← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 16451–16490 · переход к 16456.

стр. 16451

شرح حديث (إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس) من طريق أخرى، وتراجم رجال إسناده قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا وهب بن بقية عن خالد عن داود عن بكر: (أن النبي ﷺ بعث أبا ذر بهذا الحديث). قال أبو داود: هذا أصح الحديثين]. أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى مرسلة؛ لأن بكر بن عبد الله المزني تابعي وهو الذي أسند الحديث إلى رسول الله وأرسله، ولم يذكر الصحابي، وقال أبو داود: إن هذا الطريق أصح من الطريق السابق، ولكن الحديث صحيح بالمرسلة وبالمتصلة. قوله: [حدثنا وهب بن بقية]. هو وهب بن بقية الواسطي، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي. [عن خالد]. هو خالد بن عبد الله الطحان الواسطي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن داود عن بكر]. داود مر ذكره. وبكر بن عبد الله المزني تابعي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو الذي ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمته في (تهذيب التهذيب) كلمة عظيمة حيث قال: إياك من الكلام ما إن أصبت فيه لم تؤجر، وإن أخطأت فيه أثمت، وهو سوء الظن بأخيك. أي: إن أصبت لم تحصل الأجر على كونك ظننت بأخيك شيئاً، ولكنك إن أخطأت فإنك تأثم؛ لأنك ظننت به شيئاً ليس فيه، فتكون آثماً لظنك الذي ظننته فيه وهو ليس فيه.

стр. 16452

شرح حديث (إن الغضب من الشيطان) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا بكر بن خلف والحسن بن علي المعنى، قالا: حدثنا إبراهيم بن خالد حدثنا أبو وائل القاص قال: دخلنا على عروة بن محمد السعدي فكلمه رجل فأغضبه، فقام فتوضأ، ثم رجع وقد توضأ، فقال حدثني أبي عن جدي عطية قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ)]. أورد أبو داود حديث عطية بن عروة السعدي ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من نار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ). معناه: أن هذا من الوسائل التي يكون بها تخفيف الغضب؛ لأن الغضب من الشيطان، والشيطان خلق من نار، والنار يطفئها الماء، فكون الإنسان يتوضأ فإنه يخفف من وطأة الغضب عليه. فهناك جملة من الأشياء التي تمنع من الغضب، كالجلوس لمن كان قائماً، والاضطجاع لمن كان جالساً، والوضوء، وكذلك كون الإنسان يخرج ويترك المكان الذي فيه المخاصمة والمشادة والمنازعة.

стр. 16453

تراجم رجال إسناد حديث (إن الغضب من الشيطان) قوله: [حدثنا بكر بن خلف]. بكر بن خلف صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً وأبو داود وابن ماجة. [والحسن بن علي]. هو الحسن بن علي الحلواني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي. [حدثنا إبراهيم بن خالد]. إبراهيم بن خالد ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي. [حدثنا أبو وائل القاص]. أبو وائل القاص وثقه ابن معين، أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة. [دخلنا على عروة بن محمد السعدي]. عروة بن محمد السعدي مقبول، أخرج له أبو داود. [حدثني أبي]. أبوه هو محمد بن عطية، صدوق، أخرج له أبو داود. [عن جدي عطية]. عطية صحابي، أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة. والحديث في إسناده هذا الرجل المقبول، ولكن معناه صحيح.

стр. 16454

الأسئلة

стр. 16455

الجمع بين قوله (اذهب حيث أمرتك) وقوله (ما قال لي لشيء لم أفعله لم لم تفعل كذا ؟) السؤال قوله في الحديث الأول: (يا أنيس! اذهب حيث أمرتك) ألا يعارض قول: أنس في آخره: (ما قال لي لشيء لم أفعله: لم لم تفعل كذا؟ أو لشيء فعلته: لم فعلت كذا؟)؟ الجواب هذا بيان أن هذا هو الغالب على فعله ﷺ ، ولكنه هنا أمره بأمر وأكده عليه فقال: (اذهب حيث أمرتك) فهو أولاً أمره، ثم قال: (اذهب حيث أمرتك)، فهو تأكيد للأمر السابق، فقد كان صغيراً وشاهد الصبيان يلعبون فوقف عندهم.

стр. 16456

النهي عن تذكير الغضبان بالله إذا خشي منه التمادي السؤال في بعض الأحيان عندما يغضب بعض الناس فيقول له أخوه: قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أو أي دعاء آخر، أو يذكره بالله، ربما سب الله أو سب رسوله ﷺ . فهل الأولى عدم قول ذلك للشخص الغاضب حتى لا يتسبب بما هو أعظم؟ الجواب نعم، إذا كان هذا معروفاً عنه فإنه لا يقال له ذلك؛ لأن هذا يؤدي إلى ما هو أخطر، فعندما يؤمر بالمعروف يأتي بأنكر المنكر، وهو كونه يسب الله، فإذا كان هذا شأنه فإنه لا يقال له شيء، وإذا كان هذا يزيد الطين بلة، ويزيد الشر شراً فإنه لا يقال له شيء من ذلك، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨]، فسب آلهة المشركين هو من أحق الحق، ولكنه إذا كان يؤدي إلى أبطل الباطل وهو سب الله فإنهم لا يسبون؛ لئلا يسب الله.

