Полный текст (18 341 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
ما جاء في التسمية في الوضوء
стр. 387
شرح حديث: (ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في التسمية على الوضوء.
حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا محمد بن موسى عن يعقوب بن سلمة عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه)].
أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة وهي: [التسمية على الوضوء].
يعني: كون الإنسان يسمي الله ويذكر الله عند الوضوء، أي: عند البدء به يسمي الله .
هذا هو المقصود بالتسمية على الوضوء، وبعض أهل العلم قال بوجوبها، وأنها مثل الجملة التي قبلها التي جاءت في الحديث: (لا صلاة لمن لا وضوء له)، وبعضهم يقول: إنها مستحبة.
وبعضهم يقول: إنها واجبة وإذا نسيها الإنسان فإن وضوءه يصح ولا بأس بذلك، وبعضهم يقول: إن المقصود بالتسمية هي كون الإنسان عندما يريد الوضوء ينوي هذه العبادة، وعند الاغتسال من الجنابة ينوي هذه العبادة، وأنه إذا لم توجد النية فإن العمل لاغياً ولا يعتبر؛ إذ لابد من النية؛ لأن الأعمال بالنيات، وكون العمل لابد فيه من النية هذا أمر لا إشكال فيه، لكن كون الحديث يحمل عليه فيه إشكال.
والمقصود من التسمية: أن الإنسان يذكر الله ، وإذا نسي التسمية فإن الوضوء يكون صحيحاً، وأما كونه يتعمد ترك التسمية فعلى القول بالوجوب يؤثر ذلك.
أورد أبو داود حديث أبي هريرة ﵁: (لا صلاة لمن لا وضوء له) يعني: أن الإنسان إذا كان غير متوضئ فإنه لا تصح صلاته ولو كان ذلك نسياناً، فكون الإنسان صلى وهو ليس على وضوء يجب عليه أن يتوضأ ويصلي، ولا يقال: إنها تصح الصلاة، وهذا بخلاف النجاسة إذا كانت على الإنسان؛ فإن الإنسان لو صلى وعليه نجاسة ولم يعلم بها إلا بعد فراغ الصلاة فتصح صلاته، أما بالنسبة للوضوء فلا تصح الصلاة إلا بوضوء، ولو صلى الإنسان ناسياً فإن عليه أن يتوضأ ويصلي، وذلك أن الصلاة بالنسبة للنجاسة جاء ما يدل على أنها تصح الصلاة، وذلك في صلاة الرسول ﷺ بنعليه وفيها شيء من النجاسة والقذر؛ فأخبره جبريل وهو في الصلاة فنزع نعليه وهو يصلي، فلولا أن الصلاة صحيحة لاستأنف الصلاة من جديد، ولكنه ﷺ واصل الصلاة وقد صلى أولها وفي نعليه النجاسة؛ فدل ذلك على أن النجاسة لا يحصل معها بطلان الصلاة، فإذا صلى الإنسان وعليه نجاسة فصلاته صحيحة.
والذي يبدو أن التسمية تجب ولكنها تسقط بالنسيان، مثلما يقال عند ذبح الذبيحة، فإن الإنسان عليه أن يسمي الله ، ولكنه إذا نسي كانت الذبيحة معتبرة ولا يقال: إنها لا تؤكل؛ لأنه نسي ذكر اسم الله عليها، فهذا مثل هذا.
وأما إذا كان الوضوء في بيت الخلاء فيسمي الإنسان عند الدخول.
стр. 388
تراجم رجال إسناد حديث: (ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه)
قوله: [حدثنا قتيبة بن سعيد].
هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وبغلان قرية من قرى بلخ، وبلخ هي من مدن خراسان، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا محمد بن موسى].
محمد بن موسى صدوق أخرج له مسلم وأصحاب السنن.
[عن يعقوب بن سلمة].
يعقوب بن سلمة مجهول الحال أخرج حديثه أبو داود وابن ماجة.
[عن أبيه].
أبوه لين الحديث، أخرج حديثه أبو داود وابن ماجة.
[عن أبي هريرة].
أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله ﷺ ، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق.
والحديث فيه هذان الرجلان: مجهول الحال ولين الحديث، ولكن الحديث له شواهد يثبت بها.
стр. 389
شرح أثر ربيعة الرأي في تفسير حديث: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح حدثنا ابن وهب عن الدراوردي أنه قال: وذكر ربيعة أن تفسير حديث النبي ﷺ : (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه): أنه الذي يتوضأ ويغتسل ولا ينوي وضوءاً للصلاة ولا غسلاً للجنابة].
