Полный текст (18 341 стр.). Показаны 17291–17330 · переход к 17296.
стр. 17291
شرح حديث (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في الشعر.
حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا شعبة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً)].
أورد أبو داود [باب ما جاء في الشعر] يعني: فيما يتعلق بالاشتغال به وإنشاده وفي مدحه أو ذمه.
أورد أبو داود هذا الحديث عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: [(لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً)] والحديث يدل على أن الانهماك فيه والاشتغال به عن القرآن والحديث وعن ذكر الله مذموم، وأما إذا كان الاشتغال فيه ليس هو الغالب وإنما الغالب هو الاشتغال بالقرآن والحديث وسنة الرسول ﷺ وذكر الله فإنه لا يكون مذموماً؛ لأن إنشاده وحفظ ما هو مفيد منه محمود وليس بمذموم، ولكن الذم فيما إذا شغل عن ذكر الله وشغل عن القرآن وشغل عن الحديث وشغل عن العلم النافع، وأما إذا لم يشغل فإنه لا مانع منه ولا محذور فيه؛ ولهذا بوب البخاري ﵀ باباً للحديث يوضح هذا المعنى قال: باب ما يكره من الإكثار من الشعر حتى يشغل عن ذكر الله.
يعني: أن المقصود به هو الإكثار منه والاشتغال به حتى يغلب الإنسان ويشغله عما هو أهم منه، ويقال: إن معناه إذا كان الشعر محرماً.
وهذا لا يقال فيه: قليله حلال وكثيره حرام، بل لو لم يكن فيه غير بيت من الشعر وهو شر، ويظل الإنسان به ويحفظه ويحافظ عليه ويعجبه، فإنه مذموم ولو كان بيتاً واحداً، وإنما الكلام في قوله: [(لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً)] يعني: هو الشعر المحمود، ولكنه يشغل عن ذكر الله وعن القرآن وعن سنة الرسول ﷺ ، فهذا هو المذموم، أما إذا كان عنده شعر قليل ولكنه ليس شغله الشاغل واهتمامه بما هو أهم منه وبما هو أولى منه، فإنه لا بأس بذلك.
стр. 17292
تراجم رجال إسناد حديث (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً)
قوله: [حدثنا أبو الوليد الطيالسي].
هو هشام بن عبد الملك ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش].
هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي صالح].
هو ذكوان السمان اسمه ذكوان ولقبه السمان وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
أبو هريرة وقد مر ذكره.
стр. 17293
نقل أبي علي اللؤلؤي عن أبي عبيد وجه الذم للمشتغل بالشعر ومعنى البيان وسحره
[قال أبو علي: بلغني عن أبي عبيد أنه قال: وجهه أن يمتلئ قلبه حتى يشغله عن القرآن وذكر الله، فإذا كان القرآن والعلم الغالب فليس جوف هذا عندنا ممتلئاً من الشعر.
وإن من البيان لسحراً: قال: كأن المعنى أن يبلغ من بيانه أن يمدح الإنسان فيصدق فيه حتى يصرف القلوب إلى قول، ثم يذمه فيصدق فيه حتى يصرف القلوب إلى قوله الآخر، فكأنه سحر السامعين بذلك].
هذا الكلام فيما يتعلق بالشعر مطابق لما بوب به البخاري من أن المقصود هو الإكثار من الشعر بحيث يغلب ويطغى على غيره مما هو أهم منه، وأما إذا كان الغالب هو القرآن والحديث وما فيه ذكر الله ، وكان عنده شيء من الشعر وهو مغمور وليس هو الأكثر، فإنه ليس هو المذموم الذي قال فيه: [(لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير من أن يمتلئ شعراً)] فهذا لا بأس به إذا كان عنده شيء من الشعر، ولكنه ليس هو الغالب، بل الغالب عليه ما هو أهم منه وهو القرآن والحديث وما فيه اشتغال بالعلم النافع.
ثم ذكر ما يتعلق بالسحر وقال: (إن من البيان لسحراً) وهو أن الإنسان بفصاحته وبلاغته يمكن أن يمدح إنساناً فيأتي به، ويذم إنساناً فيأتي به، ولكن المحمود منه فيما إذا كان بخير، والمذموم منه فيما إذا كان بشر.
стр. 17294
ترجمة اللؤلؤي وأبي عبيد وسبب عدم رواية صاحبي الصحيحين لبعض الثقات
قوله: [قال أبو علي بلغني عن أبي عبيد].
أبو علي هو اللؤلؤي راوي الكتاب عن أبي داود، وأبو عبيد هو القاسم بن سلام وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً وفي جزء القراءة، وأبو داود.
لم يخرج له البخاري ومسلم في صحيحيهما، مع أنه إمام من الأئمة رفيع المنزلة، وهذا يبين لنا أن البخاري ومسلماً ما رويا عن كل ثقة، كما أنهما لم يرويا كل حديث صحيح، فقد رويا أحاديث صحيحة وتركا أحاديث صحيحة، ورويا عن ثقات وتركا الرواية عن ثقات، وليس تركها الرواية عن الثقات لأنهما لا يريان الاحتجاج بهما، أو أنهم ليسوا حجة عندهما.
كما أنهما تركا جملة من الأحاديث الصحيحة، وليس معنى ذلك أنهما لا يريانها أحاديث صحيحة، بل إنهما انتقيا وأوردا هذا المقدار من الأحاديث الصحيحة، وتركا من الصحيح ما هو كثير لم يأتيا به، فكذلك أيضاً اتفق لهما أن رويا أحاديث عن جماعة من الثقات ولم يرويا عن جماعة من الثقات، وهذا يبين لنا أن البخاري ومسلماً لم يلتزما إخراج كل صحيح، فلا يستدرك عليهما أحاديث صحيحة ولم يلتزما الإخراج عن كل ثقة، فلا يقال: كيف لم يخرجا لفلان وهو ثقة؟ فقد يكون الإنسان ثقة وفي غاية الأوصاف الحميدة ثم لا يرويان عنه، فـ أبو عبيد أثنى عليه الحافظ في التقريب ثناء عظيماً قال: القاسم بن سلام بالتشديد البغدادي أبو عبيد الإمام المشهور ثقة فاضل مصنف.
ويقول الحافظ: لم أر له في الكتب حديثاً مسنداً، بل من أقواله في شرح الغريب.
وهذا كما هو معلوم أن طريقة الحافظ أنه يذكر الشخص إذا كان من خرج له اتصالاً، أما إذا كان في التعاليق فإنه لا يرمز له، بل يرمز لمن خرج له اتصالاً.
