← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 16906–16945 · переход к 16911.

стр. 16906

حكم الكلام في أهل بلد معين السؤال هل الكلام على أقوام أو أهل بلد معين بما يكرهونه يعتبر غيبة؟ الجواب هو غيبة ولا شك؛ لأن الإنسان نفسه لا يحب أن يتكلم أحد في أهل بلده، أو يذم أهل بلده؛ لأنه واحد منهم.

стр. 16907

حكم من نصح أخاه ونقل ذلك إلى غيره السؤال من نصح أخاه، ثم نقل إلى غيره أنه نصحه، هل يعتبر هذا غيبة؟ الجواب كونه يخبر بأنه نصحه من غير أمر يقتضيه هذا لا يسوغ، وأما إذا جاء كلام وقيل له: لو نصحت فلاناً أو فلاناً فإن فيه كذا وكذا، فقال: قد نصحته وقلت له كذا وكذا، وأراد أن يبين أنه قد فعل، فلا بأس بذلك.

стр. 16908

حكم الكلام عن الغير إذا كان لا يكره ذلك السؤال قد يذكر البعض قصة حصلت لبعض أصحابه المقربين فيها غيبة له، ولكنه يقول: إن صاحبي لا يكره ذلك، ولا يغضب مني خاصة، والأمر كذلك، فما الحكم؟ الجواب معنى هذا: أن الإنسان ليس لنفسه عنده قيمة، وما دام أنه لا يهمه ذلك فهذا وصف ذميم في الإنسان، وهذا كما قيل: ما لجرح بميت إيلام، فالإنسان ليس له أن يتكلم حتى على من كان بهذا الوصف الذميم.

стр. 16909

حكم استئجار النساء في الأعراس لضرب الدف السؤال هل يجوز استئجار النساء اللاتي يضربن بالدف في الأعراس لإعلان النكاح؟ وهل يجوز للمرأة أن تمتهن هذه المهنة؟ وما حكم إعطاء الأجرة على مثل هذا العمل؟ الجواب هذا من التكلف، والنساء اللاتي يستأجرن ألا يستطعن أن يضربن بالدف؟ فيضربن بالدف، ولا حاجة للاستئجار، ولا حاجة إلى إضاعة المال، ولا حاجة إلى المباهاة وإلى صرف الأموال في غير طائل، فالنساء يعرفن ضرب الدف، ولا حاجة إلى مثل هذه الأمور التي فيها تكلف، وفيها تبذير وإضاعة الأموال في غير طائل.

стр. 16910

حكم بذل الإنسان عرضه للناس السؤال حديث الرجل الذي قال عنه النبي ﷺ : (يدخل عليكم من هذا الباب رجل من أهل الجنة) ألا يدل على ما ذكر عن أبي ضمضم حيث إنه قال: إني أبيت وليس في قلبي غش أو غل لأحد من الناس؟ الجواب هو لم يقل: إني بذلت عرضي أو وضعت عرضي، فهذا أكثر من هذا، فكأنه قال للناس: تكلموا فيَّ وأنتم مسامحون، والإنسان لا يصلح أن يقول: تكلموا فيَّ، ولكن كونه يسامح في شيء قد حصل فهذا أمر سهل، لكن كونه يقول: عرضي مباح، فمعناه: أن لكل أحد أن يتكلم فيه، وهذا ليس بجيد، وفرق بين إنسان ليس في نفسه غلٌ على أحد، وبين إنسان يقول مثل هذه المقالة: عرضي حلال.

стр. 16911

جواز تنازل الإنسان عن حقه السؤال كيف يجعل الإنسان من اغتابه في حل وقد حرم الله الغيبة؟ الجواب حرم الله الغيبة، ولكن لم يحرم المسامحة والتجاوز، فالإنسان إذا كان له حق يجوز له أن يتنازل عن حقه، وأولياء المقتول لهم أن يسامحوا القاتل، فالناس لهم أن يأخذوا حقهم ولهم أن يسامحوا فيه، فالنهي إنما هو عن الغيبة، وأما التجاوز والمسامحة فهذا أمر طيب، ولهذا جاء أن الإنسان عليه أن يتخلص من حقوق الناس، إما بأداء الحقوق عليه إن كانت مالية، وإما بطلب المسامحة منهم إن كانت غير مالية.

стр. 16912

شرح سنن أبي داود [٥٥٨] حرص الإسلام على كل ما يقرب بين القلوب ويجمع شملها؛ ولهذا حرم كل ما يكون سبباً في فرقتها، فحرم الغيبة والنميمة، والحسد والبغي، والسب والشتم واللعن، إلى غير ذلك من أسباب الفرقة وتشتت المجتمع، لذا يجب على كل مسلم الحرص على الألفة مع إخوانه، والدفاع عنهم وعن أعراضهم.

