← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

شرح حديث: (إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب سؤر الهرة. حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة عن كبشة بنت كعب بن مالك -وكانت تحت ابن أبي قتادة -: أن أبا قتادة ﵁ دخل فسكبت له وضوءاً فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت. قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلت: نعم. فقال: إن رسول الله ﷺ قال: (إنها ليست بنجس؛ إنها من الطوافين عليكم والطوافات)]. أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمة الله عليه: باب سؤر الهرة. أي: أنه طاهر وأنه يجوز استعماله سواء كان ماء أو غير ماء، وقد أورد أبو داود ﵀ حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه: أن هرة جاءت وهو يريد أن يتوضأ فشربت من الماء الذي يريد الوضوء منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت، وكانت زوجة ابنه التي وضعت له ماء الوضوء تنظر إليه مستغربة ومتعجبة من كونه فعل ذلك مع هذه الهرة، ثم توضأ بسؤرها وبفضل الماء الذي بقي بعد شربها، فلما رآها تنظر إليه نظر المستغرب والمتعجب قال: لا تعجبين يا ابنة أخي! فلقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنها ليست بنجس-أي: الهرة- إنها من الطوافين عليكم والطوافات) فهذا الحديث يدل على طهارة سؤر الهرة، وأنها ليست نجسة، وأنه يجوز استعمال ما يبقى منها سواء كان مشروباً أو مأكولاً. وقوله ﵊: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات) فسر بأنها مثل الخدم الذين يترددون عليكم وهم دائماً معكم، أو أن المقصود بذلك: أنها من الطوافين عليكم والطوافات الذين يريدون ما يفيدهم وينفعهم، ففي هذا إشارة إلى الإحسان إلى هذه الحيوانات وإطعامها وإسقائها، ففسر قوله ﷺ : (إنها من الطوافين عليكم والطوافات) بهذا وبهذا، وكل محتمل، وكل صالح ومناسب. قوله: [عن كبشة بنت كعب بن مالك وكانت تحت ابن أبي قتادة أن أبا قتادة ﵁ دخل فسكبت له وضوءاً]. كبشة بنت كعب بن مالك كانت عند ابن أبي قتادة فدخل أبو قتادة عليها فسكبت له وضوءاً -يعني: فهيأت له وضوءاً وصبت وأفرغت ماءً من وعاء كبير في وعاء على قدر ما يتوضأ به، فعندما أراد أن يستعمل هذا الماء شربت منه هرة فأصغى الإناء لها يعني: أراد بذلك تمكينها من الشرب وعدم إخافتها والإحسان إليها. قوله: [فسكبت له وضوءاً فجاءت هرة فشربت منه]. فسكبت له وَضوءاً بفتح الواو وهو الماء الذي يتوضأ به، وقد ذكرنا أن هذه الألفاظ التي على هذا الوزن وعلى هذه الصيغة تأتي بالفتح وبالضم، فبالفتح تكون اسماً للشيء الذي يستعمل كالوَضوء: الماء الذي يتوضأ به، السَحور: الطعام الذي يتسحر به، والوَجور: الشيء الذي يوضع في الفم ويقطر في الفم للعلاج، والسَعوط: الشيء الذي يوضع في الأنف يستسعط به وهكذا، والطُهور والوُضوء والسُحور والوُجور والسُعوط بالضم اسم للفعل الذي هو عملية التوضؤ أو السّحر وضع الدواء في الأنف أو وضعه في الفم وما إلى ذلك. قوله: [قالت كبشة: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلت: نعم]. قوله: (يا ابنة أخي) المقصود من هذا: الأخوة في الإسلام، وليست الأخوة من النسب؛ لأنها هي بنت كعب بن مالك وهو أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري رضي الله تعالى عنه، ولكن هذا من الألفاظ التي يستعملونها في الخطاب، حيث يقول الصغير للكبير: يا عم! أو يقول الكبير للصغير: يا بني! أو يا ابن أخي! وغير ذلك من الألفاظ التي فيها لطف وفيها أدب وليس هناك أخوة نسبية ولا عمومة في النسب ولا بنوة في النسب وإنما هو من الأخلاق والآداب واللطف والكلام الحسن، فهذا هو معنى قوله: (يا ابنة أخي!) وهذه كلمة كان العرب يستعملونها يعن مثلما جاء عن عمر ﵁ في قصة الغلام أنه قال: (يا ابن أخي! ارفع ثوبك). قوله: [فقال: إن رسول الله ﷺ قال: (إنها ليست بنجس)]. ثم بين أن هذا العمل الذي عمله إنما هو مستند إلى سنة عن رسول الله ﷺ ، وفيه بيان الأدلة التي يستدل بها على الأحكام؛ لأنه لما عمل هذا العمل وقد استغربته وتعجبت منه بين أن الرسول ﷺ قال: (إنها ليست بنجس؛ إنها من الطوافين عليكم والطوافات) فهي بحاجة إلى الإحسان لكثرة اختلاطها بأهل المنزل وأنها تماثل الذين يطوفون على الناس ويطلبون ويلتمسون برهم وإحسانهم، فهي من جملة من يستحق الإحسان، وفيه الإحسان إلى الحيوان؛ لأن هذا العمل الذي عمله أبو قتادة ﵁ فيه إحسان، فهو ما اكتفى بكونها تشرب وهو ينظر إليها، بل أصغى لها الإناء حتى تتمكن من الشرب وحتى تطمئن إلى أن صاحبه ليس هناك مخافة منه، بل هو الذي يريد منها أن تفعل ذلك

стр. 317

تراجم رجال إسناد حديث: (إنها ليست بنجس؛ إنها من الطوافين عليكم والطوافات) [حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي] عبد الله بن مسلمة القعنبي ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة. [عن مالك]. مالك بن أنس إمام دار الهجرة، الإمام الفقيه المحدث المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وهم: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة]. إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة]. حميدة بنت عبيد بن رفاعة مقبولة أخرج حديثها أصحاب السنن الأربعة. [عن كبشة بنت كعب بن مالك]. كبشة بنت كعب بن مالك قيل: لها صحبة، أخرج حديثها أصحاب السنن. [أن أبا قتادة]. هو أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري ﵁ مشهور بكنيته أبي قتادة، واسمه الحارث بن ربعي، صحابي جليل مشهور، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 318

شرح حديث: (إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا عبد العزيز عن داود بن صالح بن دينار التمار عن أمه أن مولاتها أرسلتها بهريسة إلى عائشة ﵂ فوجدتها تصلي، فأشارت إليَّ أن ضعيها، فجاءت هرة فأكلت منها، فلما انصرفت أكلت من حيث أكلت الهرة، فقالت: إن رسول الله ﷺ قال: (إنها ليست بنجس؛ إنما هي من الطوافين عليكم. وقد رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ بفضلها)]. أورد أبو داود ﵀ حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها جيء إليها بهريسة -وهي طعام- في إناء وكانت تصلي، فأشارت للتي أتت به أن تضعه، وهذا يدل على أن المصلي إذا احتاج إلى إشارة وهو في صلاته أن ذلك لا بأس به؛ لأنها أشارت إليها وهي في الصلاة أن تضعها، وأيضاً قد جاء في الحديث في قصة الكسوف، وأنه لما جاء شخص والناس يصلون فأشارت برأسها إلى السماء يعني: أن هناك كسوفاً، وكان الشخص الذي جاء لا يعرف ما الذي حصل، فإشارة المصلي عند الحاجة لا بأس بها. قوله: (فأشارت إليَّ أن ضعيها). هذه حكاية عن مضمون ومقتضى الإشارة، وقد فهمت ذلك إشارة لا كلاماً؛ لأن الذي في الصلاة لا يتكلم، لكنه يمكن أن يشير عند الحاجة. (فجاءت هرة فأكلت منها فلما انصرفت أكلت من حيث أكلت الهرة). وفي الحديث أن الأمر لا يختص بالماء، بل حتى المأكولات، وفيه: استعمال فضل الهرة سواء كان طعاماً أو ماءً؛ لأن فعل عائشة يتعلق بالطعام، وما أسندته إلى رسول الله ﷺ يتعلق بالماء؛ لأنه توضأ بفضل وضوئها، فكل هذا يدل على طهارة سؤرها سواء كان مأكولاً أو مشروباً. قوله: [فقالت: إن رسول الله ﷺ قال: (إنها ليست بنجس؛ إنما هي من الطوافين عليكم، وقد رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ بفضلها)]. وهذا أيضاً فيه ما في حديث أبي قتادة المتقدم من جهة أن ما يفعله الإنسان ويستغربه بعض الناس فإنه يذكر الدليل على ذلك، وعائشة ﵂ لما أكلت من حيث أكلت الهرة أخبرت بما سمعته من رسول الله ﷺ بشأن الهرة: أنها من الطوافين والطوافات، وكذلك أنها رأته يتوضأ بفضل سؤرها.

