Полный текст (18 341 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
شرح حديث: (كان رسول الله يستن وعنده رجلان)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الرجل يستاك بسواك غيره.
حدثنا محمد بن عيسى حدثنا عن عنبسة بن عبد الواحد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يستن وعنده رجلان أحدهما أكبر من الآخر؛ فأوحى الله إليه في فضل السواك أن كبر: أعط السواك أكبرهما)].
أورد أبو داود باباً في الرجل يستاك بسواك غيره.
يعني: أن ذلك سائغ، وأن الشخص يمكن أن يستاك بسواك غيره، وأنه لا مانع من ذلك ولا محذور فيه، وأورد فيه حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يستن، وهذا هو المقصود من إيراد الحديث تحت الترجمة، والاستياك: هو أن يدلك الإنسان أسنانه بالسواك، وأصل الاستنان مأخوذ من إمرار الشيء الحديد كالسكين على الذي يسمونه المسن؛ حتى يشحذها لكي تكون حادة، فكان يدلك أسنانه ويستن كما يفعل بالمسن عندما يجرى الحديد عليه من أجل أن يشحذه فيكون حاداً وقاطعاً، كما يعمل بالمدية عندما تسن بشيء فيه خشونة حتى تكون حادة.
فالمقصود منه قوله: (يستن) يعني: أنه كان يدلك أسنانه بالسواك، وكان عنده رجلان.
وقوله: (وأوحى الله إليه في فضل السواك أن كبر)].
يعني: في باقيه، فالفضل هو الباقي، وقوله: (أن كبر) يعني: أن يعطي السواك لغيره ولكن يعطيه للكبير، وهذا يدلنا على توقير الكبار وتقديمهم على غيرهم، وقد جاء في حديث حويصة ومحيصة أنهما أتيا إلى الرسول ﷺ ، فأراد أصغرهما أن يبدأ بالكلام فقال النبي ﷺ : (كبر) يعني: دع الأكبر يتكلم.
والمقصود هنا أن هذا السواك الذي استاك به رسول الله ﷺ دفعه لأكبرهما ليستاك به! ويدل هذا الحديث على استياك الرجل بسواك غيره، وكذلك سيأتي في حديث عائشة أنه ﷺ أعطاها سواكه لتغسله، فبدأت واستاكت به، ثم غسلته وأعطته إياه، فدل على جواز الاستياك بسواك الغير.
وذكر الرجل -كما ذكرت مراراً- لا مفهوم له، فيدخل في هذا الرجل وكذلك المرأة، ففي حديث عائشة الذي سيأتي أنها استاكت بسواك الرسول ﷺ ، وأحد الرجلين الذي هو الأكبر استاك بسواك الرسول، فلا يختص الحكم بالرجال دون النساء إلا إذا وجد دليل في أمر من الأمور أو في حكم من الأحكام على أن هذا الحكم يخص الرجال أو يخص النساء، وإلا فإن الأصل هو تساوي الرجال والنساء في الأحكام، وهذه قاعدة من قواعد الشرع، وقد أشرت إليها مراراً وتكراراً.
стр. 212
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يستن وعنده رجلان)
قوله: [حدثنا محمد بن عيسى].
محمد بن عيسى الطباع ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة.
[حدثنا عنبسة بن عبد الواحد].
عنبسة بن عبد الواحد ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً وأبو داود.
[عن هشام بن عروة].
هشام بن عروة ثقة ربما دلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه] عروة بن الزبير بن العوام ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
أم المؤمنين ﵂ وأرضاها الصديقة بنت الصديق، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
[قال أحمد -هو ابن حزم -: قال لنا أبو سعيد -هو ابن الأعرابي -: هذا مما تفرد به أهل المدينة].
هذا ليس من كلام أبي داود وإنما هو من كلام من دون أبي داود ومن الزيادات التي زيدت على كتابه السنن، وقد سبق أن مر بنا أن الرملي -وهو أحد رواة أبي داود - ذكر إسناداً لأثر من غير طريق أبي داود، يعني: أنه جاء عنده من غير طريق أبي داود فأتى به، وهو ليس من كلام أبي داود ولا من فعل أبي داود، وإنما هو من الزيادات التي زادها الرواة عن أبي داود، والرملي من رواة السنن وابن الأعرابي الذي معنا هنا من رواة السنن، وهذا الكلام قيل: إنه في نسخة ابن الأعرابي وإن بعض النساخ رآه فجعله في نسخة اللؤلؤي مع أنه في نسخة ابن الأعرابي، والمقصود منه أنه قال: هذا مما تفرد به أهل المدينة، يعني: أن رواته الذين هم: هشام وعروة وعائشة من أهل المدينة.
стр. 213
شرح حديث: (أن النبي كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي أخبرنا عيسى بن يونس عن مسعر عن المقدام بن شريح عن أبيه قال: (قلت لـ عائشة ﵂: بأي شيء كان يبدأ رسول الله ﷺ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك)].
أورد أبو داود ﵀ هذا الحديث وهو لا علاقة له بالترجمة؛ فالترجمة هي الاستياك بسواك الغير، وهذا لا علاقة له بالترجمة ولا يدل عليها، ولا أدري كيف جاء هذا الحديث تحت هذه الترجمة! اللهم إلا أن يكون هناك ترجمة باب وسقطت، وهي: الاستياك عند دخول المنزل؛ فإن هذا هو الذي يدل عليه الحديث، فالحديث لا يدل إلا على البدء بالاستياك عند دخول المنزل، وقد قال بعض أهل العلم: إن هذه السنة من السنن المهجورة، فكون الرجل إذا دخل منزله استاك هذا مما يجهله كثير من الناس، ومما لا يفعله كثير من الناس؛ لأن كون الرجل إذا دخل بيته أخذ السواك وجعل يستاك جاءت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ .
فالحديث الذي أورده أبو داود لا يدل على الترجمة، ولا علاقة له بها، ويحتمل -والله أعلم- أن تكون هناك ترجمة ساقطة وهي: الاستياك عند دخول المنزل.
وهذا الحديث ليس من رواية اللؤلؤي؛ إنما هو من رواية ابن داسة وقبله قال: [قال لنا أبو داود: قال أبو جعفر محمد بن عيسى: عنبسة بن عبد الواحد كنا نعده من الأبدال قبل أن نسمع أن الأبدال من الموالي] ثم ساق هذا الحديث، لكن من ناحية الترجمة إذا كانت هي هذه فالإشكال أو الإيراد لا يزال باقياً من جهة أنه لا علاقة له بالترجمة، ولهذا أقول: يحتمل أن يكون تحت ترجمة ساقطة، وهي: السواك عند دخول المنزل، أو أنه جاء تبعاً؛ لأنه في بعض الأحيان يأتي بترجمة ويذكر أحاديث فيها لا علاقة لها بالترجمة، وإنما يكون جاءت على سبيل التبع، وفي سنن النسائي أمثلة كثيرة من هذا القبيل، يعني: أنها جاءت عن طريق التبع، لأنها لا علاقة لها بالباب الذي بعده.
والمعلوم أن رواية اللؤلؤي من آخر الروايات، وأنه حذف أبو داود بعض الأشياء التي كانت قبل ذلك مما أملاه على الطلاب، فيحتمل أن هذا الحديث كان موجوداً في بعض النسخ، ثم أسقطه من السنن كما في رواية اللؤلؤي.
стр. 214
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك)
قوله: [حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي].
إبراهيم بن موسى الرازي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا عيسى بن يونس].
عيسى بن يونس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن مسعر].
مسعر بن كدام ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن المقدام بن شريح].
هو المقدام بن شريح بن هانئ، ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[عن أبيه].
هو شريح وهو ثقة مخضرم، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[عن عائشة].
عائشة ﵂ قد مر ذكرها.