стр. 16457

جزاء المرأة في الآخرة عند كظمها لغيظها السؤال إذا كانت الكاظمة للغيظ امرأة فهل تخير من الحور العين كما جاء في حق الرجل؟ الجواب الحور العين هن أصلاً نساء، ولكنها لا شك أنها إذا دخلت الجنة فهي تنسى كل شيء في الدنيا، كما جاء في الحديث: (أنه يؤتى بأنعم أهل الدنيا فيغمس في النار غمسة، ثم يقال له: هل مر بك خير؟ فيقول: ما مر بي خير قط) أي: أنه ينسى كل النعيم الذي جاءه في الدنيا، وعكسه من حصل له البؤس والفقر والفاقة، فإنه يغمس في الجنة غمسة حتى ينسى كل شيء، فهي إذا دخلت الجنة فإنها تكون في خير عظيم، وتكون زوجة لزوجها إذا كانت حالهما في الدنيا حسنة، وقد جاء في الحديث أن الزوجة إذا كان لها عدة أزواج في الدنيا فإنها تكون لآخرهم.

стр. 16458

حقيقة التفاضل بين الحور العين السؤال هل هناك تفاضل بين الحور العين، حيث قال: (يخيره من الحور العين)؟ الجواب الحديث يشعر بأن بينهن تفاضل، والمفضول فيهن فاضل، فكونه يخيره لا شك من وجود تفاضل، ولهذا فإن الله لما ذكر في سورة الرحمن صفات الحور العين والزوجات التي تكون في الآخرة، ذكر كذلك حصول التفاوت بين الجماعة الأولى والجماعة الثانية، فقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] وجاء في وصف هاتين الجنتين: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦]، وبعدها قال: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ [الرحمن:٧٠] ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن:٧٢]، وكل ما يكون في الجنتين الأخيرتين هو دون ما في الجنتين السابقتين.

стр. 16459

شرح سنن أبي داود [٥٤٥] إن النبي ﷺ رحمة للعالمين جاء بالرحمة والخير والتيسير فندب أمته إلى اختيار أيسر الأمور في كثير من مجالات الحياة، فدعاهم إلى العفو والصفح بدل الانتقام، وإلى الحلم على العبيد والخدم والنساء، بل الشدة والغلظة، كما دعاهم إلى الرفق بالآخرين وعدم التشهير بهم إذا كان منهم خطأ، وأن يختار الناصح أحسن الألفاظ حتى لا يثير المنصوح أو يشهر به، ثم جعل ﷺ الحياء هو أساس الخير وروح الأخلاق.

