Полный текст (18 341 стр.). Показаны 17326–17365 · переход к 17331.
стр. 17326
حكم الاشتغال بتعبير الرؤيا
لا ينبغي للإنسان أن يشغل نفسه بالرؤى، لكن إذا حصلت له رؤيا وأمكنه تعبيرها فإنه يعبرها، وإن لم يعبرها ووثق في أحد وسأله عبرها له، وإن كان فيها شيء لا يعجبه فيأخذ بالآداب التي أرشد إليها رسول الله ﷺ ، وأما أن يشغل نفسه بالرؤى وتعبيرها، فإنه قد يشتغل بذلك عما هو أهم منه.
والعلماء ما كانوا يحرصون على الاشتغال بالرؤى، ولكن يمكن للإنسان أن يستنتج ويفهم مثل ما عمل ابن القيم ﵀ في كتابه (إعلام الموقعين) فإنه عندما جاء عند ذكر التشبيه والقياس، ذكر أن الرؤى تعرف عن طريق التشبيه وعن طريق القياس، ثم ذكر جملة من الرؤى، بناء على إلحاق الشبيه بالشبيه والنظير بالنظير، وذلك عند ما شرح كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري؛ لأن عمر ﵁ كتب إلى أبي موسى الأشعري كتاباً في القضاء يتكون من صفحة واحدة، وشرحه ابن القيم في مجلد من إعلام الموقعين، وكان من جملة ما جاء فيه أنه أتى بالأمثال التي ضربت في القرآن من أوله إلى آخره، وتكلم على تلك الأمثال، ثم تكلم على الرؤى والاستنتاج، وأن تعبير الرؤى يمكن أن يعرف عن طريق ضرب الأمثال، وذكر كلاماً كثيراً حول تعبير الرؤى في ذلك الموضع.
لكن كون الإنسان يشتغل بالرؤى وتعبير الرؤى فهذا يحتاج إلى وقت ليبحث ويقرأ عن فلان وعن فلان؛ ولهذا نجد الآن بعض المعبرين الذين تصدوا للتعبير سوقهم رائجة، والناس يشغلونه أكثر مما يشغلون العلماء في مسائل الدين وفي مسائل الفقه والأمور التي يحتاجون إليها في أمور دينهم، وما أكثر من يسأل عن الرؤيا، يتصل بالهاتف يريد أن يسأل عن رؤيا، أما أنا فليس عندي سوى جواب واحد: أني لا أعرف تعبير الرؤيا، فإذا سألني أحد وقال: أريد أن أقص عليك رؤيا، أقول له: لا تقص علي، فأنا لا أعرف تعبير الرؤى، ولا أريد أن أبحث ولا أريد أن أشغل نفسي بتعبير الرؤيا.
وأذكر أن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى سمعته مرة من المرات في الإذاعة في سؤال في برنامج نور على الدرب، سألته امرأة فقالت: رأيت أن لي لسانين، قال: أنا لا أعرف تعبير الرؤيا، لكن قد يكون عندك لغتان؛ لأن اللسان يطلق على اللغة، فهذا كتاب لسان العرب لـ ابن منظور يعني: لغة العرب، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم:٤] يعني: بلغة قومه، فاللسان يأتي بمعنى اللغة.
فهو ﵀ قال: قد يكون عندك لغتان أو ستحصلين على لغتين، ولم يحدد، بل قال: أنا لا أعرف تعبير الرؤيا؛ لأنه لا يريد أن يشغل نفسه في هذه الأمور، لأنها تشغله عما هو أهم منها، مثل الذي ينشغل بالشعر ويهتم به ويصير هو ديدنه فإنه ينشغل عما هو أهم منه.
стр. 17327
شرح حديث (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن أن تكذب)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد الوهاب عن أيوب عن محمد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن أن تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً، والرؤيا ثلاث: فالرؤيا الصالحة بشرى من الله، والرؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث به المرء نفسه، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل ولا يحدث بها الناس، قال: وأحب القيد، وأكره الغل، والقيد: ثبات في الدين).
قال: أبو داود: (إذا اقترب الزمان) يعني: إذا اقترب الليل والنهار، يعني: يستويان].
أورد أبو داود حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: [(إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن أن تكذب)] وفسر أبو داود اقتراب الزمان أنه إذا استوى الليل والنهار، فعند استواء الليل والنهار تكون الرؤيا صادقة ولا تكون كاذبة.
وقيل: إن المقصود بقرب الزمان هو آخر الأمر وآخر الدنيا، يعني: ليس المقصود هو استواء الليل والنهار؛ لأن اقتراب الزمان وما يتعلق بالزمان يأتي مراداً به ما يستقبل، ومن العلماء من فسره بهذا التفسير الذي ذكره أبو داود.
قوله: [(وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً)] الإنسان الذي تعود الصدق في حديثه في اليقظة يصدق في رؤياه وتكون رؤياه صادقة، ومن يكون بخلاف ذلك بأن يكون كاذباً أو من أكذب الناس فقد تكون رؤياه في المنام مثل حالته في اليقظة.
قوله: [(والرؤيا ثلاث: فالرؤيا الصالحة بشرى من الله، والرؤيا تحزين من الشيطان)].
يعني: تنقسم الرؤيا إلى ثلاثة أقسام: صالحة وهي بشرى من الله، وهي التي جاء في الحديث: (فإنه لا يبقى إلا المبشرات) وهي الرؤيا الصالحة التي يراها المؤمن أو ترى له، والرؤيا التي فيها تحزين من الشيطان وفيها شيء يسوء الإنسان، ورؤيا هي حديث نفس.
