فأهل السنة والجماعة يأخذون بأحاديث الوعد والوعيد، فيعملون بجميع النصوص.
стр. 16398
صفة الرجل الذي هو علامة على الخوارج
قوله: [وآية ذلك أن فيهم رجلاً له عضد وليست له ذراع، على عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض].
يعني: علامة هؤلاء الخوارج الذين يقاتلون ويقتلون أن فيهم رجلاً له عضد وليست له ذراع، أي أن ذراعه غير موجودة، ولكن له عضد في رأس عضده لحمة كحلمة ثدي المرأة، وعليه شعرات بيض.
فلما وقع قتالهم وقتلهم علي ﵁ أمر أن يبحث عن هذا الشخص الذي هو علامة على الخوارج، وأنهم هم الذين عناهم الرسول ﷺ ، فبحثوا عنه فلم يجدوا، فقام بنفسه وصار يبحث حتى وجد كوماً من القتلى بعضهم فوق بعض، فأمر بأن يزاح بعضهم عن بعض حتى وجدوه أسفلهم مما يلي الأرض، فكبر عند ذلك فرحاً وسروراً.
وهذا يدل على مشروعية التكبير في حال الفرح لا التصفيق مثلما يفعله بعض الناس، فالتكبير هو الذي جاءت به السنة عن رسول الله ﷺ ، مثلما فعل الصحابة ﵃ وأرضاهم لما أخبرهم الرسول ﷺ بأن قال: (أني أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة.
فكبروا! قال: نصف أهل الجنة.
فكبروا!) أي قالوا: الله أكبر، فرحاً وسروراً.
ولما أشيع أن النبي ﷺ طلق نساءه، وكان عمر في مزرعة له، جاء وبحث عن النبي ﷺ حتى وجده في مكان مرتفع معتزلاً نساءه، فدخل عليه وسأله: (أطلقت نساءك يا رسول الله؟! فقال: لا، فكبر عمر) أي قال: الله أكبر؛ فرحاً وسروراً؛ لأن هذه الإشاعة التي أشيعت غير صحيحة.
وهنا كبَّر علي ﵁ ثم قال: (صدق الله وبلغ رسوله ﷺ وهذا يدلنا على أن ما يقوله الرسول ﷺ إنما هو من عند الله، وأن السنة من عند الله، وليست من عند الرسول ﷺ ، ولكنه وحي غير متعبد بتلاوته كالقرآن، وإلا فإن القرآن من الله، وهو كلامه، والسنة هي من الله معنى، واللفظ هو كلام الرسول ﷺ ، وهو مبلغ عن الله ، كما قال: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤].
فقول علي ﵁: (صدق الله وبلغ رسوله)؛ لأن ما ذكره عن الرجل المخدج ليس موجوداً في القرآن، وإنما جاء في السنة، أي فالرسول ﷺ بلغ ما أوحى إليه من عند الله .
ومما يوضح ذلك أيضاً الحديث الذي جاء فيه أن الرسول ﷺ قال: (يغفر للشهيد كل شيء) ثم إنه قال: (إلا الدين سارني به جبريل آنفاً) يعني أن هذا الاستثناء جاء به جبريل وساره به، معنى ذلك أنه من عند الله وليس من عنده ﵊.
стр. 16399
تقديم علي قتال الخوارج على قتال معاوية وأهل الشام
قوله: [أفتذهبون إلى معاوية وأهل الشام، وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذارريكم وأموالكم؟].
يريد من ذلك أن هؤلاء هم الذين يقاتلون؛ لأن النبي ﷺ قال فيهم ما قال، وأيضاً: لو ذهب الناس إلى الشام لقتال معاوية وتركوا هؤلاء لخلفهم هؤلاء في ذارريهم وفي أهليهم ولأفسدوا.
قوله: [والله! إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم].
يعني الذي قال فيهم الرسول ﷺ ما قال، فهو يرجو أن يكونوا هم هؤلاء الذي هو بصدد قتالهم.
قوله: [فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس].
أي: من إساءة العمل أنهم يسفكون الدم الحرم، ويغيرون في سرح الناس، والسرح هي البهائم التي تذهب في الصباح مع الرعاة، يعني: أنهم يغيرون على الإبل أو الغنم التي تسرح فيأخذونها.
قوله: [فسيروا على اسم الله].