стр. 16913

ما جاء في الانتصار للنفس

стр. 16914

شرح حديث (بينما رسول الله جالس ومعه أصحابه وقع رجل بأبي بكر) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الانتصار. حدثنا عيسى بن حماد أخبرنا الليث عن سعيد المقبري عن بشير بن المحرر عن سعيد بن المسيب أنه قال: (بينما رسول الله ﷺ جالس ومعه أصحابه وقع رجل بـ أبي بكر ﵁ فآذاه، فصمت عنه أبو بكر، ثم آذاه الثانية، فصمت عنه أبو بكر، ثم آذاه الثالثة فانتصر منه أبو بكر، فقام رسول الله ﷺ حين انتصر أبو بكر، فقال أبو بكر: أوجدت علي يا رسول الله؟! فقال رسول الله ﷺ : نزل ملك من السماء يكذبه بما قال لك، فلما انتصرت وقع الشيطان، فلم أكن لأجلس إذ وقع الشيطان)]. أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى هذه الترجمة بعنوان: باب في الانتصار، أي: الانتصار للنفس، والانتقام لها، هذا هو المقصود من الانتصار في هذه الترجمة. وأما الانتصار للحق فهذا أمر محمود؛ لأنه ليس للنفس وإنما هو لله، والترجمة إنما هي في الانتصار للنفس الذي هو الانتقام، ومن المعلوم أن الإنسان عندما يحصل له أذى أو أي شيء، فله أن يجازي بمثل ما جوزي به، ولا يزيد، ولكن صبره هو المطلوب، وهو الأولى والأفضل، وهو المرغب فيه، كما قال الله : ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل:١٢٦]، فقوله: ((وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ)) أي: عقوبة ليس فيها زيادة، ولكن هناك شيء أحسن من المعاقبة بالمثل والانتصار للنفس، وهو الصفح والتجاوز، ولهذا قال: ((وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ)). وقد أورد أبو داود ﵀ حديث أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: أنه كان عند النبي ﷺ ، فسبه شخص، وتكلم عليه، فسكت ولم يرد عليه، ثم تكلم ولم يرد عليه، ثم تكلم الثالثة فأجابه أبو بكر وانتصر لنفسه، فقام رسول الله ﷺ من مجلسه، فقال أبو بكر: أوجدت علي؟! يعني: أغضبت علي؟ فقال: (نزل ملك من السماء يكذبه بما قال لك، فلما انتصرت وقع الشيطان)؛ لأن الشيطان يريد أن يحصل الخصام والمنازعة، وكل واحد يتكلم على الآخر، ومن المعلوم أن السكوت فيه السلامة، وإذا حصل الرد فقد يكون بأكثر، وقد يكون بالمثل، ولكنه يترتب على ذلك أن يزيد ذلك الذي تكلم أولاً؛ لأنه يريد أن يفتح له الباب في أن يتكلم عليه، ومعلوم أن ذلك سائغ، ولكن تركه في حق من هو من أهل الكمال مثل أبي بكر الصديق ﵁ أولى، فهذا الذي جاء عن الرسول ﷺ معناه: أنه كان أولى به أن يصفح، وأن يبقى على سكوته، وعلى عدم انتصاره لنفسه، وذلك أكمل له؛ لأنه إذا اقتص حصل له أن أخذ حقه، ولكنه إذا سكت فإنه يحصل الأجر والثواب، ولهذا قال تعالى: ((وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ)). والحاصل: أن الإنسان يجوز أن يرد بالمثل، ولكن الترك والصفح والتجاوز أولى وأفضل، لأنه يحصل به الأجر، ويكون ذلك دافعاً وحافزاً للذي تكلم أن يندم، وأن يحصل منه تغير الحال إلى ما هو أحسن، كما قال الله : ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٤ - ٣٥].

стр. 16915

تراجم رجال إسناد حديث (بينما رسول الله جالس ومعه أصحابه وقع رجل بأبي بكر) قوله: [حدثنا عيسى بن حماد]. عيسى بن حماد هو الملقب بـ زغبة، وهو مصري ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة. [أخبرنا الليث]. هو الليث بن سعد المصري، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سعيد المقبري]. سعيد المقبري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن بشير بن المحرر]. بشير بن المحرر مقبول، أخرج له أبو داود. [عن سعيد بن المسيب]. سعيد بن المسيب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. وهذا الحديث مرسل؛ لأنه يتحدث عن شيء حصل في عهد النبي ﷺ وبحضرته، وهو لم يدرك ذلك العصر، فهو مرسل.

стр. 16916

شرح حديث (أن رجلاً كان يسب أبا بكر) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الأعلى بن حماد حدثنا سفيان عن ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة ﵁: (أن رجلاً كان يسب أبا بكر) وساق نحوه]. أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى متصلة، وذكر الصحابي الذي روي عنه هذا الحديث وهو أبو هريرة، ويضيف ذلك إلى حكاية ما جرى بين يدي الرسول الكريم ﷺ ، وقال: (نحوه)، أي: نحو ذلك الكلام المتقدم، وبهذا تكون هذه الطريق المتصلة متفقة مع الطريق المرسلة، فيكون الحديث مقبولاً بذلك.

стр. 16917

تراجم رجال إسناد حديث (أن رجلاً كان يسب أبا بكر) قوله: [حدثنا عبد الأعلى بن حماد] عبد الأعلى بن حماد لا بأس به، وهي بمعنى: صدوق، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. [حدثنا سفيان]. سفيان هو ابن عيينة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عجلان]. هو محمد بن عجلان المدني، وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن سعيد بن أبي سعيد]. سعيد بن أبي سعيد المقبري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة]. هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله ﷺ ، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، فرضي الله عنه وأرضاه. [قال أبو داود: وكذلك رواه صفوان بن عيسى عن ابن عجلان كما قال سفيان]. أورد أبو داود للحديث طريقاً أخرى معلقة، وهي مثل الطريق الثانية التي فيها رواية ابن عجلان. وقوله: [رواه صفوان بن عيسى]. صفوان بن عيسى ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.