قوله: [(ورؤيا ما يحدث بها المرء نفسه)] يعني: يكون في اليقظة مشغولاً بأمر يفكر فيه، وهذا الذي يراه في منامه إما أن يكون ساراً , وإما أن يكون محزناً، وإما أن يكون شيئاً مطابقاً لحديث النفس الذي كان يحدث نفسه به في اليقظة.
قوله: [(فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل ولا يحدث بها الناس)].
يعني: الرؤيا التي فيها تحزين من الشيطان يقوم الإنسان بعدها ويشتغل بالصلاة ويشتغل بذكر الله ، حتى يلهي نفسه عن هذا الذي أفزعه وعن هذا الذي أحزنه.
قوله: [(قال: وأحب القيد وأكره الغل)].
يعني: وأحب رؤية القيد؛ لأنه ثبات في الدين، وأكره الغل؛ لأنه شيء مذموم، وهو الغل الذي يكون في العنق.
[قال أبو داود: (إذا اقترب الزمان) يعني: إذا اقترب الليل والنهار، يعني: يستويان].
يقول الخطابي: في اقتراب الزمان قولان: أحدهما: أنه قرب زمان الساعة ودنو وقتها.
والقول الآخر: إن معنى اقتراب الزمان اعتداله واستواء الليل والنهار.
والمعبرون يزعمون أن أصدق الرؤيا ما كان في أيام الربيع، ووقت اعتدال الليل والنهار.
يعني: هذا مطابق لما جاء عن أبي داود، أو لعلهم أخذوه من قول أبي داود.
قال المنذري: وقد قيل هو قرب الساعة، وقد قيل: لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب، ويحتمل أن يراد اقتراب الموت عند علو السن، فإن الإنسان في ذلك الوقت غالباً يميل إلى الخير والعمل به، ويقل تحديثه نفسه بغير ذلك.
وهذا ليس على إطلاقه، فيمكن أن يتقدم في السن وتحدثه نفسه بأمور كثيرة.
стр. 17328
تراجم رجال إسناد حديث (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن أن تكذب)
قوله: [حدثنا قتيبة بن سعيد].
هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبد الوهاب].
هو عبد الوهاب بن عبد المجيد وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أيوب] هو أيوب بن أبي تميمة السختياني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد].
هو محمد بن سيرين وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة] أبو هريرة قد مر ذكره.
стр. 17329
شرح حديث (الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا هشيم أخبرنا يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن عمه أبي رزين ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت، قال: وأحسبه قال: ولا تقصها إلا على واد أو ذي رأي)].
أورد أبو داود حديث أبي رزين العقيلي ﵁، أن النبي ﷺ قال: [(الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت)] يعني: أنها إذا عبرت تقع، وليس معنى ذلك أنه لا بد أن تقع؛ لأنه كما جاء في حديث تعبير أبي بكر ﵁ فإنه أول من عبرها، ومع ذلك ما وقعت طبقاً لما عبر به ﵁، وإن كان قد أصاب في بعض شيء وأخطأ في أشياء أخرى، لكن قد تعبر بشيء ليس بمحمود فيقع له، فعلى الإنسان ألا يشغل نفسه بتعبير رؤيا إذا كانت غير سليمة، كما سبق أن مر وقال: (ولا يحدث بها الناس) وأنها تقع، ولكن قد يكون الأمر أنها تعبر ولا تقع، وقد تصدق وقد تكذب؛ لأنه قال: (لم تكد رؤيا المؤمن أن تكذب)، يعني: أنها قد تكون رؤيا كاذبة غير صحيحة.
стр. 17330
تراجم رجال إسناد حديث (الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر)
قوله: [حدثنا أحمد بن حنبل].
هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الإمام الفقيه المحدث، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا هشيم].
هو هشيم بن بشير الواسطي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا يعلى بن عطاء].
يعلى بن عطاء ثقة، أخرج له البخاري في جزء القراءة، ومسلم وأصحاب السنن.
[عن وكيع بن عدس].
وكيع بن عدس وهو مقبول، أخرج له أصحاب السنن.
[عن عمه أبي رزين].
هو أبو رزين العقيلي ﵁ وهو صحابي، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن.
والحديث فيه هذا المقبول، ولكن الألباني ذكر له شاهداً بلفظ آخر قريب منه، فيكون عاضداً له.
стр. 17331
شرح حديث (الرؤيا من الله والحلم من الشيطان)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا النفيلي سمعت زهيراً يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: سمعت أبا سلمة يقول: سمعت أبا قتادة ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﵌ يقول: (الرؤيا من الله والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم شيئاً يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات، ثم ليتعوذ من شرها؛ فإنها لا تضره)].
أورد أبو داود حديث أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال: [(الرؤيا من الله والحلم من الشيطان)].
الرؤيا: هي التي ليست أضغاث أحلام وإنما هي رؤيا قد تنفع وقد تضر.
والحلم من الشيطان: وهو ما كان أضغاث أحلام يتلاعب فيه الشيطان بالإنسان في نومه، مثلما يتلاعب به في يقظته، فالشيطان يتلاعب بالإنسان في اليقظة ويشغله، فيحصل له ذلك في المنام، وقد يحصل له شيء في المنام لا علاقة له باليقظة، ولكنه من الشيطان.