أورد أبو داود هذا الأثر عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ﵀ أنه فسر الحديث بأن المقصود به ألا يكون هناك نية للوضوء ولا الغسل، ومن المعلوم أن النية لابد منها، وأن الإنسان لابد أن يستذكر هذه العبادة وينويها، ولو أن الإنسان اغتسل وعليه جنابة وما نوى غسل الجنابة فإن غسله لا يعتبر؛ لأنه لابد من النية، فإذا كان عليه جنابة واغتسل للتبرد وما نوى رفع الجنابة فإن الجنابة لا تزال باقية عليه؛ لأن العبادة لابد فيها من النية.
стр. 390
تراجم رجال إسناد أثر ربيعة الرأي في تفسير حديث: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)
قوله: [حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح].
هو أحمد بن عمرو السرح المصري ثقة أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
[حدثنا ابن وهب].
هو عبد الله بن وهب المصري ثقة فقيه أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الدراوردي].
الدراوردي هو عبد العزيز بن محمد الدراوردي صدوق أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ربيعة].
هو ربيعة بن أبي عبد الرحمن ثقة فقيه أخرج له أصحاب الكتب الستة.
стр. 391
الأسئلة
стр. 392
حال الأحاديث الواردة في التسمية عند الوضوء
السؤال
هل صح عن الإمام أحمد أنه قال: هذا الباب ليس فيه شيء يثبت؟
الجواب
لا أذكر، لكن بعض العلماء قال: إنه لم يثبت فيه شيء، وبعضهم قال: إن الشواهد والأحاديث التي وردت في الموضوع على اختلافها يشهد بعضها لبعض ويثبت بها الحكم.
стр. 393
حكم حلق اللحية وتقصيرها
السؤال
هناك رجلان أحدهما يحلق لحيته والآخر يقصر منها ما دون القبضة، فهل هما شيء واحد من حيث مخالفتهما للشرع المطهر، أم بينهما فرق؟
الجواب
ليسوا سواء؛ لأن بعض الشر أهون من بعض، ومعلوم أن الذي يحلقها فعل أمراً محرماً أكثر مما فعله من قصر منها، فهم مخطئون جميعاً وهم متفاوتون في الخطأ، إذ لا شك أن الحلق أسوأ من التقصير.
стр. 394
حكم الجلوس مع المرأة من أجل خطبتها ونكاحها
السؤال
هل يجوز لمن ينظر إلى المرأة لأجل نكاحها أن يجلس معها ويتعارف معها بحيث يسألها عن صفاتها وميولها وغير ذلك مما يتعلق بنفسها بحجة معرفتها تمام المعرفة قبل الإقدام على الزواج بحضور أبيها أو أخيها؟
الجواب
الذي يبدو أن التوسع في كونه يجلس معها وينظر إليها لا ينبغي، وأما كونه يسألها ويحصل شيء من الأسئلة فهذا غير واضح.
стр. 395
احتياط المتقدمين في عنعنة المدلس
السؤال
ذكر أبي داود لطريق قتادة التي فيها التصريح بالسماع، هل هذا يفيد دفع توهم تدليس قتادة ويبنى عليه أن المتقدمين كانوا يحتاطون في عنعنة المدلس خلافاً لمن أنكر ذلك؟
الجواب
نعم، المقصود هو بيان دفع احتمال التدليس؛ لأن العنعنة فيها احتمال الانقطاع واحتمال الاتصال، فإذا جاء التصريح بالسماع زال الاحتمال الآخر الذي هو احتمال الانقطاع، ولا شك أن هذا من عمل المتقدمين، فكون أبي داود ﵀ أورد هذا الطريق هو من أجل هذا، فالاحتياط هو صفة للمتقدمين؛ لأن المتقدمين هم أصحاب الأسانيد، أما المتأخرون فما عندهم إلا النظر فيما عند المتقدمين وفي أسانيد المتقدمين وحصول التصريح في مكان آخر، ولكن صنيع أبي داود لا شك أنه قصد به شيئين: الأول: وجود طريق أخرى، والثاني: التصريح بالسماع.
стр. 396
الفرق بين كلمة (لها صحبة) وكلمة (صحابية)
السؤال
هل هناك فرق بين التعبير بقولنا: لها صحبة وقول: صحابية؟
الجواب
كلمة صحابية ولها صحبة كلها تدل على أن الصحبة موجودة، لكن التعبير بكلمة صحابية كأنها أقوى أو أنها أوسع من كلمة لها صحبة؛ لأن من يكون معروفاً بالصحبة لا يقال فيه: له صحبة، وإنما يقال: صحابي أو صحابية، يعني: أن الشخص المعروف الذي صحب الرسول ﷺ مدة طويلة وروى عنه لا يقال فيه: له صحبة وإنما يقال: صحابي؛ لأنه لا يقال: له صحبة إلا في شخص قد يظن أنه ليس بصحابي.