стр. 16918

حكم الانتصار للنفس أبو بكر ﵁ لم يحصل منه الانتصار من أول وهلة، مع أنه سائغ له وجائز، والقرآن جاء بجواز ذلك، ولكن الإنسان إذا تكلم عليه شخص وكان ساكتاً فهل يجيب الملك عنه؟ وهل يكون ذلك لكل أحد كما كان لـ أبي بكر؛ أم أنه لـ أبي بكر فقط؟ الله تعالى أعلم.

стр. 16919

شرح حديث عائشة (دخل علي رسول الله ﷺ وعندنا زينب بنت جحش) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي ح وحدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة حدثنا معاذ بن معاذ المعنى واحد قال: حدثنا ابن عون قال: كنت أسأل عن الانتصار: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى:٤١] فحدثني علي بن زيد بن جدعان عن أم محمد امرأة أبيه قال ابن عون: وزعموا أنها كانت تدخل على أم المؤمنين ﵂ قالت: قالت أم المؤمنين: (دخل علي رسول الله ﷺ وعندنا زينب بنت جحش ﵂، فجعل يصنع شيئاً بيده، فقلت بيده حتى فطنته لها، فأمسك، وأقبلت زينب تقحم لـ عائشة ﵄، فنهاها، فأبت أن تنتهي، فقال لـ عائشة: سبيها؛ فسبتها، فغلبتها، فانطلقت زينب إلى علي ﵁ فقالت: إن عائشة ﵂ وقعت بكم، وفعلت، فجاءت فاطمة ﵂ فقال لها: إنها حبة أبيك ورب الكعبة! فانصرفت، فقالت لهم: إني قلت له كذا وكذا، فقال لي كذا وكذا، قال: وجاء علي ﵁ إلى النبي ﷺ فكلمه في ذلك). ] أورد أبو داود حديثاً ضعيفاً في هذا الموضوع، وهو موضوع الانتصار للنفس، وذلك أن عائشة ﵂ أم المؤمنين كانت عند رسول الله ﷺ ، فجاءت زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، وكأن النبي ﷺ صنع بيده شيئاً، فصنعت عائشة بيده تنبهه أو تذكره، فكف، وكانت زينب ﵂ تقحم، أي: تعرض لشتمها؛ لأنه كان في نفسها شيء على عائشة، فسبتها أو تكلمت فيها، فقال: سبيها، فتكلمت عليها وسبتها، فذهبت زينب إلى فاطمة رضي الله تعالى عنها، وقالت: إن عائشة تكلمت فيكم، أي: أهل البيت. قيل: إن المقصود من ذلك: أن زينب أمها أميمة بنت عبد المطلب، وهي هاشمية عمة رسول الله ﵊، ولما تكلمت فيها معناه: أنها تكلمت في امرأة تنتمي إلى بني هاشم من جهة أمها، هذا هو المقصود من قولها: (تكلمت فيكم)، فجاءت فاطمة فقال لها: (إنها حبة أبيك)، الحب بمعنى: المحبوب، والحبة بمعنى: المحبوبة، فـ زيد بن حارثة وابنه أسامة كل منهما حب رسول الله ﷺ ، وعائشة حبة رسول الله ﷺ ، أي: أنها محبوبته، ثم إنها رجعت وجاء علي ﵁. والمقصود من ذلك: أن الرسول ﷺ أرشدها في هذا الحديث إلى أن تنتصر لنفسها، ولكن الحديث غير ثابت عن رسول الله ﵊؛ وذلك لأن فيه رجلاً ضعيفاً وهو علي بن زيد بن جدعان، وأيضاً في الحديث امرأة أبيه، وهي لا تعرف مجهولة، فالحديث فيه علتان: هذا الضعيف، وهذه المجهولة، وعلى هذا فهو غير ثابت عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

стр. 16920

النهي عن سب الموتى

стр. 16921

شرح حديث (إذا مات صاحبكم فدعوه ولا تقعوا فيه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في النهي عن سب الموتى. حدثنا زهير بن حرب حدثنا وكيع حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (إذا مات صاحبكم فدعوه ولا تقعوا فيه)]. أورد أبو داود باب النهي عن سب الموتى، والإنسان إذا مات فإنه لا يسب؛ إلا إذا كان عنده أمور منكرة، وعنده بدع، وقد خلف وراءه شيئاً غير محمود، فكونه يذكر بما فيه ويحذر منه هذا من النصيحة، وهذا فيه الفائدة للناس، وهي ألا يقعوا في الأمور التي لا تنبغي، وأما إذا لم يكن كذلك فإنه لا يسب، وقد جاءت السنة بذلك عن رسول الله ﷺ في هذا الحديث وفي غيره. وقد أورد أبو داود حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : (إذا مات صاحبكم فدعوه ولا تقعوا فيه). قوله: (إذا مات صاحبكم) أي: الذي بينكم وبينه مصاحبة وصلة، فدعوه ولا تقعوا فيه، ولكن إذا كان عنده أمور محذورة، ويراد التحذير منها، وألا يغتر بها، ولا يفتتن أحد بما عنده من ضلالات إذا كان عنده ضلالات، فإن التحذير منه أمر مطلوب.

