Полный текст (18 341 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
حكم التطير
قوله: [(قال: قلت: ومنا رجال يتطيرون قال: ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدهم)].
يسمى التطير بذلك نسبة إلى الطيور، فقد كانوا إذا أرادوا السفر أخذوا طيراً فتركوها فإن اتجهت إلى اليمين تفاءلوا وسافروا، وإذا اتجهت إلى الشمال عدلوا عن السفر بسبب ذلك، فالرسول ﷺ قال: (هذا شيء يجدونه في نفوسهم، فلا يصدهم) يعني: هذه الأمور التي كانوا يفعلونها في الجاهلية ينبغي أن تترك، وأن المسلمين يقدمون على ما يقدمون عليه ولا يلتفتون إلى هذه الطيور وما يحصل منها، لا يجوز أن يرجع الإنسان عن السفر الذي أراده؛ لأنه تشاءم من كون الطيور جاءت من جهة الشمال.
كذلك الذين يتشاءمون من أرقام معينة فهو من التشاؤم، وبعض الباعة إذا استفتح بيعه بأعرج أو بأعمى تشاءم من ذلك، وهذا غلط وجهل وضعف عقل.
стр. 3047
حكم الخط على الأرض
قوله: [(قلت: ومنا رجال يخطون، قال: كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك)].
يعني: يخطون في الأرض، وذلك بأنهم كانوا يخطون عدة خطوط، ثم يجعلونها اثنين اثنين اثنين، فإن بقي اثنان صارت علامة خير، وإن بقي واحد كانت علامة شر، فهم يخطون في الأرض ويتفاءلون ويتشاءمون.
فالرسول ﷺ قال: (كان نبي يخط، فمن وافق خطه فذاك) يعني: ولا يمكن أن يوافق خطه؛ لأن هذه إحالة إلى شيء غير معلوم، ولا سبيل إلى معرفته.
إذاً: استعمال الخطوط في الأرض، وبناء أشياء عليها، سواء كانت من جهة التشاؤم والتفاؤل أو عن طريق كهانة أو ما إلى ذلك، كل ذلك لا يسوغ ولا يجوز؛ لأن النبي ﷺ أخبر عن نبي أنه كان يخط، ومن المعلوم أن النبي الذي كان يخط إنما يفعل بالوحي.
قوله: [(فمن وافق خط ذلك النبي فذاك)] يعني: أنه لا سبيل إلى موافقته وإلى معرفة موافقته، فيكون استعمال الخطوط في الأرض لا يسوغ ولا يجوز؛ لأنه إخبار عن أمر مغيب، وهو فعل نبي من الأنبياء أنه كان يخط.
والاعتماد على هذه الخطوط لا يكون من الشرك الأكبر أو الأصغر، وإنما يكون من التشاؤم، أما إذا كان يعتقد أن الخطوط أو أن غير الله هو الذي ينفع ويضر، فهذا هو الشرك، وأما إذا وقع في باله أن هذا علامة خير أو علامة شر، فهذا لا يكون شركاً أكبر.
стр. 3048
تعظيم ضرب الإماء
قوله: [(قلت: لي كانت جارية ترعى غنيمات قبل أحد والجوانية، إذ اطلعت عليها اطلاعة فإذا الذئب قد ذهب بشاة منها، وأنا من بني آدم آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فعظم ذلك علي رسول الله ﷺ ، فقلت: أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها)].
يعني: أن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ سأل رسول الله ﷺ عدة أسئلة كانت من أمور الجاهلية، ومن الأمور التي كانوا يعتادونها في الجاهلية الكهانة والخطوط في الأرض والتطير، ثم سأله عن أمر يخصه وحادثة حدثت له، وهي: أن جارية له كانت ترعى غنماً له في أحد والجوانية، فتفقد حالها في وقت من الأوقات، وإذا بالذئب قد أخذ واحدة من الغنم، فصك تلك الجارية صكة، فعظم ذلك رسول الله ﷺ عليه، وبين ﷺ أن هذا أمر عظيم لا يسوغ ولا يجوز؛ لأنه حصل منه لها هذا الإيذاء الذي لا يصلح ولا يليق.
стр. 3049
حقيقة علو الله
قوله: [(أفلا أعتقها يا رسول الله؟ قال: ائتني بها، فجئته بها، فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها، فإنها مؤمنة)].
وهذا يدلنا على أن خير الخلق وسيد الخلق ﷺ سأل بأين الله؟ وأن ذلك سائغ وجائز، وأن الله تعالى في السماء.
والمقصود بالسماء العلو؛ لأن كل ما علا وارتفع فهو سماء، فلا يفهم من الحديث أن المقصود بالسماء، هي السماء المبنية، وأن الله تعالى تحويه السماوات، وأنه في داخل السماوات، لا، وإنما المقصود من ذلك العلو، ومن المعلوم أن كل ما علا وارتفع فهو علو، فبالنسبة لنا كل ما فوقنا هو سماء لنا، ومن المعلوم أن العرش فوقه علو، والله تعالى في العلو الذي فوق العرش، لا يحويه شيء من مخلوقاته ولا يحل في شيء من مخلوقاته، فهو مباين لمخلوقاته؛ لأن الله تعالى خلق الخلق وكان هو الموجود وحده، ولما خلقهم لم يحل فيهم ولم يحلوا فيه، بل هو مباين لهم وهم مباينون له، والله تعالى فوق العرش، وقد جاء القرآن الكريم بذلك: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] أي: في العلو، فالجارية قالت: في السماء، أي: في العلو، والله في العلو فوق الخلق مستو على عرشه فوق خلقه، عال على جميع خلقه .
إذاً: كل ما علا، فهو سماء، وما دون العرش مخلوق، والله تعالى لا يحل في شيء مخلوق، والله فوق العرش، وما فوق العرش هو الخلو والعدم، وليس فيه إلا الله .
قوله: [(قال: وأنا من بني آدم آسف كما يأسفون)].
يعني: هذا اعتذار منه لفعله الذي فعل، قال: إنني غضبت وإني أسفت، والأسف هو الغضب، قال : ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف:٥٥] يعني: أغضبونا، فحصل له غضب، وأنه بسبب ذلك صك الجارية هذه الصكة.
أما الكلام في الصلاة نسياناً فإنه لا يؤثر، وإنما الذي يؤثر إذا تكلم عامداً، يقول في النسيان: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
стр. 3050
تراجم رجال إسناد حديث: (صليت مع رسول الله فعطس رجل من القوم)
قوله: [حدثنا مسدد].
هو مسدد بن مسرهد البصري ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا يحيى].
هو يحيى بن سعيد القطان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ح وحدثنا عثمان بن أبي شيبة].
عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[حدثنا إسماعيل بن إبراهيم].
هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي المشهور بـ ابن علية ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[المعنى].
أي: أن الطريقين إنما اتفقا في المعنى وليس في الألفاظ.
[عن حجاج الصواف].
حجاج الصواف ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثني يحيى بن أبي كثير].
هو يحيى بن أبي كثير اليمامي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن هلال بن أبي ميمونة].
هلال بن أبي ميمونة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عطاء بن يسار].
عطاء بن يسار ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن معاوية بن الحكم السلمي].
معاوية بن الحكم السلمي ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم وأبو داود والنسائي.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁.
