Полный текст (18 341 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
شرح سنن أبي داود [٠٦٨]
دخول المشرك إلى المسجد جائز للحاجة، وقد استقبل الرسول ﷺ وفوداً من المشركين في المسجد، وبهذا يتبين لنا أن نجاسة المشرك ليست في ذاته، ولا تجوز الصلاة في المقبرة والحمام؛ لأن الصلاة في المقبرة ذريعة إلى الشرك، أما الحمام فإنه محل للنجاسات والقاذورات.
стр. 1647
ما جاء في المشرك يدخل المسجد
стр. 1648
شرح حديث: (دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال: أيكم محمد ؟)
قال رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في المشرك يدخل المسجد.
حدثنا عيسى بن حماد حدثنا الليث عن سعيد المقبري عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر أنه سمع أنس بن مالك يقول: (دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال: أيكم محمد؟ ورسول الله ﷺ متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا له: هذا الأبيض المتكئ، فقال له الرجل: يا ابن عبدالمطلب! فقال له النبي ﷺ : قد أجبتك، فقال له الرجل: يا محمد! إني سائلك) وساق الحديث].
أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة وهي: باب ما جاء في دخول المشرك المسجد يعني: أن ذلك سائغ للحاجة، فيجوز أن يدخل الكافر المسجد للحاجة، وذلك أن الكافر ليست نجاسته نجاسة ذاتية، بمعنى أنه إذا دخل تحصل النجاسة في المسجد؛ لأن نجاسة الكافر حكمية، وهي نجاسة الكفر وخبث النحلة والعقيدة، وكونه يشرك بالله ويعبد مع الله غيره ولا يؤمن بالله ، وإنما يعبد مع الله غيره ويشرك بالله غيره، فهذه هي النجاسة التي في الكفار، وقد قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٨] والمقصود بالنجاسة هنا هي: النجاسة الحكمية، وهي نجاسة الكفر وليست نجاسة الذات، فليست ذواتهم نجسة بمعنى أنه إذا مس أحدهم شيئاً فإنه يكون نجساً، فدخوله المسجد سائغ وجائز، وقد جاءت في ذلك أحاديث عن رسول الله ﷺ ، ذكر أبو داود جملة منها، وهناك أحاديث في غير أبي داود، منها: قصة الرجل الذي ربطه النبي ﷺ في المسجد، ثم بعد ذلك فتح الله عليه ومنَّ الله عليه بالإسلام، فأطلقه الرسول ﷺ ، وذهب واغتسل وجاء، وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فكان قد ربطه في المسجد في سارية.
أورد أبو داود ﵀ جملة من الأحاديث، أولها حديث أنس بن مالك رضي الله أن النبي ﷺ كان جالساً مع أصحابه في المسجد بين ظهرانيهم وهم محيطون به أو حوله، فجاء رجل مشرك على راحلته، فأناخها في المسجد وعقلها، وجاء في الحديث الآخر الذي بعد هذا أنه أناخها على باب المسجد وعقلها، ودخول الدابة إلى المسجد للحاجة لا بأس به، مثلما دخل النبي ﷺ مكة وطاف بالبيت وهو راكب على بعير، ويمس ﷺ الحجر بمحجن، أيضاً الإبل وغيرها مما يؤكل لحمه أرواثها وأبوالها لو وقعت فإنها طاهرة ليست نجسة، فالدخول للحاجة جائز، لكن هذا أدخل الراحلة إلى المسجد لغير حاجة، ولكن في الرواية الثانية أنه أناخها بالباب، ويحتمل أن تكون القصة واحدة، أو أن المقصود بالمسجد قرب المسجد أو في باب المسجد، فأطلق عليه أنه في المسجد.
وفي الحديث: (أنه دخل إلى النبي ﷺ ، وهذا هو محل الشاهد، يعني: كون الكافر يدخل المسجد، وجاء إلى النبي ﷺ وهو بين أصحابه، فقال: (أيكم محمد؟ فقالوا: هو هذا المتكئ الأبيض)، وكان ﵊ لتواضعه لا يعرف، فإذا كان بين أصحابه الذي لا يعرفه لا يميزه، فأشاروا إلى النبي ﷺ ، فخاطبه وقال: (يا محمد! فقال: قد أجبتك) يعني: قل ما تريد، فسأله وساق الحديث، يعني: أن أبا داود اختصر الحديث وأتى بأوله الذي يدل على محل الشاهد للترجمة، ثم أشار إلى أن الراوي ساق الحديث إلى آخره وسأله الأسئلة التي سأله إياها، ولكن المقصود من الحديث هو دخول المشرك المسجد، فإن هذا رجل كافر دخل المسجد، وجاء إلى النبي ﷺ وهو بين أصحابه، والمتكي هو الذي يكون جالساً ومتمكناً في الجلوس، والمتربع يقال له: متكئ، وأيضاً يقال لمن كان معتمداً على أحد شقيه: متكئ، وقد جاء عن النبي ﷺ هذا المعنى الثاني في حديث: (ألا أخبركم بأكبر الكبائر وكان متكئاً فجلس) يعني: أنه كان متمايلاً على شيء وبعدها جلس، أراد أن يبين لهم هذا الأمر الخطير وهذا الأمر العظيم وهذا الأمر الفظيع الذي هو قول الزور وشهادة الزور، قال: (فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت)، فالمتكئ يطلق على الذي يجلس متربعاً أو متمكناً على وطاء أو على فراش، ويطلق على من كان متكئاً على أحد شقيه، فسواء كان الإنسان متكئاً على شيء أو متكئاً على ذراعه أو على مرفقه فإن هذا يقال له: اتكاء، يعني.
معتمد على أحد جنبيه.
والحاصل: أن الحديث دال على دخول المشرك أو الكافر إلى المسجد، وقد ذكرنا أن ذلك لا مانع منه، وأن نجاسة الكفار ليست عينية، وإنما هي حكمية.
قوله: (فقال له الرجل: يا ابن عبدالمطلب!).
يعني: أنه خاطب النبي ﷺ ، فقال له: (قد أجبتك) يعني: هات ما عندك.
стр. 1649
تراجم رجال إسناد حديث: (دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال: أيكم محمد ؟)
قوله: [حدثنا عيسى بن حماد].
هو عيسى بن حماد التجيبي الأنصاري الملقب زغبة وهو ثقة أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
[حدثنا الليث].
هو الليث بن سعد المصري وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد المقبري].
هو سعيد بن أبي سعيد المقبري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر].
شريك بن عبد الله بن أبي نمر صدوق يخطئ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، إلا الترمذي فإنه أخرج عنه في الشمائل وليس في السنن، ومن أخطائه التي جاءت في صحيح البخاري أخطاؤه في حديث الإسراء الطويل الذي ساقه البخاري، وفيه أوهام جاء بها شريك، واعتبروها من أخطائه ومن أوهامه، وهي من الأمور التي لم يوجد عنها جواب فيما أورد البخاري في صحيحه؛ لأن كثيراً من الأحاديث التي انتقدت على البخاري أجيب عنها بأجوبة والحق فيها أو في كثير منها مع البخاري، لكن هذا الذي جاء في حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس في قصة الإسراء مشتمل على أوهام كثيرة انفرد بها شريك، وقد ذكرها ابن كثير في تفسير سورة الإسراء وقال: إن شريكاً وهم.
يعني: أن فيها ضعفاً وأن ما جاء من طريق شريك هو مما انفرد به وهو ضعيف، أما مسلم ﵀ فإنه أورد الحديث من طريق ثابت بن أسلم عن أنس ثم أتى بطريق شريك ولم يسق لفظه، وإنما قال: فزاد ونقص وقدم وأخر، يعني: أن مسلماً ﵀ أشار إلى حديث شريك إشارة وأن فيه زيادات ونقصاناً وتقديماً وتأخيراً، ولم يسق لفظه، وإنما ساق لفظ ثابت البناني أما البخاري فإنه ساقه بلفظه، وهذا الحديث من الأحاديث التي خالف فيها غيره، وفيه أشياء حصروها وذكروها وعدوها، وهي مذكورة في تفسير ابن كثير في سورة الإسراء، وفي كتاب الحافظ ابن حجر فتح الباري.
وكما هو معلوم أن شريك بن أبي نمر وشريكاً القاضي مختلفان في الطبقة؛ لأن هذا من طبقة التابعين يروي عن أنس وأما شريك القاضي فهو من طبقة شيوخ أصحاب الكتب الستة في طبقة متأخرة، فلا يلتبس هذا بهذا؛ لأن أحدهما يأتي في آخر الإسناد والآخر يأتي في أول الإسناد.
[أنه سمع أنس بن مالك].
أنس بن مالك ﵁ صاحب رسول الله ﷺ وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 1650
شرح حديث: (بعث بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة إلى رسول الله)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عمرو حدثنا سلمة حدثني محمد بن إسحاق حدثني سلمة بن كهيل ومحمد بن الوليد بن نويفع عن كريب عن ابن عباس قال: (بعث بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة إلى رسول الله ﷺ ، فقدم عليه فأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله، ثم دخل المسجد فذكر نحوه، قال: فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال: رسول الله ﷺ : أنا ابن عبد المطلب، قال: يا ابن عبد المطلب) وساق الحديث].
