Полный текст (18 341 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
تابع تراجم إسناد حديث: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)
قوله: [حدثنا عبد الرزاق].
عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني ثقة، وقد أكثر عنه الإمام أحمد وروى عنه.
[أخبرنا معمر].
معمر بن راشد الأزدي البصري اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن همام بن منبه].
همام بن منبه ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله ﷺ ، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق.
وهذه الطريق التي هي: عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة هي الطريق التي جاءت بها صحيفة همام بن منبه المشهورة، وفيها أحاديث كثيرة جداً، وكلها بإسناد واحد، يعني: عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة.
ومسلم رحمة الله عليه في صحيحه روى أحاديث كثيرة منها عن شيخه محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن أبي هريرة وكانت بإسناد واحد إلا أن الفرق بين كل حديث وحديث أنه يقول: وقال رسول الله ﷺ كذا وقال الرسول كذا، ولهذا اختلفت طرائق الأئمة في الرواية من الصحيفة التي جاءت بإسناد واحد، فبعضهم يروي جزءاً منها بنفس الإسناد، وكأن الإسناد مركب على كل جزئية منها فيأخذ قطعة من الحديث التي فيها: قال رسول الله ﷺ كذا ويأتي بالإسناد الأول ويركبه عليها، أما الإمام مسلم رحمة الله عليه فهو معروف بالعناية والدقة في الرواية سواء بالنسبة للإسناد أو بالنسبة للمتن؛ لأنه كثيراً ما يقول: حدثنا فلان وفلان واللفظ لفلان، ويقول: قال فلان: حدثنا وقال فلان: أخبرنا، فيعتني بألفاظ الرواة والأحاديث ولا يأتي بالرواية بالمعنى، بل يحرص على المحافظة على الألفاظ، فكان من طريقته أنه إذا روى من صحيفة همام بن منبه إذا انتهى إلى أبي هريرة ﵁ قال: فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ كذا، فتكون عبارته دالة على أن هناك أشياء كانت بين الإسناد وبين هذا الذي أورده؛ لأنه لما انتهى الإسناد قال: عن أبي هريرة ﵁ فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ كذا.
وهذا من عنايته ودقته، ولهذا يقول ابن حجر في تهذيب التهذيب في ترجمته: حصل للإمام مسلم حظ عظيم مفرط ما حصل لأحد غيره من العناية في جمع الأحاديث والمحافظة على الألفاظ وعدم تقطيعها، وعدم الرواية بالمعنى، وذكر العمل الذي أثنى عليه به، وقال: وقد عمل جماعة من النيسابوريين على منواله، وذكر منهم عدداً كبيراً قال: وما أحد عمل مثل ما عمل أو بلغ مثل ما بلغ، وأثنى عليه ثناءً عظيماً رحمة الله عليه.
стр. 247
شرح حديث: (مفتاح الصلاة الطهور)
قال المصنف ﵀: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن سفيان عن ابن عقيل عن محمد بن الحنفية عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)].
أورد أبو داود ﵀ حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (مفتاح الصلاة الطُّهور) الطُهور أو الوُضوء هو هنا بالضم؛ لأنه ليس اسماً للماء وإنما هو اسم للفعل الذي هو التوضؤ والتطهر أو التيمم؛ والطُّهور يشمل الوضوء والتيمم؛ لأن كله يقال له: طهور وكله يقال له: تطهر، بخلاف الوضوء فإنه خاص باستعمال الماء، وأما الطهور فيكون بالماء والتراب.
قال ﵊: (مفتاح الصلاة الطهور) الصلاة لا يمكن أن يدخل إليها إلا بالطهور، فأي إنسان ما توضأ ولا تيمم لا يقبل الله له صلاة، كما جاءت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ ، فهي مثل البيت الذي أغلق بباب، والباب له مفتاح، ولا يوصل إلى البيت أو المكان الذي عليه الباب إلا بالمفتاح الذي يفتح به الباب، فكذلك الصلاة لا يوصل إليها إلا عن طريق الطهور، فمفتاح الصلاة الطهور.
وقوله: (وتحريمها التكبير) أي: الدخول فيها يكون بالتكبير؛ لأن الإنسان قبل أن يكبر له أن يتصرف كما يشاء، فله أن يأكل، ويشرب، ويلتفت، ويتحدث، ويكلم، ويذهب، ويجيء، ولكن ذلك قبل أن يقول: الله أكبر، داخلاً في الصلاة، فإنه يحرم عليه بقوله: الله أكبر ما كان حلالاً له قبل أن يقولها، فيحرم عليه أن يتكلم بعدما يدخل الصلاة بلفظ: الله أكبر، ويحرم عليه أن يشرب ويأكل، ويحرم عليه أن يذهب ويجيء، فيحرم عليه أن يتصرف ويعمل الأعمال التي تنافي الصلاة؛ لأن تحريمها التكبير.
ثم أيضاً الحديث فيه دلالة على أن تحريمها لا يكون إلا بالتكبير، فلا يدخل فيها بأن يقال: الله أجل، أو الله أعظم، بل لا بد من: الله أكبر، ولهذا قال الرسول ﷺ : (تحريمها التكبير) يعني: أن الدخول فيها، والحد الفاصل بين ما يحل قبلها وما يحرم بعدها مما يحل قبلها هو قول: الله أكبر، وكذلك قد جاء في حديث المسيء صلاته أنه ﷺ قال له: (إذا قمت إلى الصلاة فاستقبل القبلة وكبر) يعني: أن يقول: الله أكبر، فدلنا هذا على أنه يتعين لفظ التكبير، ولا يجزئ أن يؤتى بلفظ آخر يحل محل التكبير، وقد قال ذلك بعض أهل العلم، ولكن ذلك ليس بصحيح؛ لأنه ينافي ما جاء في الأحاديث عن رسول الله ﷺ من تعيين التكبير في الدخول في الصلاة.
وقوله: (وتحليلها التسليم) يعني: الانتهاء منها يكون بالتسليم، فإذا سلم الإنسان حل له بعد التسليم ما كان حراماً عليه قبل أن يسلم، كما أنه كان قبل التكبير حلالاً، فأحرم بالتكبير، وهذه الحرمة استمرت إلى حين التسليم، فلما وجد التسليم رجع إلى ما كان عليه قبل التكبير، وما كان جائزاً قبل التكبير حل بعد التسليم؛ لأن التحلل من الصلاة والخروج منها إنما يكون بالتسليم لا بغيره، وليس كما قال بعض أهل العلم: إن الإنسان إذا لم يبق له إلا التسليم فتشهد وانصرف فإنه يكون قد انتهى من الصلاة سلم أو لم يسلم! فإن هذا لا يتفق مع قوله ﷺ : (تحليلها التسليم) بل ينافيه، فلو أن إنساناً أحدث قبل أن يسلم وبعد أن تشهد لصحت صلاته عند بعض أهل العلم، ولكن لا تصح عند جمهورهم؛ لأن قوله ﷺ : (تحليلها التسليم) يدل على أنها لا تنتهي إلا بتسليم، وأن الإنسان قبل أن يذكر التسليم هو في الصلاة وليس منتهياً منها، وإنما ينتهي منها بالتسليم، على خلاف بين أهل العلم هل الانتهاء بتسليمة واحدة أو بالتسليمتين.
