Полный текст (18 341 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
شرح حديث قراءة النبي ﷺ سورة الكوثر بعد نزولها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: من لم ير الجهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)] حدثنا هناد بن السري حدثنا ابن فضيل عن المختار بن فلفل أنه قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم: (أنزلت علي آنفا سورة.
فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] حتى ختمها، قال: هل تدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: فإنه نهر وعدنيه ربي في الجنة)].
أورد أبو داود ﵀ حديث أنس رضي الله تعالى عنه الذي فيه أن النبي ﵊ قال: [(أنزلت علي آنفاً سورة.
فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١])] وإيراد الحديث تحت ترجمة [من لم ير الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم] ليس بواضح؛ لأنه ليس فيه شيء يدل على أن (بسم الله الرحمن الرحيم) لا يجهر بها، وذلك لأن النبي ﷺ قرأ عليهم ما أنزل عليه، وكان مما قرأه (بسم الله الرحمن الرحيم) ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١].
فقوله: [(فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١])] يدل على أن (بسم الله الرحمن الرحيم) آية من القرآن، لكن ليس فيه ما يدل على أنه لا يجهر بها كما أدخل ذلك أبو داود ﵀ تحت الترجمة، وهي [من لم ير الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم] فليس فيه ما يدل على ذلك، بل قد يقال: يمكن أن يستدل به على الجهر، وهو أنه لما ذكر أنها آية من القرآن وأنه قرأ البسملة كما قرأ السورة دل ذلك على أنه يجهر بها كما يجهر بالقرآن.
فالاستدلال أو إيراد الحديث تحت ترجمة [من لم ير الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم] ليس بواضح؛ لأن الذي فيه أنه أخبر أنه أنزلت عليه سورة، قال: [(فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم)] يعني: أتى بكلمة (قرأ) ثم بعدها (بسم الله الرحمن الرحيم) على أنها قرآن كالسورة، ولكن ليس فيه -فيما يظهر- دليل على الترجمة، وهي [من لم ير الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم] ولو كان في الترجمة التي تليها وهي [باب من جهر بها] لكان واضحاً ولكان له وجه؛ لأن (بسم الله الرحمن الرحيم) قرأها الرسول ﷺ كما قرأ السورة، وإذا كانت من جملة السورة فإنه يجهر بها كما يجهر بالسورة على سبيل الاستنباط والاستدلال.
стр. 2627
دلالة الحديث على إثبات نهر الكوثر
ثم إن الحديث يدل على إثبات هذا الأمر المغيب الذي هو الكوثر، وهو نهر وعده الله نبيه ﷺ في الجنة، وأنزل الله تعالى فيه هذه السورة التي هي سورة الكوثر.
فهذا النهر الإيمان به داخل تحت الإيمان باليوم الآخر، وهو من الإيمان بالغيب؛ لأن هذه أمور مغيبة لا تعرف إلا عن طريق الوحي، ولا يتكلم فيها إلا بالوحي، فما جاء به الوحي من أمور الغيب فإنه يصدق ويؤمن به، سواءٌ أكان ذلك في الماضي أم في المستقبل أم في الأمور الموجودة الغائبة عنا التي لا نراها ولا نشاهدها، فالماضي مثل بدء الخلق وأخبار بدء الخلق وأخبار الأنبياء السابقين وأخبار الأمم السابقة، فكل هذا الإيمان به من الإيمان بالغيب؛ لأن هذه أمور مغيبة مضت ما عرفناها إلا عن طريق الوحي.
والمستقبل كالأمور التي تجري قبل قيام الساعة، وما يجري عند قيام الساعة، وما يجري من البعث، وما يجري من الحشر، وما يجري من الصراط والميزان، وما يجري من الورود على الحوض، وكذلك الجنة وما فيها من النعيم، ومنها ذلك الحوض الذي وعده الله نبيه ﷺ في الجنة، وكل ذلك داخل في الإيمان بالغيب.
والأمور الموجودة التي لا نشاهدها هي كالجن والملائكة؛ لأن الملائكة موجودون والجن موجودون، وهم يكونون حولنا ولا نراهم، ولكن جاء الوحي بذلك، فهذه من الأمور المغيبة التي نؤمن بها، ونصدق بأن ما أخبر الله به وأخبر به رسوله ﷺ حق وصدق يجب الإيمان به ويجب تصديقه.
стр. 2628
دلالة الحديث على بيان السنة وتفسيرها للقرآن الكريم
ثم إن في هذا الحديث بيان أن السنة تبين القرآن وتفسره وتدل عليه؛ لأن قول الله : ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] عرف معناه بهذا الحديث وبهذه السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ التي هي بيان الكوثر وأنه نهر في الجنة وعده الله نبيه محمداً ﷺ ، فالحديث يدل على أن السنة تبين القرآن وتفسره؛ لأن النبي ﷺ فسر الكوثر الذي جاء في قول الله : ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] فسره وبين أنه نهر في الجنة وعده الله تعالى به، ثم قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١]) حتى ختهما.
стр. 2629
الاستفهام عن الكوثر ودلالاته
قوله: [(قال: هل تدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم)].
هذا السؤال والاستفهام حصل من رسول الله ﷺ وهو يعلم أنهم لا يدرون؛ لأن هذا أمر مغيب، ولكنه عندما يسأل هذا السؤال يجعلهم يستعدون ويتهيئون ويكونون على استعداد لمعرفة هذا الشيء الذي لا يعرفونه ولا يعلمونه، فإذا بين فإنهم يكونون على استعداد وعلى تهيؤ لتلقيه واستيعابه ومعرفته وعدم فوات شيء منه، فهذه فائدة سؤاله: [(هل تدرون ما الكوثر؟)] لأنه كان بإمكانه ﷺ أن يقول: الكوثر نهر وعدنيه ربي في الجنة.
لكن هذا من كمال بيانه وكمال نصحه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فهو أفصح الناس وأنصح الناس للناس عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
وقوله: [(قالوا: الله ورسوله أعلم)].
قول (الله ورسوله أعلم) يقال في حياته ﷺ عندما يسأل هو فيجيبونه بذلك ليعلمهم وليبين لهم، وأما بعد وفاته ﷺ فلا يقال: الله ورسوله أعلم.
بل يقال: (الله أعلم) فحسب.
كما أن هذه الكلمة لا تقال في الأمور التي لا يعلمها النبي ﷺ ، سواء وقع السؤال في حياته أو بعد مماته، فلو قيل: متى تقوم الساعة؟ فليس للإنسان أن يقول: الله ورسوله أعلم.
فالرسول لا يعلم متى تقوم الساعة، وإنما يقال: الله أعلم.
فالإنسان عندما يسأل عن شيء مثل هذا يكل العلم إلى العالم، وهو الله الذي يعلم الغيب في السموات والأرض ويعلم السر في السموات والأرض ويعلم كل شيء، ولا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
قوله: [(قال: فإنه نهر وعدنيه ربي في الجنة)].
هذا بيان أن نهر الكوثر في الجنة، وأما الحوض فهو في العرصات في الموقف يوم القيامة قبل أن يذهب الناس إلى الصراط والميزان، لأن الناس إذا خرجوا من قبورهم يكونون عطاشاً، فيكون الحوض في عرصات القيامة، فيتجه الناس إليه يريدون أن يشربوا منه فيذاد عنه من يذاد ويشرب من يشرب، وجاء في بعض الأحاديث أن الكوثر يصب فيه ميزابان من الجنة.
стр. 2630
تراجم رجال إسناد حديث قراءة النبي ﷺ سورة الكوثر بعد نزولها
قوله: [حدثنا هناد بن السري].
هو هناد بن السري أبو السري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في (خلق أفعال العباد) ومسلم وأصحاب السنن.
[حدثنا ابن فضيل].
هو محمد بن فضيل بن غزوان صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن المختار بن فلفل].
المختار بن فلفل، صدوق له أوهام، أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
[سمعت أنس بن مالك].
أنس بن مالك ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
وهذا الإسناد من أعلى الأسانيد عند أبي داود؛ لأن أبا داود أعلى ما عنده الرباعيات، فليس عنده إسناد ثلاثي، بل أعلى ما عنده الرباعيات، وهذا منها.
стр. 2631
شرح حديث قراءة النبي ﷺ آيات حادثة الإفك
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قطن بن نسير حدثنا جعفر حدثنا حميد الأعرج المكي عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ﵂ -وذكر الإفك- قالت: (جلس رسول الله صلى الله عليه وآله سلم وكشف عن وجهه وقال: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور:١١] الآية).
قال أبو داود: وهذا حديث منكر، قد روى هذا الحديث جماعة عن الزهري لم يذكروا هذا الكلام على هذا الشرح، وأخاف أن يكون أمر الاستعاذة من كلام حميد].