يعني على بركة الله، مستعينين بالله ومتوكلين عليه، وهذا يدل على ابتداء الأعمال بذكر الله، وأن العامل يستحضر الله ويذكر ربه ؛ ولهذا كان الرسول ﷺ إذا أمر أميراً على جيش أوصاه بتقوى الله وقال: (اغزوا باسم الله، قاتلوا من كفر بالله) كما في الحديث الطويل الذي رواه مسلم عن بريدة بن حصيب.
стр. 16400
وصف المعركة التي وقعت بين علي والخوارج
قوله: [قال سلمة بن كهيل: فنزلني زيد بن وهب منزلاً منزلاً].
يعني: بعدما ذكر كلام علي ﵁ وخطبته وما حصل منه، قص عليه القصة من حين خرجوا إلى أن وصلوا إلى الخوارج وقاتلوهم.
قوله: [حتى مر بنا على قنطرة].
يعني: وهم في طريقهم إلى الخوارج.
قوله: [قال: فلما التقينا، وعلى الخوارج عبد الله بن وهب الراسبي].
يعني: فلما التقى علي ﵁ بجيشه مع الخوارج، وكان أميرهم عبد الله بن وهب الراسبي.
قوله: [قال لهم: ألقوا الرماح، وسلوا السيوف من جفونها، فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء، قال: فوحشوا رماحهم].
هذه وصية من رئيس الخوارج لأصحابه بأن يلقوا الرماح -أي: يرموها- ويسلوا السيوف لقتال المسلمين؛ لأنه يخاف أن يكون هناك تفاهم من غير قتال كما وقع يوم حروراء، فهو يريد من أصحابه أن يسلوا السيوف حتى تكون في متناول أيديهم ولا يشتغلوا بالرماح، وإنما يمشون بالسيوف حتى يصلوا إلى المسلمين.
فألقوا رماحهم، وسلوا سيوفهم أخذاً بوصيته، فرماهم أصحاب علي ﵃ وأرضاهم بالرماح قبل أن يصلوا إليهم، ثم التحموا معهم وقتلوا منهم المقتلة العظيمة، ولم يصب من المسلمين إلا اثنان كما ذكر في هذا الحديث.
ومعنى: (وحشوا برماحهم) أي: أنهم تركوها وأخذوا السيوف، فاستعمل المسلمون الرماح، فأصابوهم قبل أن يصلوا إليهم، ولما وصلوا إليهم التحموا معهم واستأصلوهم، ولذلك قال: (وشجرهم الناس برماحهم).
أي: أصابهم الناس برماحهم.
قوله: [وقتلوا بعضهم على بعضهم].
أي: حتى ركب بعضهم فوق بعض لكثرة القتلى، فصاروا أكواماً.
قوله: [قال: وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان].
أي: من أصحاب علي ﵁.
قوله: [فقال علي ﵁: التمسوا فيهم المخدج].
أي: لما انتهى الأمر ووضعت الحرب أوزارها، وانتصر علي ﵁ ومن معه عليهم، أمر بأن يبحث عن هذا المخدج الذي أخبر به الرسول ﷺ ، وهو صاحب العضد الذي ليس له ذراع، وفيه تلك اللحمة التي في طرفها حلمة كلحمة ثدي المرأة، وعليها شعيرات بيض.
فالتمسوه فلم يجدوه، فقام علي ﵁ بنفسه حتى أتى ناساً قد قتل بعضهم على بعض فقال: أخرجوهم.
فوجدوه مما يلي الأرض، فكبر، وقال: صدق الله وبلغ رسوله.
قوله: [فقام إليه عبيدة السلماني فقال: يا أمير المؤمنين! والله الذي لا إله إلا هو لقد سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ فقال: إي والله الذي لا إله إلا هو! حتى استحلفه ثلاثاً، وهو يحلف].
وعبيدة السلماني من أصحابه، وهو من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ولم يروا النبي ﷺ فاستحلف علياً قال: والله الذي لا إله إلا هو إنك سمعتها من رسول الله ﷺ ؟ حتى كرر ذلك ثلاثاً، يريد من ذلك أن يسمع الناس بهذا الخبر، وأن عملهم هذا على صواب، وأنهم الجيش الذين ورد الوعد له بالأجر العظيم من الله، وأن هذا الشخص الذي رأوه بالكيفية التي وصفها علي قبل أن يروه، قد وجد طبقاً لما أخبر به رسول الله ﷺ .