وهنا على خلاف طريقة أبي داود فقد رمز له الحافظ بدال.
стр. 17295
حكم إيراد المفسرين بعض أشعار العرب في التفسير
أهل العلم قد شرطوا في المفسر أن يكون ملماً بلغة العرب وأشعارها وبخاصة المعلقات، رغم أن فيها الغزل الماجن، وقد كان الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في دروسه يأتي بأبيات عجيبة، ويبين أن المراد هو الوصول بها إلى التفسير وفهم كلام الله .
أقول: إذا كان الإنسان مثل الشيخ الشنقيطي في السعة في الحديث والتفسير وكلام العرب فليحفظ المعلقات، وأما كونه يشتغل بالمعلقات وهو لا يعرف التفسير ولا يعرف شيئاً من الأمور المهمة في التفسير فهذا هو الذي ينطبق عليه حديث ذم الشعر والاشتغال به.
وهذه الأشعار التي كان يأتي بها الشيخ الشنقيطي عند التفسير فهو يأتي أولاً بتفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالحديث، وتفسير القرآن بكلام الصحابة، وتفسير القرآن بكلام التابعين، ثم يأتي بكلام العرب وأشعارهم، فالإنسان الذي عنده القدرة على أن يكون كذلك فليفعل.
стр. 17296
حكم حفظ المنظومات العلمية
أما عن حفظ المنظومات العلمية، فإنها لا تدخل في الذم، فمن حفظ هذه المنظومات من أجل أن يستذكر، فلا بأس؛ لأن حفظ الشعر أسهل من حفظ النثر، لكن لا يكون شغله هو النظم، بل يحفظ النظم وغير النظم، إنما النظم يأتي به من أجل التوصل به إلى العلم، مثل المنظومات في المصطلح، وفي الفرائض وغيرها من أجل أن يستذكر، فمثل هذا لم يشغله عن ذكر الله، بل هو نظم في ذكر الله.
стр. 17297
شرح حديث (إن من الشعر حكمة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا ابن المبارك عن يونس عن الزهري حدثنا أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن مروان بن الحكم عن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث عن أبي بن كعب ﵄: أن النبي ﷺ قال: (إن من الشعر حكمة)].
أورد أبو داود حديث أبي بن كعب أن النبي ﷺ قال: [(إن من الشعر حكمة)] وهذا مدح للشعر؛ لأن من الشعر ما يكون فيه حكم، وما يكون فيه أمور جميلة، وما يكون فيه عظة وعبرة، وما أكثر الشعر الذي هو من هذا القبيل، مثل شعر أبي العتاهية فإنه مليء بالحكم.
فإذاً: من الشعر ما هو محمود، ولكن كما مر في الحديث الأول لا يكون شغل الإنسان الشاغل هو الشعر ولو كان محموداً؛ لأنه إذا شغل عما هو أهم منه وعما هو أولى منه صار مذموماً.
стр. 17298
تراجم رجال إسناد حديث (إن من الشعر حكمة)
قوله: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة].
أبو بكر بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[حدثنا ابن المبارك].
هو عبد الله بن المبارك المروزي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن يونس].
هو يونس بن يزيد الأيلي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام].
أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال في السابع منهم.
стр. 17299
ذكر فقهاء المدينة المتفق عليهم والمختلف فيهم
إن فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين ستة متفق على عدهم، والثالث فيه ثلاثة أقول، المتفق على عدهم هم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وخارجة بن زيد بن ثابت والقاسم بن محمد بن أبي بكر وسليمان بن يسار وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير بن العوام والسابع فيه أقوال ثلاثة: قيل: أبو بكر بن عبد الرحمن هذا الذي معنا.
وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.
وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر.
وابن القيم ﵀ ذكر في أول كتابه إعلام الموقعين جماعة من المفتين من الصحابة، ثم جماعة من المفتين من التابعين في مختلف البلدان، ولما جاء عند ذكر المدينة وذكر الفقهاء فيها، ذكر من فقهاء المدينة في عصر التابعين سبعة، وذكر سابعهم هذا الذي معنا أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وذكر بيتين من الشعر اشتمل البيت الثاني على ذكر السبعة، فقال: إذا قيل من في العلم سبعة أبحر روايتهم ليست عن العلم خارجه فقل هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجه يعني هم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عروة بن الزبير.
القاسم بن محمد.
سعيد بن المسيب.
أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
سليمان بن يسار.
خارجة بن زيد بن ثابت.
стр. 17300
تابع تراجم رجال إسناد حديث (إن من الشعر حكمة)
قوله: [عن مروان بن الحكم].
مروان بن الحكم الخليفة، وقد قال عنه عروة بن الزبير: إنه لا يتهم في الحديث، وقد خرج له البخاري وأصحاب السنن.
[عن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث].
عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث ولد على عهد النبي ﷺ ، أخرج له البخاري وأبو داود وابن ماجة.
[عن أبي بن كعب].
أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 17301
طريق أخرى لحديث (إن من البيان سحراً وإن من الشعر حكماً) وترجمة رجال إسنادها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: (جاء أعرابي إلى النبي ﵌ فجعل يتكلم بكلام، فقال رسول الله ﵌: إن من البيان سحراً وإن من الشعر حكماً)].
أورد أبو داود حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: [(جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فجعل يتكلم بكلام فقال النبي ﷺ : إن من البيان سحراً وإن من الشعر حكماً)] وهو بمعنى الحكمة.
وقوله: [(إن من البيان سحراً)] سبق أن مر في الحديث السابق.
وقد مر أيضاً في حديث سابق: (إن من الشعر حكمة).
قوله: [حدثنا مسدد].
هو مسدد بن مسرهد ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا أبو عوانة].
هو وضاح بن عبد الله اليشكري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سماك].
هو سماك بن حرب وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن.
[عن عكرمة].
هو عكرمة مولى ابن عباس وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب صحابي جليل، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
والحديث كما هو معلوم فإن الذي فيه جاء في أحاديث أخرى صحيحة، فهو إما أن يكون ثابتاً أو أن له شواهد.
стр. 17302
شرح حديث (إن من البيان سحراً وإن من العلم جهلاً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا سعيد بن محمد حدثنا أبو تميلة حدثني أبو جعفر النحوي عبد الله بن ثابت حدثني صخر بن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن جده ﵁ قال: سمعت رسول الله عليه وعلى آله وسلم يقول: (إن من البيان سحراً، وإن من العلم جهلاً، وإن من الشعر حكماً، وإن القول عيالاً).
