← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 16521–16560 · переход к 16526.

стр. 16521

شرح حديث: (لا يدخل الجنة الجواظ ولا الجعظري) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة قالا: حدثنا وكيع عن سفيان عن معبد بن خالد عن حارثة بن وهب قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يدخل الجنة الجواظ ولا الجعظري) قال: والجواظ: الغليظ الفظ]. أورد أبو داود حديث حارثة بن وهب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يدخل الجنة الجواظ ولا الجعظري). والجواظ: هو الذي عنده فظاظة وعنده غلظة، وعنده قسوة وجفاء، والجعظري، فسر بعدة تفسيرات، منها: أنه الذي ينتفخ بما ليس فيه، أي: كالمتشبع بما لم يعط، والذي يظهر بالشيء وهو ليس من أهله، ويكون فيه شيء من التكبر أو التعالي دون أن يكون عنده سبب ذلك، وهو مثل: العائل المستكبر الذي ما عنده الأسباب التي تجعله يستكبر، وكونه يستكبر مع كونه عائلاً هذا يدل على منتهى السوء، وإن كان الاستكبار قبيح ممن عنده الأسباب وممن ليست عنده الأسباب، ولكن حصوله ممن ليس عنده شيء يدل على منتهى سوئه. قوله: [قال: والجواظ: الغليظ الفظ]. قيل: هو الضخم والذي فيه غلظة وفظاظة.

стр. 16522

تراجم رجال إسناد حديث: (لا يدخل الجنة الجواظ ولا الجعظري) قوله: [حدثنا أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة]. أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة هما أخوان، وهما ثقتان، وكل منهما أخرج له الشيخان، وكل منهما روى له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي، فـ الترمذي ما خرج لهما، والنسائي خرج لـ أبي بكر في السنن، وخرج لأخيه عثمان بن أبي شيبة في عمل اليوم والليلة، وقد جمع بينهما هنا في هذا الإسناد، وقد يظن أن التقديم معتبر، وأن الأول هو الأكبر، بينما العكس هو الصحيح فـ عثمان هو الأكبر، وهذا الترتيب ليس له اعتبار؛ لأنه سيأتي بعد قليل حديث رواه عنهما وقدم عثمان على أبي بكر، فإذاً التقديم والتأخير ليس له اعتبار عند أبي داود فيما يتعلق بهذين الأخوين. وأبو بكر هو ممن أكثر له مسلم، بل لم يرو مسلم في صحيحه أكثر من روايته عن أبي بكر بن أبي شيبة؛ ولهذا قل أن تمر بصفحة من صفحات صحيح مسلم، إلا وفيها: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وقد ذكر أن الأحاديث التي رواها مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ألف وخمسمائة حديث وزيادة، فهو أكثر من روى مسلم عنه من شيوخه.

стр. 16523

اختصاص كتابي الزهرة والخلاصة بذكر عدد الأحاديث المروية للصحابة ولشيوخ البخاري ومسلم بالنسبة لعدد الأحاديث التي عند البخاري ومسلم فهناك كتاب ينقل عنه الحافظ ابن حجر في (تهذيب التهذيب) إذا أراد ذكر رجل من شيوخ البخاري ومسلم وعدد ما رويا عنه من أحاديث، فيقول: قال في (الزهرة): أخرج له البخاري كذا، وأخرج له مسلم كذا، يعني عدد الأحاديث له عند البخاري كذا، وعدد الأحاديث له عند مسلم كذا، فهذا من المظنة التي يعرف بها عدد أحاديث الرجل عند البخاري وعند مسلم، وهذا خاص بشيوخ الشيخين البخاري ومسلم، وأما فيما يتعلق بالصحابة فالأحاديث التي رواها كل صحابي في الكتب الستة يذكرها صاحب (خلاصة تذهيب الكمال) فهو عندما يترجم للصحابي يقول في آخر ترجمته: له كذا حديث، يعني: في الكتب الستة، اتفقا -أي: البخاري ومسلم - على كذا، وانفرد البخاري بكذا، وانفرد مسلم بكذا. وكتاب (الزهرة) لا يذكر عدد أحاديث كل شيوخ الشيخين، لكن ممن ذكر عدد أحاديثهم عند الإمام البخاري وعند الإمام مسلم الراوي الذي سبق وذكرناه وهو أبو بكر بن أبي شيبة.

стр. 16524

تابع تراجم رجال إسناد حديث: (لا يدخل الجنة الجواظ ولا الجعظري) قوله: [حدثنا وكيع]. هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سفيان]. هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وإذا جاء وكيع يروي عن سفيان غير منسوب فالمراد به الثوري. [عن معبد بن خالد]. معبد بن خالد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن حارثة بن وهب]. حارثة بن وهب ﵁ صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

стр. 16525

حكم تفسير وتأويل أحاديث الوعيد قوله: [(لا يدخل الجنة)]. من أهل العلم من قال: إن أحاديث الوعيد تبقى على هيبتها وعلى رهبتها؛ ليحصل الانزجار بها، والأصل ألا يشتغل بتأويلها وتفسيرها، ومن أهل العلم من فسرها حتى لا يستدل بها الخوارج والمعتزلة على أن أصحاب الكبائر لا يدخلون الجنة، وأنهم من أهل النار، ففسرها بعض أهل العلم: أنهم لا يدخلونها في أول من دخلها، وليس معنى ذلك أنهم لا يدخلونها أبداً؛ لأن الذين لا يدخلون أبداً هم الكفار، وأما غير الكفار فلا بد من دخولهم الجنة، ومن دخل النار من أهل المعاصي مهما بلغت تلك المعاصي وهي دون الشرك فإنه لا بد من خروجهم من النار وإدخالهم الجنة. إذاً: من العلماء من رأى ألا يتعرض لها بتفسير، وأن تبقى على رهبتها وهيبتها، ومنهم من قال: إنها تفسر بأن المقصود أنهم لا يدخلونها في أول الأمر مع من يدخلها من أول وهلة، فيبقون في النار فترة يعذبون فيها، ثم يخرجون منها ويدخلون الجنة.