قوله: [(فإذا رأى أحدكم شيئاً يكرهه فلينفث عن يساره ثلاثاً، وليتعوذ بالله من شرها؛ فإنها لا تضره)] وهذا من الآداب التي تجعل الإنسان يتخلص من الفزع الذي أصابه بسبب ما رآه في النوم، فإنه يأتي بهذه الأسباب التي تجعل تلك الرؤيا لا تضره ولا تقع على وجه يضره.
стр. 17332
تراجم رجال إسناد حديث (الرؤيا من الله والحلم من الشيطان)
قوله: [حدثنا النفيلي].
هو عبد الله بن محمد النفيلي ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.
[سمعت زهيراً].
هو زهير بن معاوية ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[سمعت يحيى بن سعيد].
هو يحيى بن سعيد الأنصاري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[سمعت أبا سلمة].
هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[سمعت أبا قتادة].
هو الحارث بن ربعي ﵁ صاحب رسول الله ﵊، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
وهذا حديث مسلسل بصيغة سمعت؛ لأن كل واحد من الرواة أتى بها إلا أبا داود.
стр. 17333
شرح حديث جابر (إذا رأى أحدكم ما يكرهه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يزيد بن خالد الهمداني وقتيبة بن سعيد الثقفي قالا: أخبرنا الليث عن أبي الزبير عن جابر ﵁ عن رسول الله ﵌ قال: (إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره، وليتعوذ بالله من الشيطان ثلاثاً، ويتحول عن جنبه الذي كان عليه)].
أورد أبو داود حديث جابر ﵁ وفيه ما في الذي قبله، مع زيادة التحول عن الجنب الذي كان عليه، وعلى هذا فقد ورد من الأمور التي يفعلها الإنسان ومن الآداب التي تفعل عند حصول ما يكره في منامه أنه يصلي، وأنه ينفث عن يساره ثلاثاً، ويتعوذ بالله من الشيطان، ويتحول عن الجنب الذي كان عليه عندما حصلت له هذه الرؤيا المحزنة.
فيتحول عن الجنب الذي كان عليه، ولو كان على الجنب الأيمن فإنه يتحول إلى الجنب الأيسر؛ لأن هذا هو الذي أرشد إليه الرسول ﷺ .
стр. 17334
تراجم رجال إسناد حديث جابر (إذا رأى أحدكم ما يكرهه)
قوله: [حدثنا يزيد بن خالد الهمداني].
يزيد بن خالد الهمداني ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة.
[وقتيبة بن سعيد].
قتيبة بن سعيد مر ذكره.
[أخبرنا الليث].
هو الليث بن سعد المصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي الزبير].
هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن جابر].
هو جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄، وهو صحابي ابن صحابي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
وهذا الإسناد رباعي، وهو من أعلى الأسانيد عند أبي داود.
стр. 17335
شرح حديث (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، أو لكأنما رآني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي)].
أورد أبو داود حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: [(من رآني في المنام فسيراني في اليقظة)] هذا يحمل على أمرين: إن كان الشخص في زمانه ﷺ ولم يكن قد رآه ثم رآه في المنام، فإنه قد ييسر الله له أن يراه، وأن يهاجر إليه، ثم يرى أن ما رآه في المنام مطابق لما رآه في اليقظة.
قوله: [(أو لكأنما رآني)] يعني: أنه بمثابة من رآني.
قوله: [(ولا يتمثل الشيطان بي)] أي: لا يتمثل به على هيئته التي يعرفها أصحابه، وإلا فقد يأتي الشيطان ويقول: إنه رسول الله ويكون على هيئة ليست هي هيئته، فهذا ليس رسول الله ﵊، فلو أن إنساناً رأى في المنام قزماً، أو رأى شخصاً عملاقاً، أو رأى شخصاً ليس له لحية، أو رآه على هيئة خبيثة قبيحة لا تليق بالرسول ﷺ ، فهذا ليس رسول الله ﵊، وإنما تكون الرؤيا مطابقة إذا كانت على الهيئة التي يعرفها أصحاب رسول الله ﷺ .
وقد ذكر الترمذي في الشمائل حديثاً عن ابن عباس: (أن رجلاً من التابعين جاء إلى ابن عباس وقال له: إني رأيت النبي ﷺ في المنام، فقال له: صف لنا هذا الذي رأيت؟ فوصفه، قال له: لو كنت رأيته كما رأيناه ما زدت على هذا الوصف شيئاً) يعني: أن رؤياك مطابقة للذي نعرفه من هيئته ومن صفاته الخلقية صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولهذا لا يقال: إن من رأى النبي ﷺ قد رآه حقاً؛ لأنه قد يكون رأى شخصاً ليس هو رسول الله، والشيطان لا يتمثل به على هيئته وقد يتمثل به على هيئة أخرى.
وكذلك أيضاً من رآه كما جاء في بعض الأحاديث: (من رآني فقد رآني)، يعني: أنه من رآه على هيئته في المنام فقد رآه؛ لأن تلك الهيئة هي هيئته.
قوله: [(فسيراني)] يعني: أنه سيراه بعد الموت في الدار الآخرة، وتكون رؤيته حقاً.
стр. 17336
تراجم رجال إسناد حديث (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة)
قوله: [حدثنا أحمد بن صالح].
هو أحمد بن صالح المصري ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل.