فقال صعصعة بن صوحان: صدق نبي الله ﵌ أما قوله: (إن من البيان لسحراً) فالرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق.
وأما قوله: إن من العلم جهلاً، فيتكلف العالم إلى علمه ما لا يعلم فيجهله ذلك.
وأما قوله: إن من الشعر حكماً، فهي هذه المواعظ والأمثال التي يتعظ بها الناس.
وأما قوله: إن من القول عيالاً، فعرضك كلامك، وحديثك على من ليس من شأنه ولا يريده].
أورد أبو داود حديث بريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: [(إن من البيان سحراً، وإن من العلم جهلاً، وإن من الشعر حكماً، وإن من القول عيالاً)].
وقوله: [(إن من البيان سحراً)] مر ذكره.
صعصعة بن صوحان فسر قوله: [(وإن من العلم جهلاً)] بعدة تفسيرات وهذا المذكور عن صعصعة منها، وهناك تفسيرات أخرى ذكرها في عون المعبود غير هذا اللفظ قال فيها: أي: لكونه علماً مذموماً، والجهل به خير منه.
يعني: وجود الجهل خير من ذلك العلم؛ لأن علمه فيه ضرر والجهل به فيه نفع.
ثم قال: أو لكونه علماً بما لا يعنيه، فيصير جهلاً بما يعنيه.
يعني: إما أن يكون اشتغل بما لا يعنيه أو ترك ما يعنيه.
ثم قال: وقيل: ألا يعمل بعلمه، فيكون ترك العمل بالعلم جهلاً.
يعني: أنه يكون بمثابة الجاهل؛ لأنه لم يعمل بعلمه، بل الجاهل أحسن حالاً منه، كما يقول الشاعر: إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم ثم قال: وفي النهاية قيل: هو أن يتعلم ما لا حاجة إليه كالنجوم وعلوم الأوائل، ويدع ما يحتاج إليه في دينه من علم القرآن والسنة.
وقيل: هو أن يتكلف العالم القول فيما لا يعلمه فيجهله ذلك.
وهذا معنى كلام صعصعة بن صوحان الذي ذكره أبو داود ونقله عنه.
قوله: [فيجهله ذلك].
يعني: ينسب به إلى الجهل؛ لأنه تكلم بغير علم.
قال أبو يوسف: الجهل بالكلام هو العلم.
قوله: [(وإن القول عيالاً)] بكسر أوله، قال الخطابي: هكذا رواه أبو داود: [(عيالاً)] ورواه غيره (إن من القول عيلاً).
قال الأزهري: قوله ﵊: [(عيلاً)] من قولك: علت الضالة أعيل عَيْلاً وعَيَلاً، إذا لم تدر أية جهة تبغيها.
قال أبو زيد: كأنه لم يهتد لمن يطلب علمه فعرضه على من لا يريده.
يعني: كأنه وضعه في غير موضعه، حيث شغل وقته في غير طائل، كأنه أهدي هدية لا يريدها، وهذا مثل ما يقولون: صيحة في واد ما لها نتيجة ولا لها ثمرة.
стр. 17303
تراجم رجال إسناد حديث (إن من البيان سحراً وإن من العلم جهلاً)
قوله: [حدثنا محمد بن يحيى بن فارس].
هو محمد بن يحيى بن فارس الذهلي ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.
[حدثنا سعيد بن محمد].
سعيد بن محمد صدوق، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة.
[حدثنا أبو تميلة].
هو يحيى بن واضح وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثني أبو جعفر النحوي عبد الله بن ثابت].
عبد الله بن ثابت وهو مجهول، أخرج له أبو داود.
[عن صخر بن عبد الله بن بريدة].
وهو مقبول، أخرج له أبو داود.
[عن أبيه].
هو عبد الله بن بريدة وهو تابعي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن جده].
هو بريدة بن الحصيب ﵁ وهو صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
والحديث ضعيف من حيث الإسناد، ولكن الجملة الأولى والجملة الثالثة وهما قوله: [(إن من البيان سحراً)] وقوله: [(وإن من الشعر حكماً)] قد جاءت الأحاديث بهما، وأما قوله: [(وإن من العلم جهلاً)] وقوله: [(وإن من القول عيالاً)] فهما جاءا في هذا الإسناد، فيكون فيهما ضعف؛ لأنهما جاءا من هذا الطريق.
стр. 17304
شرح حديث (مر عمر بحسان وهو ينشد في المسجد فلحظ إليه فقال قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا ابن أبي خلف وأحمد بن عبدة المعنى قالا: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد قال (مر عمر بـ حسان ﵄ وهو ينشد في المسجد، فلحظ إليه، فقال: قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك)].
أورد أبو داود حديث حسان وفيه: أن عمر مر به وهو ينشد شعراً في المسجد فلحظه، يعني: نظر إليه بعينه نظرة فيها إنكار، فقال: مجيباً عن الفعل الذي قام مقام القول: [(قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك)] يعني: رسول الله ﷺ .
وهذا يدل على جواز إنشاد الشعر في المسجد وذكره في المسجد إذا كان سليماً وكان حكماً، مثل ما كان شعر حسان ﵁ دفاعاً عن رسول الله ﷺ .
стр. 17305
تراجم رجال إسناد حديث (مر عمر بحسان وهو ينشد في المسجد فلحظ إليه فقال قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك)
قوله: [حدثنا ابن أبي خلف].
هو محمد بن أحمد بن أبي خلف وهو ثقة أخرج له مسلم وأبو داود.
[وأحمد بن عبدة].
هو أحمد بن عبدة الضبي وهو ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.
[حدثنا سفيان بن عيينة].
هو سفيان بن عيينة المكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري عن سعيد].
الزهري مر ذكره، وسعيد هو ابن المسيب وهو ثقة، وهو من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[مر عمر بـ حسان].
هو حسان بن ثابت ﵁ وهو صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
стр. 17306
الحكم على رواية سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب ﵁
قال المنذري: وسعيد بن المسيب لم يصح سماعه من عمر، فإن كان سمع ذلك من حسان بن ثابت فيتصل.
يعني: هو يحكي الذي قد حصل، فيمكن أن يكون سعيد سمع من حسان، ويمكن أن يكون سمع من عمر؛ لأن ابن القيم ﵀ ذكر في تهذيب السنن ما يدل على سماعه منه، وأثبت سماعه منه.
قال ابن القيم: وقد تكرر له في هذا الكتاب في مواضع.