стр. 3051
شرح حديث: (إذا عطست فاحمد الله، وإذا عطس العاطس فحمد الله فقل: يرحمك الله)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن يونس النسائي حدثنا عبد الملك بن عمرو حدثنا فليح عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: (لما قدمت على رسول الله ﷺ علمت أموراً من أمور الإسلام؛ فكان فيما علمت أن قال لي: إذا عطست فاحمد الله، وإذا عطس العاطس فحمد الله فقل: يرحمك الله, قال: فبينما أنا قائم مع رسول الله ﷺ في الصلاة إذ عطس رجل فحمد الله، فقلت: يرحمك الله.
رافعاً بها صوتي، فرماني الناس بأبصارهم حتى احتملني ذلك، فقلت: ما لكم تنظرون إلي بأعين شُزر؟ قال: فسبحوا، فلما قضى رسول ﷺ قال: من المتكلم؟ قيل: هذا الأعرابي، فدعاني رسول الله ﷺ فقال لي: إنما الصلاة لقراءة القرآن وذكر الله جل وعز، فإذا كنت فيها فليكن ذلك شأنك.
فما رأيت معلماً قط أرفق من رسول الله ﷺ ].
أورد أبو داود حديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁ من طريق أخرى، وفيه بعض ما في الذي قبله، وفيه زيادة: أنه قدم على رسول الله ﷺ وتعلم شيئاً من أمور الإسلام، وأن النبي ﷺ علمه أنه إذا عطس أن يحمد الله، وأنه إذا سمع العاطس يحمد الله أن يشمته، ويقول له: يرحمك الله، وبينما هو يصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم فحمد الله ذلك الرجل العاطس، فشمته معاوية بن الحكم ﵁، فنظر الناس إليه نظراً ساءه، فقال: ما لكم تنظرون إلي بأعين شزر؟! فسبحوا فسكت، فلما سلم رسول الله ﷺ قال: من المتكلم؟ قالوا: هذا الأعرابي، فأخبره أن الصلاة إنما هي للتسبيح وقراءة القرآن، وأن الإنسان إذا كان في الصلاة يكون هذا شأنه إما أن يكون قارئاً للقرآن، وإما أن يكون ذاكراً مسبحاً لا متكلماً في أمور الدنيا.
إذاًً: العاطس إذا عطس في غير الصلاة وحمد الله فإنه يشمت، وإذا لم يحمد الله فإنه لا يشمت، كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ .
وأما بالنسبة للصلاة فللعاطس أن يحمد الله سراً، ولكن من سمعه يحمد الله ليس له أن يشمته وهو في الصلاة؛ لأن حمد الله ذكر وثناء على الله، وهو سائغ في الصلاة، وأما قول: يرحمك الله -التشميت- فهو خطاب وكلام من المشمت للعاطس، والكلام والمخاطبة في الصلاة لا تسوغ ولا تجوز.
стр. 3052
بيان رفق النبي ﷺ بأصحابه
قوله: [(فما رأيت معلماً قط، أرفق من رسول الله ﷺ ].
أي: أن رسول الله ﷺ خاطبه بهذا الرفق وبهذا اللين، وقال له: إن الصلاة لا ينفع فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير وذكر الله ، وهذا يدلنا على أن الرفق في التعليم والرفق في التأديب والتوجيه فيه الخير وفيه البركة، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله رفيق يحب الرفق) وقوله: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه) وكان هذا سمت نبينا محمد ﷺ وهديه ومنهجه وطريقته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو خير الناس وأنصح الناس للناس، وهو أكمل الناس نصحاً وأكملهم بياناً وأفصحهم لساناً، وكان هذا شأنه مع أصحابه يعلمهم ويرفق بهم، ويجدون ثمرة هذا الرفق، فيقولون ما يقولون مثل هذه المقالة التي قالها معاوية بن الحكم السلمي ﵁: (فما رأيت معلماً أرفق من رسول الله ﷺ .
стр. 3053
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا عطست فاحمد الله وإذا عطس العاطس فحمد الله فقل: يرحمك الله)
قوله: [حدثنا محمد بن يونس النسائي].
محمد بن يونس النسائي ثقة، أخرج حديثه أبو داود وحده.
[حدثنا عبد الملك بن عمرو].
هو أبو عامر العقدي ذكره هنا باسمه، ويذكره أحياناً بكنيته، فأحياناً يقول: حدثنا أبو عامر العقدي، وأحياناً يقول: حدثنا عبد الملك بن عمرو.
ألا يظن الشخص الواحد شخصين، إذا ذكر باسمه مرة وذكر بكنيته مرة أخرى، فإن من لا علم له يظن أن عبد الملك بن عمرو هو غير أبي عامر العقدي، لكن من يكون على علم بذلك فإنه لا يلتبس عليه الأمر، سواء جاء ذكره بـ عبد الملك بن عمرو أو جاء ذكره بـ أبي عامر، فهو شخص واحد وليسا شخصين، وهو ثقة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا فليح].
هو فليح بن سليمان هو صدوق يخطئ كثيراً، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن هلال بن علي].
هلال بن علي وهو ابن أبي ميمونة الذي مر في الإسناد السابق، ذكر هنا منسوباً إلى أبيه باسمه، وفي الحديث السابق ذكر منسوباً إلى أبيه بكنيته، وهذا مثل ما أسلفت من فائدته ألا يظن الشخص الواحد شخصين، إذا ذكر منسوباً إلى أبيه مكنى أو ذكر منسوباً إلى أبيه مسمى، فإن من لا علم له يظن أن هذا شخص وهذا شخص، ولكن من كان عالماً لا يلتبس عليه الأمر، إن جاء هلال بن علي عرف أنه هلال بن أبي ميمونة، وإن جاء هلال بن أبي ميمونة عرف أنه هلال بن علي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عطاء بن يسار].
عطاء بن يسار وهو ثقة أيضاً، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن معاوية بن الحكم السلمي].
معاوية بن الحكم السلمي ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه البخاري في جزء القراءة، ومسلم وأبو داود والنسائي.
стр. 3054
ما جاء في التأمين وراء الإمام
стр. 3055
شرح حديث: (كان رسول الله إذا قرأ (ولا الضالين) قال: آمين، ورفع بها صوته)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التأمين وراء الإمام: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن سلمة عن حجر بن العنبس الحضرمي عن وائل بن حجر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا قرأ: ((وَلا الضَّالِّينَ)) [الفاتحة:٧] قال: آمين، ورفع بها صوته)].
أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة وهي: [التأمين وراء الإمام].
يعني: حكم تأمين المأموم وراء الإمام أنه يؤمن ويرفع صوته بالتأمين، كما أن الإمام يرفع صوته بالتأمين، وقد جاءت السنة عن رسول الله ﷺ بأن الإمام يؤمن، وكذلك المأموم جاء أنه يؤمن.
وجاء في هذا الحديث أن النبي ﷺ كان يرفع صوته بالتأمين، وليس فيه شيء يتعلق بالمأموم، مع أن الترجمة هي للتأمين وراء الإمام، ولكن وجه إيراده في هذه الترجمة: أن المأموم مطلوب منه أن يتابع الإمام، وأن يفعل مثل ما يفعل الإمام، ولا يخالفه إلا فيما استثني، مثل: سمع الله لمن حمده، فإنه لا يقولها المأموم وإنما يقولها الإمام وحده؛ لقوله ﷺ : (وإذا قال: سمع الله لمن حمده؛ فقولوا: ربنا ولك الحمد) لم يقل: فقولوا: سمع الله لمن حمده، فإن هذا مستثنى من متابعة الإمام، وقد قال ﵊: (صلوا كما رأيتموني أصلي).