[حدثنا عبد الله بن وهب].
هو عبد الله بن وهب المصري ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرني يونس].
هو يونس بن يزيد الأيلي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن شهاب].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن].
هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف مر ذكره.
[أن أبا هريرة].
أبو هريرة مر ذكره.
стр. 17337
شرح حديث ابن عباس (من صور صورة عذبه الله بها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد وسليمان بن داود قالا: حدثنا حماد حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﵌ قال: (من صور صورة عذبه الله بها يوم القيامة حتى ينفخ فيها وليس بنافخ، ومن تحلم كلف أن يعقد شعيرة، ومن استمع إلى حديث قوم يفرون به منه صب في أذنه الآنك يوم القيامة)].
أورد أبو داود حديث عبد الله بن عباس أن النبي ﷺ قال: (من صور صورة عذبه الله بها يوم القيامة حتى ينفخ فيها وليس بنافخ)، يعني: أنه لما صور صورة في الدنيا وقد منع من ذلك وحرم عليه ذلك، فإنه يعاقب يوم القيامة بأن يكلف بأن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ، ولا يقدر على النفخ، وليس بإمكانه أن ينفخ الروح فيها، وهذا تحذير من التصوير وترهيب منه.
قوله: [(ومن تحلم)] وهذا هو محل الشاهد من إيراده للحديث في باب الرؤيا.
فقوله: [(ومن تحلم كلف أن يعقد شعيرة)].
يعني: من زعم أنه رأى في منامه رؤيا وهو كاذب فيها، فإنه يكلف بين أن يعقد شعيرة، والشعيرة هي حبة الشعير، فإنه لا يمكن أن يعقد طرفيها وأن يجمع بين طرفيها.
ومعنى ذلك: أنه يكلف بأمر لا يطيقه ويعذب عذاباً على هذا الفعل الذي فعله، وهو أنه أرى عينيه ما لم تريا، وأنه كذب في رؤياه وأخبر بأنه رأى ما لم ير.
قوله: [(ومن استمع إلى حديث قوم يفرون به منه)].
يعني: هم لا يريدون أن يسمع كلامهم وحديثهم، فهم يفرون بالحديث عنه بحيث لا يسمعه، وهو مع ذلك يحاول أن يسمعه.
قوله: [(صب في أذنه الآنك يوم القيامة)] والآنك: هو الرصاص المذاب، وهذه عقوبة له؛ لأنه لما استمع سماعاً لا يجوز له، فيصب في أذنيه الآنك، كما أنه سعى إلى أن يدخل في أذنيه هذا الذي فر أهل ذلك الكلام منه حتى لا يسمعه، ولكنه تتبع ذلك من أجل أن يصل إليه، فإنه يعاقب بهذه العقوبة، والجزاء من جنس العمل.
стр. 17338
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس (من صور صورة عذبه الله بها)
قوله: [حدثنا مسدد].
هو مسدد بن مسرهد ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[وسليمان بن داود].
هو سليمان بن داود العتكي أبو الربيع الزهراني هو ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
[حدثنا حماد].
هو حماد بن زيد وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
إذا جاء حماد يروي عنه مسدد أو يروي عنه سليمان بن حرب فإنه حماد بن زيد، وإذا جاء حماد غير منسوب ويروي عنه موسى بن إسماعيل التبوذكي فالمراد به حماد بن سلمة، وقد ذكر المزي في تهذيب الكمال بعد ترجمة حماد بن سلمة فصلاً، ذكر فيه التلاميذ الذين يروون عن حماد بن زيد وحماد بن سلمة وأنه إذا روى عنه فلان وفلان فهو حماد بن زيد وإذا روى عنه فلان وفلان فهو حماد بن سلمة.
[حدثنا أيوب].
هو أيوب بن أبي تميمة مر ذكره.
[عن عكرمة].
وهو عكرمة مولى ابن عباس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس] وابن عباس قد مر ذكره.
стр. 17339
حكم الصورة الفوتوغرافية
هذا الوعيد في من صور صورة، أما الصور الفوتوغرافية فكبار المشايخ في هذا العصر ومنهم شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز له رسالة في هذا اسمها (الجواب المفيد في حكم التصوير)، وكذلك شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمة الله عليه، وكان إذا قيل له: إن الصورة الفوتوغرافية ليست مثل الصور الأخرى التي تنقش، قال: هم يقولون لها صورة، ويقولون للذي يعملها المصور.
والشيخ الألباني ﵀ كان يقول: إنها ظاهرية عصرية، أن الصور التي في قماش يقال لها صورة، وإذا كانت صورة فوتوغرافية لا يقال لها صورة! فهذا مثل عمل أهل الظاهر وقول أهل الظاهر الذين يجعلون شيئاً معيناً هو المعتبر وغيره لا يلحق به ولا يعتبر مثله ولا يماثله.
فالحاصل أن الصور الفوتوغرافية داخلة تحت التصوير، وأن الواجب هو الحذر من ذلك إلا ما تدعو إليه حاجة أو ضرورة فيما يتعلق بأمور لا بد منها، مثل: جواز سفر، أو رخصة قيادة، أو ما إلى ذلك من الأمور التي يحتاج الناس إليها، فهذه لا بأس بها إن شاء الله.
стр. 17340
شرح حديث (رأيت الليلة كأنا في دار عقبة بن رافع وأتينا برطب)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن ثابت عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: (رأيت الليلة كأنا في دار عقبة بن رافع، وأُتينا برطب من رطب ابن طاب، فأولت أن الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب)].