стр. 319

تراجم رجال إسناد حديث: (إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم) قوله: [حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا عبد العزيز]. عبد الله بن مسلمة مر ذكره، وعبد العزيز هو ابن محمد الدراوردي وهو صدوق أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن داود بن صالح بن دينار التمار] داود بن صالح بن دينار التمار صدوق أخرج له أبو داود وابن ماجة. [عن أمه]. أمه لا تعرف، أخرج حديثها أبو داود. [عن عائشة ﵂]. عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي الصديقة بنت الصديق التي حفظت الكثير من سنة رسول الله ﷺ ولاسيما في الأمور التي لا يطلع عليها إلا النساء مما يجري بين الرجل وأهله، فإنها وعت السنن الكثيرة المتعلقة بشئون البيوت وغيرها، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ وسلم، وهم: أبو هريرة وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد الخدري وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عن الجميع، وقد نظمهم السيوطي في الألفية بقوله: والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والبحر فالخدري وجابر وزوجة النبي والبحر هو: ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وقد ذكر الخطابي أن حكم الطهارة هذا يعم آثار كل طاهر الذات من السباع والدواب والطير وإن لم يكن مأكول اللحم؛ لأن الأشياء التي هي غير مأكولة اللحم سؤرها يكون طاهراً مثل الهرة، فالهرة غير مأكولة اللحم وسؤرها طاهر.

стр. 320

ما جاء في الوضوء بفضل ماء المرأة

стр. 321

شرح حديث: (كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد ونحن جنبان) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء بفضل وضوء المرأة. حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن سفيان حدثني منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد ونحن جنبان)]. أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة: [باب الوضوء بفضل وضوء المرأة]، يعني: أن المرأة إذا توضأت من إناء وبقي فيه شيء فإن لغيرها أن يتوضأ بهذا الباقي، وقد أورد أبو داود عدة أحاديث، وقد سبق أن مر بنا الحديث الذي فيه أن ميمونة ﵂ توضأت من جفنة، وأن النبي ﷺ أراد أن يتوضأ منها فقالت: إنها كانت جنباً فقال: (إن الماء لا يجنب)، وقد سبق أن ترجم المصنف بهذا الخصوص، وهي دالة على هذه الترجمة؛ لأن فيه أن النبي ﷺ استعمل بقية الماء الذي توضأت منه، ولما أخبرته بأنها كانت جنباً وقد استعملته فقال ﵊: (إن الماء لا يجنب) يعني: أن كونها أدخلت يدها فيه وهي جنب لا يؤثر فيه جنابة؛ لأن الجنابة وصف لمن حصلت له وهو الرجل أو المرأة الذي تحصل له جنابة، فوضع اليد في الإناء وفيه ماء لا يؤثر فيه ولا يغير طهوريته، بل هو باقٍ على طهوريته، ولهذا استعمله النبي ﷺ ، فالترجمة دلت عليها أحاديث، ومن ذلك ما سبق أن مر في باب الماء لا يجنب، وهنا أورد أبو داود حديث عائشة ﵂ أنها كانت تغتسل هي ورسول ﷺ وهما جنبان من إناء واحد. قوله: [قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد ونحن جنبان)]. ومطابقة الحديث للترجمة من جهة كونه فضل وضوء المرأة: أنها كانت تغرف بيدها منه، ومعنى هذا: أنها قد استعملته، فاستعمال فضل وضوء المرأة عام سواء كان الرجل يغترف معها كما جاء في حديث عائشة هذا، أو أنها قد اغتسلت وانتهت من غسلها وجاء الرجل ليغتسل بما بقي منها، ويدل عليه الحديث الذي مر عن بعض أزواج النبي ﷺ وهي ميمونة أن النبي أراد أن يتوضأ بالماء الذي بقي من اغتسالها، فقالت له: إنها كانت جنباً، فقال: (إن الماء لا يجنب)، فدل هذا الحديث وذاك على أن ما تمسه المرأة بيدها وتغترف منه للاغتسال من الجنابة أنه يجوز للرجل أن يستعمله، وسواء كان هو وإياها كما في حديث عائشة هذا، أو كانت انتهت ولم يكن معها الرجل ثم جاء بعدما فرغت ليستعمل الذي بقي، كل ذلك فضل وضوء أو فضل اغتسال يجوز استعماله؛ لأن الحديثين دالان على هذا وهذا، سواء كانت المرأة تغترف معه فيعتبر من فضل استعمالها، أو كانت هي تغترف وحدها والرجل ليس معها ثم جاء بعد ليستعمل الماء الباقي، كل هذا جاءت به السنة عن رسول الله ﷺ . وقولها: (من إناء واحد) يعني: نغترف منه، فهو يضع يده وهي تضع يدها، هو يغرف وهي تغرف. وقولها: (ونحن جنبان) يعني: أن كلاً منا جنباً. يعني: كنا نغتسل من الجنابة، وكل منا يرفع الحدث الأكبر، و (جنبان) فيها لغتان: قيل: إنها تثنى فيقال: (جنبان) كما هنا، وقيل: تأتي على لفظ واحد للمفرد والمثنى والجمع، فيقال: رجلان جنب ورجال جنب ورجل جنب.

стр. 322

تراجم رجال إسناد حديث: (كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد ونحن جنبان) قوله: [حدثنا مسدد]. مسدد هو ابن مسرهد، وهو ثقة أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. [حدثنا يحيى]. يحيى هو ابن سعيد القطان البصري، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو من أئمة الجرح والتعديل، وقد ذكر الذهبي في كتابه (من يعتمد قوله في الجرح والتعديل) أن يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي إذا اتفقا على تضعيف شخص فإنهما لا يكادان يخطئان، وأنهما إذا وثقا شخصاً فإنه يعول على توثيقهما، وعبر عن أهمية جرحهما إذا جرحا، وأن جرحهما مؤثر حيث قال ﵀: إنهما إذا اتفقا على جرح شخص فهو لا يكاد يندمل جرحه. يعني: أن كلامهما يكون مصيباً ومطابقاً للواقع، ولهذا عبر عنه بهذه العبارة. فشبه الشخص الذي يتكلمان فيه بالشخص الذي يجرح ثم لا يبرأ جرحه ولا يندمل، بل يكون جرحه مفتوحاً والدم يظهر منه، وشبه ما يقولانه في جرح الرجال بما يحصل في جرح الجرح الحقيقي الذي هو إخراج الدم، وأن من الجروح ما يندمل بسرعة، ومنها ما يبطئ ويتأخر اندماله. [عن سفيان]. هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، ثقة فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهذه الصيغة من أعلى صيغ التعديل وأرفعها، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [حدثني منصور]. هو منصور بن المعتمر الكوفي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن إبراهيم]. هو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي ثقة فقيه أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو الذي قال عنه ابن القيم في كتابه (زاد المعاد في هدي خير العباد): إنه أول من عرف عنه أنه عبر بعبارة: (ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه)، قال: وعنه تلقاها الفقهاء من بعده. [عن الأسود]. هو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، ثقة مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام ولم يلق النبي ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن عائشة]. عائشة مر ذكرها.