стр. 248
تراجم رجال إسناد حديث: (مفتاح الصلاة الطهور)
قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة].
عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[حدثنا وكيع].
وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سفيان].
هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وإذا جاء وكيع يروي عن سفيان فالمراد به الثوري وليس المراد سفيان بن عيينة.
[عن ابن عقيل].
عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب صدوق في حديثه لين، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجة.
[عن محمد بن الحنفية].
هو محمد بن علي بن أبي طالب مشهور ب ابن الحنفية، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن علي].
علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أمير المؤمنين، ورابع الخلفاء الراشدين الهاديين المهديين أبو السبطين، وهو خير من مشى على الأرض من غير الأنبياء بعد أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.
والله تعالى أعلم.
стр. 249
الأسئلة
стр. 250
كيفية العمل لمن كان في نافلة وأقيمت الفريضة
السؤال
في الحديث: (تحليلها التسليم)، فإذا أقيمت الصلاة والمرء في صلاة النافلة هل يقطعها قطعاً أو يسلم؟
الجواب
إذا كان الإنسان في صلاة وأقيمت الصلاة فإذا كان في أولها أو ليس في آخرها فإنه يقطعها بدون تسليم، وإذا كان في آخرها يتمها إتماماً خفيفاً.
وأما هذا الحديث فالمراد به: التحليل والتسليم الذي هو نهايتها، وأما هذا فهو قطع لها قبل أن يكملها.
стр. 251
حكم النعاس في الصلاة
السؤال
قول: (النائم في الصلاة لا ينتقض وضوءه إلا إذا كان راكعاً أو ساجداً) هل هذا حديث صحيح أو باطل؟
الجواب
هل هناك أحد ينام في الصلاة؟ يمكن أن الإنسان ينعس ولكنه إذا نعس يتنبه، وأما أن ينام وهو ساجد فهذا قد يقع، فإذا مكث نائماً مدة طويلة جداً، وحصل له صوت في النوم كثير أو ما إلى ذلك، فلاشك أنه يدخل تحت قول الرسول ﷺ : (إذا نامت العينان استطلق الوكاء)، وأما إذا كان نعاساً فقد كان الصحابة ﵃ وأرضاهم ينعسون قبل الصلاة حتى تسقط رءوسهم وهم جالسون، فيقومون ولا يتوضئون، فكذلك من كان في الصلاة وحصل له نعاس، وخفق ورأسه وانتبه لا يؤثر ذلك على صلاته.
стр. 252
بيان أن السواك من الأمور الطيبة
السؤال
هل التسوك يكون باليد اليمنى أم باليسرى؟ وأيهما أفضل؟
الجواب
والله ما أعلم، لكن يقولون: إن السواك ليس من الأشياء التي يحتاج فيها الإنسان أن يتوارى ويختفي عن الناس، بل هو من الأمور الطيبة، والأمور الطيبة يمكن أن تستعمل باليمنى، ولكن أنا لا أعرف نصاً خاصاً في هذا، ولكن الذي أعلم أنهم ذكروا أن السواك ليس من الأشياء التي تستكره أو التي يحتاج أن الإنسان يختفي بها، ولهذا بوب النسائي فقال: باب استياك الإمام بحضرة الرعية.
стр. 253
شرح سنن أبي داود [٠١٥]
يحترز الناس كثيراً من النجاسات، وقد جاء في الشرع ما يحدد لهم مقدار وعلامة الماء الذي تضره النجاسة وتؤثر فيه.
стр. 254
ما جاء في الرجل يجدد من غير حدث
стр. 255
شرح حديث: (من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الرجل يجدد الوضوء من غير حدث.
حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ ح وحدثنا مسدد حدثنا عيسى بن يونس قالا: حدثنا عبد الرحمن بن زياد -قال أبو داود: وأنا لحديث ابن يحيى أتقن- عن غطيف -وقال محمد: عن أبي غطيف الهذلي - قال: كنت عند عبد الله بن عمر ﵄ فلما نودي بالظهر توضأ فصلى، فلما نودي بالعصر توضأ، فقلت له.
فقال: كان رسول الله ﷺ يقول: (من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات).
قال أبو داود: وهذا حديث مسدد وهو أتم.
].
يقول الإمام أبو داود السجستاني رحمة الله عليه: [باب الرجل يجدد الوضوء من غير حدث].
يعني: أنه يتوضأ من غير أن يكون محدثاً بل على طهارة، فوضوءه يكون على وضوء، وطهارة على طهارة، وليس لرفع الحديث هذا هو المقصود بالترجمة.
أورد أبو داود ﵀ حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: (من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات)، وهذا الحديث يدل على ما ترجم له المصنف من جهة الوضوء على الوضوء، والوضوء من غير حدث، ويدل على فضل ذلك، وهو أن له بفعله عشر حسنات، والحديث ضعيف، ولكن سبق أن مر حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي ﷺ كان أمر بالوضوء عند كل صلاة، فلما شق ذلك عليه أُمر بالسواك) فكان ابن عمر يرى أن به قوة على أن يتوضأ لكل صلاة فكان يتوضأ لكل صلاة، وأن الذي نسخ هو الوجوب وبقي الاستحباب، وهنا الحديث هو في معناه، ولكنه بإسناد ضعيف، والحديث المتقدم الذي سبق أن مر وفيه ذكر الوضوء على الوضوء، وأن ذلك شق عليه ﷺ ثم أمر بالسواك لكل صلاة يفهم منه أن المضمضمة متأكدة؛ لأن قوله: (أمر بالسواك عند كل صلاة) يدل على أنه بدل ما كان يتوضأ لكل صلاة ويدخل في ذلك المضمضمة التي فيها نظافة الفم جاء ما ينوب منابها وهو السواك لكل صلاة.
стр. 256
تراجم رجال إسناد حديث: (من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات)
قوله: [حدثنا محمد بن يحيى بن فارس].
محمد بن يحيى بن فارس هو الذهلي، وهو ثقة أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ].
هو عبد الله بن يزيد المقرئ المكي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ح وحدثنا مسدد].
ح هي للتحول من إسناد إلى إسناد، ومسدد هو ابن مسرهد، وهو ثقة أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا عيسى بن يونس].
هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قالا: حدثنا عبد الرحمن بن زياد].
