Полный текст (18 341 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
تراجم رجال إسناد حديث (فحسبه بعدما أقيمت الصلاة)
قوله: [حدثنا حسين بن معاذ].
حسين بن معاذ ثقة، أخرج له أبو داود وحده.
[عن عبد الأعلى].
هو عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حميد].
هو حميد بن أبي حميد الطويل، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ثابت البناني].
ثابت بن أسلم البناني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس بن مالك ﵁].
صاحب رسول الله ﷺ وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 1822
شرح حديث (كنا نقوم في الصفوف على عهد رسول الله ﷺ طويلاً قبل أن يكبر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن علي بن سويد بن منجوف السدوسي حدثنا عون بن كهمس عن أبيه كهمس قال: قمنا إلى الصلاة بمنى والإمام لم يخرج فقعد بعضنا، فقال لي شيخ من أهل الكوفة: ما يقعدك؟ قلت: ابن بريدة قال: هذا السمود.
فقال لي الشيخ: حدثني عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب قال: كنا نقوم في الصفوف على عهد رسول الله ﷺ طويلاً قبل أن يكبر قال: وقال: (إن الله وملائكته يصلون على الذين يلون الصفوف الأول، وما من خطوة أحب إلى الله من خطوة يمشيها يصل بها صفاً)].
أورد أبو داود ﵀ حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما، وهو يدل على أن الإمام ينتظرونه قياماً ولا ينتظرونه قعوداً، وهو مخالف للحديث المتقدم حديث أبي قتادة: (إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني) إذ معناه أنهم ينتظرونه وهم قعود.
وهذا الحديث فيه أنهم ينتظرون وهم قيام ولا يقعدون، حيث إن الصلاة أقيمت في منى فتأخر الإمام، فجلس بعضهم، فقال وقوله: [هذا السمود] معناه القعود عند انتظار الإمام.
وقيل: إن المقصود بالسمود هنا أن فيه غفلة.
وقيل: إن المقصود به كون الإنسان قائماً ويرفع رأسه، وهو يريد بهذا أن الناس يجلسون ولا يكونون قائمين.
ثم إن الشيخ حدث بهذا الحديث عن البراء بن عازب [كنا نقوم في الصفوف على عهد رسول الله ﷺ طويلاً قبل أن يكبر].
وهذا الذي جاء في هذا الحديث لا يعارض ما جاء في الأحاديث المتقدمة، وحديث أبي قتادة الذي مر: [(لا تقوموا حتى تروني)] يعني: إذا كانوا ينتظرونه وهم قعود، وعلى فرض صحة الحديث هنا فإنهم لا يقومون إذ لم يحضر، وإنما ذلك إذا كان حاضراً وهو يقيم الصفوف ويأمرهم بتسوية الصفوف، فإذا سووا الصفوف دخل في الصلاة صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فلا يعني أنهم ينتظرونه، مع أن الحديث فيه إشارة إلى أن الإمام لم يحضر، ولكن الذي أورده لا يدل على أن الإمام لم يحضر، بل يمكن أن يكون قد حضر ولكنه مشغول بتسوية الصفوف فيمضي شيء من الوقت وهم قيام من أجل تسوية الصفوف لا من أجل إن الإمام غير موجود، أما إذا كان غير موجود فكيف ينتظرونه وهم قيام وفي ذلك مشقة عليهم؟! وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: [(إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت)].
والحديث في إسناده ذلك الرجل المبهم الذي هو رجل من أهل الكوفة، فهو غير صحيح، ولا يقاوم ولا يقابل ما صح وثبت مما ترجم له المصنف، وهو أنهم ينتظرونه قعوداً، ولا ينتظرونه قياماً.
وقوله: [قلت: ابن بريدة قال: هذا السمود].
يعني أن ابن بريدة هو الذي يقول بأنه لا ينتظر الناس الإمام وهم قيام، بل والناس قعود، وجلة [هذا السمود] من كلام ابن بريدة.
قوله: [فقال لي الشيخ: حدثني عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب ﵄ أنه قال: (كنا نقوم في الصفوف على عهد رسول الله ﷺ طويلاً قبل أن يكبر)].
هذا ليس فيه دليل على أن الإمام لم يكن قد حضر كما جاء في القصة التي ذكرت هنا، وإنما يمكن أن يكون الإمام موجود بينهم ولكنه يسويهم، ويكون الطول نسبياً في انتظار تسوية الصفوف، لا أن الإمام كان غائباً وهم ينتظرونه.
قوله: [(إن الله وملائكته يصلون على الذين يلون الصفوف الأول)].
يعني: الذين يبكرون ويتقدمون ويكملون الصف الأول فالأول.
وقوله: [(وما من خطوة أحب إلى الله من خطوة يمشيها يصل بها صفاً)].
معناه أن المشي والتقدم من أجل وصل الصفوف أمر مطلوب ومشروع، وكل صف يكمل، ولا ينشأ الصف الثاني إلا بعد اكتمال الصف الأول، ولا يؤتى بالصف الثالث إلا إذا كمل الصف الثاني، ولا يؤتى بالصف الرابع إلا إذا كمل الثالث وهكذا، فيكمل كل صف أولاً ثم ينشأ الصف الذي وراءه، ولا يصف لصف آخر والذي قبله لم يكتمل، وإنما على الإنسان أن يتقدم ليكمل الصفوف الأول، فقوله: [(إن الله وملائكته يصلون على الذي يلوون الصفوف الأول)] يكملون الصف الأول فالأول، ويمشي الواحد من أجل أن يكمل الصف، ولا تبقى فرجة في الصفوف الأول، بل تكمل، ومن المعلوم أن وصل الصفوف وسد الفرج أمر مطلوب، والمقصود أن هذا في غير الصلاة، وإذا كان في الصلاة والإنسان أمامه فرجة والصف قريب وتقدم من صف إلى صف ليسد الفرجة الموجودة فلا بأس بذلك؛ لأن خطوتين أو ثلاثاً في سبيل ذلك لا بأس بها، ولكن كونه يمشي من مسافة بعيدة ويتقدم من صف إلى صف وهو في الصلاة لا ينبغي، وإنما هو في حق من يأتي ولم يدخل في الصلاة، فإن عليه أن يتقدم إلى أن يصل إلى المكان الذي هو الفرجة التي في الصف الذي قبله.
стр. 1823
تراجم رجال إسناد حديث (كنا نقوم في الصفوف على عهد رسول الله طويلاً قبل أن يكبر)
قوله: [حدثنا أحمد بن علي بن سويد بن منجوف السدوسي].
صدوق أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي.
[حدثنا عون بن كهمس].
عون بن كهمس مقبول، أخرج حديثه أبو داود.
[عن أبيه كهمس].
هو كهمس بن الحسن، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[فقال لي شيخ من أهل الكوفة].
هو شيخ من أهل الكوفة مجهول مبهم لا يُعرف.
[حدثني عبد الرحمن بن عوسجة].
عبد الرحمن بن عوسجة ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.
[عن البراء بن عازب].
هو البراء بن عازب ﵄، الصحابي الجليل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
والحديث فيه هذا الرجل الكوفي المبهم، فهو ضعيف.
стр. 1824
شرح حديث (أقيمت الصلاة ورسول الله نجي في جانب المسجد)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: (أقيمت الصلاة ورسول الله ﷺ نجي في جانب المسجد، فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم)].
أورد أبو داود ﵀ حديث أنس بن مالك ﵁: [(أقيمت الصلاة والنبي ﷺ نجي في جانب المسجد)] يعني: يناجي رجلاً في المسجد، فطالت المناجاة، قال: [(فما قام إلى الصلاة)] أي أنه بقي مع ذلك الذي يناجيه [حتى نام القوم] يعني: حصل منهم النعاس، وهذا بعد الإقامة، وهو يدلنا على أن الناس ينتظرون الإمام وهم جلوس، وكذلك الإمام أو غير الإمام له أن يكلم غيره بين الإقامة وبين الدخول في الصلاة.
стр. 1825
تراجم رجال إسناد حديث (أقيمت الصلاة ورسول الله ﷺ نجي في جانب المسجد)
قوله: [حدثنا مسدد].
هو مسدد بن مسرهد البصري، ثقة، أخرج له: البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا عبد الوارث].
هو عبد الوارث بن سعيد العنبري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد العزيز بن صهيب].