стр. 397
حكم الجمع بين الجمعة والعصر في السفر
السؤال
هل يجوز للمسافر أن يجمع بين صلاة الجمعة والعصر؟
الجواب
هذه المسألة فيها خلاف، فكثير من أهل العلم قال: إن ذلك لا يجوز؛ وذلك لأنه لم يأت الجمع إلا بين صلاة الظهر وصلاة العصر ولم يأت جمع العصر مع الجمعة، وبعضهم يجيز ذلك، ولكن الأحوط هو أن الإنسان لا يفعله، فلا يجمع مع الجمعة العصر.
стр. 398
حكم التحنيك
السؤال
هل التحنيك مشروع؟ وما ردكم على من قال: إن التحنيك يقصد به التبرك، فهو لا يجوز وهو من خصائص النبي ﷺ ؟
الجواب
التحنيك سائغ وليس شيئاً انتهى، أو لا يكون له وجود بعد زمن الرسول ﷺ ، ولكن الشيء الذي انتهى هو التبرك؛ لأنه لا يذهب إلى أحد ليحنك تبركاً بريقه بعد رسول الله ﷺ .
стр. 399
ما جاء في الرجل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها
стр. 400
شرح حديث: (إذا قام أحدكم من الليل فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الرجل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها.
حدثنا مسدد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي رزين وأبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا قام أحدكم من الليل فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات؛ فإنه لا يدري أين باتت يده)].
أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمة الله عليه باباً في الرجل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها، والمقصود من هذه الترجمة: بيان حكم غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء عندما يريد الإنسان أن يتوضأ، وهذا فيه حالتان: الحالة الأولى: أن يكون قام من نوم الليل وهو يريد أن يتوضأ فلا يغمس يده في الإناء قبل أن يغسلها ثلاثاً.
الحالة الأخرى: يستحب له أن يغسلها ثلاثاً قبل أن يغمسها في الإناء.
وفيما يتعلق بالقيام من نوم الليل أورد أبو داود ﵀ حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا قام أحدكم من الليل فلا يغمس يده في الإناء قبل أن يغسلها ثلاثاً؛ فإنه لا يدري أين باتت يده)، ففي هذا تقييد بالقيام من نوم الليل، وأنه قد نهي المسلم أن يغمس يده في الإناء قبل أن يغسلها ثلاثاً، وهذا فيه وجوب غسل اليدين عند القيام من نوم الليل قبل غمسهما في الإناء ثلاثاً، وبعض أهل العلم رأى أن من حصلت منه المخالفة وغمسها قبل أن يغسلها خارج الإناء ثلاثاً فإن الماء يكون متنجساً ولا يجوز استعماله.
وبعضهم رأى أنه لا يتنجس بذلك ولا يسلبه الطهورية، ولكنه يأثم لمخالفته ولوقوعه في النهي.
وبعض أهل العلم رأى أن هذا على الاستحباب، وأنه يستحب للإنسان أن يغسلها، لكن القول بالوجوب، وأنه لا يجوز له أن يغمسها قبل أن يغسلها ثلاثاً عند القيام من نوم الليل هذا هو القول الأولى والأظهر، ولكنه لو خالف لا يسلبه الطهورية.
أما ما عدا حالة القيام من نوم الليل فإن المستحب في حقه أن يغسلها ثلاثاً، وقد جاء في صفة وضوء رسول الله ﷺ روايات عديدة فيها: أنه أفرغ على يديه قبل أن يغمسها في الإناء، فهذا يدل على الاستحباب في تلك الأحوال، أما حالة القيام من نوم الليل فهي التي يجب غسلها، وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (فإنه لا يدري أين باتت يده) وذكر المبيت إنما يكون بالليل وهو متفق مع قوله: (من الليل)، ومعنى ذلك: أن النوم في الليل غالباً يكون طويلاً ويكون فيه استغراق، وقد تصل يده إلى أماكن يحصل لها شيء من النجاسة، فيكون في غسلها قبل أن يغمسها ابتعاد عن إفساد الماء، أي: أن كون اليد حصل لها شيء من النجاسة ثم تغمس في الإناء قبل أن تغسل خارج الإناء يكون سبباً لنجاسة الماء؛ لأن الماء القليل تؤثر فيه النجاسة إذا وردت عليه، فاليد مثلاً إذا كان فيها نجاسة ثم غمسها الإنسان في إناء صغير فإنه يكون نجساً بذلك ولا يجوز استعماله، وهو متفق مع ما تقدم في حديث القلتين: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، ومعناه: أنه إذا كان دونها فإن النجاسة تؤثر فيه، وإن لم تغير له لوناً أو طعماً أو ريحاً كما ذكرنا ذلك من قبل، وعلى هذا فإن القيام من نوم الليل يجب فيه غسل اليدين قبل إدخالها في الإناء، وأما غير حالة القيام من نوم الليل فإنه يستحب إلا إذا كان الإنسان علم بأن يده فيها نجاسة؛ فإنه يتعين عليه أن يغسل يديه خارج الإناء لما علمه من النجاسة في يده، وهذا في غير القيام من نوم الليل، أما القيام من نوم الليل فالإنسان يغسلها على كل حال.
