← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 16801–16840 · переход к 16806.

стр. 16801

شرح حديث (نهى رسول الله ﷺ أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الرجل يضع إحدى رجليه على الأخرى. حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث ح وحدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يضع، وقال قتيبة: يرفع الرجل إحدى رجليه على الأخرى. زاد قتيبة: وهو مستلقٍ على ظهره)]. أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان: باب في الرجل يضع إحدى رجليه على الأخرى، أي: أن يستلقي ويضع إحدى رجليه على الأخرى. وأورد أبو داود في هذا حديثاً فيه أن الرسول ﷺ نهى أن يضع أو يرفع إحدى رجليه على الأخرى، وقد جاء عن بعض الصحابة أنهم كانوا يضعون أرجلهم على أرجلهم وهم مستلقون، والرسول ﷺ جاء عنه أنه كان يفعل ذلك وهو مستلقٍ، وأيضاً جاء عن عمر وعثمان أنهم كانوا يفعلون ذلك. إذاً: يحمل هذا النهي في الحديث على ما إذا كان يترتب على ذلك انكشاف العورة، فإنه إذا كان على الإنسان إزار ورفع إحدى رجليه على الأخرى ربما يترتب عليه انكشاف العورة، وهذا منهي عنه، وذلك مثل أن إحدى ركبتيه ويضع الرجل الثانية عليها؛ فإذا كان عليه إزار فإن عورته تنكشف، وأما إذا كان عليه سراويل فإنه لا تنكشف عورته بذلك، فيكون النهي فيما يترتب عليه انكشاف عورة، وأما إذا كان لا يترتب عليه انكشاف عورة، بأن يكون عليه إزار ولكنه مد رجليه ووضع إحداهما على الأخرى وهما ممدودتان، فإن هذا كما لو كانت الواحدة بجوار الأخرى، ولا يترتب عليه انكشاف عورة، وهذا لا محذور فيه، وعلى ذلك يحمل ما جاء من الأحاديث في ذلك أنه كان ﷺ مستلقياً واضعاً إحدى رجليه على الأخرى، أي: أنه كان قد مدهما أو وضع أحداهما على الأخرى وهما ممدودتان، ومثل هذا لا يترتب عليه انكشاف العورة حتى ولو كان عليه إزار؛ لأن وضع واحدة على الأخرى وهما ممدودتان وهو مثل وضعها بجوارها، ولا يترتب عليه شيء من الانكشاف، وإنما الانكشاف يترتب لو كانت الرجل على الركبة، والإنسان عليه إزار، فإن هذا يترتب عليه انكشاف العورة، وهذا هو الذي لا يجوز، وأما إذا كان لا يترتب عليه ذلك وقد ورد عن النبي ﷺ أنه فعله، فإنه يحمل على مثل هذه الصورة التي لا يترتب عليها انكشاف عورة. وفيه دليل على أن الإنسان ينام مستلقياً ويضع إحدى رجليه على الأخرى إذا كان عليه إزار حتى يكون على وجه لا تنكشف معه العورة.

стр. 16802

تراجم رجال إسناد حديث (نهى رسول الله ﷺ أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى) قوله: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث ح وحدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد]. موسى بن إسماعيل التبوذكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وحماد بن سلمة بن دينار ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن أبي الزبير]. هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن جابر]. هو جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه الصحابي الجليل، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 16803

شرح حديث عبد الله بن زيد أنه رأى رسول الله مستلقياً في المسجد قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا النفيلي حدثنا مالك ح وحدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عباد بن تميم عن عمه ﵁: (أنه رأى رسول الله ﷺ مستلقياً، قال القعنبي: في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى)]. أورد أبو داود حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني ﵁، وفيه أن النبي ﷺ كان مستلقياً وواضعاً إحدى رجليه على الأخرى. وهذا يحمل على أنه كان على الطريقة التي لا يحصل معها انكشاف عورة، والذي تقدم من النهي يحمل على ما إذا كان هناك انكشاف عورة، وكل منهما ثابت عن رسول الله ﷺ .

стр. 16804

تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن زيد أنه رأى رسول الله مستلقياً في المسجد قوله: [حدثنا النفيلي]. هو عبد الله بن محمد النفيلي، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن. [حدثنا مالك]. هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة المحدث الفقيه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [ح وحدثنا القعنبي]. هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة. [عن مالك عن ابن شهاب عن عباد بن تميم]. عباد بن تميم المازني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عمه]. هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، وهو صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

стр. 16805

شرح أثر سعيد بن المسيب أن عمر وعثمان كانا يستلقيان ويضعان إحدى رجليهما على الأخرى وتراجم رجال إسناده قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب ﵁ وعثمان بن عفان ﵁ كانا يفعلان ذلك]. أورد أبو داود هذا الأثر عن عمر وعثمان ﵄ أنهما كانا يفعلان ذلك، أي: يحصل منهما الاستلقاء ووضع إحدى الرجلين على الأخرى، كما جاء ذلك عن رسول الله ﷺ . وهذا الأثر جاء من طريق سعيد بن المسيب وهو لم يدرك عمر بن الخطاب وليس له رواية متصلة عنه، وأما عثمان فقد أدركه، فهو صحيح بالنسبة لـ عثمان وأما بالنسبة لـ عمر ففيه انقطاع. قوله: [حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب]. كل هؤلاء مر ذكرهم.