стр. 215
سبب الاستياك عند دخول المنزل
وأما الحكمة في كونه يستاك عند دخول المنزل: فممكن -والله أعلم- أن ذلك حتى تكون رائحة فم الإنسان طيبة بحيث إن أهله يشمون منه رائحة طيبة، وإذا كان هناك شيء في فمه يمكن أن يكون فيه كراهية أو شيء من هذا فإنه يزول بالاستياك، لعل هذا -والله أعلم- هو السبب.
وهذا كما قلت من السنن المهجورة، والسنن المهجورة كثيرة، ومنها أيضاً تقبيل الحجر الأسود بعد الانتهاء من الطواف، والشرب من ماء زمزم في العمرة، فإن من سنن العمرة أن الإنسان عندما يطوف ويصلي ركعتي الطواف يشرب من ماء زمزم، ثم يأتي ويستلم الحجر ثم يذهب إلى الصفا.
стр. 216
غسل السواك
стр. 217
شرح حديث: (كان نبي الله يستاك فيعطيني السواك لأغسله)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب غسل السواك.
حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري حدثنا عنبسة بن سعيد الكوفي الحاسب حدثني كثير عن عائشة ﵂ أنها قالت: (كان نبي الله ﷺ يستاك فيعطيني السواك لأغسله، فأبدأ به فأستاك، ثم أغسله وأدفعه إليه)].
أورد أبو داود باب غسل السواك.
وغسل السواك فائدته أنه إذا كان فيه شيء من الأوساخ أو فيه أشياء وأجزاء متساقطة متقطعة فإنها تسقط عند الغسل، فلا يحتاج الإنسان إلى أن يلفظها عندما يستاك إذا وقعت في فمه؛ فإنه إذا وقعت في فمه قد يحتاج إلى أن يلفظها ويغسلها، فغسله وتنظيفه يجعل الإنسان يستعمله وهو نظيف.
أورد أبو داود حديث عائشة قالت: (كان نبي الله أن ﷺ يستاك فيعطيني السواك لأغسله، فأبدأ به فأستاك) يعني: قبل أن تغسله تستاك به، وتجعل ما مس فمه وريقه ﷺ على أسنانها وفي فمها، فكانت تستاك بعد رسول الله ﷺ ، وهذا الحديث يدل على الترجمة السابقة وهي: الاستياك بسواك الغير؛ لأن عائشة استاكت بسواك رسول الله ﷺ ، وهو من فعل النساء في الاستياك بسواك الغير، ولهذا قلت في الترجمة السابقة التي ذكرها أبو داود بقوله: الرجل يستاك بسواك غيره قلت: لا مفهوم لها؛ لأن ذلك يدل على فعل الرجل، وهذا يدل على فعل عائشة، وهذا رجل وهذه امرأة، والأصل التساوي بين الرجال والنساء في الأحكام.
ثم كانت ﵂ تغسله بعد أن تستاك هي به، وتدفعه إليه ﷺ ، وهو دال على غسل السواك وفيه الفوائد التي أشرت إليها وغيرها.
стр. 218
تراجم رجال إسناد حديث: (كان نبي الله يستاك فيعطيني السواك لأغسله)
قوله: [حدثنا محمد بن بشار].
محمد بن بشار هو البصري الملقب بندار وهو ثقة، وهو أحد شيوخ أصحاب الكتب الستة رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.
[حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري].
محمد بن عبد الله الأنصاري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عنبسة بن سعيد الكوفي الحاسب].
عنبسة بن سعيد بن كثير بن عبيد ثقة، أخرج حديثه أبو داود.
[حدثني كثير].
كثير بن عبيد مقبول، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود، وكثير هذا هو جد عنبسة بن سعيد بن كثير بن عبيد الراوي عنه.
[عن عائشة].
أم المؤمنين عائشة ﵂ قد مر ذكرها.
стр. 219
السواك من الفطرة
стр. 220
شرح حديث: (عشر من الفطرة والسواك)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب السواك من الفطرة.
حدثنا يحيى بن معين حدثنا وكيع عن زكريا بن أبي زائدة عن مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيب عن ابن الزبير عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، والاستنشاق بالماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء) يعني: الاستنجاء بالماء.
قال زكريا: قال مصعب بن شيبة: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة].
أورد أبو داود ﵀ باب السواك من الفطرة، يعني: أن السواك من خصال الفطرة، والفطرة: هي السنة والطريقة، والمقصود: أنها من سنن المرسلين، وأنها طريقة متبعة توارد عليها الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام.
وأورد أبو داود حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (عشر من الفطرة: قص الشارب) وقص الشارب: هو إزالته بالمقص بحيث لا يستأصل حلقاً، وإنما يؤخذ منه وتترك أصوله، هذا هو القص، وهو غير الحلق، فالشارب يقص ولا يحلق.
قوله: [(وإعفاء اللحية)].
يعني: تركها موفرة لا يتعرض لها بحلق ولا بتقصير، لا بقليل ولا بكثير؛ لأن الإعفاء مأخوذ من الكثرة أو التوفير، فاعفوها وكثروها كقوله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوا﴾ [الأعراف:٩٥] يعني: حتى كثروا؛ لأنه يأتي بهذا المعنى، فالمقصود بذلك: أنها تترك وتوفر، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله ﷺ بالأمر بإعفائها بألفاظ متعددة؛ فقد جاء بلفظ (وفروا) وبلفظ (أرخوا) وبلفظ (أعفوا) وكلها تدل على الأمر بإبقائها وتوفيرها وعدم التعرض لها.
وأما جاء في سنن الترمذي: (أن النبي ﷺ كان يأخذ من عرضها وطولها) فهو حديث لا يثبت؛ لأن في إسناده عمر بن هارون البلخي وهو متروك لا يحتج به، وإنما الذي ثبتت به الأحاديث عن رسول الله ﷺ من قوله وفعله وتقريره أنها تترك وتبقى؛ لأن النبي ﷺ أمر بتوفيرها وإرخائها وإعفائها، وهي ألفاظ مختلفة متنوعة كلها تدل على إبقائها وتركها، وأيضاً يدل على ذلك فعله ﷺ ؛ لأنه كان معفياً للحيته لا يأخذ منها شيئاً، وهكذا تقريره حيث إن أصحابه ﵃ وأرضاهم كانوا ذوي لحاء موفرة، والرسول ﷺ يشاهدهم ويقرهم على ذلك، فإعفاء اللحية من الأمور التي اجتمعت فيها طرق ثبوت السنة الثلاثة التي هي القول والفعل والتقرير، ولهذا يعرف المحدثون الحديث بأن يقولوا: هو ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير.
فأفعاله وتقريراته وأقواله هي طرق إثبات السنة، وإعفاء اللحية اجتمعت فيه الأمور الثلاثة؛ فقد قال: (أعفوا) (أرخوا) (وفروا) وهذا قوله، وقد كان معفياً للحيته لا يأخذ منها شيئاً، وكان يرى أصحابه بلحاء موفرة ويقرهم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه على ذلك، واللحية: هي الشعر الذي على الخدين والذقن.
قوله: [(والسواك)].
هذا هو محل الشاهد، والسواك من الفطرة، يعني: أنه من خصال الفطرة.
قوله: [(والاستنشاق بالماء)].
الاستنشاق بالماء: هو جذبه بقوة النفس، ثم إخراجه، وهذا يكون في الوضوء، ويكون عند القيام من النوم، ويكون في الحالات التي تحتاج إلى تنظيفه.
قوله: [(وقص الأظفار)] أي: تقليمها.
قوله: [(وغسل البراجم)].
البراجم: هي الأماكن التي تكون في المفاصل، والتي تتجعد وتنكمش ويكون لها ارتفاع وانخفاض، فقد ينبو الماء عنها، ولكنها إذا تعوهدت بأن تدلك، وأن تمر عليها اليد الثانية فإن الماء يصل إليها، وخاصة المواضع التي تكون بين الأنملتين.
قوله: [(ونتف الإبط)].