أورد أبو داود حديث عائشة ﵂ في قصة الإفك، وحديث الإفك حديث مشهور طويل جاء في الصحيحين وفي غيرهما، والإفك المقصود به الكذب والافتراء الذي رميت به عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها وهي بريئة، وقد كان النبي ﷺ هجرها وأذن لها بأن تذهب إلى أهلها، وكان لا يعلم الحقيقة، وكان يأتي إليها ويقول: (يا عائشة! إن كنت ألممت بذنب فتوبي إلى الله واستغفري) فما كان الرسول ﷺ يعلم الحقيقة، وهذا يدل على أن الرسول لا يعلم الغيب على الإطلاق، فالغيب لا يعلمه على الإطلاق إلا الله ، ولو كان النبي ﷺ يعلم الغيب مطلقاً لقال: أنا أعلم الغيب، فهذا الكلام غير صحيح.
وإنما بقي متألماً متأثراً وهجر زوجه وأرسلها إلى أهلها وبقيت متألمة مريضة متعبة بسبب هذا الذي ألصق بها، والرسول ﷺ مكث مدةً طويلة وهو لا يعلم، حتى أنزل الله براءتها في قرآن يتلى.
стр. 2632
تواضع الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم
وكانت عائشة ﵂ وأرضاها تخبر أنها كانت تظن أن براءتها ستكون أن يرى النبي ﷺ في منامه رؤيا يبرؤها الله بها؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي، ولكن الله أنزل فيها قرآناً يتلى، ومع هذا الذي أكرمها الله به من إنزال قرآن يتلى في براءتها تتواضع وتقول: (ولشأني في نفسي أحقر من أن ينزل الله فيّ قرآناً يتلى).
وهذا شأن أولياء الله، حيث أعطاهم الله ما أعطاهم من الكمال ومع ذلك يتواضعون لله ، ولهذا فإن ابن القيم ﵀ في كتابه (جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام ﷺ عندما جاء إلى ذكر الآل ترجم لأمهات المؤمنين؛ لأنهن داخلات تحت الآل حين يقال: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد).
فترجم لكل واحدة من أمهات المؤمنين ترجمة وأتى بشيء من فضائلها، ولما جاء عند عائشة ﵂ وأرضاها ذكر تواضعها، وأن الله أنزل فيها ما أنزل وكانت تقول: كنت أتمنى أن يرى النبي ﷺ في منامه رؤيا يبرؤني الله بها، ولشأني في نفسي أحقر من أن ينزل الله فيّ آيات تتلى.
وذكر أن هذا من تواضعها، ثم قال: أين هذا ممن يصوم يوماً من الدهر ويقول: أنا فعلت كذا وكذا.
وذكر أمثله.
فهذا شأن أولياء الله كما قال تعالى عنهم: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون:٦٠].
ومثل ذلك قصة أويس القرني مع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فـ عمر بن الخطاب ﵁ خير من مشى على الأرض بعد الأنبياء والمرسلين وبعد أبي بكر رضي الله تعالى عنهما وعن الصحابة أجمعين، وأويس القرني هو من التابعين، بل هو خير التابعين، فقد قال رسول الله ﵊: (إن خير التابعين رجل يقال له: أويس) وذكر شيئاً من صفاته ثم قال: (فمن وجده منكم فليطلب منه أن يستغفر له)، فكان عمر ﵁ يسأل الذين يأتون من اليمن للحج: أفيكم أويس؟ حتى وجد أويساً، ولما سأله وتحقق أنه أويس قال له: إن النبي ﷺ قال كذا، وأنا أطلب منك أن تستغفر لي.
فـ عمر بن الخطاب ﵁ بشر بالجنة، وله قصر في الجنة، ولكن لأن النبي ﷺ قال هذا طلب من أويس أن يستغفر له، لكن ماذا قال أويس؟ لقد كان عمر يتواضع من جانبه وأويس كان يتواضع من جانبه.
فـ أويس يقول: أنتم أصحاب الرسول ﷺ ، فأنتم الأحق بأن يطلب منكم الاستغفار.
فما تعاظم وتكبر لكون صحابي يقول له هذا الكلام عن رسول الله ﷺ ، وما زاده ذلك إلا تواضعاً، ولهذا لما قال له عمر: إلى أين تذهب؟ قال: إلى البصرة أو إلى الكوفة.
قال: هل أكتب لك إلى أميرها؟ قال: دعني أكون مع الناس.
أي: غير معروف وغير مشهور وغير بارز وغير ظاهر.
فالحاصل أن عائشة ﵂ في قصة الإفك والكذب الذي ألصق بها وأضيف إليها ﵂ وأرضاها أنزل الله براءتها في تلك الآيات من سورة النور.
وهنا أورد المصنف رحمه الله تعالى عن عائشة أن الرسول ﷺ لما نزلت عليه هذه الآيات من سورة النور التي فيها براءتها ﵂ وأرضاها- كشف عن وجهه، أي: بعد أن أوحي إليه؛ لأنه كان ﷺ عندما يوحي إليه تصيبه شدة ويصيبه كرب شديد، حتى إنه يكون في اليوم الشاتي الشديد البرودة يتفصد جبينه عرقاً من شدة ما يحصل له عند الوحي صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
قالت: [(وكشف عن وجهه وقال: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم ((إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ)) [النور:١١])].
والمقصود من إيراد أبي داود ﵀ لهذا الحديث أنه ذكر الاستعاذة وما ذكر البسملة قبل قراءته قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور:١١].
لكن عدم إيراد البسملة لا يدل على أن هناك بسملة في هذا المكان؛ لأن هذا ليس أول السورة، والبسملة إنما تكون في أوائل السور إلا في سورة براءة، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور:١١] فهو في أثناء السورة وليس في مطلعها؛ لأن سورة النور أولها قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا﴾ [النور:١] وبعد آيات متعددة جاءت الآية الكريمة: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ).
فكونه ما قال: (بسم الله الرحمن الرحيم) ليس معناه أنه لم يجهر بالبسملة أو لم يأت بالبسملة؛ لأن هذا ليس مكان بسملة، ولكنه مكان استعاذة.
فالإنسان إذا أراد أن يقرأ من وسط السورة يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا كان يريد أن يقرأ من أول السورة يستعيذ ويبسمل، فهنا الآيات ليست من أول السورة، فلا يظهر وجه لإيراد الحديث تحت هذه الترجمة.
ثم إن هذا الحديث قال عنه أبو داود [وهذا حديث منكر] وذلك لأن الذين رووا عن الزهري قصة الإفك وحديث الإفك -وهم كثيرون- ما ذكروا الاستعاذة، وإنما ذكروا أنه أتى بالآيات التي أنزلها الله تعالى عليه دون أن يسبقها استعاذة.
وقال أبو داود ﵀: [وأخاف أن يكون أمر الاستعاذة من كلام حميد] أحد رجال الإسناد، وهو حميد الأعرج، ولا بأس به، أي أنه صدوق، وهو من رجال الكتب الستة، وبعض أهل العلم قال: إنه على موجب الاصطلاح فإن الثقة المخالف لمن هو أوثق منه يقال لحديثه: شاذ.
ولا يقال له: منكر.
وإنما المنكر مخالفة الضعيف للثقة.
وعلى هذا فيكون ذكر الاستعاذة في هذا الموضع فيه مخالفة، ومخالفة الثقة لمن هو أوثق منه تعتبر شذوذاً، ولا يعتبر هذا من زيادة الثقة، لأن في رجال الإسناد من هو متصف بالخطأ كما سيأتي ذكره.
وعلى كل حال فإن إيراد الحديث تحت ترجمة [من لم ير الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم] ليس بواضح؛ لأنه ليس فيه عدم الجهر بالبسملة؛ لأن البسملة ليس هذا مكانها، وإنما تأتي في أوائل السور.
стр. 2633
تراجم رجال إسناد حديث قراءة النبي ﷺ آيات حادثة الإفك
قوله: [حدثنا قطن بن نسير].
قطن بن نسير صدوق يخطئ، أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي.
[حدثنا جعفر].
هو جعفر بن سليمان، وهو صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
وابن القيم في تهذيب السنن قال: لعل الحمل في ذلك على قطن الذي هو صدوق يخطئ، أو على جعفر بن سليمان، وهذا هو السبب في كون الحديث فيه نكارة.
أما حميد أبو صفوان الأعرج الذي أشار إليه أبو داود وقال: [وأخاف أن يكون أمر الاستعاذة من حميد] فقد قال الحافظ ابن حجر عنه: لا بأس به.
أي أن حديثه معتمد وحجة ومقبول.
فـ ابن القيم أشار إلى أن الحمل قد يكون على من دونه، وهو جعفر بن سليمان أو قطن بن نسير.
قوله: [حدثنا حميد الأعرج المكي].
