Полный текст (18 341 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
تراجم رجال إسناد حديث (إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد)
قوله: [حدثنا عبد الله بن مسلمة].
هو عبد الله بن مسلمة القعنبي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[عن مالك].
هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة المحدث المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن سمي].
هو مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي صالح].
هو ذكوان السمان، اسمه ذكوان وكنيته أبو صالح ولقبه السمان أو الزيات، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله ﵊، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 2802
شرح أثر الشعبي (لا يقول القوم خلف الإمام سمع الله لمن حمده)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا بشر بن عمار حدثنا أسباط عن مطرف عن عامر أنه قال: لا يقول القوم خلف الإمام: سمع الله لمن حمده، ولكن يقولون: ربنا لك الحمد].
أورد أبو داود هذا الأثر عن عامر الشعبي أنه قال: [لا يقول القوم] أي: المأمومون [خلف الإمام: سمع الله لمن حمده، ولكن يقولون: ربنا لك الحمد] أي أنهم يحمدون ولا يسمعون، فهو مطابق للحديث الذي قبله، وهذا الأثر جاء وفقاً لما جاء في الحديث الذي قبله، والشعبي من الذين يقولون بأن المأموم لا يسمع وإنما يحمد فقط، وجمهور العلماء على أنه يحمد ولا يسمع، وبعض أهل العلم قال بأن المأموم يجمع بين التسميع والتحميد استناداً إلى حديث: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وذكرنا أن هذا لفظ عام ولكنه يستثنى منه ما جاء في السنة بأن المأموم لا يقول كما يقول الإمام، ويدل عليه حديث أبي هريرة المتقدم حيث قال ﷺ : (إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد).
стр. 2803
تراجم رجال إسناد أثر الشعبي (لا يقول القوم خلف الإمام سمع الله لمن حمده)
قوله: [حدثنا بشر بن عمار].
هو صدوق، أخرج له أبو داود.
[عن أسباط].
هو أسباط بن محمد، وهو ثقة ضعف في الثوري، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن مطرف].
هو مطرف بن طريف، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عامر].
هو عامر بن شراحيل الشعبي، مشهور بنسبته ومشهور باسمه، ولهذا يأتي باسمه أحياناً وبنسبته أحياناً، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
وعامر الشعبي هذا هو الذي نقل عنه أنه قال في الرافضة القول المشهور: إذا قيل لليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى، وإذا قيل للنصارى: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب عيسى، وإذا قيل للرافضة: من شر أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد ﷺ .
يعني أن اليهود والنصارى أحسن منهم بالنسبة لأصحاب أنبيائهم، فاليهود يقولون عن أصحاب موسى: إنهم خير الناس، ويقول النصارى عن أصحاب عيسى: إنهم خير أهل ملتهم، والرافضة يقولون عن أصحاب محمد: إنهم شر أهل ملتهم! وهذا الذي قاله الشعبي رحمة الله عليه قاله رافضي شاعر في قصيدة سيئة قال فيها نفس الكلمة التي قالها الشعبي، وذلك بعد موت الشعبي بمئات السنين، يقول ذلك الشاعر السيئ: أهم خير أمة أخرجت للناس هيهات ذاك بل أشقاها أي: هيهات أن يكون أصحاب محمد ﷺ خير أمة أخرجت للناس، بل أشقاها، أي: أشقى أمة أخرجت للناس! وهذا يدل على خبث الرافضة، وأن خبثهم متناهٍ للغاية؛ إذ إن خير الناس عندهم شر الناس، وهذه انتكاسة عظيمة، كما قال ابن كثير ﵀ عند تفسير قول الله في سورة التوبة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [التوبة:١٠٠] قال عن الرافضة: أفهامهم منكوسة وكذا معكوسة، وذكر كلاماً يدل على سوئهم وعلى خبثهم.
стр. 2804
شرح سنن أبي داود [١١٠]
الطمأنينة في الركوع والسجود من أركان الصلاة، فينبغي للمسلم أن يطمئن في ركوعه وسجوده، حتى لا تبطل صلاته، فقد جاء في حديث المسيء صلاته أنه كرر الصلاة عدة مرات، وذلك بأمر من النبي ﷺ ؛ لأنه كان لا يقيم صلبه في الركوع، ولم يكن يطمئن في ركوعه ولا سجوده، فعلمه النبي ﷺ أن الصلاة الصحيحة المجزئة هي التي يتحقق فيها الاطمئنان في أركانها وواجباتها.
стр. 2805
الدعاء بين السجدتين
стр. 2806
شرح حديث (أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين اللهم اغفر لي)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الدعاء بين السجدتين.
حدثنا محمد بن مسعود حدثنا زيد بن الحباب حدثنا كامل أبو العلاء حدثني حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: (أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني)].
قوله: [باب الدعاء بين السجدتين] يعني: في الصلاة، فهذه الترجمة تتعلق بالدعاء الذي يكون بين السجدتين.
وقد أورد في ذلك حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما: [(أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني)]، وهذه الخمس الكلمات: كلها مما يحتاج إليه العبد.
وقد جاء عن النبي ﷺ في حديث الرجل الذي قال: (هذه لربي فما لي؟) أنه أرشده ﵊ إلى أن يدعو بمثل هذا الدعاء أو بما هو قريب من هذا الدعاء، وقد مر ذلك قريباً.
قوله: [(فاغفر لي)] أي: اغفر ذنوبي.
وقوله: [(وارحمني)] أي: اشملني برحمتك الواسعة التي وسعت كل شيء.
وقوله: [(وعافني)] أي: ارزقني العافية والسلامة من كل شر في الدنيا والآخرة.
وقوله: [(واهدني)] أي: ثبتني على ما حصل لي من الهدى وزدني هدى إلى هدى؛ لأن طلب الهداية يشمل أمرين: التثبيت على ما قد حصل، والمزيد مما لم يحصل أو حصول زيادة على ما قد حصل، كما قال الله : ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧]، فهو يطلب الثبات على الهداية الحاصلة والمزيد من الهداية.
وقوله: [(وارزقني)] أي: ارزقني رزقاً حلالاً أستفيد منه في دنياي وأخراي.
فهذا الحديث عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يدل على أن هذا الدعاء يكون بين السجدتين، وهو مشتمل على هذه الخمس الدعوات التي العبد بحاجة إليها وحاجته إليها عظيمة ولا سيما الهداية، ولهذا جاء في سورة الفاتحة طلب الهداية: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] في كل ركعة من ركعات الصلاة؛ لأن حاجة الناس إلى ذلك فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة؛ لأن هذا هو الذي فيه الزاد إلى الحياة الأخروية، وهو الهداية إلى الصراط المستقيم والثبات على طاعة الله وعلى طاعة رسوله ﷺ .
стр. 2807
تراجم رجال إسناد حديث (أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين اللهم اغفر لي)
قوله: [حدثنا محمد بن مسعود].
محمد بن مسعود ثقة، أخرج حديثه أبو داود وحده.
[حدثنا زيد بن الحباب].
زيد بن الحباب صدوق، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.
[حدثنا كامل أبو العلاء].
كامل أبو العلاء صدوق يخطئ، أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة.
[حدثني حبيب بن أبي ثابت].
حبيب بن أبي ثابت ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد بن جبير].