أورد أبو داود حديث أنس ﵁: (رأيت الليلة كأنا في دار عقبة بن رافع وأُتينا برطب من رطب ابن طاب)؟ يعني: فأول ذلك الرسول ﷺ بأن الرفعة لنا في الدنيا، وهذا مأخوذ من لفظ (رافع)، والعاقبة لنا في الآخرة، وهذه مأخوذة من لفظ (عقبة).
قوله: [(وأن ديننا قد طاب)] هذا مأخوذ من لفظ (ابن طاب)، وهذا من التأويل الذي يؤخذ من الألفاظ، مثل ما جاء في هذا الحديث.
وابن طاب هو رجل ينسب إليه الرطب، أو ينسب إليه نخل أو بستان، فيقال له: تمر ابن طاب، يعني: هو نوع من التمر معروف بهذا الاسم، ينسب إلى شخص معين هو ابن طاب.
стр. 17341
تراجم رجال إسناد حديث (رأيت الليلة كأنا في دار عقبة بن رافع وأتينا برطب)
قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل].
هو موسى بن إسماعيل التبوذكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا حماد].
هو حماد بن سلمة ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن.
[عن ثابت].
هو ثابت بن أسلم البناني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس بن مالك].
أنس ﵁ وقد مر ذكره.
والحديث رباعي، وهو من أعلى الأسانيد عند أبي داود.
стр. 17342
الأسئلة
стр. 17343
حقيقة الرؤيا
السؤال
ما هي حقيقة الرؤيا، هل هي تكليم من الله للعبد، أو هي من وحي الملك أو غير ذلك؟
الجواب
جاء في الحديث: (الرؤية الصالحة من الله والحلم من الشيطان).
قوله: (من الله) يعني: أن الله قذفها في قلبه، أو أنه جاء الملك ووضعها في قلبه.
стр. 17344
وجه وقوع الرؤيا على ما عبرت عليه من خير أو شر
السؤال
اشتهر عند الناس أن الرؤيا على ما عبرت عليه فإن كان أول من عبرها بأمر سيئ وقعت على ما هي عليه، فهل هذا صحيح؟
الجواب
هذا سيأتي، ومعلوم ما جاء في قصة الظلة التي تنطف سمناً وعسلاً فكان أول من عبرها أبو بكر ﵁، ومع ذلك قال له الرسول ﷺ : (أصبت شيئاً وأخطأت شيئاً).
стр. 17345
وجه تفسير حديث (من رآني في المنام) على أن من رأى الرسول في المنام أنه سيراه في اليقظة في الجنة
السؤال
يفسر البعض حديث: (من رآني في المنام) على أن من رأى النبي ﷺ في المنام، فإنه سيراه في اليقظة في الجنة، فهي بشارة للمؤمن، فهل هذا صحيح؟
الجواب
عسى أن يكون ذلك صحيحاً، ومعلوم أن المؤمنين كلهم سيدخلون الجنة، ولا يحرم من الجنة إلا الكفار، ومعلوم أن كل مسلم وإن ارتكب من الذنوب ما ارتكب وشاء الله أن يعذبه ويدخله النار، فإنه يعذب فيها، ولكنه لا بد وأن يئول أمره إلى الجنة، وأن يكون من أهل الجنة، ولا يبقى في النار إلا الكفار، وكل مسلم وكل مؤمن فإنه يكون في الجنة، إما ابتداء وإما مآلاً.
стр. 17346
حكم الاعتماد على الرؤيا في إثبات الأوامر والنواهي
السؤال
هل يجوز الاعتماد على الرؤيا في إثبات شيء أو إنكاره، كمن يرى الرسول ﷺ يأمره بشيء أو ينهاه عن شيء؟
الجواب
ليس هناك تشريع بعد وفاته ﷺ ؛ لأن الشريعة مستقرة، ولا تؤخذ الأحكام الشرعية من الرؤى المنامية، لكن كونه يأمر بشيء طيب لا يخالف الشريعة بل هو مطابق لما جاء عنه وبما جاء في شرعه، كأن يأمره بصدقة، أو يأمره بعمل مطابق لما يمكن أن يأتي به؛ فلا بأس، ولكن هذا كما هو معلوم إذا كان على الهيئة التي كان عليها ﷺ ، والتي يعرفها أصحابه، والتي دونت في كتب الحديث.
أما إذا أتى بشيء يخالف الشريعة أو يأمر بشيء مخالف للشريعة؛ فهذا الذي رآه ليس هو رسول الله ﵊.
стр. 17347
حكم ادعاء رؤية أهل البدع للنبي وأمره لهم بأمور خيرية
السؤال
ادعى رجل في بلادنا أنه رأى النبي ﷺ في المنام، وأشار إليه النبي صلى الله عليه وآله سلم بحفر بئر خارج البلد، وإنشاء مركز لتحفيظ القرآن الكريم، مع العلم بأن هذا الرجل من جنس الصوفية، فهل هذا صحيح؟
الجواب
إذا كان من المنحرفين عن طريق الرسول ﷺ فغالباً ما تكون رؤياه غير صحيحة.
стр. 17348
حكم التمني والدعاء من أجل رؤية النبي ﷺ في المنام
السؤال
هل للإنسان أن يتمنى ويدعو الله أن يرى النبي ﷺ في المنام؟
الجواب
الذي ينبغي للإنسان أن يتمنى ويرجو الله أن يريه النبي ﷺ في الجنة، وهذا هو المهم.