وذلك أنه في مكان يكثر فيه العرق، وتتغير معه الرائحة، وجاء النتف لأن المكان يكون فيه عرق ورطوبة، فيكون نتفه سهلاً، ونتفه يكون فيه استئصال للشعر من ذلك المكان، بخلاف ما لو حلق فإنه تقوى أصوله ويكون محلاً لاجتماع الأوساخ في ذلك المكان الذي هو مغطى بالعضد، وهذا هو الأصل، وإذا أزيل بالحلق أو بأي شيء مزيل فيجوز؛ لأن المقصود هو إزالته.
قوله: [(وحلق العانة)] حلق العانة المراد به: الشعر الذي يكون في الفرج وحوله.
قوله: [(وانتقاص الماء)].
وهو الاستنجاء بالماء.
قوله: [قال زكريا: قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة].
لأن الاستنشاق جاء والمضمضة ما جاءت، ولذا قال: إلا أن تكون المضمضة، قال بعض أهل العلم: ولعلها الختان، لأنه ورد في بعض الأحاديث أنه من الفطرة، وهو من الأمور الواجبة، ومن الأمور التي يحصل بها التمييز بين المسلمين والكفار، وخاصة في الجهاد في سبيل الله أو حصول القتل؛ فإنه يعرف المسلم بختانه، والكافر بعدم ختانه.
стр. 221
تراجم رجال إسناد حديث: (عشر من الفطر والسواك)
قوله: [حدثنا يحيى بن معين].
يحيى بن معين، ثقة حافظ، إمام في الجرح والتعديل، وكلامه في الجرح والتعديل كثير، وكان له اصطلاح خاص به، وهو أنه إذا قال: لا بأس به، فقوله هذا بمعنى ثقة، مع أن (لا بأس به) أقل من ثقة عند كثير من العلماء، وفي الاصطلاح المشهور عند العلماء أن (لا بأس به) ليست في درجة الثقة، ولا في منزلة الثقة، ولهذا يقول بعض العلماء: إن (لا بأس به) عند ابن معين توثيق، يعني: إذا قال ابن معين: لا بأس به فهو مثل قول غيره: ثقة؛ لأنه يريد بقوله: (لا بأس به) ثقة، وهذا مما اشتهر عن ابن معين رحمة الله عليه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا وكيع].
وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن زكريا بن أبي زائدة].
زكريا بن أبي زائدة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن مصعب بن شيبة].
مصعب بن شيبة لين الحديث، أخرج حديثه مسلم وأصحاب السنن.
[عن طلق بن حبيب].
طلق بن حبيب صدوق، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[عن ابن الزبير].
ابن الزبير هو عبد الله بن الزبير المكي صاحب رسول الله ﷺ ، وأحد العبادلة الأربعة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وهو أول مولود في المدينة بعد هجرة الرسول ﷺ ؛ لأنه ولد وهم في قباء بعد وصولهم المدينة، وهو من صغار الصحابة رضي الله تعالى عنه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وخالته عائشة؛ لأنه ابن أسماء بنت أبي بكر وهو يروي عن خالته رضي الله تعالى عنه وعنها وعن الصحابة أجمعين.
стр. 222
شرح حديث عمار بن ياسر: (إن من الفطرة المضمضة والاستنشاق)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب قالا: حدثنا حماد عن علي بن زيد عن سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر قال موسى: عن أبيه وقال داود: عن عمار بن ياسر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن من الفطرة المضمضة والاستنشاق) فذكر نحوه، ولم يذكر (إعفاء اللحية) وزاد (والختان) قال: (والانتضاح) ولم يذكر (انتقاص الماء) يعني: الاستنجاء].
أورد أبو داود ﵀ حديث عمار بن ياسر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن من الفطرة المضمضة والاستنشاق) وذكر نحوه، يعني: نحو ما تقدم، ولم يذكر (إعفاء اللحية) يعني: أن في حديث عمار بن ياسر ذكر المضمضة والاستنشاق، وهناك ذكر الاستنشاق وما ذكر المضمضة، وإنما قال مصعب بن شيبة راوي الحديث المتقدم: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة، وهنا في حديث عمار قال: (المضمضة والاستنشاق).
قوله: [وزاد (الختان)].
يعني: أتى بالختان، وهو من خصال الفطرة، وقد جاء ذلك في الأحاديث الصحيحة.
قوله: [(والانتضاح)].
الانتضاح: هو رش الماء، وقيل: إن المقصود به: أن الإنسان عندما يتوضأ يرش على ثيابه؛ حتى لا يكون هناك مجال لأن يصيبه الوسواس بأن يظن أن هذا مما خرج منه، ويعلم أن ذلك البلل الذي أصاب ثيابه من قبيل هذا النضح.
قوله: [ولم يذكر (انتقاص الماء) يعني: الاستنجاء].
أي: الاستنجاء الذي جاء ذكره في الرواية السابقة؛ لأن الراوي ذكر نحوه.
ثم ذكر المصنف الفروق، فذكر أنه لم يذكر كذا وذكر كذا، فبين الفروق بينه وبين الذي قبله، فذكر المضمضة والاستنشاق، وذكر أن المضمضة مذكورة في هذا الحديث وليست مذكورة في الحديث الأول، فالحديث الأول جاء فيه (إعفاء اللحية) ولم يأت في هذا الحديث، وإنما جاء فيه (الانتضاح) وما جاء فيه (الانتقاص) الذي هو الاستنجاء.
стр. 223
تراجم رجال إسناد حديث عمار بن ياسر: (إن من الفطرة المضمضة والاستنشاق)
قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل].
موسى بن إسماعيل التبوذكي أبو سلمة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وداود بن شبيب].
داود بن شبيب صدوق، أخرج له البخاري وأبو داود وابن ماجة.
[قالا: حدثنا حماد].
هو ابن سلمة، وقد سبق أن ذكرنا أنه إذا جاء حماد يروي عن موسى بن إسماعيل مبهماً مهملاً غير منسوب فإنه يحمل على حماد بن سلمة والمزي في تهذيب الكمال لما ذكر ترجمة حماد بن زيد ذكر ترجمة حماد بن سلمة؛ لأنهما متجاوران؛ لأن هذا حماد بن زيد وهذا حماد بن سلمة والسين بجوار الزاي، فترجمة هذا بعد ترجمة هذا، فلما ذكر المزي ترجمة حماد بن سلمة بعد ترجمة حماد بن زيد ذكر فصلاً وقال: إنه إذا روى فلان وفلان وفلان عن حماد غير منسوب فهو ابن سلمة وإذا روى فلان وفلان عن حماد غير منسوب فهو ابن زيد، يعني: أنه بين الرواة الذين يستدل بروايتهم عن حماد غير منسوب أنه ابن زيد أو ابن سلمة.
وموسى بن إسماعيل هو ممن إذا جاء راوياً عن حماد غير منسوب فإنه يحمل على أنه ابن سلمة وليس ابن زيد.
[عن علي بن زيد].
علي بن زيد بن جدعان ضعيف، أخرج حديثه البخاري في الأدب ومسلم وأصحاب السنن.
[عن سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر].
سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر مجهول، أخرج حديثه أبو داود وابن ماجة.
[قال موسى: عن أبيه].
هو موسى بن إسماعيل شيخ أبي داود الأول، وقوله: (عن أبيه) يعني: عن أبيه محمد بن عمار بن ياسر، يعني: أنه يروي هذا الحديث عن أبيه محمد بن عمار بن ياسر ثم يضيفه إلى الرسول ﷺ ، وهو ليس له صحبة، فيكون من قبيل المرسل على رواية أو على طريق موسى بن إسماعيل.
ومحمد بن عمار، مقبول، أخرج حديثه أبو داود وحده.
[وقال داود: عن عمار بن ياسر].