حميد الأعرج المكي لا بأس به، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن شهاب].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عروة].
هو عروة بن الزبير بن العوام، ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
هي أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي مكثرة من رواية حديث رسول الله ﷺ ، وهي أحد سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 2634
من رأى الجهر بالبسملة
стр. 2635
شرح حديث سؤال ابن عباس عثمان ﵄ عن تركهم الفصل بين الأنفال وبراءة بالبسملة
قال رحمه الله تعالى: [باب من جهر بها.
أخبرنا عمرو بن عون أخبرنا هشيم عن عوف عن يزيد الفارسي أنه قال: سمعت ابن عباس ﵄ قال: (قلت لـ عثمان بن عفان ﵁: ما حملكم أن عمدتم إلى براءة وهي من المئين وإلى الأنفال وهي من المثاني فجعلتموهما في السبع الطول ولم تكتبوا بينهما سطر (بسم الله الرحمن الرحيم)؟ قال عثمان: كان النبي ﷺ مما تنزل عليه الآيات فيدعو بعض من كان يكتب له ويقول له: ضع هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا.
وتنزل عليه الآية والآيتان فيقول مثل ذلك، وكانت الأنفال من أول ما أنزل عليه بالمدينة، وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها، فمن هناك وضعتهما في السبع الطول ولم أكتب بينهما سطر (بسم الله الرحمن الرحيم))].
أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة، وهي [من جهر بها] ويعني ما يدل على الجهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم).
وأورد حديث ابن عباس أنه سأل عثمان رضي الله تعالى عنه فقال: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال -وهي من المثاني- وبراءة -وهي من المئين- وهذه من أول ما نزل في المدينة وهذه من آخر ما نزل فجعلتموهما سورة واحدة، ولم تكتبوا بينهما سطر (بسم الله الرحمن الرحيم)؟ فـ عثمان ﵁ قال: إن الرسول ﷺ كانت تنزل عليه الآية والآيتان فيقول: ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا.
ويعني بذلك الشيء الذي اشتهرت به السورة.
وكان بين سورتي التوبة والأنفال تشابه وتماثل، ولم يأمرهم النبي ﷺ بأن يكتبوا سطر (بسم الله الرحمن الرحيم) قبل سورة براءة، فمن أجل ذلك جمعوا بينهما، ولم يفصلوا بينهما بسطر (بسم الله الرحمن الرحيم).
ولهذا قال بعض العلماء: إن هاتين السورتين هما بمثابة السورة الواحدة، ولهذا اعتبروهما جميعاً، فسابعة السبع الطوال هاتان السورتان الاثنتان.
ومنهم من قال: السابعة هي براءة والأنفال ليست من الطوال.
ومنهم من قال: إن الأنفال هي السابعة.
فبين عثمان ﵁ وأرضاه أن السبب الذي جعله لم يكتب سطر (بسم الله الرحمن الرحيم) هو أن النبي ﷺ ما جاء عنه أنه قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) قبل براءة، ومن أهل العلم من يقول بأن سورة براءة نزلت بالسيف والبسملة فيها رحمة، فما ذكرت فيها.
والذي جاء عن عثمان هو ما ذكر، ولكن هذا الحديث فيه ضعف من جهة يزيد الفارسي الذي هو مقبول.
ثم إن معنى المئين السور التي تبلغ آياتها فوق المائة، أي: مائة فأكثر، فهذه يقال لها: ذوات المئين.
والمثاني قيل: هي التي دون ذلك.
ولهذا فسورة الأنفال لا تصل إلى مائة، لكن مجموع السورتين يجعلهما من ذوات المئين، وسورة التوبة وحدها هي من المئين.
стр. 2636
تراجم رجال إسناد حديث سؤال ابن عباس عثمان ﵄ عن تركهم الفصل بين الأنفال وبراءة بالبسملة
قوله: [أخبرنا عمرو بن عون].
عمرو بن عون ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا هشيم].
هو هشيم بن بشير الواسطي، وهو ثقة مدلس، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عوف].
هو عوف بن أبي جميلة الأعرابي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن يزيد الفارسي].
يزيد الفارسي مقبول، أخرج حديثه أبو داود والترمذي والنسائي.
[عن ابن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي ﷺ ، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
[قلت لـ عثمان].
هو عثمان بن عفان ﵁، أمير المؤمنين وثالث الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
стр. 2637
إسناد آخر لحديث سؤال ابن عباس عثمان عن ترك الفصل بالبسملة بين الأنفال وبراءة وتراجم رجاله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا زياد بن أيوب حدثنا مروان -يعني ابن معاوية - أخبرنا عوف الأعرابي عن يزيد الفارسي قال: حدثنا ابن عباس ﵄.
بمعناه، قال فيه: (فقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنها منها).
قال أبو داود: قال الشعبي وأبو مالك وقتادة وثابت بن عمارة: (إن النبي ﷺ لم يكتب (بسم الله الرحمن الرحيم) حتى نزلت سورة النمل) هذا معناه، وهذا مرسل].
أورد أبو داود حديث ابن عباس ﵄ من طريق أخرى، وهو بمعنى الحديث السابق، وفيه أن النبي ﷺ قبض ولم يبين لهم أنها منها.
أي: لم يبين لهم أن البسملة من سورة براءة، فمائة وثلاث عشرة سورة بدأت بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، وسورة التوبة وحدها لم يأت قبلها بسم الله الرحمن الرحيم.
قوله: [حدثنا زياد بن أيوب].
زياد بن أيوب ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا مروان -يعني ابن معاوية -].
هو مروان بن معاوية الفزاري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن عوف الأعرابي عن يزيد الفارسي عن ابن عباس].
قد مر ذكرهم.
قوله: [قال أبو داود: قال الشعبي وأبو مالك وقتادة وثابت بن عمارة: (إن النبي صلى عليه وآله وسلم لم يكتب (بسم الله الرحمن الرحيم) حتى نزلت سورة النمل) هذا معناه، وهذا مرسل].
الشعبي هو عامر بن شراحيل الشعبي، ثقة فقيه، من التابعين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
وقتادة هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
وثابت بن عمارة صدوق فيه لين، أخرج حديثه أبو داود والترمذي والنسائي.
وقولهم: [إن النبي ﷺ لم يكتب (بسم الله الرحمن الرحيم) حتى نزلت سورة النمل] هو مرسل؛ إذ إن هؤلاء الذين ذكروا ذلك هم من التابعين، وإضافة ما قالوه إلى الرسول ﷺ هو من قبيل المرسل؛ لأن المرسل هو ما يقول فيه التابعي: قال رسول الله ﷺ بدون ذكر الواسطة بينه وبين رسول الله ﷺ .
стр. 2638
شرح حديث (كان النبي ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم)
قال رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد وأحمد بن محمد المروزي وابن السرح قالوا: حدثنا سفيان عن عمرو عن سعيد بن جبير.
قال قتيبة فيه: عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (كان النبي ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم) وهذا لفظ ابن السرح].
أورد أبو داود ﵀ حديث ابن عباس أن النبي ﷺ كان لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم، وهذا يدل على أن البسملة هي من القرآن؛ لأن قوله: [حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم] معناه أنها قرآن، وهو يدل على أنها آية يفصل بها بين السور وليست من السورة، ولهذا لا تعد من الآيات، ولا يأتي ذكرها في عدد الآيات، وإنما يعد من ورائها، إلا سورة الفاتحة فإنها عدت البسملة فيها في المصحف، وقد عرفنا أن القول الصحيح أنها آية مستقلة ليست من الفاتحة ولا من غيرها، إلا في سورة النمل فهي جزء آية، وذلك لأن النبي ﷺ -كما جاء في الحديث القدسي الصحيح- قال: (قال الله : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل.
فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين) فما قال: فإذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم.
فهذا يبين أنها ليست من الفاتحة، فهي آية مستقلة يفصل بها بين السور.
وهذا الحديث الذي هو حديث ابن عباس يدل على أن البسملة من القرآن وأنها آية من القرآن، ولكن يفصل بها بين السور، وهذا -كما هو معلوم- في غير براءة وفي غير الفاتحة؛ لأن الفاتحة ليس قبلها سورة حتى تفصل عنها، فهي جاءت في أولها لا لتفصل بينها وبين سورة، ولم تأت في سورة التوبة.
стр. 2639
تراجم رجال إسناد حديث (كان النبي ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم)
قوله: [حدثنا قتيبة بن سعيد].
هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وأحمد بن محمد المروزي].
أحمد بن محمد المروزي ثقة، أخرج حديثه أبو داود.
[وابن السرح].
هو أحمد بن عمرو بن السرح المصري، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
[قالوا: حدثنا سفيان].
سفيان هو ابن عيينة.
[عن عمرو].