стр. 401
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا قام أحدكم من الليل فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها)
قوله: [حدثنا مسدد].
مسدد هو ابن مسرهد ثقة أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا أبو معاوية].
أبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير الكوفي، ثقة مشهور بكنيته، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش].
الأعمش هو سليمان بن مهران الكوفي، وهو ثقة اشتهر بلقبه الأعمش واسمه سليمان بن مهران أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي رزين].
أبو رزين هو مسعود بن خالد وهو ثقة أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[وأبي صالح].
وأبو صالح هو ذكوان السمان ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
أبو هريرة هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله ﷺ ، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق ﵁ وأرضاه.
стр. 402
طريق أخرى لحديث: (إذا قام أحدكم من الليل فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها)
[حدثنا مسدد حدثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ -يعني: بهذا الحديث- قال: مرتين أو ثلاثاً.
ولم يذكر أبا رزين].
أورد أبو داود ﵀ الحديث من طريق أخرى، وفيه أنه قال: مرتين أو ثلاثاً.
يعني: يغسل يده قبل أن يدخل الإناء مرتين أو ثلاثاً، وهذا فيه الشك بين الروايتين أو الثلاث، والرواية المتقدمة فيها الجزم بالثلاث، وكذلك غيرها من الروايات، وفيه أيضاً أنه لم يذكر أبا رزين.
يعني: أن الإسناد الثاني ليس فيه ذكر أبي رزين بخلاف الإسناد الذي قبله فإن فيه ذكر أبي رزين مع أبي صالح، وأما في الإسناد الثاني فليس فيه إلا أبو صالح السمان.
стр. 403
تراجم رجال إسناد الطريق الأخرى لحديث: (إذا قام أحدكم من الليل فلا يغمس يده في الإناء)
قوله: [حدثنا مسدد حدثنا عيسى بن يونس].
مسدد مر ذكره، وعيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة].
وهؤلاء مر ذكرهم جميعاً.
стр. 404
شرح حديث: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات)
[حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح ومحمد بن سلمة المرادي قالا: حدثنا ابن وهب عن معاوية بن صالح عن أبي مريم أنه قال: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده، أو أين كانت تطوف يده)].
أورد أبو داود حديث أبي هريرة من طريق أخرى وفيه ذكر النوم مطلقاً: (إذا قام أحدكم من نومه) ولم يقل: من نوم الليل، ولكنه محمول على نوم الليل؛ للرواية المتقدمة عن أبي هريرة نفسه التي فيها: (إذا قام من الليل)، ثم أيضاً في آخره ما يدل على ذلك حيث قال: (فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) والبيتوتة أو المبيت يطلق على نوم الليل، وعلى ما يحصل في الليل.
قوله: (أو أين كانت تطوف يده) يعني: أين تصل يده من جسده، فقد تصل إلى فرجه وفيه نجاسة، أو تصل إلى بثرة أو شيء يكون فيه دم فيعلق بيده.
فتقييد القيام من النوم بالقيام من نوم الليل جاء في الرواية الأخرى ما يدل على أنه خاص بالليل، وذلك أن نوم الليل هو الذي يكون فيه الاستغراق وهو السكن، وهو الذي يطول فيه المبيت، بخلاف نوم النهار فإنه يكون قليلاً غالباً وإلا فقد يكون كثيراً.
стр. 405
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات)
قوله: [حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح].
هو أحمد بن عمرو السرح المصري ثقة أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
[ومحمد بن سلمة المرادي].
هو محمد بن سلمة المرادي المصري ثقة أيضاً وحديثه أخرجه أيضاً مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة كالذي قبله.
[قالا: حدثنا ابن وهب].
ابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري ثقة فقيه أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن معاوية بن صالح].
هو معاوية بن صالح بن حدير صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.
[عن أبي مريم].
أبو مريم قيل: اسمه عبد الرحمن بن ماعز، ويقال: مولى أبي هريرة، ثقة أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي.
[قال: سمعت أبا هريرة].
أبو هريرة مر ذكره.
стр. 406
شرح سنن أبي داود [٠٢٠]
لقد بين لنا الصحابة رضوان الله عليهم صفة وضوء النبي ﷺ ، فعلى كل مسلم ومسلمة أن يعرفها حتى تكون طهارته صحيحة كاملة، ومن أجمع من روى صفة وضوء النبي ﷺ عثمان بن عفان ﵁ في حديثه المعروف.
стр. 407
صفة وضوء النبي ﷺ
стр. 408
شرح حديث عثمان في صفة وضوء النبي ﷺ
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب صفة وضوء النبي ﷺ .