يعني: أنه يروي عن جده، قالوا: وهو أيضاً مرسل؛ لأنه لم يلق جده، فعلى كلا الطريقين هو مرسل: الأول إرسال تابعي أضافه إلى الرسول ﷺ ، والثاني: أضافه إلى صحابي، وهو لم يدرك ذلك الصحابي.
[عن عمار بن ياسر] عمار بن ياسر ﵁ أبو اليقظان صحابي مشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
стр. 224
طرق وروايات أخرى لحديث: (عشر من الفطرة)
[قال أبو داود: وروي نحوه عن ابن عباس ﵄، وقال: (خمس كلها في الرأس) وذكر فيها (الفرق) ولم يذكر (إعفاء اللحية) قال أبو داود: وروي نحو حديث حماد عن طلق بن حبيب ومجاهد وعن بكر بن عبد الله المزني قولهم، ولم يذكروا (إعفاء اللحية) وفي حديث محمد بن عبد الله بن أبي مريم عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ فيه (وإعفاء اللحية) وعن إبراهيم النخعي نحوه وذكر (إعفاء اللحية والختان)].
[قال أبو داود وروي نحوه عن ابن عباس].
ذكر أبو داود روايات أخرى أشار إليها إشارة فقال: وروي نحوه عن ابن عباس.
يعني: إنه جاء عن صحابي آخر.
قوله: [وقال: خمس كلها في الرأس.
وذكر (الفرق)].
يعني: فرق الرأس من وسطه بحيث يكون قسم منه من جهة اليمين، وقسم منه من جهة الشمال، فبدل ما يكون بعضه متصلاً ببعض يفرقه، بحيث إن ما كان منه من جهة اليمين يذهب إلى جهة اليمين، وما كان منه من جهة اليسار يذهب إلى جهة اليسار، ويتبين بينهما خط كأنه ليس فيه شعر؛ لأن نصف الشعر ذهب به إلى جهة اليمين، والثاني ذهب به إلى جهة اليسار.
قوله: [ولم يذكر (إعفاء اللحية)].
يعني: أن الخصال التي في الرأس هي: الفرق والاستنشاق والمضمضة وقص الشارب، ولم يذكر إعفاء اللحية وهي من الرأس.
قوله: [قال: وروي نحو حديث حماد عن طلق بن حبيب].
حديث حماد هو الذي تقدم عن موسى بن إسماعيل عن طلق بن حبيب.
[ومجاهد].
يعني: عن طلق بن حبيب، وقد مر ذكره ومجاهد هو مجاهد بن جبر المكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وبكر بن عبد الله المزني].
وبكر بن عبد الله المزني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
وذكر في ترجمته كلمة جميلة في تهذيب التهذيب أنه قال: إياك من شيء إذا فعلته إن أصبت فيه لم تؤجر، وإن أخطأت أثمت، وهو كلامك في عرض أخيك؛ لأنك إن أصبت ما حصلت على أجر، وإن أخطأت فإنك آثم.
يعني: أن الكلام في الغير إما هذا وإما هذا.
[قولهم].
يعني: أن هذا من قولهم، وما جاء مرفوعاً وما جاء مسنداً، وإنما هو من قولهم.
[ولم يذكروا (إعفاء اللحية)].
[وفي حديث محمد بن عبد الله بن أبي مريم].
محمد بن عبد الله بن أبي مريم وهو مقبول، أخرج حديثه أبو داود وحده.
[عن أبي سلمة].
أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ثقة فقيه، من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁، وهو أكثر الصحابة حديثاً عن رسول الله ﷺ .
[قال فيه: (وإعفاء اللحية)].
أي: وفيه: (وإعفاء اللحية)؛ لأنه ذكر هذه الطرق، وذكر الذين ما ذكروا إعفاء اللحية، والذين ذكروا إعفاء اللحية.
[وعن إبراهيم النخعي نحوه، وذكر (إعفاء اللحية والختان)].
إبراهيم النخعي هو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي ثقة فقيه أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
стр. 225
الأسئلة
стр. 226
حكم شرب الدخان
السؤال
هل شرب الدخان يعد من الفجور؟
الجواب
هو فسق لا شك؛ لأنه معصية.
стр. 227
حكم الصلاة خلف المدخن
السؤال
هل تصح الصلاة خلف المدخن؟
الجواب
نعم، تصح الصلاة؛ لأن من صحت صلاته صحت إمامته، لكن مثله لا يصلح أن يكون إماماً، ولا يقدم في الصلاة، لكن لو صلى الإنسان وراءه صحت صلاته.
стр. 228
شرح سنن أبي داود [٠١٤]
حث النبي ﷺ على السواك في كل وقت، وجاء من هديه أنه كان يستاك إذا قام من الليل، وإذا دخل البيت، وعند الوضوء، وغير ذلك، وكما حث على السواك فقد أمر بالوضوء والاهتمام به؛ لأنه مفتاح الصلاة، ولا تقبل إلا به؛ ولذا كانت صلاة من لا وضوء له باطلة.
стр. 229
السواك لمن قام من الليل
стр. 230
شرح حديث: (أن رسول الله كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب السواك لمن قام من الليل.
حدثنا محمد بن كثير حدثنا سفيان عن منصور وحصين عن أبي وائل عن حذيفة ﵁: (أن رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك)].
أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى باب السواك لمن قام من الليل.
أي: أن الإنسان عندما يقوم من الليل يستاك؛ وقيده بالليل لأنه جاء ذلك في عدد من الأحاديث عن رسول الله ﷺ ؛ لأن الليل هو السكن، وهو الذي يطيل الإنسان فيه النوم بخلاف نوم النهار، فلطوله ولتغير رائحة الفم في هذه المدة جاء عن النبي ﷺ أنه كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك، وقد جاء في نوم الليل أيضاً أن الإنسان عندما يقوم لا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، وجاء في الحديث: (إن أحدكم لا يدري أين باتت يده)، فالتقييد بالليل هو لطول مدة النوم، ولما يترتب على هذا الطول من تغير رائحة الفم، فعندما يقوم الإنسان من النوم يستاك؛ لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك.
وأورد أبو داود ﵀ حديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك) يعني: يدلك فاه بالسواك لتنظيف الأسنان، وإزالة ما علق بها، وكذلك أيضاً لتغير رائحة الفم إلى رائحة حسنة وطيبة، والحديث يدل على ما ترجم له المصنف من السواك عند القيام من نوم الليل، وكذلك أيضاً يدل على كيفية الاستياك؛ لأن قوله: (يشوص فاه بالسواك) معناه: يدلكه، ففيه الدلالة على الكيفية، وقد سبق أن مرت الترجمة: كيف يستاك، وجاء فيها أنه يستن يعني: يدلك أسنانه بالسواك.
стр. 231
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك)
قوله: [حدثنا محمد بن كثير].
محمد بن كثير العبدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سفيان].
سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ثقة فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
وسفيان الثوري متقدم الوفاة؛ لأنه توفي سنة (١٦١هـ) وشيخ أبي داود محمد بن كثير العبدي توفي سنة (٢٢٣هـ) وقد عمر تسعين سنة فأدرك سفيان الثوري، وهذا بخلاف بعض الرواة الذين تكون وفاتهم متأخرة وأعمارهم ليست بطويلة، أو طويلة ولكنها لا تصل إلى حد إدراك مثل سفيان الثوري أو تصل إليه ولكن يدرك من حياته مدة وجيزة لا يروي فيها، فشيخ أبي داود هذا أدرك سفيان الثوري؛ لأنه عُمِّر تسعين سنة، وأيضاً كان في طبقة متقدمة؛ لأنه كان من كبار العاشرة.
[عن منصور] وهو ابن المعتمر الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وحصين].
حصين بن عبد الرحمن ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي وائل].