стр. 323

شرح حديث: (اختلفت يدي ويد رسول الله ﷺ في الوضوء في إناء واحد) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا وكيع عن أسامة بن زيد عن ابن خربوذ عن أم صبية الجهنية ﵂ قالت: (اختلفت يدي ويد رسول الله ﷺ في الوضوء من إناء واحد)]. أورد أبو داود ﵀ حديث أم صبية وهي خولة بنت قيس أنها قالت: (اختلفت يدي ويد رسول الله ﷺ في الوضوء من إناء واحد) يعني: أنهما كانا يغترفان من الإناء، هو يغترف وهي تغترف هو يتوضأ وهي تتوضأ، وقد ذكر صاحب (عون المعبود) أن في بعض النسخ: عن أم صبية عن عائشة. وعلى هذا فتكون عائشة هي التي حصل منها هذا الذي جاء في هذا الحديث من جهة الاغتراف والوضوء من إناء واحد مع رسول الله ﷺ ، وأما على أن التي فعلت ذلك مع رسول الله هي هذه المرأة الأجنبية، فقال العلماء: إن هذا يحمل على أنه كان قبل أن يفرض الحجاب، وأما على أنها عائشة وهذه تروي عن عائشة فإن الأمر لا إشكال فيه. والمقصود من الترجمة بباب الوضوء بفضل وضوء المرأة: كونها تختلف اليد مع يد رسول الله، هو يأخذ وهي تأخذ، فهذا يعتبر فضل وضوئها؛ لأن ما بقي بعد أخذها في يدها يكون فضلاً.

стр. 324

تراجم رجال إسناد حديث: (اختلفت يدي ويد رسول الله ﷺ في الوضوء في إناء واحد) قوله: [حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي]. هو عبد الله بن محمد بن علي النفيلي ثقة أخرج له البخاري وأصحاب السنن. [حدثنا وكيع]. هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أسامة بن زيد]. هو أسامة بن زيد الليثي صدوق يهم، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن ابن خربوذ]. ابن خربوذ هو سالم بن سرج بن خربوذ أبو النعمان المدني، وهو ثقة أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود وابن ماجة. [عن أم صبية الجهنية]. أم صبية الجهنية هي خولة بنت قيس وهي صحابية حديثها أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود وابن ماجة.

стр. 325

شرح حديث: (كان الرجال والنساء يتوضئون في زمان رسول الله ﷺ [حدثنا مسدد حدثنا حماد عن أيوب عن نافع، ح وحدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: (كان الرجال والنساء يتوضئون في زمان رسول الله ﷺ . قال مسدد: من الإناء الواحد جميعاً)]. أورد أبو داود ﵀ حديث ابن عمر: (كان الرجال والنساء في زمان رسول الله ﷺ يتوضئون من الإناء الواحد. قال مسدد: جميعاً) يعني: أن أحد الشيخين -وهو مسدد - هو الذي أتى بهذه اللفظة وهي (جميعاً)، وأما قوله: (من الإناء الواحد) فرواها كلا شيخي أبي داود. والمقصود: أنهم كانوا يتوضئون جميعاً من وعاء واحد أو من المكان الواحد. وقوله: (في زمان رسول الله ﷺ إضافتها إلى زمان النبوة، وأنهم كانوا يفعلون ذلك ولا ينكر عليهم دال على أن هذا مما أقروا عليه، وهذا كما جاء في حديث أبي سعيد: (كنا نعزل والقرآن ينزل، لو كان شيء ينهى عنه لنهانا عنه القرآن) فإضافة الشيء إلى زمن النبوة وأنه ما حصل إنكار عليه من النبي ﷺ دال على مشروعيته.

стр. 326

تراجم رجال إسناد حديث: (كان الرجال والنساء يتوضئون في زمان رسول الله ﷺ قوله: [حدثنا مسدد حدثنا حماد]. مسدد مر ذكره، وحماد غير منسوب، هو ابن زيد، فإذا جاء مسدد يروي عن حماد وهو غير منسوب فيحمل على حماد بن زيد؛ لأنه يروي عن حماد بن زيد ولا يروي عن حماد بن سلمة، وهذا عكس موسى بن إسماعيل الذي مر ذكره مراراً فإنه إذا روى عن حماد غير منسوب فهو حماد بن سلمة؛ لأن موسى بن إسماعيل يروي عن حماد بن سلمة، ومسدد يروي عن حماد بن زيد، وحماد بن زيد ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أيوب]. هو أيوب بن أبي تميمة السختياني ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن نافع]. هو نافع مولى ابن عمر وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عمر]. هو عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ الصحابي الجليل أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي ﷺ ، وهم: عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس، وهو أيضاً أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ . [ح وحدثنا عبد الله بن مسلمة]. ح تدل على التحويل من إسناد إلى إسناد. وعبد الله بن مسلمة القعنبي مر ذكره. [عن مالك عن نافع عن ابن عمر]. مالك ونافع وابن عمر قد مر ذكرهم.

стр. 327

شرح حديث: (كنا نتوضأ نحن والنساء على عهد رسول الله ﷺ من إناء واحد) [حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن عبيد الله حدثني نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (كنا نتوضأ نحن والنساء على عهد رسول الله ﷺ من إناء واحد ندلي فيه أيدينا)]. أورد أبو داود حديث ابن عمر مثل الذي قبله: (كنا نتوضأ الرجال والنساء من إناء واحد ندلي فيه أيدينا) يعني: أنا نغترف منه بأيدينا الرجال يغترفون والنساء يغترفن، وكما هو معلوم هذا محمول على الأقارب الذين بعضهم محارم لبعض، كالزوج مع زوجته، والرجل مع أمه أو أخته، وأما بالنسبة للأجانب فإن هذا كان قبل الحجاب.

стр. 328

تراجم رجال إسناد حديث: (كنا نتوضأ نحن والنساء على عهد رسول الله ﷺ من إناء واحد) [حدثنا مسدد حدثنا يحيى]. يحيى هو القطان وقد مر ذكره. [عن عبيد الله]. هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم العمري المصغر، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثني نافع عن عبد الله بن عمر]. نافع وابن عمر قد مر ذكرهما.