стр. 16806

الأسئلة

стр. 16807

الجمع بين نهي النبي عن وضع إحدى الرجلين على الأخرى وبين فعله لذلك السؤال ما جاء عن النبي ﷺ من النهي عن وضع إحدى الرجلين على الأخرى، وفعله لذلك، ألا يقال فيها: إن القول مقدم على الفعل؟ الجواب القضية ليست قضية ترجيح، وإنما قضية جمع، والجمع مقدم على الترجيح ومقدم على غيره؛ لأن الجمع بين النصوص هو الذي يؤتى به أولاً، وما دام أنه أمكن الجمع بينهما بأن النهي فيما إذا كان فيه انكشاف عورة، والفعل مبني على ما إذا لم يحصل انكشاف عورة؛ فإنه بذلك يحصل التوفيق بين النصوص.

стр. 16808

حال رواية سعيد بن المسيب عن عمر السؤال رواية سعيد بن المسيب عن عمر يصححها كثير من أهل العلم؛ لأن سعيداً كان يتتبع أخبار عمر، والإمام أحمد يقول: إذا لم يقبل سعيد عن عمر فمن الذي يقبل؟ فما تعليقكم؟ الجواب المراسيل كما هو معلوم حكمها معروف عند العلماء، وليس الشأن في كون عمر يفعل ذلك وقد فعله الرسول ﷺ ، ولكن الشأن ثبوته من حيث الإسناد.

стр. 16809

الأصل في المسلم العدالة أم الجهالة ؟ السؤال قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦]، هل يقبل الخبر إذا جاء به غير الفاسق، علماً أن الأصل في المسلم العدالة؟ الجواب الأصل في المسلم الجهالة حتى تثبت العدالة أو يثبت ضدها، ولو كان الأصل في المسلم العدالة لما احتيج إلى أن يقال: ثقة، أو يقال: إنه عدل أو إنه كذا؛ لأن هذا هو الأصل، ولكن الناس يتكلمون في التعديل وفي التجريح، ويقولون لهذا: ثقة ويقولون لهذا: ضعيف، فلا يعني أنه إذا لم يوجد به جرح فالأصل هو العدالة، ولا يقال: إن فلاناً ثقة، بناءً على أنه لم يوجد فيه جرح، فالتوثيق وصف يكون مبنياً على علم بالشخص ومعرفة حاله.

стр. 16810

حكم تدريس الرجال للنساء بدون حجاب السؤال ما حكم من يقول: إنه يجوز تدريس الرجال للنساء بدون حجاب، مستدلاً بفعله ﷺ عندما ذهب مع بلال بعد صلاة العيد وذكر النساء ووعظهن؟ الجواب الرسول ﷺ لما خطب الناس وكانت النساء بعيدات ذهب إليهن ووعظهن وذكرهن، وهن كما هو معلوم في غاية الصيانة، فلا يقال: إنه يجوز للرجال أن يدرسوا النساء وأن يختلط الرجال بالنساء، فالرسول ﷺ فعل ذلك في هذه المناسبة التي كانت خطبة وهن متسترات، فالنساء يدرسهن النساء والرجال يدرسهم رجال، ولا يدرس الرجال النساء، والنساء لا تدرس الرجال، بل كل يكتفي بجنسه.

стр. 16811

حكم التصدق بلقطة الحرم المدني عن صاحبها السؤال وجدت ثلاثة ريالات أمام البيت والبيت داخل الحرم المدني، فعرفتها ولم أجد صاحبها، فتصدقت بها عن صاحبها، فهل فعلي هذا صحيح؟ الجواب فعلك صحيح، والثلاثة الريالات لا تعرف؛ لأنها ليس لها شأن، ولكن إذا كان يعرفها في المكان الذي وجدها فيه وحوله فيمكن أن يتعرف على صاحبها، لكن كونها تعرف سنة وينادى عليها: من ضاع عليه كذا، من ضاع عليه شيء، فلا تعرف هذا التعريف، ولكن إذا كان في مكان قريب والناس حوله، ويتكلم في الحاضرين، فيمكن التعريف من هذا الوجه، لكن لا تعرف التعريف الشرعي، الذي هو أن يعرف الضالة سنة، فمثل هذه الثلاثة الريالات من الأشياء التي يأخذها الإنسان حتى لو استنفقها لنفسه؛ لأنها من الأشياء التافهة، مثل السكين والحبل والمسمار والأشياء البسيطة التي ليس لها قيمة، فإن هذه الأشياء للإنسان أن يأخذها ولا محذور في ذلك، وما دام أنه قد أخذها وتصدق بها عن صاحبها فهذا شيء طيب.