هو عمرو بن دينار، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد بن جبير].
سعيد بن جبير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
قد مر ذكره.
стр. 2640
تخفيف الصلاة للأمر يحدث
стр. 2641
شرح حديث (إني لأقوم إلى الصلاة وأنا أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب تخفيف الصلاة للأمر يحدث.
حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا عمر بن عبد الواحد وبشر بن بكر عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إني لأقوم إلى الصلاة وأنا أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز كراهية أن أشق على أمه)].
أورد أبو داود ﵀ [باب تخفيف الصلاة للأمر يحدث] يعني: للأمر الذي يطرأ ويقتضي التخفيف، فيخفف إذا كان يريد التطويل، أو حيث يكون من نيته أن يطول، ثم يحدث شيء يقتضي أن يخفف فيخفف، مثلما جاء في هذا الحديث الذي أورده أبو داود عن أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال: [(إني لأقوم إلى الصلاة وأنا أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز كراهية أن أشق على أمه)].
وذلك لأن الطفل إذا صار يبكي في الصلاة وأمه تصلي مع الإمام فإنه يحصل لها تشويش، فالرسول ﷺ يخفف من أجل هذا البكاء الذي يسمعه من ذلك الصبي، وهذا يدلنا على أن النساء يحضرن المساجد ويصلين مع الرجال، وأنهن يحضرن أطفالهن معهن، وأنه إذا وجد أمر يقتضي التخفيف في الصلاة ممن يريد التطويل فإنه يخفف للأمر الذي طرأ، كما جاء في هذا الحديث، وكما حصل من عبد الرحمن بن عوف ﵁ لما طعن عمر وتقدم وصلى بالناس، فإنه قرأ (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) في صلاة الفجر، فخفف الصلاة لهذا الأمر الطارئ والمصيبة التي نزلت وحلت.
وكذلك جاء في الحديث الذي سبق أن النبي ﷺ قرأ ب (المؤمنون) حتى جاء عند قصة موسى وهارون أو موسى وعيسى فأصابته سعلة فركع، فكان يريد أن يواصل، ولكن عندما طرأ هذا الشيء الذي حصل اختصر القراءة وقطعها وركع.
وفي حديث الباب بيان شفقة الرسول ﷺ ، كما وصفه الله بذلك فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، فهذا من رحمته ورأفته بأمته؛ لأنه يدخل في الصلاة يريد أن يطول وإذا سمع بكاء الصبي خفف حتى لا يشق على أمه ويحصل لها تشويش ويحصل لها تأثر وهي تسمع طفلها يبكي ويصيح.
قوله: [(إني لأقوم إلى الصلاة وأن أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز كراهية أن أشق على أمه)].
معنى (أتجوز): أخفف، يعني: أخفف القراءة كراهية أن أشق على أمه لو أطلت القراءة.
وقد يحصل للإمام عكس ما ذكر، حيث يكون يريد التخفيف فيعرض له أمر طارئ فيطيل، كما إذا ركع يريد التخفيف، ثم دخل أناس وهو راكع، فإنه يطيل ليدركوا الركعة.
وأنبه هنا على قول بعض الناس عند دخولهم والإمام راكع: (إن الله مع الصابرين) لكي يطيل الإمام، فلا يصح أن يقول المأموم هذا الكلام.
نعم الركعة الأولى هي أطول من الثانية، وذلك ليدرك الناس، ولو أراد أن يخفف ثم بدا له أن يطول لأمر طارئ فلا بأس بذلك.
стр. 2642
تراجم رجال إسناد حديث (إني لأقوم إلى الصلاة وأريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز)
قوله: [حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم].
عبد الرحمن بن إبراهيم هو الملقب بـ (دحيم) وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
[عن عمر بن عبد الواحد].
عمر بن عبد الواحد ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة.
[وبشر بن بكر].
بشر بن بكر ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
[عن الأوزاعي].
هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، ثقة فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن يحيى بن أبي كثير].
هو يحيى بن أبي كثير اليمامي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن أبي قتادة].
هو عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
هو أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري ﵁، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
стр. 2643
شرح سنن أبي داود [١٠٣]
لصلاة الجماعة أحكام تتعلق بالإمام وبالمأمومين، ومن أحكام صلاة الجماعة المتعلقة بالإمام أن يراعي أحوال المأمومين، فلا يشق عليهم بالإطالة في الصلاة؛ إذ قد يكون فيهم من يقع في الحرج لمرضه أو لضعفه أو لكبره ونحو ذلك بسبب الإطالة، وهذا لا يعني أن تخفف الصلاة تخفيفاً يؤدي إلى الانتقاص منها، فذلك أيضاً أمر محذور، وقد يؤدي إلى حرمان كثير من أجر الصلاة.
стр. 2644
تخفيف الصلاة
стр. 2645
شرح حديث (يا معاذ أفتان أنت)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في تخفيف الصلاة.
حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا سفيان عن عمرو أنه سمعه من جابر ﵁ قال: (كان معاذ ﵁ يصلي مع النبي ﷺ ، ثم يرجع فيؤمنا -قال مرة: ثم يرجع فيصلي بقومه- فأخر النبي ﷺ ليلةً الصلاة -وقال مرة: العشاء-، فصلى معاذ مع النبي ﷺ ، ثم جاء يؤم قومه، فقرأ البقرة فاعتزل رجل من القوم فصلى، فقيل: نافقت يا فلان! فقال: ما نافقت.
فأتى رسول الله ﷺ فقال: إن معاذاً يصلي معك ثم يرجع فيؤمنا يا رسول الله، وإنا نحن أصحاب نواضح ونعمل بأيدينا، وإنه جاء يؤمنا فقرأ بسورة البقرة.
فقال: يا معاذ! أفتان أنت؟! أفتان أنت؟! اقرأ بكذا، اقرأ بكذا) قال أبو الزبير بـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى)، فذكرنا لـ عمر فقال: أراه ذكره].
أورد أبو داود ﵀ [باب في تخفيف الصلاة] يعني أن الإنسان الذي هو إمام للناس يخفف الصلاة، ومن المعلوم أن الإنسان يراعي أحوال المأمومين، فإذا صلى لنفسه فليطل ما شاء، وإذا صلى بالناس فليخفف.
لكن الصلوات -كما هو معلوم- جاءت السنة عن رسول الله ﷺ ببيان التفاوت بينها في القراءة، وأن صلاة الفجر تطول فيها القراءة، وصلاة العشاء تخفف فيها القراءة، والحديث إنما جاء في صلاة العشاء، وأورد أبو داود ﵀ حديث جابر بن عبد الله: كان معاذ يصلي مع النبي ﷺ ثم يرجع فيؤمنا] أي أنه يصلي مفترضاً مع رسول الله ﷺ ويصلي بهم متنفلاً وهم مفترضون، وهو دال على صحة صلاة المفترض خلف المتنفل وواضح الدلالة في ذلك، وهذا قول جمهور العلماء.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يقتدي المفترض بالمتنفل، وأجابوا عن هذا الحديث بأن معاذاً ﵁ إنما كان يصلي مع رسول الله ﷺ نافلة، ثم يذهب إلى قومه ويصلي بهم تلك الفريضة، فهو مفترض وهم مفترضون.
لكن هذا بعيد جداً؛ لأنه لا يليق بـ معاذ بن جبل ﵁ أن يترك صلاة الفرض مع رسول الله ﷺ وفي مسجده ﷺ ، ثم يؤخر ذلك إلى أن يصلي مع الناس في مسجد آخر مفترضاً وقد تمكن من أن يأتي بالفريضة في مسجد هو خير المساجد بعد المسجد الحرام والصلاة فيه بألف صلاة، الفريضة بألف فريضة، والنافلة بألف نافلة، فكيف يترك معاذ بن جبل ﵁ صلاة الفريضة مع رسول الله ﷺ والفريضة فيه بألف فريضة ويؤخر ذلك إلى أن يصلي بقومه؟! ثم إن الحديث ورد فيه أنه صلى معه العشاء، ومعلوم أن العشاء إنما هي الفرض، ومعنى هذا أنه كان يصلي معه الفرض ولا يصلي معه النفل.
ثم إنه ليس للإنسان أن ينشغل بالنافلة مع الجماعة وقد دخل وقت الفريضة ويؤجل ذلك؛ لأن المبادرة إلى إبراء الذمة والمبادرة إلى أداء الواجب الفرض المتحتم مطلوب، سيما وقد دخل الوقت وهو مع الرسول ﷺ وفي مسجده ﵊، فكل هذا يبين عدم صحة القول بأن معاذاً ﵁ إنما كان متنفلاً مع رسول الله ﷺ ومفترضاً مع قومه، وعلى هذا فإن صلاة المفترض خلف المتنفل صحيحة وثابتة، وهذا الحديث يدل عليها.