عبد العزيز بن صهيب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس].
هو أنس بن مالك ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وقد مر ذكره.
وهذا من أعلى الأسانيد عند أبي داود، وهي الرباعيات، حيث يكون بين أبي داود وبين رسول الله ﵊ أربعة أشخاص، فهنا: مسدد وعبد الوارث وعبد العزيز بن صهيب وأنس بن مالك، فهؤلاء أربعة أشخاص بين أبي داود وبين رسول الله ﵊، فهو أعلى الأسانيد عنده؛ لأنه ليس عنده من (الثلاثيات) شيء، بل أعلى ما عنده (الرباعيات).
وبالمناسبة فإن مسلماً مثل أبي داود، فـ مسلم ليس عنده إلا الرباعيات، والنسائي كذلك ليس عنده إلا الرباعيات، فهؤلاء الثلاثة أعلى ما عندهم (الرباعيات) وهم: مسلم وأبو داود والنسائي، وأما البخاري فعنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، والترمذي عنده حديث واحد ثلاثي، وابن ماجه عنده خمسة أحاديث ثلاثية، وكلها بإسناد واحد وذلك الإسناد فيها ضعيف.
стр. 1826
شرح حديث (كان رسول الله حين تقام الصلاة في المسجد إذا رآهم قليلاً جلس لم يصل)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن إسحاق الجوهري أخبرنا أبو عاصم عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سالم أبي النضر قال: (كان رسول الله ﷺ حين تقام الصلاة في المسجد إذا رآهم قليلاً جلس لم يصل، وإذا رآهم جماعة صلى)].
أورد أبو داود هذا الحديث، ومعناه أنها تقام الصلاة فإذا كانوا قليلاً فإنه يجلس ينتظر، وإذا كانوا كثيراً فإنه يصلي بالناس ويدخل في الصلاة، وهذا الحديث منقطع؛ لأن سالماً أبا النضر تابعي لم يدرك النبي ﷺ ، وهو مرسل غير ثابت، وهو غير واضح من جهة المعنى، حيث تقام الصلاة ثم يجلس ينتظر الناس حتى يكثروا، ولعل المقصود أنه ليس المراد بذلك تقام الصلاة، بل حين يأتي وقت إقامة الصلاة وليس معنى ذلك أنه ينتظر بعد أن تقام الإقامة المعروفة بتكبيراتها وألفاظها ثم بعد الإقامة يجلس ينتظر الناس، وإنما يمكن أن يقال: حين تقام الصلاة بمعنى: حين يأتي الوقت الذي تقام فيه الصلاة، وليس المقصود أنه ينادى لها ثم الرسول ﷺ يترك الدخول في الصلاة لأنهم قلة والحديث غير ثابت؛ لأن فيه الإرسال من سالم أبي النضر، وهو تابعي وليس بصحابي.
стр. 1827
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله حين تقام الصلاة في المسجد إذا رآهم قليلاً جلس لم يصلّ)
قوله: [حدثنا عبد الله بن إسحاق الجوهري].
عبد الله بن إسحاق الجوهري ثقة، أخرج له أصحاب السنن الأربعة.
[أخبرنا أبو عاصم].
هو الضحاك بن مخلد أبو عاصم النبيل، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن جريج].
هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن موسى بن عقبة].
موسى بن عقبة المدني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سالم أبي النضر].
سالم أبو النضر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
والحديث مرسل؛ لأن سالماً أبا النضر تابعي وليس بصحابي.
стр. 1828
طريق أخرى لحديث: (كان رسول الله ﷺ حين تقام الصلاة إذا رآهم قليلاً جلس لم يصلِّ) وتراجم رجال إسنادها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن إسحاق أخبرنا أبو عاصم عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع بن جبير عن أبي مسعود الزرقي عن علي بن أبي طالب ﵁ مثل ذلك].
أورد أبو داود ﵀ الحديث السابق عن علي بن أبي طالب ﵁، وهذا -أيضاً- في إسناده أبو مسعود الزرقي، وهو مجهول، فيكون الحديث غير صحيح.
قوله: [حدثنا عبد الله بن إسحاق أخبرنا أبو عاصم عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع بن جبير].
نافع بن جبير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي مسعود الزرقي].
أبو مسعود الزرقي مجهول، أخرج حديثه أبو داود وحده.
[عن علي بن أبي طالب].
هو علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، ورابع الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة ﵁ وأرضاه.
وكلمة: ﵇ التي يؤتى بها بعد ذكر علي ﵁ وذكر الحسن والحسين وفاطمة رضي الله تعالى عنهم ليست من عمل المؤلفين والمصنفين والرواة، وإنما هي من عمل نساخ الكتب، فنساخ الكتب هم الذين يأتون بهذه الكلمات والإضافات، وقد أشار إلى هذا الحافظ ابن كثير في تفسيره عند قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، فذكر أنه عندما يذكر علي يقال: ﵇، وهذا إنما هو من نساخ الكتب، فهم الذين يأتون بـ ﵇ أو (كرم الله وجهه).
قالوا: والأصل أن الصحابة ﵃ وأرضاهم يعاملون معاملة واحدة، فيقال عن الواحد منهم: ﵁، وهذا هو الذي درج عليه السلف، أي أنه يترضى عن جميع الصحابة، ويترحم على من بعدهم، وقد يترحم عليهم ويترضى عمن بعدهم، لكن الذي غلب في الاستعمال أن الترضي يكون للصحابة، والترحم يكون على من بعدهم، وهذا هو المعتمد.
стр. 1829
شرح سنن أبي داود [٠٧٦]
صلاة الجماعة لها أهمية عظيمة في دين الإسلام، وقد جاء الحث عليها في عدد من الأحاديث، بل جاء التهديد والوعيد لمن يتخلف عنها، ولذا يجب على جميع المسلمين المحافظة على صلاة الجماعة، والتناصح فيما بينهم من أجل الحفاظ عليها؛ فإن فيها الأجر العظيم والثواب الجزيل.
стр. 1830
التشديد في ترك الجماعة
стр. 1831
شرح حديث: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في التشديد في ترك الجماعة.
حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زائدة حدثنا السائب بن حبيش عن معدان بن أبي طلحة اليعمري عن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية).
قال زائدة: قال السائب: يعني بالجماعة: الصلاة في الجماعة].
أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة [باب في التشديد في ترك الجماعة]، يعني أن الإتيان بالصلاة في جماعة أمر مطلوب، وهو واجب على الرجال، ولا يجوز للرجال أن يصلوا فرادى أو أن يصلوا في بيوتهم، بل عليهم أن يأتوا إلى المساجد ويصلوا جماعة مع المسلمين في مساجدهم، فصلاة الجماعة واجبة، ومن العلماء من قال: إنها شرط.
ولكن الصحيح أنها ليست بشرط؛ لأن القول بأنها شرط معناه أنه لو صلى الإنسان وحده لم تصح صلاته، والصحيح أنها تصح صلاته، ولكنه يفوته خير كثير، ويأثم على ترك الواجب.
وقد جاءت أدلة كثيرة تدل على أن صلاة الجماعة واجبة، وأن من تركها يأثم، وأنه لا يرخص لأحد في تركها إلا من كان معذوراً، كمن كان مريضاً لا يستطيع أن يأتي المسجد فهو معذور؛ لقوله : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، أما مع القدرة ومع الصحة والعافية فإنه يتعين على الإنسان أن يصلي مع الجماعة في المسجد، بل لو كان أعمى فإنه لا يُعذر؛ لأن العمى لا يمنع من الذهاب إلى المسجد، وإنما الذي يمنع هو المرض الذي لا يستطيع الإنسان معه أن يذهب إلى المسجد، وقد كان أصحاب رسول الله ﵊ ورضي الله عنهم وأرضاهم يصيب الواحد منهم المرض فلا ترضى نفسه بأن يصلي في بيته، بل يأتي وهو يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف.
والترجمة هي: (التشديد في ترك الجماعة)، يعني أن عدم الإتيان للصلاة جماعة أمر خطير وعظيم، وقد ورد فيه وعيد وتحذير وتخويف، هذا هو المقصود بالتشديد في ترك الجماعة، فليس بالأمر الهين أن تترك الجماعة، بل قد جاء ما يدل على عظم هذا الأمر وأهميته، وعلى خطورة تركه.