стр. 16460

التجاوز في الأمر

стр. 16461

شرح حديث (ما خير رسول الله ﷺ في أمرين إلا اختار أيسرهما) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في التجاوز في الأمر. حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ أنها قالت: (ما خير رسول الله ﷺ في أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه، إلا أن تنتهك حرمة الله تعالى فينتقم لله بها)]. يقول الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [باب في التجاوز في الأمر]. معنى ذلك الأخذ بالأيسر، والتسامح فيه، وعدم الأخذ بما هو شاق، وقد أورد أبو داود حديث عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، وما انتقم لنفسه ﷺ قط، إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله . ففيه: أن النبي الكريم ﷺ ما عرض له أمران أحدهما فيه مشقة والآخر فيه سهولة ويسر إلا اختار الأيسر والأسهل، إلا إذا كان ذلك الأيسر فيه إثم فإنه أبعد الناس عنه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وكذلك ما انتقم لنفسه، بمعنى أنه يسيء إليه من يسيء فيصفح ويتجاوز، ولا يقابل الإساءة بأن يعاقب عليها، بل يعفو ويصفح صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فهو لا ينتقم لنفسه، ولكنه ينتقم إذا كان ذلك الشيء يتعلق بالله ، وهذا يدلنا على كمال خلقه ﷺ ، وعلى شفقته على أمته وحرصه عليها، وعلى ابتعاده عن كل شيء يكون فيه مشقة وضرر عليها؛ لأنه ﷺ يختار الأيسر في الأمرين الحاصلين اللذين لا بد من أخذ واحد منهما. وقد ذكر صاحب عون المعبود معنى ذلك حيث قال: (قال القاضي: ويحتمل أن يكون تخييره ﷺ هاهنا من الله تعالى فيخيره فيما فيه عقوبتان، أو فيما بينه وبين الكفار من القتال وأخذ الجزية، أو في حق أمته في المجاهدة في العبادة، أو الاقتصاد). كان ﷺ يخير بين القتال وبين أخذ الجزية، وأخذ الجزية أيسر من القتال؛ لأن أخذ الجزية فيه مصلحة؛ وهي أنهم يبقون تحت حكم الإسلام، وتطبق أحكام الإسلام بينهم، فيكون في مشاهدتهم لأحوال المسلمين، وفي تطبيق أحكام الإسلام ما يكون سبباً في دخولهم في الإسلام، بخلاف كونه يقاتلهم ويستأصلهم، فإن ذلك فيه مضرة وقد تفوت هذه المصلحة التي تحصل بأخذ الجزية، وهي أسهل من القتال لما يترتب عليها من التمكن من الدخول في الإسلام بعد مشاهدة حسنها وفائدتها ومصلحتها. وكذلك يخير بين عقوبتين فإنه يختار أيسرهما وهي الأخف. وكذلك في حق أمته في المجاهدة في العبادة أو الاقتصاد، أي: الاجتهاد في العبادة والإكثار منها، أو الاقتصاد والتوسط وعدم الإكثار، ومعلوم أن الإكثار الذي يحصل معه الملل ثم الانقطاع ليس بمحمود، ولكن القليل الذي يدوم ويتمكن من الإتيان به والمداومة عليه هو الذي فيه المصلحة؛ ولهذا ثبت في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (إن أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل)؛ لأن قليلاً تداوم عليه، خير من كثير تنقطع عنه، والإنسان إذا اجتهد في وقت من الأوقات، ثم كسل وحصل له الملل وترك العمل نهائياً فهذا سيئ، ولكن كونه يأتي بشي قليل ويداوم ويستمر عليه على مدى الأيام فإن هذا أولى، كأن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فهذا أفضل من أن يصوم شهراً أو شهرين ثم يتعب ويترك، وكذلك كونه يكثر من العبادة فيمل ويترك فهذا سيئ، وخير منه أن يحافظ على شيء قليل محدد يداوم عليه. قوله: [(ما خير رسول الله ﷺ في أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً)]. (ما لم يكن إثماً) هذا يكون فيما بينه وبين الناس، يعني: التخيير في أمور تجري بينه وبين الناس. قوله: [(فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه، إلا أن تنتهك حرمة الله تعالى فينتقم لله بها)]. يعني: أنه يتجاوز عن حقه ويصفح، ولا ينتقم لنفسه، ولكن إذا انتهكت حرمات الله فإنه ينتقم لله وليس لنفسه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

стр. 16462

تراجم رجال إسناد حديث (ما خير رسول الله ﷺ في أمرين إلا اختار أيسرهما) قوله: [حدثنا عبد الله بن مسلمة]. هو عبد الله بن مسلمة القعنبي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة. [عن مالك]. هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث الفقيه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن ابن شهاب]. ابن شهاب هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عروة بن الزبير]. هو عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن عائشة]. هي عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي الصديقة بنت الصديق، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 16463

شرح حديث (ما ضرب رسول الله خادماً ولا امرأة قط) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵍ قالت: (ما ضرب رسول الله ﷺ خادماً ولا امرأةً قط)]. أورد المصنف حديث عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ ما ضرب خادماً ولا امرأةً قط) وذلك لكرم أخلاقه ولسماحته ولحسن معاشرته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فإنه لم يحصل منه أن ضرب خادماً من الخدم الذين يخدمونه، ولم يضرب أحداً من زوجاته ﵊، بل كان رفيقاً رحيماً سمحاً يحب الرفق صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. وهذا يدل على كمال أخلاقه ﵊، مع أنه قد يحصل من الخدم مخالفات وأمور يستحق بعضهم أن يعاقب عليها، ولكن شأنه وطريقته الرفق والتسامح والتجاوز في الأمور صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

стр. 16464

تراجم رجال إسناد حديث (ما ضرب رسول الله خادماً ولا امرأة قط) قوله: [حدثنا مسدد]. هو مسدد بن مسرهد البصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. [حدثنا يزيد بن زريع]. يزيد بن زريع ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا معمر]. هو معمر بن راشد الأزدي البصري اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الزهري]. الزهري مر ذكره. [عن عروة عن عائشة]. عروة وعائشة مر ذكرهما.

стр. 16465

شرح حديث (أمر نبي الله أن يأخذ العفو من أخلاق الناس) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله يعني: ابن الزبير في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف:١٩٩] قال: (أمر نبي الله ﷺ أن يأخذ العفو من أخلاق الناس)]. أورد أبو داود أثر عبد الله بن الزبير في قول الله : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]، وفسره بأن يأخذ العفو من أخلاق الناس، يعني: ما كان حسناً من أخلاق الناس فإنه يؤخذ، وما كان سيئاً فإنه يتجاوز عنه ويصفح عنه.