أورد أبو داود ﵀ حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وأبو داود ﵀ أورده بعد الحديث الأول، والذي يفهم منهما أن القصة واحدة إلا أن هذه الرواية جاءت عن ابن عباس والأولى جاءت عن أنس، وهذه الرواية فيها أنه أناخ البعير في باب المسجد، بخلاف الرواية السابقة ففيها أنه أناخه في المسجد، وأنه دخل إلى النبي ﷺ وخاطبه، والحديث فيه أن الكافر دخل المسجد، وهذا هو المقصود من إيراد الحديث تحت هذه الترجمة، ولم يسق باقي الحديث؛ لأن المقصود منه الاختصار والاقتصار على محل الشاهد للترجمة، وهو دخول الكافر أو المشرك المسجد.
стр. 1651
تراجم رجال إسناد حديث: (بعث بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة إلى رسول الله)
قوله: [حدثنا محمد بن عمرو].
محمد بن عمرو الملقب زنيج ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود وابن ماجة.
[حدثنا سلمة].
هو سلمة بن الفضل وهو صدوق كثير الخطأ، أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة في التفسير.
[حدثني محمد بن إسحاق].
هو محمد بن إسحاق المدني وهو صدوق أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[حدثني سلمة بن كهيل].
سلمة بن كهيل ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ومحمد بن الوليد بن نويفع].
محمد بن الوليد بن نويفع مقبول، أخرج له أبو داود.
[عن كريب].
هو كريب مولى ابن عباس وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ ، وأحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 1652
شرح حديث: (أن اليهود أتوا النبي وهو جالس في المسجد)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري حدثنا رجل من مزينة ونحن عند سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ قال: (اليهود أتوا النبي ﷺ وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم! في رجل وامرأة زنيا منهم)].
أورد أبو داود ﵀ حديث أبي هريرة ﵁: (أن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد في شأن رجل وامرأة زنيا منهم)، والمفهوم من ذلك أن اليهود دخلوا المسجد، وأنهم جاءوا إلى النبي ﷺ وهو في المسجد، وهذا هو المقصود من إيراد الحديث، يعني: أن الكافر المشرك دخل المسجد، وهذا الحديث دال على ما دل عليه الذي قبله، ولكن الحديث في إسناده رجل مبهم، وهو رجل من مزينة، والحديث ضعفه الألباني، ولعله ضعفه بسبب هذا الرجل المبهم.
وقصة اليهودي الذي زنى ثابتة في الصحيحين، ولكن الكلام في قصة الدخول في المسجد.
стр. 1653
تراجم رجال إسناد حديث: (أن اليهود أتوا النبي وهو جالس في المسجد)
قوله: [حدثنا محمد بن يحيى بن فارس].
هو محمد بن يحيى بن فارس الذهلي وهو ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.
[حدثنا عبد الرزاق].
هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا معمر].
هو معمر بن راشد الأزدي البصري ثم اليماني وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا رجل من مزينة].
لم نجد له تسمية، حتى في تهذيب التهذيب لما ذكر الزهري وذكر الذين روى عنهم مع الإبهام لم يذكر هذا معهم.
[عن أبي هريرة].
هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عنه ﷺ ، بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق فرضي الله عنه وأرضاه، وسعيد بن المسيب ليس من رجال الإسناد في الحديث، وإنما ذكر أنهم كانوا عنده.
стр. 1654
ما جاء في المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة
стр. 1655
شرح حديث: (جعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً)
[قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة.
حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن مجاهد عن عبيد بن عمير عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : (جعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً)].
أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة بعنوان: باب في المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة، والأصل أن الأرض كلها مكان للصلاة، وأنه يصلى في أي مكان من الأرض إلا ما عرف أن فيه نجاسة وما عرفت نجاسته، أو ورد نص عن رسول الله ﷺ بأنه لا يصلى في هذا المكان، وإلا فإن الأصل هو صحة الصلاة في أي مكان، ولهذا سبق أن مر في حديث عثمان بن أبي العاص الذي قال فيه: (إن النبي ﷺ أمره بأن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طواغيتهم)، والحديث هذا في إسناده من ضعف به، ولكن كون الطواغيت هذه أزيلت، واتخذ مكانها مسجد لا بأس بذلك؛ لأن الأصل هو صحة الصلاة في أي مكان طاهر من الأرض، إلا ما جاء النهي عنه عن رسول الله ﷺ .
أورد أبو داود ﵀ حديث أبي ذر عن النبي ﷺ قال: (جعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً)، يعني: يتيمم فيها وتكون الطهارة لأرضها وترابها أو أي شيء منها، وجعلت مسجداً يصلى فيه، وجاء في حديث آخر: (فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره) يعني: أنه يتيمم ويصلي أينما أدركته الصلاة.
قوله: (جعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً) هذا يفيد بأن أي جزء من الأرض يتيمم به، وأنه لا يختص الأمر بالتراب والأرض الترابية، وليس معنى ذلك أن الإنسان إذا كان في أرض جبلية وأرض حجرية أو أرض ليس فيها تراب أنه لا يتيمم حتى يحصل تراباً، بل يتيمم؛ لقوله ﷺ : (جعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً)، فيتيمم الإنسان على الحصى ويتيمم على الحجارة ويتيمم على أي شيء من الأرض، وعموم الحديث يدل على ذلك، وما جاء في بعض الأحاديث أنه قال: (تربتها) فهذا لا يدل على اختصاص الحكم بالتربة دون غيرها، لأن هذا يدخل تحت القاعدة المشهورة: إذا جاء لفظ عام ثم جاء فرد من أفراد العام بحكم العام فإنه لا يخصص العام؛ لأن قوله: (جعلت الأرض طهوراً وجعلت تربتها طهوراً)، يدل على أن التربة هي جزء من الأرض، يعني: أنه جاء حكم عام للأرض، وجاء حكم خاص لشيء من الأرض، ووجود هذا الخاص لا يبطل العموم، ولكن أكثر ما يمكن أن يقال: إن هذا الخاص ذكر مرتين: مرة مندرجاً تحت اللفظ العام الذي هو التراب، ومرة جاء منصوصاً عليه بخصوصه، ومن القواعد الأصولية: أن إفراد فرد من أفراد العام بحكم العام لا يقصر عمومه عليه، يعني: لا يلغي العموم ثم يقصر الحكم على هذا النوع الذي جاء ببعض الألفاظ، سواءً كان مخصصاً أو محدداً وهو هنا التربة، ولهذا اختلف العلماء في هذا، فمنهم من قال: التيمم لا يكون إلا بالتراب ولا يكون إلا بالصعيد، ومنهم من قال: التيمم يكون بجميع أجزاء الأرض وأن الإنسان في أي مكان كان فإنه يتيمم ويصلي، ولو لم يكن عنده في الأرض رمل وتراب، لو كانت الأرض حجرية، فإنه يتيمم بالغبار الذي على الحجارة، مما يعلق بها، فإنه يكفي.
ومثل ذلك الحديث الذي فيه أن الرسول ﷺ قال: (الشفعة في كل شيء) ثم جاء حديث يبين ما يتعلق بالأرض والحدود والطرق، وهو قوله ﷺ : (فإذا وضعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) فبعض العلماء يجعل الحكم بالشفعة إنما هو في العقار وفي الأرض، ومنهم من يرى عمومه في كل شيء، كما قال الرسول ﷺ : (الشفعة في كل شيء)، أي: سواء كان عقاراً أو غير عقار، فإذا كان لشخصين سيارة وأحد الشريكين باع نصيبه من السيارة فللآخر حق الشفعة، وكذلك إذا كان لاثنين بعير مشترك بينهما وأحد الشخصين باع حصته من البعير على شخص آخر، فلشريكه حق الشفعة، لعموم قوله: (الشفعة في كل شيء)، وقوله: (إذا وضعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) فالحديث الذي جاء في العقار لا يخصص الحكم بالعقار، وإنما أكثر ما في الأمر أن العقار ذكر في بعض الأحاديث، فلا يقصر عموم الشفعة في كل شيء عليه.
وكذلك الحديث الذي فيه: (من وجد متاعه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من الغرماء)، هذا لفظ عام، وجاء في بعض الروايات: (إذا ابتاع الرجل سلعة ووجدها عند رجل قد أفلس فهو أحق بها من غيره) فقوله: (إذا ابتاع) يعني: أن السلعة دخلت عليه عن طريق البيع، وهذا لا يقصر الحكم قوله: (من وجد متاعه عند رجل قد أفلس فهو أحق به من الغرماء) يعني: أنه إذا كان وصل إليه عن طريق البيع فهذا هو الذي يصير أحق، وليس معنى ذلك أنه وصل إليه من أي طريق أخرى فإنه لا يكون أحق به، بل العموم باقٍ على عمومه، وإفراد فرد من أفراد العام لحكم العام لا يقصر عموم حكمه عليه.
والخاص يخرج من العام، لكن هناك حمل المطلق على المقيد، لكن القاعدة هذه فيها ذكر الخاص، يعني: أنه أفرد لكنه داخل تحت اللفظ العام، فكأنه ذكر مرتين: مرة على سبيل الانفراد، ومرة على سبيل دخوله مع غيره، فإفراد فرد منه لا يقصر عمومه عليه.
стр. 1656
تراجم رجال إسناد حديث: (جعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً)
قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة].
عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[حدثنا جرير].
هو جرير بن عبد الحميد الضبي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش].
هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن مجاهد].
هو مجاهد بن جبر المكي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيد بن عمير].
عبيد بن عمير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي ذر].
هو جندب بن جنادة ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
стр. 1657
شرح حديث: (إن حبي نهاني أن أصلي في المقبرة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا ابن وهب حدثني ابن لهيعة ويحيى بن أزهر عن عمار بن سعد المرادي عن أبي صالح الغفاري أن علياً ﵁ مر ببابل وهو يسير، فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة، فلما فرغ قال: (إن حبي ﷺ نهاني أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة)].