стр. 16922

تراجم رجال إسناد حديث (إذا مات صاحبكم فدعوه ولا تقعوا فيه) قوله: [حدثنا زهير بن حرب] هو زهير بن حرب أبو خيثمة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي، وهو ممن أكثر عنهم الإمام مسلم، إذ روى عنه في صحيحه أكثر من ألف ومائتي حديث. [حدثنا وكيع]. هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا هشام بن عروة]. هشام بن عروة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبيه]. أبوه عروة بن الزبير بن العوام ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن عائشة]. عائشة أم المؤمنين خالته، رضي الله تعالى عنها، وقد مر ذكرها.

стр. 16923

حكم الوقوع في المسلم لا يفهم من الحديث أنه إذا كان حياً يجوز الوقوع فيه، إلا إذا كان عنده أمور منكرة، وأمور لا تنبغي، فيوقع فيه من أجلها، أو استشير في مصاحبته، أو في مشاركته، أو في مصاهرته، أو غير ذلك من الأمور، فإنه يجوز.

стр. 16924

حكم سب موتى الكفار والنهي عن سب الموتى الذي يظهر أنه خاص بموتى المسلمين.

стр. 16925

شرح حديث (اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن العلاء أخبرنا معاوية بن هشام عن عمران بن أنس المكي عن عطاء عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم)]. أورد أبو داود حديث ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: (اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم)، وهذا مثل ما تقدم؛ أي: أنهم يدعونهم ولا يسبونهم، وفي الحديث الآخر الصحيح: (لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا)، وأما ذكر المحاسن إذا كان فيه فائدة، وهو كلام حق، وليس فيه كذب، وليس فيه كلام يخالف الواقع، وفي ذلك مصلحة وهي بيان ما فيه ليعلم، وليؤتسى به، وليقتدى به، وليذكر ويشكر على ذلك، فإنه لا بأس به؛ ولكن الحديث في إسناده رجل فيه ضعف، وأما عدم ذكر المساوي فهذا موجود في أحاديث كثيرة ثابتة عن رسول الله ﷺ .

стр. 16926

تراجم رجال إسناد حديث (اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم) قوله: [حدثنا محمد بن العلاء]. محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا معاوية بن هشام]. معاوية بن هشام صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن. [عن عمران بن أنس المكي]. عمران بن أنس المكي ضعيف، أخرج له أبو داود والترمذي. [عن عطاء]. هو عطاء بن أبي رباح المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عمر]. هو عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ ، والحديث علته هذا الرجل الضعيف الذي هو عمران بن أنس.

стр. 16927

النهي عن البغي

стр. 16928

شرح حديث (كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في النهي عن البغي. حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان أخبرنا علي بن ثابت عن عكرمة بن عمار قال: حدثني ضمضم بن جوس قال: قال أبو هريرة ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب، والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصر، فوجده يوماً على ذنب، فقال له: أقصر، فقال: خلني وربي، أبعثت علي رقيباً؟! فقال: والله! لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الله الجنة، فقبض أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالماً؟ أو كنت على ما في يدي قادراً؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار) قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده! لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته]. أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان: باب في النهي عن البغي، والبغي: هو الاعتداء والظلم، وقد مر قريباً قوله ﵊: (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد)؛ لأن البغي هو الاعتداء والظلم. وأورد المصنف هنا حديث أبي هريرة ﵁: أن رجلين من بني إسرائيل كانا متآخيين، أي: كان بينهما رفقة وصداقة، وكان أحدهما يجتهد في العبادة، والثاني يحصل منه ذنوب، وكان المجتهد ينصحه، وينهاه، ومرة من المرات نهاه، فتكلم بكلام أثاره، وقال: أبعثت علي رقيباً؟! خلني وشأني! فغضب ذلك المجتهد وقال: والله! لا يغفر الله لك، أو والله! لا يغفر الله لفلان، أي: أنه تألى على الله، وحلف أن الله لن يغفر له، وهذا هو الاعتداء، وهذا هو الظلم؛ لأنه أقسم على الله أنه لن يغفر لفلان، ومعلوم أن الله يغفر الذنوب جميعاً إلا ما كان شركاً، كما قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، ثم إن الله قبض أرواحهما وقال لهذا الذي تكلم: أكنت بي عالماً؟ أو على ما في يدي قادراً؟ ثم قال للذي كان يذنب: اذهب وادخل الجنة برحمتي، فقد تجاوز عنه ورحمه، وقال للذي قال هذه الكلمة: اذهبوا به إلى النار، وذلك من أجل هذه الكلمة. وهذا الحديث لا يفهم منه أنه خالد في النار. فقال أبو هريرة: (والذي نفسي بيده! لتكلم -يعني: هذا المجتهد في العبادة مع ذلك الذي يقترف العصيان- بكلمة أوبقت دنياه وآخرته) أي: أهلكت دنياه وآخرته، وهذا معناه: أنه أمر به إلى النار، وصار من أهل النار، ولكن كما هو معلوم من دخل النار وهو من أهل الإيمان، ومن أهل التوحيد، لا بد أن يخرج منها ويدخل الجنة، ولا يبقى في النار أبد الآباد إلا الكفار الذين هم أهلها والذين لا سبيل لهم إلى الخروج منها، وإنما هم باقون فيها إلى غير نهاية. وقوله: (كلمة) المقصود بذلك هذه الجملة، وهذا الكلام؛ لأن الكلمة تطلق على الكلام، كما أنها تطلق على الكلمة المفردة، وقد جاء ذلك في أحاديث كثيرة كقوله ﵊: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، وهي ليست كلمة واحدة، ولذلك يقول ابن مالك في الألفية: واحده كلمة والقول عم وكلمة بها كلام قد يؤم أي: قد يقصد بالكلمة الكلام، وهذا من أمثلته؛ لأنه أريد بالكلمة هنا الكلام، ولم يرد الكلمة المفردة، ومثل هذا يأتي كثيراً في الكتاب والسنة.