стр. 17349
حكم من يزعم رؤية النبي غالب الأيام
السؤال
يزعم رجل أنه يرى النبي ﷺ يومياً، ويأتي أحياناً لصلاة الفجر وهو حزين، فيسأل ما بالك؟ فيقول: الليلة ما رأيت النبي ﷺ ، فلا أدري أي ذنب فعلت، وهذا الرجل فتن الشباب والتفوا حوله؟
الجواب
هذا لا يبعد أن يكون في عقله خلل.
стр. 17350
معنى العي والبذاء والبيان
السؤال
جاء في حديث: (أن العي من الإيمان والفصاحة من النفاق) فما معنى العي؟
الجواب
روى الترمذي عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (الحياء والعي شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق) وقد صحح الحديث الألباني ﵀.
وقال أبو عيسى الترمذي: والعي قلة الكلام، والبذاء هو الفحش في الكلام، والبيان هو كثرة الكلام.
وقال المباركفوري في التحفة: قوله: (الحياء والعي) أي: العجز في الكلام، والمراد به في هذا المقام هو السكوت عما فيه إثم من النثر والشعر، لا ما يكون للخلل في اللسان، قاله القاري.
وعلى كل فالعي يكون محموداً ويكون مذموماً، والحديث يحمل على ما فسره الترمذي وغيره من أنه السكوت عما لا يعني، والسكوت عما لا ينبغي، وكون الإنسان يكون كلامه قليلاً وسماعه أكثر هو الأولى، مثل ما قال أبو حاتم ابن حبان في كتابه (روضة العقلاء) قال: إن الله خلق أذنين ولساناً واحداً؛ حتى يسمع الإنسان أكثر مما يقول.
ومعلوم أنه إذا فسر بهذا المعنى فإنه مستقيم، وأما العي الذي هو العجز وعدم القدرة على الكلام مطلقاً الذي هو ضد الفصاحة، فهذه صفة مذمومة، وقد جاء في الحديث: (إنما شفاء العي السؤال) يعني: إذا كان الإنسان عنده إعياء وعنده عدم قدرة على الشيء، فإنه يحصله عن طريق السؤال.
стр. 17351
حكم العدة والميراث لمن توفي زوجها قبل الدخول بها
السؤال
هل على المرأة التي توفي عنها زوجها ولم يدخل بها عدة، وهل لها إرث؟
الجواب
نعم، عليها العدة ولها ميراث، فقد ثبت في السنة أن عليها العدة ولها الميراث.
стр. 17352
حكم الحج والاعتمار عن الأقارب الموتى
السؤال
يقول شخص: أنا ولله الحمد وفقني الله إلى حجة الإسلام والعمرة عدة مرات، والآن عند وصولي من بلادي في رمضان اعتمرت عن إحدى قريباتي، وأحب أن أحج عن أحد الأقارب، وكذلك إذا اعتمرت أحب أن أعتمر عن جميع أقاربي مثل: أجدادي وجداتي الأموات ﵏، فقال لي أحد الإخوة: ينبغي أن تعتمر عن نفسك، مع علمه أني قد اعتمرت عن نفسي، فما هو الصحيح؟
الجواب
كون الإنسان يحرص على أن تكون عمره لنفسه، وأن يدعو لأمواته هذا هو الذي ينبغي، وإن اعتمر عن أحد فإنه جائز؛ لأن السنة جاءت في جواز ذلك.
стр. 17353
حكم الرؤيا التي تمنع من القول بأن أبوي الرسول في النار
السؤال
ذكر أحد المشايخ ممن يدرس التفسير عند مسألة أبوي النبي ﷺ هل هما في الجنة أو النار قال: إن أحد مشايخه رأى النبي ﷺ وأشار إليه إشارة معناها ألا تخوض في هذه المسألة، فما رأي فضيلتكم؟
الجواب
يؤخذ بحديث الرسول ﷺ الذي قال: (إن أبي وأباك في النار)، وحديث استئذان النبي ﷺ ربه أن يستغفر لأمه فلم يأذن له، واستأذنه أن يزورها فأذن له، وأنزل الله في ذلك: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى﴾ [التوبة:١١٣].
ولا يؤخذ بهذه الرؤيا.
فما جاء عن رسول الله ﵊ من الأحاديث الصحيحة هو الذي يعول عليه، وأما هذه الرؤيا التي هي مخالفة للشرع، فإنه لا يلتفت إليها، وهذا الذي قال هذا الكلام لم ير رسول الله ﷺ حقاً.
стр. 17354
حكم من أفطر في صوم القضاء متعمداً
السؤال
رجل أفطر في صوم قضاء متعمداً فماذا عليه؟ هل يقضي اليوم بيومين؟
الجواب
عليه أن يقضي يوماً واحداً، ولكن لا يجوز للإنسان أن يترك الواجب الذي أوجبه الله عليه وقد دخل فيه؛ فإن قيامه بفعل واجب ثم يتخلى عنه ويبقي في ذمته مذموم، ولكن الذي يجب عليه هو قضاء يوم واحد فقط.