فالمقصود من استحلاف عبيدة علياً وتكرار ذلك ثلاثاً أن يسمع الناس، وحتى يتحقق الأمر لكثير من الناس بهذا التكرار.
стр. 16401
تراجم رجال إسناد حديث زيد بن وهب في قتال الخوارج
قوله: [حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق].
الحسن بن علي وعبد الرزاق مر ذكرهما.
[عن عبد الملك بن أبي سليمان].
صدوق له أوهام، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[عن سلمة بن كهيل].
وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرني زيد بن وهب الجهني].
وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[فقال علي ﵇].
علي ﵁، وقد مر ذكره.
стр. 16402
شرح حديث أبي الوضيء في قتال الخوارج
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عبيد حدثنا حماد بن زيد عن جميل بن مرة قال: حدثنا أبو الوضيء قال: قال علي ﵇: اطلبوا المخدج -فذكر الحديث- فاستخرجوه من تحت القتلى في طين.
قال أبو الوضيء: فكأني أنظر إليه حبشي عليه قريطق، له إحدى يدين مثل ثدي المرأة، عليها شعيرات مثل شعيرات التي تكون على ذنب اليربوع].
أورد الحديث من طريق أخرى، وفيه أن علياً طلب المخدج فوجدوه تحت القتلى في طين، ومعناه أن الأرض فيها رطوبة، وأن هذا في الأسفل، وغيره فوقه.
قوله: [قال أبو الوضيء: فكأني أنظر إليه حبشي].
أي أنه كان معهم.
قوله: [عليه قريطق].
القريطق هو القباء، وهو نوع من اللباس.
قوله: [له إحدى يدين مثل ثدي المرأة، عليها شعيرات مثل شعيرات التي تكون على ذنب اليربوع].
في الطريق الأول قال: (عليه شعيرات بيض) وهنا قال: (شعيرات مثل الشعيرات التي تكون على ذنب اليربوع) يعني أنها طويلة، مثل التي تكون في ذنب اليربوع، وهو من دواب البر، وهو قصير اليدين طويل الرجلين، يشبه الفأر ولكنه صيد وحلال، وأيضاً: طريقته في حفر الجحر تختلف عن غيره من الحيوانات؛ ولهذا يقولون في تعريف النفاق إنه مأخوذ من نافقاء اليربوع؛ لأنه يكون في جحر له بابان، باب واضح، وباب خفي تكون عليه قشرة من تراب، وإذا جاءه عدو من جهة الباب المفتوح خرج من الباب الثاني، بأن ينفض التراب الذي في الجهة الثانية ويهرب.
فالذين يصيدونه يعرفون طريقة جحره؛ ولهذا يبحثون عن النافقاء أولاً، ثم يأتونه من الجحر، ويدخلون عليه شيئاً يحركه، فإذا خرج أمسكوا به.
стр. 16403
تراجم رجال إسناد حديث أبي الوضيء في قتال الخوارج
قوله: [حدثنا محمد بن عبيد].
محمد بن عبيد بن حساب، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي.
[حدثنا حماد بن زيد].
حماد بن زيد بن درهم البصري، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن جميل بن مرة].
وهو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي في مسند علي وابن ماجة.
[حدثنا أبو الوضيء].
وهو عباد بن أسيد، وهو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي في مسند علي وابن ماجة.
[قال علي ﵇].
علي ﵁، وقد مر ذكره.
стр. 16404
شرح أثر أبي مريم في صفات الرجل المخدج
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا بشر بن خالد حدثنا شبابة بن سوار عن نعيم بن حكيم عن أبي مريم قال: إن كان ذلك المخدج لمعنا يومئذ في المسجد نجالسه بالليل والنهار، وكان فقيراً، ورأيته مع المساكين يشهد طعام علي ﵁ مع الناس، وقد كسوته برنساً لي.
قال أبو مريم: وكان المخدج يسمى نافعاً ذا الثدية، وكان في يده مثل ثدي المرأة، على رأسه حلمة مثل حلمة الثدي، عليه شعيرات مثل سبالة السنور.
قال أبو داود: وهو عند الناس اسمه حرقوس].