أي: شيخا أبي داود وهما: عيسى بن يونس وعبد الله بن يزيد المقرئ، هما اللذان قالا: حدثنا عبد الرحمن بن زياد.
وعبد الرحمن بن زياد، هو ابن أنعم الأفريقي، وهو ضعيف في حفظه أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود والترمذي وابن ماجة.
[قال أبو داود: وأنا لحديث ابن يحيى أتقن].
أي: أنه أتقن لحديث شيخه الأول محمد بن يحيى بن فارس عن عبد الله بن يزيد المقرئ من حديث شيخه الثاني مسدد عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق وقد أورده على لفظ شيخه الثاني وهو مسدد الذي لم يكن أتقن لحديثه، وهذا لا يؤثر؛ لأنه يتقنه أيضاً.
[عن غطيف وقال محمد عن أبي غطيف الهذلي].
يعني: أن أحد الشيخين قال: عن غطيف، وقال الشيخ الثاني: عن أبي غطيف، وهو الهذلي مجهول أخرج حديثه أبو داود والترمذي وابن ماجة.
[قال: كنت عند عبد الله بن عمر].
ثم ذكر ذلك عن ابن عمر، وعبد الله بن عمر هو الصحابي الجليل أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
وفي الإسناد رجلان: أحدهما: ضعيف، والثاني: مجهول، والإسناد بهذا ضعيف، ولكن تجديد الوضوء سائغ ولا بأس به، وقد سبق ذكر حديث: أن ابن عمر كان يتوضأ لكل صلاة؛ لأنه وجد من نفسه قوة، وأن الذي نسخ هو الوجوب، وأما الاستحباب فقد بقي.
[قال أبو داود: وهذا حديث مسدد وهو أتم].
يعني: أن هذا اللفظ الذي أورده هو لفظ مسدد شيخه الثاني، وهو أتم، أي: أن شيخه الأول محمد بن يحيى بن فارس حديثه أنقص، وقد رواه على رواية من هو أتم، وعلى رواية من ليس متقناً لحديثه على التمام والكمال.
стр. 257
ما جاء فيما ينجس الماء
стр. 258
شرح حديث: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث)
[قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما ينجس الماء.
حدثنا محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة والحسن بن علي وغيرهم قالوا: حدثنا أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه ﵄ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال ﷺ : (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث).
قال أبو داود: وهذا لفظ ابن العلاء، وقال عثمان والحسن بن علي: عن محمد بن عباد بن جعفر، قال أبو داود: وهو الصواب].
أورد أبو داود هذه الترجمة: [باب ما ينجس الماء].
يعني: ما الذي ينجس الماء إذا وقع فيه؛ لأن الماء يقع فيه أشياء طاهرة وأخرى نجسة، فما هو الذي إذا وقع فيه ينجسه؟ أو ما هو المقدار الذي ينجس بوقوع النجاسة فيه، وما كان أكثر من ذلك فإنه لا ينجسه شيء؟ أورد أبو داود حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، وكان قد سئل ﵊ عن الماء الذي يكون في الفلاة وما ينتابه من السباع والدواب، حيث تمشي وتخوض فيه، وتبول فيه وتتبرز؛ فما الذي ينجسه وما الذي لا ينجسه؟ فالنبي ﷺ أجاب بأن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، يعني: إذا كان كثيراً، وحد الكثرة: بلوغها القلتين، والقلتان أصح ما قيل فيهما: إنهما القلال الكبيرة، وهي الروايا الكبيرة، أي: أنهما راويتان كبيرتان، فإذا بلغ الماء هذا المقدار فإنه لا يحمل الخبث، ولا يكون نجساً بوقوع النجاسة فيه، فإذا بلغ قلتين فإنه لا ينجس.
وقوله (لا يحمل الخبث) يعني: أنه يدفعه عن نفسه، وليس معنى ذلك أنه يضعف عن حمل الخبث؛ لأنه لو كان المقصود يضعف عن حمل الخبث لم يكن هناك فائدة للحديث؛ لأن معناه: ما كان قليلاً وكثيراً فإنه يكون ضعيفاً عن حمل الخبث، وعلى هذا فإنه تؤثر فيه النجاسة قلت أو كثرت، والحديث جاء للتفريق والتفصيل بين ما يكون قليلاً تؤثر فيه النجاسة، وبين ما يكون كثيراً لا تؤثر فيه النجاسة.
والنبي ﷺ حدده بقلتين وقال: (إنه لا يحمل الخبث)، وجاء في بعض الروايات: (أنه لا ينجس) يعني: أنه يدفع النجاسة عن نفسه، لكن سيأتي في الحديث بعد هذا أن النبي ﷺ قال: (الماء طهور لا ينجسه شيء) وجاء في بعض الروايات: (لا ينجسه شيء إلا ما غلب على لونه أو طعمه أو ريحه)، والزيادة هذه في ذكر اللون والطعم والريح ضعيفة.
ولا خلاف بين هذا الحديث والحديث الذي سيأتي؛ لأن قوله: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) فيه بيان أن الماء قليل وكثير، وأما الحديث الثاني فإنه مطلق، فيقيد العموم بما كان فوق القلتين، وأما ما كان دون القلتين فيستثنى من ذلك، بمعنى: أنه ينجس إذا وقعت فيه النجاسة، لكن إذا تغير اللون والطعم والريح للماء القليل والكثير الذي بلغ قلالاً كثيرة بالنجاسة لوناً أو طعماً أو ريحاً فإنه يكون نجساً، وقد أجمع العلماء على أن النجاسة إذا وقعت في ماء، وتغير لونه أو طعمه أو ريحه بسبب النجاسة فإنه يكون نجساً ولا يتطهر به ما دام أنها غيرت لونه أو طعمه أو ريحه، ولكن كما قلت: الرواية التي وردت ضعيفة، وهي عند ابن ماجة، ولكن العلماء أجمعوا على مقتضى هذه الرواية الضعيفة، فمعناها ثابت من حيث الإجماع، ولا خلاف بين العلماء فيها، وأن النجاسة إذا غيرت لوناً أو طعماً أو ريحاً للماء؛ فإنه لا يجوز استعماله ويكون نجساً ولو كان كثيراً جداً، فإذا كان الماء كثيراً وجاءت نجاسة أكثر منه أو مثله أو أقل منه وغيرت لونه أو طعمه أو ريحه فإنه يكون نجساً ولا يجوز استعماله.