أورد أبو داود ﵀ حديث علي ﵁ أنه قال: (إن حبي ﷺ نهاني أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة) والمقبرة جاء فيها حديث سيأتي، وفيه أنه لا يصلى في المقبرة، والنهي عن الصلاة في المقبرة هو لما يترتب على ذلك من التعلق بأصحاب القبور وصرف شيء لهم من دون الله ، ولهذا جاء في الحديث: (أن البيوت لا تتخذ قبوراً)، يعني: أنها لا تكون مثل المقبرة لا يصلى فيها، بل الناس يصلون في بيوتهم ولا يجعلونها مثل المقبرة ليست مكاناً للصلاة، وهذا فيه دليل على أن المقبرة ليست مكاناً للصلاة، وأنه لا يصلى في المقبرة، وليس المقصود هو النجاسة، نعم إذا كان هناك أي مكان متنجس فإنه لا يصلى فيه، ولكن المقصود هو سد الذرائع التي توصل إلى الشرك؛ لأن المقبرة إذا صلي بها واتخذت القبور مساجد تكون مكاناً للصلاة، فمعنى هذا: أن هؤلاء الموتى يصرف لهم شيء من حق الله، أو أن ذلك الفعل قد يؤدي إلى أن يحصل ذلك الأمر المحذور، فالمقبرة جاء فيها شيء غير حديث علي ﵁، جاءت فيها أحاديث عديدة.
وأرض بابل هي كغيرها من الأرض، والأصل في الأرض الطهارة، ولا يصار إلى ترك شيء إلا بدليل، وهذا الحديث الذي ورد فيه مقال من جهة أن أبا صالح الغفاري لم يسمع من علي ﵁، ففيه انقطاع، وعلى هذا فهو غير ثابت، هذا بالإضافة إلى الذين فيهم كلام في رجاله مثل ابن لهيعة وغيره ممن وصف بأنه مقبول، لكن العلة القوية هي علة الانقطاع.
стр. 1658
تراجم رجال إسناد حديث: (إن حبي نهاني أن أصلي في المقبرة)
قوله: [حدثنا سليمان بن داود].
هو أبو الربيع المصري المهري وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود والنسائي.
[أخبرنا ابن وهب].
هو عبد الله بن وهب المصري وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثني ابن لهيعة].
هو عبد الله بن لهيعة المصري وهو صدوق، احترقت كتبه فتغير حفظه أو اختلط، وحديثه أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة.
وأما النسائي فهو لم يخرج له، وقد مر بنا في سنن النسائي كثيراً أن النسائي إذا جاء معه غيره في الإسناد لا يسميه، وإنما يذكر من يريد أن يخرج عنه ويقول: أخبرنا أبو فلان ورجل آخر، فيحافظ على ذكر ما جاء في الإسناد فلا يحذف الشخص الذي جاء في الإسناد، ولكنه يبهمه، فيقول: ورجل آخر، وعمدته في ذلك الذي أظهره؛ لأنه لا يحتج بـ ابن لهيعة ولا يروي عنه في كتابه، ولهذا لم يذكر فيمن خرج له النسائي.
[ويحيى بن أزهر].
يحيى بن أزهر صدوق، أخرج له أبو داود.
[عن عمار بن سعد المرادي].
عمار بن سعد المرادي مقبول، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود.
[عن أبي صالح الغفاري].
هو سعيد بن عبد الرحمن وهو ثقة، أخرج له أبو داود.
[أن علياً].
علي بن أبي طالب ﵁ أمير المؤمنين ورابع الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، أبو الحسنين صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة، فرضي الله تعالى عنه وأرضاه.
стр. 1659
طريق أخرى لحديث: (إن حبي نهاني أن أصلي في المقبرة) وتراجم رجال إسنادها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني يحيى بن أزهر وابن لهيعة عن الحجاج بن شداد عن أبي صالح الغفاري عن علي ﵁ بمعنى سليمان بن داود قال: فلما خرج، مكان: فلما برز].
أورد أبو داود الحديث عن علي ﵁ من طريق أخرى، وأحال فيها على الطريق السابقة، وذكر الفرق بين ما في الرواية الأولى وما في هذه الرواية وهي أن في الرواية الأولى (برز) وفي هذه الرواية (خرج) يعني: فلما خرج قال للمؤذن، وفي الأولى: لما برز قال للمؤذن.
قوله: [حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني يحيى بن أزهر وابن لهيعة عن الحجاج بن شداد].
الحجاج بن شداد مقبول، أخرج له أبو داود.
[عن أبي صالح الغفاري عن علي].
قد مر ذكرهما.
стр. 1660
شرح حديث: (الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد ح وحدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ ، وقال موسى في حديثه فيما يحسب عمرو: إن النبي ﷺ قال: (الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة).
أورد أبو داود ﵀ حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة)، وهذا فيه استثناء المقبرة والحمام، وقد ذكرنا أن المقصود من ذلك أنها ليست مكاناً للصلاة، وأنه منع من الصلاة فيها لما يترتب على ذلك من الأمور الخطيرة والأمور العظيمة، ويستثنى من ذلك صلاة الجنازة فإنه يمكن أن يصلى على الجنازة في المقبرة، وهذه الصلاة لا محذور فيها، لأن هذا شيء يتعلق بالميت والصلاة على الميت، وإنما المقصود هو الصلاة التي هي ذات ركوع وسجود، سواء كانت صلاة فرض أو نفل.
والحمام هو مكان الاستحمام؛ فإنه يكون فيه غالباً النجاسات، وليس المقصود بالحمام مكان الخلاء؛ فإنه أيضاً لا يكون محلاً للصلاة، وإنما تكون الصلاة في الأماكن الطاهرة والأماكن النظيفة والتي هي بعيدة عن النجاسات.
стр. 1661
تراجم رجال إسناد حديث: (الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة)
قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل].
هو موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا حماد].
هو حماد بن سلمة وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[ح وحدثنا مسدد].
ح هي للتحول من إسناد إلى إسناد، ومسدد بن مسرهد ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا عبد الواحد].
هو عبد الواحد بن زياد وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو بن يحيى].
هو عمرو بن يحيى بن عمارة المازني وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
أبوه هو يحيى بن عمارة المازني وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي سعيد].
هو أبو سعيد الخدري ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، واسمه سعد بن مالك بن سنان وهو مشهور بكنيته ونسبته، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 1662
شرح سنن أبي داود [٠٦٩]
للصلاة أحكام شرعية تخصها، منها: النهي عن أدائها في معاطن الإبل؛ لأنه لا يتمكن المصلي من الخشوع فيها لنفور الإبل وشدتها وغلظ طباعها، وقد يلحق به الضرر بذلك، ومن أحكامها أمر الصبيان بها عند بلوغ السابعة وضربهم عليها عند العاشرة، ليتعودوا عليها وليعلموا أحكامها قبل أن يكلفوا بها.
стр. 1663
النهي عن الصلاة في مبارك الإبل
стр. 1664
شرح حديث: (سئل رسول الله عن الصلاة في مبارك الإبل)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن الصلاة في مبارك الإبل.
حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب ﵄ قال: (سئل رسول الله ﷺ عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: لا تصلوا في مبارك الإبل؛ فإنها من الشياطين.
وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم، فقال: صلوا فيها؛ فإنها بركة).
أورد أبو داود رحمه الله تعالى هذه الترجمة، وهي: باب النهي عن الصلاة في مبارك الإبل، والمقصود من هذه الترجمة هو بيان أن الأماكن التي تبرك فيها الإبل وتكون مقراً لها وتعطن فيها لا يصلى فيها، وليس ذلك لنجاسة أبوالها وأرواثها، فإنها طاهرة، وبول وروث كل ما يأكل لحمه طاهر، ولهذا النبي ﷺ أرشد العرنيين إلى أن يشربوا من أبوال الإبل وألبانها، وكذلك أدخل البعير في المسجد ليطوف عليه، وفي هذا دلالة على أن بوله وروثه ليس بنجس، ولكن المنع من ذلك والنهي عن ذلك إنما هو لما في الإبل من الشدة ولما فيها من الغلظة وأنها لو حصل منها شرود أو نفور فإنها تلحق الضرر بمن يصلي حولها، أو -على الأقل- تشوش عليه في صلاته، فيكون مشغولاً بما يحصل من نفورها أو شرودها، فيتشوش فكره وذهنه فينشغل عن صلاته، بخلاف الغنم فإنها ليست كذلك لهدوئها وسكينتها، ولو حصل منها نفور أو شرود فإنه لا يحصل الضرر لمن يصلي حولها، وإنما الضرر يكون من الإبل، ولهذا فإن أصحاب الإبل تغلب عليهم الشدة والغلظة، وتكون طباع الإبل وغلظتها وشدتها مؤثرة فيهم، بخلاف أصحاب الغنم، فإنه يكون عندهم السكينة والهدوء؛ لأن شأن الغنم كذلك.
وقد أورد أبو داود ﵀ حديث البراء بن عازب ﵄ أن النبي ﷺ سئل عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: (لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين).
وقوله: [(فإنها من الشياطين)] المقصود من ذلك ما في الإبل من الشدة والغلظة ونفرة الطباع، وهذه الشدة والغلظة صفات من صفات الشياطين، وليس معنى ذلك أن مادتها كمادة الشياطين؛ لأن الشياطين خلقت من نار والإنس أصل مادتهم من تراب.