стр. 16526

كراهية الرفعة في الأمور

стр. 16527

شرح حديث: (حق على الله أن لا يرفع شيئاً من الدنيا إلا وضعه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في كراهية الرفعة في الأمور. حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن ثابت عن أنس: (كانت العضباء لا تسبق فجاء أعرابي على قعود له فسابقها فسبقها الأعرابي، فكأن ذلك شق على أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال: حق على الله ألا يرفع شيئاً من الدنيا إلا وضعه)]. أورد أبو داود هذه الترجمة: [باب في كراهية الرفعة في الأمور]، يعني: في الأمور الدنيوية، وأما الأمور الأخروية فالرفعة فيها مطلوبة، والاشتغال والمنافسة فيها مطلوبة، فالرفعة في أمور الدنيا ليست هي المعتبرة، وإنما المعتبر هو الرفعة في أمور الآخرة؛ ولهذا الإنسان ينظر إلى من هو دونه ولا ينظر إلى من هو فوقه في أمور الدنيا؛ لأنه لو نظر إلى من فوقه فسيحصل منه ازدراء لنعمه الله عليه، وعدم الاعتراف بفضل الله عليه، ولكنه إذا رأى نفسه في خير وأن هناك من هم دونه وما حصلوا الذي حصل فإنه يعرف قدر نعمة الله عليه، وأما بالنسبة لأمور الآخرة فلا بد فيها من المنافسة، ولا بد فيها من الجد والاجتهاد، ولا بد فيها من بذل الوسع، وهذا أمر مطلوب لكن على وجه لا يحصل معه ملل أو انقطاع، وإلا فإن المنافسة والمسابقة في الخير من الأمور المطلوبة، وكلما ارتقى الإنسان من حال إلى حال أحسن فإن هذا مطلوب، والإنسان يتحول من السيئ إلى الحسن، ومن الحسن إلى الأحسن؛ ولهذا قالوا في الحج المبرور: إن علامة الحج المبرور أن الإنسان إذا نظر إلى حاله قبل الحج وحاله بعد الحج يرى أنه تحول من حال سيئة إلى حال حسنة، ومن حال حسنة إلى حال أحسن، فهذه علامة بر الحج، فأمور الآخرة لا بد فيها من طلب أعالي الأمور ومن المنافسة، ولا بد فيها من المسابقة في الخيرات، وهذا أمر مطلوب جاءت به نصوص الكتاب والسنة، وأما أمور الدنيا فالرفعة فيها تكون وقتية وتنتهي؛ ولهذا جاء في الحديث: (ولا ينفع ذا الجد منك الجد) يعني: لا ينفع صاحب الحظ حظه عندك، وإنما ينفعه العمل الصالح، فكرهت الرفعة في الأمور الدنيوية؛ لأن الرفعة فيها يعقبها زوال أو هبوط ونزول، فصاحب الجاه قد يكون جاهه مؤقتاً ما دام في وظيفته وفي مسئوليته، ولكنه إذا ذهب عن الوظيفة ذهب جاهه معه، أما في أمور الآخرة وفي أمور طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ فإنه يكون في جميع الأحول على حال مرضية، وعلى حال مطلوبة، وجاهه يبقى ولا يذهب بذهاب العمل والمنزلة التي حصلها من الدنيا؛ لأن تلك إنما هي من أمور الآخرة، وأمور الآخرة باقية، وأما أمور الدنيا فإنها تنتهي، ويعقبها نزول وهبوط. وأورد أبو داود حديث أنس بن مالك ﵁ قال: (كانت العضباء لا تسبق). أي: أن ناقة رسول الله ﷺ كان يقال لها: العضباء، وقيل: سميت بذلك بسبب خرم أو قطع في أذنها، وكانت لا تسبق، أي: أنها سباقة. قوله: [(فجاء أعرابي على قعود)] القعود: هو الجمل المتوسط الذي لم يكبر كثيراً، وإنما من حين صلح أن يركب، قيل: يكون قعوداً إلى أن يبلغ عمره ست سنوات، ثم يقال له: جمل، والقعود لا يكون إلا ذكراً. قوله: [(فسابقها فسبقها)]. لما سبقها هذا القعود تأثر أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لأن ناقة رسول الله ﷺ سبقت، وسبقها ذلك الأعرابي بقعوده، فالنبي ﷺ قال: (حق على الله ألا يرفع شيئاً من الدنيا إلا وضعه) معناه: إن الدنيا لا بد فيها من الانحطاط، ولا بد فيها من الهبوط، ولا يبقى إلا ما أريد به وجه الله ، والأعمال الصالحة هي التي تبقى للإنسان، ولهذا جاء في الحديث: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعالماً ومتعلماً) (فحق على الله ألا يرفع شيئاً من الدنيا إلا وضعه) فهذا الذي حصل يحتمل أن المقصود به أن هذه الناقة حصل لها ارتفاع وسبق، ثم غلبت، وهذا الذي غلبها أيضاً سيحصل له أن يُغلب، وهذا شأن أمور الدنيا، بخلاف أمور الآخرة فإنها من ارتفاع إلى ارتفاع، ومن علو إلى ما هو أعلى.

стр. 16528

تراجم رجال إسناد حديث: (حق على الله أن لا يرفع شيئاً من الدنيا إلا وضعه) قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل]. هو موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا حماد]. هو ابن سلمة بن دينار البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ثابت]. هو ثابت بن أسلم البناني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أنس]. هو أنس بن مالك ﵁، خادم رسول الله ﵊، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﵊. وهذا الإسناد من الأسانيد العالية عند أبي داود، وهو من الأسانيد الرباعية.

стр. 16529

شرح حديث: (حق على الله ألا يرفع شيئاً من الدنيا إلا وضعه) من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا النفيلي قال: حدثنا زهير قال حدثنا حميد عن أنس بهذه القصة عن النبي ﷺ أنه قال: (إن حقاً على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه)]. أورد أبو داود الحديث السابق من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله، إلا أن الأول عن ثابت والثاني عن حميد. قوله: [حدثنا النفيلي]. هو عبد الله بن محمد النفيلي، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن. [حدثنا زهير]. هو زهير بن معاوية، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا حميد]. هو حميد بن أبي حميد الطويل، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أنس]. أنس مر ذكره. وهذا أيضاً رباعي، وهو من الأسانيد العالية عند أبي داود.

стр. 16530

معنى قوله: (حق على الله) ومعنى قوله في الحديث: (حق على الله) أن الله قضى أن أمور الدنيا لا بد فيها من النزول بعد الرفعة، وكما هو معلوم أن هذا هو شأن الدنيا، وهذه هي أحوال الإنسان نفسه، فإنه يرتفع ويكون في قوة وشباب ونشاط ثم يبدأ بالهبوط والنزول حتى يهرم ويضعف، فهو قبل كان ضعيفاً، ثم صار قوياً، ثم يحصل له ضعف. وجاء في الحديث الأول: (حق على الله) أي: جرت عادته غالباً، وفي الحديث الثاني: (إن حقاً على الله تعالى) أي: أمراً ثابتاً عليه. وهذا يعني أن الله قد قضى بهذا، وأن هذا كائن وحاصل.