حدثنا الحسن بن علي الحلواني حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان أنه قال: (رأيت عثمان بن عفان توضأ فأفرغ على يديه ثلاثاً فغسلهما ثم تمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثاً، وغسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثاً، ثم اليسرى مثل ذلك، ثم مسح رأسه، ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثاً ثم اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ مثل وضوئي هذا ثم قال: من توضأ مثل وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدِّث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه)].
أورد أبو داود ﵀ باباً في صفة وضوء رسول الله ﷺ ، وقد اعتنى أصحاب رسول الله ﷺ بضبط كيفية وضوئه ﷺ وبينوها للناس بالأقوال وبالأفعال، وقد جاء عن عثمان وعلي رضي الله تعالى عنهما روايات متعددة في وصفهم لوضوء رسول الله ﷺ بالفعل، وأنهم توضئوا والناس يرونهم وقالوا: إن هذه صفة وضوء رسول الله ﷺ ، وهذا فيه بيان السنن بالقول والفعل.
أورد أبو داود ﵀ روايات عديدة عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه في صفة وضوء رسول الله ﷺ ، وهذه الصفة تتعلق ببيان الكيفية من أول الوضوء إلى آخره، وحاصل ما ورد في ذلك: المضمضة والاستنشاق ثلاثاً أولاً، ثم غسل الوجه ثلاثاً، ثم غسل اليدين إلى المرفقين ثلاثاً، ثم مسح الرأس مرة واحدة، ثم غسل الرجلين إلى الكعبين ثلاثاً، هذا هو الحد الأعلى الذي ورد عن رسول الله ﷺ والذي لا يجوز الزيادة عليه وهو التثليث، وجاء عنه ما يدل على الاكتفاء بأقل من ذلك، فجاء الوضوء مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً، وسيعقد أبو داود ﵀ أبواباً لهذه الأعداد، وقد جاءت في حديث عثمان وحديث علي وغيرهما من أصحاب رسول الله ﷺ .
قوله: [(رأيت عثمان بن عفان توضأ)].
يعني: حصل منه الوضوء وهو يراه ثم فصل ذلك الوضوء الذي رآه يفعله.
قوله: [(فأفرغ على يديه ثلاثاً فغسلهما)].
يعني: لم يغمس يده في الإناء، وهذا يدلنا على استحباب غسل اليدين قبل غمسهما في الإناء عندما يريد الإنسان أن يتوضأ في أي وقت، إلا ما تقدم عند القيام من الليل فإنه يتعين الغسل وفي غير ذلك يستحب، وهذا الذي جاء في حديث عثمان ﵁ يدل على أنه مستحب وليس بواجب.
والذي جاء في القرآن كما هو معلوم هو غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، هذه هي الفروض التي جاءت في القرآن، وليس فيه ذكر غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء، ولكن جاء ذلك في السنة.
إذاً: هو من قبيل المستحبات وليس أمراً متحتماً وليس أمراً لازماً إلا عند القيام من نوم الليل.
قوله: [(ثم تمضمض واستنثر)].
يعني: استنشق؛ لأن الاستنثار هو إخراج الماء بعد إدخاله في الأنف، وإدخاله في الأنف استنشاق، يعني: أنه وجد منه الاستنثار بعد أن وجد الاستنشاق، وفي بعض الروايات ذكر الاستنشاق ولم يذكر الاستنثار، ومن المعلوم أن واحداً منهما يكفي عن الآخر.
فيأتي ذكر الاستنشاق وحده ويأتي ذكر الاستنثار وحده والمقصود به إدخال الماء إلى الأنف وجذبه بقوة النفس ثم إخراجه بعد أن دخل في الأنف.
فقوله: (ثم تمضمض واستنثر) يعني: أدخل الماء في فمه وأداره فيه ثم مجه وأخرجه، وكذلك أدخل الماء في أنفه وجذبه بالاستنشاق ثم استنثره، أي: أخرجه، وقد جاء في الحديث: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) لأن الإنسان إذا كان صائماً وبالغ في الاستنشاق فقد يدخل الماء إلى جوفه عن طريق أنفه.
جاء في بعض الأحاديث وبعض الروايات ذكر العدد وأنه تمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً.
قوله: [(ثم غسل وجهه ثلاثاً)].
وهذا ظاهر.
قوله: [(وغسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثاً)].
(إلى) هي بمعنى (مع) يعني: أن الغاية داخلة في المغيا، ولهذا جاء في بعض الأحاديث: (حتى شرع في العضد) يعني: غسل ذراعه حتى تجاوز المرفقين، فالغاية داخلة في المغيا وليست خارجة عنه، فالمرفقان مغسولان تبعاً لليدين.
قوله: [(ثم اليسرى مثل ذلك)].
يعني: غسلها ثلاثاً.
قوله: [(ثم مسح رأسه)].