стр. 329

ما جاء في النهي عن اغتسال الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل

стр. 330

شرح حديث: (نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن ذلك. حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير عن داود بن عبد الله ح وحدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن داود بن عبد الله عن حميد الحميري قال: لقيت رجلاً صحب النبي ﷺ أربع سنين كما صحبه أبو هريرة ﵄ أنه قال: (نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل أو يغتسل الرجل بفضل المرأة) زاد مسدد: (وليغترفا جميعاً)]. أورد أبو داود هذه الترجمة وهي: [النهي عن ذلك]، يعني: النهي عن كون الرجل يغتسل بفضل المرأة أو المرأة تغتسل بفضل الرجل، وأورد قبل ذلك أحاديث الجواز، وهنا أورد أحاديث المنع، وأورد حديث رجل صحب النبي ﷺ كما صحبه أبو هريرة أربع سنين قال: (نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل أو يغتسل الرجل بفضل المرأة) زاد مسدد: (وليغترفا جميعاً) يعني: أنه لا يتوضأ الرجل من الماء الذي توضأت به المرأة، ولكن إذا اغترفا جميعاً بحيث هو يغرف منه وهي تغرف منه فإن ذلك لا بأس به، وعلى هذا يكون النهي منصباً على ما إذا كان قد حصل الفراغ من الرجل أو المرأة ثم جاء الآخر ليتوضأ بالباقي، والأحاديث التي في الباب السابق فيها أنهم كانوا يغترفون جميعاً، وهو مطابق لما جاء في هذا الحديث، ولكن الحديث الذي في الباب السابق فيه: (الماء لا يجنب)، وهو يدل على أن فضل الماء الذي اغتسلت منه المرأة أو توضأت منه المرأة يستعمله الرجل، وأنه لا بأس به، وعلى هذا قال بعض أهل العلم: إنه يحمل ما جاء من النهي هنا على ما إذا كانت المرأة توضأت في إناء وتساقط فيه ما جرى على أعضائها كوجهها يديها ورجليها؛ لأن هذا ماء رفع به حدث فلا يرفع به حدث آخر، قالوا: فيحمل المنع على ما إذا كان الرجل أو المرأة توضأ أحدهما وجعل ما يتساقط في طست أو إناء كبير وجاء الآخر ليتوضأ أو ليغتسل؛ لأن هذا ماء مستعمل، وهو طاهر ليس بنجس ولكن رفع به حدث. قالوا: وما جاء من النهي محمول على كراهة التنزيه لا التحريم؛ لأنه جاء ما يدل على ذلك من فعل رسول الله ﷺ مع إحدى زوجاته. فيكون الجمع بين الأحاديث المانعة والأحاديث المسوغة: أن يحمل المنع على ما إذا كان الماء الذي هو فضل الوضوء هو المتساقط من أعضاء الرجل أو المرأة؛ لأنه رفع به حدث فلا يرفع به حدث آخر، أو أن المقصود بالنهي خلاف الأولى، أو كراهة التنزيه وليس التحريم. وقوله: [(وليغترفا جميعاً)]. هذا يفيد بأن الاغتراف لا مانع منه، وهذا متفق مع الأحاديث التي مرت في الباب السابق التي فيها: (كنا نغترف)، ولكن الذي يختلف معه هو حديث: (إن الماء لا يجنب)، فذاك الحديث يعارض ويخالف هذا الحديث؛ لأن فيه أن الرسول استعمل ما بقي من استعمالها في الاغتسال، ولم يكن يغترف معها. وسواء بدأت المرأة في الغرف أو بدأ الرجل قبلها كله سواء.

стр. 331

تراجم رجال إسناد حديث: (نهى رسول الله ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل) قوله: [حدثنا أحمد بن يونس]. أحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا زهير]. هو زهير بن معاوية ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن داود بن عبد الله]. هو داود بن عبد الله الأودي ثقة أخرج حديثه أصحاب السنن. [ح وحدثنا مسدد حدثنا أبي عوانة]. ح هي بمعنى التحول من إسناد إلى إسناد، ومسدد مر ذكره، وأبو عوانة هو وضاح بن عبد الله اليشكري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي عوانة، وهو غير أبي عوانة صاحب المستخرج على صحيح مسلم؛ لأن ذاك متأخر وهذا متقدم. [عن داود بن عبد الله عن حميد الحميري]. حميد الحميري هو حميد بن عبد الرحمن الحميري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. وقوله: [لقيت رجلاً صحب النبي ﷺ أربع سنين كما صحبه أبو هريرة]. يعني: أن هذا الحديث يعزوه إلى صحابي من أصحاب رسول الله ﷺ ، وأنه صحبه هذه المدة التي تماثل صحبة أبي هريرة لرسول الله ﷺ ؛ لأن أبا هريرة ﵁ أسلم عام خيبر في السنة السابعة، وبعد ذلك صحب النبي ﷺ ولازمه أربع سنين، وجهالة الصحابة كما هو معلوم لا تؤثر؛ فإن رجال الإسناد كلهم يحتاج إلى معرفة أحوالهم إلا الصحابة فإن المجهول فيهم بحكم المعلوم، وذلك لأنهم بعد تعديل الله وتعديل رسوله ﷺ لا يحتاجون إلى تعديل المعدلين وتوثيق الموثقين رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

стр. 332

شرح حديث: (أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة) قال المنصف رحمه الله تعالى: [حدثنا ابن بشار حدثنا أبو داود - يعني: الطيالسي - حدثنا شعبة عن عاصم عن أبي حاجب عن الحكم بن عمرو -وهو الأقرع ﵁: (أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة)]. أورد أبو داود حديث الحكم بن عمرو الأقرع رضي الله تعالى عنه: (أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة) وهذا مطلق ليس فيه ذكر اغتراف، والجواب عنه هو مثل ما أجيب عن الحديث السابق، يعني: أنه يحمل على التنزيه.

стр. 333

تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي ﷺ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة) قوله: [حدثنا ابن بشار]. هو محمد بن بشار الملقب بندار البصري، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، والأئمة الستة رووا كلهم عن عدد ممن هم من شيوخهم، ومنهم محمد بن بشار هذا، ومحمد بن المثني الملقب بـ الزمن وقد مر ذكره، ومنهم يعقوب بن إبراهيم الدورقي ومحمد بن معمر البحراني ومنهم عمرو بن علي الفلاس وغيرهم ممن يعتبرون شيوخاً لأصحاب الكتب الستة. [حدثنا أبو داود يعني: الطيالسي]. أبو داود الطيالسي هو سليمان بن دواد الطيالسي ثقة أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن الأربعة. [حدثنا شعبة]. هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري ثقة وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن عاصم]. عاصم هو ابن سليمان الأحول والأحول لقبه، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي حاجب]. أبو حاجب هو سوادة بن عاصم العنزي صدوق أخرج له أصحاب السنن. [عن الحكم بن عمرو وهو الأقرع]. هو الحكم بن عمرو الأقرع صاحب رسول الله ﷺ وحديثه أخرجه البخاري وأصحاب السنن الأربعة.

стр. 334

الأسئلة

стр. 335

المراد بالماء المستعمل عند الفقهاء السؤال قال الفقهاء: الماء المستعمل لا يجوز استعماله، ما مرادهم بالاستعمال؟ هل هو ما بقي في الإناء أو الماء المتساقط من المتوضئ أو المغتسل؟ الجواب الفقهاء عندهم هذا وهذا، لكن لا أدري من الذي يقول بهذا ومن الذي يقول بهذا، فمنهم من يقول: إن الاغتراف لا يجوز ويعد الماء الذي غرف منه ماءً مستعملاً، ومن باب أولى المتساقط من الماء، وحديث: (نهى النبي ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل والرجل بفضل المرأة) يحتجون به على أن المتساقط لا يجوز استعماله. والذي يبدو أن الماء المتساقط لا يستعمل؛ لأن ما رفع به حدث لا يرفع به حدث آخر. وهذا مثل الحصى التي ترمى بها الجمار؛ فإن بعض أهل العلم يقول: يرمى بها، وبعضهم يقول: لا يرمى بها؛ لأنها استعملت في عبادة وأدي بها واجب فلا يؤدى بها واجب آخر، ولهذا في كتب الفقه: ولا يرمى بحصى رمي به.

стр. 336

شرح سنن أبي داود [٠١٨] الأصل في الأشياء الطهارة إلا ما أتى ببيان بذكر نجاسته، وليس كل ماء طاهر يصح التطهر به، فماء البحر طاهر مطهر، والنبيذ طاهر لا يطهر. وقد نهى الشرع أن يصلي الرجل وهو يدافع الأخبثين أو وهو بحضرة الطعام؛ لكيلا ينشغل ذهنه في الصلاة بغيرها ويذهب خشوعه بأمور أخرى.