стр. 16929

تراجم رجال إسناد حديث (كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين) قوله: [حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان]. محمد بن الصباح بن سفيان صدوق، أخرج له أبو داود وابن ماجة. [أخبرنا علي بن ثابت]. علي بن ثابت صدوق ربما أخطأ، أخرج له أبو داود والترمذي. [عن عكرمة بن عمار]. عكرمة بن عمار صدوق يغلط، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [قال: حدثني ضمضم بن جوس]. ضمضم بن جوس ثقة، أخرج له أصحاب السنن. [قال: قال أبو هريرة]. أبو هريرة ﵁ قد مر ذكره.

стр. 16930

وقوع النعيم والعذاب للإنسان بعد موته الإنسان إذا مات قامت قيامته، ووصل إليه نعيم الجنة، وعذاب النار، كما جاء في حديث البراء بن عازب: أن الميت إذا مات وأدخل قبره، وسئل ووفق في الجواب، وثبت في الجواب، يفتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من روحها ونعيمها، وإذا كان بخلاف ذلك، يفتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، وكما قال الله في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦].

стр. 16931

شرح حديث (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا ابن علية عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة مثل البغي وقطيعة الرحم)]. أورد أبو داود حديث أبي بكرة ﵁: (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله له العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة مثل البغي وقطيعة الرحم)، يعني: أنه تحصل له عقوبة في الدنيا والآخرة، فيجمع له بين العقوبة الدنيوية والأخروية، حيث يجعل له الله العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة، فيجمع له بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، والضرر الذي يحصل في الدنيا، والضرر الذي يحصل في الآخرة، وهذا يدل على عظم وخطورة شأن البغي وقطيعة الرحم؛ لأن الرسول ﷺ ذكر أن صاحبهما جدير بأن يحصل له هذا وهذا، وأن يجمع له بين هذا وهذا، وهذا يدل على خطورة أمر البغي وقطيعة الرحم.

стр. 16932

تراجم رجال إسناد حديث (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة) قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة]. عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي والنسائي فقد أخرج له في عمل اليوم والليلة. [حدثنا ابن علية]. هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم بن علية نسبة إلى أمه، وهو مشهور بالنسبة إليها، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عيينة بن عبد الرحمن]. عيينة بن عبد الرحمن صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن. [عن أبيه]. أبوه ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن. [عن أبي بكرة]. هو أبو بكرة نفيع بن الحارث ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 16933

ما جاء في الحسد

стр. 16934

شرح حديث (إياكم والحسد) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الحسد. حدثنا عثمان بن صالح البغدادي حدثنا أبو عامر -يعني عبد الملك بن عمرو - حدثنا سليمان بن بلال عن إبراهيم بن أبي أسيد عن جده عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إياكم والحسد! فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب أو قال: العشب). ] أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان: باب في الحسد، والحسد حسدان: أحدهما: بمعنى الغبطة، وهو محمود؛ لأن صاحبه لم يتمن زوال النعمة عن الغير، وإنما تمنى أن يكون له مثلها، مع بقائها عند صاحبها، فهذا هو الذي يقال له: غبطة. ثانيهما: الحسد المذموم، وهو تمني زوال النعمة عن الغير، أي: أن الحاسد لا يعجبه ولا يحب أن يبقى الخير عند هذا الغير الذي أعطاه الله إياه، فيحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، ويتمنى زوالها عنهم، سواء جاءت إليه أو لا وهذا هو المذموم، وأما ذاك فهو ممدوح، ولهذا قال النبي ﷺ : (لا حسد إلا في اثنتين) يعني: لا غبطة، وأما الحسد بمعنى تمني زوال النعمة فهذا هو المذموم، وسواء أراد أن تزول وتكون له وتذهب عن صاحبها، أو أن تذهب عن صاحبها ولم يحصل له شيء، وكل ذلك مذموم، والمحمود أن يتمنى أن يكون له مثلها مع بقائها عند صاحبها. وقد أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (إياكم والحسد! فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، أو كما تأكل النار العشب). والحسد لا شك أنه وصف ذميم، ومحرم، وقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على تحريمه، وعلى سوء من اتصف به، وجاء القرآن بالتعوذ من حسد الحاسد، وأما هذا الحديث فهو غير ثابت؛ لأن في إسناده من هو متكلم فيه.