يعني: تكرر أن المنذري يقول مثل هذا الكلام.
قال ابن القيم ﵀: وبه يعلل ابن القطان وغيره حديث سعيد عن عمر، وهو تعليل باطل أنكره الأئمة كـ أحمد بن حنبل ويعقوب بن سفيان وغيرهما، قال أحمد: إذا لم يقبل سعيد بن المسيب عن عمر فمن يقبل؟! سعيد عن عمر عندنا حجة.
وقال حنبل في تاريخه: حدثنا أبو عبد الله يعني: أحمد بن حنبل، قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا سعيد عن إياس بن معاوية قال: قال سعيد بن المسيب ممن أنت؟ قلت من مزينة، قال: إني لأذكر يوم نعى عمر بن الخطاب النعمان بن مقرن المزني على المنبر.
وهذا صريح في الرد على من قال: إنه ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر.
وقال: يحيى بن سعيد الأنصاري: كان سعيد بن المسيب راوية عمر بن الخطاب؛ لأنه كان أحفظ الناس لأحكامه.
وقال مالك: بلغني أن عبد الله بن عمر كان يرسل إلى ابن المسيب يسأله عن بعض شأن عمر وأمره.
هذا ولم يحفظ عن أحد من الأئمة أنه طعن في رواية سعيد عن عمر، بل قابلوها كلهم بالقبول والتصديق، ومن لم يقبل المرسل قبل مرسل سعيد عن النبي ﵌.
وقال الحاكم في علوم الحديث: سعيد بن المسيب أدرك عمر وعلياً وطلحة وباقي العشرة وسمع منهم.
والمقصود: أن تعليل الحديث برواية سعيد له عن عمر تعنت بارد، والصحيح أنه ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر فيكون له وقت وفاة عمر ثمان سنين، فكيف ينكر سماعه، ويقدح باتصال روايته عنه! والله الموفق للصواب وقد أخرجاه في الصحيحين وذكره أبو داود عقب هذا الحديث عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، فذكر الحديث بمعنى ما تقدم دون ذكر الزيادة.
стр. 17307
طريق أخرى لحديث حسان عن أبي هريرة وزاد فيه (فخشي أن يرميه برسول الله فأجازه) وترجمة رجال إسنادها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ بمعناه زاد: (فخشي أن يرميه برسول الله ﵌ فأجازه)].
أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى عن أبي هريرة وقال: بمعناه، وزاد: [(فخشي أن يرميه برسول الله)] يعني: خشي أن يقول له: إن الرسول ﷺ هو الذي أنشدته وهو خير منك.
قوله: [(فأجازه)] يعني: أن عمر تركه.
قوله: [حدثنا أحمد بن صالح].
هو أحمد بن صالح المصري ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل.
[حدثنا عبد الرزاق].
هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا معمر].
هو معمر بن راشد الأزدي البصري ثم اليماني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري عن سعيد بن المسيب].
الزهري وسعيد بن المسيب مر ذكرهما.
[عن أبي هريرة].
أبو هريرة وقد مر ذكره.
стр. 17308
شرح حديث (كان رسول الله يضع لحسان منبراً في المسجد فيقوم عليه يهجو من قال في رسول الله)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن سليمان المصيصي لوين حدثنا ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة وهشام عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يضع لـ حسان ﵁ منبراً في المسجد، فيقوم عليه يهجو من قال في رسول الله ﵌، فقال رسول الله ﵌: إن روح القدس مع حسان، ما نافح عن رسول الله ﵌].
أورد أبو داود حديث عائشة ﵂ الذي فيه بيان ما ذكره حسان في الحديث السابق حيث قال: (كنت أنشده وفيه من هو خير منك) يعني: رسول الله ﷺ ، فذكر هنا الحديث الذي فيه إذن رسول الله ﷺ له بأن ينشد الشعر، وأنه كان يضع له منبراً يقوم عليه وينشد الشعر ينافح ويدافع به عن رسول الله ﷺ ، فيهجو المشركين الذين كانوا يهجون رسول الله ﷺ ، فهو يهجوهم ويقابل هجاءهم للرسول ﷺ بهجائه إياهم، وقال النبي ﷺ : [(إن روح القدس مع حسان)] وروح القدس هو جبريل.
قوله: [(ما نافح عن رسول الله ﷺ ] فهو يدل على توضيح ما ذكر في الحديث السابق من إنشاد الشعر بين يدي رسول الله ﷺ .
стр. 17309
تراجم رجال إسناد حديث (كان رسول الله يضع لحسان منبراً في المسجد فيقوم عليه يهجو من قال في رسول الله)
قوله: [حدثنا محمد بن سليمان المصيصي لوين].
هو محمد بن سليمان المصيصي، ولوين لقبه، وهو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي.
[حدثنا ابن أبي الزناد].
هو عبد الرحمن بن أبي الزناد وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم في المقدمة وأصحاب السنن.
وهذا عبد الرحمن هو الذي يكنى به أبو الزناد أبوه يقال له: أبو عبد الرحمن، وأبو الزناد ليست كنية وإنما هي لقب، ولكنه على صيغة الكنية.
[عن أبيه].
هو أبو الزناد عبد الله بن ذكوان المدني ثقة مكثر من الرواية عن أبي هريرة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عروة].
هو عروة بن الزبير بن العوام ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[وهشام عن عروة].
يعني: أن هشاماً مثل أبي الزناد يروي عن عروة، وهشام هو ابن عروة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
عائشة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها الصديقة بنت الصديق، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 17310
شرح أثر ابن عباس في نسخ (والشعراء يتبعهم الغاوون)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن محمد المروزي حدثنا علي بن حسين عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٤] فنسخ من ذلك واستثنى فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الشعراء:٢٢٧]] أورد أبو داود أثر ابن عباس قال: [﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٤] فنسخ من ذلك واستثنى فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الشعراء:٢٢٧]] فاللفظ الأول عام، وهم الشعراء الذين يتبعهم الغاوون الذين وصفهم الله، فالذين استثناهم الله من اللفظ العام بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الشعراء:٢٢٧] ليسوا من الشعراء الذين يتبعهم الغاوون، وإنما الذين يتبعهم الغاوون هم الذين ليسوا موصوفين بهذه الأوصاف التي جاءت في هذا الاستثناء.