سعيد بن جبير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ ، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وهم: عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 2808
رفع النساء إذا كن مع الرجال رءوسهن من السجدة
стр. 2809
شرح حديث (من كان منكن يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ترفع رأسها حتى يرفع الرجال رءوسهم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب رفع النساء إذا كن مع الرجال رءوسهن من السجدة.
حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن عبد الله بن مسلم أخي الزهري، عن مولى لـ أسماء ابنة أبي بكر، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من كان منكن يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ترفع رأسها حتى يرفع الرجال رءوسهم، كراهية أن يرين من عورات الرجال)].
قوله: [باب رفع النساء إذا كن مع الرجال رءوسهن من السجدة].
يعني: متى يكون ذلك؟ وهل يكون حالهن مثل حال الرجال؟ أي: إذا انقطع صوت الإمام رفعن رءوسهن كما يرفع الرجال أو أنهن يتأخرن؟ والمقصود من الترجمة أنهن يتأخرن، وذلك لعلة، وهي: كون ملابس الرجال فيها ضيق وقلة، فكان الواحد منهم يلبس الثوب الواحد، والمقصود بالثوب اللفافة التي يلفها على نفسه؛ لأن الثوب يطلق على ما هو أعم من القميص، فاللفافة التي يلفها على نفسه يقال لها: ثوب، وكان في ثيابهم قصر أو قلة، فقد تبدو عورتهم إذا سجدوا، فأمر النساء إذا صلين مع الرجال ألا يرفعن رءوسهن إلا بعدما يرفع الرجال رءوسهم ويجلسون، أي: يتأخرن قليلاً، وهذا إنما هو في هذه الحالة.
أما إذا كان الأمر ليس فيه شيء مما يحذر فيرفعن كما يرفع الرجال؛ لأن هذا النهي أو أرشادهن إلى ألا يفعلن ذلك إنما هو لئلا تحصل رؤية عورة أحد من الرجال.
وقد مر بنا حديث عمرو بن سلمة الجرمي ﵁ الصحابي الصغير، الذي كان يصلي بقومه وعليه ثوب ضيق، وكان إذا سجد أحياناً تبدو عورته، فذكر أن امرأة قالت: (غطوا سوءة إمامكم) فاشتروا له قميصاً، فكان يصلي بهم به وقد فرح بذلك فرحاً شديداً لأنه حصل على قميص، وهذا يدلنا على ما كان عليه أصحاب الرسول ﷺ من القلة والفاقة، وهم خير الناس رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
قوله: [(فلا ترفع رأسها)] يعني: من السجود.
وقوله: [(حتى يرفع الرجال رءوسهم)] يعني: حتى يستقر الرجال ويجلسوا، فعند ذلك يرفعن رءوسهن.
قوله: [(كراهية أن يرين من عورات الرجال)] يعني: هذا النهي لكراهية أن ترى النساء من عورات الرجال، وذلك للضيق وشدة الحاجة وعدم السعة في الملابس.
فقوله ﷺ : [(من كان منكن تؤمن بالله واليوم الآخر)] فيه حث وترغيب وتنبيه للمرأة التي تؤمن بالله واليوم الآخر على أن تبتعد عن أن ترى العورات، وأن تتعرض لرؤية العورات.
стр. 2810
مناسبة ذكر الإيمان باليوم الآخر مع الإيمان بالله
قوله: [(من كانت منكن تؤمن بالله)] الإيمان بالله هو أساس كل شيء، والإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر كل هذا تابع للإيمان بالله ، فيؤمن المرء بالله وبما جاء عن الله، وبما أخبر الله تعالى به من ملائكة وإرسال رسل مضوا وإنزال كتب مضت، ويوم آخر يأتي ويجازى الناس فيه بأعمالهم، وقضاء الله تعالى وقدره، ولكنه نص على الإيمان بالله وأتى بعده باليوم الآخر؛ لأن الذي يخاف الله ويخشى من ذلك اليوم إذا ذكر به فإنه يخاف من الحساب فيه ومن العقوبة، فيحسب لذلك حساباً، ولهذا يأتي كثيراً في النصوص ذكر الإيمان بالله ومعه الإيمان باليوم الآخر؛ لأن فيه التنبيه على الجزاء والحساب، وأن الإنسان سيحاسب، ويجازى على ما قدم إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً، كما قال الله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]، وكما جاء في الحديث القدسي: (إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه).
إذاً: التنصيص على اليوم الآخر مع الإيمان بالله لأنه يوم الجزاء والحساب، ففيه تنبيه عى الجزاء والعقوبة لمن حصل منه المخالفة.
стр. 2811
شاهد يشهد لهذا الحديث
والحديث في سنده رجل مجهول، وهو مولى أسماء بنت أبي بكر، وقد أخرج له أبو داود، لكن معنى الحديث جاءت له شواهد تدل على ما دل عليه، فليس التعويل على ما جاء في هذا الإسناد، بل قد سبق أن مر بنا حديث في [باب الرجل يعقد الثوب في قفاه ثم يصلي] عن سهل بن سعد ﵄ قال: (لقد رأيت الرجال عاقدي أزرهم في أعناقهم من ضيق الأزر خلف رسول الله ﷺ كأمثال الصبيان، فقال قائل: يا معشر النساء! لا ترفعن رءوسكن حتى يرفع الرجال)، وذلك حتى لا يرين العورات، فهو يدل على مثل ما دل عليه الحديث الذي معنا الذي فيه الرجل المجهول.
وهذا النهي مقيد بهذا الأمر، فإذا لم يكن هناك شيء من هذا وكانت الثياب ساترة وكافية وليس فيها انكشاف عورة فليس هناك بأس.
стр. 2812
تراجم رجال إسناد حديث (من كان منكن يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ترفع رأسها حتى يرفع الرجال رءوسهم)
قوله: [حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني].
محمد بن المتوكل العسقلاني صدوق له أوهام كثيرة، أخرج له أبو داود وحده.
[حدثنا عبد الرزاق].
هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني يماني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أنبأنا معمر].
هو معمر بن راشد الأزدي البصري، ثم اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن مسلم أخي الزهري].
عبد الله بن مسلم أخي الزهري ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
[عن مولى لـ أسماء ابنة أبي بكر].
مولى أسماء مجهول، أخرج له أبو داود وحده.
[عن أسماء بنت أبي بكر].
هي أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي صحابية أخرج لها أصحاب الكتب الستة، وهي التي اجتمع لها إسلام أبيها وجدها وابنها، فأبوها أبو بكر بن أبي قحافة، وجدها أبو قحافة، وابنها عبد الله بن الزبير، وكل هؤلاء صحابة اجتمع لهم الإسلام والصحبة.
ومولى أسماء بنت أبي بكر قد يكون هو عبد الله بن كيسان كما صرح به المزي في التهذيب (٨/ ٥١٧) والحافظ ابن حجر في تهذيبه.
ولكن الحافظ قال في التقريب في باب المبهمات: عبد الله بن مسلم أخو الزهري عن مولى أسماء يحتمل أن يكون عبد الله بن كيسان.
وقال المنذري: مولى أسماء مجهول، والحديث تفرد به أبو داود.
والمزي لم يذكر من الرواة عن أسماء إلا عبد الله بن كيسان.
وعبد الله بن كيسان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
وابن حجر يقول: يحتمل أن يكون هو، وعلى كل فالحديث ثابت، سواءٌ أكان المبهم ابن كيسان -وهو ثقة ولا إشكال- أم كان غيره؛ لأن الحديث لم يأت من هذه الطريق وحدها بل جاء من غيرها.