стр. 16935

تراجم رجال إسناد حديث (إياكم والحسد) قوله: [حدثنا عثمان بن صالح البغدادي]. عثمان بن صالح البغدادي ثقة، أخرج له أبو داود. [حدثنا أبو عامر يعني عبد الملك عمرو]. هو أبو عامر العقدي عبد الملك بن عمرو، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا سليمان بن بلال]. سليمان بن بلال ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن إبراهيم بن أبي أسيد]. إبراهيم بن أبي أسيد صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود. [عن جده]. جده لا يعرف، أي: أنه مجهول، وهو هنا مبهم غير مسمى، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود. [عن أبي هريرة]. أبو هريرة ﵁ قد مر ذكره.

стр. 16936

شرح حديث (لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء أن سهل بن أبي أمامة حدثه: (أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك ﵁ بالمدينة في زمان عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة، فإذا هو يصلي صلاة خفيفةً دقيقة، كأنها صلاة مسافر أو قريباً منها، فلما سلم قال أبي: يرحمك الله! أرأيت هذه الصلاة المكتوبة أو شيء تنفلته؟ قال: إنها المكتوبة، وإنها لصلاة رسول الله ﷺ ، ما أخطأت إلا شيئاً سهوت عنه، فقال: إن رسول الله ﷺ كان يقول: لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديار، ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد:٢٧]، ثم غدا من الغد فقال: ألا تركب لتنظر ولتعتبر؟ قال: نعم، فركبوا جميعاً فإذا هم بديار باد أهلها، وانقضوا وفنوا، ﴿خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة:٢٥٩] فقال: أتعرف هذه الديار؟ فقلت: ما أعرفني بها وبأهلها! هذه ديار قوم أهلكهم البغي والحسد، إن الحسد يطفئ نور الحسنات، والبغي يصدق ذلك أو يكذبه، والعين تزني، والكف والقدم والجسد واللسان، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه)]. أورد أبو داود حديث: (أن سهل بن أبي أمامة دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة في زمن عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة، فإذا هو يصلي صلاة خفيفة دقيقة، كأنها صلاة مسافر أو قريباً منها، فلما سلم قال أبي: يرحمك الله! أرأيت هذه الصلاة المكتوبة أو شيء تنفلته؟ قال: إنها المكتوبة، وإنها لصلاة رسول الله ﷺ ، ما أخطأت إلا شيئاً سهوت عنه، فقال: إن رسول الله ﷺ كان يقول: لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم)]. أي: أنه ظن أنها نافلة فسأله، فأخبره أنها المكتوبة، وأنه خففها، وعند ذلك ذكر أن النبي ﷺ قال: (لا تشددوا فيشدد الله عليكم، فإن قوماً كانوا كذلك فشدد الله عليهم)، وذكر أن بقاياهم في البيع والصوامع والأديرة، وأن الله تعالى أهلكم بسبب التشديد الذي حصل منهم على أنفسهم. والحديث في إسناده ابن أبي العمياء، وابن القيم أشار إلى أن الذي جاء عن أنس بن مالك خلاف ذلك فقال: وأما حديث سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء، ودخول سهل بن أبي أمامة على أنس بن مالك؛ فإذا هو يصلي صلاة خفيفة، كأنها صلاة مسافر؛ فقال: إنها لصلاة رسول الله ﵌، فهذا مما تفرد به ابن أبي العمياء، وهو شبه المجهول، والأحاديث الصحيحة عن أنس كلها تخالفه، فكيف يقول أنس هذا وهو القائل: إن أشبه من رأى صلاة برسول الله ﷺ عمر بن عبد العزيز؟ وكان يسبح عشراً عشراً، وهو الذي كان يرفع رأسه من الركوع حتى يقال: قد نسي، وكذلك من بين السجدتين، ويقول: ما آلو أن أصلي لكم صلاة رسول الله ﷺ ، وهو الذي يبكي على إضاعتهم الصلاة، ويكفي في رد حديث ابن أبي العمياء ما تقدم من الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا مطعن في سندها ولا شبهة في دلالتها، فلو صح حديث ابن أبي العمياء -وهو بعيد عن الصحة- لوجب حمله على أن تلك صلاة رسول الله ﷺ للسنة الراتبة، كسنة الفجر والمغرب والعشاء، وتحية المسجد ونحوها، لا أن تلك صلاته التي كان يصليها بأصحابه دائماً، وهذا مما يقطع ببطلانه، وترده سائر الأحاديث الصريحة الصحيحة، ولا ريب أن رسول الله ﷺ كان يخفف بعض الصلاة، كما كان يخفف سنة الفجر، حتى تقول عائشة أم المؤمنين: هل قرأ فيها بأم القرآن؟ وكان يخفف الصلاة في السفر حتى كان ربما قرأ في الفجر بالمعوذتين، وكان يخفف إذا سمع بكاء الصبي، فالسنة التخفيف حيث خفف، والتطويل حيث أطال، والتوسط غالباً. فالذي أنكره أنس هو التشديد الذي لا يخفف صاحبه على نفسه مع حاجته إلى التخفيف، ولا ريب أن هذا خلاف سنته وهديه. انتهى كلام ابن القيم. وهذا يبين أن المتن فيه نكارة، والسند فيه ضعف، بسبب ابن أبي العمياء، فإنه قال عنه ابن القيم: إنه شبه المجهول، ثم أيضاً هذه الأحاديث الكثيرة التي جاءت عن أنس نفسه من فعله وقوله، وإسناده ذلك إلى رسول الله ﵊، وتشبيه صلاة عمر بن عبد العزيز بصلاة الرسول ﷺ ، وكانوا يعدون له وهو ساجد: سبحان ربي الأعلى مقدار عشر مرات، كل هذا ينافي هذا الكلام الذي جاء في حديث ابن أبي العمياء. وقوله: (إن رسول الله ﷺ كان يقول: لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديار: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد:٢٧]، ثم غدا من الغد فقال: ألا تركب لتنظر ولتعتبر؟!) أي: خرج أبو أمامة غدوة، فقال -أي: أنس -: ألا تخرج لتعتبر؟ وقوله: (قال: نعم، فركبوا جميعاً فإذا هم بديار باد أهلها وانقضوا وفنوا، خاوية على عروشها، فقال: أتعرف هذه الديار؟ فقلت: ما أعرفني بها وبأهلها! هذه ديار قوم أهلكهم البغي والحسد، إن الحسد يطفئ نور الحسنات، والبغي يصدق ذلك أو يكذبه) هذا محل الشاهد على باب الحسد، قوله: (الحسد يطفئ نور الحسنات، والبغي يصدق ذلك أو يكذبه) أي: أن البغي يأتي نتيجة للحسد، والحسد يكون سبباً للبغي؛ لأن الإنسان الذي يبغي لا يأتي إلا بشيء في نفسه، فكون قلبه يتأجج من الحقد والغيظ يجعله يمد يده ويحصل منه البغي. وقوله: (والعين تزني، والكف والقدم والجسد واللسان، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) هذا أمر ثابت في الأحاديث، كقوله ﵊: (العين تزني وزناها النظر) وآخر ذلك: (والفرج يصدق ذلك أو يكذبه)، أي: إذا وصل إلى هذه الغاية وجد الزنا الذي يعتبر الغاية وما قبله وسيلة إليه.