стр. 337

الوضوء بماء البحر

стр. 338

شرح حديث: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء بماء البحر. حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق أن المغيرة بن أبي بردة -وهو من بني عبد الدار- أخبره أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: سأل رجل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)]. أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى باباً الوضوء بماء البحر، أي: حكمه، وأنه سائغ، وأنه جاءت به السنة عن رسول الله ﷺ ، وأن ماءه طهور بل وميتته حلال. ثم أورد فيه أبو داود ﵀ حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ سأله رجل عن الوضوء بماء البحر فقال: إنا نركب البحر، ونحمل القليل من الماء، فإذا استعملناه في الوضوء عطشنا، يعني: أنه ينفد ولا يبقى معنا شيء نشربه فنعطش، أفنتوضأ بماء البحر؟ يعني: حتى نبقي على هذا الماء الذي نحمله معنا ولا نستعمله إلا للشرب، فأجابهم النبي الكريم ﷺ بقوله: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، والذي جعل هذا الرجل من الصحابة يسأل ويحكي عما يحصل لهم من ركوبهم البحر وحاجتهم إلى أن يتوضئوا هو: أنه أشكل عليهم الوضوء بماء البحر، وذلك لأن البحر ماؤه يختلف عن المياه الأخرى؛ لما فيه من الملوحة الشديدة، ولما يحصل فيه من كثرة الحيوانات التي تموت فيه، فترددوا في حله، ورجعوا إلى النبي ﷺ يسألونه، فأجابهم بأن ماءه طهور، وأن الميتة فيه حلال، فقال: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته). والنبي ﷺ لم يجبهم بأن يتوضئوا فقط بل أجابهم بكلام عام فيه ما سألوا عنه، وفيه زيادة على ما سألوا عنه، فقال: (هو الطهور ماؤه) يعني: ماؤه ماء طهور يحصل به التطهر ورفع الحدث الأكبر والأصغر، وأيضاً ما يحصل فيه من الميتات فإنه يكون حلالاً: وفي الحديث ما يسمى بأسلوب الحكيم، وهو الإجابة على أكثر من السؤال إذا اقتضى الأمر ذلك، وذلك أن الصحابة لما أشكل عليهم الوضوء منه مع أنه ماء ولكنه يختلف عن غيره لشدة الملوحة، وكان قد أشكل عليهم هذا فمن باب أولى أن يشكل عليهم ما يموت فيه، فأضاف إلى ما سألوا عنه جواباً آخر لم يسألوا عنه؛ لأن الأمر يقتضيه؛ ولأن حالهم قد تستدعيه ويحتاجون إلى السؤال عنه فأجابهم دون أن يسألوا؛ لأنهم لما استشكلوا ذلك الأمر الأخف الذي هو الوضوء منه فإن استشكالهم حل الميتة فيه يكون من باب أولى، فأجابهم النبي الكريم ﷺ بما سألوا عنه وبزيادة عما سألوا عنه اقتضاها حال هؤلاء السائلين، وهذا من كمال بيانه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ومن كمال نصحه ﷺ لأمته، وأنه قد أتاها وبلغها كل ما تحتاج إليه، وكل ما شرعه الله أداه النبي الكريم ﵊ على التمام والكمال كما قال ابن شهاب الزهري رحمة الله عليه: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم. فالذي من الله -وهو إرسال الرسل- وقد حصل، والذي على الرسل -وهو البلاغ- وقد حصل، والذي على الأمم -وهو التسليم والانقياد والاستسلام والإذعان- هو الذي ينقسم الناس فيه إلى موفق ممتثل لما أريد منه، وإلى مخذول لا يوفق للشيء الذي طلب منه الإتيان به.

стр. 339

تراجم رجال إسناد حديث: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) [حدثنا عبد الله بن مسلمة]. عبد الله بن مسلمة هو القعنبي، ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة. [عن مالك]. هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة المحدث الفقيه المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن صفوان بن سليم]. صفوان بن سليم ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق]. سعيد بن سلمة ثقة أخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة. [عن المغيرة بن أبي بردة]. المغيرة بن أبي بردة ثقة أخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة. [عن أبي هريرة]. هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ ، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق.

стр. 340

الحكم على حديث: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) هذا الحديث صححه جماعة كثيرون من أهل العلم، ولما ذكر الحافظ ابن حجر ترجمة المغيرة بن أبي بردة هذا الذي يروي عن أبي هريرة قال في آخر ترجمته: وصحح حديثه في الوضوء من ماء البحر ابن خزيمة ثم سرد عشرة أشخاص من الحفاظ وقال بعد ذلك: وآخرون، يعني: أن عشرة حفاظ صححوه، وأن هناك آخرين أيضاً صححوه، ولكنه لم يذكرهم بل اكتفى بذكر عشرة منهم، وكان هذا في نهاية ترجمة المغيرة بن أبي بردة في تهذيب التهذيب، يعني: أنه لم يستوعب هؤلاء الذين صححوه بل ذكر العشرة وأشار إلى غيرهم. وهذا الحديث بدأ به الحافظ ابن حجر كتابه بلوغ المرام حيث جعله أول حديث في هذا الكتاب في باب المياه؛ وذلك لأنه مشتمل على ماء البحر الذي هو الماء الكثير، والناس لركوبهم البحر يحتاجون إلى الوضوء منه، فبدأ به الحافظ ابن حجر كتابه بلوغ المرام.

стр. 341

حكم ما مات في البحر وقوله ﷺ : (الحل ميتته) بعض أهل العلم عمم الحكم؛ لأنه أضاف الحل إلى الميتة، وأن كل ميتة تكون فيه فهي حلال فأخذ بالعموم، ومنهم من قال: إنه يستثنى من ذلك بعض الحيوانات التي لها نظير في البحر، ولكن لاشك أن الحديث عام في حل كل ميتة تكون في البحر ما دام أنها من دواب البحر ومن حيواناته؛ لأن المقصود ميتته يعني: مما لا يعيش إلا فيه، أما لو مات فيه شيء يعيش في البر فهو مثلما لو مات في المياه الأخرى؛ فإنه يكون حراماً، وموته في البحر لا يحله، وإنما المقصود ميتته التي هي مما يعيش فيه، أما لو مات فيه شيء لا يعيش فيه فإنه يكون حراماً كما لو مات في أنهار أو آبار أو عيون أو ما إلى ذلك. وأما الشيء الذي يعيش في البر ويعيش في البحر وإذا خرج من البحر عاش فهذا يعطى حكم البر ولا يقال: إنه إذا مات فيه يكون ميتة بحر؛ لأن الذي له ذلك الحكم هو الذي لا يعيش إلا فيه، أما إذا كان يعيش فيه وفي غيره فليس له هذا الحكم، وإنما الحكم للذي لا يعيش إلا فيه. وأما الأشياء التي تستقذر كحية البحر فتترك لاستقذارها.