والشيخ الألباني صححه.
стр. 2813
طول القيام من الركوع وبين السجدتين
стр. 2814
شرح حديث (أن رسول الله كان سجوده وركوعه وقعوده وما بين السجدتين قريباً من السواء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب طول القيام من الركوع وبين السجدتين.
حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن البراء ﵁: (أن رسول الله ﷺ كان سجوده وركوعه وقعوده وما بين السجدتين قريباً من السواء)].
قوله: [باب طول القيام من الركوع وبين السجدتين] يعني أن هذين الموضعين من مواضع الصلاة لا يخففان، بل يطمأن فيهما ويطال فيهما القيام والجلوس؛ لأنه قد جاء عن النبي ﷺ ما يدل على ذلك، وعلى هذا فما جاء عن بعض أهل العلم من تخفيفهما تخفيفاً شديداً ليس بصحيح، بل الثابت الصحيح عن رسول الله ﷺ وعن صحابته الكرام هو تطويلهما، وقد جاءت في ذلك الأحاديث عن رسول الله ﵊، ومنها حديث البراء أنه قال: (كان ركوع رسول الله ﷺ واعتداله من الركوع وسجوده وجلوسه بين السجدتين قريباً من السواء.
ومعناه: أن ذلك وإن لم يكن متماثلاً تماماً إلا أن فيه شيئاً من التقارب، ومعنى هذا أنه لا يخفف ما بعد الركوع وما بين السجدتين، بل يطمأن ويستقر فيهما، فكون ركوعه واعتداله من الركوع وسجوده واعتداله من السجود قريباً من السواء يدل على أن هذين الموضعين لا يخففان، وإنما هما كغيرهما من بقية الأركان التي هي الركوع والسجود، وهي متقاربة وإن لم تكن متماثلة تماماً؛ لأن قوله: [(قريباً من السواء)] يشعر بأن بينهما شيئاً من الفرق، لكنه ليس فرقاً كبيراً، بل هي متقاربة، وعلى كل فالإطالة موجودة بين بعد الركوع وبين السجدتين.
стр. 2815
بيان الخطأ في لفظ (وقعوده وما بين السجدتين)
قوله: [(وقعوده وما بين السجدتين)].
لعل الذي يبدو أنه قعوده ما بين السجدتين، فليس القعود شيئاً وما بين السجدتين آخر؛ لأن الكلام كله يتعلق يما بين السجدتين، فالعبارة ليست واضحة من ناحية العطف، ولا يستقيم إلا أن تكون العبارة: قعوده ما بين السجدتين، أو: قعوده بين السجدتين، وسيأتي في بعض الروايات التنصيص على ذلك: (وقعوده بين السجدتين)، وفي بعض النسخ: (وقعوده ما بين السجدتين)، فتصير الواو زائدة، وزيادتها هي الظاهرة؛ لأن قعوده ما بين السجدتين المقصود به الجلوس بين السجدتين، وهو الذي ترجم له المصنف.
стр. 2816
تراجم رجال إسناد حديث (أن رسول الله كان سجوده وركوعه وقعوده وما بين السجدتين قريباً من السواء)
قوله: [حدثنا حفص بن عمر].
حفص بن عمر ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي.
[حدثنا شعبة].
هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الحكم].
هو الحكم بن عتيبة الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن أبي ليلى].
هو عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن البراء].
هو البراء بن عازب ﵄، وهو صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
стр. 2817
شرح حديث (ما صليت خلف رجل أوجز صلاة من رسول الله ﷺ
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا ثابت وحميد عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: (ما صليت خلف رجل أوجز صلاة من رسول الله ﷺ في تمام، وكان رسول الله ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده قام حتى نقول: قد أوهم، ثم يكبر ويسجد، وكان يقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم)].
قوله: [(ما صليت خلف رجل أوجز صلاة من رسول الله ﷺ في تمام)] يعني أنه كان يخفف ولكنه مع تخفيفه لا يكون نقص في الصلاة، بل هي في تمام، فكان لا يطيل الإطالة الشديدة، وتخفيفه ليس فيه إخلال، وإنما هو في تمام، فهو إيجاز مع تمام، فليس هناك تطويل شديد، وليس هناك إيجاز شديد بحيث يحصل معه إخلال، فقد جمع بين الإيجاز والتمام في صلاته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
قوله: [(وكان إذا قال: سمع الله لمن حمده قام)] أي: وقف قائماً، [(حتى نقول: قد أوهم)] أي: لعله قد نسي، وكان يظن أنه قد نسي الركوع من جهة طول قيامه، وهذا يدل على طول القيام، فقوله: [(قد أوهم)] أي: أوهم غيره بالنسيان، أو أُوهم، أي: حصل له نسيان، وجاء في بعض الروايات: (حتى أقول: قد نسي)، والمقصود بقوله: (أقول) أي: في نفسي، فلا يقول بلسانه وإنما يقول في نفسه، أو (حتى نقول) أي: نظن في أنفسنا أنه نسي، وذلك يدل على طول القيام، وهو واضح في المطابقة لما ترجم له المصنف من طول القيام بعد الركوع وطول الجلوس بين السجدتين.
قوله: [(وكان يقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أوهم)] أي: حتى نقول: قد نسي.
стр. 2818
تراجم رجال إسناد حديث (ما صليت خلف رجل أوجز صلاة من رسول الله)
قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل].
هو موسى بن إسماعيل التبوذكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا حماد].
هو حماد بن سلمة، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[أخبرنا ثابت].
هو ثابت بن أسلم البناني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وحميد].
هو حميد بن أبي حميد الطويل، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس بن مالك].
هو أنس بن مالك ﵁ الصحابي الجليل، خادم رسول الله ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عنه ﷺ .
وهذا السند سند رباعي؛ لأنهم وإن كانوا خمسة إلا أن اثنين يعتبران في طبقة واحدة؛ لأن حماداً يرويه عن ثابت ويرويه عن حميد بن أبي حميد الطويل، فهو من الرباعيات التي هي أعلى الأسانيد عند أبي داود ﵀.
стр. 2819
شرح حديث (رمقت رسول الله ﷺ في الصلاة فوجدت قيامه كركعته وسجدته)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد وأبو كامل -دخل حديث أحدهما في الآخر- قالا: حدثنا أبو عوانة، عن هلال بن أبي حميد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب ﵄ أنه قال: (رمقت محمداً ﷺ -وقال أبو كامل: رسول الله ﷺ في الصلاة فوجدت قيامه كركعته، وسجدته واعتداله في الركعة كسجدته، وجلسته بين السجدتين، وسجدته ما بين التسليم والانصراف قريباً من السواء).
قال أبو داود: قال مسدد: (فركعته واعتداله بين الركعتين، فسجدته فجلسته بين السجدتين، فسجدته فجلسته بين التسليم والانصراف قريباً من السواء)].
قوله: [(وسجدته ما بين التسليم والانصراف)]، إما أنه تصحيف وإما أنه خطأ بلا شك، فإنه ليس له معنى، فإما أن تكون الجملة (وما بين التسليم والانصراف) أو (وجلسته ما بين التسليم والانصراف)، فإن التسليم والانصراف ليس بينهما سجدة، والمقصود ما بين التسليم والانصراف.