стр. 16812

حكم العدة على المطلقة قبل الدخول بها السؤال عقدت على امرأة ثم طلقتها ولم أدخل بها، فهل يلزمها عدة؟ وهل يلزمني دفع المهر؟ نريد التفصيل. الجواب إذا كان قد سمي لها مهر فلها النصف، وإن لم يسم مهر فلها المتاع، كما قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٤٩]. فلها التمتيع، وإذا كان قد فرض لها شيئاً فلها نصف المفروض، كما جاء ذلك في القرآن. وأما العدة فليس عليها عدة، بل تكون قد بانت بمجرد الطلاق، هذا إذا لم يدخل عليها، ولم يخل بها؛ لأن بعض الناس يعقد ويخلو بها ويغلق الباب معها، فمثل هذا يقال له: خلوة، ويكون عليها عدة بذلك؛ لأنه حصل الاستمتاع أو التمكن من الاستمتاع، ولكن إذا عقد عليها مجرد عقد وما خلا بها فإنه ليس عليها عدة كما جاء في القرآن، ولها التمتيع إذا كان لم يسم لها مهر، ولو سمي لها مهر فلها نصف المسمى؛ لقوله : ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧]. لكن عليها عدة وفاة لو مات عنها قبل الدخول، ولها الميراث، وأما في الطلاق فليس عليها عدة. ولا يفرق بين الدخول والخلوة؛ لأنه ما دام أنه خلا بها وتمكن من الاستمتاع بها فقد يكون اطلع على شيء منها، فلو لم يحصل الدخول فإن الخلوة تكون كافية.

стр. 16813

الحجاب الشرعي السؤال هل يجب على المرأة أن تلبس تحت الحجاب ثوباً آخر أو خماراً أم لا يجب عليها إلا الحجاب وحده؟ الجواب إذا كان الحجاب خفيفاً لا يستر فتلبس شيئاً آخر، وإذا كان خمارها كثيفاً كافياً فلا يحتاج إلى أن يضاف إليه شيء.

стр. 16814

حكم المشاركة في المسابقات التي تذاع في الفضائيات السؤال ما رأي الإسلام في اشتراك شخص مؤمن بالله في أحد البرامج التي تذاع على القنوات الفضائية والتي تختبر معلوماتك، ويمكن منها الحصول على مبلغ من المال، مثل: من سيربح المليون؟ الجواب لا ينبغي لك أن تتعامل مع هذه الفضائيات، بل كن على حذر منها، واشتغل بما ينفعك وابتعد عما يضرك.

стр. 16815

مكان المؤذن عند الأذان السؤال في بلدنا يقف المؤذن على الأرض بجوار المنبر ورأيت المؤذن في المسجد النبوي يقف على مكان عالٍ خلف الإمام، فأين يقف المؤذن؟ الجواب الأمر في ذلك واسع، فكونه يجلس على مكان عالٍ أو في الأرض كل ذلك يحصل به المقصود.

стр. 16816

بيان ما تصنع من لا يعدل زوجها بينها وبين ضرتها ؟ السؤال امرأة تقول: أنا امرأة تزوجني رجل قبل خمس سنوات وهو متزوج بامرأة من قبلي، ولم يخبرني بهذا إلا بعد مرور الخمس السنوات، وعندي الآن بنات، وأما الزوجة الأخرى فهي أجنبية كلمتها وقالت: إنها استخدمت معه السحر لكي لا يفارقها، وبعد معرفتي بهذا كلمته بهذا الخصوص، وأيضاً أهله غير راضين عنه، وبعد مرور الأيام تزيد المشاكل، وهو لا يعدل بيننا، بل يذهب عند زوجته الأولى بكثرة مع أني لم أعص له أمراً، وأنا ملتزمة والأولى غير ملتزمة، فماذا أفعل؟ هل أطلب الطلاق أم أصبر على هذه الحال؟ الجواب إذا كانت السائلة يمكنها الصبر وترى أن المصلحة أن تصبر، فتصبر، وإن كانت ترى أنها لا تستطيع أن تصبر على هذا الذي يحصل منه من عدم العدل -كما تقول- فتطلب منه الطلاق، أو ترفع الأمر إلى المحكمة.

стр. 16817

شرح سنن أبي داود [٥٥٤] لقد جاءت الشريعة بحفظ أعراض الناس وحقوقهم، وحرمت الطعن في أعراضهم أو النيل من حقوقهم، ولذلك فقد حرم النبي ﷺ إفشاء الأسرار، ونقل الحديث، والغيبة والنميمة، وكل ما يحصل به فساد أو إفساد بين الناس، وذلك من أجل أن تبقى الأمة الإسلامية أمة متحابة مترابطة، وعند ذلك تتوفر فيهم صفات الاستخلاف في الأرض، ودخول الجنة في الآخرة.