стр. 16531

كراهية التمادح

стр. 16532

شرح حديث: (إذا لقيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في كراهية التمادح. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن همام قال: (جاء رجل فأثنى على عثمان في وجهه فأخذ المقداد بن الأسود تراباً فحثا في وجهه، وقال: قال رسول الله ﷺ : إذا لقيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب)]. ثم أورد أبو داود هذه الترجمة: [باب في كراهية التمادح]، والمقصود بذلك المدح الذي يكون بغير حق، أو يحصل به تضرر الممدوح، وذلك بكونه يؤثر ذلك فيه فيزهو ويتكبر ويترفع، وأما المدح بالحق من أجل أن يتبع الإنسان، ومن أجل أن يوافق الإنسان على ما هو عليه من الخير، وعلى ما فيه من الأعمال الطيبة، فإن هذا لا بأس به بشرط ألا يحصل هناك ضرر على الإنسان، فيذكر الإنسان بخير من أجل الاقتداء به، ومن أجل الترغيب وتحفيز الناس ليكونوا مثله ويتابعوه؛ ولهذا لما دعا الرسول ﷺ إلى الصدقة جاء رجل بصرة كبيرة، فقال ﷺ : (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها)، وهذا مدح لهذا الشخص الذي سبق إلى الخير، واقتدى به الناس وتابعوه، فإذا كان المدح لا يحصل من ورائه مضرة، وإنما المقصود منه الفائدة والمصلحة، وأن يقتدى به ويؤتسى به، ويذكر ويثنى عليه، ويمدح بما هو فيه من أجل أن يتابع، فإن هذا أمر مطلوب ولا بأس به، وفي ذلك تحفيز للهمم إلى أن يكون المخاطبون مثل ذلك الذي مدح وأثني عليه، وأما إذا كان لأمور دنيوية، أو لطلب حظوظ دنيوية، أو كان بغير حق، فإن هذا غير محمود بل هو مذموم. وأورد أبو داود ﵀ حديث ابن الأسود رضي الله تعالى عنه: (أن رجلاً مدح عثمان رضي الله تعالى عنه وكان المقداد حاضراً، فأخذ تراباً وحثاه عليه، وقال: إن الرسول ﷺ قال: إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب)، والمقداد ﵁ فهم الحديث على ظاهره، ومن أهل العلم من قال: إن المقصود من ذلك أن المادح من أجل الدنيا أو من أجل حظوظ دنيوية لا يحصل إلا الخيبة، وأنه لا يعطى شيئاً إذا مدح من أجل الدنيا؛ لأنه لا يستحق، والمقصود من ذلك مثل قوله: (وللعاهر الحجر) في قصة الزاني، وأنه لا يحصل ولداً بسبب زناه، (الولد للفراش، وللعاهر الحجر) فيكون المقصود من ذلك أن له الخيبة. ثم قوله: (فحثا في وجهه التراب) ليس المقصود من ذلك أنه يحثوه على وجهه بحيث يدخل في عينيه، وإنما في جهته واتجاهه.

стр. 16533

تراجم رجال إسناد حديث: (إذا لقيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب) قوله: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن منصور]. منصور هو منصور بن المعتمر، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن إبراهيم]. هو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو المراد إذا جاء ذكره مهملاً غير منسوب في كتب الحديث أو كتب الفقه، أي: سواء كان في الأسانيد أو في الفقه؛ لأنه هو المشهور في الفقه وفي الحديث. [عن همام]. هو همام بن الحارث النخعي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [فأخذ المقداد بن الأسود]. المقداد بن الأسود ﵁ صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

стр. 16534

شرح حديث: (إذا مدح أحدكم صاحبه لا محالة فليقل: إني أحسبه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن يونس حدثنا أبو شهاب عن خالد الحذاء عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه: (أن رجلاً أثنى على رجل عند النبي ﷺ فقال له: قطعت عنق صاحبك ثلاث مرات، ثم قال: إذا مدح أحدكم صاحبه لا محالة فليقل: إني أحسبه كما يريد أن يقول، ولا أزكيه على الله)]. أورد أبو داود حديث أبي بكرة، وهو نفيع بن الحارث رضي الله تعالى عنه: (أن رجلاً مدح رجلاً عند النبي ﷺ ، فقال: قطعت عنق صاحبك) يعني: أنك أهلكته؛ لأن قطع العنق يكون به الهلاك، فكذلك الإنسان إذا مدح مدحاً قد يلحق به ضرراً فإنه قد يصيبه الهلاك بذلك، أي: الهلاك المعنوي، فكما أن الهلاك الحسي يكون بقطع الرأس، فكذلك الهلاك المعنوي يكون بالمدح الذي يؤدي به إلى الغرور ونحوه. قوله: [(إذا مدح أحدكم صاحبه لا محالة فليقل: إني أحسبه كما يريد أن يقول، ولا أزكيه على الله)]. يعني: إذا أراد الإنسان أن يمدح أخاه وكان لا بد من المدح فليقل: (أحسبة كما يريد أن يقول) يعني: يذكر الشيء الذي يريد أن يصفه به، أو يذكر الصفات التي هي فيه. قوله: [(ولا أزكيه على الله)] يعني: هكذا يظهر لي، والناس لهم الظاهر وقد تكون البواطن بخلاف ذلك، فلا يزكي على الله أحداً؛ لأنه سواء كان بالنسبة لواقعه أثناء الكلام فيه، أو بالنسبة للنهاية والمآل، فكل ذلك لا يعلمه إلا الله ، وهو الذي يعلم أن المدح يكون في محله أو في غير محله، فهذا في النهايات و (الأعمال بالخواتيم) كما قال ذلك رسول الله ﷺ .

стр. 16535

تراجم رجال إسناد حديث: (إذا مدح أحدكم صاحبه لا محالة فليقل: إني أحسبه) قوله: [حدثنا أحمد بن يونس]. أحمد بن يونس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا أبو شهاب]. هو عبد ربه بن نافع الحناط، هو صدوق يهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي. [عن خالد الحذاء]. هو خالد بن مهران الحذاء، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الرحمن بن أبي بكرة]. عبد الرحمن بن أبي بكرة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبيه]. هو نفيع بن الحارث وهو مشهور بكنيته أبي بكرة، وهو صحابي أخرج له أصحاب الكتب الستة.