فإذاً: ليس كونها من الشياطين بمعنى أنها خلقت من مادة الشياطين، وإنما المقصود من ذلك أنها من جملة الشياطين أو من جنس الشياطين المتمردة، والمتمرد من الإنس والجن يقال له: شيطان، فالإنس فيهم شياطين والجن فيهم شياطين، وهم المتمردون الذين عندهم الخبث وعندهم السوء وعندهم الشدة وعندهم الغلظة وعندهم الأذى.
فإذاً: هذا هو المقصود بكونها من الشياطين، ولهذا فإنه إذا حصل منها شيء والناس حولها يصلون في معاطنها وفي مباركها فإنه يحصل لهم بسببها ما يحصل من الضرر، وكذلك لو كانت ليست في مباركها ومعاطنها فيمكن أن تأتي والناس يصلون في معاطنها ومباركها فيحصل التأثير، وعلى هذا فإن المنع من الصلاة في مبارك الإبل ليس لنجاسة أبوالها وأرواثها، فإنها طاهرة، ولكن لما جاء فيها من وصف الشدة وأنها من الشياطين، أي: فيحصل منها الأذى ويحصل منها الضرر لمن يصلي في مباركها ومعاطنها، سواء أكانت موجودة فيها أم كانت في طريقها إليها أم كانت حولها، فإنه إذا صلى فيها أحد قد تأتي إلى مباركها فيحصل لمن يصلي حولها التشويش على الأقل في صلاته إن لم يحصل له شيء من الضرر بكونها تخبطه أو يحصل له ضرر بفعلها.
وقوله: [(وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم، فقال: صلوا فيها فإنها بركة)] يعني أنها فيها الهدوء وفيها السكينة، ولا يحصل ضرر على من يصلي في أماكنها؛ لأنها ولو حصل منها نفور فلن يحصل منها أنها تؤذي صاحبها أو من يكون حولها، بخلاف الإبل، فإنها تقتله وتهلكه وتقضي عليه.
والغنم وردت فيها بعض الأحاديث، ومنها الحديث الذي فيه ذكر العزلة، وأنه سيأتي زمان يكون فيه خير مال المرء غنيمة يتتبع بها شعف الجبال يفر من الفتن، ولكن المقصود هنا أن الغنم فيها هدوء وفيها سكينة وصاحبها يكون فيه تواضع، والإبل فيها شدة وأصحابها فيهم شدة، ولهذا جاءت الأحاديث في أصحاب الإبل تصفهم بالغلظة والشدة وتصف أصحاب الغنم بالهدوء والسكينة.
стр. 1665
تراجم رجال إسناد حديث: (سئل رسول الله عن الصلاة في مبارك الإبل)
قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة].
عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[حدثنا أبو معاوية].
أبو معاوية محمد بن خازم الضرير الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا الأعمش].
هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن عبد الله الرازي].
عبد الله بن عبد الله الرازي صدوق، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي في مسند علي وابن ماجة.
[عن عبد الرحمن بن أبي ليلى].
عبد الرحمن بن أبي ليلى الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن البراء بن عازب].
هو البراء بن عازب صاحب رسول الله ﷺ ﵁ وأرضاه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 1666
متى يؤمر الغلام بالصلاة
стр. 1667
شرح حديث (مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب متى يأمر الغلام بالصلاة؟ حدثنا محمد بن عيسى -يعني: ابن الطباع - حدثنا إبراهيم بن سعد عن عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها)].
أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة، وهي: [باب متى يأمر الصبي بالصلاة؟] والمقصود من ذلك الوقت الذي يؤمر فيه الصغير بالصلاة، ولا فرق بين الذكر والأنثى، فإن ذكر الصبي أو ذكر الغلام ليس معناه اختصاص الأمر بالذكور دون الإناث، وإنما المقصود من ذلك الأولاد، ولهذا جاء في رواية أو في طريق من الطرق: (مروا أولادكم بالصلاة) والأولاد لفظ يشمل الذكور والإناث.
والمقصود من قوله: [متى يأمر الغلام بالصلاة] يعني: حتى يتمرن وحتى يتعود وحتى يكون على علم بالصلاة وكيفيتها، وما هو مطلوب فيها وما مطلوب لها، وما يتعلق بشروطها وأركانها والأمور التي يكون بها أداؤها، حتى إذا جاء سن التكليف يكون على علم سابق بما هو مكلف به، لا أن يترك حتى يبلغ ثم يُعَلم ويمرن، وإنما يمرن قبل أن يبلغ، يمرن وهو صغير، لكن متى؟ هل يؤمر وهو صغير جداً أم أن هناك حداً جاء أمر الآباء والأمهات بأن يأمروا عنده أبناءهم أو أولادهم بالصلاة؟ وردت الأحاديث في ذلك عن رسول الله ﷺ بأنه يؤمر وهو ابن سبع، فإذا بلغ سبعاً فإنه يأمره أبوه وأمه بالصلاة.
وقد أورد أبو داود ﵀ حديث سبرة بن معبد الجهني ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها) يعني أنه يؤمر كلاماً وترهيباًً وحثاً إذا بلغ سبع سنين، والأمر بالصلاة يكون بتعليمه إياها وكيفيتها وكذلك ما يسبقها من وضوء وما إلى ذلك، وإذا بلغ عشر سنين وحصل منه تهاون فيها أو امتناع عن أدائها فإنه يضرب على ذلك ضرباً غير مبرح ينفعه ولا يضره، ينفعه في الزجر والتخويف والردع، ولا يضره بأن يلحق به ضرراً في جسمه أو في أعضائه، فيضرب ضرباً غير مبرح ينفع ولا يضر؛ لأنه لا يكلف إلا إذا بلغ، ولكن هذا من أجل التعويد والتمرين والترويض حتى يكون على علم سابق قبل أن يصل إلى البلوغ، حتى إذا بلغ يكون قد عرف ما يتعلق بالصلاة وما هو مطلوب منه، فهو أمر للتمرين وللتعويد وليس لأنه مكلف؛ لأن القلم رفع عن الصغير حتى يبلغ، كما جاء في الحديث: (رفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يفيق، والصغير حتى يبلغ، والنائم حتى يستيقظ) يعني أن هؤلاء مرفوع عنهم القلم، وعلى هذا فأمر الصبي إنما هو من أجل تعويده لا من أجل أنه مكلف.
قال بعض أهل العلم: وكون الغلام يضرب على الصلاة وهو لم يبلغ يدل على أن العقوبة إذا حصل البلوغ أشد.
قالوا: وليس هناك أشد من الضرب إلا القتل.
أي: أن القتل هو الذي يأتي وراء الضرب.
وقد اختلف العلماء في حكم تارك الصلاة هل يقتل حداً أو يقتل ردةً أو أنه لا يقتل ولكنه يسجن، على أقوال في ذلك، ولكن أرجحها أن من ترك الصلاة متعمداً فإنه يكون كافراً، وقد جاءت في ذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ التي تدل على ذلك، ومنها قوله: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) وقوله: (بين الرجل وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة) وكذلك ما جاء عن النبي ﷺ في الخروج على الأئمة أنه لا يخرج عليهم إلا إذا وجد كفر بواح عند الناس فيه من الله برهان، وجاء أنهم لا ينابذوا ما صلوا، أي أنه إذا كانوا يصلون لا يخرج عليهم؛ لأنهم مسلمون، وإذا لم يصلوا فإنه يخرج عليهم، فكل هذه الأحاديث تدل على كفر تارك الصلاة.
والحاصل أن ما جاء في الحديث من ذكر الضرب لمن بلغ العشر وهو غير مكلف يدل على أنه إذا كلف تكون العقوبة أشد.
стр. 1668
تراجم رجال إسناد حديث: (مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين)
قوله: [حدثنا محمد بن عيسى يعني: ابن الطباع].
محمد بن عيسى بن الطباع ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي في الشمائل وابن ماجة.
وكلمة [يعني: ابن الطباع] قالها من دون أبي داود؛ لأن أبا داود لا يحتاج إلى أن يقول: (يعني)، وإنما الذي يقول ذلك هو من دونه.
[حدثنا إبراهيم بن سعد].
إبراهيم بن سعد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الملك بن الربيع بن سبرة].
عبد الملك بن الربيع بن سبرة وثقه العجلي، أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة.
[عن أبيه].
أبوه هو الربيع بن سبرة، ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.
[عن جده].
جده هو سبرة بن معبد الجهني ﵁، صحابي، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
стр. 1669
شرح حديث: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مؤمل بن هشام -يعني: اليشكري -حدثنا إسماعيل عن سوار أبي حمزة -قال أبو داود: وهو سوار بن داود أبو حمزة المزني الصيرفي -عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع).
] أورد أبو داود ﵀ حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: [(مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع)].
وهنا قال: [(مروا أولادكم)] وهذا يشمل الذكور والإناث، كما قال الله : ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١]، فذكر الأولاد وأن ميراثهم للذكر مثل حظ الأنثيين، وذكر الأولاد يشمل الذكور والإناث، فقوله: [(أولادكم)] يعني ذكورهم وإناثهم.
وقوله: [(مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين)]، متفق مع حديث سبرة بن معبد الذي قبله، وهنا زيادة: [(وفرقوا بينهم في المضاجع)] يعني أنهم لا يضطجع بعضهم مع بعض؛ حتى لا يحصل شيء من دواعي الشر أو شيء من الشيطان بحيث يحرك بعضهم على بعض، فلا يكون هناك اضطجاع من بعضهم مع بعضهم، وإنما يكون هناك تفريق، سواء أكانوا ذكوراً وإناثاً أم ذكرواً فقط أم إناثاً فقط؛ لأنه عندما يحصل التقارب يحصل بسببه شيء من تحريك الشهوة أو الفتنة أو ما إلى ذلك، فجاءت السنة بأن يمرنوا على ذلك، وأن يعودوا على ذلك وهم صغار، بحيث يبتعد بعضهم عن بعض، ولا يكون هناك تلاصق وتقارب بحيث يحصل معه شيء لا تحمد عقباه.