شقيق بن سلمة ثقة مخضرم، أخرج له أصحاب الكتب الستة، والمخضرم: هو الذي أدرك الجاهلية والإسلام، ولم يلق النبي ﷺ ، أي: أنه أدرك عصر النبوة وكان موجوداً في زمن النبوة، ولكنه لم يحصل له شرف الصحبة إذ لم يلق النبي ﷺ ، وهو مشهور بكنيته أبي وائل، ويأتي كثيراً بلفظ الكنية، ويأتي أيضاً باسمه شقيق بن سلمة.
[عن حذيفة].
حذيفة بن اليمان صحابي ابن صحابي رضي الله تعالى عنهما، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 232
شرح حديث: (أن النبي كان يوضع له وضوءه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا بهز بن حكيم عن زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان يوضع له وضوءه وسواكه، فإذا قام من الليل تخلى ثم استاك)].
أورد أبو داود هذا الحديث عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان يوضع له وضوءه وسواكه -يعني: كان يهيأ له- فإذا قام من الليل تخلى ثم استاك).
وتقول عائشة ﵂: إنه كان يوضع له سواكه وطهوره ووضوءه، والوَضوء هو: الماء الذي يتوضأ به، والوُضوء بالضم هو: فعل التوضؤ، فالوُضوء اسم للفعل، وأما الماء الذي يعد للوضوء فهذا يسمى وَضوءاً بالفتح، وهذا يأتي في كلمات كثيرة؛ حيث يكون الفتح اسماً للشيء الذي يستعمل، والضم يكون اسماً للاستعمال، فالوَضوء اسم للماء المستعمل في الوضوء، والوُضوء فعل الوضوء، فكون الإنسان يغسل وجهه ويديه هذه العملية يقال لها: وُضوء، والماء الذي في الإناء الذي هيئ لأن يتوضأ به يقال له: وَضوء، وهناك كلمات مثل هذه الكلمة وهي: طَهور وطُهور، فالطَهور: هو الماء الذي يتطهر به أو التراب الذي يتيمم به، والطُهور: هو الفعل، وكذلك السَحور والسُحور؛ فالسَحور: الطعام الذي يؤكل في السحر للصيام، والسُحور: عملية الأكل، ومثله السَعوط والسُعوط، فالسَعوط بالفتح: اسم لما يوضع في الأنف يستسعط به، والسُعوط بالضم: اسم للفعل، وكذلك الوَجور والوُجور، الوَجور: اسم للشيء الذي يقطر في الفم للعلاج والدواء، والوُجور: هو نفس الفعل والتقطير ووضعه في الفم، فهذه كلمات على صيغتين: بالفتح والضم، وهي بالفتح اسم للشيء الذي يستعمل وبالضم اسم للاستعمال، وفي هذا الحديث: كان يوضع له وَضوءه، يعني: الماء الذي يتوضأ به إذا قام من الليل، ويوضع له سواكه، فإذا تخلى -يعني: قضى حاجته- استاك ثم توضأ.
стр. 233
تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي كان يوضع له وضوءه)
قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل].
موسى بن إسماعيل التبوذكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا حماد].
هو ابن سلمة ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
وذكرت فيما مضى أن حماداً إذا جاء مهملاً غير منسوب، والذي يروي عنه موسى بن إسماعيل فإنه يحمل على حماد بن سلمة ولا يحمل على حماد بن زيد، وذكرت أن المزي في كتابه تهذيب الكمال بعدما فرغ من ترجمة حماد بن سلمة -وهي بعد ترجمة حماد بن زيد مباشرة- عقد فصلاً ذكر فيه عدداً من الرواة إذا رووا عن حماد غير منسوب فيكون المراد حماد بن سلمة، وذكر آخرين إذا رووا عن حماد فيكون المراد حماد بن زيد، أي: إذا روى فلان وفلان وفلان عن حماد غير منسوب فالمراد به حماد بن سلمة، وإذا روى فلان وفلان وفلان عن حماد غير منسوب فالمراد به حماد بن زيد، وموسى بن إسماعيل إذا روى عن حماد ولم ينسبه فإنه يحمل على حماد بن سلمة.
[أخبرنا بهز بن حكيم].
بهز بن حكيم بن معاوية صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً وأصحاب السنن.
[عن زرارة بن أوفى].
زرارة بن أوفى ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
وقد ذكروا في ترجمته أنه مات فجأة في الصلاة، فإنه كان أميراً على البصرة، فكان يصلي بهم الفجر وقرأ المدثر، فلما جاء عند قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر:٨] بكى وشهق وسقط ميتاً رحمة الله عليه.
ذكر ذلك ابن كثير عند تفسير هذه الآية من سورة المدثر، وكذلك ذكره غيره.
[عن سعد بن هشام].
سعد بن هشام ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
عائشة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها الصديقة بنت الصديق، وهي وعاء من أوعية السنة وحفظتها، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 234
شرح حديث الاستياك بعد النوم قبل الوضوء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن كثير حدثنا همام عن علي بن زيد عن أم محمد عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان لا يرقد من ليل ولا نهار فيستيقظ إلا تسوك قبل أن يتوضأ)].
أورد أبو داود حديث عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان لا يرقد من ليل أو نهار فيستيقظ إلا تسوك قبل أن يتوضأ) وهذا الحديث فيه ذكر الليل والنهار، والليل أمره واضح، وقد جاء في بعض الأحاديث: (أنه كان عندما يقوم يستاك ويتوضأ ويصلي ما شاء أن يصلي من الليل)، وفي هذا الحديث ذكر النهار، ولكن في إسناده من لا يحتج به، ففيه ضعيف ومجهول، فيكون ذكر النهار غير ثابت، ولكن كون الإنسان يستاك استياكاً مطلقاً دون أن يكون مقيداً بأنه سنة وأنه ورد شيء يخصه لا بأس بذلك، فالإنسان له أن يستاك في أي وقت، لكن كونه يفعل ذلك لأنه وردت به السنة في هذا الوقت بالذات، فهذا لم يثبت، وهذا الحديث لم يثبت، لكن الأحاديث الأخرى دالة على الليل.
وأما بالنسبة للنهار فليس بثابت، ولكن السواك مأمور به مطلقاً، فالإنسان يستاك متى شاء وليس هناك تقييد، فإذا استاك لكونه قام من النوم في النهار على اعتبار أن السواك مستحب مطلقاً ولم يقل: إن السواك عند القيام من النوم في النهار سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ فلا بأس بذلك.
стр. 235
تراجم رجال إسناد حديث الاستياك بعد النوم قبل الوضوء
قوله: [حدثنا محمد بن كثير عن همام].
محمد بن كثير مر ذكره، وهمام هو ابن يحيى، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن علي بن زيد].
علي بن زيد بن جدعان ضعيف، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[عن أم محمد].
أم محمد هي: أمية أو أميمة وهي مجهولة، وحديثها عند أبي داود هنا، وفي التقريب رمز لها بـ (ت) ولم يرمز لها بـ (د)، مع أنها موجودة في هذا الإسناد، وفي تحفة الأشراف ذكر رواية أبي داود عنها، فلا أدري هل ذكر أبي داود جاء بدل الترمذي خطأً أو أن لها رواية عند الترمذي وقد أسقطها بعض النساخ، فالله أعلم بحقيقة الأمر.
وقد حكم عليها في عون المعبود بأنها مجهولة، وأما في التقريب فما تعرض لها، ولكن في عون المعبود قال: مجهولة، ولا أدري هل نسخ التقريب كلها ما فيها شيء يتعلق ببيان حالها أم لا.
[عن عائشة].
عائشة قد مر ذكرها.