يعني: لم يذكر عدداً بل أطلق، وقد جاء في بعض الروايات: (مرة واحدة) وهذا هو الذي يناسب بالنسبة للرأس، أي: المسح وليس الغسل بدون تكرار؛ لأن تكرار المسح هو بمثابة الغسل؛ فإذا كرر المسح فكأنه غسله، والرأس حكمه المسح وليس الغسل، والمسح يبدأ من مقدمة رأسه إلى قفاه ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه، وهذه تكون مسحة واحدة.
قوله: [(ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثاً، ثم اليسرى مثل ذلك)].
يعني: إلى الكعبين ثم اليسرى فعل فيها مثل ما فعل في اليمنى.
قوله: [(ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ مثل وضوئي هذا)].
توضأ والناس يرون، ثم قال: إن الرسول ﷺ توضأ مثل وضوئه، وهو إنما فعل ذلك ليبين لهم كيفية وضوئه ﷺ .
قوله: [(ثم قال: من توضأ مثل وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه)].
يعني: ركعتين بعد الوضوء، يعني: أنه إذا توضأ وصلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه فإن الله تعالى يغفر له ما تقدم من ذنبه، والمقصود من ذلك الصغائر، أما الكبائر فإنه لابد فيها من التوبة؛ لأنه جاء في بعض الأحاديث ما يدل على أن التكفير بالأعمال الصالحة إنما يكون للصغائر وأما الكبائر فإنه لابد فيها من التوبة حتى تغفر، فإذا توضأ وضوءاً على هذه الهيئة وصلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه وهو مصر على كبيرة من الكبائر فإن ذلك لا يكفرها وإنما تكفرها التوبة، ولهذا جاء في بعض الأحاديث ما يدل على التقييد، حيث قال ﷺ : (الجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر) ويقول الله : ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١].
وقوله: (لا يحدث فيهما نفسه) المقصود بحديث النفس هو أن يحدث نفسه بأمور الدنيا، يكون شغله وتفكيره في أمور الدنيا، أما لو حصل هجوم خاطر على الإنسان ثم دفعه وانصرف عنه وأقبل على صلاته، فإن ذلك يكون معفواً عنه إن شاء الله ويحصل ذلك الأجر.
стр. 409
تراجم رجال إسناد حديث عثمان في صفة وضوء النبي ﷺ
قوله: [حدثنا الحسن بن علي الحلواني].
الحسن بن علي الحلواني ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا النسائي.
[حدثنا عبد الرزاق].
هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا معمر].
هو معمر بن راشد الأزدي البصري اليماني وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عطاء بن يزيد الليثي].
عطاء بن يزيد الليثي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حمران بن أبان].
حمران بن أبان مولى عثمان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عثمان].
عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه أمير المؤمنين وثالث الخلفاء الراشدين ذو النورين، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
стр. 410
شرح حديث عثمان في صفة وضوء النبي من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن المثنى حدثنا الضحاك بن مخلد حدثنا عبد الرحمن بن وردان حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن حدثني حمران قال: (رأيت عثمان بن عفان توضأ فذكر نحوه ولم يذكر المضمضة والاستنشاق، ومسح رأسه ثلاثاً، ثم غسل رجليه ثلاثاً ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ هكذا، وقال: من توضأ دون هذا كفاه، ولم يذكر الصلاة)].
أورد أبو داود ﵀ حديث عثمان بن عفان ﵁ من طريق أخرى وفيه قال: (فذكر نحوه، ولم يذكر المضمضة والاستنشاق) يعني: نحو ما تقدم من حديث عطاء بن يزيد الليثي عن حمران، لكن عطاء بن يزيد ذكر المضمضة والاستنشاق ولم يذكر عدداً، وهنا في الرواية الثانية التي هي رواية عبد الرحمن بن وردان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن حمران ولم يذكر المضمضة والاستنشاق التي ذكرها في الإسناد الأول.
قوله: (ومسح رأسه ثلاثاً).
في الرواية الأولى ذكر أنه مسح رأسه ولم يذكر عدداً، وهذه زيادة فيها ذكر العدد، ولكن أكثر الرواة الذين رووا الحديث عن رسول الله ﷺ لم يذكروا العدد، وكما هو معلوم هذا الحديث في إسناده من تكلم فيه وهو عبد الرحمن بن وردان.
قوله: (ثم غسل رجليه ثلاثاً، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ هكذا، وقال: من توضأ دون هذا كفاه) يعني: دون الثلاث، وهذا معناه: أن الثلاث هي حد الكمال ونهاية الكمال، ولكن لو أن إنساناً توضأ دون ذلك، بمعنى أنه توضأ مرتين أو مرة واحدة، فإن ذلك يكفي، لكن المرة الواحدة لا بد فيها من استيعاب الأعضاء كلها، بحيث تكون كافية لا بد من مرور الماء على جميع أعضاء الوضوء.