إذاً: فالإمام يؤمن ويرفع صوته، والمأموم كذلك يؤمن ويرفع صوته؛ لقوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) ولا يستثنى من ذلك إلا ما جاء دليل يدل على اختصاصه بالإمام، والذي جاء هو سمع الله لمن حمده، فإنه يقولها الإمام ولا يقولها المأموم، والإمام يجمع بين التسميع والتحميد، والمأموم يحصل منه التحميد دون التسميع؛ لقوله ﷺ : (وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد).
إذاً: وجه الاستدلال بهذا الحديث على الترجمة: [التأمين وراء الإمام] أي: تأمين المأموم وراء الإمام مأخوذ من جهة أن النبي ﵊ قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) والإمام يقول: آمين ويرفع بها صوته، فكذلك المأموم يقول: آمين ويرفع بها صوته، استناداً إلى أن الإمام يقتدى به وأنه يتبع، وقد قال ﵊: (صلوا كما رأيتموني أصلي) وستأتي أحاديث عن النبي ﷺ فيها أمر المأمومين بأن يؤمنوا تبعاً للإمام، وأنه إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] فليقل المأموم: آمين، يعني: يؤمن وذلك لقوله ﷺ : (إذا أمن الإمام فأمنوا) ولكن هذا الحديث ليس فيه تنصيص على تأمين المأموم، ولكن وجه الاستدلال به على تأمين المأموم من جهة أن المأموم مأمور بأن يقتدي بالإمام ولا يخالفه إلا فيما استثني، ولم يستثن ذلك، بل جاء في السنة ما يدل على أمر المأموم بأن يؤمن إذا أمن الإمام.
أورد أبو داود حديث وائل بن حجر ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا قرأ: ((وَلا الضَّالِّينَ)) قال: آمين ورفع بها صوته).
قوله: [(كان رسول الله ﷺ ] (كان) تدل على الدوام والاستمرار، يعني: هذا شأنه دائماً، ولكن قد تأتي (كان) أحياناً ولا يراد بها الاستمرار، ولكن يراد بها المرة الواحدة، ومن ذلك حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها قالت: (كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت) فإن قولها: (ولحله قبل أن يطوف بالبيت) إنما حصل مرة واحدة في حجة الوداع.
على أن (كان).
стр. 3056
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله إذا قرأ (ولا الضالين) قال: آمين، ورفع بها صوته)
قوله: [حدثنا محمد بن كثير].
هو محمد بن كثير العبدي، وهو ثقة، من كبار شيوخ البخاري، وقد أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو يروي عن سفيان الثوري.
[أخبرنا سفيان].
هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ثقة فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وسفيان الثوري من المتقدمين في الوفاة، توفي سنة (١٦١هـ) ومحمد بن كثير العبدي الراوي عنه توفي بعد سنة (٢٢٠هـ) ولكنه عُمِّر تسعين سنة؛ ولهذا أدرك المتقدمين.
[عن سلمة].
هو سلمة بن كهيل ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حجر بن العنبس الحضرمي].
حجر بن العنبس الحضرمي وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، وأبو داود والترمذي.
في بعض النسخ ذكر: أبي العنبس وهو ابن العنبس وليس كذلك، وكنيته أبو السكن، و (أبي) مصحفة عن (ابن)؛ لأن (أبي) رسمها قريب من رسم (ابن) ولهذا قد يأتي التصحيف بين كلمة (ابن) و (أبي)، لكن لو كانت الكنية موافقة لاسم الأب، يكون كل ذلك صحيحاً، لكن الكنية هنا غير موافقة لاسم الأب، فهو تصحيف.
وقد جاء في بعض الروايات التي ستأتي ابن العنبس، وجاء في رواية سفيان الثوري أنه قال: ابن العنبس، وجاء في رواية شعبة عن أبي العنبس.
وجاء في رواية شعبة: (أنه خفض صوته بآمين) ولكن رواية سفيان الثوري مقدمة على رواية شعبة وذلك لأمور عديدة منها: أن سفيان أحفظ من شعبة وهو مقدم على شعبة في الحفظ، وكل من سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وكل منهما حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، ولكن أحدهما أحفظ من الآخر، وهو سفيان؛ فيكون مقدماً في الحفظ على شعبة.
وقد ذكر الحفاظ أن سفيان مقدم على شعبة، وقد قال شعبة: سفيان أحفظ مني.
وكانوا يعتمدون في التمييز بين الثقات أيهما أوثق من بعض، أو أيهما أحفظ من بعض، بعدِّ الأخطاء التي يخطئها هذا وهذا، فإذا عدوا أخطاء هذا وأخطاء هذا، وعرفوا أن هذا أقل أخطاء وأن هذا أكثر أخطاء، فإنهم يقدمون في الحفظ من يكون أقل خطأً.
وعلى هذا فرواية سفيان: (أنه جهر بآمين) مقدمة على رواية شعبة: (أنه خفض صوته بآمين) على أن شعبة جاء عنه في بعض الروايات ما يدل على الجهر بآمين، فصارت بعض رواياته موافقة لرواية سفيان الثوري.
[عن وائل بن حجر].
هو وائل بن حجر الحضرمي صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه البخاري في جزء القراءة، ومسلم وأصحاب السنن.
стр. 3057
شرح حديث: (أنه صلى خلف رسول الله فجهر بآمين)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مخلد بن خالد الشعيري حدثنا ابن نمير حدثنا علي بن صالح عن سلمة بن كهيل عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر ﵁: (أنه صلى خلف رسول الله ﷺ فجهر بآمين، وسلم عن يمينه وعن شماله حتى رأيت بياض خده)].
أورد أبو داود حديث وائل بن حجر ﵁ من طريق أخرى، وفيه: أنه قال: آمين وجهر بها عندما قرأ سورة الفاتحة.
وفيه: أنه سلم عن يمينه وشماله حتى رأى بياض خده ﷺ .
فهذا يدلنا على ما دل عليه الحديث الأول من التأمين من الإمام والجهر بآمين، وأن المأموم يتابعه في التأمين والجهر، ويدل أيضاً على أن التسليم تسليمتان: تسليمة عن اليمين وتسليمة عن الشمال.
стр. 3058
تراجم رجال إسناد حديث: (أنه صلى خلف رسول الله فجهر بآمين)
قوله: [حدثنا مخلد بن خالد الشعيري].
مخلد بن خالد الشعيري ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود.
[حدثنا ابن نمير].
هو عبد الله بن نمير وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا علي بن صالح].
هو علي بن صالح بن حي وهو ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.
[عن سلمة بن كهيل عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر].
وقد مر ذكر الثلاثة.
стр. 3059
شرح حديث: (كان رسول الله إذا تلا (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال: آمين حتى يسمع من يليه من الصف الأول)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا نصر بن علي أخبرنا صفوان بن عيسى عن بشر بن رافع عن أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة عن أبي هريرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا تلا: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] قال: آمين، حتى يسمع من يليه من الصف الأول)].
أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (كان النبي ﷺ إذا تلا: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧].
قال: آمين، حتى يسمع من يليه من الصف الأول).