فعندنا هذا الحديث: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، وعندنا حديث: (الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على لونه أو طعمه أو ريحه)، والعمل بالإجماع على هذا لا بالحديث الضعيف الذي ورد في ذلك، وعلى هذا فإن قوله: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) ما دون القلتين مستثنى من حديث: (الماء طهور لا ينجسه شيء)؛ فإن النجاسة إذا وقعت في ماء قليل ولم تغير له لوناً ولا طعماً ولا ريحاً فإنه ينجس، فإذا كان هناك ماء في وعاء صغير ووقع فيه قطرات بول فإنه يكون نجساً ولو لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه؛ لأنه قليل لا يدفع الخبث، بخلاف الماء الكثير فإنه يدفعه إلا إذا غيرت النجاسة لونه أو طعمه أو ريحه، فما دون القلتين فإنه ينجس إذا وقعت فيه النجاسة سواء تغير لونه أو طعمه أو ريحه أو لم يتغير؛ لأن هذا هو مفهوم قوله: (لم يحمل الخبث)؛ لأنه إذا كان قليلاً لم يدفع الخبث وتؤثر فيه النجاسة ولا يجوز استعماله، أما إذا كان فوق القلتين فحديث القلتين يقول: (لم يحمل الخبث) يعني: لا ينجس، لكن إذا كانت النجاسة كثيرة وغيرت لوناً أو طعماً أو ريحاً فإنه يكون نجساً؛ فالإجماع قائم على أن النجاسة إذا غيرت اللون أو الطعم أو الريح ولو كان الماء قلالاً كثيرة فإنه يكون نجساً بذلك.
فإذاً: كل واحد من الحديثين خص منه شيء، فقوله: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) يقيد بأن ما زاد على القلتين يحمل الخبث إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه للحديث الثاني والإجماع الذي انضم إليه، وقوله: (الماء طهور لا ينجسه شيء) يستثنى من ذلك ما دون القلتين فإن النجاسة تؤثر فيه حتى لو لم تغير له لوناً أو طعماً أو ريحاً.
وحديث القلتين الذي معنا ضعفه بعض أهل العلم، ومنهم ابن القيم في كتابه تهذيب السنن، وقد أطال الكلام في تضعيفه، وقد صححه جماعة من أهل العلم واحتجوا به واعتبروه ثابتاً، منهم يحيى بن معين والدارقطني وابن حبان وابن خزيمة والحاكم وغيرهم ممن صححوا هذا الحديث واعتبروه، وقالوا: إن الكلام الذي فيه لا يؤثر فيه من جهة أنه جاء في رواته محمد بن عبد الله بن الزبير ومحمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن عباد بن جعفر، وهكذا عبيد الله بن عبد الله بن عمر أو عبد الله بن عبيد الله، ولكن كل ذلك الاختلاف لا يؤثر؛ لأن الحديث جاء عن هذا وعن هذا فالحديث صحيح، ولا يؤثر فيه الاختلاف.
стр. 259
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث)
قوله: [حدثنا محمد بن العلاء].
هو محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وعثمان بن أبي شيبة].
عثمان بن أبي شيبة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[والحسن بن علي].
هو الحسن بن علي الحلواني ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا النسائي.
[وغيرهم].
أي: أن أبا داود رواه عن جماعة، ولكنه اكتفى بذكر هؤلاء الثلاثة وأشار إلى أن غيرهم أيضاً حدث بهذا الحديث ولكنه اقتصر على ذكر هؤلاء الثلاثة.
[حدثنا أبو أسامة].
هو أبو أسامة حماد بن أسامة وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الوليد بن كثير].
الوليد بن كثير صدوق أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن جعفر بن الزبير].
هو محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن عبد الله بن عمر].
عبد الله بن عبد الله بن عمر ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[عن أبيه].
هو عبد الله بن عمر وقد مر ذكره.
[قال أبو داود: وهذا لفظ ابن العلاء].
قال أبو داود وهذا -أي: الذي ذكره- لفظ ابن العلاء.
يعني: شيخه الأول، وأما الشيخان الآخران وهما: الحسن بن علي الحلواني وعثمان بن أبي شيبة فقد قالا: عن محمد بن عباد جعفر.
ومحمد بن عباد بن جعفر ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قال أبو داود: وهو الصواب].
وسواء كان هذا أو هذا فإن كلاً منهما ثقة ولا يؤثر الاختلاف في كونه في بعض الطرق قال: محمد بن عباد بن جعفر، وفي بعضها قال: محمد بن جعفر بن الزبير؛ لأن كلاً منهما ثقة، وقد جاء عن هذا وعن هذا.
стр. 260
حكم سؤر الدواب والسباع
قوله: (سئل رسول الله ﷺ عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع) قد يقال: فما حكم سؤر الدواب والسباع؟
و
الجواب
أن الكلب سؤره معروف، وقد ورد ما يدل على نجاسته وأنه يراق ويغسل سبع مرات أولاهن بالتراب، وأما غيره من الدواب والسباع فإن الأصل أن سؤرها لا ينجس ولا يؤثر، ولكن المقصود ليس هو السؤر، وإنما المقصود: هو كونها كانت تخوض فيه وتبول ويحصل الروث منها، وهذا هو الذي يكون سبباً في نجاسة الماء.
стр. 261
شرح حديث ابن عمر: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد ح وحدثنا أبو كامل حدثنا يزيد -يعني: ابن زريع - عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر قال أبو كامل: ابن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه ﵁: (أن رسول الله ﷺ سئل عن الماء يكون في الفلاة فذكر معناه)].
أورد أبو داود ﵀ الحديث من طريق أخرى عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وأحال إليها بالمعنى، يعني: أنه لم يذكر اللفظ، ولكنه قال: إنه بمعنى الحديث المتقدم: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، هذا هو المقصود إذا قال: ومعناه، أما إذا قيل: لفظه أو مثله فإنه يقتضي المماثلة والمساواة، وأما إذا قيل: معناه فالمراد أن المعنى واحد واللفظ فيه اختلاف.
стр. 262
تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) من طريق أخرى
قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل].
هو موسى بن إسماعيل التبوذكي أبو سلمة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حماد].
هو ابن سلمة ثقة أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[ح وحدثنا أبو كامل].
أورد (ح) التحويل وقال: حدثنا أبو كامل وهو الفضيل بن حسين الجحدري، وهو ثقة أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأبو داود والنسائي.
[عن يزيد يعني: ابن زريع].
يزيد بن زريع ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن إسحاق].
هو محمد بن إسحاق بن يسار المدني صدوق أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[عن محمد بن جعفر].
محمد بن جعفر هو ابن الزبير الذي سبق أن مر في الإسناد الذي قبل هذا.
[قال أبو كامل: ابن الزبير].
قال أبو كامل وهو الشيخ الثاني: ابن الزبير، ويحتمل أن يكون قال: محمد بن جعفر بن الزبير فأسند ابن الزبير أو أنه قال: ابن الزبير فذكر نسبته إلى جده، والمقصود بـ ابن الزبير: محمد بن جعفر بن الزبير؛ لأن الشيخ الأول قال: محمد بن جعفر والشيخ الثاني قال: ابن الزبير، فيحتمل أن يكون أضاف ابن الزبير فقال: محمد بن جعفر بن الزبير، ويحتمل أن يكون ذكره منسوباً إلى جده ولم يذكر اسمه ولا اسم أبيه، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر].