стр. 16536

شرح حديث: (قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا بشر -يعني: ابن المفضل - حدثنا أبو مسلمة سعيد بن يزيد عن أبي نضرة عن مطرف قال: قال أبي: (انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيدنا، فقال: السيد الله ﵎، قلنا: وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً، فقال: قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان)]. أورد أبو داود حديث عبد الله بن الشخير رضي الله تعالى عنه قال: (انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيدنا) أي: كانوا يخاطبوا النبي ﷺ فقالوا: (أنت سيدنا، فقال: السيد الله) أي: السؤدد على الحقيقة إنما هو لله ؛ لأنه المتصف بذلك على الإطلاق، فهو الذي الخلق خلقه، والملك ملكه، وهو المتفضل بكل النعم، وهو الذي يتصرف في الخلق كيف يشاء، وهو صاحب السؤدد على الحقيقة، وغيره ممن حصل سؤدداً إنما هو سؤدد ناقص وغير كامل؛ ولهذا فإن الرسول ﷺ أخبر عن نفسه بأنه سيد ولد آدم ﵊، وهو سيدهم في الدنيا والآخرة صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولكن السؤدد الذي يليق بالإنسان للرسول ﷺ منه الحظ الأكبر والنصيب الأوفر، وأما السؤدد الكامل على الحقيقة فهو لله ؛ ولهذا قال: (السيد الله) أي: الله هو المتصف بهذا على الحقيقة، وهذا لا يعني ألا يقال لغيره : سيد؛ لأن النبي نفسه قال: (أنا سيد ولد آدم)، فأخبر عن نفسه بأنه سيد، وقال عن سعد بن معاذ سيد الأوس: (قوموا إلى سيدكم)، وجاءت نصوص تدل على إطلاق ذلك على المخلوق، ولكن الرسول ﷺ لحمايته جناب التوحيد، ولحرصه على ألا يحصل غلو يؤدي إلى محذور أرشد ﵊ وبين أن السيد هو الله، وأن السؤدد الحقيقي إنما هو لله . قوله: [(قلنا: وأفضلنا فضلاً، وأعظمنا طولاً)]. يعنون: الرسول ﷺ ، فهو أعظمهم فضلاً وطولاً، والمعنى: أنه أعظمهم عطاءً وجوداً وكرماً وإحساناً، كما قال الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء:٢٥] أي: غنى، وقولهم: (وأعظمنا طولاً) أي: عطاءً وإحساناً وجوداً وكرماً ﵊، وهذه صفة رسول الله ﷺ فقد كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ويدارسه القرآن، كما جاء في الحديث: (كان رسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن أجود بالخير من الريح المرسلة) صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. قوله: [(فقال: قولوا بقولكم أو بعض قولكم)]. يعني: القول المناسب الذي ليس فيه محذور، وهذا ما أرشد إليه النبي ﷺ حيث قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله)، ولهذا فإن من أحسن ما يوصف به النبي ﷺ أن يقال: عبد الله ورسوله، فهو عبد لا يُعبد، ورسول لا يكذب، بل يطاع ويتبع، وقد أرشد إلى هذا صلوات الله وسلامه وبركاته عليه لما نهى عن إطرائه فقال: (إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله) ﷺ ، فهذا هو الذي أرشد إليه النبي ﷺ ، ولا شك أنه سيد الخلق، وهو سيد ولد آدم، والسؤدد الذي يليق بالمخلوق له الحظ الأوفر والنصيب الأكبر منه، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، لكن المقصود من ذلك هو تحذيره ﷺ من أي شيء يفضي إلى الإطراء، ويفضي إلى الغلو فيه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه؛ ولهذا نجد أن الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم في روايتهم للأحاديث الكثيرة لا يأتي على ألسنتهم: قال سيدنا رسول الله ﷺ كذا وكذا، ومن المعلوم أن المحدثين يحافظون على لفظ الحديث حين يأتون به، ولا ينقصون منه شيئاً، بل إنهم يميزون بين عبارة: (قال رسول الله ﷺ وعبارة: (قال النبي ﷺ ، فهنا عبر بالنبي وهناك عبر بالرسول، ومعناهما واحد، ولكن هذا كله محافظة منهم على الألفاظ، وعناية في الإتيان باللفظ الذي أتى به الراوي، فلو كانوا يأتون بكلمة سيدنا لما حذفت، ولأتي بها في هذه الكتب الكثيرة التي هي بالآلاف؛ ولهذا نجد في هذا الزمان من كون بعض الناس لا يذكر الرسول ﷺ إلا ويقول: سيدنا، ولا يذكر أحداً من الصحابة إلا ويقول: سيدنا، وهذا ليس من طريقة ولا من منهج السلف، فإننا نجد أن كتب الحديث ليس فيها ذلك، وهم أحرص الناس على الخير، وأعظم الناس تعظيماً للرسول ﷺ ، ولكنهم يأتون بالرواية على هذه الصيغة: (قال رسول الله ﷺ كذا) أو (سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا) أو (أمر رسول الله ﷺ بكذا) أو (نهى رسول الله ﷺ عن كذا) أو (مر رسول الله ﷺ بكذا) أو (قضى رسول الله ﷺ بكذا) وهكذا، فالذي لا يلتزم قول: (سيدنا) عند ذكر الرسول ﷺ لا يقال: إن هذا حصل منه هضم لجنابه، أو نقص في حقه؛ لأن سلف هذه الأمة هذه طريقتهم، وهذا هو منهجهم، وهذه الأحاديث الموجودة -وهي ألوف المؤلفة- وليس فيها: (قال سيدنا رسول الله ﷺ كذا) كما يفعله بعض الناس في هذا الزمان، فهذا غير مطلوب، وإنما يجب تعظيم الرسول ﷺ وتوقيره ومحبته، واعتقاد أنه سيد الخلق وأفضلهم، ولكن على الإنسان أن يكون متبعاً في ذلك، ويكون على منهج السلف، وعلى طريقة السلف من الصحابة ومن سار على منوالهم، ولا يقال: إن الذي لا يلتزم بكلمة (سيدنا) لا يعرف قدر الرسول ﷺ .

стр. 16537

تراجم رجال إسناد حديث: (قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان) سقوله: [حدثنا مسدد]. هو مسدد بن مسرهد، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. [حدثنا بشر يعني: ابن المفضل]. بشر بن المفضل، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا أبو مسلمة سعيد بن يزيد]. أبو مسلمة سعيد بن يزيد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي نضرة]. هو المنذر بن مالك بن قطعة، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن مطرف]. هو مطرف بن عبد الله بن الشخير، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [قال أبي]. أبوه صحابي، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

стр. 16538

شرح سنن أبي داود [٥٤٧] إن من أعظم الصفات التي ينبغي على المسلم أن يتصف بها: الرفق، فهو دليل على حسن الأخلاق وكرم الطباع، كما أنه داع من دواعي الألفة والمحبة، ووسيلة لنشر الخير وتبليغه إلى جميع الناس. ومن الصفات العظمية التي يطلب من المسلم التحلي بها: شكر صانعي المعروف وفاعلي الخير، والثناء عليهم بما هم أهله.

стр. 16539

ما جاء في الرفق

стр. 16540

شرح حديث (إن الله رفيق يحب الرفق) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الرفق. حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن يونس وحميد عن الحسن عن عبد الله بن مغفل أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف)]. أورد أبو داود هذه الترجمة: [باب في الرفق]. والمراد بالرفق الرفق في الدعوة إلى الله ، وفي النصح، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكل هذا مطلوب فيه الرفق، وكذلك معاملة الناس تكون بالرفق. وأورد أبو داود حديث عبد الله بن المغفل رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف)، والعنف ضد الرفق. قوله: (إن الله رفيق) يدل على أن من أسماء الله الرفيق، وهو يحب الرفق، مثل: (إن الله جميل يحب الجمال) ومثل (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)، فهو رفيق يحب الرفق. قوله: [(ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف)]. يعني: أن الذي يرفق في الأمور فإنه يحصل الخير، ويحصل من النفع ما لا يحصل بالعنف والشدة والقسوة والغلظة، وقصة الأعرابي الذي جاء وبال في المسجد معروفة، فقام الصحابة ليزجروه وينهروه؛ لأن فعله هذا شيء عظيم، ولأن المسجد لا يبال فيه، لكن الرسول ﷺ أمرهم أن يتركوه، فالرسول ﷺ رفق به؛ لأنه لو قام حين زجروه لملأ ثيابه، وملأ جسده، ولتناثرت قطرات البول في المسجد، فيحتاج إلى أن تطهر كل البقعة التي مر عليها؛ لأن النجاسة وصلت إليها، ولكن مادام أنه قد بدأ بالبول فبقاؤه في مكانه يجعل مكان النجاسة محصوراً، وبعد ذلك يطهر هذا المكان الذي علم بأنه تنجس، فالرسول أمرهم بأن يتركوه، ثم إن الرجل تأثر من هذا الذي حصل من الزجر، وأعجبه هذا الذي حصل من رسول الله ﷺ من الرفق، ولهذا جاء أنه قال: اللهم! اغفر لي ولمحمد ولا تشرك في رحمتنا أحداً.