وهذا يدل على أن الرسول ﷺ كان يقول: آمين ويجهر بها، وهو يدل على ما دل عليه الحديث الأول من الطريقين المتقدمين، ولكن هنا قصره على إسماع الصف الأول، والحديث في إسناده من هو متكلم فيه، والأصل أن الجهر بالتأمين من الإمام لا يقتصر على إسماع الصف الأول.
стр. 3060
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله إذا تلا (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال آمين حتى يسمع من يليه من الصف الأول)
قوله: [حدثنا نصر بن علي].
هو نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا صفوان بن عيسى].
صفوان بن عيسى ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن.
[عن بشر بن رافع].
بشر بن رافع ضعيف، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود والترمذي وابن ماجة.
[عن أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة].
أبو عبد الله ابن عم أبي هريرة مقبول، أخرج له أبو داود وابن ماجة.
[عن أبي هريرة].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ من أصحابه الكرام، بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
стр. 3061
شرح حديث: (إذا قال الإمام (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فقولوا آمين)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا القعنبي عن مالك عن سمي مولى أبي بكر عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا قال الإمام: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] فقولوا: آمين؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)].
أورد أبو داود حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا قال الإمام: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] فقولوا: آمين؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) فهذا يدلنا على أن المأموم يؤمن بعدما يقول الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] مثل ما جاء في التسميع والتحميد: (إذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد) يعني: بعد أن يقول: سمع الله لمن حمده، قولوا: ربنا ولك الحمد، وهذا بعد أن يقول: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] قولوا: آمين، ولا ينتظر حتى يقول الإمام: آمين، بل يقول: آمين بعدما يقول الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] فيكون تأمين الإمام والمأموم وكذلك الملائكة في وقت واحد، وأن من يحصل منه ذلك ويوافق قوله قول الملائكة، فإنه يجازى على ذلك بأن يغفر الله له ما تقدم من ذنبه.
والمقصود بالمغفرة فيما تقدم هو الصغائر، وأما الكبائر فلا بد فيها من التوبة؛ لأنها لا تكفر بفعل الطاعات وإنما تكفر بالتوبة منها، وقد جاء عن النبي ﷺ : (الجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن ما اجتنبت الكبائر)، ويقول سبحانه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١].
فإذاً: الذنوب التي تكفر بالأعمال الصالحة إنما هي الصغائر، وأما الكبائر فإن التوبة الخاصة هي التي تكفرها، أما إذا أصر على الكبيرة وحصل منه العمل الصالح، بأن قال: آمين وراء الإمام، فإنه لا تغفر له تلك الكبيرة التي هو مصر عليها، بل تغفر له إذا تاب منها، وأقلع عنها، وندم عليها، وحرص على ألا يعود عليها في المستقبل؛ لأن شروط التوبة ثلاثة: أن يقلع عن الذنب، بأن يتركه نهائياً، وأن يندم على ما قد مضى، وأن يعزم في المستقبل على ألا يعود إليه، والشرط الرابع: إذا كان الأمر يتعلق بحقوق الآدميين، سواء بأموالهم أو أعراضهم أو أبدانهم فعليه أن يطلب المسامحة ممن له عليه حق، أو يؤدي الحقوق إلى أهلها.
وعلى هذا فما جاء في هذا الحديث وأمثاله من مغفرة الذنوب بفعل الأعمال الصالحة، إنما يراد به مغفرة الصغائر، وأما الكبائر فإن تكفيرها إنما يكون بالتوبة والإقلاع منها، كما عرفنا ذلك.
стр. 3062
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا قال الإمام (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فقولوا آمين)
قوله: [حدثنا القعنبي].
هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[عن مالك].
هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة الإمام المشهور المحدث، أحد الأئمة الأربعة، وأحد أصحاب المذاهب المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن سمي مولى أبي بكر].
هو سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي صالح السمان].
أبو صالح السمان كنيته أبو صالح واسمه ذكوان ولقبه السمان، ويقال له: الزيات، لأنه كان يبيع الزيت والسمن، فقيل له: السمان وقيل له: الزيات، وكثيراً ما يأتي بكنيته أبي صالح، وأحياناً يأتي بكنيته واسمه فيقال: أبو صالح ذكوان، وأحياناً يأتي بكنيته ولقبه كما هنا حيث قال: أبو صالح السمان وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
وقد مر ذكره.
стр. 3063
شرح حديث: (إذا أمن الإمام فأمنوا)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن أنهما أخبراه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه).
قال ابن شهاب (وكان رسول الله ﷺ يقول: آمين)].
أورد أبو داود حديث أبي هريرة أن النبي ﵊ قال: (إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة؛ غفر له ما تقدم من ذنبه) وهذا لا يخالف الحديث السابق، الذي فيه: (إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] فقولوا: آمين، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة؛ غفر له ما تقدم من ذنبه) فليس معنى قوله: [(إذا أمن)] أي: إذا فرغ من التأمين فأمنوا، وإنما المقصود من ذلك أنه إذا وجد منه التأمين بعد: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] فالمأموم يقول عند قول الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]: آمين، والملائكة تقول عند قول الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧]: آمين، فتكون الأقوال متفقة من الإمام والمأموم والملائكة.
стр. 3064
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا أمن الإمام فأمنوا)
قوله: [حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب].
القعنبي ومالك مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.
وابن شهاب هو محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري، وهو مشهور بـ الزهري ومشهور بـ ابن شهاب، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد بن المسيب].
سعيد بن المسيب ثقة فقيه من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين باتفاق، وأما السابع منهم ففيه ثلاثة أقوال: قيل: هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الذي معنا في هذا الإسناد، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام الذي هو مولى سمي الذي مر ذكره، وهو مولاه من أعلى وسمي مولاه من أسفل، فهذا أحد فقهاء المدينة السبعة على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم، والقول الثالث: أنه سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأما الستة المتفق على عدهم في الفقهاء السبعة فهم: سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير بن العوام وخارجة بن زيد بن ثابت والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وسليمان بن يسار وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، هؤلاء الستة المتفق على عدهم من الفقهاء السبعة.
ومعنا في الإسناد واحد ممن هو معدود في الفقهاء السبعة اتفاقاً، وواحد ممن هو معدود فيهم على اختلاف في ذلك، وكل من سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن أخرج حديثهما أصحاب الكتب الستة، بل الفقهاء السبعة كلهم -المتفق عليهم والمختلف فيهم- أخرج لهم أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
أبو هريرة وقد مر ذكره.
стр. 3065
شرح حديث: (يا رسول الله لا تسبقني بآمين)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن راهويه أخبرنا وكيع عن سفيان عن عاصم عن أبي عثمان عن بلال ﵁ قال: (يا رسول الله! لا تسبقني بآمين)].
أورد أبو داود ﵀ حديث بلال بن رباح مؤذن رسول الله ﷺ أنه قال: (يا رسول الله! لا تسبقني بآمين) قيل: إن معنى ذلك أنه كان يقيم الصلاة وهو في مكان بعيد من الإمام، ثم يأتي بعد ذلك، فهو يريد من النبي ﷺ ألا يقول: آمين قبل أن يصل ويدخل في الصلاة ويقول: آمين، ولكن الحديث في ثبوته كلام من جهة أن أبا عثمان النهدي الذي يروي عن بلال، قيل: إنه لم يدرك بلالاً، وجاء في بعض طرقه أن أبا عثمان النهدي قال: إن بلالاً قال كذا وكذا، وعلى هذا فيكون من قبيل المرسل الذي يحكي فيه التابعي شيئاً في زمن النبوة لم يدركه، وقد روى الحديث موصولاً، وجاء من رواية أخرى مرسلاً، وعلى هذا يكون الحديث منقطعاً غير ثابت عن رسول الله ﷺ .