عبيد الله بن عبد الله بن عمر هو المصغر، والطريق المتقدم عن المكبر، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
أبوه عبد الله بن عمر، وقد مر ذكره.
стр. 263
شرح حديث: (إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا عاصم بن المنذر عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر قال: حدثني أبي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس).
قال أبو داود: حماد بن زيد وقفه عن عاصم].
أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما وهو باللفظ المتقدم إلا أنه قال بدل: (لم يحمل الخبث) قال: (فإنه لا ينجس) وهي تفسر للجملة السابقة في قوله: (لم يحمل الخبث)، بمعنى: أنه يدفعه عن نفسه ولا تؤثر فيه النجاسة، ولكن هذا فيما إذا لم تغير له طعماً أو ريحاً أو لوناً، أما إذا غيرت اللون أو الطعم أو الريح فإن النجاسة تؤثر فيه، ولذلك فإن الماء الكثير الذي يبلغ عشر قلال أو أكثر إذا أتته النجاسة فتغير لونه أو طعمه أو ريحه فإن ذلك يكون نجساً بالإجماع، وهذه الزيادة التي جاءت في بعض روايات حديث: (الماء طهور لا ينجسه شيء) أجمع العلماء عليها، وهذا مما ورد فيه حديث ضعيف، ولكن معناه مجمع عليه، ومثله الحديث الذي فيه: (كل قرض جر نفعاً فهو ربا)، هذا حديث ضعيف، قال الحافظ في بلوغه: إسناده واهٍ.
ولكن هذا الحديث معناه مجمع عليه، ولا خلاف بين العلماء بأن كل قرض جر نفعه هو ربا، فالمعول عليه في ذلك هو الإجماع وليس هذا الحديث الضعيف الذي هو بلفظ: (كل قرض جر نفعاً هو ربا) والذي قال عنه الحافظ في بلوغ المرام: وإسناده واهٍ، فهذه الزيادة هي من جنس: (كل قرض جر نفعاً هو ربا)، هذا مجمع على معناه، وهذا مجمع على معناه.
стр. 264
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس)
قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد].
موسى بن إسماعيل وحماد مر ذكرهما.
[أخبرنا عاصم بن المنذر].
عاصم بن المنذر صدوق أخرج حديثه أبو داود وابن ماجة].
[عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه].
عبيد الله بن عبد الله بن عمر وأبوه مر ذكرهما.
[قال أبو داود: حماد بن زيد وقفه عن عاصم].
أي: أنه جاء الحديث من طريق حماد بن زيد، وهو ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
وعاصم هو ابن المنذر وقد جاء الحديث موقوفاً عليه، يعني: ليس مرفوعاً إلى رسول الله ﷺ ، ولكنه جاء مرفوعاً من طرق متعددة، فالمعتبر الرفع وليس الوقف.
стр. 265
ما جاء في بئر بضاعة
стр. 266
شرح حديث: (الماء طهور لا ينجسه شيء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في بئر بضاعة.
حدثنا محمد بن العلاء والحسن بن علي ومحمد بن سليمان الأنباري قالوا: حدثنا أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن كعب عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج عن أبي سعيد الخدري ﵁: (أنه قيل لرسول الله ﷺ : أنتوضأ من بئر بضاعة -وهي بئر يطرح فيها الحيض ولحم الكلاب والنتن؟ - فقال رسول الله ﷺ : الماء طهور لا ينجسه شيء).
قال أبو داود: وقال بعضهم: عبد الرحمن بن رافع].
أورد أبو داود هذه الترجمة: [ما جاء في بئر بضاعة]، وبئر بضاعة هي بئر كانت معروفة في المدينة في شمالي المسجد، وكان الماء فيها غزيراً وكثيراً، وقد سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء منها وهي تطرح فيها الأشياء النجسة، فالرسول ﷺ قال: (الماء طهور لا ينجسه شيء).
وما جاء من أن البئر كانت تطرح فيها هذه الأشياء فليس معنى ذلك أن الناس كانوا يأتون ويلقون النجاسات في تلك البئر والناس بحاجة إليها، وإنما المقصود من ذلك: أنها كانت في مكان منخفض، وإذا جاءت السيول أخذت تلك الأشياء التي قد طرحت في الأرض وألقتها في تلك البئر، وليس المقصود أن الناس كانوا يذهبون يرمون فيها هذه الأشياء النجسة القذرة، فإن اللائق والمناسب هو أن السيل هو الذي كان يدفع هذه الأشياء ويجمعها ويأخذها من الأرض ويلقيها في تلك البئر، والرسول ﷺ سئل عن حالها تلك وهي تصل إليها النجاسات وتقع فيها فقال: (الماء طهور لا ينجسه شيء).
وقوله ﷺ : (الماء طهور لا ينجسه شيء) لفظ عام، ولكن قد أجمع العلماء على أن الماء مطلقاً كثر أو قل إذا وقعت فيه نجاسة وأثرت فيه لوناً أو طعماً أو ريحاً فإنه يكون نجساً بالإجماع، فمجرد تغيير الرائحة أو اللون أو الطعم أو الريح هذا تكون معه النجاسة، وإذا كان الماء قليلاً دون القلتين ثم وقعت فيه نجاسة وما غيرت لوناً ولا طعماً ولا ريحاً فإنه يكون نجساً؛ لقوله: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل)، ومعناه: أنه إذا كان دونها فإن النجاسة تؤثر فيه حتى وإن لم تغير له لوناً أو طعماً أو ريحاً كما أشرت إلى ذلك آنفاً، وعلى هذا فقوله ﷺ : (الماء طهور لا ينجسه شيء) محمول على أنه لم يحصل تغير في الطعم ولا اللون ولا الريح، ومحمول أيضاً على أنه فهم من ذلك ما دون القلتين، فإن ما دون القلتين يتأثر بالنجاسة وإن لم تغير له لوناً أو طعماً أو ريحاً، كأن يكون -مثلاً- مقدار صاع أو مقدار مد ثم تقع فيه نجاسة فإنه لا يجوز استعماله ولو لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه؛ لأنه شيء قليل تؤثر فيه النجاسة، لكن الماء الكثير لا يتأثر إلا بتغير اللون أو الطعم أو الريح.
[قال وهي بئر يطرح فيها الحيض ولحم الكلاب والنتن].
لأن هذه الأشياء التي كان الناس يرمونها كان السيل يأتي ويجترفها فيلقيها في البئر.
стр. 267
تراجم رجال إسناد حديث: (الماء طهور لا ينجسه شيء)
قوله: [حدثنا محمد بن العلاء والحسن بن علي ومحمد بن سليمان الأنباري].