стр. 16466

تراجم رجال إسناد حديث (أمر نبي الله أن يأخذ العفو من أخلاق الناس) قوله: [حدثنا يعقوب بن إبراهيم]. هو يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة. [حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي]. محمد بن عبد الرحمن الطفاوي صدوق يهم، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. [عن هشام بن عروة]. هشام بن عروة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبيه عن عبد الله يعني: ابن الزبير]. أبوه هو عروة بن الزبير وقد مر ذكره. وعبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه الصحابي الجليل، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة وهم: عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عباس ﵃ وعن الصحابة أجمعين. وحديث عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 16467

ما جاء في حسن العشرة

стр. 16468

شرح حديث (كان النبي إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل ما بال فلان يقول ؟) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في حسن العشرة. حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا عبد الحميد يعني: الحماني حدثنا الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عائشة ﵂ أنها قالت: (كان النبي ﷺ إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل: ما بال فلان يقول؟ ولكن يقول: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟)]. أورد المصنف هذه الترجمة: [باب في حسن العشرة] أي: المعاشرة والمعاملة للناس، وكان ﵊ أحسن الناس خلقاً. وقد أورد أبو داود حديث عائشة: أن النبي ﷺ كان إذا حصل من الشخص شيء يحتاج إلى أن ينبه عليه فإنه لا ينبه عليه على الملأ، ويقول: ما بال فلان يقول كذا وكذا؟ فهو يمكن أن يكلمه فيما بينه وبينه، ولكنه من أجل أن يبين للناس الطريقة الصحيحة في مثل هذا الحادث أو في مثل هذا الأمر الذي عرض، دون أن يعرفوا الشخص الذي حصل منه ذلك الشيء الذي هو السبب في إيراد الكلام، فما كان يقول: ما بال فلان يقول كذا وكذا؟ والناس يسمعون، وإنما يقول: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا؟) ولا يسمي الشخص. وفي هذا مصلحة للشخص نفسه؛ لأنه داخل في الخطاب وهو يعرف أنه حصل منه هذا المحذور، وغيره يعلم أن ذلك لا يصلح؛ لأن النبي ﷺ أنكره. والمقصود من ذلك تعميم الفائدة ومعرفة الجميع للحكم الشرعي في هذه المسألة التي حصل فيها ذلك الشيء الذي لا يسوغ ولا يجوز، مثلما جاء في قصة بريرة وأسيادها الذين قالوا: إنهم يبيعونها ولكن بشرط أن يكون لهم الولاء، حيث كاتبوها وأرادت عائشة أن تدفع لهم الشيء الذي تحملته لهم، وتكون هي التي تعتقها، فشرطوا هذا الشرط فقال الرسول ﷺ : (ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، إنما الولاء لمن أعتق).

стр. 16469

تراجم رجال إسناد حديث (كان النبي إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل ما بال فلان يقول ؟) [حدثنا عثمان بن أبي شيبة]. عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي وإلا النسائي فقد أخرج له في عمل اليوم والليلة. [حدثنا عبد الحميد يعني: الحماني]. هو عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني، وهو صدوق يخطئ، أخرج له البخاري ومسلم في المقدمة وأبو داود والترمذي وابن ماجة. [حدثنا الأعمش]. هو سليمان بن مهران الكاهلي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن مسلم]. هو مسلم بن صبيح أبو الضحى، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن مسروق]. هو مسروق بن الأجدع، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عائشة]. عائشة ﵂ مر ذكرها.

стр. 16470

حكم التصريح باسم الشخص إذا كان شره شائعاً والحديث فيه دلالة على عدم مشروعية ذكر اسم المردود عليه، وتشهيره عند الناس، لكن إذا كان قد حصل منه أمور منكرة، وقد كتبها ودونها، وانتشر كتابه وظهر منه ذلك، فإنه يذكر اسمه ويذكر كتابه حتى يعرف الكتاب الذي فيه السوء فيحذر.