قوله: [فنسخ من ذلك واستثنى] أي: نسخ بعض ما يدل عليه العموم؛ لأن النسخ هو رفع الحكم الشرعي بحكم شرعي آخر متراخ عنه، وهذا نسخ الحكم جملة، وأما الاستثناء فيقال له: تخصيص؛ لأنه استثنى بعض أفراد العام، وأطلق عليه نسخ؛ لأنه في الجملة رفع للشيء وإن لم يكن الرفع فيه كلياً، وإنما هو رفع للبعض؛ ولأن اللفظ العام قوله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٤] يشمل كل شاعر، فلما استثني منه هؤلاء الذين اتصفوا بالإيمان والعمل الصالح وذكر الله، صار الحكم العام باقياً في حق غير هؤلاء المستثنين.
стр. 17311
تراجم رجال إسناد أثر ابن عباس في نسخ (والشعراء يتبعهم الغاوون)
قوله: [حدثنا أحمد بن محمد المروزي].
هو أحمد بن محمد بن ثابت المروزي المشهور بـ ابن شبويه وهو ثقة، أخرج له أبو داود.
[حدثنا علي بن حسين].
هو علي بن حسين بن واقد وهو صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم في المقدمة وأصحاب السنن.
[عن أبيه].
وهو ثقة له أوهام، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن.
[عن يزيد النحوي].
هو يزيد بن أبي سعيد النحوي وهو ثقة أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.
[عن عكرمة عن ابن عباس].
عكرمة وابن عباس قد مر ذكرهما.
стр. 17312
الأسئلة
стр. 17313
حكم الأناشيد التي تسمى بالإسلامية
السؤال
بمناسبة الحديث عن الشعر فقد كثرت الأسئلة عن الأناشيد التي تسمى بالإسلامية، خاصة وأنها الآن ربما ألقيت في حفلات تقام في المسجد، ويحتجون بحديث حسان مع عمر ﵁؟
الجواب
هذه الأناشيد التي يتغنى بها والتي غالباً ما يحرص فيها على الأصوات ولا يحرص فيها على المعاني، ليست من قبيل الشعر المحمود الذي يثنى عليه؛ لأنه يغلب عليه الرغبة في الأصوات والاستمتاع بها أكثر من الاستمتاع بالمعاني.
стр. 17314
حكم من صلى وفي ثوبه نجاسة من دم أو غيره
السؤال
صليت وكان في ثوبي دم وهذا الدم كان من رجلي، فهل صلاتي صحيحة؟
الجواب
الإنسان إذا صلى وفي ثوبه نجاسة ولم يعلم إلا بعد فراغ الصلاة، فإن صلاته صحيحه، سواء كانت بولاً أو دماً أو غير ذلك، وإنما تكون صلاته غير صحيحه لو صلاها بغير وضوء، فإنه يجب عليه الإعادة.
وأما إذا صلى وعليه نجاسة دون علم بها فإن صلاته صحيحة، والدليل على ذلك حديث الرسول ﷺ أنه صلى بأصحابه وكان عليه نعلاه وأصحابه عليهم نعالهم، فلما كان في أثناء الصلاة جاءه جبريل وأخبره بأن في نعليه قذراً فخلعهما، فخلع الناس نعالهم اقتداء برسول الله ﷺ ، ثم بعد ذلك أخبرهم بأن جبريل أخبره، فدل هذا على أن الصلاة صحيحة؛ لأنه لو كانت الصلاة غير صحيحة لاستأنف الصلاة من أولها، ولم يبن على ما مضى.
إذاً: لو صلى المرء وفي ثوبه نجاسة ولم يعلم إلا بعد ما فرغ من الصلاة، أو كان على علم قبل ذلك بالنجاسة ولكن نسيها فإن صلاته صحيحة، وليس عليه الإعادة لهذا الحديث، وإنما تكون الإعادة لو صلى بغير وضوء؛ لأن الرسول ﷺ قال: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ).
стр. 17315
حقيقة إهداء النبي ﷺ بردته لكعب بن زهير حين ألقى عليه قصيدته
السؤال
هل صحيح أن النبي ﷺ أهدى بردته لـ كعب بن زهير عندما ألقى عليه قصيدته، وسميت بالبردة لذلك؟
الجواب
كون الرسول ﷺ أهدى لـ كعب بردة لا أدري عنه شيئاً، ولكن قصيدة كعب بن زهير مشهورة، والشيخ إسماعيل الأنصاري ﵀ كتب رسالة خاصة حول قصيدة كعب بن زهير وأنه ألقاها بين يدي الرسول ﷺ ، وذكر ما يتعلق بها من الأسانيد والأحاديث.
وأما قضية البردة فلا أعلم عنها شيئاً.
стр. 17316
حكم إطلاق القول بأن القرآن كالسحر
السؤال
هل يصح القول بأن القرآن كالسحر؟
الجواب
القرآن هو خير الكلام وأفصح الكلام وأبلغ الكلام، ولكن لا يوصف بهذا الوصف؛ لأن السحر كما هو معلوم يحمد ويذم، والقرآن كله حمد لا ذم فيه.
стр. 17317
شرح سنن أبي داود [٥٧٠]
الرؤيا جزء من ست وأربعين جزءاً من النبوة؛ فقد كان الرسول ﷺ يخبر عن أمور مستقبلة عن طريق الوحي، وقد بقي من هذا النوع الرؤيا الصالحة، لكن يجب أن يفهم أنها لا تؤخذ منها الأحكام الشرعية، وإنما هي فقط للاستئناس، لذا لا ينبغي للمسلم أن يشغل نفسه بالرؤى.
وهناك فرق بين الرؤى والأحلام، وهناك آداب تتعلق بتعبير الرؤيا، بحيث لا تعرض إلا على عاقل، وإن كانت مما يحزن فلا تعرض على أحد، بل يستعيذ الرائي من الشيطان ويتحول عن مكانه.
стр. 17318
ما جاء في الرؤيا
стр. 17319
شرح حديث (أن رسول الله كان إذا انصرف من صلاة الغداة يقول هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا ؟)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في الرؤيا: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن زفر بن صعصعة عن أبيه عن أبي هريرة ﵁: (أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان إذا انصرف من صلاة الغداة يقول: هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا؟ ويقول: إنه ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة)].
أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في الرؤيا].
والرؤيا: هي بعض ما يحصل في المنام، لأن الذي يحصل في المنام رؤيا وحلم، والحلم هو من تلاعب الشيطان بالإنسان، وهو الذي يقال له: أضغاث أحلام، والرؤيا هي التي تدل وتشير إلى شيء وتعبر، بخلاف الحلم فإنه لا يعبر.