ومما يدل عليها -أيضاً- فعل الرسول ﷺ في صلاة الخوف، فإنه جعل الناس مجموعتين في إحدى صور صلاة الخوف، فصلى بالمجموعة الأولى منهم ركعتين وسلم، ثم صلى بالمجموعة الثانية ركعتين وسلم، فهو ﷺ متنفل في الصلاة الثانية وفي الأولى مفترضاً.
فالذي جاء في حديث معاذ ﵁ هذا هو مثل الذي جاء في حديث صلاة الخوف من إمامته ﵊ للمجموعة الثانية وهو متنفل وهم مفترضون.
ويجوز العكس، بأن يصلي المتنفل خلف المفترض، والدليل على ذلك قصة الرجلين الذين كانا في مسجد الخيف والنبي ﷺ يصلي بالناس الصبح، ولما انصرف من صلاته رآهما جالسين، فدعا بهما فجاءا ترتعد فرائصهما، فقال: (مالكما لم تصليا؟ قالا: إنا صلينا في رحالنا.
قال: إذا صليتما في رحالكما وأتيتما والإمام لم يصل فصليا معه تكن نافلة) فهذا يدل على عكس ما جاء في حديث معاذ من صلاة المتنفل خلف المفترض.
وكذلك تجوز صلاة المفترض خلف المفترض مع اختلاف النيتين، كمن يصلي الظهر خلف من يصلي العصر، فكل ذلك سائغ ولا بأس به.
فـ معاذ ﵁ في مرة من المرات جاء رجل ودخل معه في الصلاة، وأطال معاذ صلاة العشاء، والرجل صاحب نواضح -وهي الإبل التي يستقى عليها الماء من الآبار- وكان يتعب في النهار، فـ معاذ قرأ بالبقرة، فانفصل عنه وأكمل صلاته وذهب إلى نواضحه، فقيل له: نافقت.
أي: لكونك تركت الصلاة مع الإمام وخرجت قبل أن تكمل الصلاة مع الإمام، فوقعت في هذا الأمر الذي هو من صفات المنافقين؛ لأن المنافقين -كما هو معلوم- شأنهم في الصلاة أنهم لا يأتونها إلا وهم كسالى، فهم لا يأتون الصلاة، وإذا أتوا فعندهم كسل.
فهذا الرجل ترك الصلاة خلف معاذ وأكمل لنفسه، فقيل له: نافقت.
فجاء إلى النبي ﷺ وأخبره بالذي حصل من معاذ، فالنبي ﷺ قال لـ معاذ: [(أفتان أنت يا معاذ؟)] يعني: لا يحصل منك الشيء الذي يشق على الناس، فوراءك الصغير والكبير وذو الحاجة [(ولكن اقرأ بكذا اقرأ بكذا)].
وجاء في بعض الروايات تفسير المقروء الذي أبهم من بعض الرواة، وأن المقصود به (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى)، (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) أي: يقرأ في صلاة العشاء بهاتين السورتين وأمثالهما مما ليس فيه مشقة أو ضرر على المصلين المأمومين.
فالحاصل أن الحديث فيه دلالة على الأمر بالتخفيف في الصلاة إذا كان هناك مشقة على الناس.
وإذا علم أن أهل المسجد عددهم محصور معروف ويرغبون بأن تطول القراءة فإنه لا بأس بذلك، ولكن حيث يكون المسجد على طريق، أو يدخله أناس غير أصحاب المكان، أو قد يأتيه صاحب حاجة فيحصل له مثل هذا الذي حصل للرجل الذي صلى خلف معاذ رضي الله تعالى عنه فإن التخفيف حينئذٍ يكون مطلوباً، وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ كان يخفف صلاته وكانت مع ذلك تماماً، ومعناه أنه لا يحصل فيها شيء من النقص مع تخفيفه إياها صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
قوله: [(ثم يرجع فيؤمنا -قال مرة: ثم يرجع فيصلي بقومه-)].
لا تنافي بين قوله قوله: [فيؤمنا] وقوله: [فيصلي بقومه]؛ لأن معاذاً من قومه رضي الله عن الجميع.
قوله: [(فصلى معاذ مع النبي ﷺ ثم جاء يؤم قومه، فقرأ البقرة فاعتزل رجل من القوم فصلى)].
الذي يظهر أنه تركهم وأتم صلاته ولم يستأنفها، ودخوله في الصلاة صحيح، لكن التطويل هو الذي منعه من البقاء معهم، فقطع الائتمام وأتم صلاته ثم ذهب إلى نواضحه.
وهذا يدل على أن الإنسان إذا حصل له أمر يقتضي خروجه من الصلاة ويضطره إلى ذلك فله أن ينفصل عن الإمام ويكمل الصلاة منفرداً، ويبني على ما سبق، فيكون صلى بعض صلاته مأموماً وصلى بعضها منفرداً، وكلمة اعتزل تفيد أنه تنحى عنهم ولم يبق في الصف.
ثم إن في الحديث عتاب من حصل منه خطأ، فإن النبي ﷺ عاتب معاذاً ﵁ وقال له: [(أفتان أنت يا معاذ؟)] وقوله: [(أفتان)] يحتمل أن يكون المراد به الفتنة في الدين، وهو أنه يحصل بذلك أن الناس لا يقدمون على الجماعة ولا يأتون لصلاة الجماعة بسبب التطويل، ويحتمل أن يكون المقصود به التعذيب؛ لأن الفتنة تأتي بمعنى التعذيب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج:١٠] يعني: عذبوهم.
ولا شك في أن الإنسان إذا صلى مثل هذه الصلاة التي فيها طول مع أنه مشغول وذو حاجة أو تعب في النهار ثم وقف هذا الوقوف الطويل لا شك أن في ذلك مشقة عليه، ولا شك أن في ذلك مضرة عليه، فالنبي ﷺ عاتب معاذاً على ما حصل منه، وأرشده إلى أن يقرأ بالشيء الذي لا مشقة فيه على غيره من الناس الذين يصلون وراءه.
стр. 2646
تراجم رجال إسناد حديث (يا معاذ أفتان أنت)
قوله: [حدثنا أحمد بن حنبل].
هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو آخر الأئمة الأربعة؛ لأن الأئمة الأربعة هم على حسب الزمان أبو حنيفة ثم مالك ثم الشافعي ثم أحمد، وأحمد ﵀ هو آخرهم، وهو تلميذ للشافعي، والشافعي تلميذ لـ مالك، وقد جاء ذكر الثلاثة في إسناد حديث عن كعب بن مالك ﵁، وهو قول الرسول ﷺ : (نسمة المؤمن طائر يعلق في الجنة)، فهذا الحديث في مسند الإمام أحمد يرويه عن الشافعي، والشافعي يرويه عن الإمام مالك، وقد ذكره ابن كثير في تفسيره عند قول الله : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩] وقال: هذا إسناد عزيز فيه ثلاثة من الأئمة أصحاب المذاهب المتبوعة أو المشهورة؛ لأنهم اجتمعوا في هذا الإسناد يروي هذا عن هذا وهذا عن هذا.
وحديث أحمد أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سفيان].
سفيان هو ابن عيينة المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو].
هو عمرو بن دينار المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[سمعه من جابر].
هو جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄، صاحب رسول الله ﷺ ، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
وهذا الإسناد من الأسانيد العالية عند أبي داود، وهو من أعلى الأسانيد عند أبي داود؛ إذ هو رباعي، فإن بين أبي داود وبين رسول الله ﷺ أربعة أشخاص، وهم الإمام أحمد وسفيان بن عيينة وعمرو بن دينار وجابر بن عبد الله الأنصاري ﵄.
стр. 2647
شرح حديث (يا معاذ لا تكن فتاناً فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا طالب بن حبيب حدثنا عبد الرحمن بن جابر يحدث عن حزم بن أبي بن كعب ﵁ أنه أتى معاذ بن جبل ﵁ وهو يصلي بقوم صلاة المغرب -في هذا الخبر- قال: فقال رسول الله ﷺ : (يا معاذ! لا تكن فتاناً؛ فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة والمسافر)].
أورد أبو داود ﵀ الحديث من طريق أخرى، وقال فيه: [في هذا الخبر] أي: خبر قصة معاذ وصلاته مع الرسول ﷺ ، ثم ذهابه إلى قومه والصلاة بهم.
وهنا قال: [(صلاة المغرب)] وفي الأول قال: [(صلاة العشاء)]، فيحتمل أن تكونا قصتين، فمرة صلى المغرب ومرة صلى العشاء، أو أنها قصة واحدة، ولكن الصواب فيها العشاء وليس المغرب.
قوله: [(يا معاذ! لا تكن فتاناً)].