стр. 16818

ما جاء في نقل الحديث

стр. 16819

شرح حديث (إذا حدث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في نقل الحديث. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن آدم حدثنا ابن أبي ذئب عن عبد الرحمن بن عطاء عن عبد الملك بن جابر بن عتيك عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا حدث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة)]. أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى هذه الترجمة بعنوان: باب في نقل الحديث، أي: نقل الكلام الذي يسمعه من شخص إلى شخص، ومعنى ذلك: أن الكلام إذا كان سراً فإنه لا يفشى، وأما إذا كان غير سر وأنه مما يسمح في إفشائه أو أن المطلوب هو إفشاؤه فإن هذا لا يدخل في المحذور، وإنما الذي يمنع من إفشائه ونقله هو الذي يكون صاحبه يريد كتمانه وعدم إفشائه، هذا هو المقصود بنقل الحديث الذي ترجم له أبو داود. وقد أورد أبو داود حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: (إذا حدث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة)، أي: إذا حدث رجل رجلاً بحديث، والمقصود بالحديث: خبر من الأخبار أو شيء من الأشياء التي هي سر أفشاه إليه، فإنه أمانة، وقوله: (ثم التفت)، أي: ذلك المتحدث، وهذه علامة تقوم مقام قوله: لا تفش هذا السر، أو اكتم هذا الكلام، فإن هذا فعل يقوم مقام القول؛ لأن النبي ﷺ أخبر بأنه أمانة، فكونه التفت معناه: أنه يخشى أن يسمعه أحد، أو أنه لا يريد أن يسمعه أحد غير الذي يحدثه، فهذه علامة على أنه لا يريد إفشاءه، وعلى هذا فما كان من هذا القبيل فإنه أمانة عند هذا الذي حدث بهذا الحديث؛ لأن كونه يفعل هذا الفعل دليل على رغبته في عدم إفشائه، ومعلوم أن الشيء الذي وصف بأنه أمانة معناه أنه يحافظ عليه، ولا يعديه الإنسان الذي حُدث به إلى غيره. والمقصود بالحديث كما عرفنا: خبر من الأخبار أو شيء أفشاه إنسان لإنسان، وليس المقصود من ذلك شيء آخر مثل كونه يحدث بحديث أو يخبره بحديث عن رسول الله ﷺ ، فهذا ليس هو المقصود، وإنما المقصود حديث خاص، أو كلام خاص يجري بينه وبين من يحدثه، فإذا التفت فيكفي لأن يلتزم الذي حُدث بهذا الحديث أن يخفيه، وألا يفشيه، وإن لم يقل له: لا تفش هذا الخبر، أو اكتم هذا الخبر؛ لأن هذا فعل يقوم مقام القول، ويغني عن القول، وقد بين رسول الله ﷺ بهذا الحديث أن ذلك من جملة الأمانات، وأنه مثل ما لو قال له: اكتم هذا الخبر. ونقل كلام أهل العلم بعضهم في بعض للوقيعة بينهم هذا يعتبر من النميمة التي يكون فيها الإفساد بين الناس.

стр. 16820

تراجم رجال إسناد حديث (إذا حدث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة) قوله: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة]. أبو بكر بن أبي شيبة هو عبد الله بن محمد الكوفي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي، وهو من شيوخ مسلم الذين أكثر عنهم ولم يرو الإمام مسلم عن أحد من شيوخه مثلما روى عن أبي بكر بن أبي شيبة؛ لأن أحاديثه التي رواها عنه بلغت أكثر من ألف وخمسمائة حديث، وهذا أكبر رقم عند الإمام مسلم في حديثه عن شيوخه، ويليه أبو خيثمة زهير بن حرب فإنه روى عنه أكثر من ألف ومائتي حديث. [حدثنا يحيى بن آدم]. هو يحيى بن آدم الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا ابن أبي ذئب]. هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الرحمن بن عطاء]. عبد الرحمن بن عطاء صدوق فيه لين، أخرج حديثه أبو داود والترمذي. [عن عبد الملك بن جابر بن عتيك]. عبد الملك بن جابر بن عتيك ثقة، أخرج له أبو داود والترمذي. [عن جابر بن عبد الله]. جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما صحابي جليل، أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ ، وهم: أبو هريرة وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد وأنس وجابر وأم المؤمنين عائشة، ستة رجال وامرأة واحدة، وهم الذين قال عنهم السيوطي في الألفية: والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والبحر ك الخدري وجابر وزوجة النبي والمقصود بالبحر: ابن عباس.