стр. 16937

تراجم رجال إسناد حديث (لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم) قوله: [حدثنا أحمد بن صالح]. هو أحمد بن صالح المصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل. [حدثنا عبد الله بن وهب]. هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء]. سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء مقبول، أخرج له أبو داود. [أن سهل بن أبي أمامة حدثه]. سهل بن أبي أمامة ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك]. أنس بن مالك ﵁ خادم رسول الله ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 16938

بيان أن أنس بن مالك لم يتأمر على المدينة أمير المدينة كان هو عمر بن عبد العزيز، وقد ذكر الشارح أن أمير المدينة أنس، وهذا غلط، فلم يكن أنس أمير المدينة، بل كان من أهل البصرة، وكان في البصرة، وإنما أمير المدينة هو عمر بن عبد العزيز، وكان ذلك في ولاية الوليد بن عبد الملك، فقد كان أميره على المدينة قبل أن يأتي زمن خلافته، وأنس لم يدرك خلافة عمر؛ لأنه مات قبل خلافته، ولم يدركها، فالذي ذكره الشارح في عون المعبود هو وهم.

стр. 16939

حكم زيارة الأماكن الأثرية هذا الحديث لا يدل على زيارة الأماكن الأثرية للاعتبار والتذكر؛ لأن الرسول ﷺ لم يزرها، بل أسرع لما مر بها في طريقه إلى تبوك، ووادي محسر لما كان يمر به كان يسرع؛ لأنه موطن العذاب.