стр. 16471

شرح حديث (أن رجلاً دخل على رسول الله وعليه أثر صفرة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة حدثنا حماد بن زيد حدثنا سلم العلوي عن أنس: (أن رجلاً دخل على رسول الله ﷺ وعليه أثر صفرة، وكان رسول الله ﷺ قلما يواجه رجلاً في وجهه بشيء يكرهه، فلما خرج قال: لو أمرتم هذا أن يغسل ذا عنه). قال أبو داود: سلم ليس هو علوياً، كان يبصر في النجوم وشهد عند عدي بن أرطاة على رؤية الهلال فلم يجز شهادته]. ثم أورد أبو داود حديث أنس بن مالك ﵁: أن رجلاً دخل على النبي ﷺ وعليه أثر صفرة، يعني: زعفران، وسواء كان ذلك في جسده أو في ثوبه، ومعلوم أن التزعفر لا يصلح للرجال، كما سبق أن مر ذلك في أحاديث عن رسول الله ﷺ ، وكان قلما يواجه شخصاً بشيء يكرهه، فلما خرج طلب ممن حوله أن يأمروه أن يزيل هذا الخلوق، أو يزيل هذه الصفرة عنه. والمقصود أنه قلما يواجه شخصاً بشيء يكرهه، وأنه أمرهم أن يخبروه بذلك الأمر الذي أراد أن يخبره به. والحديث في سنده سلم العلوي هذا، وهو ضعيف، لذا فالحديث ليس بثابت عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

стр. 16472

تراجم رجال إسناد حديث (أن رجلاً دخل على رسول الله وعليه أثر صفرة) قوله: [حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة]. هو عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري، وهو ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. [حدثنا حماد بن زيد]. هو حماد بن زيد بن درهم البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا سلم العلوي]. سلم العلوي ضعيف، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي في عمل اليوم والليلة. قال أبو داود: سلم لم يكن علوياً كما هو المتبادر من النسبة؛ لأنه إذا قيل علوي فمعناه أنه ينسب إلى علي بن أبي طالب ﵁، وأنه من ذريته، كما ينسب العباسي إلى العباس، فالمشهور فيمن ينتسب إلى علي أن يقال عنه: علوي، وبين أن هذه النسبة ليست كما يتبادر إلى الذهن، وإنما يقال له: العلوي؛ لأنه كان ينظر للعلو، يعني: في النجوم، ومثل هذا يقال له: نسبة إلى أدنى مناسبة، إذ هي ليست نسبة واضحة؛ لأن النسبة منها ما يكون واضحاً ويتبارد إلى الذهن، ومنها ما يكون بعيداً ولا يتبادر إلى الذهن، مثل هذا الذي قيل له: العلوي؛ لأنه ينظر إلى العلو، وهذا شيء غير متبادر إلى الذهن. ومثل ذلك: خالد الحذاء تلقيبه بـ الحذاء لم يكن لكونه يصنع الأحذية أو يبيعها، وإنما لأنه كان، يجلس عند الحذائين فقيل له: الحذاء، وهي نسبة غير متبادرة إلى الذهن. وكذلك يزيد بن صهيب الفقير فلقب الفقير يتبادر إلى الذهن أنه لكونه فقيراً، ولكنه سمي بذلك لأنه كان يشكو فقار ظهره، وهي نسبة ليست مما يتبادر إلى الذهن، فكذلك العلوي هنا هو من هذا القبيل. قوله: [عن أنس]. أنس ﵁ خادم رسول الله ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ . [قال أبو داود: سلم ليس هو علوياً كان يبصر في النجوم، وشهد عند عدي بن أرطأة على رؤية الهلال فلم يجز شهادته]. هو نفسه ضعيف لا يحتج بحديثه وقد ردت شهادته بسبب شيء فيه، ولكن عموماً هو ضعيف، والضعيف كما هو معلوم حديثه غير معتمد.

стр. 16473

كلام محمد عوامة في نسبة سلم العلوي وسبب رد شهادته وهناك معنىً آخر ذكره محمد عوامة في حاشيته وهو أنه كان حاد البصر، ويرى الهلال قبل الناس، ولذلك ردت شهادته. فيقول: على حاشية نسخة حاء بخط الحافظ يوسف بن خليل، وإملاء الملك المحسن قال أحمد بن يوسف: سلم العلوي ليس هو من ولد علي بن أبي طالب كما قال أبو داود وأما هو فمنسوب إلى بني علي بن سود، وهو معروف بهم، وقول أبي داود: يبصر في النجوم سهو منه. وذكر صاحب عون المعبود أنه كان يسبق الناس، وكونه يسبق الناس إذا كان المقصود بأنه يرى الهلال ليلة ترائي الهلال والناس ما رأوه فهذا ممكن، وهو المشاهد والواقع؛ لأنه ما كل يرى الهلال أول ليلة، فبعض الناس لا يراه إلا بعد ليلتين، مما يعني أن الناس ليسوا على حد سواء. قال محمد عوامة: كان يبصر الهلال قبل الناس بيوم لشدة بصره، وهو معروف بذلك، وقيل: إنه كان يبصر النجوم كالدلاء لحدة بصره. ولقد قال له أنس بن مالك: يا سلم خل بين الناس وبين هلالهم حتى يروه. وهو ضعيف. فهو حديد يبصر النجوم، لا يبصر في النجوم، بمعنى أنه كان منجماً. انتهى. بينما أبو داود يقول: ويبصر في النجوم. فكونه يبصر النجوم، المقصود: أنه يرى النجوم في العلو، ولهذا قالوا: علوي نسبة إلى العلو.