стр. 16821

شرح حديث (المجالس بالأمانة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن صالح قال: قرأت على عبد الله بن نافع قال: أخبرني ابن أبي ذئب عن ابن أخي جابر بن عبد الله عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (المجالس بالأمانة إلا ثلاثة مجالس: سفك دم حرام، أو فرج حرام، أو اقتطاع مال بغير حق)]. أورد أبو داود حديث جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ قال: (المجالس بالأمانة)، أي: أن المجالس التي يكون فيها الحديث بين الناس على الإنسان أن يحافظ على تلك الأحاديث، وألا يفشيها ولا يظهرها، لاسيما إذا كانت المجالس المطلوب فيها الإخفاء، كالمجالس الخاصة بأمور معينة، كتلك التي يختص ما يدور فيها بأعضائها ومن يكون داخلاً تحت من يشملهم ذلك المجلس ومن هم مختصون بذلك المجلس، فإن المجالس بالأمانة، لا يجوز لأحد من أعضاء هذه المجالس أن يفشي تلك الأسرار التي تكون في هذه المجالس؛ لأن مثل ذلك يؤدي إلى أن ينتشر كل خبر وكل أمر يكون في هذه المجالس، وقد يكون المطلوب فيها السرية، وقد تكون من الأمور الرسمية التي تتعلق بالدولة أو تتعلق ببعض الناس وما إلى ذلك، فإن الواجب هو الإمساك عن إظهار تلك الأسرار التي تكون في تلك المجالس، إلا ما كان يمكن أن يفشى وأن يعلن وأن المطلوب إعلانه وإفشاؤه، فإن هذا لا يدخل فيما نهي عن إفشائه، وقد كان شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ إذا اجتمعنا في مجلس الجامعة وكان هناك دراسة بعض الأمور التي من شأنها الإخفاء وأنها لا تظهر، كان يكرر هذا الحديث ويقول: (المجالس بالأمانة)، أي: أن ما يجري في المجلس من أمور من شأنها الكتمان وليس من شأنها أن تعلن، فإن المطلوب فيها أن تكون مخفاة، وأن كل عضو أو كل شخص مشارك في ذلك المجلس لا يتحدث بهذا الحديث الذي جرى في ذلك المجلس، والذي من شأنه أن يكون من الأمور التي تخفى وليس من الأمور التي تعلن. وقد أورد أبو داود حديث جابر: (المجالس بالأمانة إلا ثلاثة مجالس: سفك دم حرام، أو فرج حرام، أو اقتطاع مال بغير حق) أي إذا كان قد حصل في المجالس أن شخصاً تكلم بأنه سيفعل فعلاً من الأفعال القبيحة، وأنه يهم بفعل من هذه الأفعال، فإن مثل ذلك يمكن أن يفشى؛ حتى يحال بينه وبين ما يقصده ويريده، كما لو كان يريد أن يقتل إنساناً أو يريد أن يزني بفلانة، أو ما إلى ذلك من الأمور المحرمة، فإن مثل هذا يفشى، وأيضاً قبل ذلك كله ينصح ويحذر، ولكن مع ذلك يفشى مثل هذا الخبر عند من يهمه الأمر وعند من يكون له علاقة مثلاً بالشخص الذي هدده أو المرأة التي فكر بها أو قصدها، حتى يكون كل منهم على حذر، وتنبه لما يجري. فالحاصل: أن المجالس بالأمانة، ولكن يستثنى منها ما إذا كان ذلك الذي حصل أمراً خطيراً سيئاً، فإنه لا يمكن السكوت عليه، ولا ينبغي أن يسكت عليه؛ لأنه يترتب على ذلك ضرر كبير، فعند ذلك لا يكتم مثل هذا الخبر؛ لأن صاحبه أعلن السوء وأعلن عزمه بالسوء، فلا بأس أن ينبه من يهمه الأمر ممن له علاقة بالموضوع، سواء كان فيما يتعلق بسفك الدم أو بالزنا أو غير ذلك، فينبه على ما يريده هذا الشخص، حتى لا يحصل منه الإقدام على ما لا تحمد عقباه. والحديث ضعفه الألباني في سنن أبي داود، ولكنه في الجامع الصغير أورده وحسنه، ولكن بدون هذه الزيادة، والتضعيف هو من أجل هذا الرجل المبهم الذي هو ابن أخي جابر، ولكنه حسنه لأنه جاء من طريق أخرى مرسلة عن علي رضي الله تعالى عنه، فيكون المرسل شاهداً لهذا الحديث.

стр. 16822

تراجم رجال إسناد حديث (المجالس بالأمانة) قوله: [حدثنا أحمد بن صالح]. هو أحمد بن صالح المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل. [قال: قرأت على عبد الله بن نافع]. عبد الله بن نافع ثقة صحيح الكتاب في حفظه لين، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن. [قال: أخبرني ابن أبي ذئب عن ابن أخي جابر بن عبد الله عن جابر بن عبد الله]. ابن أبي ذئب مر ذكره، وابن أخي جابر بن عبد الله غير معروف، فهو مبهم، وجابر بن عبد الله مر ذكره.

стр. 16823

شرح حديث (إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن العلاء وإبراهيم بن موسى الرازي قالا: أخبرنا أبو أسامة عن عمر قال إبراهيم: هو عمر بن حمزة بن عبد الله العمري عن عبد الرحمن بن سعد قال: سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : (إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها)]. أورد أبو داود حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها) والمقصود بقوله: (ثم ينشر سرها): أن هذا من الأمور التي يجب أن تخفى وألا تنشر، أي: أن ما يجري بين الرجل وأهله لا يليق بالإنسان العاقل أن يتحدث به، وإنما هو سر يكون بينه وبين أهله لا يجوز له إفشاؤه ولا يجوز إظهاره. وأورد أبو داود هذا الحديث للاستدلال به على أن هذا من الأمور التي لا ينقل الحديث فيها، وإنما هذا من شأنه الإخفاء وليس من شأنه الإعلام والإظهار، فلا يليق بالمسلم العاقل أن يتحدث بما يجري بينه وبين أهله من أمور تخص حالتهما إذا انفردا واجتمعا ببعضهما؛ لأن هذا ليس من اللائق، وهذا شيء تأباه النفوس وتعافه ولا يليق بأهل العقل وأهل الفهم والمروءة. والحديث في إسناده عمرو بن حمزة وهو من رجال مسلم، وقد أخرج هذا الحديث مسلم، وضعفه الألباني من أجل هذا الرجل الذي هو عمرو بن حمزة، لكن هناك حديثاً آخر أورده الألباني في آداب الزفاف، وهو مثله في المعنى، وهو أن النبي ﷺ ضرب مثلاً للرجل يخبر بما يجري بينه وبين المرأة والمرأة تخبر بما يجري بينها وبين الرجل بقوله: (إنما مثل ذلك مثل شيطانة لقيت شيطاناً في السكة فقضى منها حاجته والناس ينظرون)، أي: أن هذا إعلان لأمور لا يصلح أن تعلن، وأن من يفعل ذلك مثل الذي يفعل هذا أمام الناس، وهذا شيء قبيح، وشيء تنفر منه النفوس وتعافه.