فإذاً: من توضأ دون الثلاث بأن غسل مرتين أو غسل مرة واحدة أو بعض الأعضاء مرة وبعضها مرتين، فإن كل ذلك سائغ، فله أن يغسل ثلاثاً وله أن يغسل اثنتين وله أن يغسل واحدة، وله أن يخالف أيضاًَ في العدد بين أعضاء الوضوء، بأن يغسل بعضها اثنتين وبعضها ثلاثاً وبعضها مرة واحدة، كل ذلك لا بأس به.
قوله: (ولم يذكر الصلاة) يعني: لم يقل: (ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه) فهذا اللفظ لم يأت في رواية عبد الرحمن بن وردان عن أبي سلمة.
стр. 411
تراجم رجال إسناد حديث عثمان في صفة وضوء النبي من طريق ثانية
قوله: [حدثنا محمد بن المثنى].
هو محمد بن المثنى العنزي البصري أبو موسى الملقب ب الزمن وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، فإنهم رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.
[حدثنا الضحاك بن مخلد].
الضحاك بن مخلد هو أبو عاصم النبيل مشهور بكنيته، ويأتي ذكره باسمه ونسبه كما هنا؛ لأنه قال هنا: الضحاك بن مخلد، ويأتي في بعض الروايات أبو عاصم، فيذكر بكنيته أحياناً ويذكر باسمه أحياناً، وقد ذكرت فيما مضى أن معرفة الكنى من الأمور المهمة في علم مصطلح الحديث، وفائدة ذلك ألا يظن الشخص الواحد شخصين، بحيث لو ذكر مرة باسمه ومرة بكنيته فإن الذي لا يعرف أن صاحب الكنية هو صاحب هذا الاسم يظن أن هذا شخص وهذا شخص، لكن من عرف لا يلتبس عليه الأمر، فإن جاءه أبو عاصم عرف أنه الضحاك بن مخلد، وإن جاء الضحاك بن مخلد عرف أنه أبو عاصم.
[حدثنا عبد الرحمن بن وردان].
عبد الرحمن بن وردان مقبول، أخرج حديثه أبو داود وحده.
[حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن].
هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثني حمران قال: رأيت عثمان بن عفان].
حمران وعثمان قد مر ذكرهما.
стр. 412
شرح حديث عثمان في صفة وضوء النبي من طريق ثالثة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن داود الإسكندراني حدثنا زياد بن يونس حدثني سعيد بن زياد المؤذن عن عثمان بن عبد الرحمن التيمي قال: سئل ابن أبي مليكة عن الوضوء فقال: (رأيت عثمان بن عفان سئل عن الوضوء فدعا بماء، فأتي بميضأة فأصغاها على يده اليمنى، ثم أدخلها في الماء فتمضمض ثلاثاً، واستنثر ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يده اليمنى ثلاثاً، وغسل يده اليسرى ثلاثاً، ثم أدخل يده فأخذ ماءً فمسح برأسه وأذنيه، فغسل بطونهما وظهورها مرة واحدة، ثم غسل رجليه، ثم قال: أين السائلون عن الوضوء؟ هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ).
أورد أبو داود ﵀ حديث عثمان ﵁ من طريق ابن أبي مليكة، وفيه التنصيص على أعداد لم يأت ذكرها في الروايات السابقة، مثل المضمضة والاستنشاق جاء أنه تمضمض واستنشق ثلاثاً، وفيه مسح الرأس، وفيه ذكر غسل بطون الأذنين وظهورهما مرة واحدة.
قوله: [قال ابن أبي مليكة: (رأيت عثمان بن عفان سئل عن الوضوء، فدعا بماء، فأتي بميضأة).
يعني: سئل عن كيفية الوضوء فأراد أن يبينه بالفعل من أجل أن الناس يشاهدونه ويعاينونه، ويعرفون الهيئة والكيفية التي يكون عليه الوضوء، والميضأة: هي إناء فيه ماء يكفي للوضوء، أو ماء على قدر الوضوء، ولهذا قال: ميضأة، يعني: فيها ماء وضوء.
قوله: [(فأصغاها على يده اليمنى)].
يعني: أنه لم يغمس يده في الإناء، بل أصغى الإناء حتى أفرغ على يده اليمنى ثم غسل يديه.
قوله: [(ثم أدخلها في الماء)].
يعني: بعدما غسل يديه خارج الإناء صار يدخل يديه بعد ذلك ويغرف.
قوله: [(فتمضمض ثلاثاً، واستنثر ثلاثاً)].
وهذا فيه بيان كون المضمضة ثلاثاً والاستنشاق ثلاثاً.
قوله: [(وغسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يده اليمنى ثلاثاً، وغسل يده اليسرى ثلاثاً، ثم أدخل يده فأخذ ماءً فمسح برأسه وأذنيه فغسل بطونهما وظهورهما مرة واحدة)].