أورد أبو داود هذا الأثر عن أبي مريم وهو قيس المدائني الثقفي، وهذا الأثر يبين فيه أنه رأى ذلك الشخص وأنه كان يعرفه، وأنه كان يجلس معهم في المسجد، وأنه كان فقيراً يحضر طعام علي ﵁ فيأكل مع الناس، وأنه كساه برنساً، ثم وصف يده وذراعه، وأن فيه اللحمة التي عليها شعيرات مثل سبال السنور: أي: القط، وهي شعرات طويلة تكون في وجهه.
وهذا أثر يقال له مقطوع؛ لأنه ينتهي إلى أبي مريم، والمقطوع: هو ما انتهى متنه إلى من دون الصحابي؛ لأن المتن إذا انتهى إلى الصحابي فهو موقوف، وإذا انتهى إلى الرسول ﷺ فهو مرفوع، وإذا انتهى إلى من دون الصحابي فهو مقطوع، وهذا وصف للمتن، وهو غير المنقطع؛ لأن المنقطع من صفات الإسناد، وأما المقطوع فهو من صفات المتن.
стр. 16405
تراجم رجال إسناد أثر أبي مريم في صفات الرجل المخدج
قوله: [حدثنا بشر بن خالد].
وهو ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
[حدثنا شبابة بن سوار].
وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن نعيم بن حكيم].
وهو صدوق له أوهام، أخرج له البخاري في رفع اليدين وأبو داود والنسائي في خصائص علي.
[عن أبي مريم].
وهو قيس المدائني الثقفي، وهو مجهول، أخرج له البخاري في رفع اليدين وأبو داود والنسائي في الخصائص.
وهذا الأثر ضعيف، من جهة أن الشخص الذي ينتهي إليه الإسناد مجهول.
стр. 16406
شرح سنن أبي داود [٥٤٣]
إن أحكام الشريعة الإسلامية بنيت على مراعاة مصالح العباد في العاجل والآجل، من ذلك أنها أجازت لمن هجم عليه اللصوص أو قطاع الطرق أن يقاتل دون ماله، إذا كان اللصوص لا يندفعون إلا بالقتال.
стр. 16407
قتال اللصوص
стр. 16408
شرح حديث عبد الله بن عمرو في قتال اللصوص
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في قتال اللصوص.
حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان قال: حدثني عبد الله بن حسن قال حدثني: عمي إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: (من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد)].
أورد أبو داود هذه الترجمة: [باب في قتال اللصوص]، واللصوص هم السراق الذين يسطون على الناس ويهجمون عليهم، ويبتزون أموالهم منهم، فهؤلاء يمنعون من أخذ الأموال، وإذا كانوا لا يندفعون إلا بالقتل فإنهم يقتلون، وإذا اعتصموا وصاروا يقاتلون فإنهم يقاتلون حتى يقتلوا ويتخلص منهم، وذلك إذا لم يمكن القبض عليهم ومنعهم من الاعتداء على الناس، وتطبيق الأحكام الشرعية عليهم.
وإذا هجموا على أحد فإنه يدافعهم، فإذا قتل أحداً منهم فإنه قتل بحق، وإن قتل فهو شهيد، أي: في ثواب الآخرة، ولكنه في أحكام الدنيا لا يعامل معاملة الشهيد، وإنما يعامل معاملة غيره من المسلمين، بمعنى أنه يغسل ويصلى عليه، بخلاف الشهداء فإنهم لا يغسلون ولا يصلى عليهم؛ ولهذا أورد النووي ﵀ في رياض الصالحين باباً ذكر فيه جماعة من الأحاديث التي تتعلق بالشهداء غير شهداء المعركة، فقال: باب ذكر جماعة من الشهداء في ثواب الآخرة.
وأورد أبو داود حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: (من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد).
يعني: من سطا عليه لصوص وأرادوا أن يأخذوا ماله فله أن يدفعهم بالأخف فالأخف، فإن لم يندفعوا إلا بالقتل فله ذلك، وإذا قتل فقتله بحق، وإن قتلوه فهو شهيد؛ لأنه يقاتل بحق، وأولئك قتلوا بالباطل، وإن قتلوا فهم مقتولون بفعلهم المنكر، وفاعلون الشيء الذي به يستحقون القتل.
стр. 16409
تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن عمرو في قتال اللصوص
قوله: [حدثنا مسدد].
مسدد بن مسرهد البصري، ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا يحيى].
يحيى بن سعيد القطان، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سفيان].
سفيان الثوري، وقد مر ذكره.