стр. 16824

تراجم رجال إسناد حديث (إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته) قوله: [حدثنا محمد بن العلاء]. هو محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [وإبراهيم بن موسى الرازي]. إبراهيم بن موسى الرازي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [قالا: أخبرنا أبو أسامة]. هو أبو أسامة حماد بن أسامة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عمر قال إبراهيم: هو عمر بن حمزة بن عبد الله العمري]. أي: أن الشيخ الثاني هو الذي نسبه، وأما الشيخ الأول فإنه أهمله، وذكره بدون نسبه؛ لأن قوله: قال إبراهيم، أي: شيخه الثاني، فنسبه وقال: هو عمر بن حمزة بن عبد الله العمري، وأما الأول الذي هو أبو العلاء محمد بن كريب فإنه قال: عن عمر ولم يزد على ذلك، وعمر هذا قال عنه الحافظ في التقريب: ضعيف، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة. ومن جملة ما قيل ما فيه: أن الإمام أحمد قال: له أحاديث مناكير، لكن ينبغي أن يعلم أن بعض المتقدمين مثل الإمام أحمد إذا قال عن شخص: له أحاديث مناكير، فالمقصود من ذلك: الأفراد المطلقة، أي: أنه يقول عن الحديث المفرد الذي انفرد به شخص: إنه منكر. وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذا الذي جاء عن الإمام أحمد وغيره في ترجمة بريد بن عبد الله بن أبي بردة في مقدمة فتح الباري؛ لأن بريد بن عبد الله بن أبي بردة من رجال الجماعة، وتكلم فيه، حيث جاء عن الإمام أحمد أنه قال: أحاديثه مناكير، فالحافظ ابن حجر أجاب عن هذا الكلام الذي قيل فيه فقال: إن طريقة الإمام أحمد وبعض المتقدمين أنهم يطلقون المناكير على الأفراد المطلقة، فلا يكون مثل ذلك عيباً، أي: إذا قيل: عنده أحاديث مناكير فلا يكون عيباً في الرجل، ولا يكون قدحاً في الرجل دائماً؛ فإن من العلماء من يطلق مثل هذه العبارة على من عنده أفراد مطلقة، أي: من حصل منه التفرد عن غيره، وبريد بن عبد الله ممن خرج له الجماعة: البخاري ومسلم وأصحاب السنن. [عن عبد الرحمن بن سعد]. عبد الرحمن بن سعد ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود وابن ماجة. [قال: سمعت أبا سعيد الخدري]. هو أبو سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري ﵁، صاحب رسول الله ﵊، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 16825

حكم إفشاء المرأة سر زوجها والمرأة إذا أفشت السر الذي بينها وبين زوجها تدخل في هذا الحديث، فكلهم سواء الرجل أو المرأة، والحديث الثاني الذي أشرت إليه الذي قال فيه: (مثل شيطان ركب شيطانة)، يتعلق بالمرأة تتحدث والرجل يتحدث بما يكون بينهما، والذي جاء عنه النهي هو أن المرأة تخبر بما يجري بينها وبين زوجها، والرجل يخبر بما يجري بينه وبين زوجته.

стр. 16826

حكم إفشاء الرجل ما يحصل بينه وبين إحدى زوجاته إلى زوجته الأخرى ولا يصلح أن يخبر الزوج بما حصل مع زوجته إلى زوجته الأخرى؛ لأنه قد يكون بينهما شيء من الفرق، فيحصل عندها شيء من الغيرة، فكتمان ذلك مطلقاً عن الجميع هو المطلوب، إلا أن يكون إخباره بشيء من حسن المعاملة من أجل أنه يريد أن يحرضها وأن يجعلها تقتدي بها وتأتسي بها من غير أن يحدد لها أموراً خاصة تجري بينه وبين زوجته الثانية.

стр. 16827

ما جاء في القتات

стр. 16828

شرح حديث (لا يدخل الجنة قتات) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في القتات. حدثنا مسدد وأبو بكر بن أبي شيبة قالا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن همام عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يدخل الجنة قتات)]. أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان: باب في القتات، والقتات: هو النمام، وقد جاء في بعض الروايات: (نمام) بدل (قتات)، وكلاهما في الصحيح، إما عند البخاري أو عند مسلم. وقوله: (لا يدخل الجنة قتات) ليس المقصود من ذلك أنه لا يدخل الجنة أبداً، وأنه يكون خالداً مخلداً في النار؛ لأن مثل هذا هو الذي يعول عليه الخوارج والمعتزلة الذين يغلبون جانب أحاديث الوعيد، ويهملون جانب أحاديث الوعد، فيكفرون مرتكب الكبيرة، ويقولون بتخليده في النار بمثل هذا الحديث: (لا يدخل الجنة قتات). فأهل السنة يوفقون بين أحاديث الوعد وأحاديث الوعيد، ولا يهملون شيئاً منها، فلا يأخذون بأحاديث الوعد ويغفلون أحاديث الوعيد، ولا يأخذون بأحاديث الوعيد ويغفلون أحاديث الوعد، بل يأخذونها جميعاً، ومن وفقه الله وتجاوز عنه فإنه يسلم من العقوبة, والله تعالى يغفر كل ذنب إلا الشرك فإنه لا يغفر، كما قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فمن شاء الله تعالى أن يغفر له فإنه يغفر له ذنبه ويدخل الجنة من أول وهلة، لكن من لم يحصل له مغفرة ولا تجاوز وعفو فإنه يدخل النار، ولكنه إذا دخلها لا يخلد كما يخلد الكفار، بل لا بد أن يخرج من النار ويدخل الجنة، كما جاءت بذلك أحاديث الشفاعة المتواترة التي فيها إخراج أصحاب الكبائر من النار بشفاعة الشافعين وبعفو أرحم الراحمين ، وعلى هذا فبعض أهل العلم فسر ذلك بأنه قد لا يدخلها من أول وهلة. فقوله: (لا يدخل الجنة قتات) ليس معناه: لا يدخلها أبداً، بمعنى أنه محروم من الجنة لا يدخلها بحال من الأحوال كما جاء في حق الكفار أنهم لا يدخلون الجنة أبداً، وأنهم مخلدون في النار، فليس معناه كذلك؛ لأن من مات على التوحيد ومن مات غير كافر وغير مشرك، فإن مآله إلى الجنة ولا بد، وإن بقي في النار ما بقي. إذاً: يحمل قوله ﵊: (لا يدخل الجنة قتات) على أنه لا يدخلها من أول وهلة كما يدخلها الذين سلموا من مثل هذا العيب، أو ممن تجاوز الله عنهم ممن عندهم مثل هذا العيب، فإنهم يدخلون الجنة من أول وهلة من غير عذاب، ومن الناس من يشاء الله تعذيبه فيعذب، ولكنه إذا عذب لا يستمر في النار أبد الآباد ولا يدخل الجنة أبداً؛ بل يعذب ثم يدخل الجنة، وبهذا يكون التوفيق بين أحاديث الوعد والوعيد.