стр. 16474

شرح حديث (المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا نصر بن علي أخبرني أبو أحمد حدثنا سفيان عن الحجاج بن فرافصة عن رجل عن أبي سلمة عن أبي هريرة ح وحدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني حدثنا عبد الرزاق أخبرنا بشر بن رافع عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رفعاه جميعاً قال: قال رسول الله ﷺ : (المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم)]. أورد أبو داود ﵀ حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم). ويجوز في (خب) فتح أوله وكسره. ومعنى قوله ﷺ : (المؤمن غر) أي أنه لا يشغل نفسه بتتبع الأمور التي يكون فيها مضرة، أو الأمور التي ليست حسنة فيشغل نفسه بها. وقوله: (كريم)؛ لأن كرمه هو الذي يدفعه إلى أنه لا يشغل نفسه بمثل هذه الأمور بعكس الفاجر فإنه خَب أو خِب، بمعنى أنه يقدم على أشياء فيها فساد وفيها مضرة؛ لأن نفسه تشتهي ذلك وتميل إليه، فيكون لؤمه هو الذي دفعه إلى أن يقدم على شغل نفسه بأمور محذورة فيها فساد ومضرة، وقد يكون معنى قوله: (خب) أنه يجتهد في الشيء الذي فيه مضرة مثلما يقال: خَبَّ، بمعنى: أقدم وأسرع، أو من التخبيب الذي هو الإفساد، مثل: تخبيب المرأة على زوجها، فيكون المؤمن عنده غفلة عن الأمور التي لا حاجة إليها، وينشغل بما هو أهم منها، والفاجر بعكس ذلك.

стр. 16475

تراجم رجال إسناد حديث (المؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم) قوله: [حدثنا نصر بن علي]. هو نصر بن علي الجهضمي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرني أبو أحمد]. أبو أحمد الزبيري هو محمد بن عبد الله بن الزبير، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا سفيان]. هو سفيان الثوري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الحجاج بن فرافصة]. الحجاج بن فرافصة صدوق يهم، أخرج له أبو داود والنسائي. [عن رجل عن أبي سلمة]. هذا الرجل مبهم، ولكن جاء في الرواية الثانية أنه يحيى بن أبي كثير فيكون قد عرف. وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة]. هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁، صاحب رسول الله ﵊، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق. [ح وحدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني]. ثم قال: ح وهي للتحول من إسناد إلى إسناد. ومحمد بن المتوكل العسقلاني صدوق له أوهام كثيرة، أخرج له أبو داود. [حدثنا عبد الرزاق]. هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا بشر بن رافع]. بشر بن رافع ضعيف الحديث، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجة. [عن يحيى بن أبي كثير]. هو يحيى بن أبي كثير اليمامي، وهو الذي يروي عن أبي سلمة، وقد مر ذكره. [عن أبي سلمة عن أبي هريرة]. أبو سلمة وأبو هريرة مر ذكرهما. [رفعاه جميعاً]. يعني: ذكراه مرفوعاً.

стр. 16476

شرح حديث (إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ودعه الناس لاتقاء فحشه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد قال حدثنا سفيان عن ابن المنكدر عن عروة عن عائشة قالت: (استأذن رجل على النبي ﷺ فقال: بئس ابن العشيرة، أو بئس رجل العشيرة! ثم قال: ائذنوا له، فلما دخل ألان له القول، فقالت عائشة: يا رسول الله! ألنت له القول وقد قلت له ما قلت؟! قال: إن شر الناس عند الله منزلةً يوم القيامة من ودعه -أو تركه- الناس لاتقاء فحشه)]. أرود أبو داود حديث عائشة ﵂ أن رجلاً استأذن على النبي ﷺ ، فلما سمع ﷺ باسمه قال: (بئس رجل العشيرة، أو بئس ابن العشيرة). وهذا فيه ذم له، ولما دخل ألان له القول، فلما خرج قالت عائشة: يا رسول الله، إن فلاناً قلت فيه كذا وكذا، ثم ألنت له القول، تعني: أنه ما حصل منه شيء يطابق الذي قاله عنه في الأول، وإنما ألان له القول، فقال ﵊: (إن شر الناس منزلةً عند الله من ودعه الناس اتقاء فحشه) أي: تركه الناس اتقاء فحشه، أو اتقاء شره، وذلك كإنسان يكون عند بذاءة في اللسان وعنده تطاول على الناس، فالناس يحرصون على أن يتخلصوا منه، ولا يدخلون معه في مصادمات؛ لأنه يؤذيهم، وقد بذل نفسه للإيذاء فما يكون من الناس إلا أن يلينوا له القول لاتقاء شره، فبدلاً من أن يحصل منهم أمر يدفعه إلى أن يتطاول عليهم ويؤذيهم ويسبهم ويفحش في القول فيهم، يلينوا له القول من أجل أن يتقوا شره؛ لأن سلامة الناس من شره أمر مقصود.