стр. 16541

تراجم رجال إسناد حديث (إن الله رفيق يحب الرفق) قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن يونس]. يونس هو يونس بن عبيد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [وحميد عن الحسن]. الحسن هو الحسن بن أبي الحسن البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الله بن مغفل]. عبد الله بن مغفل رضي الله تعالى عنه صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

стр. 16542

شرح حديث (إن الرفق لم يكن في شيء قط إلا زانه، ولا نزع من شيء قط إلا شانه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة ومحمد بن الصباح البزاز قالوا: حدثنا شريك عن المقدام بن شريح عن أبيه قال: (سألت عائشة عن البداوة فقالت: كان رسول الله ﷺ يبدو إلى هذه التلاع، وإنه أراد البداوة مرة فأرسل إلي ناقة محرمة من إبل الصدقة، فقال لي يا عائشة: ارفقي فإن الرفق لم يكن في شيء قط إلا زانه، ولا نزع من شيء قط إلا شانه). قال ابن الصباح في حديثه: محرمة يعني: لم تركب]. أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها سئلت عن البداوة فقالت: (إن النبي ﷺ كان يذهب إلى بعض هذه التلاع) والتلاع: هي الأماكن التي يكون فيها الماء، وينزل من علو إلى سفل، فيقال: تلعة للماء إذا كان في الجبل ثم ينزل إلى مكان منخفض، فكان يذهب أحياناً، والرسول ﷺ ذهب إلى البادية، لكن الذي هو غير سائغ أن يترك الإنسان الحاضرة ويذهب للبادية، فيصير من أهل البوادي، ويصير من أهل الفلاة بدل ما كان من أهل الحاضرة، وأما الذهاب في بعض الأحيان للبادية فلا يجعل الإنسان بدوياً، كما أن البدوي لو جاء للمدينة ومكث يوماً أو يومين أو ثلاثة فلا يقال: إنه حضري، فالرسول ﷺ كان يخرج أحياناً. وقد كان أئمة اللغة يخرجون لأخذ الكلام العربي من الأعراب ومن البوادي، ويدونون ذلك في كتبهم، فلم يخرجوا بذلك عن كونهم من أهل الحضر إلى كونهم من أهل البادية، بل إن يعقوب ﵊ لما ذكر الله أنه جاء من البدو ليس معنى ذلك أنه كان في البادية، ولكنه ذهب إلى البادية؛ لأن الرسل كلهم من الحاضرة وليسوا من البادية، كما قال الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف:١٠٩]، فالرسل من أهل القرى وليسوا من البادية، وما جاء من قوله: ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ [يوسف:١٠٠] هو من جنس ما ذكرنا من أن الإنسان يخرج إلى البادية في بعض الأحيان، ولا يخرج إليها ليفارق الحاضرة ويكون بدوياً. قوله: [(سألت عائشة عن البداوة فقالت: كان رسول الله ﷺ يبدو إلى هذه التلاع)]. يعني: يخرج إلى هذه التلاع. قوله: [(وإنه أراد البداوة مرة فأرسل إلي ناقة محرمة من إبل الصدقة)]. أي: أنه أراد أن يذهب إلى البادية مرة من المرات فأرسل إليها ناقة محرمة، يعني: غير ذلول، وغير مدربة على الهدوء والسير، وإنما يكون في ركوبها صعوبة؛ ولهذا يقال: يركب الصعب والذلول، فالصعب ضد الذلول، والذلول: المذللة، والصعب: التي يصعب قيادها. قوله: [(يا عائشة ارفقي، فإن الرفق لم يكن في شيء قط إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه)] يعني: ارفقي بها، وهذا يدل على عظم شأن الرفق وأهميته، والترغيب فيه، والحث عليه، وأنه فيه الفوائد بخلاف العنف فإنه يأتي بعكس ما هو مطلوب.

стр. 16543

تراجم رجال إسناد حديث (إن الرفق لم يكن في شيء قط إلا زانه، ولا نزع من شيء قط إلا شانه) قوله: [حدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة]. هذا الإسناد فيه تقديم عثمان على أبي بكر، وكما قلت من قبل فإن التقديم والتأخير لا يدل على الكبر، فإن عثمان أكبر، ومع ذلك قدم أبا بكر في بعض الأحيان، وقدم عثمان هنا في هذا الإسناد. [ومحمد بن الصباح البزاز]. محمد بن الصباح البزاز ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا شريك]. هو شريك بن عبد الله النخعي الكوفي، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن المقدام بن شريح]. المقدام بن شريح ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن. [عن أبيه]. هو شريح بن هانئ، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن. [سألت عائشة]. عائشة أم المؤمنين ﵂ مر ذكرها. قوله: [قال ابن الصباح في حديثه: محرمة يعني: لم تركب]. هذا: تفسير لكلمة محرمة، يعني: أنها ليست مذللة، وما ألفت الركوب عليها؛ ولهذا فإنها تكون فيها صعوبة، فهي إذا كانت لم تركب فإنها تحتاج إلى وقت لتكون على الحال المطلوبة من السهولة واليسر، وترك النفور الذي كانت متصفة به من قبل.

стр. 16544

حكم استخدام إبل الصدقة لمن لا تحل له الصدقة وفي الحديث دلالة على أن إبل الصدقة يمكن استخدامها بالنسبة لـ عائشة، ومعلوم أن عائشة لا تحل لها الصدقة أو الزكاة، لكن جاء في هذا الحديث: (فأرسل إلي ناقة محرمة من إبل الصدقة). وكان المقصود من ذلك أنها ستركب عليها وستذهب إليه، فهذا يدل على جوازه، والركوب غير التملك وغير البيع، وغير كونها تتصرف فيها كيف تشاء، إنما المقصود أعطاها إياها من أجل أنها تذلل، أي: من أجل تمرينها، وعائشة وإن كانت لا تستحقها إلا أن في ذلك إصلاح لتلك الناقة. ومثل ذلك ما جاء في قصة الرجل الذي كان يسوق بذمته إلى الحج وقال: إنها هدي، فأمره النبي أن يركبها وهو يعلم أنها هدي، وهذا معناه أنه جاز استخدامها، وهنا أيضاً يمكن أن يكون المقصود أن تعودها وتذللها لتصير سهلة القياد، ويكون في ذلك مصلحة لمن يستحقها.