[حدثني عبد الله بن حسن].
وهو ثقة، أخرج له أصحاب السنن.
[حدثني عمي إبراهيم بن محمد بن طلحة].
وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[عن عبد الله بن عمرو].
عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 16410
شرح حديث سعيد بن زيد في قتال اللصوص
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا أبو داود الطيالسي وسليمان بن داود -يعني أبا أيوب الهاشمي - عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن طلحة بن عبد الله بن عوف عن سعيد بن زيد عن النبي ﷺ قال: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله أو دون دمه أو دون دينه فهو شهيد)].
أورد أبو داود حديث سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (من قتل دون ماله فهو شهيد) وهذا مثل الذي قبله.
قوله: [(ومن قتل دون أهله، أو دون دمه، أو دون دينه، فهو شهيد)].
يعني إذا أراد أحد أن يعتدي على أهله، فمنع من ذلك، أو حال بين المعتدين وبين ما يريدون فقتلوه، فإنه يكون شهيداً؛ لأنه قتل وهو يدافع على عرض أهله، ودون الوقوع في أهله، سواء زوجته أو قريبته، وكذلك إذا قتل دون دينه، أي: لأمر يتعلق بدينه مثل قتال الخوارج؛ لأنه قتل دفاعاً عن الدين.
стр. 16411
تراجم رجال إسناد حديث سعيد بن زيد في قتال اللصوص
قوله: [حدثنا هارون بن عبد الله].
هارون بن عبد الله الحمال البغدادي، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.
[حدثنا أبو داود الطيالسي].
وهو سليمان بن داود الطيالسي، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[وسليمان بن داود يعني أبا أيوب الهاشمي].
سليمان بن داود الهاشمي ثقة، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد وأصحاب السنن.
[عن إبراهيم بن سعد].
وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر].
وهو مقبول، أخرج له أصحاب السنن.
[عن طلحة بن عبد الله بن عوف].
وهو ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.
[عن سعيد بن زيد].
سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁، صاحب رسول الله ﷺ ، وأحد العشرة المبشرين بالجنة.
стр. 16412
الأسئلة
стр. 16413
الجمع بين حديث (من قتل دون ماله) وحديث (كن كخير ابني آدم)
السؤال
كيف يجمع بين حديث: (من قتل دون ماله فهو شهيد)، وحديث: (كن كخير ابني آدم)؟
الجواب
أنا لا أعرف مدى صحة هذا الحديث: (كن كخير ابني آدم) فلا أعرف عنه شيئاً، لكن الإنسان إذا دافع عن ماله أو عن أهله فهي مدافعة بحق، فإن قَتَل فهو على حق، وإن قُتِل فهو على حق ويكون شهيداً.
стр. 16414
حكم قصة التحكيم بين علي ومعاوية
السؤال
هل خبر القصة المطولة التي نقلها صاحب العون في قضية التحكيم بين علي ومعاوية ﵄ صحيحة؛ حيث ذكر أنه حصلت مكيدة من عمرو بن العاص؟
الجواب
قضية المكيدة أو الذي قيل إنه حصل بين أبي موسى الأشعري وهو من جانب علي ﵁، وبين عمرو بن العاص وهو من جانب معاوية رضي الله تعالى عنه، وأنهما اتفقا على أن كلاً منهما يخلع صاحبه، وأن عمرو بن العاص طلب من أبي موسى أن يبدأ، فبدأ فخلع علياً، ثم إن عمرو بن العاص لم يخلع معاوية، هذا كلام غير صحيح، وقد ذكر ابن العربي بطلانه في العواصم من القواصم، وهو لا يليق بالصحابة ﵃ وأرضاهم، إذ كيف يتفقان على شيء فيتقدم أحدهما لتنفيذ ما اتفقا عليه ويغدر الآخر فلا يفعل ذلك؟!
стр. 16415
حكم التفجيرات التي يقوم بها بعض الشباب باسم الدين
السؤال
بعض الشباب يقاتلون الحكام ويقومون بالتفجيرات في البلاد الإسلامية وغيرها، وقد رأيت الناس فيهم على قسمين: قسم يقول: هؤلاء خوارج، مع أنهم ليس عندهم عقائد الخوارج الأخرى، وقسم يقول: هؤلاء أبطال مجاهدون صدعوا بالحق، مع أن فعلهم هذا على خلاف ما عند علماء السنة، فنرجو منكم القول الفصل فيهم؟
الجواب
حصول الفتن، وإيجاد القلاقل، وإخلال الأمن، وحصول الاضطرابات والفوضى، هذا ليس من الإسلام في شيء، ومعلوم أن مثل هذه الأعمال هي من هذا القبيل، ولا يحصل من ورائها إلا المضرة للمسلمين.