стр. 236
شرح حديث ابن عباس: (بت ليلة عند النبي فلما استيقظ أتى طهوره فأخذ سواكه فاستاك)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عيسى حدثنا هشيم أخبرنا حصين عن حبيب بن أبي ثابت عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده عبد الله بن عباس ﵄ قال: (بت ليلة عند النبي ﷺ فلما استيقظ من منامه أتى طهوره فأخذ سواكه فاستاك، ثم تلا هذه الآيات: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] حتى قارب أن يختم السورة أو ختمها، ثم توضأ فأتى مصلاه فصلى ركعتين، ثم رجع إلى فراشه فنام ما شاء الله، ثم استيقظ ففعل مثل ذلك، ثم رجع إلى فراشه فنام، ثم استيقظ ففعل مثل ذلك، كل ذلك يستاك ويصلي ركعتين، ثم أوتر)].
أورد أبو داود حديث ابن عباس ﵄ في قصة مبيته عند النبي ﷺ في بيت خالته ميمونة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها؛ لأن أم ابن عباس هي أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية وهي أخت ميمونة بنت الحارث الهلالية، ف ابن عباس بات عند النبي ﷺ في بيت خالته ميمونة، وقد جاءت الرواية عن ابن عباس بألفاظ كثيرة مختصرة ومطولة، وفي بعض الروايات: (أنه لما قام يصلي جاء ووقف عن يساره، فأخذ به وأداره عن يمينه)، وجاءت كيفية الصلاة بألفاظ مختلفة فيها المختصر وفيها المطول، وهذا الذي عند أبي داود هو من تلك الروايات.
قوله: [(بت ليلة عند النبي ﷺ فلما استيقظ من منامه)].
هو بات عند النبي ﷺ ليتعرف على عمله في الليل، وهذا مما يدل على أن الصحابة ﵃ وأرضاهم كانوا حريصين على معرفة السنن والأحكام الشرعية، وتتطلبها، والنظر إلى أحوال الرسول ﷺ ، وماذا كان يفعل في مختلف الأوقات؛ ليأتسوا به ويقتدوا به؛ لأنه هو الأسوة والقدوة لأمته عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
قوله: [(فلما استيقظ من منامه أتى طهوره فأخذ سواكه فاستاك)].
فلما قام من نومه أخذ طهوره ثم أخذ سواكه واستاك يعني: وتوضأ.
وقوله: [(ثم تلا هذه الآيات)].
أي: تلا الآيات التي في آخر سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٩٠].
قوله: [(حتى قارب أن يختم السورة أو ختمها، ثم توضأ فأتى مصلاه فصلى ركعتين ثم رجع إلى فراشه فنام ما شاء الله)].
يعني: أنه صلى ركعتين ثم رجع إلى النوم، ثم قام وعمل مثل ما عمل، وهذا يدلنا على أن الإنسان إذا قام من نوم الليل ولو تكرر فإنه يستاك؛ لأن النبي ﷺ فعل مثل ما فعل في المرة الأولى.
وقوله: [ثم استيقظ ففعل مثل ذلك كل ذلك يستاك ويصلي ركعتين، ثم أوتر].
يعني: أنه ختم الصلاة بالوتر؛ لأن صلاة الليل نهايتها وختامها الوتر.
стр. 237
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس: (بت ليلة عند النبي فلما استيقظ أتى طهوره فأخذ سواكه فاستاك)
قوله: [حدثنا محمد بن عيسى].
هو الطباع، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة.
[حدثنا هشيم].
هشيم بن بشير الواسطي ثقة مدلس، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من المدلسين الذين هم من رجال الصحيحين، كما يقول العراقي في الألفية: وفي الصحيح عدة كـ الأعمش وكـ هشيم بعده وفتشِ فمثل بـ الأعمش وب هشيم للمدلسين الذين جاءت الرواية عنهم في الصحيحين.
[أخبرنا حصين] حصين مر ذكره.
[عن حبيب بن أبي ثابت].
حبيب بن أبي ثابت ثقة كثير التدليس والإرسال، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس].
محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ثقة، أخرج حديثه مسلم وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبيه].
هو علي بن عبد الله بن عباس ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.
[عن جده].
عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ ، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد الصحابة السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 238
طريق أخرى لحديث ابن عباس: (بت ليلة عند النبي فلما استيقظ أتى طهوره فأخذ سواكه فاستاك)
[قال أبو داود: رواه ابن فضيل عن حصين قال: (فتسوك وتوضأ وهو يقول: ((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) [آل عمران:١٩٠] حتى ختم السورة)].
أشار أبو داود إلى طريق أخرى لحديث ابن عباس، وهي عن ابن فضيل وهو محمد بن فضيل بن غزوان صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حصين].
وحصين مر ذكره.
وقوله: (مصلاه) يعني: المكان الذي يصلي فيه، فيمكن أن الإنسان يتخذ له مكاناً يصلي فيه، لكن لا يتقيد الإنسان بمكان معين، لكنه إذا كان واضعاً له سجادة أو واضعاً له شيئاً في مكان معين ليصلي فيه فلا بأس بذلك.
فمصلاه: هو المكان الذي كان يصلي فيه ﷺ في حجرته.
стр. 239
فرض الوضوء
стр. 240
شرح حديث: (لا يقبل الله صدقة من غلول ولا صلاة بغير طهور)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فرض الوضوء.
حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي المليح عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ قال: (لا يقبل الله صدقة من غلول، ولا صلاة بغير طهور)].
أورد أبو داود باب فرض الوضوء.
يعني: أنه فرض ولا زم، وأنه مما فرضه الله ، وأن الصلاة لا بد لها من وضوء أو ما يقوم مقام الوضوء، والذي يقوم مقام الوضوء هو التيمم، فإن التيمم يقوم مقام الوضوء عند فقد الماء أو عند عدم القدرة على استعماله.
أورد أبو داود حديث أسامة بن عمير رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (لا يقبل الله صدقة من غلول)، الغلول هو: الأخذ من الغنيمة خفية، والرسول ﷺ يقول: (لا يقبل الله صدقة من غلول)؛ لأن المال الحرام لا يقبل الله الصدقة منه؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، والحرام لا يتصدق به، وليس مصدراً للإنفاق؛ لأن التصرف فيه حرام؛ لأنه أخذه من حرام، وإخراجه كذلك حرام؛ لأنه ليس مالاً ولا حقاً له، فهو تصدق بشيء لا يملكه، وإنما هو محرم عليه، فلا يقبل الله صدقة من غلول؛ لأنها ليست من ماله ولا من ملكه، والله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، وهي ليست من الطيب، بل هي من الخبيث الذي جاء عن طريق الغلول.
وقوله: (ولا صلاة بغير طهور) يعني: ولا يقبل الله صلاة بغير طهور، فالإنسان إذا صلى بدون وضوء أو بدون تيمم فصلاته باطلة، ولا عبرة بها ولا قيمة لها، بل يتحتم على المسلم ويلزمه عند إرادة الصلاة أن يتوضأ، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦]، أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم، فهذا فرض لازم، وإذا صلى الإنسان على غير طهارة وهو قادر على استعمال الماء أو التيمم عند فقد الماء فإن صلاته لا تصح ولا تكون مقبولة عند الله، أما إذا كان الإنسان ليس قادراً على الماء، ولا على التيمم، فإنه يصلي على حسب حاله؛ لقوله : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، ولا تسقط عنه الصلاة، فإذا عجز الإنسان عن الماء والتيمم كالذي يكون مربوطاً في سارية، ويأتي وقت الصلاة وهو لا يستطيع الوضوء ولا التيمم، لا يقال: إنه لا صلاة عليه وإن الصلاة تسقط عنه، وإنما ما دامت الروح في الجسد فلا بد من الصلاة، فيصلي على حسب حاله، ولكن الشيء الذي لا يقبله الله هو الذي يكون معه قدرة على الطهور سواء كان الوضوء أصلاً أو ما يقوم مقام الوضوء الذي هو التيمم، وهذا يدلنا على أن الوضوء فرض لازم لا بد منه، وأنه لا تقبل الصلاة إلا بوضوء أو ما يقوم مقام الوضوء الذي هو التيمم.
стр. 241
تراجم رجال إسناد حديث: (لا يقبل الله صدقة من غلول ولا صلاة بغير طهور)
قوله: [حدثنا مسلم بن إبراهيم].