стр. 1670
تراجم رجال إسناد حديث: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين)
قوله: [حدثنا مؤمل بن هشام -يعني اليشكري -].
مؤمل بن هشام اليشكري ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي.
وكلمة [يعني: اليشكري] هي ممن دون أبي داود؛ لأن مؤمل بن هشام شيخه، فلا يحتاج إلى أن يقول فيه (يعني) وإنما الذي يحتاج إليه هو من دونه.
[حدثنا إسماعيل].
هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم، المشهور بـ ابن علية، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سوار أبي حمزة - قال أبو داود: وهو سوار بن داود أبو حمزة المزني الصيرفي].
لما ذكر أبو داود ﵀ هذا الراوي الذي يروي عنه إسماعيل بن علية، وهو سوار أبو حمزة المذكور باسمه وكنيته أراد أن يوضح اسمه واسم أبيه ونسبته؛ لأنه حصل هناك اختلاف في ذكر اسمه في التقديم والتأخير، ووهم بعضهم في ذكر اسمه، فأراد المصنف أن يوضح اسمه ونسبه على الصواب؛ حتى يتبين بعد ذلك أن ما جاء خلاف ما نبه عليه غير صحيح، وأن الصحيح هو هذا، والذي جاء في هذه الرواية صحيح لكنه مختصر، ففي السند أنه سوار أبو حمزة، ولم يذكر اسم أبيه ولا نسبته، فذكرها المصنف وقال: [وهو سوار بن داود أبو حمزة الصيرفي] فـ أبو داود أراد أن يوضح هذا الشخص الذي ذكر باسمه وكنيته فقط؛ لأنه سينبه فيما بعد على أنه حصل خطأ من بعض الرواة في ذكر اسمه بالتقديم والتأخير بينه وبين أبيه، وبعضهم، وهم في اسمه كما سينبه على ذلك، فهذا هو السبب الذي جعل أبا داود يذكر في الإسناد واسمه واسم أبيه وكنيته ونسبته.
وهو صدوق له أوهام، أخرج له أبو داود وابن ماجة.
[عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده].
هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة وأصحاب السنن، وهو يروي عن أبيه شعيب بن محمد بن عبد الله، وهو -أيضاً- صدوق، أخرج له البخاري في جزء القراءة وفي الأدب المفرد وأصحاب السنن الأربعة، وهو يروي عن جده، والمراد بالجد هو عبد الله بن عمرو بن العاص، والمقصود من ذلك أن شعيباً يروي عن جده وليس عن أبيه، والمقصود بالجد هو عبد الله بن عمرو جد شعيب، وهو -أيضاً- يكون جد عمرو بن شعيب، ولكن ليس المقصود أن الجد هو جد عمرو؛ فإنه سيكون محمداً وليس عبد الله بن عمرو، وإذا كان كذلك فإنه يكون مرسلاً؛ لأن محمداً تابعي، وليس له رواية عن الرسول ﷺ ، والحديث متصل لا انقطاع فيه ولا إرسال، فـ عمرو يروي عن شعيب وشعيب يروي عن عبد الله، وليس عن محمد، ولهذا قال الحافظ ابن حجر صح سماعه من جده عبد الله بن عمرو.
يعني: صح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما صحابي جليل، وهو أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي ﷺ ، وهم: عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس.
ويقولون في الإسناد الذي فيه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: إنه يكون حسناً إذا صح الإسناد إلى عمرو.
فإذا صح الإسناد وإذا استقام الإسناد إلى عمرو فهو من قبيل الحسن؛ لأنه صدوق وأبوه صدوق، فالإشكال هو فيما إذا كان الضعف دون عمرو، وأما إذا وصل الإسناد إليه واستقام إليه فحديثه حسن.
стр. 1671
شرح حديث: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا زهير بن حرب حدثنا وكيع حدثني داود بن سوار المزني بإسناده ومعناه وزاد: (وإذا زوج أحدكم خادمه عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة).
قال أبو داود: وهم وكيع في اسمه، وروى عنه أبو داود الطيالسي هذا الحديث فقال: حدثنا أبو حمزة سوار الصيرفي].
هنا وقع قلب في الإسناد، فـ داود بن سوار هو سوار بن داود، ولهذا فإن أبا داود ﵀ لما قال في أثناء الإسناد المتقدم: [وهو سوار بن داود أبو حمزة الصيرفي] أراد أن يبين أنه سيأتي في هذا الإسناد اسمه مقلوباً.
وقوله: [بإسناده ومعناه وزاد: (وإذا زوج أحدكم خادمه عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة)].
يعني: أنه بمعنى الحديث المتقدم، وفيه زيادة: [(وإذا زوج أحدكم خادمه عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة)] لأن ذلك عورة، والمقصود بالخادم هنا الأمة، فإذا كان الإنسان له أمة وهي ملك يمين كما هو معلوم فله أن يجامعها وأن يستمتع بها ويطلع على عورتها وتطلع على عورته.
فإذا زوجها: فلا ينظر إلى ما فوق الركبة ودون السرة؛ لأن بضعها خرج من ملكه، وانتقل من كونه حلالاً له إلى كونه حلالاً لغيره وحراماً عليه؛ لأن الأمة التي تكون في عصمته هي التي تكون عنده يجامعها، ثم بعدما يستبرؤها ويزوجها يحرم عليه الاستمتاع بها ويحرم عليه النظر إلى عورتها، وكذلك أيضاً يمكن أن يكون الضمير في قوله: [(لا ينظر)] عائداً على الخادم، يعني: لا تنظر إلى السيد؛ لأنه صار حراماً؛ لأن في الحديث: (احفظ عورتك إلا من زوجتك وما ملكت يمينك)، وهي بالنسبة لملك اليمين خرجت عنه من حيث منفعة الاستمتاع إذا زوجها، وإنما تكون منفعة الاستمتاع له حيث لا تكون مزوجة، فإذا كانت كذلك فهو الذي يستمتع بها ويرى عورتها وترى عورته، لكن إذا زوجها صار الزوج هو الذي حل محله في ذلك بحيث يرى عورتها وترى عورته.
وقوله: (إذا زوج أحدكم خادمه عبده أو أجيره) يعني: غلامه الذي هو مملوك له، أو شخصاً أجيراً عنده، أي أنه حر، لكنه استأجره ليخدمه بالأجرة، فإذا زوجه أمته فليس للسيد أن ينظر إلى عورة الأمة؛ وليس له أن ينظر إلى بضعها ولا إلى عورتها، وكذلك الأمة لا تنظر إلى عورة سيدها؛ لأن الاستمتاع ليس له وإنما هو لغيره.
стр. 1672
تراجم رجال إسناد حديث (مروا أولادكم بالصلاة) من طريق أخرى
قوله: [حدثنا زهير بن حرب].
زهير بن حرب هو أبو خيثمة النسائي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي، وقد أكثر عنه الإمام مسلم، قال الحافظ في التقريب: روى عنه مسلم أكثر من ألف حديث، والأحاديث التي رواها عنه مسلم تبلغ ألفاً ومائتين وزيادة، وأكثر منه أبو بكر بن أبي شيبة، فإن مسلماً أكثر من الرواية عنه، والأحاديث التي رواها عنه تزيد على ألف وخمسمائة حديث.
[حدثنا وكيع].
هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثني داود بن سوار المزني].
داود بن سوار المزني هو سوار بن داود، وقد مر ذكره.
وقوله: [قال أبو داود: وهم وكيع في اسمه، وروى عنه أبو داود الطيالسي هذا الحديث فقال: حدثنا أبو حمزة سوار الصيرفي].
يعني: وهم وكيع في اسمه حيث قلبه، فذكر أن اسمه داود، وهو ليس اسمه داود وإنما اسمه سوار، واسم أبيه داود وليس سوار بن داود، وهذا هو الذي جعل أبا داود في أثناء الإسناد المتقدم يذكر اسمه واسم أبيه ونسبته؛ حتى يبين الوهم الذي حصل ممن رواه مقلوباً، وذلك بعد ذكر اسمه على الصواب مختصراً.
فإذاً: الذي في الإسناد داود بن سوار، وهو سوار بن داود، وإنما حصل خطأ، وليس هو شخصاً آخر غير الشخص الأول، وإنما هو الشخص الأول نفسه، ولهذا قال أبو داود: [وهم وكيع في اسمه] حيث قلبه وجعل اسمه لأبيه واسم أبيه له، فصار مقلوباً.
والحديث فيه أن الأجير هو الذي تزوج، والعبد هو الذي تزوج، والمقصود بالخادم في هذا الحديث الأمة، والسيد لا ينظر إلى عورة العبد، ولكن ينظر إلى عورة الأمة، لأنها حلال له، فله أن ينكحها ويستمتع بها، كما قال ﷺ : (احفظ عورتك إلا من زوجتك وما ملكت يمينك)، وكما قال الله : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٦] يعني: الزوجات والإماء.
والسيد لا ينظر إلى عورة الأمة إذا تزوجت، والأمة كذلك لا تنظر إلى عورة السيد؛ لأن الاستمتاع بينهما انتهى، وصار الاستمتاع بين هذه الأمة المزوجة وزوجها، سواءٌ أكان ذلك الزوج عبداً مثلها أو أجيراً استأجره سيدها، ومن المعلوم أن الحر لا ينكح الأمة إلا بالشرط الذي ذكره الله في القرآن: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٥].