والرؤيا التي يراها النائم في منامه منها ما يكون تأويلها مطابقاً للمرئي في المنام، ومنها ما يكون على ضرب المثال، وقد جاء في القرآن رؤيا الفتيين اللذين كانا مع يوسف ﵊ في السجن، واللذين طلبا منه أن يعبر لهما الرؤيا، وكانت النتيجة أن أحدهما كانت رؤياه مطابقة لما حصل له في اليقظة، والثانية على صورة المثال، فالذي رأى في المنام أنه يعصر خمراً فقد كان في اليقظة يعصر خمراً، وتأويل رؤياه كانت مطابقة للمرئي، وأما الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزاً تأكل الطير منه، فإنما يقتل ويصلب وتأتي الطير وتأكل من رأسه بعد صلبه وقتله، وتأويل رؤيا هذا ليست مطابقة للمرئي، وإنما هي على صورة التمثيل.
أورد أبو داود ﵀ حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ كان إذا انصرف من صلاة الغداة قال: [(هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا؟)] يعني: ليعبرها له، وإنما كان يقول ذلك ﷺ بعد صلاة الغداة؛ لأن الإنسان حديث عهد بالرؤيا، فيستطيع أن يأتي بها دون أن ينساها، أو يحصل عنده عدم إدراك لها، بخلاف ما إذا مضى عليها وقت فقد يحصل شيء من النسيان لشيء منها؛ ولهذا كان ﵊ يفعل ذلك، لكن هذا لا يعني أنه كان دائماً وأبداً يسأل وأن هذا ديدنه، وأنه كلما سلم من صلاة فإنه كان يفعل ذلك، ولكن معنى هذا بيان أن هذا من شأنه وأن هذا من عادته، وإن لم يكن ذلك دائماً وأبداً.
ومن المعلوم أنه إذا قال للناس في بعض الأحيان: من رأى منكم رؤيا، فإن الإنسان عندما يرى رؤيا فإنه يرجع إلى الرسول ﷺ ويطلب منه تأويلها وتفسيرها، ولكن لا يدل لفظ (كان) هنا على الدوام والاستمرار، وأنه لا يتركه أبداً.
قوله: [(إنه ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة)] ليس معنى ذلك أن النبوة باقية، فالنبوة وصف له ﷺ ، والوحي انقطع بوفاته ﵊، ولا ينزل وحي على أحد من الناس بعد رسول الله ﵊؛ لأن الوحي الذي هو شرع الله والذي جاء به رسول الله والذي هو دين الإسلام قد اكتمل واستقر قبل وفاة النبي ﷺ ، كما قال الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] فليس هناك تشريع يأتي بعد رسول الله ﵊، وإنما كل ما يعول عليه الرجوع إلى ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
فقوله: [(إنه ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة)].
يعني: أن أمور الغيب لا تعرف إلا عن طريق النبوة، ولكن الرؤيا الصالحة هي من الأمور التي يمكن أن يعرف بها شيء مغيب مستقبل يراه المرء فتعبر رؤياه ثم تقع طبقاً لما رآه الرائي.
فإذاً: هذه الرؤيا ليست هي من النبوة ولا جزءاً من النبوة؛ لأن النبوة هي ما جاء عن النبي ﷺ وتلقي عنه قبل وفاته ﷺ ، وإلا فإنه ليس هناك أحكام شرعية تؤخذ بعد وفاة النبي ﷺ ، وإنما المقصود من ذلك أنه كما أن الرسول ﵊ يخبر عن أمور مستقبلة بالوحي، فإنه بقي من الأمور التي هي من هذا النوع ما يمكن أن يحصل عن طريق الرؤيا، يعني: أنه سيحصل شيء في المستقبل بسبب هذه الرؤيا، فهذا وجه قوله: [(إنه ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة)] يعني: المبشرات أو هذه الأمور التي ترى في المنام، وليس معنى ذلك أن النبوة باقية وأن الوحي مستمر.
стр. 17320
تراجم رجال إسناد حديث (أن رسول الله كان إذا انصرف من صلاة الغداة يقول هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا ؟)
قوله: [حدثنا عبد الله بن مسلمة].
هو عبد الله بن مسلمة القعنبي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[عن مالك].
هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة المحدث الفقيه، وأحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة].
إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن زفر بن صعصعة].
زفر بن صعصعة وهو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي.
[عن أبيه].
هو صعصعة بن مالك وهو ثقة، أخرج له أبو داود.
[عن أبي هريرة].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق ﵁ وأرضاه.
стр. 17321
ذكر مناسبة إيراد المصنف للرؤيا في كتاب الأدب
أما مناسبة الباب لكتاب الأدب فإن الرؤيا من الأشياء التي يحتاج إليها الناس، ويحتاجون إلى معرفة تأويلها وتفسيرها، ولذلك ألحق بابها وأدخل في الأدب، ومن العلماء من يخصها بكتاب، مثل الإمام البخاري فإنه أتى بكتاب التعبير، وهو خاص بالرؤيا وما يتعلق بالرؤيا، معنى ذلك أن الرؤيا يسلك فيها الآداب الشرعية التي هي كون الإنسان لا يعرضها على كل أحد، وإذا كانت لا تسره فإنه ينفث ويبصق عن يساره ويتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أو يصلي أو ما إلى ذلك من الأشياء.
стр. 17322
عدم اختصاص الرؤيا بوقت معين من الليل
إن بعض المفسرين للرؤى يقولون: إن هذا الحديث دليل على أن الرؤية التي تكون قبل الفجر بقليل تكون حقاً وتعبر، أما التي في النهار أو في الليل قبل دخول الفجر؛ فإنها لا تعبر وليست بشيء، لكن هذا ليس بصحيح؛ لأنه ليس هناك شيء يدل عليه، لكن لما كان النوم في الليل غالباً، والله جعل الليل سكناً ومحلاً للنوم، وجعل النهار معاشاً ينتشرون فيه للبحث عن الرزق، وقد يحصل منهم نوم، لكن جرى الحكم على هذا الغالب الذي هو بعد نوم الليل.
стр. 17323
حقيقة تعبير الرؤيا والفرق بين الرؤيا والحلم
ليس كل عالم يستطيع التعبير؛ لأن من الناس من يهتم به ويعنى به، ومنهم من لا يشغل نفسه به.