стр. 17355
حكم رؤيا النبي ﷺ
السؤال
هل ثبتت أحكام شرعية برؤيا رآها النبي ﷺ ؟
الجواب
كل ما أخبر به الرسول ﷺ من رؤى رآها فإنها وحي من الله؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي، وعائشة ﵂ وأرضاها في قصة الإفك كانت تقول: (كنت أحب أن يرى الرسول ﷺ في منامه رؤيا يبرئني الله بها، ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله في آيات تتلى) يعني: كانت تتمنى أن يحصل له وحي عن طريق النوم، ومعلوم أن رؤيا الأنبياء وحي، كما في قصة إبراهيم: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢].
стр. 17356
حكم الاعتماد على الرؤى في رد الحقوق إلى أهلها كالديون وغيرها
السؤال
هل يجوز لمن رأى أباه الميت يأمره برد بعض الحقوق إلى بعض الناس كالديون والودائع، لاسيما وأننا نجد كثيراً من الروايات عن السلف في مثل هذا؟ فهل يعتمد على مثل هذه الرؤى؟
الجواب
لا شك أن الاحتياط في هذا سائغ، إذا كان رأى أباه وقال: إن عليه لفلان ديناً فلا شك أن الاحتياط هو تبرئته، ما دام أنه حصل له ذلك؛ لأن في ذلك تخليصَ ذمته.
стр. 17357
شرح سنن أبي داود [٥٧١]
التثاؤب والعطاس من الأمور اللاإرادية التي قد تغلب على المرء في بعض الأحيان، لكن التثاؤب ناتج عن التخمة والكسل والخمول وامتلاء البطن، بينما العطاس ناتج عن الخفة والنشاط ما لم يكن العاطس مزكوماً، وقد ورد الشرع بمدح العطاس وذم التثاؤب، وقد جاء في السنة ذكر آدابهما القولية والفعلية.
стр. 17358
ما جاء في التثاؤب
стр. 17359
شرح حديث (إذا تثاءب أحدكم فليمسك على فيه فإن الشيطان يدخل)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في التثاؤب.
حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير عن سهيل عن ابن أبي سعيد الخدري عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إذا تثاءب أحدكم فليمسك على فيه؛ فإن الشيطان يدخل)].
قوله: [باب ما جاء في التثاؤب] يعني: ما جاء فيه من أحاديث تبين أحكامه وآدابه، وما يتعلق بذلك.
والتثاؤب هو ما يحصل من الإنسان عندما يكون فيه كسل وخمول، ويكون غالباً عن كثرة أكل، فإنه يترتب على ذلك أن الإنسان يتثاءب، والشيطان يريد هذا الشيء؛ لأن كل ما فيه ضرر على الإنسان فإن الشيطان يريده.
وقد جاء عن النبي الكريم ﷺ أن الإنسان عندما يتثاءب فإنه يتأدب بآداب، فمن هذه الآداب ما جاء في حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه الذي أورده المصنف، وهو أن الإنسان إذا تثاءب يمسك بيده على فيه؛ فإن الشيطان يدخل، وذلك أنه إذا أمسك على فيه، فإنه يمنع فمه من الانفتاح ويكظم ما استطاع؛ لأن ذلك يمنع من حصول التثاؤب على وجه يفرح به الشيطان ويريده.
وجاء في هذه الرواية أن الشيطان يدخل من فيه، وجاء في رواية أخرى أنه يضحك معجباً ومسروراً بما يحصل للإنسان من تلك الهيئة الكريهة، التي هي غير مرضية وغير مستحسنة.
والحديث الذي معنا فيه أنه يدخل، ويمكن أن كلاً من الأمرين يحصل، بحيث يحصل منه الدخول والضحك، ومعلوم أن الشيطان يجري في ابن آدم مجرى الدم، فيدخل ويضحك فرحاً وسروراً بهذا الشيء الذي فيه مضرة على الإنسان وفيه كسل وخمول.
стр. 17360
تراجم رجال إسناد حديث (إذا تثاءب أحدكم فليمسك على فيه فإن الشيطان يدخل)
قوله: [حدثنا أحمد بن يونس].
أحمد بن يونس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهذا هو الذي أثنى عليه الإمام أحمد ووصفه بأنه شيخ الإسلام.
[حدثنا زهير].
زهير بن معاوية ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سهيل].
هو سهيل بن أبي صالح وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وروايته في البخاري مقرونة، أما مسلم فإنه روى عنه على سبيل الإفراد، ومما روى عنه مسلم في صحيحه حديث: (الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟!) فإنه من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه، وأما البخاري فإنه لم يخرجه في صحيحه، ولكنه أورد الحديث في ترجمة باب قول النبي ﷺ : (الدين النصيحة) وهو يدل على صحته عنده، ولكنه ليس على شرطه.
[عن ابن أبي سعيد الخدري].
هو عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن.
[عن أبيه].
هو أبو سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله تعالى عنه، مشهور بكنيته أبي سعيد وبنسبه الخدري، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﵊ والذين جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله: والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والبحر والخدري وجابر وزوجة النبي البحر المقصود به ابن عباس، وزوجة النبي هي أم المؤمنين عائشة ﵂، فهم ستة رجال وامرأة واحدة، بلغت أحاديث بعضهم ما يزيد على الألف، وبعضهم ما يزيد على الألفين، وبعضهم ما يزيد على ذلك.
стр. 17361
حقيقة دخول الشيطان فم المتثائب
ذكر صاحب العون في قوله: (فإن الشيطان يدخل) قال: إما حقيقة، أو المراد بالدخول التمكن منه.