وقوله: [قال أبو داود: وهم وكيع في اسمه، وروى عنه أبو داود الطيالسي].
يعني: رواه عن سوار، وأبو داود الطيالسي هو سليمان بن داود أبو داود الطيالسي ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
فرواه على الصواب، ولكن فيه اختصار، حيث قال: [حدثنا أبو حمزة سوار الصيرفي وهذا صحيح مستقيم؛ لأنه هو أبو حمزة سوار الصيرفي]، ولكن لم يذكر اسم أبيه، ولم يهم فيه كما وهم وكيع.
стр. 1673
شرح حديث: (إذا عرف يمينه من شماله فمروه بالصلاة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا سليمان بن داود المهري حدثنا ابن وهب حدثنا هشام بن سعد حدثني معاذ بن عبد الله بن خبيب الجهني قال: دخلنا عليه فقال لامرأته: متى يصلي الصبي؟ فقالت: كان رجل منا يذكر عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن ذلك فقال: (إذا عرف يمينه من شماله فمروه بالصلاة)].
أورد أبو داود ﵀ حديث رجل من الصحابة أن النبي ﷺ سئل عن الصبي متى يؤمر بالصلاة فقال: [(إذا عرف يمينه من شماله فمروه بالصلاة)]، وهذا مخالف لما جاء في الأحاديث السابقة التي فيها أن الأمر منوط بالسن وليس بمعرفة اليمين والشمال؛ لأن معرفة اليمين والشمال يمكن أن تحصل قبل بلوغ السنة السابعة، فيمكن للإنسان أن يعرف اليمين من الشمال في سن مبكرة، فالعبرة ليست في تعليق ذلك بمعرفة اليمين من الشمال، وإنما هي ببلوغ سبع سنين كما جاء بذلك حديث سبرة وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما.
فهذا الحديث فيه بيان أن الأمر بالصلاة منوط بمعرفة اليمين والشمال، ولكن الحديث غير صحيح وغير ثابت، والصحيح الثابت هو ما تقدم من إناطة ذلك بالسن وتعليقه بالسن وبلوغ الغلام سبع سنين.
стр. 1674
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا عرف يمينه من شماله فمروه بالصلاة)
قوله: [حدثنا سليمان بن داود المهري].
سليمان بن داود المهري هو أبو الربيع المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود والنسائي.
[حدثنا ابن وهب].
هو عبد الله بن وهب المصري، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا هشام بن سعد].
هشام بن سعد صدوق له أوهام، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[حدثني معاذ بن عبد الله بن خبيب الجهني].
معاذ بن عبد الله بن خبيب الجهني صدوق ربما وهم، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.
[قال: دخلنا عليه].
في عون المعبود قال: إن هشاماً قال: دخلنا عليه.
يعني: على معاذ بن عبد الله بن خبيب الجهني فقال لامرأته، وعلى هذا فالمدخول عليه مسمى في الحديث، لكن فيه إشكال من حيث الإسناد؛ لأنه قال: حدثني معاذ بن عبد الله بن خبيب الجهني قال: دخلنا عليه فقال لامرأته ومعنى هذا أن معاذاً ليس من رجال الإسناد، وأنهم سمعوا من امرأته، وأن امرأته هي التي قالت كذا وكذا، والإسناد هو عن هذه المرأة، وهذه المرأة ترويه عن الرجل الذي منهم، فيكون المعنى أنهم دخلوا عليه وأنه قال لامرأته وأخبرهم بما قالت، يعني: ما كانوا يسمعون الكلام بينه وبين امرأته، وإنما سألها وأخبرهم، وعلى هذا يكون التحديث على بابه.
لكن إذا كانوا دخلوا عليه وسأل امرأته فأجابت فهو إذاً ليس من رجال الإسناد، وإنما دخلوا عليه وهو سأل امرأته، وامرأته أخبرت عن رجل منهم -من جهينة- أن النبي ﷺ سئل عن ذلك فقال: [(إذا عرف يمينه من شماله فإنه يؤمر بالصلاة)] فالعبارة فيها إشكال من ناحية قوله: (حدثني) فإذا كان المقصود أنه من رجال الإسناد وأنهم لم يسمعوا امرأته وإنما كان هو يخبرهم عما حصل بينه وبين امرأته فعند ذلك يكون حدث هو عن امرأته، وامرأته حدثت عن الرجل الذي أخبر أن النبي ﷺ سئل عن ذلك.
وإذا كان ليس من رجال الإسناد فمعناه أنهم دخلوا عليه، وأنهم سمعوا كلامه من امرأته ورووا عن امرأته.
وامرأته لا أعرف عنها شيئاً، والإسناد -كما هو معلوم- فيه هذا الخفاء وفيه هذا الإبهام، ثم إن هذا الحديث مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ في إناطة ذلك بالسن وليس بمعرفة الشمال من اليمين؛ لأن معرفة الشمال من اليمين قد تحصل في زمن مبكر قبل سن السابعة والسادسة، فقد يكون الولد يعرف اليمين من الشمال قبل ذلك، وعلى هذا فيكون الناس متفاوتين في ذلك، ولا يكون هناك ميزان متساوٍ بين الناس، بل كل واحد يُسأل: هل يعرف الشمال من اليمين؟ وعند ذلك يؤمر، وأما إذا كان الاعتبار بالسن لحديث: (مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين) فكل من بلغه حديث السن يجعل الحد الفاصل هو العمر، وليس معرفة اليمين من الشمال.
стр. 1675
بدء الأذان
стр. 1676
شرح حديث: (اهتم النبي ﷺ كيف يجمع الناس للصلاة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب بدء الأذان.
حدثنا عباد بن موسى الختلي وزياد بن أيوب -وحديث عباد أتم- قالا: حدثنا هشيم عن أبي بشر قال: قال زياد: أخبرنا أبو بشر عن أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار، قال: (اهتم النبي ﷺ للصلاة كيف يجمع الناس لها، فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة فإذا رأوها آذن بعضهم بعضاً.
فلم يعجبه ذلك، قال: فذكر له القنع -يعني: الشبور، وقال زياد: شبور اليهود- فلم يعجبه ذلك وقال: هو من أمر اليهود.
قال: فذكر له الناقوس، فقال: هو من أمر النصارى.
فانصرف عبد الله بن زيد بن عبد ربه ﵁ وهو مهتم لهم رسول الله ﷺ ، فأري الأذان في منامه، قال: فغدا على رسول الله ﷺ فأخبره فقال له: يا رسول الله! إني لبين نائم ويقظان إذ أتاني آت فأراني الأذان، قال: وكان عمر بن الخطاب ﵁ قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوماً، قال: ثم أخبر النبي ﷺ فقال له: ما منعك أن تخبرني؟ فقال: سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت.
فقال رسول الله ﷺ : يا بلال! قم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله.
قال: فأذن بلال ﵁، قال أبو بشر: فأخبرني أبو عمير أن الأنصار تزعم أن عبد الله بن زيد لولا أنه كان يومئذ مريضاً لجعله رسول الله ﷺ مؤذناً)].
أورد أبو داود ﵀ [باب: بدء الأذان] أي: حصول بدء الأذان، وكيف بدأ الأذان.
والأذان في اللغة: الإعلام.
وفي الشرع: الإعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة.
والألفاظ المخصوصة هي: الله أكبر الله أكبر إلى آخره، فهذا هو المعنى اللغوي والمعنى الشرعي، والمعنى الشرعي هو جزء من جزئيات المعنى اللغوي، وغالباً ما تأتي المعاني الشرعية بصورة أجزاء من المعاني اللغوية، حيث إن المعنى اللغوي عام والمعنى الشرعي خاص، أي أنه جزء منه.
مثل ذلك: الحج، فالحج لغة: القصد، وشرعاً: القصد إلى بيت الله الحرام لفعل أعمال مخصوصة.
والعمرة لغة: الزيارة -أيّ زيارة-، وفي الشرع: زيارة البيت الحرام للطواف به والسعي بين الصفا والمروة.
فالعمرة في الشرع: زيارة مخصوصة وليست كأي زيارة.
وكذلك الصيام، فهو في اللغة: الإمساك، أي إمساك عن أي شيء كالكلام والأكل وغيرهما، فهذا يقال له في اللغة: إمساك.
وفي الشرع: إمساك مخصوص عن الأكل والشرب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
إذاً المعاني اللغوية أوسع في الغالب، والمعاني الشرعية تكون جزءاً من جزئيات المعنى اللغوي، وقد يأتي المعنى الشرعي أعم من المعنى اللغوي، مثل: الصلاة، فهي في الشرع أعم منها في اللغة؛ لأن الصلاة لغة: الدعاء، وأما في الشرع فهي أقوال وأفعال مخصوصة مبتدأة بالتكبير ومختتمة بالتسليم، فـ (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم) كما قال ذلك رسول الله ﷺ .
فالأذان في اللغة: الإعلام وهو معنىً عام، وفي الشرع هو: الإعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة.
وكيف بدأ الأذان؟ إن الأذان أول ما بدأ كان عندما قدم رسول الله ﷺ المدينة، ومكة لم يكن فيها أذان، بل كان هناك سرية بسبب الإيذاء، حيث كانوا إذا جهروا بالصلاة آذاهم المشركون، ولهذا جاء في القرآن: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:١١٠]، فكانوا يؤذونهم إذا رفعوا أصواتهم بالقراءة، وبعدما جاءوا المدينة بدأ الأذان.