والرواية الثانية توضح ذلك، وهي قوله: [(فجلسته ما بين التسليم والانصراف)] أي: الانصراف إلى المأمومين بعد السلام، فهذا يدل على أنه في الرواية الأولى خطأ، فإما أن قوله: [(وسجدته)] بدله (فجلسته)، أو أنه على ما هو عليه ولكن هناك واو سابقة؛ لأن التسليم والانصراف ليس بينهما سجود، وإنما السجود سجدتان، ومعناه أن الركوع والسجود وما بعد الركوع وما بين السجدتين وما بين التسليم والانصراف متماثل.
стр. 2820
حكم قول (سيدنا) للنبي ﷺ
قوله: [(رمقت محمداً ﷺ ] أي: نظرت وقدرت.
قوله: [وقال أبو كامل: رسول الله ﷺ ].
أي أن شيخي أبي داود أحدهما قال: (محمد ﵊ والثاني قال: (رسول الله) والفرق هو في التعبير فقط: بـ (محمد) و (الرسول)، هذا هو الفرق والنتيجة واحدة، لكن الكلام على الفرق في العبارة، وهذا يدلنا على دقة المحدثين ومحافظتهم على الألفاظ، حتى الشيء الذي لا يترتب عليه اختلاف في المعنى ينصون عليه، فأحد الشيخين في طريقه قال: [رمقت محمداً ﷺ ]، والشيخ الثاني قال: [رمقت رسول الله ﷺ ] والفرق هو في التعبير بين (محمد) وبين (رسول الله) ﵊، بين اسمه وبين وصفه ﷺ .
ويأتي في بعض الأسانيد أن أحد الرواة يقول: (النبي ﷺ والثاني يقول: (رسول الله ﷺ ولا فرق بين التعبير بالنبي والرسول فالنتيجة واحدة، ولكن هذا يدلنا على دقتهم وحرصهم على المحافظة على الألفاظ وعنايتهم الفائقة رحمة الله عليهم.
وهذا يبين لنا أنه لو كان هناك تعبير بلفظ (سيدنا) مع ذكر الرسول أو ذكر اسمه ﷺ ، لو كان موجوداً عند الصحابة لذكروه ونصوا عليه، فلو كان لفظ (سيدنا) سائغاً لما تركوه، وعلى هذا فهذه الآلاف المؤلفة من الأحاديث يقولون في كل حديث منها: (قال رسول الله ﷺ ، ولا يقولون: (قال سيدنا رسول الله) وهو (سيدنا) لكن التعبير ما وجد، والسلف ما كانوا يفعلون ذلك، وهذا إنما وجد في الأزمنة المتأخرة ولا سيما عند كثير من الصوفية، فإنهم يقولون: سيدي، والصحابة ﵃ وأرضاهم ما كانوا يقولون ذلك، وإن كان هو سيدهم وسيد البشر وسيد الخلق أجمعين في الدنيا والآخرة ﵊، وقد قال: (أنا سيد الناس يوم القيامة ولا فخر)، فهو سيدنا وسيد الخلق، وكون الإنسان لا يعبر بسيدنا ليس فيه جفاء، وليس فيه نقص؛ لأن هذه طريقة الصحابة ﵃ وأرضاهم، فما كانوا يستعملون ذلك وما كانوا يقولونه، وهذه الأحاديث التي في البخاري ومسلم وكتب السنن وغيرها كلها فيها: (قال رسول الله) وليس فيها: (قال سيدنا رسول الله ﷺ .
فالشاهد أنهم لما كانوا ينصون على أن هذا قال: (محمد ﷺ وهذا قال: (رسول الله ﷺ دل ذلك على أنه لو كان هناك شيء يضاف إلى النبي ﷺ لما تركونه، فهذا يدلنا على دقتهم، ويدلنا على أن هذا اللفظ الذي وجد في هذا الزمان عند كثير من الصوفية ومن يشابههم ويقلدهم من الأمور المحدثة التي ليست من هدي السلف ولا من طريقة السلف، مع اعتقاد أنه ﷺ سيد الخلق وسيد الناس أجمعين، لكن لم يكن خير الناس بعد الأنبياء والمرسلين حين يذكرون اسمه يقولون: (سيدنا)، والذين لا يفعلون ذلك هم متبعون للصحابة وعلى طريقة الصحابة ﵃ وأرضاهم، ولو كان الصحابة يأتون بهذا ويحافظون عليه لوجب على غيرهم أن يحافظوا عليه كما حافظوا.
فالحاصل أن هذا التفريق بين العبارتين دال على عنايتهم، وأنهم كانوا لا يتركون شيئاً إلا ذكروه فيما يتعلق بالرواية حتى لو لم يختلف المعنى.
والغالب في الاستعمال أن يقال: (رسول الله ﵊ ويقال: (قال النبي ﷺ ، وذكره باسمه قليل، ويذكر بلقبه فيقال: (أبو القاسم ﷺ ، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) في موضع جاء في الحديث قول الصحابي فيه: (أبو القاسم) فقال: ذكر النبي ﷺ بكنيته حسن، وبوصف الرسالة أحسن، يعني أن يقال: (قال رسول الله ﷺ أحسن من أن يقال: (أبو القاسم)، وهذا حسن وهذا حسن لكن هذا أحسن.
стр. 2821
استحباب أن تكون أفعال الصلاة متقاربة في الطول
قوله: [(فوجدت قيامه كركعته)] هذا القيام هو الذي قبل الركوع، القيام في القراءة، وهذا يدل على أنه ﷺ في بعض الأحيان كان قيامه مقارباً للركوع والسجود، أي أنه كان يطيل الركوع والسجود فيكون قريباً من القيام، وفي بعض الأحيان يطول القيام جداً فلا يكون قريباً من الركوع والسجود.
قوله: [(فوجدت قيامه كركعته، وسجدته واعتداله في الركعة كسجدته وجلسته بين السجدتين)].
أي أن القيام والاعتدال والركوع والسجود والرفع من السجود كلها متقاربة.
قوله: [(وسجدته وما بين التسليم والانصراف قريباً من السواء)].
قد جاء في بعض الأحاديث -وهو صحيح-: (ما خلا القيام والقعود) ومعناه أن الأفعال متقاربة إلا القيام في القراءة والقعود للتشهد، فإنه يكون أطول من الركوع ومن السجود ومن الجلسة بين السجدتين ومن القيام بعد الركوع، فقوله: (ما خلا القيام) يعني: في القراءة في أول الصلاة، (والقعود) يعني: في آخرها أو في وسطها.
قوله: [(فجلسته بين التسليم والانصراف)] يعني: بعد السلام، فإذا سلم يجلس قليلاً مستقبل القبلة بمقدار ما يقول: أستغفر الله أستغفر الله أستغفر الله، ثم يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ثم ينصرف إلى المأمومين، هذه الفترة التي يقول فيها هذا الذكر وهو مستقبل القبلة هي قريبة من الركوع والسجود والجلسة بين السجدتين.
ومعناه أنه لا يطيل الجلوس وهو مستقبل القبلة بعد السلام، بل يجلس بمقدار ما جاء عنه ﷺ من هذا الذكر الذي هو: أستغفر الله أستغفر الله أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ثم ينصرف إلى المأمومين ويلقيهم وجهه.