стр. 16545

شرح حديث (من يحرم الرفق يحرم الخير كله) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش عن تميم بن سلمة عن عبد الرحمن بن هلال عن جرير قال: قال رسول الله ﷺ : (من يحرم الرفق يحرم الخير كله)]. أورد أبو داود حديث جرير ﵁، وهو يدل على عظم شأن الرفق حيث قال: (من يحرم الرفق يحرم الخير كله) أي: أنه لا يحصل خير من وراء العنف، وإنما يحصل منه الضرر.

стр. 16546

تراجم رجال إسناد حديث (من يحرم الرفق يحرم الخير كله) قوله: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية]. أبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ووكيع عن الأعمش]. الأعمش هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن تميم بن سلمة]. تميم بن سلمة ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة. [عن عبد الرحمن بن هلال]. عبد الرحمن بن هلال ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة. [عن جرير]. هو جرير بن عبد الله ﵁، صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 16547

شرح حديث (التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا عفان حدثنا عبد الواحد حدثنا سليمان الأعمش عن مالك بن الحارث قال الأعمش: وقد سمعتهم يذكرون عن مصعب بن سعد عن أبيه، قال الأعمش: ولا أعلمه إلا عن النبي ﷺ قال: (التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة)]. أورد أبو داود حديث سعد بن أبي وقاص ﵁: (التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة) يعني: التؤدة مطلوبة في كل شيء إلا في عمل الآخرة فإنه يبادر فيها، ويحرص عليها، ولا يتهاون فيها، ولا تترك الفرصة لاقتناء ما يعود على الإنسان بالخير. قوله: [(التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة)]. يعني: أن أمور الدنيا يتأنى الإنسان ويتروى فيها، وأما بالنسبة لأمور الآخرة فلا يتأنى فيها، بل يقدم ويسارع، وهذا يدلنا على أن أمور الآخرة لا بد فيها من منافسة ومسابقة، ولا بد فيها من الجد والاجتهاد، ولا بد فيها من اغتنام الفرص وعدم التساهل، بخلاف أمور الدنيا فالإنسان يتأنى، وقد يكون في التأني الخير الكثير، بخلاف العجلة فإنه قد يترتب عليها شيء من الضرر، فأمور الدنيا التأني والتروي فيها لا شك أنه خير للإنسان.

стр. 16548

تراجم رجال إسناد حديث (التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة) قوله: [حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح]. الحسن بن محمد بن الصباح ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن. [حدثنا عفان]. هو عفان بن مسلم الصفار، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عبد الواحد]. هو عبد الواحد بن زياد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا سليمان الأعمش عن مالك بن الحارث]. الأعمش مر ذكره، ومالك بن الحارث ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود والنسائي. [قال الأعمش: وقد سمعتهم يذكرون عن مصعب بن سعد]. مصعب بن سعد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبيه]. هو سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵁، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. وإسناد الحديث صحيح، وعنعنة الأعمش لا تؤثر. وقول الأعمش: وقد سمعتهم يذكرون عن مصعب بن سعد معناه: أن مالك بن الحارث وأناساً مع مالك بن الحارث ذكروه عن مصعب، ولم يذكر الأعمش عمن روى مالك بن الحارث وأقرانه هذا الحديث، فالواسطة بين مالك ومصعب غير مذكورة، إلا أنه جاء في المستدرك عن مالك عن مصعب، وهنا يوجد آخرون مع مالك.

стр. 16549

ما جاء في شكر المعروف

стр. 16550

شرح حديث (لا يشكر الله من لا يشكر الناس) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في شكر المعروف. حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا الربيع بن مسلم عن محمد بن زياد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يشكر الله من لا يشكر الناس)]. قوله: [باب في شكر المعروف]. أي: أن الإنسان يشكر المعروف الذي يسدي إليه، ومعلوم أن كل خير فهو من الله : ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل:١٨]، فكل خير حصل للإنسان فالله تعالى هو المتفضل به، ومن الخير الذي يتفضل الله به على من يشاء من عباده أن يسوق إليه إنساناً يسخره له ويلين قلبه له بحيث يحسن إليه، وهذا الإحسان هو في الحقيقة من الله ؛ لأن الله تعالى هو الذي وفق من أراد أن يحسن إليه للإحسان إليه، فهو متفضل بكل شيء، ولكن كما أن العبد فاعل باختياره، وأنه يحمد على ما يحصل منه من الخير، وكذلك يذم على ما يحصل منه من الشر، فإنه إذا حصل منه الإحسان فإنه يحمد على إحسانه وعلى معروفه، ويشكر على ذلك، والشكر لله أولاً وآخراً؛ لأنه هو المتفضل بكل شيء، فهو يتفضل بالخير بسبب أحد من الناس، أو بدون أن يكون هناك سبب من أحد من الناس، فالكل بفضل الله ، والكل بإحسانه وجوده وكرمه ، فعلى الإنسان أن يشكر الله على كل النعم الظاهرة والباطنة؛ لأنها كلها من الله تقديراً وتوفيقاً، ومن ساق الله تعالى الخير على يديه لإنسان فإنه يشكره ويثني عليه ويدعو له، سواء كان هذا المعروف يتعلق بأمر دنيوي أو بأمر ديني. وقد أورد أبو داود ﵀ حديث أبي هريرة ﵁: (لا يشكر الله من لا يشكر الناس)، ومعنى ذلك: أن الإنسان إذا كان من عادته أنه لا يبالي بالإحسان الذي يقع له من بعض الناس ولا يشكره، فإن هذا يجره إلى ألا يشكر الله ، وأن يستهين بالنعم التي حصلت له، فلا يشكر الخالق ولا يشكر المخلوق، بل يغفل عن ذلك ويسهو عنه، ولكنه إذا شكر من جعله الله سبباً، وكان من عادته أن يعرف المعروف لأهله، وأن يشكر صاحب المعروف على معروفه، فإنه يكون شاكراً لله ؛ ولهذا قال: (لا يشكر الله من لا يشكر الناس) أي: أن الذي لا يشكر الناس على إحسانهم، بل يقصر في ذلك؛ فإنه أيضاً يقصر في حق الله ، فعلى الإنسان أن يشكر النعم التي حصلت له بسبب المخلوق الذي جعله الله سبباً في وصولها إليه، ويشكر النعم التي تحصل من الله بغير سبب، فيحمد الله ويشكره على كل حال.

стр. 16551

تراجم رجال إسناد حديث (لا يشكر الله من لا يشكر الناس) قوله: [حدثنا مسلم بن إبراهيم]. هو مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا الربيع بن مسلم]. الربيع بن مسلم ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. [عن محمد بن زياد]. محمد بن زياد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة]. هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁، صاحب رسول الله ﷺ ، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث، بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق ﵁، وهذا الإسناد من الرباعيات التي هي أعلى الأسانيد عند أبي داود.