وأهل السنة والجماعة طريقتهم ومنهجهم أن الوالي إذا كان عنده أخطاء وأمور محرمة فإنه لا يعمل معه مثل هذه الأعمال التي تخل بالأمن، وإنما يصبر على ما يحصل منه من الجور، وعلى ما يحصل منه من الأمور غير المحمودة، ومن قواعد الشريعة: ارتكاب أخف الضررين في سبيل التخلص من أشدهما، ومعلوم أن بقاء الناس على ما هم عليه مع وجود الجور ومع وجود الخلل والنقص أخف ضرراً من الفوضى والاضطرابات التي يحصل معها فساد الأمور، ويحصل معها أن الناس لا يأمنون على أرواحهم، بل ينتظرون الموت بين لحظة وأخرى، فمعلوم أن هذه ليست من الإسلام في شيء، وليست مما جاء به الإسلام، وإنما جاء الإسلام بمنع من مثل هذه الأعمال السيئة.
стр. 16416
حكم قتل الشرطة للخارجين على النظام الحكومي
السؤال
في بلدنا حرب وقتال بين النظام الحاكم والخوارج الذين خرجوا على الحاكم، فإذا حدث اشتباك بين رجال الأمن وهؤلاء الذين خرجوا على الحاكم هل يكون في قتلهم أجر، أم أن هذه فتنة وشر؟
الجواب
هذه لاشك أنها فتنة وشر، والقتل لا يكون إلا إذا لم يندفع المعتدون إلا بالقتل، وأما إذا أمكن القبض عليهم وإيداعهم السجون، ومنعهم من الاعتداء على الناس، فهذا هو المطلوب؛ لأنه أخف الضررين، ولكن إذا لم يندفع إلا بالقتل فإنه يجوز القتل، ومن قتلهم وقد قاموا بالفتن فهو محق.
стр. 16417
حكم خروج ابن الأشعث على الأمويين
السؤال
هل يصح أن يقال: إن عبد الرحمن بن الأشعث الخارج في زمن الخليفة عبد الملك بن مروان داعية فتنة؟ وماذا تقولون إذا كان الأمر كذلك لمن يعتبره تابعياً جليلاً وصادعاً بالحق؟
الجواب
لاشك أن الخروج على الإمام والوالي لا يحصل منه إلا الفتن والضرر، وليس في مصلحة ولا فائدة.
стр. 16418
حكم المظاهرات الشعبية
السؤال
ما حكم المظاهرات التي هي من أجل تحقيق مصالح الأمة؟ وهل هي نوع من الخروج؟
الجواب
هي نوع من السفه والفوضى.
стр. 16419
حكم الكلام على مخالفات الحكام في المنابر
السؤال
هل يعتبر الكلام على المنابر ببعض المخالفات التي تصدر من الحكام خروجاً عليهم، لا سيما ما يتعلق بالإخلال بالعقيدة كالسماح للمنصرين بالعمل، وتشييد الكنائس، والدعوة إلى تقارب الأديان؛ علماً بأن الخطيب يذكر ذلك لئلا يغتر الجهال والعوام بفعل السلطان، فهل يعد ذلك خروجاً عن الحاكم؟
الجواب
العوام لا يقدمون ولا يؤخرون، والتقديم والتأخير إنما هو عند السلطان، والمصلحة بمراجعة السلطان والاتصال به، وأما بالنسبة للعوام فإنهم لا يستفيدون شيئاً من هذا ولا يقدمون ولا يؤخرون.
стр. 16420
حكم الانقلاب الأبيض على الحاكم
السؤال
هل أحاديث النهي عن الخروج تشمل ما يعرف الآن بالانقلاب الأبيض، أي: خلع الحاكم بالقوة دون إراقة دماء؟
الجواب
بين الرسول ﷺ الحكم الشرعي في ذلك وأنه لا يكون إلا مع الكفر البواح الذي عند الناس فيه من الله برهان، وأما غير ذلك فإنه غير سائغ.
следующие страницы →