стр. 16477

تراجم رجال إسناد حديث (إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ودعه الناس لاتقاء فحشه) قوله: [حدثنا مسدد حدثنا سفيان]. سفيان هو ابن عيينة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن المنكدر]. هو محمد بن المنكدر، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عروة عن عائشة]. عروة وعائشة مر ذكرهما.

стр. 16478

كلام المنذري في اسم الرجل الذي استأذن على النبي قوله: [(استأذن رجل)]. هذا الرجل مبهم غير معين، لكن جاء عن بعض أهل العلم أنه واحد من أصحاب النبي ﷺ . قال المنذري: هذا الرجل هو عيينة بن حصن الفزاري، وقيل: هو مخرمة بن نوفل الزهري والد المسور. وعيينة بن حصن مر ذكره قريباً، وجاء أن الرسول ﷺ أعطاه ليتألفه على الإسلام، وكان حديث عهد بالإسلام، وقيل: مخرمة والد المسور بن مخرمة، وكان عنده شيء من الشدة، وقد سبق ذكره في بعض الأحاديث، حين كان الرسول ﷺ يوزع أقبية، فجاء مخرمة يريد أن يكون له نصيب منها هو وابنه، فقال لابنه المسور: ادخل فادعه ليخرج إلي، فخرج النبي ﷺ ومعه قباء يقلبه فقال له: إنا خبأنا هذا لك، أو ادخرنا هذا لك.

стр. 16479

جواز غيبة الرجل من أجل التحذير من شره والحديث فيه دلالة على أن ذكر الإنسان بما فيه من فحش من أجل أن يحذر لا بأس به، وهذا مما هو سائغ، فهو قال هذا الكلام من أجل أن يعرف الناس حاله، وأن يكونوا على علم به، والغيبة كما هو معلوم محرمة، ولكنها تجوز في أمور معينة ذكرها العلماء.

стр. 16480

الفرق بين المداراة والمداهنة وفعل النبي مع هذا الرجل فيه شيء من المداراة. وهناك فرق بين المداراة والمداهنة، فالمدارة كما هو معلوم لا يترتب عليها ترك حق، أو إيجاد باطل، أما المداهنة فيمكن أن يكون فيها سكوت عن باطل أو عن أمر منكر أو إقرار لأمر غير سائغ.

стр. 16481

شرح حديث (أن رجلاً استأذن على النبي فقال النبي بئس أخو العشيرة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن عائشة ﵂: (أن رجلاً استأذن على النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : بئس أخو العشيرة! فلما دخل انبسط إليه رسول الله ﷺ وكلمه، فلما خرج قلت: يا رسول الله، لما استأذن قلت: بئس أخو العشيرة، فلما دخل انبسطت إليه!! فقال: يا عائشة إن الله لا يحب الفاحش المتفحش)]. أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله، وفيه: (إن الله لا يحب الفاحش المتفحش) يعني: الذي يأتي بالفاحش من القول، أو الفحش من الكلام ويواجه به.

стр. 16482

تراجم رجال إسناد حديث (أن رجلاً استأذن على النبي فقال النبي بئس أخو العشيرة) قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل]. هو موسى بن إسماعيل التبوذكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا حماد]. هو حماد بن سلمة بن دينار، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن محمد بن عمرو]. هو محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي سلمة عن عائشة]. أبو سلمة وعائشة مر ذكرهما.

стр. 16483

شرح حديث (إن من شرار الناس الذين يكرمون اتقاء ألسنتهم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عباس العنبري حدثنا أسود بن عامر حدثنا شريك عن الأعمش عن مجاهد عن عائشة في هذه القصة قالت: (فقال: - تعني النبي صلى الله عليه سلم- يا عائشة! إن من شرار الناس الذين يكرمون اتقاء ألسنتهم)]. أورد أبو داود حديث عائشة من طريق أخرى وفيه: (إن من شرار الناس الذين يكرمون اتقاء ألسنتهم). يعني: لا يكون الإكرام من القلب، أو لأن هذا يستحقه، وإنما من أجل السلامة من شره، وكما يقولون: (قطع لسانه) بحيث لا يتكلم بأمر منكر، كأن يكون معروفاً بالهجو وبالإقذاع في القول وفي الكلام، وإذا حصل منهم أن تهاونوا في أمره أنشأ فيهم قصيدة إذا كان شاعراً مقذعاً، أو تكلم فيهم بكلام بذيء.