стр. 2822
تراجم رجال إسناد حديث (رمقت رسول الله ﷺ في الصلاة فوجدت قيامه كركعته وسجدته)
قوله: [حدثنا مسدد].
هو ابن مسرهد البصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[وأبو كامل].
هو فضيل بن حسين الجحدري، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأبو داود والنسائي.
وقوله: [دخل حديث أحدهما في الآخر] يعني: تشابها أو تماثلا، وقد ذكر لفظ مسدد حيث ساقه فيما بعد فقال: [قال مسدد] إلخ.
[حدثنا أبو عوانة].
هو أبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن هلال بن أبي حميد].
هلال بن أبي حميد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب].
عبد الرحمن والبراء مر ذكرهما.
стр. 2823
صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود.
حديث المسيء صلاته].
قوله: [حديث المسيء صلاته] من كلام المعلق، وهذا غير صحيح، فليس له أن يضيف، بل يكتفي بتبويب أبي داود، ولا حاجة لأن يقول: [حديث المسيء صلاته]؛ لأنه سيذكر تحت هذا الحديث حديث المسيء صلاته وغيره، فليس الباب مقصوراً عليه، بل فيه حديث المسيء وغيره.
стр. 2824
شرح حديث (لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا حفص بن عمر النمري حدثنا شعبة عن سليمان عن عمارة بن عمير عن أبي معمر عن أبي مسعود البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود)].
قوله: [باب: صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود] يعني: يقيم ظهره في الركوع والسجود، بحيث يطمئن ويستقر ولا يستعجل في ركوعه ولا في سجوده، ويعتدل في ركوعه وفي سجوده.
وأورد أبو داود حديث عقبة بن عمرو الأنصاري البدري أبو مسعود، وهو مشهور بكنيته رضي الله تعالى عنه، وقد يقع تصحيف بين أبي مسعود وابن مسعود، فيقال: (عن ابن مسعود) وهو أبو مسعود، كما حصل في بعض نسخ بلوغ المرام في حديث: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)، وهو من رواية أبي مسعود هذا، فإنه في كثير من النسخ المطبوعة عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)، والتصحيف بين (ابن) و (أبي) يمكن ويحصل؛ لأن الكتابة فيهما متقاربة، فقد يتصحف الاسم من (أبي مسعود) إلى (ابن مسعود)، والذي هو مشهور بالرواية الكثيرة هو ابن مسعود، ولهذا تصحفت (أبو) إلى (ابن) في حديث: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) في نسخ بلوغ المرام.
وعقبة بن عمرو الأنصاري البدري قيل: إنه لم يشهد بدراً ولكنه سكن بدراً فنسب إليها، ولكن جاء عن البخاري أنه قال: إنه شهد بدراً.
قوله: [(لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود)] أي أنه لابد من الاطمئنان، فلا ينقر الصلاة في ركوعه وسجوده نقراً بحيث يصل إلى الأرض أو يهوي ثم يرتفع مباشرة، وإنما يستقر ويطمئن ويقيم صلبه بحيث يأتي بالذكر والدعاء، ولو بأقل ما يحصل به الاطمئنان، فلا يلزم التطويل ولكن الشيء الذي لابد منه هو حصول الاطمئنان في حال الركوع والسجود، بحيث لا ينقر الصلاة نقراً، وإذا حصل منه ذلك النقر الذي ليس فيه اطمئنان فصلاته غير صحيحة ولا تجزئ.
стр. 2825
تراجم رجال إسناد حديث (لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود)
قوله: [حدثنا حفص بن عمر النمري].
قد مر ذكره.
[حدثنا شعبة عن سليمان].
شعبة مر ذكره، وسليمان هو سليمان بن مهران الأعمش الكاهلي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عمارة بن عمير].
عمارة بن عمير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي معمر].
هو عبد الله بن سخبرة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي مسعود البدري].
هو أبو مسعود البدري عقبة بن عمرو الأنصاري البدري ﵁، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 2826
شرح حديث المسيء صلاته
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا القعنبي حدثنا أنس -يعني ابن عياض - قال، ح: وحدثنا ابن المثنى حدثني يحيى بن سعيد عن عبيد الله -وهذا لفظ ابن المثنى - حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة ﵁: (أن رسول الله ﷺ دخل المسجد فدخل رجل فصلى، ثم جاء فسلم على رسول الله ﷺ ، فرد رسول الله ﷺ ﵇ وقال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فرجع الرجل فصلى كما كان صلى، ثم جاء إلى النبي ﷺ فسلم عليه، فقال له رسول الله ﷺ : وعليك السلام، ثم قال: ارجع فصل فإنك لم تصل، حتى فعل ذلك ثلاث مرار، فقال الرجل: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم اجلس حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها).
قال القعنبي: عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁، وقال في آخره: (فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك، وما انتقصت من هذا شيئاً فإنما انتقصته من صلاتك، وقال فيه: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء)].
هذا الحديث مشهور باسم (حديث المسيء صلاته) وهو أن النبي ﷺ دخل المسجد فجاء رجل فدخل المسجد وصلى، وفي بعض الروايات أنه صلى ركعتين، وهذا يدل على أنها نافلة، وقال بعض أهل العلم: إنها تحية المسجد، فجاء إلى النبي ﷺ فسلم عليه فرد ﵇ وقال: [(ارجع فصل فإنك لم تصل)] فرجع وصلى ثم جاء وسلم على الرسول ﷺ فرد ﵇ وقال: [(ارجع فصل فإنك لم تصل)]، ثم رجع وصلى ثم جاء وسلم على الرسول ﷺ فقال: [(ارجع فصل فإنك لم تصل)] فقال: [والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني]، فعلمه الرسول ﷺ الأمور التي لابد منها في الصلاة، أو الأمور التي رأى أنه أخل بها في صلاته، وغالبها أفعال وفيها أقوال وهي القراءة، ولكن الغالب فيها أنها أفعال: ركوع وسجود وقيام بعد الركوع وجلوس بين السجدتين وهكذا.