وتعبير الرؤى يبدو أنه استنتاج واستنباط؛ لأنه أحياناً يكون التعبير من الألفاظ نفسها، كما سيأتي أن الرسول ﷺ رأى في المنام كأنه في دار عقبة بن رافع وأنه أتي برطب من رطب ابن طاب، فأول ذلك أن الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن الدين قد طاب وكمل، فأخذ التعبير من نفس اللفظ، وليست القضية قضية إلهام يلهمه بعض الناس؛ لأن من الناس من يهتم بهذا الشيء فيحرص عليه، فيكون عنده بالمران والاستمرار والتأمل في الأمور، فهو شيء يحتاج إلى تأمل.
وهناك فرق بين الرؤيا والحلم، فالحلم غالباً يأتي الإنسان عندما يفكر في شيء ويهتم له فيأتي في منامه، هذا في الغالب جاء نتيجة لاهتمامه وانشغال باله، فهذا يكون من قبيل أضغاث الأحلام، وكذلك أيضاً الأشياء التي لا تعقل مثل قصة ذاك الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ وقال: (رأيت أن رأسي انقطع وتدحرج أمامي، وصرت ألحقه، فقال: هذا من تلاعب الشيطان بك).
стр. 17324
شرح حديث (رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن كثير أخبرنا شعبة عن قتادة عن أنس ﵁ عن عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)].
أورد أبو داود حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: [(رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)] وفسر هذا بتفسيرات منها: أن النبوة مدتها ثلاث وعشرون سنة، من حين بعث رسول الله ﷺ ، وعمره أربعون سنة وحتى أكمل ثلاثاً وستين سنة ثم توفاه الله ، وكان ثلاث عشرة سنة منها في مكة وعشر سنوات في المدينة.
وقد قيل في تفسير ذلك: إن النبي ﷺ كان قبل أن يبعث يرى الرؤيا الصالحة، فتأتي مثل فلق الصبح واضحة جلية، ورؤيا الأنبياء وحي، فقيل: إن ستة أشهر كان يرى فيها الرؤيا الصالحة، ومعلوم أن ستة أشهر هي نصف سنة، وهي جزء من ستة وأربعين جزءاً من ثلاث وعشرين سنة؛ لأن ثلاثاً وعشرين سنة تعتبر ستة وأربعين نصف سنة، ومن المعلوم أن رؤيا المؤمن إنما تدل على ما تدل عليه مما يأتي عن طريق النبوة، فمن يرى رؤيا فهي من المبشرات وكانت رؤيا مؤمن، فإن فيها معرفة شيء من علم الغيب، ومن الأمور المستقبلة، ولكن عن طريق الرؤيا التي تشبه ما كان يحصل للنبي ﷺ في منامه، إلا أن رؤيا الأنبياء وحي، ورؤيا غير الأنبياء ليست بوحي.
وقد يرى المؤمن في منامه رؤيا ثم يقع هذا الذي رآه طبقاً لما رآه في المستقبل، فيكون معناه أنه حصل على معرفة شيء مما هو مغيب في المستقبل، وعرف عن طريق الرؤيا.
стр. 17325
تراجم رجال إسناد حديث (رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)
قوله: [حدثنا محمد بن كثير].
هو محمد بن كثير العبدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا شعبة].
هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن قتادة].
هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس].
هو أنس بن مالك ﵁ خادم رسول الله ﵊، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﵊.
[عن عبادة بن الصامت] عبادة بن الصامت ﵁، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
والحديث من رواية صحابي عن صحابي.
стр. 17326
حكم الاشتغال بتعبير الرؤيا
لا ينبغي للإنسان أن يشغل نفسه بالرؤى، لكن إذا حصلت له رؤيا وأمكنه تعبيرها فإنه يعبرها، وإن لم يعبرها ووثق في أحد وسأله عبرها له، وإن كان فيها شيء لا يعجبه فيأخذ بالآداب التي أرشد إليها رسول الله ﷺ ، وأما أن يشغل نفسه بالرؤى وتعبيرها، فإنه قد يشتغل بذلك عما هو أهم منه.
والعلماء ما كانوا يحرصون على الاشتغال بالرؤى، ولكن يمكن للإنسان أن يستنتج ويفهم مثل ما عمل ابن القيم ﵀ في كتابه (إعلام الموقعين) فإنه عندما جاء عند ذكر التشبيه والقياس، ذكر أن الرؤى تعرف عن طريق التشبيه وعن طريق القياس، ثم ذكر جملة من الرؤى، بناء على إلحاق الشبيه بالشبيه والنظير بالنظير، وذلك عند ما شرح كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري؛ لأن عمر ﵁ كتب إلى أبي موسى الأشعري كتاباً في القضاء يتكون من صفحة واحدة، وشرحه ابن القيم في مجلد من إعلام الموقعين، وكان من جملة ما جاء فيه أنه أتى بالأمثال التي ضربت في القرآن من أوله إلى آخره، وتكلم على تلك الأمثال، ثم تكلم على الرؤى والاستنتاج، وأن تعبير الرؤى يمكن أن يعرف عن طريق ضرب الأمثال، وذكر كلاماً كثيراً حول تعبير الرؤى في ذلك الموضع.
لكن كون الإنسان يشتغل بالرؤى وتعبير الرؤى فهذا يحتاج إلى وقت ليبحث ويقرأ عن فلان وعن فلان؛ ولهذا نجد الآن بعض المعبرين الذين تصدوا للتعبير سوقهم رائجة، والناس يشغلونه أكثر مما يشغلون العلماء في مسائل الدين وفي مسائل الفقه والأمور التي يحتاجون إليها في أمور دينهم، وما أكثر من يسأل عن الرؤيا، يتصل بالهاتف يريد أن يسأل عن رؤيا، أما أنا فليس عندي سوى جواب واحد: أني لا أعرف تعبير الرؤيا، فإذا سألني أحد وقال: أريد أن أقص عليك رؤيا، أقول له: لا تقص علي، فأنا لا أعرف تعبير الرؤى، ولا أريد أن أبحث ولا أريد أن أشغل نفسي بتعبير الرؤيا.
وأذكر أن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى سمعته مرة من المرات في الإذاعة في سؤال في برنامج نور على الدرب، سألته امرأة فقالت: رأيت أن لي لسانين، قال: أنا لا أعرف تعبير الرؤيا، لكن قد يكون عندك لغتان؛ لأن اللسان يطلق على اللغة، فهذا كتاب لسان العرب لـ ابن منظور يعني: لغة العرب، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم:٤] يعني: بلغة قومه، فاللسان يأتي بمعنى اللغة.