مسلم بن إبراهيم الفراهيدي الأزدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن شعبة].
شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن قتادة].
قتادة بن دعامة السدوسي البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي المليح].
أبو المليح بن أسامة بن عمير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
أبوه أسامة بن عمير صحابي أخرج له أصحاب السنن الأربعة.
стр. 242
حكم التصدق بالفوائد الربوية
وإذا كان الإنسان ن يضع ماله في البنوك الربوية هل يأخذ هذه الفوائد؟ وإذا أخذها هل له أن يتصدق بها أو ماذا يعمل؟ الظاهر أنه لا يأخذ هذه الأموال التي يسمونها فوائد وهي مضار، وليست بفوائد في الحقيقة، فالإنسان إذا أراد أو احتاج إلى أن يودع ماله في بنك من البنوك فإن كان معروفاً أن هذا المكان لا يتعامل بالربا فهذا هو الذي ينبغي أن يودع فيه، وإذا كان لم يجد إلا بنكاً يتعامل بالربا وهو مضطر إلى الإيداع فيه فيودع، لكن لا يأخذ الربا المحرم، وإذا تمكن من أن يجد بنكاً يؤجر خزائن يودع بها المال فإن هذا هو الذي ينبغي أن يفعله؛ لأنه في هذه الحالة لا يمكن البنك من أن يتصرف في ماله بالربا، لأنه يستأجر خزانة ويأخذ مفتاحها، ويأتي ويجد نقوده على رباطها وهيئتها وشكلها، والبنك لا علاقة له بها، وإنما يدفع الأجرة ويكون بذلك لم يمكن البنك، فبعض البنوك تعمل هذا العمل، فإذا وجدت بنوك من هذا القبيل فإن الاستئجار منها والإيداع في هذه الخزانة التي لا يتمكن البنك من التصرف في المال الذي فيها هو الأولى والأفضل، وإذا لم يجد إلا أن يودع، وإذا لم يودع تعرض ماله للضياع فإنه يودع ولا يأخذ الربا المحرم، بل التصدق من الحرام هو مثلما يقول الشاعر: كمطعمة الأيتام من كد فرجها لك الويل لا تزني ولا تتصدقي
стр. 243
شرح حديث: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)].
أورد أبو داود ﵀ حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، فهو مثل حديث أسامة بن عمير ﵁ في أنه لا تقبل الصلاة إلا بوضوء، وإذا أحدث الإنسان لا بد أن يتوضأ، ولا يصلي الإنسان إلا على طهارة سواء كانت الأصلية التي هي الوضوء أو ما يقوم مقام الوضوء وهو التيمم عند فقد الماء أو عدم القدرة عليه.
стр. 244
تراجم رجال إسناد حديث: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)
قوله: [حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل].
أحمد بن محمد بن حنبل الإمام المشهور أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة.
стр. 245
توقير الأئمة الأربعة وعدم القدح فيهم
وأصحاب المذاهب الأربعة هم: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، هؤلاء الأربعة هم الذين اشتهرت مذاهبهم؛ لأنه وجد لهم تلاميذ عنوا بنشر مذاهبهم وتدوينها والعناية بها حتى بقيت وكانت بين أيدي الناس، وقد كان في زمانهم علماء مجتهدون أهل فقه وحديث، لكن ما حصل لهم من التلاميذ من يعتني بأقوالهم وآرائهم كما حصل لهؤلاء الأئمة الأربعة، مثل سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وغيرهم كثير مشهورون بالفقه والحديث، ولكن تميز هؤلاء الأربعة على غيرهم لقيام تلاميذهم ومن جاء بعدهم بالعناية بأقوالهم وترتيبها وتنظيمها والتأليف فيها، حتى صارت بين أيدي الناس محفوظة.
والأئمة الأربعة أولهم أبو حنيفة وكانت ولادته سنة ثمانين من الهجرة، وكما أسلفت في درس مضى أن على طالب العلم أن يستفيد من كلام الفقهاء ويحترمهم ويوقرهم، لكن لا يتعصب لأحد، وإنما يوقر الجميع، ويعتقد أن كل واحد من هؤلاء المجتهدين لا يعدم الأجر أو الأجرين، فإن اجتهد فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، ولقول النبي ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد)، لكن المذموم هو التعصب لواحد من الأئمة الأربعة أو غيرهم، أما احترامهم وتوقيرهم والأخذ بالنص إذا وجد ثابتاً عن رسول الله ﷺ فهذا هو المتعين، وهذا هو تحقيق ما يريده الأئمة الأربعة؛ لأن كل واحد منهم جاءت الوصية منه بأنه إذا وجد له قول يخالف ما جاء عن النبي ﷺ فيطرح قوله ويعول على ما جاء عن النبي ﷺ ، والعلماء كتبوا في هذا المعنى كتابات واعتذارات عن الأئمة إذا وجدت أحاديث صحيحة تخالف ما رآه أحد منهم، ومن أحسن ما كتب في ذلك رسالة قيمة ل ابن تيمية رحمة الله عليه اسمها: رفع الملام عن الأئمة الأعلام؛ لأن فيها احترام العلماء وتوقيرهم، وأن من وجد له قول قد جاء حديث صحيح بخلافه فإنه يعتذر له إما بكون الحديث ما بلغه، أو أنه بلغه من وجه لا يصح، ولكنه قد صح من وجه لم يبلغه، وهذا هو الذي يأتي كثيراً عن الشافعي حيث يقول: إن صح الحديث قلت به، فيأتي بعض أصحابه ك البيهقي والنووي ويقولون: وقد صح الحديث وهو مذهب الشافعي؛ لأنه قال: إن صح الحديث قلت به.
وقد صح، فهو علق القول به على الصحة؛ لأنه ما وصل إليه من طريق صحيح.
ويقول الشافعي رحمة الله عليه: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد كائناً من كان، لكن العلماء يُحترمون ويُوقرون، ويُثنى عليهم، ويُدعى لهم، ويُترحم عليهم ويُستغفر لهم، ولكن لا غلو ولا جفاء، فالحق وسط بين الإفراط والتفريط، فلا غلو فيهم بأن يتعصب الإنسان لهم، ولا جفاء بأن يتهاون الإنسان فيهم ولا يعرف لهم أقدارهم أو ينال منهم ويتكلم فيهم بما لا ينبغي، فهذا لا يليق، وإنما التوسط والاعتدال هو المطلوب في الأمور، فلا إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا جفاء، فلا يغلو في أحد منهم فيقول: إنه هو الذي لا يترك قوله، وهو الذي يعول على قوله، وهو الذي لا يخفى عليه شيء عن الرسول ﷺ ، ولو كان في المسألة حديث ما خفي على الإمام ونحو هذا من عبارات الغلو، ويقابلها عبارات الجفاء من الذي لا يوقر الأئمة ولا يحترمهم، وقد ينال منهم ويتكلم فيهم بما لا ينبغي، فالواجب هو احترامهم وتوقيرهم، والأخذ بوصاياهم، وهي التعويل على الدليل إذا جاء عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
стр. 246
تابع تراجم إسناد حديث: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)
قوله: [حدثنا عبد الرزاق].
عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني ثقة، وقد أكثر عنه الإمام أحمد وروى عنه.
[أخبرنا معمر].
معمر بن راشد الأزدي البصري اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن همام بن منبه].
همام بن منبه ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله ﷺ ، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق.
وهذه الطريق التي هي: عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة هي الطريق التي جاءت بها صحيفة همام بن منبه المشهورة، وفيها أحاديث كثيرة جداً، وكلها بإسناد واحد، يعني: عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة.