стр. 3066
تراجم رجال إسناد حديث: (يا رسول الله لا تسبقني بآمين)
قوله: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن راهويه].
هو إسحاق بن إبراهيم بن راهويه الحنظلي المروزي ثقة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[أخبرنا وكيع].
هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سفيان].
هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عاصم].
هو عاصم بن سليمان الأحول وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي عثمان].
هو أبو عثمان النهدي واسمه عبد الرحمن بن مل، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن بلال].
هو بلال بن رباح مؤذن رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 3067
وجه طلب بلال من الرسول عدم سبقه بآمين
إذا كان بلال يقرأ بفاتحة الكتاب في السكتة الأولى التي بين التكبير والقراءة فلا يستقيم أن يوجه طلبه على هذا؛ لأنه إذا كان بدأ قبل أن يبدأ الإمام؛ فمعنى هذا أنه إذا واصل فإنه سينتهي هو من قراءة الفاتحة قبل أن يقول الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] فالأمر غير واضح، ولكن يمكن أن يكون معناه هو ما أشرت إليه آنفاً: أنه لم يكن وراء النبي ﷺ ثم أتى بعد ذلك، ويمكن أنه كان يشتغل بتسوية الصفوف، فيحصل من الرسول ﷺ الفراغ من الفاتحة قبل أن يصل، فقال ما قال، لكن الحديث كما هو معلوم غير ثابت من جهة كونه إما مرسلاً، أو منقطعاً بين أبي عثمان النهدي وبين بلال.
стр. 3068
شرح حديث: (أوجب إن ختم، فقال رجل من القوم: بأي شيء يختم؟ قال: بآمين)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الوليد بن عتبة الدمشقي ومحمود بن خالد قالا: حدثنا الفريابي عن صبيح بن محرز الحمصي حدثني أبو مصبح المقرائي قال: (كنا نجلس إلى أبي زهير النميري وكان من الصحابة، فيتحدث أحسن الحديث، فإذا دعا الرجل منا بدعاء قال: اختمه بآمين، فإن آمين مثل الطابع على الصحيفة، قال أبو زهير: أخبركم عن ذلك؟ خرجنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة فأتينا على رجل قد ألح في المسألة، فوقف النبي ﷺ يستمع منه، فقال النبي ﷺ : أوجب إن ختم، فقال رجل من القوم: بأي شيء يختم؟ قال: بآمين، فإنه إن ختم بآمين فقد أوجب، فانصرف الرجل الذي سأل النبي ﷺ فأتى الرجل فقال: اختم يا فلان بآمين وأبشر) وهذا لفظ محمود.
قال أبو داود: المقراء قبيلة من حمير].
أورد أبو داود حديث أبي زهير النميري عن أبي مصبح المقرائي قال: (كنا نجلس إلى أبي زهير النميري وكان من الصحابة، فيتحدث أحسن الحديث، فإذا دعا الرجل منا بدعاء قال: اختمه بآمين، فإن آمين مثل الطابع على الصحيفة، ثم قال: ألا أخبركم عن ذلك؟ خرجنا مع النبي ﷺ ذات ليلة فأتينا على رجل قد ألح في المسألة، فوقف النبي ﷺ يستمع منه، فقال النبي ﷺ : أوجب إن ختم، فقال رجل من القوم: بأي شيء يختم؟ قال: بآمين) يعني: أنه إذا جمع بين الدعاء والتأمين يكون قد حصلت له الجنة، أو استحق أن تحصل له الجنة، فذهب رجل ممن سمع رسول الله ﷺ إلى ذلك الرجل وقال له: (اختم بآمين وأبشر).
وهذا الحديث يدل على أن الدعاء إذا حصل من الداعي أنه يؤمن في دعائه بعدما يدعو.
وآمين معناها: اللهم استجب.
لكن هذا الحديث غير ثابت عن رسول الله ﷺ ، ومن المعلوم أن كثيراً من الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ تأتي ولا يروى في آخرها أنه قال: آمين، فكون الإنسان يرى أو يلتزم بها، وأنه لا يقول دعاء إلا ويختمه بآمين، ليس هناك ما يدل عليه.
وعلى هذا فإن آمين معناها: اللهم استجب، فإذا دعا المرء وقال: آمين في بعض الأحيان دون أن يلتزمها، ودون أن يعتقد أن هذه سنة ثابتة عن رسول ﷺ ، فلا بأس بذلك، لكن أن يقال: إنها سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ هذا هو المشكل.
стр. 3069
تراجم رجال إسناد حديث: (أوجب إن ختم، فقال رجل من القوم: بأي شيء يختم؟ قال: بآمين)
قوله: [حدثنا الوليد بن عتبة الدمشقي].
الوليد بن عتبة الدمشقي ثقة، أخرج له أبو داود.
[ومحمود بن خالد].
هو محمود بن خالد الدمشقي وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة.
[حدثنا الفريابي].
هو محمد بن يوسف الفريابي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن صبيح بن محرز الحمصي].
صبيح بن محرز الحمصي مقبول، أخرج له أبو داود.
قال الحافظ: اختلف هل هو مفتوح أوله أو مصغر؟ وعلى كل فإنه ممكن أن يقال: صَبيح وصُبيح.
[حدثني أبو مصبح المقرائي].
أبو مصبح المقرائي ثقة، أخرج له أبو داود.
[كنا نجلس إلى أبي زهير النميري].
أبو زهير النميري صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أبو داود.
[قال أبو داود: المقراء، قبيلة من حمير].
يريد بذلك: أن أبا مصبح المقرائي ينسب إلى قبيلة من حمير، نسبة نسب وليست نسبة بلد.
стр. 3070
شرح سنن أبي داود [١١٩]
الخشوع روح الصلاة ولبها، ولذلك نهي عن الحركات فيها لأنها تذهب الخشوع، إلا أنه قد رخص في التصفيق للنساء عند تنبيه الإمام، ورخص في الإشارة عند الحاجة.
стр. 3071
التصفيق في الصلاة
стр. 3072
شرح حديث أبي هريرة في التصفيق في الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التصفيق في الصلاة.
حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء)].
أورد أبو داود هذه الترجمة وهي: التصفيق في الصلاة.
أي أن هذا الحكم الذي هو التصفيق في الصلاة إنما هو سائغ في حق النساء وليس في حق الرجال، فإذا حصل للإمام شيء يحتاج إلى أن ينبه عليه؛ فإنه يسبح الرجل وتصفق المرأة، فالتسبيح للرجال والتصفيق للنساء، ولا يكون العكس، فالرجال لا يصفقون والنساء لا تسبح في الصلاة عند تنبيه الإمام على أمر قد حصل منه، فشأن التصفيق أن يكون للنساء لا للرجال.