стр. 2827
فائدة تكراره للصلاة عدة مرات
هذا الرجل لما جاء وصلى والنبي ﷺ ينظر إليه ثم قال له: [(ارجع فصل)] لم يقل: علمني، أو: لا أحسن غير هذا فعلمني، وإنما أراد أن يرجع ويصلي حتى يتحقق من حسن صلاته أو عدم حسنها، فرجع وصلى مثل ما صلى فقال له: [(ارجع فصل فإنك لم تصل)] ولما قال في الثالثة: [إني لا أحسن غير هذا فعلمني] علمه الرسول ﷺ ، فيكون عدم تعليم النبي ﷺ إياه في أول مرة إما للتحقق، أو أنه يريد منه أن يقول: إنه لا يحسن غير ذلك، ولكنه كرر ذلك ثلاث مرات، ولا شك في أن هذا الفعل وهذا الترداد ثم بعد ذلك كونه يقول: علمني ثم يعلمه، لا شك أن ذلك فيه تثبيت لتلك الكيفية التي يعلمه إياها رسول الله ﷺ في نفسه، وأنه سوف يعرفها تماماً مادام أنه قد حصل هذا الجهد وحصل هذا التكرار والترداد منه، فلا شك في أنه بعد ذلك سيحصل منه استيعاب لما يعلمه إياه رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
والحديث يدل على أن الإنسان إذا ذهب ولو لم يختف ثم جاء فإنه يكرر السلام، فلو ذهب إلى مكان ولو لم يختف عن صاحبه فإنه يسلم إذا رجع؛ لأن ذلك الصحابي جاء وسلم مراراً، كلما ذهب وجاء والرسول ينظر إليه وينظر إلى صلاته يأتي ويسلم، والرسول ﷺ يرد ﵇ صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
стр. 2828
وجوب التكبير للدخول في الصلاة وأنه لا يجزئ غيره
فلما ذكر الرجل أنه لا يعرف غير وقال: [والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا]، علمه الرسول ﷺ ، فقال له: [(إذا قمت إلى الصلاة فكبر)]، أي: إذا أردت الدخول في الصلاة وقمت لتدخل في الصلاة فكبر؛ لأن هذا التكبير هو للدخول في الصلاة، وهو يدل على أن التكبير هو مفتاح الصلاة أو هو للدخول في الصلاة، وأنه لا يجوز غير ذلك؛ لأنه لو جاز أن يأتي بغير ذلك لعلمه النبي ﷺ ، أو لقال: فكبر أو ائت بأي لفظ يدل على التعظيم، وإنما قال: [(فكبر)]، وهديه ﷺ أنه كان يكبر، وقال: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، والنصوص في هذا كثيرة، وكلها تدل على أن الدخول في الصلاة يكون بالتكبير ولا يكون بغير ذلك؛ لأنه لو أجزأ شيء غير ذلك لعلمه النبي ﷺ إياه، ولفعله رسول الله ﵊، ولما قصر تحريم الصلاة على أنه يكون بالتكبير دل على أن التكبير أمر لابد منه في الدخول في الصلاة.
стр. 2829
حكم قراءة الفاتحة في الصلاة
قوله: [(ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)].
بعض العلماء يستدل بهذا على عدم لزوم الفاتحة، وأن الفاتحة ليست بلازمة، بل يقرأ الإنسان ما تيسر، لكنه جاء في بعض الروايات: (ثم أقرأ الفاتحة وما تيسر)، وجاء في بعض الأحاديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، فقوله: [(ما تيسر)] مجملٌ جاء بيانه وتفسيره في السنة، مثلما جاء تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦] حيث جاء مطلقاً في هدي التمتع، لكنه فسر بأنه ذبح شاة، وهي أقل ما يجزئ، وإن ذبح أكثر من ذلك صح وجاز، فجاء بيان هذا الذي استيسر في السنة، وهنا هذا اللفظ المجمل جاء تفسيره في السنة، وأنه لابد من قراءة الفاتحة، ثم يقرأ شيئاً معها، وقد جاء في بعض الأحاديث: (اقرأ الفاتحة وما تيسر).
стр. 2830
وجوب الطمأنينة في الركوع والرفع منه والسجود والرفع منه
قوله: [(ثم اركع حتى تطمئن راكعا)].
أي: بعد ذلك يركع، والركوع لابد منه، ولابد من الاطمئنان فيه؛ لأنه قال: [(حتى تطمئن راكعاً)]، فلا يكفي أن يهوي ثم يرفع فيكون كالغراب الذي ينقر الأرض.
قوله: [(ثم ارفع حتى تعتدل قائما)].
أي: حتى تطمئن قائماً وتكون معتدلاً في القيام، فتكون ساجداً من قيام لا ساجداً من حال بين القيام والركوع، فلابد من القيام ولابد من الاطمئنان، وقد مر بنا عن النبي ﷺ أنه كان يطيل القيام بعد الركوع، يقول أنس: (حتى نقول: قد أوهم).
قوله: [(ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا)].
أي أنه يسجد ويستقر ويطمئن في سجوده، ولا يهوي إلى الأرض ثم يرفع كهيئة الطير الذي ينقر ليأخذ الشيء الذي يأكله من الأرض ثم يرفع.
قوله: [(ثم اجلس حتى تطمئن جالسا)].
يعني: ثم اجلس بين السجدتين حتى تطمئن جالساً، فلابد من الاطمئنان.
قوله: [(ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)].
أي: في جميع الركعات، فقد ذكر طريقة القيام والركوع والاعتدال من الركوع والسجود والاعتدال بين السجدتين، فذكر هذه الأفعال التي لابد منها في الصلاة.
стр. 2831
شرح رواية (فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك)
قوله: [قال القعنبي: عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁، وقال في آخره: [(فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك، وما انتقصت من هذا شيئاً فإنما انتقصته من صلاتك)].
الرواية السابقة جاءت عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه، وهذه عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة بدون واسطة أبيه، ولا إشكال في ذلك؛ لأن سعيد بن أبي سعيد يروي عن أبي هريرة ويروي عن أبيه عن أبي هريرة.
قوله: [(فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك، وما انتقصت من هذا شيئاً فإنما انتقصته من صلاتك)] يعني: إنك إذا أتيت بهذه الهيئة كانت الصلاة مجزئة، وإذا انتقصت من ذلك فإنه ينتقص من صلاتك، لكن إذا كانت بالهيئة التي هي السرعة كنقر الغراب ونقر الطائر فإن الصلاة لا تصح، وأما الواجب الذي لابد منه فهو الذي تجزئ معه الصلاة، وما زاد على ذلك فهو من النوافل ومن الأمور المستحبة التي يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها.
قوله: [وقال فيه: (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء)].
أي: إذا أردت القيام فأسبغ الوضوء، مثل قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة:٦] أي: إذا أردتم القيام، وإسباغ الوضوء شيء لابد منه، وهو أن يغسل المرء مرة واحدة يُجري فيها الماء على الأعضاء التي يجب غسلها، وأما الإسباغ المستحب الذي ليس بواجب فهو كونه يغسل مرتين أو ثلاث مرات؛ لأن هذه من الأمور المستحبة، وأما تعميم الماء ووصوله إلى الأعضاء وإن لم يحصل الدلك فهو القدر المجزئ الذي يكفي، وما زاد على ذلك فهو من باب الاستحباب.
стр. 2832
تراجم رجال إسناد حديث المسيء صلاته
قوله: [حدثنا القعنبي].
هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[حدثنا أنس -يعني ابن عياض -].
أنس بن عياض ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ح وحدثنا ابن المثنى].
هو محمد بن المثنى العنزي أبو موسى، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.
[حدثني يحيى بن سعيد].
هو يحيى بن سعيد القطان البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيد الله].
هو عبيد الله بن عمر العمري المصغر، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وهذا لفظ ابن المثنى].
أي: سياق الشيخ الثاني؛ لأن هنا شيخين: القعنبي في الطريق الأولى، وابن المثنى في الطريق الثانية، وهذا لفظ ابن المثنى.
[حدثني سعيد بن أبي سعيد].
هو سعيد بن أبي سعيد المقبري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
أبوه ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله ﷺ ، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق.
قوله: [قال القعنبي: عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة].
معنى هذا أنه ساقه على أصل ابن المثنى وفيه سعيد بن أبي سعيد، وطريق القعنبي الأولى ليس فيها ذكر والده، وإنما سعيد بن أبي سعيد يروي عن أبي هريرة مباشرة، ولا تنافي بينهما؛ لأن سعيد بن أبي سعيد يروي عن أبي هريرة ويروي عن أبيه عن أبي هريرة.