أي: لا تكن فتاناً بأن تطول وتشق على الناس فيترتب على ذلك حصول مثل هذا الذي حصل من ذلك الذي صلى وراءك.
قوله: [(فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة والمسافر)].
الكبير يعني به الشيخ الكبير الذي يشق عليه طول القيام، والضعيف هو ضعيف الجسد، سواءٌ أكان الضعف لأصل الخلقة، بأن يكون فيه ضعف في خلقته، أم كان بسبب مرض، وجاء في بعض الروايات (الضعيف والسقيم) فيكون الضعيف المراد به الضعف في أصل الخلقة، والسقيم يراد به من أصابه مرض، وضعفه يكون بسبب المرض، والمسافر المقصود به أنه يكون مشغولاً في سفره، أو مرتبطاً بموعد في سفره، فيشق عليه الصلاة مع هذا التطويل الذي يحصل.
والإسناد تُكلم فيه من جهة أن عبد الرحمن بن جابر قيل: إنه لم يدرك حزم بن أبي كعب.
ولكن ما جاء في قوله: [(لا تكن فتاناً)] وكذلك ما جاء في شأن الكبير والضعيف وذي الحاجة كل ذلك جاء في أحاديث أخرى، وأما ذكر المسافر فإنه جاء في هذا الحديث الذي فيه ضعف، ولهذا قال الألباني: إنه منكر بذكر المسافر.
كما أن ذكر صلاة المغرب -أيضاً- فيه نكارة، لكن فيه احتمال أن ذلك -كما قاله بعض أهل العلم- حصل في قصة أخرى، ولكن يبدو أنه بعيد؛ لأن معاذاً ﵁ إذا حصل له من رسول الله ﷺ في صلاة العشاء مثل هذا التنبيه فإنه لن يعود إلى أن يحصل منه ذلك مرة ثانية.
فالذي يبدو أن ذلك حصل -كما جاء في الحديث الصحيح- في صلاة العشاء، وأن لفظ (صلاة المغرب) إما أن يراد به العشاء أو أن الحديث فيه نكارة.
стр. 2648
تراجم رجال إسناد حديث (يا معاذ لا تكن فتاناً فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة)
قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل].
هو موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا طالب بن حبيب].
طالب بن حبيب صدوق يهم، أخرج له أبو داود وحده.
[حدثنا عبد الرحمن بن جابر].
عبد الرحمن بن جابر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[يحدث عن حزم بن أبي بن كعب].
حزم صحابي قليل الحديث، أخرج له أبو داود وحده.
وقد وقعت نسبته في الإسناد إلى أبي بن كعب، وليس بصحيح، فكلمة (بن) هنا زائدة، والصواب أنه حزم بن أبي كعب.
ففي المنهل العذب المورود يقول: وحزم بن أبي كعب الأنصاري السلمي الصحابي روى عنه عبد الرحمن بن جابر، روى له أبو داود هذا الحديث، وقال في التقريب: صحابي قليل الحديث، وذكره ابن حبان في الصحابة، ثم غفل عن قصة معاذ فذكره في التابعين، وفي بعض النسخ حزم بن أبي بن كعب بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد التحتانية، وهو تصحيف من الناس، والصواب حزم بن أبي كعب.
стр. 2649
شرح حديث سؤاله ﷺ رجلاً عما يقول في الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن سليمان عن أبي صالح عن بعض أصحاب النبي ﷺ أنه قال: قال النبي ﷺ لرجل: (كيف تقول في الصلاة؟ قال: أتشهد وأقول: اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ.
فقال النبي ﷺ : حولها ندندن)].
أورد أبو داود ﵀ حديث بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، وهو مبهم غير معين، ومن المعلوم أن الجهالة في الصحابة لا تؤثر؛ لأنهم عدول، ويكفي الواحد منهم شرفاً وفضلاً أن يقال: إنه صحب رسول الله ﷺ .
وهذا إنما هو خاص بالصحابة، بخلاف غيرهم فإنه يحتاج إلى معرفتهم والجهالة تؤثر فيهم، وأما الصحابة ﵃ وأرضاهم فالمجهول فيهم في حكم المعلوم؛ لأنه حصل لهم هذا الشرف، وذلك بثناء الله عليهم وثناء رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
فذكر أن النبي ﷺ قال لرجل: [(كيف تقول في الصلاة؟)] يعني: في الدعاء، أي: كيف تدعو في صلاتك؟ قال: [أتشهد وأقول: اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ] فقال النبي ﷺ : [(حولها ندندن)].
فالرجل يقصد أنه لا يحسن تلك الأدعية الكثيرة التي كان يدعو بها رسول الله ﷺ ، والتي كان يرى رسول الله ﷺ يدعو بها ويحصل منه الدعاء دون أن يسمع الصوت، وكذلك ما يحصل من معاذ من الدعاء دون أن يسمع له الصوت، وهذا هو الدندنة.
فالرجل أخبر أنه يسأل الله الجنة بعد التشهد ويستعيذ بالله من النار، فالنبي ﷺ قال: [(حولها ندندن)] يعني: هذه الدعوة التي تدعو بها -وهي حصول الجنة والسلامة من النار- كل الأدعية التي نقولها تدور حول نتيجتها وغايتها، وهي الوصول إلى الجنة والسلامة من النار.
ولعله ذكر معاذ في هذا الحديث وفي هذه الترجمة على اعتبار أنه كان يؤمهم، وأنه كان إمامهم، حيث كان يصلي مع النبي ﷺ ثم يذهب ليصلي بهم، ولا يظهر وجه لهذا الحديث من ناحية تخفيف الصلاة.
стр. 2650
تراجم رجال إسناد حديث سؤاله ﷺ رجلاً عما يقول في الصلاة
قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة].
عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[حدثنا حسين بن علي].
هو حسين بن علي الجعفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن زائدة].
هو زائدة بن قدامة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سليمان].
سليمان هو الأعمش، وهو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي صالح].
هو ذكوان السمان، وأبو صالح كنيته، واسمه ذكوان، ولقبه السمان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن بعض أصحاب النبي].
يقول ابن حجر في آخر التقريب: أبو صالح السمان عن رجل من أسلم لم يسم وعن بعض الصحابة في ثلاثة أحاديث هو أبو هريرة.
وأبو صالح مشهور بالرواية عن أبي هريرة، وقد أخرج الحديث ابن ماجة من طريق أبي صالح عن أبي هريرة.
стр. 2651
شرح حديث (كيف تصنع يا ابن أخي إذا صليت)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن حبيب حدثنا خالد بن الحارث حدثنا محمد بن عجلان عن عبيد الله بن مقسم عن جابر ﵁ ذكر قصة معاذ ﵁ قال: وقال -يعني النبي ﷺ للفتى: (كيف تصنع -يا ابن أخي- إذا صليت؟ قال: أقرأ بفاتحة الكتاب وأسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، وإني لا أدري ما دندنتك ولا دندنة معاذ.
فقال رسول الله ﷺ : إني ومعاذاً حول هاتين) أو نحو هذا].
أورد أبو داود الحديث عن جابر ﵁، وفيه أن النبي ﷺ سأل الفتى عما يصنعه في صلاته فأخبره أنه يقرأ فاتحة الكتاب ويسأل الله تعالى الجنة ويعوذ به من النار، قال: [(وإني لا أدري ما دندنتك ولا دندنة معاذ)].
وهو مثل الذي قبله، إلا أن ذاك عن بعض أصحاب النبي ﷺ ، وهو أبو هريرة، وهذا عن جابر ﵁.
стр. 2652
تراجم رجال إسناد حديث (كيف تصنع يا ابن أخي إذا صليت)
قوله: [حدثنا يحيى بن حبيب].
هو يحيى بن حبيب بن عربي، ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.
[حدثنا خالد بن الحارث].
هو خالد بن الحارث البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا محمد بن عجلان].
هو محمد بن عجلان المدني، وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[عن عبيد الله بن مقسم].
عبيد الله بن مقسم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[عن جابر].
هو جابر بن عبد الله ﵄، وقد مر ذكره.
стр. 2653
شرح حديث (إذا صلى أحدكم للناس فليخفف)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا القعنبي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا صلى أحدكم للناس فليخفف؛ فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء)].
أورد أبو داود رحمه الله تعالى حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: [(إذا صلى أحدكم للناس فليخفف)].
ومعنى قوله: [(للناس)] أي: بالناس، بأن يكون إماماً لهم.
فليخفف في صلاته ولا يطل الصلاة، وقوله: [(فإن فيهم)] هذا هو التعليل، فالسبب في الأمر بالتخفيف هو أن في الناس من يكون كبيراً ومن يكون ضعيفاً ومن يكون صاحب حاجة، وهذا عام، وهذه الحاجة مثل قصة الرجل الذي له كان نواضح وجاء وصلى مع معاذ ثم انفصل عنه وأتم صلاته.