وقد أورد أبو داود ﵀ حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية)، وهذا الحديث يدل على ما ترجم له المصنف من أهمية الجماعة، وخطورة تركها، وأن عدم الإتيان بالصلاة جماعة فيه استحواذ الشيطان على هؤلاء الذين لا يصلون جماعة، سواءٌ أكانوا أهل قرية أم في بادية فإنه يجب عليهم أن يصلوا جماعة، فأهل القرية يصلون جماعة، وأهل البادية الذين هم في بيوت شعر وصوف ويتنقلون من مكان إلى مكان عندما يقطنون ويكونون في مكان يجتمعون لصلاة الجماعة ويصلون جماعة، ولا يصح أن كل واحد يصلي بمفرده، بل إن صلاة الجماعة ما تركت في حال الخوف، حيث جاء الكتاب وجاءت السنة في بيان أن الصلاة تقام جماعة، وأن الإمام يقسم الجيش إلى مجموعتين: مجموعة تصلي أولاً مع الإمام وتكمل لنفسها، ثم تأتي المجموعة الثانية وتصلي مع الإمام آخر صلاته وتكمل لنفسها ثم تسلم.
وهناك أوجه كثيرة جاءت في صلاة الخوف إذا كان العدو في جهة القبلة، وإذا كان في غير جهة القبلة، وهذا من أوضح الأدلة التي يستدل بها على وجوب الجماعة؛ لأنه لو كان أمر الجماعة هيناً لما أتي بها مع شدة الخوف ولا حصل تقسيم الناس إلى مجموعتين.
وقوله: [(ما من ثلاثة في قرية أو بدو لا تقام فيهم الصلاة -أي: جماعة- إلا استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)] يعني أن الانفراد أو الشذوذ عن الجماعة والصلاة في حال انفراد هو من استحواذ الشيطان على الإنسان، ومن عمل الشيطان، ومن كيد الشيطان ومن مكر الشيطان بالإنسان، فكما أن الذئب يأكل القاصية المنفردة عن الغنم فكذلك الشيطان يستولي أو يستحوذ على من يشذ وينفرد عن الناس ولا يصلي مع الناس.
وقوله: [(ما من ثلاثة)] يعني الذي هو جمع، وأقل الجمع اثنان، ولكن ذكر الثلاثة لأنه أكمل الجمع، وأقل الجمع عند النحويين ثلاثة، وأما عند الفقهاء فاقل الجمع اثنان، وهكذا عند الفرضيين، فأقل الجماعة اثنان: إمام ومأموم، وكذلك أقل الجمع عند الفرضيين اثنان؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء:١١] واثنان من الإخوة يحجبون الأم من الثلث إلى السدس، والله قال: ((إِخْوَةٌ)) والذي يحصل به حجبها اثنان وليس ثلاثة.
وقوله: [قال زائدة: قال السائب: يعني بالجماعة: الصلاة في الجماعة].
يعني أن السائب فسر قوله: [(الجماعة)] بأن المقصود: الصلاة في الجماعة.
стр. 1832
تراجم رجال إسناد حديث: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة)
قوله: [حدثنا أحمد بن يونس].
هو أحمد بن عبد الله بن يونس، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا زائدة].
هو زائدة بن قدامة، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا السائب بن حبيش].
السائب بن حبيش مقبول، أخرج حديثه أبو داود والنسائي.
[عن معدان بن أبي طلحة اليعمري].
معدان بن طلحة اليعمري ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.
[عن أبي الدرداء].
أبو الدرداء هو عويمر ﵁، صحابي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 1833
شرح حديث: (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)].
أورد أبو داود ﵀ حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﵊ قال: [(لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس)] أي: تقام الصلاة ويستخلف النبي ﷺ رجلاً يصلي بالناس ثم يذهب ومعه جماعة من أصحابه معهم حزم من حطب إلى أناس لا يشهدون الصلاة فيحرق عليهم بيوتهم بالنار، يعني: في الوقت الذي هم متلبسون بالمعصية؛ لأن هؤلاء الناس يصلون في بيوتهم، فالنبي ﷺ هم بأن تقام الصلاة ويستخلف رجلاً يصلي بالناس ويذهب بنفسه ومعه جماعة من أصحابه معهم حزم من حطب ليحرق على هؤلاء المتخلفين عن الصلاة بيوتهم، وهذا يدلنا على وجوب صلاة الجماعة، وذلك لكون النبي ﷺ يهم بالتحريق وإن لم يفعل، فمجرد الهم بهذه العقوبة الشديدة يدل على أن صلاة الجماعة واجبة، وأن هؤلاء الذين همَّ النبي ﷺ بتحريق بيوتهم عليهم حتى يتلفوا وتتلف بيوتهم معناه أنهم ارتكبوا جرماً كبيراً، وارتكبوا خطأً كبيراً يستحقون معه هذه العقوبة، فمجرد همه ﵊ وإخباره بهذه العقوبة كافٍ في بيان وجوب صلاة الجماعة، مع أن الجماعة جاء في وجوبها أحاديث كثيرة غير هذا الحديث.
وقوله: [(لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار)] يعني أن جرمهم ومصيبتهم أنهم لا يشهدون الصلاة جماعة، وهذا يدلنا على أن البيوت لا يُصلى فيها جماعة ولا فرادى، فلا يقول بعض الناس: نحن نصلي جماعة في البيت؛ لأن الرسول ﷺ لم يقل: هل يصلون جماعة أو لا يصلون جماعة في البيوت؟ وإنما قال: [(لا يشهدون الصلاة)] أي: سواءٌ صلوا جماعة أو لم يصلوا جماعة؛ لأن المقصود هو إتيان المساجد، والجماعة تقام في المساجد ولا تقام في البيوت، وإلا فلماذا تعمر المساجد؟! ولماذا يؤذن المؤذن ويقول: (حي على الصلاة حي على الفلاح)؟!
стр. 1834
تراجم رجال إسناد حديث: (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام)
قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة].
عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[حدثنا أبو معاوية].
أبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش].
الأعمش هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي صالح].
هو ذكوان السمان المدني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
أبو هريرة قد مر ذكره.
стр. 1835
شرح حديث: (لقد هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا حزماً من حطب)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا النفيلي حدثنا أبو المليح حدثني يزيد بن يزيد حدثني يزيد بن الأصم قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : (لقد هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا حزماً من حطب، ثم آتي قوماً يصلون في بيوتهم ليست بهم علة فأحرقها عليهم.
قلت لـ يزيد بن الأصم: يا أبا عوف! الجمعة عنى أو غيرها؟ قال: صمتا أذناي إن لم أكن سمعت أبا هريرة يأثره عن رسول الله ﷺ ما ذكر جمعة ولا غيرها)].
ما زال الكلام على بعض الأحاديث المتعلقة بالترجمة، وهي: (التشديد في ترك الجماعة)، والتي مقتضاها ومؤداها أن صلاة الجماعة واجبة، وأن من تركها أو من لم يقم بهذا الواجب فإنه آثم ويستحق العقوبة.
وقد مر حديث أبي هريرة ﵁ الذي فيه: أن النبي ﵊ هم بأن يأمر رجلاً فيؤم الناس، ثم يأمر بحطب فيحطب، ثم يأمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم يخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة فيحرق عليهم بيوتهم بالنار، وجرمهم الذي استحقوا به هذه العقوبة هو أنهم لا يشهدون الصلاة جماعة، وهذا يدلنا على وجوب صلاة الجماعة.
ومما يدل على وجوبها أن الله أمر نبيه بأن يصلي بالناس صلاة الخوف جماعة، وجاء عن النبي الكريم ﷺ صلاة الخوف بصفات متعددة، وإذا كانت الجماعة لم تترك في حال الخوف فهذا يدلنا على وجوبها.
ثم إن كون النبي ﷺ همَّ بتحريق من تخلف يدل على وجوبها.
وأيضاً: كون النبي ﷺ جاءه ابن أم مكتوم وكان أعمى، وطلب منه أن يأذن له أن يصلي في بيته؛ لأن له قائداً لا يلائمه في المجيء إلى المسجد، فقال له ﵊: (هل تسمع النداء؟ قال: نعم.
قال: فأجب)، وإذا كان النبي ﵊ لم يرخص لرجل أعمى فهذا يدلنا على وجوب صلاة الجماعة.