وقد اهتم النبي ﷺ بأمر إعلام الناس بدخول الوقت، فتكلم مع أصحابه في ذلك، فبعضهم أشار بأن تنصب راية إذا دخل الوقت فإذا رآها الناس يخبر بعضهم بعضاً، فلم يعجبه ذلك، ومن المعلوم أن وضع الراية وإن كان يمكن أن يستفاد منه في النهار فلا يستفاد منه بالليل؛ لأن الراية لا تُرى في الليل، فذكر له ما كان يفعله اليهود فلم يعجبه، ثم ذكر له ما عند النصارى فلم يعجبه، وكان عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري ﵁ وأرضاه قد اهتم كما اهتم الناس باهتمام النبي ﷺ ، فنام وجاءه في منامه آت وألقى عليه الأذان كما سيأتي مبيناً في الأحاديث القادمة أنه أخبره وقال: ألا أدلك على شيء.
فألقاه عليه بهذه الألفاظ التي هي خمس عشرة جملة، والتي سيأتي بيانها في حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه في باب: (كيف الأذان) والذي فيه ذكر ألفاظه، وترتيبه، وبيان الرؤيا التي رآها، وكيف رآها.
فجاء إلى النبي ﷺ فأخبره فقال النبي ﷺ : (إنها رؤيا حق إن شاء الله)، وأقرها رسول الله ﷺ واعتبرها وجاءه الوحي في ذلك، فأمر عبد الله بن زيد بن عبد ربه أن يلقي ذلك على بلال؛ لأنه أندى منه صوتاً، وليس لكون عبد الله بن زيد مريضاً كما جاء في آخر الحديث، فالرسول ﷺ قال: (القه على بلال؛ لأنه أندى منك صوتاً)، فأذن بلال وجاء عمر وأخبر رسول الله ﷺ أنه رأى نفس الرؤيا، فتواطأت رؤياهما، فقال له: [(لماذا لم تخبرني؟ فقال: سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت)].
وقوله: [قال: فذكر له القنع يعني: الشبور].
القنع والشبور هو البوق، وهو من فعل اليهود.
ثم أمر الرسول ﷺ بلالاً بأن يأخذ ألفاظ الأذان من عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري ﵁ فأذن في الناس.
قوله: [قال أبو بشر -وهو الراوي عن أبي عمير بن أنس بن مالك -: فأخبرني أبو عمير أن الأنصار تزعم أن عبد الله بن زيد لولا أنه كان يومئذٍ مريضاً لجعله رسول الله ﷺ مؤذناً] ليس بصحيح، لكن الأمر كما في الرواية التي ستأتي أن النبي ﷺ قال له: (إن بلالاً أندى منك صوتاً فألق الأذان عليه)، فأذن بلال ﵁ بتلك الألفاظ التي أريها عبد الله بن زيد بن عبد ربه في المنام.
стр. 1677
تراجم رجال إسناد حديث: (اهتم النبي ﷺ كيف يجمع الناس للصلاة)
قوله: [حدثنا عباد بن موسى].
عباد بن موسى الختلي ثقة، أخرج حديثه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
[وزياد بن أيوب].
زياد بن أيوب ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[وحديث عباد أتم].
عباد هو الشيخ الأول، وقد ساق أبو داود الحديث على روايتي عباد وزياد.
[قالا: حدثنا هشيم].
هو هشيم بن بشير الواسطي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي بشر].
أبو بشر هو جعفر بن أبي وحشية وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قال زياد: أخبرنا أبو بشر].
هذا يعني أن عباداً جاء عنده الإسناد في رواية هشيم عن أبي بشر بالعنعنة فقال: عن أبي بشر وأما في رواية زياد فقال: أخبرنا أبو بشر.
وذلك أن هشيماً مدلس، والأول روى بالعنعنة، والثاني صرح بالتحديث، فالتدليس هنا ليس فيه محذور ما دام أنه وجد التصريح بالتحديث أو بالإخبار في إحدى الطريقين، فهذا هو السبب الذي جعل أبا داود ﵀ يبين اختلافهم في صيغة الأداء، وفيها فائدة، وهي أن التدليس لا يؤثر ما دام أنه قد وجد التصريح بالسماع.
[عن أبي عمير بن أنس].
هو أبو عمير بن أنس بن مالك، وقيل: اسمه: عبد الله وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة.
[عن عمومة له من الأنصار].
لا أعرف من هم، ولكن ذلك لا يؤثر؛ لأنه غالباً يكون المقصود أنهم صحابة، وقوله: [عن عمومة له] المقصود به ابن أنس بن مالك، فهم صحابة وهو تابعي ابن صحابي.
وكأنه يعني بالعمومة شخصاً واحداً من أعمامه.
стр. 1678
الأسئلة
стр. 1679
راوي حديث: (إذا عرف يمينه من شماله)
السؤال
جاء في الحديث: كان رجل منا يذكر عن الرسول ﷺ أنه سئل عن ذلك فقال: (إذا عرف يمينه من شماله فمروه بالصلاة)، فمن هو راوي هذا الحديث، أو من هو هذا الرجل؟
الجواب
هذا الرجل مجهول.
стр. 1680
شرح سنن أبي داود [٠٧٠]
الأذان شعيرة من شعائر الدين، وهو إعلام بدخول وقت الصلاة، وأن تكون الصلاة في المسجد لا في البيت، وهو دال على صلاة الجماعة، وقد تعددت الروايات الثابتة في ألفاظه وألفاظ الإقامة، وكلها حق، ويحسن في المؤذن أن يكون ندي الصوت جهوراً فيه، حتى يسمع الناس الأذان ليقصدوا المساجد ولينتبه الغافل منهم.
стр. 1681
كيفية الأذان
стр. 1682
شرح حديث: (لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كيف الأذان.
حدثنا محمد بن منصور الطوسي حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال: حدثني أبي: عبد الله بن زيد قال: (لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً في يده، فقلت: يا عبد الله! أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟! فقلت له: بلى.
قال: تقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
قال: ثم استأخر عني غير بعيد ثم قال: ثم تقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله.
فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت فقال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به؛ فإنه أندى صوتاً منك، فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به، قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب ﵁ وهو في بيته، فخرج يجر رداءه ويقول: والذي بعثك بالحق -يا رسول الله- لقد رأيت مثلما رأى.
فقال رسول الله ﷺ : فلله الحمد)].
قوله: [باب كيف الأذان].
المقصود من هذه الترجمة بيان كيفية الأذان، أي: ألفاظه، وصيغه، وكيفية أدائه، وبيان كيف يؤذن المؤذن، والألفاظ التي يؤذن بها، وهل يرفع صوته بذلك، واستحباب اختيار من يكون صوته ندياً، فإنه يكون مقدماً على غيره في ذلك، كل هذا هو المقصود من الترجمة.
وقد أورد المصنف ﵀ جملة من الأحاديث التي فيها بيان كيفية الأذان، وهي بصيغ مختلفة في الزيادة والنقصان، وكذلك الإقامة، وما صح من ذلك فإن الاختلاف فيه من قبيل اختلاف التنوع، فكلها حق، وإذا أخذ المؤذن بأي صيغة مما ورد وثبت فإن ذلك يكون صحيحاً ويكون حقاً، وهو مثل ألفاظ التشهد وألفاظ الاستفتاح التي جاءت بصيغ مختلفة، فأي واحد منها يُعمل به فإنه يكون حقاً ما دام أنه ثابت، ويسمى الاختلاف هنا اختلاف تنوع، واختلاف التنوع لا يؤثر، والألفاظ المختلفة أو الأقوال المختلفة أو المتعددة كلها أنواع للحق لا اختلاف بينها ما دام أنها ثبتت كلها عن رسول الله ﷺ ، وليست من قبيل اختلاف التضاد الذي يكون فيه أحد الطرفين مصيباً والآخر مخطئاً، والذي ليس فيه كل مجتهد مصيب، بل المصيب واحد؛ لأن الحق واحد، فمن أصاب الحق حصّل أجرين، ومن أخطأه حصّل أجراً واحداً؛ لقوله ﷺ : (إذا أجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد) أي أن المجتهدين ينقسمون إلى مصيب، ومخطئ، وإنما يصيب الحق من يصيبه ويخطئه من يخطئه، والكل مأجور مع التفاوت في الأجر، ولكن يصلح أن يقال: كل مجتهد مصيب أجراً، ولا يعدم المجتهد الأجر أو الأجرين، ولكن ليس كل مجتهد مصيباً حقاً؛ لأن الحق لا يتنوع إلا في اختلاف التنوع، أما اختلاف التضاد فلا، كأن يكون الأمر حلالاً وحراماً، أو تبطل به الصلاة، وتصح به الصلاة، أو ينقض الوضوء ولا ينقض الوضوء، فكل هذا من قبيل اختلاف التضاد، والمصيب فيه واحد فقط.
وأما اختلاف التنوع كاختلاف ألفاظ الأذان، واختلاف ألفاظ التشهد، واختلاف ألفاظ الاستفتاح، فكل ما صح وثبت عن رسول الله ﷺ في تلك الألفاظ فإن كل ذلك حق، وهو من قبيل اختلاف التنوع، وكلها أنواع وأوجه للحق.