فهو ﵀ قال: قد يكون عندك لغتان أو ستحصلين على لغتين، ولم يحدد، بل قال: أنا لا أعرف تعبير الرؤيا؛ لأنه لا يريد أن يشغل نفسه في هذه الأمور، لأنها تشغله عما هو أهم منها، مثل الذي ينشغل بالشعر ويهتم به ويصير هو ديدنه فإنه ينشغل عما هو أهم منه.
стр. 17327
شرح حديث (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن أن تكذب)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد الوهاب عن أيوب عن محمد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن أن تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً، والرؤيا ثلاث: فالرؤيا الصالحة بشرى من الله، والرؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث به المرء نفسه، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل ولا يحدث بها الناس، قال: وأحب القيد، وأكره الغل، والقيد: ثبات في الدين).
قال: أبو داود: (إذا اقترب الزمان) يعني: إذا اقترب الليل والنهار، يعني: يستويان].
أورد أبو داود حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: [(إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن أن تكذب)] وفسر أبو داود اقتراب الزمان أنه إذا استوى الليل والنهار، فعند استواء الليل والنهار تكون الرؤيا صادقة ولا تكون كاذبة.
وقيل: إن المقصود بقرب الزمان هو آخر الأمر وآخر الدنيا، يعني: ليس المقصود هو استواء الليل والنهار؛ لأن اقتراب الزمان وما يتعلق بالزمان يأتي مراداً به ما يستقبل، ومن العلماء من فسره بهذا التفسير الذي ذكره أبو داود.
قوله: [(وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً)] الإنسان الذي تعود الصدق في حديثه في اليقظة يصدق في رؤياه وتكون رؤياه صادقة، ومن يكون بخلاف ذلك بأن يكون كاذباً أو من أكذب الناس فقد تكون رؤياه في المنام مثل حالته في اليقظة.
قوله: [(والرؤيا ثلاث: فالرؤيا الصالحة بشرى من الله، والرؤيا تحزين من الشيطان)].
يعني: تنقسم الرؤيا إلى ثلاثة أقسام: صالحة وهي بشرى من الله، وهي التي جاء في الحديث: (فإنه لا يبقى إلا المبشرات) وهي الرؤيا الصالحة التي يراها المؤمن أو ترى له، والرؤيا التي فيها تحزين من الشيطان وفيها شيء يسوء الإنسان، ورؤيا هي حديث نفس.
قوله: [(ورؤيا ما يحدث بها المرء نفسه)] يعني: يكون في اليقظة مشغولاً بأمر يفكر فيه، وهذا الذي يراه في منامه إما أن يكون ساراً , وإما أن يكون محزناً، وإما أن يكون شيئاً مطابقاً لحديث النفس الذي كان يحدث نفسه به في اليقظة.
قوله: [(فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل ولا يحدث بها الناس)].
يعني: الرؤيا التي فيها تحزين من الشيطان يقوم الإنسان بعدها ويشتغل بالصلاة ويشتغل بذكر الله ، حتى يلهي نفسه عن هذا الذي أفزعه وعن هذا الذي أحزنه.
قوله: [(قال: وأحب القيد وأكره الغل)].
يعني: وأحب رؤية القيد؛ لأنه ثبات في الدين، وأكره الغل؛ لأنه شيء مذموم، وهو الغل الذي يكون في العنق.
[قال أبو داود: (إذا اقترب الزمان) يعني: إذا اقترب الليل والنهار، يعني: يستويان].
يقول الخطابي: في اقتراب الزمان قولان: أحدهما: أنه قرب زمان الساعة ودنو وقتها.
والقول الآخر: إن معنى اقتراب الزمان اعتداله واستواء الليل والنهار.
والمعبرون يزعمون أن أصدق الرؤيا ما كان في أيام الربيع، ووقت اعتدال الليل والنهار.
يعني: هذا مطابق لما جاء عن أبي داود، أو لعلهم أخذوه من قول أبي داود.
قال المنذري: وقد قيل هو قرب الساعة، وقد قيل: لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب، ويحتمل أن يراد اقتراب الموت عند علو السن، فإن الإنسان في ذلك الوقت غالباً يميل إلى الخير والعمل به، ويقل تحديثه نفسه بغير ذلك.
وهذا ليس على إطلاقه، فيمكن أن يتقدم في السن وتحدثه نفسه بأمور كثيرة.
стр. 17328
تراجم رجال إسناد حديث (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن أن تكذب)
قوله: [حدثنا قتيبة بن سعيد].
هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبد الوهاب].
هو عبد الوهاب بن عبد المجيد وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أيوب] هو أيوب بن أبي تميمة السختياني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد].
هو محمد بن سيرين وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة] أبو هريرة قد مر ذكره.
стр. 17329
شرح حديث (الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا هشيم أخبرنا يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن عمه أبي رزين ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت، قال: وأحسبه قال: ولا تقصها إلا على واد أو ذي رأي)].
أورد أبو داود حديث أبي رزين العقيلي ﵁، أن النبي ﷺ قال: [(الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت)] يعني: أنها إذا عبرت تقع، وليس معنى ذلك أنه لا بد أن تقع؛ لأنه كما جاء في حديث تعبير أبي بكر ﵁ فإنه أول من عبرها، ومع ذلك ما وقعت طبقاً لما عبر به ﵁، وإن كان قد أصاب في بعض شيء وأخطأ في أشياء أخرى، لكن قد تعبر بشيء ليس بمحمود فيقع له، فعلى الإنسان ألا يشغل نفسه بتعبير رؤيا إذا كانت غير سليمة، كما سبق أن مر وقال: (ولا يحدث بها الناس) وأنها تقع، ولكن قد يكون الأمر أنها تعبر ولا تقع، وقد تصدق وقد تكذب؛ لأنه قال: (لم تكد رؤيا المؤمن أن تكذب)، يعني: أنها قد تكون رؤيا كاذبة غير صحيحة.
стр. 17330
تراجم رجال إسناد حديث (الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر)
قوله: [حدثنا أحمد بن حنبل].
هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الإمام الفقيه المحدث، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا هشيم].
هو هشيم بن بشير الواسطي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا يعلى بن عطاء].
يعلى بن عطاء ثقة، أخرج له البخاري في جزء القراءة، ومسلم وأصحاب السنن.
[عن وكيع بن عدس].
وكيع بن عدس وهو مقبول، أخرج له أصحاب السنن.
[عن عمه أبي رزين].
هو أبو رزين العقيلي ﵁ وهو صحابي، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن.
والحديث فيه هذا المقبول، ولكن الألباني ذكر له شاهداً بلفظ آخر قريب منه، فيكون عاضداً له.
следующие страницы →