стр. 2833
شرح سنن أبي داود [١١١]
الصلاة لها شأنها العظيم، ولا يعظم أجرها إلا بزيادة الخشوع فيها، ولذا شرع للمصلي أن يأتي لها بما يدعوه إلى الخشوع فيها، وذلك أنه إذا قام للصلاة يتوضأ كما أمره الله ثم يدخل في صلاته بالتكبير، ويجعل لمفاصله حظاً من صلاته في ركوعه واعتداله وسجوده ونحو ذلك، ويمكن أعضاء السجود في سجوده من الأرض، ويجتنب الهيئات المنهي عنها في الصلاة، كافتراش السبع، ويحرص على أن يجعل صلاته في تمام لا أن ينقرها كنقر الغراب، وبذلك ينصرف من صلاته وقد كتب له الأجر العظيم.
стр. 2834
تابع صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود
стр. 2835
شرح حديث رفاعة في الطمأنينة في الركوع
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن علي بن يحيى بن خلاد عن عمه أن رجلاً دخل المسجد فذكر نحوه، قال فيه: فقال النبي ﷺ : (إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء -يعني: مواضعه- ثم يكبر ويحمد الله ويثني عليه، ويقرأ بما تيسر من القرآن، ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائماً، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعداً، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه فيكبر، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته)].
قوله: [(لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء -يعني: مواضعه)].
معناه أنه يتوضأ كما أمره الله ، بأن يغسل وجهه، ثم اليدين والمرفقين، ثم يمسح برأسه، ثم يغسل رجليه إلى الكعبين، حيث إنه لابد من الوضوء.
وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، فمن شروط الصلاة أن يسبقها بالطهارة، والأمر بالصلاة هو أمر بالطهارة؛ للقاعدة المشهورة: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، فمن الأمور التي لابد منها عند الصلاة أن يتطهر إما بالماء أو بالتيمم عند عدم الماء أو عند العجز عن استعمال الماء، وعلى هذا فقد بين النبي ﷺ في حديث المسيء صلاته في هذه الطريق الثانية التي أوردها أبو داود أنه لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ ويضع الوضوء في مواضعه، وذلك بأن يأتي به في الأماكن أو في الأعضاء التي بينها الله في سورة المائدة، وهي غسل الوجه واليدين والمرفقين ومسح الرأس وغسل الرجلين إلى الكعبين.
قوله: [(ثم يكبر ويحمد الله ويثني عليه)].
أي: يأتي بتكبيرة الإحرام التي هي مفتاح الصلاة، والتي لا يكون الدخول في الصلاة إلا بها، وتسمى تكبيرة الإحرام لأنه يحرم على الإنسان بقولها والإتيان بها ما كان حلالاً له قبلها، فالتكبير في الصلاة للإحرام كالإحرام في الحج؛ لأنه قبل أن يحرم بالحج يحل له أمور، فإذا أحرم حرمت عليه، فإذا تحلل من الحج حلت له، وكذلك الإنسان قبل أن يكبر تكبيرة الإحرام في الصلاة يحل له أمور، فإذا كبر حرمت عليه، كالأكل والشرب والالتفات والتكلم والذهاب والإياب، وما إلى ذلك من المباحات التي تحل له قبل أن يدخل في الصلاة.
وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال عن الصلاة: (تحريمها التكبير).
يعني أن الإنسان إذا كبر تكبيرة الإحرام حرمت عليه أمور كانت حلالاً له قبل ذلك.
وقوله: (وتحليلها التسليم) بمعنى أن الأمور التي كانت حرمت عليه بعد تكبيرة الإحرام قد حلت له بعد التسليم.
كذلك لابد من لفظ التكبير، فلا يكفي أن يعظم الله بأي لفظ آخر، كأن يقول: (الله أجل)، أو: (الله أعظم)، بل لابد من أن يقول: الله أكبر.
قوله: [(ويحمد الله ].
المقصود بذلك الذكر الذي يكون بعد التكبير وقبل القراءة، وهو دعاء الاستفتاح، ودعاء الاستفتاح -كما هو معلوم- سنة، فلو لم يأت به المرء صحت صلاته.
[(ويقرأ بما تيسر من القرآن)].
وذلك بقراءة سورة الفاتحة إذا كان الإنسان عالماً بها، وإن لم يكن قد علم بها ولكنه يعرف شيئاً من القرآن، أو دخل في الإسلام وهو لا يعرف الفاتحة لكنه يعرف شيئاً من القرآن غيرها، فإنه ينتقل إلى قراءة شيء من القرآن غير الفاتحة، لكن يجب عليه أن يتعلم الفاتحة؛ لقوله ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وإذا لم يستطع أن يتعلم شيئاً من ذلك فإنه يحمد الله ويهلله ويكبره كما سيأتي في حديث آخر من أحاديث هذا الباب، وكما سبق أن مر في قراءة الأعجمي والأعرابي أو من لا يحسن القراءة، فإنه يأتي بقوله: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وهذا معنى قوله: (إن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فاحمد الله وهلله وكبره ثم اركع)، كما سيأتي.
قوله: [(ثم يقول: الله أكبر)].
يعني: يكبر للركوع، ومن المعلوم أن قول (الله أكبر)، ليس من أركان الصلاة، وإنما هو من الواجبات، وعلى قول جمهور أهل العلم فإن التكبير من المستحبات إلا تكبيرة الإحرام، وأن الإنسان لو ترك بقية التكبيرات على قول جمهور العلماء فقد ترك أمراً مستحباً، وقال بعض العلماء: إنه واجب، لكن لا يعتبر من الأركان التي إذا تُركت تبطل الصلاة بتركها.
قوله: [(ثم يركع حتى تطمئن مفاصله)].
بمعنى أنه يطمئن بحيث يستقر في ركوعه، وتطمئن المفاصل بعد الهوي للركوع، بحيث يكون هناك استقرار، أما أن يهوي للركوع ثم يرتفع دون أن تستقر مفاصله فلا تصح صلاته، بل لابد من الاستقرار في الركوع والاطمئنان فيه، وهذا شيء لابد منه في الصلاة، والذي ينقر الصلاة نقراً ويهوي ثم يرفع بسرعة أو يسجد ثم يهوي بسرعة دون أن يستقر لا يقال: إنه قد ركع، ولا يقال: إنه سجد، بل لابد من الاطمئنان ولو شيئاً يسيراً جداً.
قوله: [(ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائماً)].
أي: يقول: (سمع الله لمن حمده)، عند الرفع من الركوع، حتى يستقر ويعتدل قائماً.
قوله: [(ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله)].
معناه أنه يطمئن في سجوده ويستقر فيه، بحيث تكون الحركة التي صدرت منه عند الهوي إلى السجود قد انتهت، وحصل الاستقرار والاطمئنان في السجود.
قوله: [(ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعداً)].
يعني: يفعل هذا بين السجدتين.
قوله: [(ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله)].
يعني: عندما يهوي للسجدة الثانية فإنه يسجد حتى تطمئن مفاصله كما حصل في السجدة الأولى.
قوله: [(ثم يرفع رأسه فيكبر)].
يعني: يكبر قائماً للركعة الثانية.
قوله: [(فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته)].
يعني: إذا فعل ذلك في جميع الركعات؛ لأنه بين ما يتعلق بالركعة الواحدة من الأفعال التي ينبغي تطبيقها في كل ركعة، فيفعل في كل الركعات كما فعل في الركعة الأولى من القراءة ومن الركوع والسجود.