стр. 16940

باب في اللعن

стр. 16941

شرح حديث (إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في اللعن. حدثنا أحمد بن صالح حدثنا يحيى بن حسان حدثنا الوليد بن رباح قال: سمعت نمران يذكر عن أم الدرداء أنها قالت: سمعت أبا الدرداء ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : (إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض، فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يميناً وشمالاً، فإذا لم تجد مساغاً رجعت إلى الذي لعن، فإن كان لذلك أهلاً وإلا رجعت إلى قائلها)]. أورد أبو داود باباً في اللعن، واللعن: هو إطلاق اللعن على أحد، ومن المعلوم أن اللعن إنما يكون في حدود ما وردت به الشريعة، واللعن يكون لمن يستحقه، وقد جاء في نصوص الكتاب والسنة اللعن بالأوصاف؛ كقوله تعالى: ﴿لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١]، وقوله ﷺ : (لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال)، وقوله: (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده)، وقوله: (لعن الله النامصة والمتنمصة)، وغيرها من الأحاديث الكثيرة في اللعن بالوصف، وليس بالعين. وأما اللعن بالعين فكثير من العلماء يقولون: لا يلعن المعين؛ لأنه لا يدرى ما هي نهايته، وأي شيء ينتهي إليه، ولهذا كان بعض العلماء يتحرزون من اللعن، حتى من لعن الكفار، إذا كانوا على قيد الحياة، أو كانوا لا يعرفون النهاية التي كانوا عليها، ولهذا ذكر ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية قصة نصراني أنشأ قصيدة يذم فيها الإسلام، ويذم فيها الرسول ﷺ ، وذكر أن ابن حزم أنشأ قصيدة طويلة رداً عليها، وقد أثبت القصيدتين، ولما ذكر قصيدة النصراني عقبها بقوله: فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين إن كان مات كافراً. وذكر ابن كثير في ترجمة أبي نصر الفارابي أنه كان يقال عنه: إنه لا يقول بمعاد الأجساد، وإنما يقول بمعاد الأرواح فقط، ثم قال ابن كثير: فعليه إن كان مات على ذلك لعنة رب العالمين، ثم قال: وإن الحافظ ابن عساكر كتب تاريخاً واسعاً في دمشق، ولم يذكر الفارابي في تاريخه، مع أنه من أهل دمشق، قال: ولعله إنما تركه لقبحه ونتانته. أي: لأنه يقول بعدم معاد الأجساد، وأنما تعاد الأرواح فقط. ولهذا فالأصل عند أهل السنة أن المعين لا يلعن؛ لأن الإنسان قد يكون على شر، ثم يختم له بخير، وتكون نهايته على خير، ومن المعلوم أن الناس بالنسبة للنهايات والبدايات أربعة أقسام: منهم من تكون بدايته ونهايته طيبة، ومنهم من تكون بدايته ونهايته سيئة، ومنهم من تكون بدايته حسنة ونهايته سيئة، ومنهم من تكون بدايته سيئة ونهايته حسنة، فهذه أربعة أقسام للناس بالنسبة للبداية والنهاية، وهذا مثلما حصل لسحرة فرعون، فإن حياتهم كلها كانت مملوءة بالسحر والكفر والشر، ثم بعد ذلك آمنوا برب موسى وهارون، وقتلوا وانتهوا على خير، وختم لهم بخير. وكذلك الذي يكون على حالٍ حسنة ثم يدركه الخذلان في آخر الأمر فيرتد عن الإسلام، ويموت على ذلك، فتكون نهايته سيئة، والعياذ بالله! وقد أورد أبو داود ﵀ هذا الحديث، وفيه أن اللعنة التي تصدر من الإنسان تذهب إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها، ثم ترجع إلى الأرض فتغلق أبواب الأرض دونها، ثم تذهب يميناً وشمالاً حتى تذهب إلى الذي قيلت فيه، فإن لم يكن كذلك وإلا رجعت إلى صاحبها.

стр. 16942

تراجم رجال إسناد حديث (إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء) قوله: [حدثنا أحمد بن صالح حدثنا يحيى بن حسان]. أحمد بن صالح مر ذكره، ويحيى بن حسان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة. [حدثنا الوليد بن رباح]. الوليد بن رباح صدوق، أخرج له أبو داود. [قال: سمعت نمران]. نمران مقبول، أخرج له أبو داود. [يذكر عن أم الدرداء]. أم الدرداء هي هجيمة التابعية، وهي الصغرى من زوجتي أبي الدرداء؛ لأن هناك أم الدرداء الكبرى، وهي ليس لها رواية، واسمها خيرة، وأما هذه فهي هجيمة، وهي تابعية ثقة، أخرج لها أصحاب الكتب الستة. [أنها قالت: سمعت أبا الدرداء]. أبو الدرداء هو عويمر رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. وهذا الحديث في إسناده هذا المقبول، والألباني حسنه من أجل طريق أخرى مرسلة. [قال أبو داود: قال مروان بن محمد: هو رباح بن الوليد سمع منه، وذكر أن يحيى بن حسان وهم فيه]. يعني: وهم في القلب. ومروان بن محمد ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.

стр. 16943

شرح حديث (لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضب الله ولا بالنار) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا تلاعنوا بلعنة الله، ولا بغضب الله، ولا بالنار)]. أورد أبو داود حديث سمرة بن جندب: (لا تلاعنوا بلعنة الله، ولا بغضب الله ولا بالنار)، هذا نهي عن أن يلعن الرجل أخاه أو يدعو عليه بالنار، أو يدعو عليه بالغضب، أو غير ذلك، وهذا فيه النهي عن هذه الأعمال التي هي التكلم باللعن، أو بالدعوة بالغضب، أو بالنار، أو أن يكون من أهل النار، أو أن يجعل من أهل النار.

стр. 16944

تراجم رجال إسناد حديث (لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضب الله ولا بالنار) قوله: [حدثنا مسلم بن إبراهيم]. هو مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عن هشام]. هو هشام الدستوائي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن قتادة]. هو قتادة بن دعامة السدوسي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الحسن]. هو الحسن بن أبي الحسن، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سمرة بن جندب]. سمرة بن جندب صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة. والحديث جاء من طريق الحسن عن سمرة، ولكن الألباني حسنه أو صححه من أجل شواهد أخرى.

стр. 16945

شرح حديث (لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء حدثنا أبي قال: حدثنا هشام بن سعد عن أبي حازم وزيد بن أسلم أن أم الدرداء قالت: سمعت أبا الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء)]. أورد أبو داود حديث أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء)، وهذا بيان لذنبهم، ووصفهم بأنهم لا يكونون ممن يشفعون، ولا ممن يشهد يوم القيامة، وهذا يدل على خطورة هذا العمل الذي هو الاتصاف باللعن.
следующие страницы →