محمد بن العلاء والحسن بن علي مر ذكرهما، ومحمد بن سليمان الأنباري صدوق أخرج حديثه أبو داود وحده.
[قالوا: حدثنا أبو أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن كعب].
أبو أسامة هو حماد بن أسامة مر ذكره، والوليد بن كثير مر ذكره، ومحمد بن كعب هو القرظي ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج].
عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج مستور أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي].
[عن أبي سعيد].
أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان صاحب رسول الله ﷺ وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
[قال أبو داود: وقال بعضهم: عبد الرحمن بن رافع].
وقال بعضهم: عبد الرحمن بن رافع يعني: أنه يقال له: عبد الرحمن بن رافع، فيقال: عبيد الله بن عبد الله ويقال: عبيد الله بن عبد الرحمن وهو شخص واحد.
стр. 268
شرح حديث: (الماء طهور لا ينجسه شيء) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن أبي شعيب وعبد العزيز بن يحيى الحرانيان قالا: حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن سليط بن أيوب عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري ثم العدوي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ وهو يقال له: إنه يستسقى لك من بئر بضاعة -وهي بئر يلقى فيها لحوم الكلام والمحائض وعذر الناس- فقال رسول الله ﷺ : إن الماء طهور لا ينجسه شيء)].
أورد أبو داود ﵀ حديث أبي سعيد الخدري من طريق أخرى وهو مثل الذي قبله: (الماء طهور لا ينجسه شيء).
وقوله: (إنه يستسقى لك) يعني: يؤتى لك بالماء من تلك البئر، والرسول ﷺ قال: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء)، يعني: أن الماء الكثير إذا وقعت فيه النجاسة ولم تغير له لوناً ولا طعماً ولا ريحاً فإنها لا تؤثر فيه.
стр. 269
تراجم رجال إسناد حديث: (الماء طهور لا ينجسه شيء) من طريق أخرى
قوله: [حدثنا أحمد بن أبي شعيب].
هو أحمد بن عبد الله ثقة أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[وعبد العزيز بن يحيى].
عبد العزيز بن يحيى صدوق ربما وهم أخرج له أبو داود والنسائي.
[الحرانيان].
يعني: أن كلاً منهما منسوب إلى حران.
[قالا: حدثنا محمد بن سلمة].
محمد بن سلمة هو الحراني أيضاً، وهو ثقة أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.
[عن محمد بن إسحاق عن سليط بن أيوب].
محمد بن إسحاق مر ذكره، وسليط بفتح أوله وكسر اللام مقبول أخرج له أبو داود والنسائي.
[عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري ثم العدوي عن أبي سعيد الخدري].
ذكره هنا: عبيد الله بن عبد الرحمن وهناك: عبيد الله بن عبد الله، وهو الذي مر.
стр. 270
التعريف ببئر بضاعة
[قال أبو داود: وسمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها؟ قال: أكثر ما يكون فيها الماء إلى العانة.
قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة.
قال أبو داود: وقدرت أنا بئر بضاعة بردائي فمددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع، وسألت الذي فتح لي البستان فأدخلني إليه: هل غُير بناؤها عما كانت عليه؟ قال: لا.
ورأيت فيها ماءً متغير اللون].
أورد أبو داود ﵀ كلاماً حول بئر بضاعة وعمق الماء فيها وغزارته، وكذلك أيضاً عرضها والمساحة بين طرفيها، فذكر أبو داود عن شيخه قتيبة بن سعيد أنه سأل من هو قائم عليها، وقتيبة بن سعيد من شيوخ أبي داود ومن شيوخ البخاري ومسلم فقال: إنه إذا كان الماء كثيراً فيها يبلغ فوق العانة، يعني: أنه أقل من السرة وفوق العانة، قال: وإذا نقص يكون دون العورة، ومعنى هذا أن الماء غزير، وأنه ينمو ويكثر بحيث إنه يتراوح بين هذا المقدار وهذا المقدار الذي هو فوق العانة، وهو قريب مما تحت العورة، ومعناه أنه يظهر وينبع ويكون غزيراً وكثيراً، فلا تؤثر فيه النجاسة.
[قال أبو داود: وقدرت أنا بئر بضاعة].
ثم إن أبا داود نفسه قال: إنه قدرها، يعني: قدر فوهة البئر، وقال: إنه مد عليها رداءه من طرف إلى طرف فكان مقدار ستة أذرع، يعني من حيث العمق، وهذا من حيث السعة طولاً وعرضاً.
[وسألت الذي فتح لي البستان فأدخلني إليه: هل غُير بناؤها عما كانت عليه؟ قال: لا].
أي: أنه سأله هل البئر على ما كان عليه من قبل أو أنه غُير وصار جديداً يختلف عن الأول؟ فقال: إنه لم يُغير.
ثم قال: [ورأيت فيها ماءً متغير اللون].
والمقصود: أن الرسول ﷺ أتى باللفظ العام؛ لأنه سئل عن بئر معينة يكون الماء فيها كثيراً فأجاب ﷺ بكلام عام يشمل هذه البئر وغيرها حيث قال: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، وفي رواية عن أبي أمامة ﵁ عند ابن ماجة بزيادة: (إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه) وقد ذكرنا أن هذه الزيادة ضعيفة، ولكن معناها مجمع عليه بين العلماء.
والحديث هذا حديث صحيح، ومداره على عبيد الله بن عبد الله أو ابن عبد الرحمن بن رافع بن خديج وهو مستور، لكن صححه جماعة من أهل العلم، ولعل ذلك لأن له طرقاً متعددة؛ لأن الحديث مشهور، وحديث القلتين ما ضعفوه، فإن ابن القيم ضعف معنى القلتين وما ضعف هذا الحديث.
стр. 271
الأسئلة
стр. 272
حكم مراجعة المطلقة ثلاثاً
السؤال
قال في سورة البقرة: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة:٢٢٩] ثم قال بعد ذلك: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجَاً غَيْرَه﴾ [البقرة:٢٣٠]، أي: إذا طلقها المرة الثالثة، فهل المنع للرجوع إليها بعد الطلقة الثالثة قبل انتهاء عدتها أم بعد الانتهاء من العدة؟
الجواب
بعد الطلقة الثالثة لا رجوع، وإنما الرجوع بعد الأولى وبعد الثانية؛ لقوله سبحانه: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة:٢٢٩] أي: هاتان الطلقتان هما اللتان يملك الإنسان بعدهما الرجوع، فإن طلق واحدة أو طلق اثنتين فإنه يملك الرجوع ما دامت في العدة، فإن خرجت من العدة بعد الأولى أو الثانية فهو خاطب من الخطاب، وأما إذا كان بعد الثالثة فإنه لا رجعة له إلا بعد أن تتزوج زوجاً آخر زواج رغبة ثم يطلقها، فإذا طلقها الزوج الآخر فله أن يتزوجها، وإذا تزوجها بعد زوج فله ثلاث طلقات.