والحاصل أنه قد وردت أدلة متعددة تدل على وجوب الجماعة.
ومن العلماء من قال: إنها شرط.
ومعنى هذا أن الإنسان لو صلى منفرداً لم تصح صلاته، ولكن هذا غير صحيح؛ لأنه قد جاء ما يدل على أن صلاته صحيحة، ولكن فاته خير كثير، حيث قال ﵊: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) أو (بخمسة وعشرين جزءاً)، فهذا يدلنا على أن صلاته صحيحة، ولكن الذي لم يصل جماعة ترك أمراً واجباً عليه، فيأثم لهذا الترك، ولهذا فإن أبا داود ﵀ عقد الترجمة بقوله: [التشديد في ترك الجماعة] يعني أن الأمر ليس بالهين، وأن الأمر خطير وعظيم، وصلاة الجماعة شأنها عظيم، وقد وردت فيها نصوص متعددة تدل على وجوبها.
وأورد أبو داود ﵀ حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وفيه أن النبي ﵊ قال: [(لقد هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا حزماً من حطب ثم آتي قوماً يصلون في بيوتهم ليست بهم علة)] يعني أنهم يتخلفون في بيوتهم ويصلون في بيوتهم، ولم يكن هناك مرض يمنعهم، ولم يكن هناك علة تعيقهم يكونون غير متمكنين بسببها من أن يأتوا إلى المساجد.
وهذا الحديث يدل على ما دلت عليه الطريق السابقة التي فيها همُّ الرسول ﵊، وفي هذه الطريق زيادة أن ذلك من غير علة، ومن المعلوم أن هذه الزيادة ومقتضاها لا شك فيه، سواءٌ أتت أو لم تأت؛ لأن المكلف هو الذي يقدر، وأما من كان عاجزاً فمعذور؛ لقول الله : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، لكن هذا الحديث فيه زيادة إيضاح وبيان أن تخلفهم لم يكن لعذر، وإنما كان كسلاً وخمولاً، وعدم إقدام على هذه الصلاة التي فيها الخير العظيم وفيها الثواب الجزيل، وفي التخلف عنها وفي تركها الإثم، وقد جاء عن النبي ﷺ ما يدل على خطورة ذلك وأنه ليس بالأمر الهين.
وقد قال أحد الرواة لـ يزيد بن الأصم: هل عنى الجمعة أو غير الجمعة؟ فقال: إن الذي سمعته من أبي هريرة هو هذا اللفظ، ولم يذكر جمعة ولا غيرها، ولكن عمومه ولفظه يقتضي أن الجمعة وغير الجمعة يجب الإتيان إليها، ويجب حضورها وشهودها، وأن الأمر ليس خاصاً بصلاة دون صلاة، بل الجمع والجماعات كلها يجب حضورها ويجب الذهاب إليها.
ولما سأله قال: [صمتا أذناي إن لم أكن سمعت أبا هريرة يأثر ذلك عن رسول الله ﵊] يعني: يروي ذلك، وهذا يفيد التأكد من السماع، وأنه متحقق من السماع، وأنه سمعه بهذا اللفظ المطلق الذي لا يختص بجمعة ولا بغير جمعة، وإنما يشمل الصلوات كلها جمعة وجماعة.
وقوله: [(صمتا أذناي)] الأصل أن يقال: صمت أذناي، فيكون الفاعل اسماً ظاهراً، وهنا وقع الجمع بين الاسم الظاهر وبين الضمير، قالوا: وهذا من قبيل ما جاء في القرآن من قول الله : ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء:٣]، ففيه الجمع بين الضمير وبين الاسم الظاهر؛ لأن في قوله: ((وَأَسَرُّوا)) ضمير، وفي قوله: ((الَّذِينَ ظَلَمُوا)) اسم ظاهر مؤداهما واحد ومقصودهما واحد، وكذلك قوله ﵊: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)، ففيه الجمع بين الضمير وبين الاسم الظاهر، وهذه هي اللغة المشهورة بقول القائل: (أكلوني البراغيث).
فإن فيها الجمع بين الاسم الظاهر وبين الضمير.
стр. 1836
تراجم رجال إسناد حديث: (لقد هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا حزماً من حطب)
قوله: [حدثنا النفيلي].
النفيلي هو عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل، ثقة، أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن.
[حدثنا أبو المليح].
أبو المليح هو الحسن بن عمر -أو عمرو-، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
[حدثني يزيد بن يزيد].
هو يزيد بن يزيد الرقي، مجهول، أخرج حديثه أبو داود وحده، ويحتمل أن يكون يزيد بن يزيد بن جابر الأزدي الدمشقي، وهو ثقة.
والاحتمال قائم، ولكن الاحتمال إذا كان بين ثقة وضعيف يؤثر، لكن الحديث لم يأت من هذه الطريق وحدها، بل جاء من طرق ثابتة في الصحيحين وفي غيرها، ومن ذلك حديث أبي هريرة المتقدم الذي هو باللفظ الأول، فهو بمعناه ومقتضاه ومطابق له، وليس في هذا الحديث إلا زيادة كلمة (من غير علة) وهذه الكلمة لو لم تأت فهي مقصودة؛ لأن من كان مريضاً فهو معذور، ولا يُهم بتحريق البيت على من تخلف وهو مريض، وإنما يكون ذلك في حق من كان غير معذور، أما المعذور فله أن يصلي في بيته ولا إثم عليه، بل إن له أجراً مثل الذي كان يحصله وهو صحيح، كما ثبت في صحيح البخاري عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم).
[حدثني يزيد بن الأصم].
يزيد بن الأصم ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[قال: سمعت أبا هريرة].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ ، بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق، فرضي الله عنه وأرضاه.
стр. 1837
شرح أثر ابن مسعود: (حافظوا على هؤلاء الصلوات الخمس)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هارون بن عباد الأزدي حدثنا وكيع عن المسعودي عن علي بن الأقمر عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (حافظوا على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن؛ فإنهن من سنن الهدى، وإن الله شرع لنبيه ﷺ سنن الهدى، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق بين النفاق، ولقد رأيتنا وإن الرجل ليهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف، وما منكم من أحد إلا وله مسجد في بيته، ولو صليتم في بيوتكم وتركتم مساجدكم تركتم سنة نبيكم ﷺ ، ولو تركتم سنة نبيكم ﷺ لكفرتم)].
أورد أبو داود ﵀ أثر ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وهذا الأثر العظيم عن ابن مسعود ﵁ يدل على عظم شأن الجماعة وأهمية صلاة الجماعة وما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم وأرضاهم من الاهتمام بصلاة الجماعة والحرص عليها وتحمل المشاق في سبيل الوصول إليها مع شدة المرض وعدم القدرة على المشي، فكان الواحد منهم يؤتى به يُهادى بين الرجلين، أي: واحد يمسك عضده الأيمن والثاني يمسك عضده الأيسر؛ لأنه لا يستطيع أن يمشي بمفرده، بل يحتاج إلى من يساعده بأن يسنده من جهة اليمين والشمال حتى يأتي إلى المسجد ويقام في الصف.
فكانوا يفعلون ذلك لحرصهم على الأجر الذي يكون في صلاة الجماعة، ولمعرفتهم الأجر العظيم في ذلك، ولهذا كان الواحد منهم يصيبه المرض فلا ترضى نفسه بأن يصلي في بيته مع أنه معذور، ولو صلى في بيته فإنه يؤجر على ما كان يفعل في حال صحته وقبل مرضه من الذهاب إلى المسجد، فالله تعالى يأجره على ذلك كما جاء في الحديث الذي أشرت إليه آنفاً، والذي هو في صحيح البخاري: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم).
ثم بين أن التخلف عن الجماعة من علامات النفاق، وصفة من صفاتهم، حيث قال: [ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق] وقد جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: كنا إذا فقدنا الرجل في صلاة العشاء اتهمناه، يعني: اتهمناه بالنفاق.