стр. 16552

كيفية شكر الناس والفرق بينه وبين الحمد شكر الناس يكون بالقول ويكون بالفعل ويكون بهما معاً، فيمكن أن يحسن الإنسان إلى من أحسن إليه، ويكافئ من أحسن إليه، ويدعو له، فيجمع له بين هذا وهذا. ويمكن أن يحمد الإنسان من يسدي إليه خيراً، والحمد أعم من الشكر.

стр. 16553

شرح حديث أنس في الدعاء لصاحب المعروف والثناء عليه قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن ثابت عن أنس: (أن المهاجرين قالوا: يا رسول الله! ذهبت الأنصار بالأجر كله، قال: لا، ما دعوتم الله لهم، وأثنيتم عليهم)]. أورد أبو داود حديث أنس بن مالك ﵁: (أن المهاجرين قالوا للنبي ﷺ : ذهبت الأنصار بالأجر كله، قال: لا، ما دعوتم لهم وأثنيتم عليهم) أي: أنكم بدعائكم لهم وثنائكم عليهم تحصلون الأجر؛ لأنكم عرفتم الفضل لأهل الفضل. ومن المعلوم أن المهاجرين أفضل من الأنصار؛ لأن المهاجرين معهم الهجرة والنصرة، والأنصار معهم النصرة دون الهجرة، والله جمع للمهاجرين بينهما بقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨] فوصفهم بأنهم مهاجرون ووصفهم بأنهم أنصار، وهم إنما تركوا بلادهم لنصرة الرسول ﷺ ، والجهاد معه، والدفاع والذب عنه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، لكن الأنصار كانوا أهل البلد وعندهم الأموال، فكانوا ينفقون، وأولئك تركوا أموالهم وبلادهم، ولا شك أن من أنفق من ماله فهو مأجور وهذا خير له.

стр. 16554

تراجم رجال إسناد حديث أنس في الدعاء لصاحب المعروف والثناء عليه قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل]. هو موسى بن إسماعيل التبوذكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا حماد]. هو حماد بن سلمة بن دينار، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن ثابت]. هو ثابت بن أسلم البناني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أنس]. هو أنس بن مالك ﵁، خادم رسول الله ﵊، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﵊. وهذا الإسناد أيضاً من الرباعيات التي هي أعلى الأسانيد عند أبي داود. وقولهم: (ذهبت الأنصار بالأجر كله) أي: بالبذل والعطاء والإنفاق، وليس معناه أن المهاجرين ليسوا أفضل منهم.

стр. 16555

شرح حديث (من أعطي عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا بشر حدثنا عمارة بن غزية قال: حدثني رجل من قومي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : (من أعطي عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره). قال أبو داود: رواه يحيى بن أيوب عن عمارة بن غزية عن شرحبيل عن جابر. قال أبو داود: وهو شرحبيل، يعني: رجلاً من قومي، كأنهم كرهوه فلم يسموه]. أورد أبو داود حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: [(من أعطي عطاء فوجد فليجز به)]. يعني: وجد مالاً، أو وجد قدرة على أن يكافئ ويجزي به، فإنه يجزي به، بمعنى: أن من صنع إليه معروفاً فيكافئه الإنسان مقابل ما حصل منه من الإحسان، فيقابل الإحسان بالإحسان، فإذا كان واجداً، ذا قدرة مالية؛ فإنه يكافئه ويجزي به ذلك الذي أحسن إليه وأعطاه. قوله: [(فإن لم يجد فليثن به)]. يعني: يثني على ذلك الذي أحسن إليه بعطائه ويشكره، وهذا هو المقصود من الترجمة، أن الإنسان يشكر، ومعلوم أن الثناء والدعاء يمكن أن يكون مع المكفاءة والعطاء، فالإنسان حتى إذا قدر على المبادلة والإحسان فإنه أيضاً يدعو مع ذلك ويشكر عليه ويثني عليه بذلك، لكن إذا لم يكن عند الإنسان شيء يقابل به، فلا أقل من الثناء والدعاء لمن حصل منه الإحسان إليه. قوله: [(فمن أثنى به فقد شكره)]. أي: من أثنى على من أحسن إليه بهذه النعمة, فقد شكره. قوله: [(ومن كتمه فقد كفره)]. أي: كفر هذه النعمة، ومعلوم أن كون الإنسان يشكو من أعطاه، هذا أمر واضح وليس فيه إشكال، وأما أن يخبر الناس أنه حصل له كذا وكذا، وأنه أعطي من فلان، فهذا إذا كان فيه مصلحة فيمكن له ذلك، وإن لم يكن هناك مصلحة، أو كان ذلك الذي أعطاه لا يريد منه أن يذكر ذلك لأحد، أو أن يعلن ذلك، فإنه يخفيه، ولكنه يشكر ويثني على ذلك الذي أحسن إليه.

стр. 16556

تراجم رجال إسناد حديث (من أعطي عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به) قوله: [حدثنا مسدد]. هو مسدد بن مسرهد، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. [حدثنا بشر]. هو بشر بن المفضل، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عمارة بن غزية]. عمارة بن غزية لا بأس به، وهي بمعنى: صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [حدثني رجل من قومي]. هذا الرجل من قومه لم يذكر، ولكنه ذكر في الإسناد الثاني، وهو شرحبيل بن سعد، وهو صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود وابن ماجة. [عن جابر بن عبد الله]. هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما الصحابي الجليل، وهو صحابي بن صحابي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ . [قال أبو داود: رواه يحيى بن أيوب]. يحيى بن أيوب صدوق ربما أخطأ، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عمارة بن غزية عن شرحبيل عن جابر]. الثلاثة مر ذكرهم. [قال أبو داود: وهو شرحبيل يعني: رجلاً من قومي]. يعني: أن ابن غزية قال في الإسناد الأول: رجل من قومي، وفي هذا الإسناد قال: عن شرحبيل، وهذا هو ذاك. قوله: [كأنهم كرهوه فلم يسموه]. يعني: فيه كلام فلم يسموه في الإسناد الأول.

стр. 16557

شرح حديث (من أبلي بلاء فذكره فقد شكره ومن كتمه فقد كفره) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن الجراح حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي ﷺ قال: (من أبلى بلاء فذكره فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره)]. هذا مثل الذي قبله في الجملة من ناحية الذكر والشكر، وعدم الذكر والشكر. قوله: [(من أبلي بلاء)]. أي: من أحسن إليه بإحسان، فذكر ذلك الإحسان وأثنى على صاحبه أو مدح صاحبه، أو حمده فقد شكره. قوله: [(وإن كتمه فقد كفره)]. أي: كفر ذلك الإحسان، أو كفر هذه النعمة، وهو مثل الذي تقدم: (من وجد فليجز به، وإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره)، فهذا مثل الجملة الأخيرة من الحديث السابق. وكون الإنسان يذكر النعمة ويذكر صاحبها في نفسه أو فيمن له علاقة به، فهذا يكفي، أما إعلان ذلك في الناس وقوله: فلان أعطاني كذا وأعطاني كذا، فهذا لا يلزم؛ لأنه في هذه الحال قد يتسبب لذلك الشخص بالإحراج، بأن يؤتى إليه ويقال: أعطيت فلاناً فأعطنا.