ومسلم رحمة الله عليه في صحيحه روى أحاديث كثيرة منها عن شيخه محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن أبي هريرة وكانت بإسناد واحد إلا أن الفرق بين كل حديث وحديث أنه يقول: وقال رسول الله ﷺ كذا وقال الرسول كذا، ولهذا اختلفت طرائق الأئمة في الرواية من الصحيفة التي جاءت بإسناد واحد، فبعضهم يروي جزءاً منها بنفس الإسناد، وكأن الإسناد مركب على كل جزئية منها فيأخذ قطعة من الحديث التي فيها: قال رسول الله ﷺ كذا ويأتي بالإسناد الأول ويركبه عليها، أما الإمام مسلم رحمة الله عليه فهو معروف بالعناية والدقة في الرواية سواء بالنسبة للإسناد أو بالنسبة للمتن؛ لأنه كثيراً ما يقول: حدثنا فلان وفلان واللفظ لفلان، ويقول: قال فلان: حدثنا وقال فلان: أخبرنا، فيعتني بألفاظ الرواة والأحاديث ولا يأتي بالرواية بالمعنى، بل يحرص على المحافظة على الألفاظ، فكان من طريقته أنه إذا روى من صحيفة همام بن منبه إذا انتهى إلى أبي هريرة ﵁ قال: فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ كذا، فتكون عبارته دالة على أن هناك أشياء كانت بين الإسناد وبين هذا الذي أورده؛ لأنه لما انتهى الإسناد قال: عن أبي هريرة ﵁ فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ كذا.
وهذا من عنايته ودقته، ولهذا يقول ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمته: حصل للإمام مسلم حظ عظيم مفرط ما حصل لأحد غيره من العناية في جمع الأحاديث والمحافظة على الألفاظ وعدم تقطيعها، وعدم الرواية بالمعنى، وذكر العمل الذي أثنى عليه به، وقال: وقد عمل جماعة من النيسابوريين على منواله، وذكر منهم عدداً كبيراً قال: وما أحد عمل مثل ما عمل أو بلغ مثل ما بلغ، وأثنى عليه ثناءً عظيماً رحمة الله عليه.
стр. 247
شرح حديث: (مفتاح الصلاة الطهور)
قال المصنف ﵀: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن سفيان عن ابن عقيل عن محمد بن الحنفية عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)].
أورد أبو داود ﵀ حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (مفتاح الصلاة الطُّهور) الطُهور أو الوُضوء هو هنا بالضم؛ لأنه ليس اسماً للماء وإنما هو اسم للفعل الذي هو التوضؤ والتطهر أو التيمم؛ والطُّهور يشمل الوضوء والتيمم؛ لأن كله يقال له: طهور وكله يقال له: تطهر، بخلاف الوضوء فإنه خاص باستعمال الماء، وأما الطهور فيكون بالماء والتراب.
قال ﵊: (مفتاح الصلاة الطهور) الصلاة لا يمكن أن يدخل إليها إلا بالطهور، فأي إنسان ما توضأ ولا تيمم لا يقبل الله له صلاة، كما جاءت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، فهي مثل البيت الذي أغلق بباب، والباب له مفتاح، ولا يوصل إلى البيت أو المكان الذي عليه الباب إلا بالمفتاح الذي يفتح به الباب، فكذلك الصلاة لا يوصل إليها إلا عن طريق الطهور، فمفتاح الصلاة الطهور.
وقوله: (وتحريمها التكبير) أي: الدخول فيها يكون بالتكبير؛ لأن الإنسان قبل أن يكبر له أن يتصرف كما يشاء، فله أن يأكل، ويشرب، ويلتفت، ويتحدث، ويكلم، ويذهب، ويجيء، ولكن ذلك قبل أن يقول: الله أكبر، داخلاً في الصلاة، فإنه يحرم عليه بقوله: الله أكبر ما كان حلالاً له قبل أن يقولها، فيحرم عليه أن يتكلم بعدما يدخل الصلاة بلفظ: الله أكبر، ويحرم عليه أن يشرب ويأكل، ويحرم عليه أن يذهب ويجيء، فيحرم عليه أن يتصرف ويعمل الأعمال التي تنافي الصلاة؛ لأن تحريمها التكبير.
ثم أيضاً الحديث فيه دلالة على أن تحريمها لا يكون إلا بالتكبير، فلا يدخل فيها بأن يقال: الله أجل، أو الله أعظم، بل لا بد من: الله أكبر، ولهذا قال الرسول ﷺ : (تحريمها التكبير) يعني: أن الدخول فيها، والحد الفاصل بين ما يحل قبلها وما يحرم بعدها مما يحل قبلها هو قول: الله أكبر، وكذلك قد جاء في حديث المسيء صلاته أنه ﷺ قال له: (إذا قمت إلى الصلاة فاستقبل القبلة وكبر) يعني: أن يقول: الله أكبر، فدلنا هذا على أنه يتعين لفظ التكبير، ولا يجزئ أن يؤتى بلفظ آخر يحل محل التكبير، وقد قال ذلك بعض أهل العلم، ولكن ذلك ليس بصحيح؛ لأنه ينافي ما جاء في الأحاديث عن رسول الله ﷺ من تعيين التكبير في الدخول في الصلاة.
وقوله: (وتحليلها التسليم) يعني: الانتهاء منها يكون بالتسليم، فإذا سلم الإنسان حل له بعد التسليم ما كان حراماً عليه قبل أن يسلم، كما أنه كان قبل التكبير حلالاً، فأحرم بالتكبير، وهذه الحرمة استمرت إلى حين التسليم، فلما وجد التسليم رجع إلى ما كان عليه قبل التكبير، وما كان جائزاً قبل التكبير حل بعد التسليم؛ لأن التحلل من الصلاة والخروج منها إنما يكون بالتسليم لا بغيره، وليس كما قال بعض أهل العلم: إن الإنسان إذا لم يبق له إلا التسليم فتشهد وانصرف فإنه يكون قد انتهى من الصلاة سلم أو لم يسلم! فإن هذا لا يتفق مع قوله ﷺ : (تحليلها التسليم) بل ينافيه، فلو أن إنساناً أحدث قبل أن يسلم وبعد أن تشهد لصحت صلاته عند بعض أهل العلم، ولكن لا تصح عند جمهورهم؛ لأن قوله ﷺ : (تحليلها التسليم) يدل على أنها لا تنتهي إلا بتسليم، وأن الإنسان قبل أن يذكر التسليم هو في الصلاة وليس منتهياً منها، وإنما ينتهي منها بالتسليم، على خلاف بين أهل العلم هل الانتهاء بتسليمة واحدة أو بالتسليمتين.
стр. 248
تراجم رجال إسناد حديث: (مفتاح الصلاة الطهور)
قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة].
عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[حدثنا وكيع].
وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سفيان].
هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وإذا جاء وكيع يروي عن سفيان فالمراد به الثوري وليس المراد سفيان بن عيينة.
[عن ابن عقيل].
عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب صدوق في حديثه لين، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجة.
[عن محمد بن الحنفية].
هو محمد بن علي بن أبي طالب مشهور ب ابن الحنفية، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن علي].
علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أمير المؤمنين، ورابع الخلفاء الراشدين الهاديين المهديين أبو السبطين، وهو خير من مشى على الأرض من غير الأنبياء بعد أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.
والله تعالى أعلم.
стр. 249
الأسئلة
стр. 250
كيفية العمل لمن كان في نافلة وأقيمت الفريضة
السؤال
في الحديث: (تحليلها التسليم)، فإذا أقيمت الصلاة والمرء في صلاة النافلة هل يقطعها قطعاً أو يسلم؟
الجواب
إذا كان الإنسان في صلاة وأقيمت الصلاة فإذا كان في أولها أو ليس في آخرها فإنه يقطعها بدون تسليم، وإذا كان في آخرها يتمها إتماماً خفيفاً.
وأما هذا الحديث فالمراد به: التحليل والتسليم الذي هو نهايتها، وأما هذا فهو قطع لها قبل أن يكملها.
следующие страницы →