стр. 342

ما جاء في الوضوء بالنبيذ

стр. 343

شرح حديث: (تمرة طيبة وماء طهور) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء بالنبيذ. حدثنا هناد وسليمان بن داود العتكي قالا: حدثنا شريك عن أبي فزارة عن أبي زيد عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال له ليلة الجن: (ما في إداوتك؟ قال: نبيذ قال: تمرة طيبة وماء طهور). قال أبو داود: وقال سليمان بن داود عن أبي زيد أو زيد: كذا قال شريك. ولم يذكر هناد ليلة الجن]. أورد أبو داود ﵀ باباً في الوضوء بالنبيذ، والنبيذ هو: الشيء الذي ينبذ في الماء من تمر أو عنب أو غير ذلك فيتغير الماء إلى لون آخر بسبب هذا الذي انتبذ فيه، فهذا يقال له: نبيذ، وهو له حالتان: حالة يصل فيها إلى حد الإسكار. وهذا لا يجوز استعماله مطلقاً، بل يراق ويتلف؛ لأنه خمر، والخمر لا يجوز الإبقاء عليها ولا الاحتفاظ بها. وحالة لا يصل إلى حد الإسكار وعند ذلك يكون حلالاً من حيث الشرب والاستعمال ولكنه لا يتطهر ولا يتوضأ به؛ لأنه خرج عن كونه ماءً وصار له اسم جديد وهو النبيذ، يعني: أنه سمي اسماً جديداً غير الاسم الذي كان موجوداً له من قبل بسبب هذا الذي نبذ فيه، ولكن لم يصل إلى حد الإسكار، فلا يجوز الوضوء به، والإنسان الذي تدركه الصلاة وليس عنده ماء وعنده نبيذ يتيمم ولا يستعمله، وإنما يستعمله في الشرب؛ لأنه يستفاد منه شراباً وطعاماً، وأما أن يستفاد منه وضوءاً فلا يجوز؛ لأن الله جعل الحكم في الطهارة إنما هو للماء، والنبيذ لا يقال له: ماء، وإنما يقال له: نبيذ، مثلما يقال للبن: لبن، ويقال لسائر الأشياء بأسمائها التي تخصها عندما تختلط بالماء ويطغى لونها على لون الماء؛ لأن الماء يخرج عن كونه ماءً إلى أن يكون له اسم جديد آخر، ولهذا عقد أبو داود ﵀ هذه الترجمة فقال: [باب الوضوء بالنبيذ]، يعني: ما جاء فيه وحكمه، ولم يأت في الوضوء منه سنة عن رسول الله ﷺ ، ولكن المقصود بالترجمة هو بيان الحكم والنتيجة وهو أنه لا يجوز؛ لأنه لم يثبت في ذلك سنة عن رسول الله ﷺ ، ولأنه خرج عن كونه ماءً. والله تعالى جعل الطهارة في الماء أو ما يقوم مقام الماء الذي هو التيمم عند فقد الماء أو العجز عنه، ومن فقد الماء ووجد النبيذ لا يكون واجداً للماء؛ فينتقل إلى التيمم، ولا يجوز له استعمال النبيذ في الطهارة، وإنما يستعمله في الشرب؛ لأنه إذا لم يصل إلى حد الإسكار فإنه يكون مباحاً، وفي سنن النسائي توجد الأحاديث الكثيرة المتعلقة بالانتباذ، وأن النبي ﷺ في أول الأمر نهى الناس أن ينتبذوا في أوعية شديدة سميكة؛ لأنه لا يبدو على ظاهرها أثر الإسكار حين لم يصل إلى حد الإسكار، ولكنه بعد ذلك رخص في الانتباذ في أي، وعاء واشترط ألا يشربوا مسكراً، فقال ﵊: (كنت نهيتكم عن الانتباذ في أوعية، ألا فانتبذوا في كل وعاء، ولا تشربوا مسكراً). والحاصل: أن النبيذ لا يجوز استعماله في الطهارة، والنبيذ هو كون التمر أو الزبيب أو العنب يوضع في ماء مدة لا يصل معها إلى حد الإسكار فيتغير ذلك الماء بسبب هذا الذي وضع فيه، ويحصل اسماً جديداً، فيكون الحكم بأنه ما لم يصل إلى حد الإسكار يستعمل في الشرب ولا يجوز استعماله في الطهارة؛ لأنه ليس بماء، والطهارة إنما هي في الماء أو ما يقوم مقام الماء. وأورد أبو داود في هذا حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه لما كان مع النبي ﷺ ليلة الجن وقال له: (ما في إداوتك؟ قال: نبيذ. فقال ﵊: تمرة طيبة وماء طهور) وعند غير أبي داود: (فتوضأ منه رسول الله ﷺ . فقوله: (ماء طهور) وصفه بأنه ماء طهور، يعني: أنه يتطهر به، وعند غير أبي داود زيادة على ذلك أنه توضأ به ﷺ ، ولكن هذا الحديث لم يثبت؛ لأن فيه راوياً اتفقوا على أنه مجهول، وكذلك الذي روى عنه أيضاً لم يعلم هل هو الشخص الثقة أو غيره، وهو أبو فزارة، والعلماء اتفقوا على أن الحديث غير صحيح، وأنه منكر، ولهذا نقل الحافظ ابن حجر في آخر ترجمة أبي زيد هذا الذي في الإسناد، فقال: قال ابن عبد البر: اتفقوا على أنه مجهول، وأن حديثه منكر.

стр. 344

تراجم رجال إسناد حديث: (تمرة طيبة وماء طهور) قوله: [حدثنا هناد]. هناد هو ابن السري أبو السري ثقة أخرج له البخاري في (خلق أفعال العباد) ومسلم وأصحاب السنن الأربعة. [وسليمان بن داود العتكي]. سليمان بن داود هو أبو الربيع الزهراني، وهو ثقة أخرج حديثه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. [قالا: حدثنا شريك]. هو شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي صدوق يخطئ كثيراً، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن الأربعة. [عن أبي فزارة]. أبو فزارة قيل: إنه راشد بن كيسان وقيل: إنه شخص آخر مجهول. وراشد بن كيسان ثقة أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة. فعلى أنه راشد بن كيسان لا إشكال، وعلى أنه يكون شخصاً آخر فهو مجهول، وعلى هذا يكون في السند مجهولان، وسواء كان راشد بن كيسان أو غيره يكفي جهالة أبي زيد الذي يروي عن أبي هريرة، والذي قال الحافظ ابن حجر في كتابه تهذيب التهذيب في آخر ترجمته: قال ابن عبد البر: اتفقوا على أنه مجهول، وأن حديثه منكر. [عن أبي زيد]. هو أبو زيد المخزومي مجهول أخرج حديثه أبو داود والترمذي وابن ماجة. [عن عبد الله بن مسعود]. عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله ﷺ الهذلي، وهو من المهاجرين، وهو من كبار الصحابة ومن فقهائهم وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [قال أبو داود: وقال سليمان بن داود: عن أبي زيد أو زيد كذا قال شريك]. يعني: أن أحد الشيخين لـ أبي داود وهو سليمان بن داود أبو الربيع الزهراني شك هل هو أبو زيد أو أنه زيد، يعني: فيما رواه عن شريك أنه قال: أبو زيد أو زيد، وأما هناد فإنه لم يشك بل قال: أبو زيد، ولكنه لم يذكر ليلة الجن، وأما سليمان بن داود الشيخ الثاني فإنه ذكر ليلة الجن.

стр. 345

شرح حديث لقيا النبي ﷺ الجن وحده قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب عن داود عن عامر عن علقمة قال: قلت لـ عبد الله بن مسعود ﵁: من كان منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ فقال: (ما كان معه منا أحد)]. أورد أبو داود ﵀ الحديث من طريق أخرى، وليس فيه ذكر النبيذ، وإنما فيه أن ابن مسعود ﵁ سئل: من كان منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ فقال: (لم يكن معه منا أحد). وقوله: (لم يكن معه منا أحد) معناه: حينما اجتمع بهم، وأنه بعد ذلك أراهم أماكنهم، فهو في حال لقيه بهم وتلاوته عليهم القرآن لم يكن معه أحد من أصحابه رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. وهذا الحديث ليس فيه ذكر قصة النبيذ، وإنما فيه ذكر قصة ليلة الجن، وأنه لم يكن معه أحد منهم، والمقصود: أنه لم يكن معه أحد في حال اجتماعهم به، وأما كون أحد معه قبل ذلك، أو أنه أراهم بعد ذلك المكان الذي كانوا فيه فهذا ليس مما نفي، وإنما الذي نفي كون النبي ﷺ حال لقيه بالجن معه أحد من أصحابه الكرام ﵃ وأرضاهم.