стр. 16558

تراجم رجال إسناد حديث (من أبلي بلاء فذكره فقد شكره ومن كتمه فقد كفره) قوله: [حدثنا عبد الله بن الجراح]. عبد الله بن الجراح صدوق يخطئ، أخرج له أبو داود والنسائي في مسند مالك وابن ماجة. [حدثنا جرير]. هو جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الأعمش]. هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي سفيان]. هو طلحة بن نافع، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن جابر]. جابر ﵁ مر ذكره.

стр. 16559

صيغ الشكر، وحق النبي والصحابة من الشكر على أهل الإسلام الشكر القولي ليس له صيغة معينة، فيجوز بأي لفظ كان، كأن يقول: شكر الله لك، جزاك الله خيراً، لقد أحسنت، أحسن الله إليك، فكل هذا من الصيغ التي فيها شكر. ومن المعلوم أن أعظم المنن علينا هي وصول هذا الدين غضاً طرياً بفضل الله، ثم بجهود السلف الصالح ﵏، لاسيما الصحابة ﵃ الذين بلغوا دين الله تعالى. وقد سبق أن ذكرنا أن الإحسان قد يكون دينياً وقد يكون دنيوياً، والدنيوي: كالإحسان بالمال، والديني: كالإحسان بالعلم، والدعوة إلى الخير، والتبصير بالهدى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا أجل الإحسان وأعظمه؛ لأن الإحسان في أمور الدنيا إنما هو زاد للحياة الدنيا، وأما الإحسان في الدين، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الخير، والتبصير بالحق والهدى، فهذا فيه مساعدة وإعانة على الزاد الذي يتزود به في الآخرة، ومعلوم أن الحياة الدنيا لا بد لها من نهاية، والإنسان سيأخذ رزقه الذي كتبه الله له، سواء ساقه الله إليه بواسطة أو بغير واسطة، وأما بالنسبة للدين والتفقه في الدين ومعرفة الحق والهدى، والخروج من الظلمات إلى النور، فهذه أعظم النعم وأجلها؛ ولهذا كان حق الرسول الكريم ﷺ -الذي ساق الله للمسلمين على يديه هذه النعمة- أعظم حق، ويجب أن تكون محبته فوق محبة كل محبوب من البشر؛ لأن الرسول ﷺ هو الذي دل الناس على الحق والهدى، وأخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور. فالنعمة التي ساقها الله على يديه لا تماثلها نعمة، ولا تدانيها نعمة، بل إن الوالدين اللذين أحسنا إلى الإنسان، وكانا سبب وجوده، وقاما بتنشئته وبتربيته حتى بلغ مبلغ الرجال، حقهما دون حقه ﷺ ؛ ولهذا قال ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين)؛ لأن النعمة التي ساقها الله للناس على يدي الرسول ﷺ أعظم النعم، وأجل النعم، ولا تماثلها، ولا تساويها نعمة. وبعد الرسول ﷺ أعظم الناس فضلاً وإحساناً إلى الناس أصحاب الرسول ﷺ ، الذين هم الواسطة بين الناس وبين الرسول ﵊، الذين تلقوا الكتاب والسنة عن الرسول ﵊، وبلغوهما إلى الناس، فكل خير حصل للناس إنما جاء عن طريق الصحابة، والناس ما عرفوا ما جاء عن النبي ﷺ إلا عن طريق الصحابة، فهم الذين جمعوا القرآن، وهم الذين حفظوا السنة، وهم الذين نقلوا الكتاب والسنة وأدوهما إلى الناس، فكل من حفظ سنة عن رسول الله ﵊ وأداها إلى الناس فإن الله تعالى يثيبه مثلما يثيب من استفاد من هذه السنة. وقبل ذلك فإن كل من حصل منه إحسان، أو معروف، أو تقوى وإيمان، فإن للنبي ﷺ مثل أجور كل أمته من أولها إلى آخرها؛ لأنه هو الذي دلهم على الحق والهدى، قال ﷺ : (ومن دل على خير فله مثل أجر فاعله) وقال ﵊: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً) وعلى العكس من ذلك: (ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل إثم من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)، وعلى هذا فإن المحبة تكون للرسول ﷺ على الوجه الذي بينه ﵊، وهي المحبة التي تفوق محبة الوالدين، ومحبة الناس أجمعين. وأما أصحاب رسول الله ﷺ فإنه يدعا لهم، ويشكرون ويذكرون بالجميل اللائق بهم، ولا يذكرون بسوء، وإنما يذكرون بالخير؛ لأن كل خير وصلنا فإنما هو عن طريق الصحابة، ومن قطع صلته بالصحابة فإن صلته بالرسول ﷺ مبتوتة؛ لأنه لا يوصل إلى الرسول ﷺ ، ولا يعرف ما جاء به الرسول ﷺ من الكتاب والسنة إلا عن طريق الصحابة؛ ولهذا كانوا أفضل هذه الأمة، وخير هذه الأمة، وكان أي واحد منهم أفضل من أي واحد يجيء بعدهم، وقد بين النبي ﷺ فضلهم بقوله: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) فقرن الرسول ﷺ الذين رأوه هم خير الناس، ثم قرن التابعين، ويليهم قرن أتباع التابعين. والحاصل: أن الصحابة ﵃ وأرضاهم، وقد ساق الله هذا الخير الذي بعث نبيه ﷺ به عن طريقهم، فإنهم يحبون ويدعا لهم، ويذكرون بالجميل اللائق بهم، وتنزه الألسنة والقلوب عن أن يكون فيها شيء مما لا ينبغي، بل تكون القلوب والألسنة سليمة في حقهم، فلا يكون في القلوب إلا المحبة والذكر الجميل اللائق بهم ﵃ وأرضاهم، والكف عما شجر بينهم، وألا يذكر منهم أحد إلا بأحسن الذكر؛ لأنهم هم الذين جعلهم الله واسطة بين الناس وبين رسول الله ﷺ ، فشكرهم يكون بالدعاء لهم والثناء عليهم وذكرهم بالجميل اللائق بهم.

стр. 16560

شرح سنن أبي داود [٥٤٨] هناك جملة من الآداب حث عليها الإسلام ورغب فيها، ومنها: شكر الإنسان للمعروف المسدى إليه من غيره، وعدم الجلوس في الطرقات إلا لمن أدى حقها، وهناك آداب متعلقة بالمجالس والمجالسة ينبغي التأدب بها ومعرفتها كما وردت في الأحاديث عن النبي ﷺ .
следующие страницы →