وقوله: (الله أكبر) وقوله: (سمع الله لمن حمده) إلا الاستفتاح فإنه لا يكون إلا في الركعة الأولى عند الدخول في الصلاة بعد التكبير وقبل القراءة، كما سبق أن مر في حديث أبي هريرة ﵁ في باب السكتات التي يسكتها الإمام قال أبو هريرة: (أرأيت في سكوتك -بأبي أنت وأمي يا رسول الله- بين التكبير والقراءة ماذا تقول؟ فقال ﵊: أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي).
стр. 2836
تراجم رجال إسناد حديث رفاعة في الطمأنينة في الركوع
قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل].
هو موسى بن إسماعيل التبوذكي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا حماد].
هو حماد بن سلمة البصري، ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة].
إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن علي بن يحيى بن خلاد].
علي بن يحيى بن خلاد ثقة, أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
[عن عمه].
عمه هو رفاعة بن رافع، وهو صحابي، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.
стр. 2837
شرح حديث رفاعة في الطمأنينة في السجود
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن علي حدثنا هشام بن عبد الملك والحجاج بن منهال قالا: حدثنا همام حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن علي بن يحيى بن خلاد عن أبيه عن عمه رفاعة بن رافع ﵁ بمعناه، قال: فقال رسول الله ﷺ : (إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله ويحمده، ثم يقرأ من القرآن ما أذن له فيه وتيسر.
فذكر نحو حديث حماد قال: ثم يكبر فيسجد فيمكن وجهه -قال همام: وربما قال: جبهته- من الأرض حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثم يكبر فيستوي قاعداً على مقعده ويقيم صلبه -فوصف الصلاة هكذا أربع ركعات حتى فرغ-، لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك)].
أورد المصنف حديث رفاعة بن رافع ﵁ من طريق أخرى وهي مثل التي قبلها في صفة الصلاة، وأنه لابد من إسباغ الوضوء، وإسباغ الوضوء يكون بتعميمه على الأعضاء، بحيث لا يخلو جزء ولو كان قليلاً من الأعضاء المغسولة من وصول الماء إليه، وهذا هو الأمر الواجب الذي لابد منه، وما زاد على ذلك فهو سنة ومستحب، وهو من الإسباغ، ولكن الإجزاء يحصل بوصول الماء إلى جميع الأجزاء المغسولة، وهي غسل الوجه واليدين والمرفقين ومسح الرأس وغسل الرجلين إلى الكعبين كما جاء ذلك في سورة المائدة.
قوله: [(ثم يكبر الله ويحمده)] هنا فيه ذكر الحمد بعد تكبيرة الإحرام، ولعل المقصود من ذلك هو دعاء الاستفتاح الذي هو حمد وثناء أو دعاء كما جاء في بعض الأحاديث التي فيها الاستفتاح، لأن منه ما هو حمد وثناء كقوله: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك) ومنه ما هو دعاء، كقوله: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب).
قوله: [(ثم يقرأ من القرآن ما أذن له فيه وتيسر، فذكر نحو حديث حماد، قال: ثم يكبر فيسجد فيمكن وجهه -قال همام: وربما قال: جبهته- من الأرض)].
هذا فيه اختصار؛ لأنه ما ذكر الركوع.
قوله: [(وربما قال: جبهته من الأرض حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثم يكبر فيستوي قاعداً على مقعده ويقيم صلبه، فوصف الصلاة هكذا أربع ركعات حتى فرغ)].
يعني أن ما يجري في الركعة الواحدة يجري في الأربع الركعات إذا كانت الصلاة رباعية.
стр. 2838
تراجم رجال إسناد حديث رفاعة في الطمأنينة في السجود
قوله: [حدثنا الحسن بن علي].
هو الحسن بن علي الحلواني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي.
[حدثنا هشام بن عبد الملك].
هو أبو الوليد الطيالسي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
والطيالسي يروي عنه أبو داود بواسطة وبغير واسطة؛ لأنه يقول أحياناً: (حدثنا أبو الوليد الطيالسي -كما سيأتي في هذا الباب- بغير واسطة).
[والحجاج بن منهال].
الحجاج بن منهال ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا همام].
هو همام بن يحيى، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن علي بن يحيى بن خلاد عن أبيه].
هذا مثل الذي تقدم، إلا أنه فيه ذكر أبيه وهو يحيى بن خلاد، ويحيى بن خلاد يروي عن عمه رفاعة بن رافع؛ لأن رفاعة أخو خلاد فـ يحيى بن خلاد بن رافع يروي عن عمه رفاعة بن رافع.
ويحيى بن خلاد له رؤية، وذكره ابن حبان في ثقاة التابعين، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.
[عن عمه رفاعة بن رافع].
هو رفاعة بن رافع ﵁، وقد مر ذكره.
стр. 2839
حكم السجود على غير الجبهة أو على بعضها
قال الخطابي: وفيه دليل على أن السجود لا يجزئ على غير الجبهة، وأن من سجد على كور العمامة ولم يسجد معها على شيء من جبهته لم تجزئه صلاته.
وهذا الكلام صحيح؛ لأن الإنسان إذا لم يمكن جبهته من الأرض لا تصح صلاته، وإذا كان بعض الجبهة مغطى فإنه يسجد على ما غطي وعلى ما كان مكشوفاً، أما أن يغطي جبهته كلها بدون مانع أو أن العمامة تكون ملفوفة ثم يسجد عليها ويرتفع عن الأرض فلا تصح الصلاة، هذا مقتضى كلام الخطابي وهو صحيح.
стр. 2840
شرح حديث (إذا قمت فتوجهت إلى القبلة فكبر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا وهب بن بقية عن خالد عن محمد -يعني ابن عمرو - عن علي بن يحيى بن خلاد عن أبيه عن رفاعة بن رافع ﵁ بهذه القصة، قال: (إذا قمت فتوجهت إلى القبلة فكبر ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن تقرأ، وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك وامدد ظهرك، وقال: إذا سجدت فمكن لسجودك، فإذا رفعت فاقعد على فخذك اليسرى)].
أورد أبو داود ﵀ حديث رفاعة بن رافع من طريق أخرى، وفيها: [(إذا قمت فتوجهت إلى القبلة)] يعني أن الإنسان يستقبل القبلة أولاً؛ لأن استقبالها شرط من شروط الصلاة.
قوله: [(فكبر)] يعني: يكبر حتى يدخل في الصلاة.
قوله: [(ثم اقرأ بأم القرآن)].
قد جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة، ومنها (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب).
قوله: [(وبما شاء الله أن تقرأ)] يعني: بعد الفاتحة.
قوله: [(وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك)].
يعني أنه يعتمد براحتي اليدين ثم تكون الأصابع نازلة عن الركبتين.
قوله: [(وامدد ظهرك)] بمعنى أنه يكون مستقيماً، بحيث لا يصوب رأسه ولا يشخصه بحيث يكون رأسه مساوياً لظهره.
قوله: [(وإذا سجدت فمكن لسجودك)].
يعني: بأن تستقر على الأرض بالأعضاء التي يكون السجود عليها، وهي سبعة: الجبهة ومعها الأنف، واليدان، والركبتان، والقدمان.
قوله: [(فإذا رفعت فاقعد على فخذك اليسرى)].
يعني: يقعد على فخذه اليسرى مفترشاً.
следующие страницы →