فهذا الأثر عن ابن مسعود ﵁ يدل دلالة واضحة على عظم شأن الجماعة وأهميتها، وعلى اهتمام الصحابة الكرام ﵃ وأرضاهم بها وحرصهم عليها وتحمل المشاق في سبيل الوصول إليها مع شدة المرض وعدم القدرة على المشي؛ لأنهم يعلمون الأجر العظيم في ذلك، وقد قال ﵊ في حق المنافقين: (ولو يعلمون ما فيهما من الأجر لأتوهما ولو حبواً)، فكان الصحابة يعلمون الأجر، ولهذا كانوا يحرصون على أن يحصلوه حتى مع شدة مرضهم.
يقول عبد الله بن مسعود: (حافظوا على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن) والمقصود من ذلك: المحافظة على الجماعة، وقوله: (حيث ينادى بهن) يعني: حين يقال: (حي على الصلاة حي على الفلاح) يعني أن المؤذن يقول: هلموا وأقبلوا وتعالوا، فالإنسان يحافظ على الصلوات الخمس حيث ينادى بهن، فيجيب الداعي ويترك ما وراءه من أي شاغل ويتجه إلى الصلاة ويؤدي الصلاة جماعة مع المسلمين في المساجد؛ لأن المساجد إنما بنيت لذلك، ولم تبن للمباهاة أو للزينة أو لغير ذلك، وإنما بنيت لعبادة الله وذكره والصلاة فيها وقراءة القرآن وما إلى ذلك مما هو ذكر لله .
قوله: [حافظوا على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن؛ فإنهن من سنن الهدى] يعني: الصلوات الخمس والذهاب إلى المساجد لأدائها من سنن الهدى، يعني: من السنن والطرق والمناهج التي جاءت عن الرسول ﷺ ، وليس المقصود بالسنة الأمر المستحب الذي هو دون الواجب، فإن هذا سنة في اصطلاح الفقهاء؛ لأنهم قسموا الأحكام إلى: واجب، ومندوب، ومحرم، ومكروه، ومباح، فالذي أمر به على سبيل الإلزام هو الواجب، والذي أمر به أمراً غير جازم هو الذي يكون سنة ويكون مستحباً ويكون مندوباً، ولكن السنة تطلق إطلاقاً عاماً، وهو أن كل ما جاء عن رسول الله ﷺ من الحق والهدى فهو سنة رسول الله ﷺ ومنهجه وطريقته، وسواءٌ في ذلك ما جاء في القرآن أو ما جاء في السنة؛ لأن كل ذلك يقال له: سنة الرسول ﵊، ومنه قوله ﵊: (من رغب عن سنتي فليس مني) يعني: ما جاء به من الحق والهدى.
فالسنة تطلق ويراد بها كل ما جاء عن رسول الله ﷺ مع التفاوت في الحكم من حيث الإلزام بالفعل أو الترك أو كون ذلك دون الإلزام، وسواءٌ كان بالفعل أم بالترك، فهذا كله يقال له: سنة رسول الله ﷺ .
والسنة تطلق أربعة إطلاقات: الأول: تطلق ويراد بها كل ما جاء عن الرسول ﷺ في الكتاب والسنة، فذلك كله يقال له: سنة الرسول ﷺ ، ومنه قوله: (من رغب عن سنتي فليس مني)، وكذلك قوله هنا: [من سنن الهدى] لأن المقصود بذلك ما جاء عن رسول الله وما كان عن هدي عن رسول الله ﷺ ، وليس المقصود من ذلك الأمور المندوبة التي يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، فالجماعة يثاب فاعلها ويعاقب تاركها؛ لأن تاركها ترك أمراً واجباً.
الثاني: تطلق ويراد بها حديث الرسول ﷺ ، ومن أمثلة ذلك قول العلماء من محدثين وفقهاء عندما يذكرون مسألة من المسائل: وهذه المسألة دل عليها الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى كذا، وأما السنة فقول رسول الله ﷺ كذا.
الثالث: تطلق السنة ويراد بها ما يقابل البدعة، أي: تطلق على أي عمل على وفق السنة مخالف للبدعة، أو ليس على وفق البدعة.
والإطلاق الرابع: تطلق على المأمور به ليس على سبيل الإلزام، وهذا هو الذي يقال له: المندوب والمستحب والمسنون، فالفقهاء إذا قالوا: يسن كذا، أو يستحب كذا، أو يندب كذا، فكل هذه معناها واحد.
قوله: [ولقد رأيتنا] يعني معشر أصحاب رسول الله ﷺ [وما يتخلف عنها إلا منافق]، يعني أنهم لم يكونوا يتخلفون عن الصلاة، بل كانوا يحرصون على الصلاة، وعلامة المنافق أن يتخلف عن الصلاة.
وقوله: [ولقد رأيتنا وإن الرجل ليهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف] هذا فيه بيان ما كانوا عليه من الحرص والرغبة الشديدة وتحمل المشقة في سبيل الوصول إلى ذلك؛ لأنهم كانوا يعلمون الأجر العظيم في ذلك، وقد قال ﵊ في حق المنافقين: (ولو يعلمون ما فيهما من الأجر لأتوهما ولو حبواً).
وقوله: [ما منكم من أحد إلا وله مسجد في بيته] أي: ما منكم من أحد إلا وهو يصلي في بيته، والصلاة مشروعة في البيوت، وقد جاءت السنة بالترغيب في الصلاة فيها والحث عليها، بل إن صلاة النافلة في البيت أفضل من الصلاة في المسجد، ولهذا جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة) أي: فإنها لا تصلى في البيت وإنما تصلى في المسجد، وقال ﵊: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً) يعني: لا تجعلوها مثل القبور بأن لا يصلى فيها، بل صلوا فيها، ولذا قال: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تتخذوا قبري عيداً) يعني أنها لا تعامل البيوت معاملة المقابر التي ليست محلاً للصلاة وليست مكاناً للصلاة، وإنما يجعل لها نصيب من الصلاة، بل إن غير الفرائض أفضل أحوالها أن تؤدى في البيت وأن تكون في البيت.
وقوله: [ولو صليتم في بيوتكم، وتركتم مساجدكم -أي: المساجد التي بنيت للجماعة- لتركتم سنة نبيكم] ﷺ يعني: لو صليتم في بيوتكم -وما منكم من أحد إلا وله مسجد في بيته وله مكان أو أماكن يصلي فيها في بيته- وتركتم مساجدكم التي بنيت للعبادة ولإقامة الجماعة لتركتم سنة نبيكم التي جاء عن النبي ﷺ الحث عليها، بل جاء التشديد في تركها، والترجمة معقودة للتشديد في ترك الجماعة.
وقوله: [ولو تركتم سنة نبيكم لكفرتم] أي أن الإنسان إذا ترك السنة أو ترك السنن جره ذلك الترك إلى ترك آخر، وقد يؤدي ذلك إلى رفض السنة بأكملها، وقد يؤدي ذلك إلى ترك ما جاء عن الرسول ﷺ مما هو أمر لابد منه ويؤدي تركه إلى الكفر، كترك الصلاة التي جاء عن النبي ﷺ ما يدل على أن تركها كفر، حيث قال ﵊: (بين المسلم وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة)، وقال: (من تركها فقد كفر)، وذكر الولاة الذين يتولون وهم ظلمة وفيهم فسق فقال له الصحابة: أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: (لا ما صلوا)، وهذا يدل على أن عدم الصلاة كفر، وأنهم إذا كانوا لا يصلون، وأنهم تاركون للصلاة فإنهم أتوا الكفر الذي يستحقون به الخروج عليهم، فهذا يدلنا على أن الصلاة المفروضة لازمة، وأن تركها كفر، وأما الجماعة فتركها معصية كبيرة وذنب كبير، ولا يقال له: كفر، وإنما الكفر في ترك الصلاة وعدم الإتيان بها في المسجد ولا في البيت، والعياذ بالله.
стр. 1838
تراجم رجال إسناد أثر مسعود: (حافظوا على هؤلاء الصلوات الخمس)
قوله: [حدثنا هارون بن عباد الأزدي].
هارون بن عباد الأزدي مقبول، أخرج حديثه أبو داود.
[حدثنا وكيع].
هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن المسعودي].
المسعودي هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة المسعودي، وهو صدوق اختلط، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً، وأصحاب السنن.
[عن علي بن الأقمر].
علي بن الأقمر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي الأحوص].
أبو الأحوص هو عوف بن مالك، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[عن عبد الله بن مسعود].
هو عبد الله بن مسعود الهذلي صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 1839
شرح حديث: (من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة حدثنا جرير عن أبي جناب عن مغراء العبدي عن عدي بن ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر -قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض- لم تقبل منه الصلاة التي صلى).