стр. 273
فائدة العدة
السؤال
ما فائدة العدة بالنسبة للمرأة بعد الطلقة الثالثة؟
الجواب
العدة هي من أجل براءة الرحم في الثالثة، وفي الأولى أو الثانية من أجل أيضاً تطويل المسافة أمام من يريد أن يرجع إليها.
стр. 274
حكم العمل في البنوك الربوية
السؤال
هل يجوز العمل في إحدى البنوك الموجودة في الساحة؟
الجواب
البنوك التي تتعامل بالربا لا يجوز العمل فيها؛ لحديث: (لعن النبي ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه)، والإنسان إذا كان موظفاً فيها فهو من الكتبة وداخلاً تحت هذه اللعنة التي جاءت عن رسول الله ﷺ .
стр. 275
حكم بيع التقسيط
السؤال
ما حكم بيع السيارات بالتقسيط كما هو في عصرنا؟
الجواب
البيع بالتقسيط جائز لا بأس به، فكون السلعة إذا كانت نافذة لها سعر وإذا كانت مؤجلة لها سعر، والإنسان يدخل إما على هذا أو على هذا لا بأس بذلك، فالذي يسمونه بيع التقسيط هو بيع الآجال وهو لا بأس به؛ لأنه ليس هناك دليل يدل عليه، والحديث الذي فيه: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا)، فسره العلماء بأنه ليس من هذا القبيل، وإنما المقصود به: أن يكون عنده سعر للعاجل وسعر للآجل، ثم يدخل على غير تحديد، أما إذا عرف أنها تباع بسعر حاضر بكذا وسعر مؤجل بكذا، وجاء ودخل بالمؤجل فإن ذلك لا بأس به، والشوكاني في كتابه (نيل الأوطار) عند شرح حديث البيعتين في بيعة قال: إن العلماء ذهبوا إلى جوازه، وإنه لم يخالف في ذلك إلا شخص واحد أو شخصان سماهما في كتابه (نيل الأوطار) عند شرحه لهذا الحديث، وقال: وقد ألفت في ذلك رسالة سميتها (شفاء العليل في زيادة الثمن من أجل التأجيل)، وقال: إن جمهور العلماء على جوازها، ولا مانع يمنع منها.
стр. 276
تخصيص الإجماع للنصوص الشرعية
السؤال
هل الإجماع يخصص النصوص الشرعية استدلالاً بتخصيص حديث: (الماء طهور لا ينجسه شيء)؟
الجواب
الأمة لا تجتمع على ضلالة، لكن هل الإجماع يكون مستنداً إلى نص أو أنه يكون إجماعاً مجرداً عن النص؟ هذا فيه خلاف بين أهل العلم، والأمة لا تجتمع على ضلالة، وقد يكون الإجماع مبني على استنباط أو قياس أو أي دليل من الأدلة، هذا على القول بأن الإجماع لا يكون إلا مستنداً إلى أصل، فالإجماع في هذا الحديث يدل على أن هذه الرواية الضعيفة لها أصل والأمة مجمعة على معناها.
стр. 277
مستند الإجماع عند الأصوليين
السؤال
يقول الأصوليون: إن الإجماع لا بد أن يستند إلى دليل شرعي، فكيف يستقيم هذا مع الرواية الضعيفة المجمع عليها؟
الجواب
المسألة خلافية بين علماء الأصول، فمنهم من قال: إن الإجماع يقع دون أن يكون مستنداً إلى نص، ومنهم من قال: إنه لا يكون إلا مستنداً إلى نص، وهذا النص قد يكون قياساً أو عموماً أو نصاً خاصاً في المسألة، المهم أنه مستند إلى دليل، وابن تيمية في كتابه (معارج الوصول إلى معرفة أن أصول الدين وفروعه قد بينها الرسول) ﷺ ذكر عن ابن حزم أنه قال في كتابه (مراتب الإجماع): ما من مسألة أجمع عليها إلا ولها نص حاشا القراض.
يعني: المضاربة؛ لأن القراض والمضاربة اسمان لمسمى واحد، وكون الإنسان يكون عنده مال ويعطيه لعامل يعمل فيه ويكون الربح بينهما على النسبة التي يتفقان عليها إما على نصفين أو ثلث وثلثين أو ربع وثلاثة أرباع وهكذا.
ثم قال ابن تيمية: ولا شك أن القراض مستند إلى نص؛ وذلك أن هذه معاملة كانت في الجاهلية وقد جاء الإسلام وأقرها، فهي مستندة إلى نص وهو الإقرار؛ لأن النبي ﷺ جاء وهذه المعاملة موجودة والناس يتعاملون بها.
وقال: إن النبي ﷺ كان يذهب بمال لـ خديجة، وكان مضاربة، فهي معاملة كانت في الجاهلية وقد أقرها الإسلام، ومن المعلوم أن الأمور التي كانت تفعل في الجاهلية منها ما جاء الإسلام وقضى عليها وأبطلها، ومنها ما جاء الإسلام وأقرها، مثل: الولي في النكاح؛ فإنه كان في الجاهلية، وقد جاء الإسلام وأقره، ومثل: المضاربة؛ فإنها كانت موجودة في الجاهلية وجاء الإسلام وأقرها، فتكون ثابتة بالسنة، وهي إقرار الرسول ﷺ بالأعمال التي كانت في الجاهلية ولم يبطلها ولم يلغها ﷺ ، بل أقرها.
فالمسألة فيها خلاف بين أهل العلم، ولكن ابن تيمية نقل عن ابن حزم أنه قال هذا، وابن تيمية قال: إن هذه المسألة التي استثناها ابن حزم هي أيضاً من المعاملات التي كانت في الجاهلية وأقرها الإسلام.