والتصفيق هو أن تضرب المرأة ببطن كفها أو بإصبعين من كفها اليمنى على ظهر الأخرى، ومعناه أنه لا يكون التصفيق باليدين متقابلتين؛ لأن تصفيق بطن اليد على اليد يكون فيه زيادة صوت وزيادة إزعاج، فإنما يكون بتصفيق خفيف، بحيث يكون بطن واحدة على ظهر الأخرى أو العكس، حتى يكون أخف فيحصل به المقصود دون أن يكون هناك صوت مرتفع للتصفيق، كما يحصل فيما إذا كانت بطن اليد اليمنى على بطن اليد اليسرى.
стр. 3073
ذكر بعض الأحكام التي تختلف فيها النساء عن الرجال
جاءت السنة عن رسول الله ﷺ في التفريق بين الرجال والنساء في التصفيق والتسبيح، والأصل أن الأحكام يتساوى فيها الرجال والنساء، ولا يختلف الرجال والنساء في الأحكام إلا إذا حاء نص يدل على التفريق كهذا الحديث الذي معنا، وإلا فإن الأصل أنه لا فرق بين الرجال والنساء في الأحكام.
والأمثلة كثيرة على هذا، منها أمور خمسة جاء النص على أن النساء على النصف من الرجال فيها: فهن في الميراث على النصف، لقوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١].
وكذلك الشهادة، لقوله : ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة:٢٨٢].
وكذلك الدية، فدية المرأة على النصف من دية الرجل.
وكذلك العتق، لأن الرجل إذا أعتق عبداً كان فكاكه من النار، فإذا أعتق جاريتين كانتا فكاكه من النار.
والخامسة العقيقة، فإن الغلام يعق عنه بشاتين والجارية يعق عنها بشاة واحدة، هذه من الأمور التي جاءت الشريعة فيها التفريق بين النساء والرجال، وجعلت المرأة على النصف من الرجل فيها.
وأما الأحكام الأخرى التي يختلف فيها الرجال عن النساء فأمثلتها كثيرة، ومنها هذا المثال الذي معنا، وهو التسبيح والتصفيق في الصلاة، فإن المرأة تصفق والرجل يسبح، ومن ذلك الغسل من بول الجارية والرش من بول الغلام، ومن ذلك كون الإمام إذا صلى على جنازة المرأة فإنه يقف عند وسطها، وعند رأس الرجل، يعني: هناك مواضع عديدة جاءت السنة فيها بالتفريق بين الرجال والنساء في الأحكام، وعلى هذا فإن الأصل كما قلت هو التساوي بين الرجال والنساء في الأحكام، إلا إذا وجدت نصوص تفرق، فإنه يصار إلى ذلك التفريق.
стр. 3074
تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في التصفيق في الصلاة
قوله: [حدثنا قتيبة بن سعيد].
هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سفيان].
هو سفيان بن عيينة المكي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، إذا جاء شخص غير منسوب بأن ذكر اسمه ولم يذكر نسبه يقال له: مهمل، وإذا جاء قتيبة يروي عن سفيان، فالمراد به ابن عيينة، وإذا جاء سفيان يروي عن الزهري، فالمراد به ابن عيينة، وهنا يروي سفيان عن الزهري، إذاً المراد به سفيان بن عيينة المكي، وليس سفيان الثوري الذي مر ذكره في الأحاديث السابقة، وابن عيينة متأخر عن الثوري في الوفاة، وإن كان متقدماً، لأنه يروي عن الزهري والزهري من التابعين، وكانت وفاته سنة مائة وأربع وعشرين أو مائة وخمس وعشرين، وابن عيينة توفي سنة مائة وثمان وتسعين، أو قريباً من ذلك، فقد طال عمره وأدرك الزهري وأكثر من الرواية عنه.
[عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة].
قد مر ذكر هؤلاء الثلاثة قريباً.
стр. 3075
شرح حديثي سهل بن سعد في التصفيق في الصلاة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا القعنبي عن مالك عن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد: (أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم وحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر ﵁ فقال: أتصلي بالناس فأقيم؟ قال: نعم، فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة، فلما أكثر الناس التصفيق التفت، فرأى رسول الله ﷺ فأشار إليه رسول الله ﷺ أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم رسول الله ﷺ ، فلما انصرف قال: يا أبا بكر! ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ قال أبو بكر: ما كان لـ ابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : ما لي رأيتكم أكثرتم من التصفيح؟ من نابه شيء في صلاته فليسبح، فإنه إذا سبح التفت إليه، وإنما التصفيح للنساء) قال أبو داود: وهذا في الفريضة.
حدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا حماد بن زيد عن أبي حازم عن سهل بن سعد أنه قال: (كان قتال بين بني عمرو بن عوف، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاهم ليصلح بينهم بعد الظهر، فقال لـ بلال: إن حضرت صلاة العصر ولم آتك فمر أبا بكر فليصل بالناس، فلما حضرت العصر أذن بلال ثم أقام ثم أمر أبا بكر فتقدم، قال في آخره: إذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال وليصفح النساء)] جاء في الترجمة: باب التصفيق في الصلاة، وتقدم في الحديث عن رسول الله ﷺ : (التسبيح للرجال والتصفيق للنساء)، وأورد أبو داود ﵀ هنا حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه من طريقين، وهو يدل على ما ترجم له المصنف؛ لأنه جاء في آخره: (من نابه شيء في صلاته فليسبح الرجل ولتصفق المرأة).
وفيه أنه إذا حصل التسبيح التفت إليه، فدل هذا على أنه عند حصول أمر يستدعي تنبيه الإمام على شيء أنه يسبح له بالنسبة للرجال وتصفق النساء، وأن هذا من الأحكام التي يختلف فيها الرجال والنساء، حيث إن الرجال يسبحون في الصلاة والنساء تصفق، ولا يحصل العكس، بأن تسبح المرأة ويصفق الرجل، وإنما الأمر كما جاءت به السنة عن رسول الله ﷺ ، التسبيح للرجال والتصفيق للنساء.
وأشرت في الحديث السابق إلى أن هذه من المسائل التي يختلف فيها الرجال والنساء، وقلت: إن الأصل في الأحكام التساوي بين الرجال والنساء، فالأحكام الثابتة للرجال تثبت للنساء، والأحكام الثابتة للنساء تثبت للرجال، إلا ما يكون من خصائص النساء ولا يكون للرجال به علاقة، وأنه قد جاءت نصوص تميز بين الرجال والنساء في الأحكام، ومنها هذا الموضع الذي معنا، فإنه جاءت السنة أن النساء تصفق وأن الرجال يسبحون، وهناك مسائل كثيرة هي من هذا القبيل وقد أشرت إلى جملة منها في الفوائد المنتقاة من فتح الباري وكتب أخرى، حيث ذكرت هذه الفائدة، وذكرت ثماني عشرة مسألة كلها من المسائل التي يختلف فيها الحكم بين الرجال والنساء.
ورقم الفائدة في الفوائد المنتقاة: (٤٨٣).
стр. 3076
فضل الصلح بين المسلمين
واشتمل حديث سهل بن سعد ﵁ على عدة أحكام وعلى عدة فوائد، منها: أن النبي ﷺ لما بلغه أن بني عمرو بن عوف حصل بينهم خلاف وحصل بينهم تضارب واقتتال ذهب ليصلح بينهم، وهذا يدلنا على أهمية الصلح بين المسلمين، وذلك في العمل على ما يزيل الخلاف، ويحصل معه الوئام.
وأيضاً يدل على أن الكبير ينبغي له أن يتولى ذلك بنفسه؛ وذلك لما يترتب عليه من قبول وساطته وصلحه بينهم، وذلك أن النبي ﷺ لم ينب أحداً في ذلك، وإنما ذهب بنفسه ﷺ .