أورد أبو داود حديث عبد الله بن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: [(من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر)] يعني: من سمع المؤذن فلم يمنعه من أن يستجيب لدعوته ويأتي إلى المسجد عذر -قيل: وما العذر؟ قال: خوف أو مرض [(لم تقبل منه الصلاة التي صلى)] يعني: التي صلى في بيته؛ لكونه ما أجاب الداعي، والمقصود: أنه لم يحصل له تمام القبول، وإلا فإنه قد جاء ما يدل على أن صلاة من صلى في بيته صحيحة، ولكنه يفوته خير كثير، ويفوته مضاعفة الصلاة التي تحصل لمن صلى جماعة، كما قال ﵊: (تفضل صلاة الجماعة صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)، أو (بخمسة وعشرين جزءاً) فهذا يدلنا على أن الصلاة تصح وأن الجماعة ليست بشرط.
وبعض أهل الظاهر قال: إنها شرط.
ومعنى هذا أنه لو صلى في بيته لا تصح صلاته، وأن صلاته تكون غير صحيحة، ولكن الصحيح أنها تكون صحيحة، وحديث التفضيل بسبع وعشرين درجة أو بخمسة وعشرين جزءاً يدل على صحتها، ولكن مع فوات هذا الخير الكثير، وما جاء من التشديد في ترك الجماعة يدل على أنه يفوته الخير الكثير، وأنه يحصل إثماً بذلك؛ لأنه فعل ما يستحق العقوبة عليه.
والحديث ورد من طريق أخرى بلفظ: (من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر) والمقصود أنه لا صلاة له كاملة، وليس المقصود أن صلاته وجودها كعدمها؛ لأنه قد جاء ما يدل على أن صلاته تصح، ولكنه يفوته خير كثير وثواب جزيل.
стр. 1840
تراجم رجال إسناد حديث: (من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر)
قوله: [حدثنا قتيبة].
هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا جرير].
هو جرير بن عبد الحميد الكوفي الضبي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي جناب].
هو أبو جناب هو يحيى بن أبي حية، ضعفوه لكثرة تدليسه، أخرج حديثه أبو داود والترمذي وابن ماجه.
[عن مغراء العبدي].
مغراء العبدي مقبول، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود.
[عن عدي بن ثابت].
عدي بن ثابت ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد بن جبير].
سعيد بن جبير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ ، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة الكرام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
[قال أبو داود: روى عن مغراء أبو إسحاق].
عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
стр. 1841
حكم ترك صلاة الجماعة لعذر
وقوله: (من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذر-قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو مطر- لم تقبل منه الصلاة التي صلى) الذي جاء من طريق صحيحة وثابتة: (من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر) بدون تفسير العذر، ومعلوم أن الإنسان الذي يصلي في بيته وهو معذور غير مؤاخذ، وصلاته صحيحة، بل يحصل الأجر الذي كان يحصله حين كان صحيحاً.
стр. 1842
شرح حديث ابن أم مكتوم: (لا أجد لك رخصة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن أبي رزين عن ابن أم مكتوم ﵁ أنه سأل النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! إني رجل ضرير البصر، شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني، فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: لا أجد لك رخصة)].
أورد أبو داود ﵀ حديث عمرو بن أم مكتوم ويقال له: عبد الله ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : (يا رسول الله! إني رجل ضرير البصر شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني، فهل لي من رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: لا أجد لك رخصة)، وهذا يدلنا على وجوب صلاة الجماعة، وذلك أنه إذا كان النبي ﷺ لم يرخص لرجل أعمى في التخلف عن الجماعة فغيره من باب أولى، فهذا الحديث من الأدلة الواضحة الجلية على أن صلاة الجماعة واجبة.
стр. 1843
تراجم رجال إسناد حديث حديث ابن أم مكتوم: (لا أجد لك رخصة)
قوله: [حدثنا سليمان بن حرب].
سليمان بن حرب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا حماد بن زيد].
هو حماد بن زيد بن درهم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عاصم بن بهدلة].
عاصم بن بهدلة هو ابن أبي النجود، وهو صدوق له أوهام، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي رزين].
أبو رزين هو مسعود بن مالك، ثقة، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[عن ابن أم مكتوم].
ابن أم مكتوم هو عمرو ويقال: عبد الله بن أم مكتوم، صحابي مشهور، أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجه.
стр. 1844
شرح حديث ابن أم مكتوم: (يا رسول الله! إن المدينة كثيرة الهوام)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء حدثنا أبي حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن عابس عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ابن أم مكتوم ﵁ قال: (يا رسول الله! إن المدينة كثيرة الهوام والسباع، فقال النبي ﷺ : أتسمع حي على الصلاة حي على الفلاح؟ فحي هلا).
قال أبو داود: وكذا رواه القاسم الجرمي عن سفيان ليس في حديثه: (حي هلا)].
أورد أبو داود حديث عمرو بن أم مكتوم ﵁ من طريق أخرى، وفيه أنه استأذن النبي ﷺ في أن يصلي في بيته، والنبي ﵊ قال: [(هل تسمع حي على الصلاة حي على الفلاح؟ فحي هلا)] يعني: فأقبل إذا سمعت النداء.
وقوله: [(حي على الصلاة حي على الفلاح)] المقصود بذلك: الأذان، ولكن نص على هاتين الجملتين لأنهما هما المقصودتان في الإعلام وفي طلب الحضور إلى المسجد، وما عدا هاتين الجملتين ذكر لله، فالمقصود من الأذان هو: (حي على الصلاة حي على الفلاح)، وما سوى ذلك هو ذكر لله يسبقه ويلحقه، وإلا فإن المقصود من الأذان هو: (حي الصلاة حي على الفلاح)، ولهذا اقتصر عليهما رسول الله ﷺ بقوله: [(هل تسمع حي على الصلاة حي على الفلاح؟)] يعني: هل تسمع النداء الذي يقول فيه المنادي: (حي على الصلاة حي على الفلاح؟) قال: نعم، قال: [(فحي هلا)] يعني: أجب.
وهذا معناه أنه ليس له رخصة، وهو من أوضح الأدلة الدالة على وجوب صلاة الجماعة.
стр. 1845
تراجم رجال إسناد حديث ابن أم مكتوم: (يا رسول الله! إن المدينة كثيرة الهوام)
قوله: [حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء].
هارون بن زيد بن أبي الزرقاء صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي.
[حدثنا أبي].
أبوه ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي.
[حدثنا سفيان].
سفيان هو الثوري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن بن عابس].
عبد الرحمن بن عابس ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
[عن عبد الرحمن بن أبي ليلى].
عبد الرحمن بن أبي ليلى ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن أم مكتوم].
ابن أم مكتوم قد مر ذكره.
وقوله: [قال أبو داود: كذا رواه القاسم الجرمي].
هو قاسم بن يزيد الجرمي، ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[عن سفيان ليس في حديثه: (حي هلا)].
يعني أن سفيان لم يذكر في حديثه قوله: (حي هلا) لكن لابد من أن يكون فيه شيء آخر يكون جواباً له، أي: أنه أجاب أن له رخصة أو أجاب أنه ليس له رخصة، أو ما إلى ذلك؛ لأن الكلام لا يستقيم إلا بالجواب، فإما أن يكون الجواب (حي هلا)، وإما (أجب)، وإما (ليس لك رخصة)، أو (لا أجد لك رخصة).
стр. 1846
فضل صلاة الجماعة
стр. 1847
شرح حديث أبي بن كعب: (صلى بنا رسول الله يوماً الصبح فقال: أشاهد فلان ؟)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في فضل صلاة الجماعة.
حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن عبد الله بن أبي بصير عن أبي بن كعب ﵁ قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ يوماً الصبح فقال: أشاهد فلان؟ قالوا: لا، قال: أشاهد فلان؟، قالوا: لا، قال: إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبواً على الركب، وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه، وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى)].
أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة، وهي [باب في فضل صلاة الجماعة] يعني: بيان عظيم فضلها وعظم أجرها وجزيل الثواب عليها، وقد بين بعض ما ورد من النصوص في بيان فضل الجماعة.