فالتمكن حاصل والدخول ممكن، والأصل هو الحقيقة، والرسول ﷺ قال: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم).
وكون الإنسان يأتي بأذكار اليوم والليلة والأذكار التي يكون فيها حرز من الشيطان، فمعنى ذلك أن الحرز يدفع عنه الضرر، وأما كون الشيطان يدخل فقد يدخل، وكونه يحصل شيء يفرحه وشيء يسره يمكن.
стр. 17362
ضعف تقييد حكم التثاؤب بحال الصلاة دون خارجها
أما ما نقل عن العراقي أن في أكثر الروايات إطلاق التثاؤب وفي رواية تقييده بحال الصلاة، فكونه يحمل المطلق على المقيد هذا غير صحيح؛ لأن معنى ذلك أن الحكم سيكون في المقيد دون المطلق، وأنه خارج الصلاة لا يكون الحكم، فإذا كان المراد به أن الحكم يتعلق بالصلاة وأن ما كان خارج الصلاة لا يحصل له هذا الحكم، فهذا غير صحيح، وأما إذا أريد به أن الحكم عام، ولكنه في الصلاة يتأكد ويكون أمره أخطر وأمره أشد، وأن هذا من قبيل التنصيص على بعض أفراد ما يمكن أن يشمله، فهو صحيح، إذ لا شك أنه في الصلاة أشد؛ لأن فيه إشغال الإنسان عن صلاته بهذا الذي حصل له من الكسل والخمول، ولا شك أن هذا يسر الشيطان كثيراً؛ لأنه مشتغل بعبادة، وهو يريد أن يلهيه عن العبادة وأن يشوش عليه عبادته وأن يفسدها عليه ويصرفه عنها.
стр. 17363
شرح حديث (إذا تثاءب أحدكم فليمسك على فيه) من طريق ثانية وتراجم رجاله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا ابن العلاء عن وكيع عن سفيان عن سهيل نحوه، قال: (في الصلاة فليكظم ما استطاع)].
أورد أبو داود رواية ثانية وفيها: (في الصلاة) وهذا لا يدل على قصر الحكم على الصلاة كما أشرت، والحكم أنه يكظم ما استطاع في الصلاة وغير الصلاة، وإن غلبه التثاؤب فإنه يمسك فمه في الصلاة وفي غير الصلاة.
قوله: [حدثنا ابن العلاء].
هو محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن وكيع].
هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سفيان].
هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ثقة فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سهيل نحوه].
هو سهيل بن أبي صالح وقد مر.
[نحوه] يعني: نحو ما تقدم بنفس الإسناد.
стр. 17364
حكم التعوذ من الشيطان عند التثاؤب
أما قول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم عند التثاؤب، استناداً إلى قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف:٢٠٠] فلا أعلم أنه جاء عن رسول الله ﷺ أن الإنسان عند التثاؤب يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ولكن قول النبي ﷺ : (التثاؤب من الشيطان) يؤيد ذلك فلا بأس بذلك؛ لأن هذا من الشيطان، فهو يتذكر أن هذا من الشيطان وأن هذا يعجب الشيطان، وأن هذا يريده الشيطان، فيتعوذ بالله منه.
стр. 17365
شرح حديث (إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن علي حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، ولا يقل: هاه هاه؛ فإنما ذلكم من الشيطان يضحك منه)].
أورد أبو داود حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب).
العطاس محبوب إلى الله ؛ لأن فيه استخراج أشياء من الدماغ، فالإنسان يتخلص منها ويكون فيه نشاط فيكون محموداً، والله تعالى يحبه، وأما التثاؤب فإن الله تعالى يكرهه؛ لأن فيه ثقلاً وكسلاً وخمولاً، وهذا مما يعجب الشيطان.
قوله: [(فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع)] يعني: يحاول أن يكظم ذلك النفس الذي يظهر من فمه ويؤدي إلى انفتاحه، وهي هيئة مستقذرة مستكرهة، فإن غلبه وصار لا بد من الانفتاح، فإنه يضع يده على فيه؛ لأنه بذلك يمنع من زيادة الانفتاح في الفم، ويمنع أيضاً من حصول الصوت الذي يكون نتيجة لهذا الانفتاح، ولهذا قال في الحديث: (إذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع ولا يقل: هاه، هاه) وهذه حكاية للصوت الذي يخرج من الفم عند التثاؤب بسبب هذا الانفتاح؛ وبسبب هذا النفس.
وإذا حدث مثل هذا الصوت فهذا يدل على أن التثاؤب قد بلغ حده وبلغ نهايته، وصار على هذه الهيئة الكريهة، وصار منه هذا الصوت الذي هو صوت خروج النفس منه، وليس معنى ذلك أن الإنسان يقول: هاه، بحيث ينطق بها ويأتي بها، وإنما المقصود بذلك حكاية صوت النفس الذي يحصل نتيجة لهذا الانفتاح وخروج النفس بهذه الطريقة.
قوله: [(فإنما ذلكم من الشيطان يضحك منه)] يعني: يضحك سروراً؛ لأنه وجد ما يسره ويعجبه، وفي هذا إثبات أن الشيطان يحصل منه الضحك ويفرح بما يسوء الإنسان وبما لا خير فيه للإنسان، كما جاء أنه يأكل بشماله ويشرب بشماله، فكذلك أيضاً جاء عنه أنه يضحك فرحاً وسروراً لحصول الهيئة التي يكرهها الله.
следующие страницы →