стр. 346

تراجم رجال إسناد حديث لقيا النبي ﷺ الجن وحده قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل]. هو موسى بن إسماعيل التبوذكي أبو سلمة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن وهيب]. هو وهيب بن خالد ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن داود]. هو داود بن أبي هند ثقة أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن عامر]. هو عامر بن شراحيل الشعبي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن علقمة]. هو علقمة بن قيس النخعي ثقة فقيه أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الله بن مسعود]. عبد الله بن مسعود ﵁ قد مر ذكره. وقد يكون أبو داود أراد أن يبين ضعف الرواية الأولى بإنكار عبد الله بن مسعود أن يكون مع رسول الله ﷺ أحد؛ لأن الرواية الأولى فيها ذكر أن عبد الله كان مع النبي ﷺ ، لكن كون النبي ﷺ معه أحد في أول الأمر هذا ليس بمنفي، وإنما المنفي هو أنه يكون معه أحد حين التقائه واجتماعه بهم، وحين قراءته عليهم القرآن. وبعض العلماء قال: إن قضية اجتماع الرسول ﷺ بالجن متكررة، وأنها ليست مرة واحدة وإنما هي متعددة.

стр. 347

شرح أثر عطاء: (أنه كره الوضوء باللبن والنبيذ) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا بشر بن منصور عن ابن جريج عن عطاء أنه كره الوضوء باللبن والنبيذ، وقال: إن التيمم أعجب إلي منه]. أورد أبو داود ﵀ بعض الآثار التي فيها أن النبيذ لا يستعمل ولا يتوضأ به، وأورد هذا الأثر عن عطاء بن أبي رباح المكي أنه كره الوضوء بالنبيذ، وقال: إن التيمم أعجب إليَّ.

стр. 348

تراجم رجال إسناد أثر عطاء: (أنه كره الوضوء باللبن والنبيذ) قوله: [حدثنا محمد بن بشار]. محمد بن بشار هو الملقب بندار البصري ثقة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة. [حدثنا عبد الرحمن]. هو عبد الرحمن بن مهدي البصري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا بشر بن منصور]. بشر بن منصور صدوق أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي. [عن ابن جريج]. ابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، ثقة فقيه يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن عطاء]. هو عطاء بن أبي رباح المكي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

стр. 349

شرح أثر أبي العالية في عدم الاغتسال بالنبيذ قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا أبو خلدة قال: سألت أبا العالية عن رجل أصابته جنابة وليس عنده ماء وعنده نبيذ: أيغتسل به؟ قال: لا. ]. أورد أبو داود ﵀ هذا الأثر عن أبي العالية الرياحي رفيع بن مهران أنه سئل عن الرجل تصيبه جنابة وليس عنده ماء وإنما عنده نبيذ أيغتسل به؟ فقال: لا. يعني: لأنه ليس ماءً حتى يتطهر به، وإنما هو نبيذ والنبيذ لا يستعمل في الطهارة لا في الحدث الأصغر ولا الأكبر وإنما يستعمل في الشرب والتمتع به والاستفادة منه شرباً وغذاءً وطعاماً، وأما أن يستعمل في الطهارة فلا يصح ذلك، ولهذا لما سئل أبو العالية رحمة الله عليه: هل يغتسل به من لا يجد إلا النبيذ؟ فقال: لا.

стр. 350

تراجم رجال إسناد أثر أبي العالية في عدم الاغتسال بالنبيذ قوله: [حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا أبو خلدة]. محمد بن بشار وعبد الرحمن بن مهدي مر ذكرهما، وأبو خلدة هو خالد بن دينار وهو صدوق أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. [سألت أبا العالية]. أبو العالية هو رفيع بن مهران ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.

стр. 351

ما جاء في صلاة الرجل وهو حاقن

стр. 352

شرح حديث: (إذا أراد أحدكم أن يذهب الخلاء وقامت الصلاة فليبدأ بالخلاء) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب أيصلي الرجل وهو حاقن؟ حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الأرقم ﵁ أنه خرج حاجاً أو معتمراً ومعه الناس وهو يؤمهم، فلما كان ذات يوم أقام الصلاة صلاة الصبح، ثم قال: ليتقدم أحدكم. وذهب الخلاء، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا أراد أحدكم أن يذهب الخلاء وقامت الصلاة فليبدأ بالخلاء)]. أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة: [أيصلي الرجل وهو حاقن؟] يعني: إذا كان عنده انحباس في البول، وهو بحاجة إلى التخلص منه، فهل يصلي وهو على هذه الحال أو لا يصلي؟ و الجواب أنه لا يصلي وهو على هذه الحال، بل يتخلص من هذا الأذى ثم بعد ذلك يقبل على صلاته؛ لأنه لو اشتغل بالصلاة وهو مشغول بمدافعة هذا المنحبس ففي ذلك تشويش لفكره وشغل له عن الإقبال على صلاته، والمطلوب في الصلاة أن يكون الإنسان مقبلاً عليها ليس هناك ما يشغله عنها ولا ما يحول بينه وبين الإتيان بها على الوجه الذي ينبغي أن يؤتى بها عليه. وأورد أبو داود حديث عبد الله بن أرقم رضي الله تعالى عنه أنه خرج حاجاً أو معتمراً ومعه الناس وهو يؤمهم، ولما قامت الصلاة وكان حاقناً طلب من أحدهم أن يتقدم للإمامة، وذهب هو لقضاء حاجته، وأخبر الناس بما عنده في ذلك عن رسول الله ﷺ ، وأنه يبدأ بقضاء الحاجة، فدل هذا على أن من كان حاقناً سواء كان ذلك بولاً أو غائطاً فإن عليه أن يتخلص أولاً من ذلك الأذى الذي فيه، ثم بعد ذلك يقبل على صلاته وهو غير مشغول البال، وغير مشوش الفكر والذهن بسبب هذا الأذى الذي هو يدافعه. قوله: [عن عبد الله بن أرقم أنه خرج حاجاً أو معتمراً ومعه الناس وهو يؤمهم]. يعني: وهو يؤمهم في الصلاة. قوله: [فلما كان ذات يوم أقام الصلاة صلاة الصبح، ثم قال: ليتقدم أحدكم وذهب الخلاء]. قوله: (وذهب الخلاء) هذا ليس من كلامه، وإنما هو من كلام الراوي عنه وهو عروة. قوله: [فإني سمعت رسول الله]. يعني: أرشدهم إلى أن يتقدم واحداً منهم، وأخبر بأنه سمع من رسول الله ﷺ حديثاً في هذا. قوله: [فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا أراد أحدكم أن يذهب الخلاء وقامت الصلاة فليبدأ بالصلاة)]. إذا قامت الصلاة وهو بحاجة إلى أن يتخلص مما هو موجود فيه مما يدافعه؛ فإنه يبدأ بالخلاء ويبدأ بقضاء الحاجة ويتخلص من ذلك الذي يؤذيه ويشغل باله، ثم يقبل على صلاته وهو غير مشوش.