وقد أورد أبو داود حديث أبي بن كعب ﵁ قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ يوماً الصبح فقال: أشاهد فلان؟ قالوا: لا، قال: أشاهد فلان؟ قالوا: لا)، وهذا يدل على جواز مثل هذا العمل، وذكر أسماء في صلاة الصبح من أجل حث الناس على الحضور وكون الواحد منهم يحذر من التخلف حتى لا ينادى به حيث لا يكون موجوداً، فهذا الذي جاء عن رسول الله ﷺ يدل على جواز مثل ذلك، وهو موجود في بعض البلاد، حيث ينادون بعد صلاة الفجر بأسماء أناس كبار من أهل الحي، وفي ذلك تشجيع وحث على حضور الجماعة وعلى شهود الصلاة.
وقوله: [(إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين)] يعني صلاة الفجر والعشاء، وذلك أن هاتين الصلاتين تكتنفان الليل، فهذه في أوله وهذه في آخره، فالأولى التي هي العشاء تأتي بعد أن كدح الناس في أعمالهم في النهار وتعبوا وهم بحاجة إلى الراحة والنوم، ولهذا جاء أن النبي كان يكره النوم قبلها والحديث بعدها؛ لأن النوم قبلها يؤدي إلى فوات العشاء، والثانية التي هي صلاة الفجر تأتي في الوقت الذي طاب فيه الفراش ولذ فيه النوم، ولهذا جاء في أذان الصبح قول (الصلاة خير من النوم) يعني: هذا الذي لذ وطاب لكم، وأنتم مطمئنون إليه ومرتاحون فيه ما تدعون إليه خير منه.
فهاتان الصلاتان أثقل الصلاة على المنافقين، وقوله: [(أثقل)] يعني أن الصلاة كلها ثقيلة عندهم، ولكن هاتين الصلاتين أثقل من غيرهما.
وقوله: [(ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبواً على الركب)] قد جاء في حديث أبي هريرة: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما من الأجر لأتوهما ولو حبواً)، وجاء أيضاً أنه قال: (والذي نفسي بيده! لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناًً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء)، أي: لو كان هناك لحم يوزع في المسجد لجاء من همه الدنيا وليس همه الآخرة إلى المسجد من أجل أن يحصل الأكل، ومن أجل أن يحصل الطعام.
قوله: [(ولو حبواً)] (حبواً) هنا خبر لكان المحذوفة هي واسمها؛ لأن (كان) أحياناً تحذف مع اسمها لدلالة المقام أو السياق على ذلك، والتقدير: ولو كان الإتيان إليهما حبواً.
فحذفت (كان) وحذف اسمها وبقي الخبر.
وقوله: (وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة) يعني أن الصف الأول له الفضيلة، والملائكة تصف عند الله صفوفاً، فالصف الذي يكون من الملائكة أولاً مثله هذا الصف الذي يكون في المسجد، يعني أن هذا بالنسبة للملائكة والقرب من الله ، وهذا فيه الحث على المبادرة إلى الصف الأول وتحصيل الفضيلة فيه، وقد جاء عن النبي ﷺ ما يدل على فضله كما في هذا الحديث، وجاء أيضاً: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه).
وقوله: [(ولو علمتم ما فضيلته لابتدرتموه)] يعني: لبادرتم ولتنافستم ولأسرعتم إلى الوصول إليه من أجل الظفر به، وهو من جنس قوله ﷺ : (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا) يعني أنه تميزهم القرعة لشدة حرصهم وكونهم وصلوا جميعاً وكل واحد يقول: أنا السابق.
وقوله: [(وإن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثر فهو أحب إلى الله تعالى)] وهذا يدل على فضل الجماعة؛ لأن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الواحد، وكلما كان أكثر فهو أحب إلى الله ، وهذا يدلنا على فضل الجماعة، بل وعلى فضل كثرة الجماعة، وأنه كلما كانت الجماعة أكثر فذلك أفضل وأعظم أجراً عند الله .
стр. 1848
تراجم رجال إسناد حديث أبي بن كعب: (صلى بنا رسول الله يوماً الصبح فقال: أشاهد فلان ؟)
قوله: [حدثنا حفص بن عمر].
حفص بن عمر ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والنسائي.
[حدثنا شعبة].
هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي إسحاق].
هو أبو إسحاق عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن أبي بصير].
عبد الله بن أبي بصير وثقة العجلي، وأخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجه.
[عن أبي بن كعب].
هو أبي بن كعب صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 1849
شرح حديث: (من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا إسحاق بن يوسف حدثنا سفيان عن أبي سهل -يعني عثمان بن حكيم - حدثنا عبد الرحمن بن أبي عمرة عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ليلة)].
أورد أبو داود ﵀ حديث عثمان بن عفان: [(من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة)] يعن: أن الإنسان يؤجر على ذلك بأن يكون له قيام نصف ليلة، وهذا يدل على فضل صلاة العشاء في جماعة.
وقوله: [(ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ليلة)] يعني أنه إذا صلى العشاء في جماعة كان له كقيام نصف ليلة، وإذا صلى الفجر في جماعة كان له كقيام نصف ليلة، وإذا صلاهما في جماعة كان كقيام ليلة، يعني أن من صلى هاتين الصلاتين في جماعة فكأنما صلى المسافة التي بينهما، ويكتب له قيام ليلة، وهذا يدلنا على فضل صلاة الجماعة، بل على فضل هاتين الصلاتين: صلاة العشاء وصلاة الفجر، وأن من صلاهما في جماعة كان له قيام ليلة، ومن صلى واحدة منهما جماعة كان له كقيام نصف قيام ليلة.
стр. 1850
تراجم رجال إسناد حديث: (من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة)
قوله: [حدثنا أحمد بن حنبل].
أحمد بن محمد بن حنبل الإمام المشهور أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا إسحاق بن يوسف].
إسحاق بن يوسف الأزرق ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سفيان].
سفيان الثوري مر ذكره.
[عن أبي سهل يعني: عثمان بن حكيم].
أبو سهل عثمان بن حكيم ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[حدثنا عبد الرحمن بن أبي عمرة].
عبد الرحمن بن أبي عمرة ولد في عهد النبي ﷺ ، وقال ابن أبي حاتم: ليست له صحبة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عثمان بن عفان].
عثمان بن عفان أمير المؤمنين وثالث الخلفاء الراشدين الهادين المهديين صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة فرضي الله تعالى عنه.
стр. 1851
الأسئلة
стр. 1852
بيان وقت العصر
السؤال
رجل كان يصلي العصر حين صار ظل كل شيء مثله، فأنكر عليه صاحبه بحجة أنه حسب التوقيت لم يدخل وقت العصر إلا بعد ربع ساعة، فهل إنكاره في محله؟
الجواب
لا، ليس في محله، بل إذا كان ظل كل شيء مثله وهو متأكد من هذا فهذا الذي بينه الرسول ﷺ في وقت العصر.
стр. 1853
معنى قول جرير: جاء الخلافة أو كانت له قدراً
السؤال
هل في هذا البيت تشبيه لله حين قال جرير في مدح عمر بن عبد العزيز ﵀: جاء الخلافة إو كانت له قدراً كما أتى ربه موسى على قدر؟
الجواب
أظن أنه ليس فيه تشبيه، فموسى جاء إلى الله على قدر، وكل شيء بقضاء وقدر، فليس هناك أي تشبيه في هذا.
стр. 1854
حكم التقبيل في نهار رمضان
السؤال
رجل قبَّل امرأته في نهار رمضان ولم يخرج منه شيء، لكن امرأته خرج منها، فهل عليها كفارة وقضاء ذلك اليوم؟
الجواب
إذا وجد منها الإنزال فعليها قضاء ذلك اليوم، وليس عليها كفارة، وأما إذا كان الذي خرج ليس بإنزال فلا يؤثر، أي: إذا كان الذي خرج لم يخرج بشهوة وبلذة فإن هذا لا يعتبر إنزالاً، وهذا شيء لا يترتب عليه غسل، وإنما هو شيء نجس يغسل ويتوضأ منه، وأما الذي يوجب الغسل فهو خروج الشيء لشهوة، والله تعالى أعلم.