стр. 3077
استنابة إمام المسجد من يصلي بالناس عند غيابه في أول الوقت
وفي هذا الحديث أيضاً أن النبي ﷺ قال لـ بلال: (إذا حضرت الصلاة ولم آتك فمر أبا بكر فليصل بالناس) وهذا يدلنا على أن على إمام المسجد إذا أراد أن يتخلف أو حصل له شيء يشغله عن المجيء يجعل من ينوب عنه في ذلك.
وفيه أيضاً دليل على الإتيان بالصلاة في أول وقتها، وذلك أن بلالاً أذن وأقام في أول الوقت، ولم ينتظر رسول الله ﷺ ، وهذا يدلنا على فضيلة الصلاة في أول وقتها، وعلى أنه ينبغي المبادرة إلى الصلاة في أول وقتها، وقد جاء في الرواية الأولى، أن بلالاً استأذن أبا بكر ليقيم الصلاة، وفي الرواية الثانية أن النبي ﷺ أمره إذا حان وقت الصلاة أن يقدم أبا بكر، ولا تنافي بين ذلك، لأن الرواية الثانية فيها أن ذلك الإذن حصل من رسول الله ﷺ ، وأن بلالاً لما حان وقت الصلاة جاء إلى أبي بكر ليستأذنه في الإقامة، لا من أجل أنه يستأذنه هل يصلي أو لا يصلي، لأنه قد أمر بلالاً أن يأمر أبا بكر أن يصلي بالناس، وهذا يدلنا على أن الإقامة حق للإمام، وليست للمؤذن، وأن الإمام هو الذي يأذن بذلك.
стр. 3078
جواز أن يكون في الصلاة إمامان
في هذا الحديث جاء رسول الله ﷺ وقد دخل الناس في الصلاة وكانوا في أولها، فتخلص حتى وقف في الصف الأول، ودخل في الصلاة مأموماً خلف أبي بكر ﵁، فجعل الناس يصفقون لما رأوا رسول الله ﷺ ، فـ أبو بكر ﵁ كان لا يلتفت، ولكنه لما رأى كثرة التصفيق التفت فرأى رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﵊ قد دخل في الصلاة، فأشار إليه أن امكث مكانك، إشارة بدون كلام، فرفع أبو بكر ﵁ يديه إلى السماء، وحمد الله على ذلك، يعني كون النبي ﷺ أقره وأمره أن يبقى، ولكنه فهم أن هذا الأمر ليس للإيجاب ولا للإلزام، ولم ير من المصلحة أن يكون إماماً للرسول ﵊، فتأخر ومشى القهقرى حتى صار في الصف، ثم تقدم رسول الله ﷺ ، وصار هو الإمام، وهذا إنما كان في الركعة الأولى، وهو يدلنا على أمور، منها: أنه يمكن أن يكون في الصلاة إمامان، إمام في الأول يدخل في الصلاة، ثم يكون إمام بعد ذلك، كما حصل من رسول الله ﷺ حيث كان إماماً بعد إمامة أبي بكر ودخوله في الصلاة، فصار فيها إمامان: أبو بكر دخل في الصلاة حتى مضى شيء من الركعة الأولى، ورسول الله ﷺ تقدم وصلى بالناس أكثر الصلاة، فما حصل لـ أبي بكر إلا جزء يسير من أول الركعة الأولى، والباقي إنما هو لرسول الله ﷺ .
стр. 3079
تغيير الإمام يكون في الركعة الأولى
وما جاء في هذا الحديث من كون النائب يدخل في الصلاة، فيدخل الإمام الأصلي بعد دخول ذلك النائب، فهذا فيما إذا كان في الركعة الأولى، أما بعد ذلك فإن الأولى أن يستمر النائب في الصلاة، وألا يدخل الإمام الأصلي في الصلاة وقد مضى بعض ركعاتها، وذلك كما ثبت أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه، كان في سفر مع رسول الله ﷺ في غزوة من الغزوات؛ والرسول ﷺ تأخر هو والمغيرة بن شعبة، وجاء وقت صلاة الصبح، فتقدم عبد الرحمن بن عوف وصلى بالناس، ثم جاء رسول الله ﷺ وقد مضى ركعة، فدخل رسول الله ﷺ في الصف وصلى بصلاة عبد الرحمن بن عوف، ولما سلم عبد الرحمن بن عوف من الصلاة، قام رسول الله ﷺ يقضي الركعة التي فاتته، هو والمغيرة بن شعبة.
وهذان الحديثان يدلان على التفريق بين هذين الأمرين في كون الإمام يدخل في الصلاة ويكون إماماً، وفي كونه يترك النائب الذي ناب عنه يتم الصلاة، ويقضي الإمام الأصلي ما فاته بعد سلام ذلك الإمام النائب.
وفي هذا أيضاً دليل على أنه يمكن للإنسان في صلاته أن يتقدم ويتأخر لمصلحة؛ لأن النبي ﷺ تقدم من الصف الأول إلى المكان الذي يصلي فيه الإمام، وأبو بكر تأخر من المكان الذي يصلي فيه الإمام إلى الصف الأول، فيجوز السير خطوات يسيرة لمصلحة كما حصل من رسول الله ﵊، ومن أبي بكر ﵁، حيث رجع القهقرى وهو مستقبل القبلة.
стр. 3080
جواز رفع المصلي يديه شكراً لله
في هذا الحديث أيضاً أن المصلي له أن يرفع يديه عند تجدد نعمة وهو في الصلاة ويحمد الله على ذلك؛ لأن أبا بكر ﵁ عندما أمر النبي ﷺ بأن يثبت مكانه؛ رفع يديه وقال: الحمد لله، أي: على أن النبي ﷺ أقره، وأراد منه أن يبقى وأن يستمر في صلاته.
стр. 3081
جواز الإشارة في الصلاة للحاجة
في هذا الحديث دليل على أن الإشارة في الصلاة للحاجة والمصلحة لا بأس بها؛ لأن النبي ﷺ أشار إليه أن اثبت مكانك، فسميت هذه الإشارة أمراً، مع أن الرسول ﷺ لم يتكلم.
وفيه أدب أبي بكر ﵁ مع رسول الله ﵊، حيث لم يستمر ولم يصل بالناس ورسول الله ﷺ وراءه، بل تأخر، وهذا كما عرفنا إنما كان في أول الصلاة وليس في وسطها، وأما عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه فقد كان في وسطها.
стр. 3082
اعتبار الإشارة في الخطاب
لما صلى رسول الله ﵊ بالناس وفرغ من صلاته قال لـ أبي بكر: (ما منعك أن تثبت في مكانك إذ أمرتك) هذا أمر بالإشارة وليس بالكلام، فهو يفيد بأن إشارة المصلي في صلاته معتبرة، وأنها تقوم مقام القول، ومثل ذلك الأخرس الذي لا يستطيع أن يتكلم، فإن إشارته المفهمة الدالة على مقصوده تكون معتبرة، فتقوم مقام الكلام، وكذلك من لا يحل له الكلام كمن يكون في صلاة، فإن الإشارة تقوم مقام الكلام.
وفيه دليل على أن الإنسان إذا احتاج إلى الالتفات لأمر لا بد منه، فإن له أن يلتفت بلي عنقه دون أن ينصرف عن القبلة.