стр. 16829

تراجم رجال إسناد حديث (لا يدخل الجنة قتات) قوله: [حدثنا مسدد]. هو مسدد بن مسرهد البصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. وأبو بكر بن أبي شيبة قالا: حدثنا أبو معاوية]. هو أبو معاوية محمد بن خازم الضرير الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الأعمش]. هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن إبراهيم عن همام]. إبراهيم هو ابن يزيد بن قيس النخعي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهمام هو ابن الحارث، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن حذيفة]. هو حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما الصحابي الجليل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 16830

التوفيق بين أحاديث الوعد والوعيد وهذه الأحاديث التي ليست على ظاهرها كحديث الباب يجمع بينهما وبين النصوص الأخرى ويوفق بينها، ولا يؤخذ بشيء ويهمل شيء؛ لأن الخوارج يأخذون بأحاديث الوعيد ويهملون جانب الوعد، والمرجئة يأخذون بجانب الوعد ويهملون جانب الوعيد، وأهل السنة يأخذون بأحاديث الوعد والوعيد ويوفقون بينها.

стр. 16831

تفسير آخر لقوله: (لا يدخل الجنة) ذُكر في توجيه هذا الحديث: (لا يدخل الجنة) أي: لا يدخلون جنة عالية، ولكن هذا الحديث مطلق، ومعلوم أن من زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، وأدنى أهل الجنة منزلة يرى أنه في منزلة ليس فوقها منزلة؛ لكمال النعيم الذي يحصله في الجنة، فمن دخل الجنة فقد ظفر بالنعيم وبالسعادة، ويرى أنه ليس هناك أحسن منه، وهكذا مثل من يعذب بالنار -والعياذ بالله- ويكون أخف الناس عذاباً يرى أنه ما هناك أحد أشد منه عذاباً.

стр. 16832

حكم إبلاغ كلام العمال إلى المسئول عليهم نقل الكلام عن تقصير العمال إلى المدير أو المشرف إذا كان لشيء يتعلق بالعمل وبمصلحة العمل وحتى لا يكون هناك إخلال بالعمل؛ فلا بأس به، ولكن قبل أن يبلغه عليه أن ينصح، فإن نفعت النصيحة فذلك المطلوب، وإن لم تنفع فإنه يبلغ المسئول.

стр. 16833

ذم ذي الوجهين

стр. 16834

شرح حديث (من شر الناس ذو الوجهين) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في ذي الوجهين. حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من شر الناس ذو الوجهين: الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه)]. أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان: باب في ذي الوجهين، وذو الوجهين: هو كما جاء في الحديث: (الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه)، أي: يأتي إلى أناس فيتحدث معهم وكأنه واحد منهم، ثم يأتي إلى أناس آخرين هم مخالفون لهم وبضدهم فيتحدث معهم وكأنه واحد منهم، فهذا هو ذو الوجهين، يأتي إلى أناس متقابلين ليسوا على طريقة واحدة وليسوا على منهج واحد، ثم يأتي هؤلاء فيتحدث معهم على أنه واحد منهم، ويأتي إلى الآخرين ويتحدث معهم على أنه واحد منهم، وقد يكون ذلك لمصالح شخصية, ومصالح مادية ودنيوية، فيأتي إلى هؤلاء فيتكلم معهم ويمدحهم ويحصل ما عندهم، ثم يأتي إلى الآخرين الذين هم ضدهم ويمدحهم ويحصل ما عندهم.

стр. 16835

تراجم رجال إسناد حديث (من شر الناس ذو الوجهين) قوله: [حدثنا مسدد حدثنا سفيان]. سفيان هو ابن عيينة المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي الزناد]. أبو الزناد هو عبد الله بن ذكوان المدني، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وأبو الزناد هذا لقب وليس بكنية، وكنيته أبو عبد الرحمن، ولقبه أبو الزناد، وهو لقب على صيغة الكنية. [عن الأعرج]. الأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، والأعرج لقب، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة]. هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁، صاحب رسول الله ﵊، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق فرضي الله عنه وأرضاه.