وأورد المصنف ﵀ حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري رضي الله تعالى عنه في شأن الأذان وقد مرّ في الحديث الماضي أن النبي ﷺ اهتم بشأن الأذان، أي: اهتم بشأن ما يكون وسيلة إلى إعلام الناس بدخول الوقت، وذُكر له نصب الراية عند دخول الوقت، حتى إذا رأوها يُذَكِّر بعضهم بعضاً، فلم يعجبه ذلك، ثم ذُكر له شبور اليهود فلم يعجبه ذلك، ثم ذُكر له ناقوس النصارى فلم يعجبه ذلك، ولكنه مال إلى استعماله، وأراد أن يأمر به مع كونه كارهاً له، وقبل أن يَنفُذَ ما أمر به النبي ﷺ رأى عبد الله بن زيد بن عبد ربه في منامه أنه أتاه آتٍ فعلّمه الأذان، كما مرّ آنفاً، وهو خمس عشر جملة، فيها التربيع للتكبير أولاً، ثم الشهادة لله بالوحدانية والإلهية مرتين، والشهادة لمحمد ﷺ بالرسالة مرتين، ثم (حي على الصلاة) مرتين، و (حي على الفلاح) مرتين، و (الله أكبر) في آخر الأذان مرتين، وفي الختام: (لا إله إلا الله)، فيكون المجموع خمس عشرة جملة.
ثم علمه الإقامة، وهي إحدى عشر جملة، فلما أصبح غدا إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فأمره أن يلقي الأذان على بلال لأنه أندى منه صوتاً، وصاحب الرؤيا لم يكن هو المؤذن، بل لأن بلالاً أندى منه صوتاً، أي: أرفع منه صوتاً، فألقاه عليه وأذن به بلال، ولما سمع عمر ﵁ أذان بلال بهذه الألفاظ وكان عمر قد رآها في المنام، وطاف به طائف في المنام مثلما طاف بـ عبد الله بن زيد، جاء عمر وأخبر النبي ﷺ بأنه قد رأى مثل الذي رأى عبد الله بن زيد، فقال ﵊: (فلله الحمد).
إذاً: ثبت أن من ألفاظ الأذان والإقامة أن تكون ألفاظ الأذان خمس عشرة جملة، وأن تكون ألفاظ الإقامة إحدى عشرة جملة.
فهذا نوع من ألفاظ الأذان، وهو حق وثابت عن رسول ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ قال: (إنها رؤيا حق)، وأقرها واعتبرها، وجاءه الوحي بذلك، فأمر بأن يؤذن بهذا الأذان، وأن تكون الإقامة كذلك بهذه الصيغة التي جاءت عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه ﵁.
وقد جاءت ألفاظ الأذان كلها ذكراً لله وثناء عليه، وتوحيداً له، ودعوة إلى الصلاة وإلى الفلاح، وما يترتب على الصلاة من فلاح ونجاح وخير في الدنيا والآخرة.
فجاء في أول الأذان: (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر) وجاء في صحيح مسلم: أنه يقول: (الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر) أي: يقول كل تكبيرتين في نَفَس واحد، ويؤتى بهما جملة واحدة، كما جاء في الصحيح: (إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر يقول أحدكم: الله أكبر الله أكبر وإذا قال: الله أكبر الله أكبر، يقول أحدكم: الله أكبر الله أكبر، وإذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله قال: أشهد أن لا إله إلا الله) إلى آخر الأذان، فكان ذكر الأربع التكبيرات في جملتين، أي: في نَفَسين، وأكثر ألفاظ الأذان هي التكبير؛ لأن التكبير جاء أربع مرات في أول الأذان، ومرتين في آخره قبل (لا إله إلا الله) فهذه ست جُمل كلها بلفظ التكبير، وفي ذلك تعظيم لله وثناء عليه، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه الذي يرجع إليه كل شيء .
ثم بعد ذلك الشهادة لله بالوحدانية مرتين (أشهد أن لا إله إلا الله) وهي شهادة بتوحيده ، فهو الواحد في إلاهية وفي ربوبيته وفي أسمائه وصفاته، ففي ذلك إعلان الشهادة بالتوحيد.
ثم بعد ذلك الشهادة لمحمد ﷺ بالرسالة، ومن المعلوم أنه لابد من الشهادتين معاً، والشهادتان متلازمتان، لا تنفع أحدهما بدون الأخرى من حين بعث الله رسوله محمداً ﷺ ، ولن ينفع أحداً أن يشهد أن لا إله إلا الله دون أن يشهد أن محمداً رسول الله ﷺ ، فلابد من الشهادة لله بالوحدانية ولنبيه محمد ﷺ بالرسالة، ولهذا جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة -يهودي ولا نصراني- ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار)، فالشهادة لله بالوحدانية ولنبيه محمد ﷺ بالرسالة جاءت في ألفاظ الأذان، وكل منهما مكررة، فكررت (أشهد أن لا إله إلا الله) مرتين، وكررت (أشهد أن محمداً رسول الله) مرتين.
ومعنى (لا إله إلا الله) أي: لا معبود بحق سواه، فهو الإله الحق، والآلهة التي تُعبد من دون الله كلها باطلة، وصرف العبادة لها شرك بالله يبطل العمل ويحبطه، ولا ينفع مع الشرك عمل؛ لقول الله عن الكافرين المشركين: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، فإذا فقد شرط الإخلاص وحصل الشرك ودعوة غير الله معه وجعل الإنسان لله شريكاً في العبادة فعند ذلك يكون عمله مردوداً ما دام أنه مبني على الشرك وليس مبنياً على التوحيد، فلابد من الإخلاص لله وحده.
ولابد -أيضاً- من شهادة أن محمداً رسول الله، وهي تعني: تصديقه في جميع أخباره، وامتثال جميع أوامره، واجتناب نواهيه، وأن لا نعبد الله إلا طبقاً لما شرعه على لسان رسوله ﷺ .
ولهذا فإن اليهود والنصارى الذين يقولون: إن النبي محمداً ﷺ رسول إلى العرب خاصة ولم يؤمنوا بالنبي ﷺ كفار ومصيرهم إلى النار، ولا ينفعهم أي عمل يعملونه ولا أي قربة يتقربون بها؛ لأنه لابد من أن تكون الأعمال مستندة إلى التوحيد وإلى متابعة النبي الكريم محمد صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
ثم بعد ذلك (حي على الصلاة) وهذا هو المقصود من الأذان، لأن ما قبل ذلك وما بعده ثناء على الله وتوحيد
стр. 1683
تراجم رجال إسناد حديث: (لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس)
قوله: [حدثنا محمد بن منصور الطوسي].
محمد بن منصور الطوسي ثقة، أخرج حديثه أبو داود والنسائي.
والذين يقال لهم: محمد بن منصور في الكتب الستة اثنان: أحدهما: محمد بن منصور الطوسي، والآخر: محمد بن منصور الجواز المكي، الذي يروي عنه النسائي بكثرة، وهو يروي عن سفيان بن عيينة المكي والجواز ليس من رجال أبي داود، وإنما هو من رجال النسائي وحده، ولهذا فإن الذي يأتي عند أبي داود ممن يسمى محمد بن منصور إنما هو الطوسي هذا؛ لأن محمد بن منصور الجواز من رجال النسائي وحده كما قلنا، وقد أكثر عنه النسائي، فيذكره كثيراً، ولا سيما في الرواية عن سفيان بن عيينة عن الزهري.
[حدثنا يعقوب].
هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبي].
هو إبراهيم بن سعد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن إسحاق].
هو محمد بن إسحاق المدني، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي].
وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه].
وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في (خلق أفعال العباد) مسلم وأصحاب السنن.
[عن أبيه].
هو عبد الله بن زيد بن عبد ربه ﵁، وهو صحابي مشهور، أخرج حديثه البخاري في (خلق أفعال العباد)، وأصحاب السنن.
стр. 1684
اختلاف الرواة في بعض ألفاظ حديث: (لما أمر رسول الله ﷺ بالناقوس)
[قال أبو داود: هكذا رواية الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن زيد، وقال فيه ابن إسحاق عن الزهري: الله أكبر الله أكبر.
الله أكبر الله أكبر، وقال معمر ويونس عن الزهري فيه: الله أكبر الله أكبر، لم يثنيا].
أورد أبو داود ﵀ عدة روايات لهذا الحديث، فرواية الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه جاءت مثل اللفظ الذي جاء عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي، وهو بتربيع التكبير في الأول، ومثله -أيضاً- رواية محمد بن إسحاق عن الزهري أيضاً؛ لأن فيها التربيع، فالروايتان عن محمد بن إسحاق متفقتان على تربيع التكبير في الأول أربع مرات: (الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر) وجاء عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه مثل ما جاء في الطريقة السابقة، بل إن محمد بن إسحاق قد جاء عنه من طريق أخرى ما يوافق هذه الطريقة السابقة التي فيها تربيع التكبير.
стр. 1685
تراجم رجال إسناد حديث (لما أمر رسول الله بالناقوس) المختلفين في بعض الألفاظ
قوله: [قال أبو داود: هكذا رواية الزهري].
الزهري هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد بن المسيب].
سعيد بن المسيب ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن زيد].
وقد مر ذكره.
[وقال معمر].
هو: معمر بن راشد الأزدي البصري ثم اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ويونس].
هو يونس بن يزيد الأيلي ثم المصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري فيه].
يعني: في هذا الحديث: (الله أكبر الله أكبر).
وقوله: [لم يثنيا].
أي: ليس فيه تربيع، والمحفوظ هو التربيع؛ لأنه هو الذي جاء بالروايات المختلفة وبالطرق المتعددة، فهي المحفوظة، مع أنها كلها قصة واحدة وتتعلق برؤيا عبد الله بن زيد بن عبد ربه، فالمعتمد والمعتبر هو ما جاء من التربيع دون ما جاء من التثنية.
следующие страницы →