قوله: (ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ قال: ما كان لـ ابن أبي قحافة)، معناه أنه فهم أنه ليس هناك أحد أن يتقدم على الرسول ﷺ ، وأن الأمر ليس لازماً.
ولما فرغ أبو بكر من الكلام وقال: (ما كان لـ أبي بكر)، سكت رسول الله ﷺ ولم ينكر عليه، ولم يقل كان لازماً عليك أن تفعل كذا وكذا، فدل هذا على أن فعل أبي بكر حسن، وأن هذا هو اللائق بمقام رسول الله ﷺ ، حيث كان أبو بكر في أول الصلاة.
قوله: (ما لي أراكم أكثرتم من التصفيح)، هو بالحاء، وهو بمعنى التصفيق؛ لأن التصفيق والتفصيح بمعنى واحد، فهو يأتي بالحاء ويأتي بالقاف، ومنهم من فرق بينهما بأن التصفيق هو ما يكون بضرب باطن اليد ببطن اليد، والتصفيح ما كان ببطن اليد على ظهر الأخرى، ولكن قد جاء في الحديث الذي مر ذكر التصفيق، فدل هذا على أن التصفيق والتصفيح بمعنى واحد.
قوله: (من نابه شيء في صلاته فليسبح) معناه أن المشروع بدل التصفيق أن يكون هناك التسبيح، ويكون هذا في حق الرجال، وأما النساء، فهن صاحبات التصفيح أو التصفيق.
стр. 3083
صفة الالتفات داخل الصلاة
قوله: (فإنه إذا سبح) أي المأموم وراء الإمام، (التفت إليه) يمكن أن يكون المقصود من ذلك حيث لا يكون هناك بد من الالتفات، وأما إن كان الأمر يفهم بدون التفات كما يحصل في السهو، وما إلى ذلك، فإنه لا يحتاج إلى التفات.
ويمكن أن يكون الالتفات على معنى أعم، وهو أن يكون التفات بالعنق، حيث يحتاج الأمر إلى ذلك، وقد يكون المقصود به كونه ينتبه إلى تسبيحه، بمعنى أنه كان تنبيهاً على أمر من الأمور، حيث لا يحتاج إلى الالتفات بالعنق، فلا يلتفت بالعنق، وليس معناه أنه كلما حصل تسبيح التفت، وإنما يلتفت إذا كان الأمر يقتضي الالتفات كما حصل من أبي بكر ﵁.
(وقد كان لا يلتفت في صلاته) ولكن حيث يحتاج إلى الالتفات يلتفت وإذا لم يحتج إلى الالتفات فإنه يدخل في المعنى الأعم، فيكون معناه انتبه إلى التسبيح وفهم المقصود منه، أو غير ذلك.
(قال أبو داود: وهذا في الفريضة)، يعني: الأمر واضح أنه في الفريضة، لأنه جاء في الحديث أنه استأذن أبا بكر أن يقيم وهو في الفريضة، وقول أبي داود ﵀: وهذا في الفريضة معناه: فالنافلة من باب أولى أن يسوغ فيها ما ساغ في الفريضة.
стр. 3084
تراجم رجال إسناد حديثي سهل في التصفيق في الصلاة
قوله: [حدثنا القعنبي].
هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[عن مالك].
هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة الإمام المشهور، وهو أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي حازم بن دينار].
هو سلمة بن دينار وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سهل بن سعد الساعدي] سهل بن سعد ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وسهل بن سعد الساعدي هذا كنيته: أبو العباس، وقد قيل: إنه ليس في الصحابة من يكنى بأبي العباس سوى اثنين: وهما سهل بن سعد الساعدي، وعبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ .
وهذا الإسناد من الرباعيات عند أبي داود؛ لأن القعنبي يروي عن مالك، ومالك يروي عن أبي حازم بن دينار وأبو حازم بن دينار يروي عن سهل بن سعد الساعدي، فبين أبي داود وبين رسول الله ﷺ أربعة أشخاص، فهذا أعلى ما يكون عند أبي داود من الأسانيد؛ لأنه ليس عنده شيء من الثلاثيات، ليس عنده حديث بينه وبين رسول الله ﷺ فيه ثلاثة أشخاص، وإنما أعلى ما عنده الرباعيات، وأما البخاري فعنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً في صحيحه، بين البخاري وبين رسول الله ﷺ ثلاثة أشخاص، والترمذي عنده حديث واحد ثلاثي، وابن ماجة عنده خمسة أحاديث ثلاثية، كلها بإسناد واحد، وذلك الإسناد ضعيف لا تقوم به حجة، أما مسلم وأبو داود والنسائي فهؤلاء الثلاثة فأعلى ما عندهم الرباعيات، وليس عندهم شيء من الثلاثيات.
قوله: [حدثنا عمرو بن عون].
عمرو بن عون ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا حماد بن زيد].
هو حماد بن زيد بن درهم البصري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي حازم عن سهل بن سعد].
وقد مر ذكرهما، وهذا مثل الذي قبله أيضاً رباعي.
وهذا الإسناد الثاني رجاله كلهم خرج لهم أصحاب الكتب الستة، بخلاف الإسناد الأول، فإن القعنبي لم يخرج له ابن ماجة.
وبنو عمرو بن عوف هم جماعة كبيرة من الأوس وهم سكان قباء، وهم الذين نزل فيهم الرسول ﷺ أياماً لما قدم من مكة مهاجراً إلى المدينة، وبنى مسجد قباء وصلى فيه، ثم انتقل من قباء إلى مكان مسجده هذا ﷺ فبناه.
ولا أعلم أحداً شارك عبد الرحمن بن عوف في كونه كان إماماً للرسول ﷺ في شيء من الصلاة، ولهذا لما جاء أبو نعيم في معرفة الصحابة إلى ترجمة عبد الرحمن بن عوف عبر بعبارة فقال: إمام المصطفى ﷺ ، يعني هو الذي صلى به إماماً ركعة واحدة من صلاة الصبح.
стр. 3085
أثر عيسى بن أيوب في وصف التصفيق
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمود بن خالد حدثنا الوليد عن عيسى بن أيوب قال: قوله: (التصفيح للنساء) تضرب بإصبعين من يمينها على كفها اليسرى].
أورد أبو داود بعد ذكر الحديثين أثراً عن عيسى بن أيوب يصف التصفيق في حق النساء، وأنها تضرب بإصبعين من يمينها على الكف الأخرى، ولعل ذلك من أجل ألا يحصل قوة التصفيق، كما لو ضربت بالكف على الكف، والمقصود من ذلك أن يحصل التنبيه، وإذا حصل التنبيه بأمر أخف فإن ذلك يكون كافياً ويكون مغنياً عما هو أكبر منه.
وهذا يسمونه في علم المصطلح المقطوع، وهو أن ينتهي الإسناد إلى التابعي أو من دون التابعي، وهو غير المنقطع؛ لأن الانقطاع هو السقوط في الإسناد، فالمقطوع من صفات المتن، والمنقطع من صفات الإسناد، أما الذي ينتهي إلى الصحابي فيقال له: موقوف، والذي ينتهي إلى رسول الله ﷺ يقال له: مرفوع، فهذا الأثر الذي معنا يقال له: مقطوع، لأنه ينتهي إلى عيسى بن أيوب وهو الذي وصف هذا التصفيق أو التصفيح الذي يكون للنساء.
следующие страницы →