стр. 16836

شرح حديث (من كان له وجهان في الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من نار) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا شريك عن الركين بن الربيع عن نعيم بن حنظلة عن عمار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من كان له وجهان في الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من نار)]. أورد أبو داود حديث عمار ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من كان له وجهان في الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من نار) وقال: (لسانان) لأنه يلقى هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، والمقصود بذلك: الكلام الذي يتحدث به بلسانه، فهو يتكلم مع هؤلاء بلسانه بشيء يناسبهم، ويتكلم مع هؤلاء بشيء يناسبهم من أجل أن يحظى عند هؤلاء وهؤلاء، فمن أجل ذلك كانت العقوبة أنه يكون له لسانان من نار يوم القيامة؛ لأنه كان يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه. إذاً: المقصود بالوجه هو اللسان؛ لأنه كان يتحدث مع هؤلاء ويتحدث مع هؤلاء، وليس المقصود الوجه الذي هو حقيقة الوجه، وإنما يأتي هؤلاء بطريقة معينة فيتكلم معهم بكلام يناسبهم، ثم يأتي إلى جماعة أخرى ويتكلم بكلام يناسبهم حتى يحظى عند هؤلاء وعند هؤلاء، ولذلك فإنه يكون له لسانان من نار يوم القيامة، ولم يقل: وجهان من نار؛ لأن المقصود هو اللسان.

стр. 16837

تراجم رجال إسناد حديث (من كان له وجهان في الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من نار) قوله: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا شريك]. أبو بكر بن أبي شيبة مر ذكره، وشريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن الركين بن الربيع]. الركين بن الربيع ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن. [عن نعيم بن حنظلة]. نعيم بن حنظلة مقبول، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود. [عن عمار]. عمار بن ياسر ﵁ صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة. والحديث صحيح، فقد صححه الألباني.

стр. 16838

شرح سنن أبي داود [٥٥٥] لقد جاءت الشريعة الإسلامية والتعاليم الربانية -على لسان سيد الخلق محمد ﷺ بكل ما هو خير للناس، وبما يحفظ لهم أموالهم وأعراضهم، ومن ذلك أنها نهت عن الغيبة، هذا الداء العضال الذي يفتك بالأمم والجماعات إذا فشا وانتشر، ولهذا فإن رسول الله ﷺ نهى أمته وحذرهم هذا الداء أيما تحذير، فيجب على المسلم الحذر من الغيبة، والابتعاد عن المجالس التي تذكر فيها.

стр. 16839

التحذير من الغيبة

стр. 16840

شرح حديث أبي هريرة في التحذير من الغيبة قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الغيبة. حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي حدثنا عبد العزيز -يعني ابن محمد - عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة ﵁: (أنه قيل: يا رسول الله! ما الغيبة؟ قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته)]. أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان: باب في الغيبة، والغيبة كما جاءت في الحديث: ذكرك أخاك بما يكره، وقيل لها: غيبة لأنه يذكره في غيبته بما يكره. وأورد أبو داود حديث أبي هريرة ﵁: (أنه قيل: ما الغيبة يا رسول الله؟ قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته)، يعني: كونك تذكره بشيء هو فيه وهو يسوءه فإن هذا غيبة، ولكنك إن كذبت عليه، وأضفت إليه شيئاً ليس فيه فإن هذا يكون بهتاً له؛ لأنه كذب وبهتان، فإضافة شيء إليه وهو بريء منه هذا بهتان، وإن كان فيه فهو غيبة، وكله كلام فيه في غيبته، فإن كان الذي تُكلم فيه في غيبته هو فيه فهو غيبة؛ لأن ذلك يسوءه، وإن لم يكن فيه وإنما هو مفترىً عليه وكذب فإنه يكون بهتاناً وهو أشد وأعظم. وإن كان فيه وهو حاضر والمقصود من ذلك التظلم، كأن يقول: إنك ظلمتني أو إنك خنتني أو إنك كذا في أمور هي واقعة فيه فهذا لا بأس به، أما إذا كان ذلك كذباً عليه أو ما إلى ذلك فإن هذا لا يجوز، وكذلك إذا كان ليس هناك مناسبة أو ليس هناك أمر يقتضيه. والغيبة استثني منها أمور ذكرها العلماء تصل إلى سبعة، وذكرت في المصطلح وفي الجرح والتعديل، وذكرها النووي في رياض الصالحين عند ذكر الغيبة، ومنها كون الإنسان يتظلم، كأن يذهب إلى القاضي ويقول: ظلمني فلان، ولهذا جاء في الحديث (مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته) أي: يحل عرضه بأن يتكلم فيه، لكونه ظلمه، فالمظلوم يتكلم في ظالمه في حدود ما ظلمه ولا يتجاوز ذلك، هذا سائغ. وكذلك في المشورة، فعندما يستشار الإنسان في إنسان من أجل مصاهرة أو من أجل مشاركة في تجارة، أو ما إلى ذلك، فإن المستشار يذكر ما فيه, والرسول ﷺ لما جاءت المرأة وقالت: إن معاوية وأبا جهم خطباها، فقال لها الرسول ﷺ : (أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه).
следующие страницы →