стр. 278
الخلاف في تأثير النجاسة على الماء
السؤال
فضيلة الشيخ ألا يقال: إن حديث بئر بضاعة دل على أن الماء لا ينجس سواء كان قليلاً أو كثيراً وقد خص منه الإجماع ما إذا تغير وكان قليلاً أو كثيراً، وإن حديث القلتين دل بمفهومه على أن الماء إن كان قليلاً فقد يحمل الخبث وقد لا يحمله، والمنطوق مقدم على المفهوم وهذا الجمع ذهب إليه الشيخ عبد الله البسام في (توضيح الأحكام) وهو مذهب مالك والظاهرية وابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة السلفية بنجد وغيرهم؟
الجواب
قوله: علماء الدعوة السلفية قاطبة على هذا كلام غير واضح؛ لأن الإمام أحمد وغيره من أهل العلم قالوا بتقسيم الماء إلى قليل وكثير استناداً إلى حديث القلتين، لكن ما دون القلتين الذين قالوا بنجاسته لم يشترطوا فيه التغير؛ لأن التغير يؤثر حتى في الماء الكثير، لكن القليل هذا هو الذي لا يشترط فيه تغير النجاسة له، فلو وقع فيه شيء من البول ولم يغير له لوناً ولا طعماً ولا ريحاً فإنه نجس، وحديث القلتين يدل على هذا بمفهومه، فحديث القلتين أخرج منه ما زاد على القلتين بما إذا تغير بالنجاسة، وما دون القلتين أخرج من حديث: (الماء طهور لا ينجسه شيء) يعني: أنه لا تؤثر فيه النجاسة ولو تغير لونه أو طعمه أو ريحه، فكل حديث خص منه شيء، فحديث القلتين استثني منه ما فوق القلتين إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه؛ فإن قوله: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) إذا غيرت النجاسة اللون أو الطعم أو الريح؛ فإنه يحمل الخبث، وما دون القلتين خص من عموم: (الماء طهور لا ينجسه شيء) بأن النجاسة تؤثر في الماء القليل؛ فإذا كان في كوب صغير ماء ووقع فيه شيء من النجاسة فإنه ينجس ولو لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه.
стр. 279
مقدار القلة
السؤال
إذا صح حديث القلتين فما هو الضابط في قدرها، وهل يكون هذا قدحاً في متن الحديث؟
الجواب
لا، لا يكون قدحاً؛ لأن العلماء ذكروا مقدار القلة، وكما هو معلوم أن المقصود به: معرفة القليل والكثير، ومعنى هذا أن الماء إذا كان كثيراً يقطع الناس بأنه فوق القلتين، وإنما الكلام في المقدار بالتحديد بالضبط، ومن المعلوم أن القليل تؤثر فيه النجاسة، ولابد من شيء لا تؤثر فيه النجاسة، وبعض العلماء حددوا القلة بالأرطال، وبغيرها وأنا لا أتذكر هذه المقادير التي ذكروها، وبعض العلماء اعتبر أن هذا أيضاً مما يقدح في كون النهي عنه قد لا يعرف بدقة من حيث المقدار، وأن القلال تكبر وتصغر، لكن كما هو معلوم أن الكلام هو على القلال الكبيرة المشهورة المتعارف عليها عند الناس في ذلك الوقت.
стр. 280
التفريق بين الماء القليل والكثير في التأثر بالنجاسة
السؤال
لماذا فرقت بين الماء الكثير، فقلت: لا ينجس إلا إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه، وحكمت بالنجاسة مطلقاً للماء القليل دون القلتين إذا أصابته النجاسة، فلماذا لا نقول: لا ينجس أيضاً إلا ما غلب على لونه أو ريحه أو طعمه، وهذا هو مذهب الشوكاني؟
الجواب
أنا أجبت على هذا وقلت: إن مادون القلتين خص من عموم حديث: (لا ينجسه شيء)، وما فوق القلتين إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه فإنه ينجس؛ لقوله: (إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه).
стр. 281
الأشياء التي تعرف بها نجاسة الماء
السؤال
إذا كان الماء أكثر من قلتين فهل ينجسه تغير اللون وحده أم يحتاج إلى اجتماع تغير اللون والرائحة؟
الجواب
أي واحدة منهن تكفي، فما دام اللون قد تغير بالنجاسة أو تغير الطعم أو الريح فإنه نجس، وليس بلازم أن يتغير بمجموع هذه الثلاثة كلها، بل ينجس بتغير أي واحد منها.
стр. 282
شرح سنن أبي داود [٠١٦]
أمر الشرع الحنيف بالتنزه والابتعاد عن النجاسات وملابساتها، وغلظ بعض النجاسات، ومن تلك النجاسات المغلظة لعاب الكلب، فقد أمر بغسله سبع مرات إحداهن بالتراب.
стр. 283
ما جاء في أن الماء لا يجنب
стр. 284
شرح حديث: (إن الماء لا يجنب)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الماء لا يجنب.
حدثنا مسدد حدثنا أبو الأحوص حدثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: (اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة فجاء النبي ﷺ ليتوضأ منها أو يغتسل، فقالت له: يا رسول الله! إني كنت جنباً! فقال رسول الله ﷺ : إن الماء لا يجنب)].
أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمة الله عليه باباً في أن الماء لا يجنب.
أي: إذا استعمل واغترف منه للاغتسال من الجنابة؛ فإن ذلك الاغتراف منه لا يؤثر فيه، والجنابة إنما هي وصف في الإنسان الذي حصلت له وتذهب بالاغتسال أو التيمم إذا لم يوجد الماء.
ثم أورد أبو داود ﵀ حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما: (أن بعض أزواج النبي ﷺ -أي: واحدة من أزواجه وهي ميمونة رضي الله تعالى عنها- اغتسلت في جفنة) وهي الوعاء الكبير، وبقي فيها بقية؛ لأنه ماء كثير في جفنة كبيرة، (فجاء النبي ﷺ ليتوضأ أو ليغتسل -وهذا شك من أحد الرواة- فقالت: إني كنت جنباً -يعني: قد اغتسلت منها- فقال ﵊: إن الماء لا يجنب)، أي: أن الذي يبقى بعد الاستعمال حيث يغترف منه يبقى على الأصل، فيمكن الاغتسال والوضوء منه، وكون يد من هو على جنابة غمست فيه من أجل الاغتراف فإن ذلك لا يؤثر عليه شيئاً، بل الماء على طهوريته، ويمكن رفع الحدث الأكبر والأصغر منه.
стр. 285
تراجم رجال إسناد حديث: (إن الماء لا يجنب)
قوله: [حدثنا مسدد].
مسدد هو ابن مسرهد، وهو ثقة أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا أبو الأحوص].
أبو الأحوص هو سلام بن سليم الحنفي، مشهور بكنيته، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سماك].
سماك بن حرب صدوق.
وفي روايته عن عكرمة اضطراب، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.
وهذا الحديث من روايته عن عكرمة، ولكن ما ذكر من الاضطراب في رواية سماك عن عكرمة لا يؤثر؛ لأن الحديث جاء ما يدل عليه وما يشهد له، ففي صحيح مسلم: (أن النبي ﷺ اغتسل بفضل ميمونة)، وهو يدل على ما دل عليه هذا الحديث، وكون هذا الحديث من رواية سماك بن حرب عن عكرمة فقد ذكر الحافظ ابن حجر أن في روايته عن عكرمة خاصة اضطراب، وهذا الإسناد هو من روايته عن عكرمة لا يؤثر ذلك؛ لأنه قد جاء ما يدل عليه في حديث آخر، وهو: (أن النبي ﷺ اغتسل بفضل ميمونة).
[عن عكرمة].
هو مولى ابن عباس، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ ، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
следующие страницы →