стр. 1855
شرح سنن أبي داود [٠٧٧]
هناك نصوص كثيرة تدل على فضل المشي إلى المساجد، وأن من كان أبعد عن المسجد كان أعظم أجراً ممن كان أقرب منه، ومن داوم على المشي إلى الصلاة في الظلام فإنه يجازى يوم القيامة بأن يعطى نوراً تاماً يستضيء به، والجزاء من جنس العمل، وقد جاء النهي عن تشبيك الأصابع عند الخروج للصلاة وفي المسجد، فينبغي للمسلم أن يجتنب ذلك.
стр. 1856
فضل المشي إلى الصلاة
стр. 1857
شرح حديث: (الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجراً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في فضل المشي إلى الصلاة.
حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن ابن أبي ذئب عن عبد الرحمن بن مهران عن عبد الرحمن بن سعد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجراً)].
أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى باب ما جاء في فضل المشي إلى الصلاة، أي: في فضل المشي إلى الصلاة في المساجد، وذلك يتعلق بأداء صلاة الجماعة في المساجد مع المسلمين، وفي ذلك فضل عظيم، والمشي إليها فيه رفع الدرجات وحط الخطايا، وقد ورد في ذلك أحاديث عن رسول الله ﷺ تدل على فضل الذهاب إلى المساجد وأداء الصلاة في المساجد؛ وذلك أن المؤذن عندما يؤذن يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح، يعني: تعالوا وهلموا وأقبلوا، فالذي يجيب الدعوة ويجيب النداء ويذهب إلى المسجد يكتب الله له بذهابه إلى المسجد ورجوعه من المسجد إلى بيته حسنات ويحط عنه خطايا، ويكون في صلاة ما دام ينتظر الصلاة.
أورد أبو داود ﵀ عدة أحاديث، منها: حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجراً) يعني: أنه كلما كان الإنسان أبعد عن المسجد فإنه تكثر خطواته في الذهاب والإياب، وكل خطوة يخطوها الإنسان يرفع له بها درجة ويحط عنه بها خطيئة، وكلما زادت الخطا زاد الثواب وزاد الأجر، ولهذا قال: (الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجراً) يعني: أن كل من كان أبعد من المسجد ومشى إلى المسجد ليؤدي الصلاة فإنه يكون أعظم أجراً؛ لأن كل خطوة يخطوها الإنسان في ذهابه إلى المسجد يرفع له بها درجة ويحط عنه بها خطيئة، وكذلك في رجوعه من المسجد إلى بيته.
فإذاً: هذا يدل على فضل المشي إلى المساجد، وعلى أن كثرة الخطى إلى المساجد فيها كثرة الثواب وزيادة الثواب عند الله ، ولهذا قال: (الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجراً) فكل من كان أبعد يكون أعظم أجراً ممن كان أقرب منه؛ لأن الخطوات تتفاوت في البعد عن المسجد والقرب من المسجد، وكلما زادت الخطوات زادت رفعة الدرجات، وكذلك زاد حط الخطايا ومحو السيئات.
стр. 1858
تراجم رجال إسناد حديث: (الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجراً)
قوله: [حدثنا مسدد].
هو مسدد بن مسرهد البصري وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا يحيى].
هو يحيى بن سعيد القطان البصري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن أبي ذئب].
هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن أبي ذئب مشهور بنسبته إلى أحد أجداده، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن بن مهران].
عبد الرحمن بن مهران مجهول، أخرج حديثه أبو داود وابن ماجة.
[عن عبد الرحمن بن سعد].
عبد الرحمن بن سعد ثقة، أخرج حديثه مسلم وأبو داود وابن ماجة.
[عن أبي هريرة].
هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله ﷺ ، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ ، وهم: أبو هريرة وابن عمر وأبو سعيد الخدري وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله الأنصاري وابن عباس وأم المؤمنين عائشة، ستة رجال وامرأة واحدة، هؤلاء هم الصحابة السبعة المعروفون بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
والحديث فيه مجهول، ولكن وردت أحاديث كثيرة تدل على فضل المشي إلى المساجد، فهذا الحديث وإن كان فيه من هو مجهول إلا أن معناه صحيح وثابت عن رسول الله ﷺ من طرق كثيرة.
стр. 1859
شرح حديث: (أنطاك الله ما احتسبت كله أجمع)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا زهير حدثنا سليمان التيمي أن أبا عثمان حدثه عن أبي بن كعب قال: (كان رجل لا أعلم أحداً من الناس ممن يصلي القبلة من أهل المدينة أبعد منزلاً من المسجد من ذلك الرجل، وكان لا تخطئه صلاة في المسجد، فقلت: لو اشتريت حماراً تركبه في الرمضاء والظلمة! فقال: ما أحب أن منزلي إلى جنب المسجد، فنمي الحديث إلى رسول الله ﷺ ، فسأله عن قوله ذلك؟ فقال: أردت يا رسول الله! أن يكتب لي إقبالي إلى المسجد ورجوعي إلى أهلي إذا رجعت، فقال: أعطاك الله ذلك كله، أنطاك الله جل وعز ما احتسبت كله أجمع)].
أورد أبو داود ﵀ حديث أبي بن كعب ﵁ قال: (كان رجل من الأنصار ليس هناك أحد أبعد منزلاً منه من المسجد) يعني: أن بيته هو أبعد البيوت عن المسجد، ولا يعرف أحداً أبعد من ذلك الرجل، وكان ذلك الرجل يحرص على أن يأتي إلى المسجد ويصلي صلاة الجماعة فيه.
قوله: (وكان لا تخطئه صلاة في المسجد) يعني: كان مواظباً على الصلاة.
ولا تخطئه صلاة مع أن منزله بعيد من المسجد.
قوله: (فقلت له: لو أنك اشتريت حماراً تركبه في الرمضاء وفي الظلمة، فقال: ما أحب أن يكون منزلي قرب المسجد) يعني: أنا يعجبني أن يكون بيتي بعيداً من المسجد؛ لأنني أريد أن يكون إقبالي إلى المسجد من بيتي وانصرافي من المسجد إلى بيتي أن يكتب الله لي ذلك، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فسأله، (فقال له: إنني أريد أن يكتب الله لي إقبالي إلى المسجد ورجوعي إلى أهلي إذا رجعت، فقال ﵊: قد جمع الله لك ذلك كله) يعني: أنه حقق لك ما أردت من كتابة إقبالك وإدبارك.
وهذا فيه دليل على أن كتابة الحسنات ورفع الدرجات وحط الخطايا ليس خاصاً بالذهاب إلى المسجد، وإنما هو في الذهاب والإياب، فكون الإنسان ذهب لأداء العبادة وكونه رجع من المسجد بعد أن أدى العبادة كل ذلك يكتب له حسنات، ويرفع له به درجات ويحط عنه به خطايا، فقال ﵊: (قد جمع الله لك ذلك كله، أو أنطاك الله جل وعز ما احتسبت كله أجمع)، يعني: هذا الذي احتسبت ثوابه عند الله ورجوت ثوابه عند الله ورجوت أن يكتب الله لك ذلك في الذهاب والإياب قد كتب الله لك أجر ذلك، أو أعطاك الله ما أردت كله أجمع.
وهذا الحديث هو بمعنى الحديث المتقدم الذي فيه رجل مجهول ويدل على ما دل عليه؛ فإن فيه أن الرجل كان بعيداً من المسجد، وقد أخبره الرسول ﷺ كلما خطا خطوة يثاب عليها في الذهاب والإياب، فدل ذلك على فضل الذهاب إلى المساجد، وأنه كلما كان الشخص أبعد كان أعظم أجراً عند الله .
قوله: (أنطاك الله جل وعز ما احتسبت كله أجمع).
أنطاك هي بمعنى: أعطاك.
قوله: (ما احتسبت كله أجمع) يعني: مما أردت من الثواب على مجيئك إلى المسجد وانصرافك من المسجد إلى بيتك، وهذا فيه فضل المشي إلى المساجد.
стр. 1860
تراجم رجال إسناد حديث: (أنطاك الله ما احتسبت كله أجمع)
قوله: [حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي] هو عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل النفيلي وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن.
[حدثنا زهير].
هو زهير بن معاوية وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سليمان التيمي].
هو سليمان بن طرخان التيمي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أن أبا عثمان حدثه].
هو أبو عثمان النهدي عبد الرحمن بن مل وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي بن كعب.
].
أبي بن كعب صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
следующие страницы →