وقوله: [(وإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء)] لأن الأمر يرجع إليه، ولا يترتب عليه مشقة على أحد، وهو الذي يعرف قدرته وعدم قدرته، لكن بالنسبة لغيره قد يحصل له المضرة من حيث لا يشعر هو بأن هناك مضرة في هذا التطويل.
стр. 2654
تراجم رجال إسناد حديث (إذا صلى أحدكم للناس فليخفف)
قوله: [حدثنا القعنبي].
هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[عن مالك].
هو مالك بن أنس، إمام دار الهجرة المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي الزناد].
هو عبد الله بن ذكوان لقبه أبو الزناد، وكنيته أبو عبد الرحمن، ولقب بصيغة الكنية، وهو مشهور بذلك، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعرج].
هو عبد الرحمن بن هرمز المدني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بلقبه الأعرج.
[عن أبي هريرة].
هو صاحب رسول الله ﷺ ، وهو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وهو أكثر أصحاب رسول الله ﷺ حديثاً عن رسول الله ﷺ .
стр. 2655
إسناد آخر لحديث (إذا صلى أحدكم للناس فليخفف) وتراجم رجاله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: [(إذا صلى أحدكم للناس فليخفف؛ فإن فيهم السقيم والشيخ الكبير وذا الحاجة)].
أورد أبو داود ﵀ الحديث من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله، إلا أنه قال: [(فإن فيهم السقيم)] يعني الذي به مرض وبه سقم [(والشيخ الكبير وذا الحاجة)].
قوله: [حدثنا الحسن بن علي].
هو الحسن بن علي الحلواني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي.
[حدثنا عبد الرزاق].
هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا معمر].
هو معمر بن راشد الأزدي البصري ثم اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن المسيب].
هو سعيد بن المسيب، ثقة فقيه من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وهو منهم باتفاق.
[وأبي سلمة].
هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة فقيه من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم؛ لأن الفقهاء السبعة في المدينة ستة منهم متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، وهم سعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسليمان بن يسار، والسابع فيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف.
وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فهذا الإسناد فيه واحد من فقهاء المدينة السبعة باتفاق وواحد منهم باختلاف.
[عن أبي هريرة].
قد مر ذكره.
стр. 2656
ما جاء في نقصان الصلاة
стр. 2657
شرح حديث (إن الرجل لينصرف من صلاته وما كتب له إلا عشر صلاته)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في نقصان الصلاة.
حدثنا قتيبة بن سعيد عن بكر -يعني ابن مضر - عن ابن عجلان عن سعيد المقبري عن عمر بن الحكم عن عبد الله بن عنمة المزني عن عمار بن ياسر ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها)].
أورد أبو داود رحمه الله تعالى هذه الترجمة، وهي [باب ما جاء في نقصان الصلاة] يعني كون المصلي لا يأتي بها كما ينبغي فيترتب على ذلك نقصان الأجر، بحيث لا يحصل من أجرها إلا على الشيء اليسير؛ لأنه ما أتى بها على التمام والكمال، ثم أورد حديث عمار بن ياسر ﵁ أن النبي ﷺ قال: [(إن الرجل لينصرف من صلاته) وذكر الرجل هنا إنما هو لكون الخطاب مع الرجال في الغالب، وإلا فإن المرأة تكون كذلك أيضاً، والأصل هو تساوي الرجال والنساء في الأحكام حتى يأتي شيء يميز الرجال عن النساء أو النساء عن الرجال، فذكر الرجل هنا لا مفهوم له يدل على أن المرأة ليست كذلك، وإنما يأتي الحديث مع الرجال وذكر الرجال أو الرجل لأن الخطاب غالباً إنما يكون مع الرجال، وهذا في أحاديث كثيرة جداً، مثل حديث: (لا تتقدموا رمضان بيوم أو يومين، إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه)، وكذلك المرأة إذا كانت تصوم صوماً فإنها تصوم هذا اليوم أو هذين اليومين، فذكر الرجل لا مفهوم له، فكذلك هنا [(إن الرجل لينصرف من صلاته -يعني: ينتهي منها وينصرف منها- وما كتب له إلا عشرها تسعها ثمنها سبعها سدسدها خمسها ربعها ثلثها نصفها)].
وهذا فيه أنهم متفاوتون، وأنهم ليسوا على حد سواء في الإتيان بالصلاة، ولا في الأجر الذي يترتب على الإتيان بالصلاة، فيكون التفاوت في العمل والتفاوت في الأجر، وهذا فيه تنبيه على الحث على الإقبال على الصلاة وعلى الإتيان بها على الوجه الأكمل حتى يحصل الكمال ويحصل الخير الكثير من وراء ذلك.
بل إنه قد جاء في بعض الأحاديث ما يدل على أن الإنسان بسبب بعض الأعمال لا يكتب له شيء منها، وذلك في مثل قوله ﷺ : (من أتى كاهناً أو عرافاً لم تقبل له صلاة أربعين يوماً) ومعناه أنه لا يحصل له أجرها، فحرم أجرها بسبب هذا الذنب الذي اقترفه، فهو يصلي الصلاة ويأتي بها بأركانها وواجباتها وما هو مطلوب منها ولكن لا أجر له فيها، فقد حيل بينه وبين أجرها، وحرم أجرها وإن كان يعتبر قد أدى الصلاة، ولا يؤمر بالإعادة ولا يؤمر بقضاء تلك الصلوات، ولكنه حرم أجرها، وما كتب له شيء من أجرها عقوبة له على ذلك الذنب الذي اقترفه.
стр. 2658
تراجم رجال إسناد حديث (إن الرجل لينصرف من صلاته وما كتب له إلا عشر صلاته)
قوله: [حدثنا قتيبة بن سعيد].
هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن بكر -يعني ابن مضر -].
قوله: [يعني ابن مضر] هذه الكلمة قالها هو من دون قتيبة بن سعيد، إما أبو داود وإما من دون أبي داود؛ لأن التعبير الذي عبر به قتيبة ما زاد فيه على كلمة (بكر) في ذكر شيخه، ولكن من جاء بعد قتيبة - أبو داود أو من دونه- هو الذي أتى بكلمة (يعني ابن مضر) وعلى هذا فكلمة (يعني) فعلٌ مضارع له فاعل، ففاعله ضمير مستتر يرجع إلى قتيبة، أي: يعني قتيبة بقوله: (بكر) ابن مضر.
وقائل (يعني) هو من دون قتيبة.
فهذه الكلمة لها قائل ولها فاعل، ففاعلها ضمير مستتر يرجع إلى قتيبة، وقائلها هو من دون قتيبة؛ لأن قتيبة لا يحتاج إلى أن يقول: (يعني) وإنما له أن يذكر شيخه باختصار أو بتطويل، له أن يذكره بكلمة واحدة وله أن ينسبه إلى جده العاشر أو أقل أو أكثر وينقل عنه كما جاء.
لكن لما كان بعض الرواة قد يذكر شيخه باسمه ولا يضيف إلى ذلك نسبه وقد يحتاج إلى أن يُعرف فعندما يأتي من دون التلميذ بذكره فإنه يأتي بما يوضح ويبين، ولكن يأتي بكلمة (يعني)؛ لأنه لو لم يأت بها وقال: (بكر بن مضر) لفهم أن الذي قال هذا هو قتيبة، مع أن قتيبة ما قال إلا كلمة (بكر)، لكن كلمة (يعني) دلت على أن هذه الزيادة إنما جاءت ممن هو دون التلميذ، وبكر بن مضر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[عن ابن عجلان].
ابن عجلان مر ذكره.
[عن سعيد المقبري].
هو سعيد بن أبي سعيد المقبري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عمر بن الحكم].
عمر بن الحكم صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
[عن عبد الله بن عنمة المزني].
عبد الله بن عنمة يقال: له صحبة.
أخرج حديثه أبو داود والنسائي.
[عن عمار بن ياسر].
هو عمار بن ياسر ﵄ صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 2659
شرح سنن أبي داود [١٠٤]
قراءة الفاتحة في الصلاة ركن من أركانها، ثم يقرأ المرء ما تيسر له بعدها، وقد ورد عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ بعد الفاتحة في الأوليين والأخريين من صلاة الظهر والعصر، وكان يطيل أحياناً ويخفف أحياناً، ولكل من الفرضين مقدار من زمن القراءة.
стр. 2660
ما جاء في القراءة في الظهر
стр. 2661
شرح حديث (في كل صلاة يقرأ)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في القراءة في الظهر.
حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن قيس بن سعد وعمارة بن ميمون وحبيب عن عطاء بن أبي رباح أن أبا هريرة ﵁ قال: (في كل صلاة يقرأ، فما أسمعنا رسول الله ﷺ أسمعناكم، وما أخفى علينا أخفينا عليكم)].