стр. 16484

تراجم رجال إسناد حديث (إن من شرار الناس الذين يكرمون اتقاء ألسنتهم) قوله: [حدثنا عباس العنبري]. هو عباس بن عبد العظيم العنبري، وهوثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [حدثنا أسود بن عامر]. أسود بن عامر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا شريك]. هو شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن الأعمش]. الأعمش مر ذكره. [عن مجاهد]. هو مجاهد بن جبر المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عائشة]. عائشة مر ذكرها.

стр. 16485

شرح حديث (ما رأيت رجلاً التقم أذن رسول الله فينحي رأسه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن منيع حدثنا أبو قطن أخبرنا مبارك عن ثابت عن أنس قال: (ما رأيت رجلاً التقم أذن رسول الله ﷺ فينحي رأسه حتى يكون الرجل هو الذي ينحي رأسه، وما رأيت رجلاً أخذ بيده فترك يده حتى يكون الرجل هو الذي يدع يده)]. أورد أبو داود حديث أنس بن مالك ﵁ قال: (ما رأيت رجلاً التقم أذن النبي ﷺ معناه: أنه يسر في أذنه بكلام، أي: يقرب فمه من أذنه للمسارة والكلام الذي لا يراد أن يسمعه الحاضرون. فيقول أنس: إنه ما رأى أحداً التقم أذن النبي ﷺ فيؤخر رأسه حتى يكون ذلك هو الذي يؤخر فمه، فكان النبي ﷺ يقرب رأسه والرجل يقرب فمه إلى أذنه فيبقى النبي على هذه الحال حتى ينهي المتكلم حاجته وبغيته، ثم يرجع الرسول ﷺ إلى هيئته من الانتصاب الذي كان قبل إمالة الرأس من أجل المسارة، وهذا من كمال أخلاقه ﵊. وهو يدل أيضاً على جواز المسارة فيما إذا كان الإنسان في مجلس، وكان أحدهم يريد أن يتحدث معه ولا يتمكن من أن ينفرد به أو يذهب به إلى مكان آخر. قوله: (وما رأيت رجلاً أخذ بيده فترك يده حتى يكون الرجل هو الذي يدع يده). معناه: أن النبي ﷺ ما كان يسحب يده، وإنما يبقي يده حتى يكون ذاك الرجل هو الذي ينتهي، وهذا من كمال أخلاقه ﵊.

стр. 16486

تراجم رجال إسناد حديث (ما رأيت رجلاً التقم أذن رسول الله فينحي رأسه) قوله: [حدثنا أحمد بن منيع]. أحمد بن منيع ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا أبو قطن]. أبو قطن هو عمرو بن الهيثم، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن. [أخبرنا مبارك]. هو مبارك بن فضالة، وهو صدوق يدلس ويسوي، أخرج له البخاري تعليقاً وأبو داود والترمذي وابن ماجة. [عن ثابت]. هو ثابت بن أسلم البناني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أنس]. أنس مر ذكره.

стр. 16487

قول الألباني في صحة حديث أنس وحديث عائشة حديث أنس صحيح. ولا يضر تدليس مبارك بن فضالة، وقد صححه الشيخ الألباني، لكن لا أدري هل صححه بسبب وجود شواهد أو لشيء آخر. والشيخ الألباني ضعف إسناد الحديث الذي قبله: (يا عائشة إن من شرار الناس الذين يكرمون اتقاء ألسنتهم)، حيث قيل: إن مجاهداً لم يسمع من عائشة، لكن المحشي يذكر أن رواية مجاهد عن عائشة موجودة في الصحيحين. وسند الحديث فيه شريك عن الأعمش عن مجاهد عن عائشة، وكلهم لا بأس بهم ما عدا شريكاً ففيه كلام.

стр. 16488

ما جاء في الحياء

стр. 16489

شرح حديث (أن النبي مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الحياء. حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر: (أن النبي ﷺ مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله ﷺ : دعه فإن الحياء من الإيمان)]. أورد أبو داود هذه الترجمة: [باب في الحياء]. والحياء خصلة كريمة تدفع إلى البعد عن الرذائل وإلى فعل الخصال الحميدة، وهذا هو الحياء المحمود. أما الحياء الذي هو خجل وضعف، فهو غير محمود، مثل الحياء الذي يمنع الإنسان من طلب العلم، فهذا ضعف وليس حياء، وهو غير محمود، وإنما المحمود هو الذي يدفع إلى ترك الأشياء المنكرة والمستكرهة حياء من الله ، وهو الذي يعد من الإيمان، والنبي ﷺ قال للذي كان يعظ أخاه في الحياء: (دعه فإن الحياء من الإيمان)، والحياء شعبة من شعب الإيمان كما جاء في الحديث الآخر: (الإيمان بضع وستون شعبة -أو بضع وسبعون شعبة- أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان).

стр. 16490

تراجم رجال إسناد حديث (أن النبي مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء) قوله: [حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله]. مر ذكر الثلاثة الأولين، وأما سالم فهو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عمر]. هو عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
следующие страницы →