стр. 353

تراجم رجال إسناد حديث: (إذا أراد أحدكم أن يذهب الخلاء وقامت الصلاة فليبدأ بالخلاء) قوله: [حدثنا أحمد بن يونس]. هو أحمد بن عبد الله بن يونس ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا زهير]. هو زهير بن معاوية ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا هشام بن عروة]. هشام بن عروة ثقة ربما دلس وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن أبيه]. أبوه هو عروة بن الزبير ثقة، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الله بن الأرقم]. عبد الله بن الأرقم ﵁ صحابي، وحديثه أخرجه أصحاب السنن الأربعة. [قال أبو داود: روى وهيب بن خالد وشعيب بن إسحاق وأبو ضمرة هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه عن رجل حدثه عن عبد الله بن أرقم والأكثر الذين رووه عن هشام قالوا كما قال زهير]. ذكر أبو داود ﵀: أن زهير بن معاوية الذي أورد أبو داود سياق حديثه، وذكر أن أكثر الرواة على وفق ما رواه زهير بن معاوية من جهة أن عروة بن الزبير يروي عن عبد الله بن الأرقم مباشرة وبدون واسطة، ولكن بعض الرواة الذي سمى وهم ثلاثة: وهيب بن خالد وشعيب بن إسحاق وأبو ضمرة، هؤلاء الثلاثة رووه وجعلوا بين عروة بن الزبير وعبد الله بن الأرقم رجلاً فقالوا: عن عروة عن رجل عن عبد الله بن الأرقم، لكن قال أبو داود: إن أكثر الرواة رووه على ما رواه زهير بن معاوية، يعني: أنه متصل، وأنه ليس هناك واسطة بين عروة وبين عبد الله بن أرقم. قوله: [روى وهيب بن خالد]. وهيب بن خالد ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [وشعيب بن إسحاق]. شعيب بن إسحاق ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي. [وأبو ضمرة]. هو أنس بن عياض بن ضمرة ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي ضمرة.

стр. 354

شرح حديث: (لا يصلى بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل ومسدد ومحمد بن عيسى المعنى قالوا: حدثنا يحيى بن سعيد عن أبي حزرة حدثنا عبد الله بن محمد قال ابن عيسى في حديثه: ابن أبي بكر. ثم اتفقوا أخو القاسم بن محمد قال: كنا عند عائشة فجيء بطعامها فقام القاسم يصلي، فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يصلى بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان)]. أورد أبو داود رحمه الله تعالى حديث عائشة ﵂ أنه كان عندها القاسم بن محمد بن أبي بكر وهو ابن أخيها وكذلك أخوه عبد الله بن محمد الراوي عنها في هذا الحديث، وأنه قدم إليها طعامها فقام القاسم يصلي، فقالت له ما قالت وروت الحديث عن رسول الله ﷺ : (لا يصلى بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان) يعني: أنه إذا كان الطعام قد قدم وحضرت المائدة والناس بحاجة إليها ثم دخلوا في الصلاة فإنه يكون عندهم شيء من التشوش والانشغال فيما هم بحاجة إليه، ولذا يبدأون بالطعام ثم يأتون بالصلاة؛ لأنهم إذا أتوا بها بعد أن أخذوا حاجتهم من الطعام الذي قدم لا يكون هناك التشوش والانشغال عن الصلاة بالتفكير في الطعام، لاسيما إذا كان الناس بحاجة شديدة إليه بسبب جوع فإن بداءتهم بالطعام فيه تمكينهم من التفرغ لصلاتهم، وعدم انشغالهم عنها بتشوش البال وبالتفكير في ذلك الذي هم بحاجة إليه. وقوله: (ولا وهو يدافعه الأخبثان) هذا هو محل الشاهد من الترجمة، والأخبثان هما: البول والغائط، فقوله: (وهو يدافعه الأخبثان) أي: البول والغائط أو أحدهما، فإذا كان حاقناً أو حاقباً يعني: فيه بول أو غائط وبحاجة إلى التخلص منه وكان منحبساً فإن عليه أن يبدأ بالتخلص من هذين الأخبثين حتى يقبل على صلاته باطمئنان وارتياح وعدم تشوش.

стр. 355

تراجم رجال إسناد حديث: (لا يصلى بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان) [حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل]. أحمد بن محمد بن حنبل الإمام المشهور أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [ومسدد]. هو مسدد بن مسرهد ثقة أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. [ومحمد بن عيسى]. هو محمد بن عيسى الطباع ثقة أخرج حديثه البخاري تعليقاً وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة. [المعنى]. وهذه كلمة يستعملها أبو داود ﵀، وهذا أول موضع يأتي فيه ذكر هذه الكلمة؛ لأنه قد يذكر الأشخاص الذين روى عنهم ثم يقول: المعنى. يعني: أن هذه الرواية ليست لفظهم وإنما هم متفقون في المعنى مع الاختلاف في الألفاظ. وقوله هنا: (المعنى) يعني: أن هؤلاء الثلاثة متفقون على معنى الحديث وإن كانت ألفاظهم مختلفة، فـ أبو داود ﵀ يستعمل هذه الكلمة بعدما يذكر جملة من شيوخه، فإذا ذكر أكثر من شيخ من شيوخه يأتي بكلمة (المعنى) يشير بها إلى أن هؤلاء الشيوخ متفقون من حيث المعنى على رواية الحديث وإن كانوا مختلفين من حيث الألفاظ، هذا هو المراد بكلمة (المعنى). [قالوا: حدثنا يحيى بن سعيد]. هو يحيى بن سعيد القطان البصري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي حزرة]. هو يعقوب بن مجاهد صدوق أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود. [حدثنا عبد الله بن محمد]. عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق ثقة أخرج حديثه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. [وهو أخو القاسم بن محمد]. القاسم بن محمد مشهور، ولهذا يذكر المحدثون عن الرجل في التراجم أو في غيرها إذا كان قريبه مشهوراً يذكرون صلته به، مثل عبد الله بن محمد فإنه ليس مشهوراً والقاسم بن محمد كان مشهوراً ولذا قالوا: أخو القاسم، وهكذا إذا كان الشخص مشهوراً وأبوه غير مشهور يقولون: هو والد فلان، مثل سفيان الثوري عندما يذكرون أباه يقولون: والد سفيان؛ لأن سفيان مشهور، وهنا القاسم مشهور فقالوا: أخو القاسم، فيقولون: والد فلان أو ابن فلان لكون الشخص الذي ذكرت صلته به مشهوراً حتى يعرف بذلك، فهنا عبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق أخو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق. ثم إن هؤلاء الرواة الثلاثة الذين روى عنهم أبو داود وهم: محمد بن عيسى وأحمد بن حنبل ومسدد اختلفوا؛ ف محمد بن عيسى قال في روايته: عبد الله بن محمد بن أبي بكر، وأما أحمد بن حنبل ومسدد فاقتصرا على قولهم: عبد الله بن محمد، ثم اتفقوا على أن قالوا: أخو القاسم بن محمد، يعني: أن كلهم قالوا: أخو القاسم بن محمد وأضافوه إلى أخيه الذي هو مشهور؛ لأنه أحد الفقهاء السبعة في المدينة في عصر التابعين. (فإذاً: كلهم متفقون على قول: (عبد الله بن محمد) وعلى قول: (أخو القاسم بن محمد) أما زيادة ابن أبي بكر فهذه قالها محمد بن عيسى الطباع أحد الشيوخ الثلاثة ل أبي داود والشيخان الآخران وهما: أحمد بن محمد بن حنبل ومسدد فلم يذكرا كلمة ابن أبي بكر ما ذكراها وإنما اقتصرا على عبد الله بن محمد. وأبو داود ﵀ أحياناً يذكر التفصيل في أثناء الإسناد، وأحياناً يذكره بعدما ينتهي الحديث، فيقول: قال فلان كذا، وقال فلان كذا، يعني: أن له طرقاً متعددة، وأحياناً في أثناء الإسناد يذكر الفرق مثلما قال هنا: قال ابن عيسى: ابن أبي بكر، واتفقوا بعد ذلك على قولهم: أخو القاسم بن محمد، وأحياناً عندما ينتهي الحديث يقول: قال فلان كذا، وقال فلان كذا. [قال: كنا عند عائشة]. عائشة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها الصديقة بنت الصديق، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
следующие страницы →