أورد أبو داود ﵀ القراءة في صلاة الظهر، والمقصود من هذه الترجمة أن صلاة الظهر فيها قراءة، ولكنها تكون سراً، ويأتي في هذه الترجمة عدة أحاديث فيها ما يدل على القراءة من رسول الله ﷺ وأنه يقرأ فيها غير الفاتحة، ويستدل على ذلك بعدة أمور ستأتي في هذه الأحاديث التي أوردها أبو داود ﵀ تحت هذه الترجمة.
وقد أورد أولاً حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: [في كل صلاة يقرأ -يعني: فيها قراءة- فما أسمعنا رسول الله ﷺ أسمعناكم، وما أخفى علينا أخفينا عليكم].
ومعناه: ما سمعناه يجهر به فنحن نسمعكم إياه ونخبركم به، وما أخفاه -يعني: أسره- فإننا نخفيه عليكم، يعني: نسر به.
أي أن الصلاة يكون فيها جهر وفيها إسرار، ونحن نؤدي كما أخذنا من رسول الله ﷺ ، فما أسر به أسررنا به، وما جهر به جهرنا به، وعلى هذا فمحل الشاهد من إيراد الحديث قوله: [(في كل صلاة يقرأ)] يعني: فيها القراءة، ويدخل في ذلك صلاة الظهر، وكذلك في قوله: [(وما أخفاه علينا أخفيناه عليكم)] يعني الإسرار، ففيه قراءة ولكن قد أسر بها ولم يجهر بها، وصلاة النهار هي سرية، إلا الجمعة، فإنه يجهر فيها بالقراءة، فيسر في الظهر والعصر، وأما صلاة الليل فإنه يجهر بها.
стр. 2662
تراجم رجال إسناد حديث (في كل صلاة يقرأ)
قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل].
موسى بن إسماعيل مر ذكره.
[حدثنا حماد].
هو حماد بن سلمة بن دينار، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.
وحماد هنا غير منسوب، فيحتمل أن يكون ابن زيد ويحتمل أن يكون ابن سلمة، ولكن حيث جاء أن الراوي هو موسى بن إسماعيل فهو حماد بن سلمة، وهو ثقة.
[عن قيس بن سعد].
هو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
[وعمارة بن ميمون].
عمارة بن ميمون مجهول، أخرج حديثه البخاري في (جزء القراءة) وأبو داود، وهذا المجهول لا يؤثر؛ لأنه لم ينفرد، إذ قد توبع.
[وحبيب].
يحتمل أن يكون حبيب بن أبي ثابت، ويحتمل أن يكون حبيباً المعلم، وكما هو معلوم أن المجهول هنا لا يؤثر؛ لأنه لم ينفرد، فقد توبع.
[عن عطاء بن أبي رباح].
عطاء ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أن أبا هريرة].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وقد مر ذكره.
стр. 2663
شرح حديث (كان رسول الله يصلي بنا فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا يحيى، عن هشام بن أبي عبد الله، ح: وحدثنا ابن المثنى، حدثنا ابن أبي عدي، عن الحجاج -وهذا لفظه- عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة -قال ابن المثنى: وأبي سلمة، ثم اتفقا- عن أبي قتادة ﵁ أنه قال: (كان رسول الله ﷺ يصلي بنا فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، ويسمعنا الآية أحياناً، وكان يطول الركعة الأولى من الظهر ويقصر الثانية، وكذلك في الصبح).
قال أبو داود: لم يذكر مسدد فاتحة الكتاب وسورة].
أورد أبو داود ﵀ حديث أبي قتادة الأنصاري، وهو الحارث بن ربعي رضي الله تعالى عنه قال: [كان رسول الله ﷺ يصلي بنا، فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين ويسمعنا الآية أحياناً].
فهذا يدل على قراءته، وذلك أنهم يستدلون على قراءته بكونه يسمعهم الآية أحياناً، ويظهر من هذا أنه كان يجهر ببعض الآية أو بطرف منها، لذلك كانوا يعرفون السورة التي يقرأ فيها، وهذا يدل -أيضاً- على أن النبي ﷺ كان يقرأ، وكانوا يستدلون على قراءته بأدلة منها أنه كان يسمعهم الآية أحياناً، وهذا لا يدل على أن الصلاة السرية يجهر بها، فكونه يسمع منه طرف الآية التي يعرف بها السورة التي يقرأ بها لا يوجب أن يقال: إنّ الصلاة صارت جهرية، بل هي سرية، وإنما يسمعهم أحياناً حتى يعرفوا السورة التي تقرأ في هذه الصلاة، وهذا كان يقع أحياناً وليس دائماً.
قوله: [(وكان يطول الركعة الأولى من الظهر، ويقصر الثانية)] قد قيل في سبب تطويل الأولى تعليلان: أحدهما: ما جاء في الأحاديث أو الآثار كما سيأتي في هذا الباب، وهو انتظار من سيأتي، أي: الذين تأخر مجيئهم قبل الإقامة؛ حتى ليدركوا الركعة.
والأمر الثاني: أن أول الصلاة يكون فيها نشاط للمصلي، فإذا حصلت الإطالة في الأولى أكثر من الثانية فلا بأس بذلك، لنشاط المصلي في البداية.
قوله: [وكذلك في الصبح] يعني: يطول في الأولى.
стр. 2664
تراجم رجال إسناد حديث (كان رسول الله يصلي بنا فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين)
قوله: [حدثنا مسدد].
هو ابن مسرهد، ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا يحيى].
هو ابن سعيد القطان البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن هشام بن أبي عبد الله].
هو الدستوائي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
قوله: [ح] وهو للتحول من إسناد إلى إسناد.
[حدثنا ابن المثنى].
هو محمد بن المثنى العنزي الملقب بـ الزمن، البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.
[حدثنا ابن أبي عدي].
هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، منسوب إلى جده، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الحجاج].
هو الصواف، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وهذا لفظه] يعني لفظ الطريق الثاني.
[عن يحيى].
هو ابن أبي كثير اليمامي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن أبي قتادة].
هو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قال ابن المثنى: وأبي سلمة].
أي: في الطريق الثانية؛ لأن الطريق الأولى ليس فيها إلا عن عبد الله بن أبي قتادة، وهي طريق مسدد، فـ مسدد لم يروِ هذا الحديث إلا من طريق عبد الله بن أبي قتادة، وأما الطريق الثانية -وهي طريق ابن المثنى - فإنه يرويها عن شيخين: عبد الله بن أبي قتادة وأبي سلمة بن عبد الرحمن.
[عن أبي قتادة].
هو الحارث بن ربعي صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 2665
شرح حديث أبي قتادة في صلاة الظهر: (وكان يطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الثانية)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ما جاء في القراءة في الظهر.
حدثنا الحسن بن علي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا همام وأبان بن يزيد العطار، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه ببعض هذا، وزاد: (في الأخريين بفاتحة الكتاب)، وزاد عن همام قال: (وكان يطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الثانية، وهكذا في صلاة العصر، وهكذا في صلاة الغداة)] سبق أن مرت بعض الأحاديث التي تتعلّق بصلاة الظهر وصلاة العصر، وأورد هنا أبو داود ﵀ حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه قال: [وكان -أي: رسول الله ﷺ يطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الثانية]، وذلك لانتظار الداخل كما جاء في بعض الآثار كما سيذكره المصنف فيما بعد، وأيضاً لكون المصلي في أول صلاته يكون عنده من النشاط ما لا يكون عنده بعد ذلك، فكان يطيل في الركعة الأولى ما لا يطيله في الثانية، وكذلك يفعل في صلاة الغداة، وهي صلاة الفجر، فكان يطيل الركعة الأولى فيها، ويطيل القراءة فيها أيضاً، وتكون الثانية أقل منها، ولعل ذلك للسببين المشار إليهما آنفاً، وكان يقرأ في الركعتين الأخريين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب، وقد جاء في بعض الروايات التي ستأتي عند المصنف أنه كان يقرأ -أيضاً- في الركعتين الأخريين من صلاة الظهر والعصر غير الفاتحة، وذلك في الحديث الذي سيأتي من أنهم حزروا قراءته فكانت ثلاثين آية في الركعتين الأوليين، وفي الركعتين الأخريين على النصف من ذلك، وهذا في الظهر، وفي العصر في الركعتين الأوليين على النصف من الركعتين الأخريين في الظهر، أي: مقدار خمس عشرة آية، وفي الركعتين الأخريين على النصف من ذلك، وذلك يعني أنه يسوغ للإنسان أن يقرأ في الركعتين الأخريين من الظهر والعصر بغير فاتحة الكتاب أيضاً.
следующие страницы →