يعني: أنه أخذ ماءً وجعله في يديه ومسح به على رأسه ومسح به أذنيه بطونهما وظهورهما؛ وذلك بأن تكون السبابة في داخل الأذنين والإبهام على ظهور الأذنين في وقت واحد فيمسح عليهما، وهذا فيه دليل على أن الأذنين حكمهما حكم الرأس، وليس حكمهما حكم الوجه، فحكمهما المسح تبعاً للرأس، وليس حكمهما الغسل تبعاً للوجه، فهما ممسوحتان لا مغسولتان، كما في الحديث: (الأذنان من الرأس)، يعني: أن حكمهما حكم الرأس في الوضوء يمسحان ولا يغسلان.
قوله: [(ثم غسل رجليه)].
لم يذكر العدد، ولكنه جاء في الرواية الأخرى ذكر أنه غسلهما ثلاثاً.
قوله: [(ثم قال: أين السائلون عن الوضوء؟ هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ)].
وهذا فيه بيان الوضوء بالفعل ثم بالقول؛ لأنه توضأ ثم قال: (هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ).
стр. 413
تراجم رجال إسناد حديث عثمان في صفة وضوء النبي من طريق ثالثة
قوله: [حدثنا محمد بن داود الإسكندراني].
هو محمد بن داود الإسكندراني المصري وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود والنسائي.
[حدثنا زياد بن يونس].
زياد بن يونس ثقة، أخرج حديثه أبو داود والنسائي في عمل اليوم والليلة.
[حدثني سعيد بن زياد المؤذن].
سعيد بن زياد المؤذن مقبول، أخرج حديثه أبو داود والنسائي في عمل اليوم والليلة.
[عن عثمان بن عبد الرحمن التيمي].
عثمان بن عبد الرحمن التيمي ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي.
[قال سئل ابن أبي مليكة].
هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[رأيت عثمان بن عفان].
عثمان بن عفان ﵁ قد مر ذكره.
стр. 414
ترجيح أبي داود لروايات الاقتصار على مسح الرأس مرة واحدة
[قال أبو داود ﵀: أحاديث عثمان ﵁ الصحاح كلها تدل على مسح الرأس أنه مرة؛ فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثاً، وقالوا فيها: ومسح رأسه، ولم يذكروا عدداً كما ذكروا في غيره].
وهذا الكلام من أبي داود ﵀ فيه أن الذين ذكروا صفة وضوء رسول الله ﷺ أنهم لم يذكروا العدد، ولكن يستثنى من ذلك عند أبي داود نفسه ما نص عليه، كما مر في رواية عبد الرحمن بن وردان عن أبي سلمة، وكما سيأتي أيضاً في رواية أخرى فيها ذكر المسح ثلاثاً، ولكن كلام أبي داود ﵀ هنا يشير إلى ترجيح الروايات التي فيها الاقتصار على المرة الواحدة، وقوله: ما ذكروا العدد غير ما استثني، يقصد بذلك غير ما ذكره هو نفسه.
ورواية: (ثلاثاً) إما أن تكون ضعيفة وإما شاذة.
стр. 415
شرح حديث عثمان في صفة وضوء النبي من طريق رابعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا عيسى أخبرنا عبيد الله -يعني ابن أبي زياد - عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبي علقمة: (أن عثمان دعا بماء فتوضأ، فأفرغ بيده اليمنى على اليسرى ثم غسلهما إلى الكوعين، قال: ثم مضمض واستنشق ثلاثاً، وذكر الوضوء ثلاثاً، قال: ومسح برأسه ثم غسل رجليه، وقال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ مثل ما رأيتموني توضأت)، ثم ساق نحو حديث الزهري وأتم].
أورد أبو داود حديث عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه من طريق أخرى، وفيه ذكر بعض ألفاظه وإحالة إلى حديث متقدم، وهو حديث الزهري.
قوله: (أن عثمان ﵁ دعا بماء فتوضأ، فأفرغ بيده اليمنى على اليسرى ثم غسلهما إلى الكوعين)].
يعني: أنه أفرغ من الإناء خارج الإناء وغسل يديه إلى الكوعين، والمقصود غسل الكف فقط، والذراع لا تدخل في ذلك، يعني: أن الكف قبل الوضوء لا تدخل في الغسل وإنما تغسل الكف فقط إلى الكوعين، والكوع: هو العظم الذي في طرف الذراع مما يلي الإبهام، والطرف الثاني الذي يلي الخنصر يقال له: الكرسوع، فهما عظمان في طرف الذراع، فالذي يلي الإبهام يقال له: الكوع، والذي يلي الخنصر يقال له: الكرسوع، ولهذا يقول العوام في المثل على الشخص الذي لا يعرف شيئاً: لا يعرف كوعه من كرسوعه، يعني: لا يميز بين الكوع والكرسوع.
قوله: [(ثم مضمض واستنشق ثلاثاً)].
وهذا فيه مثل ما تقدم في حديث ابن أبي مليكة، يعني: أنه استنشق واستنثر، وهنا عبر بالاستنشاق بدل الاستنثار وهما متلازمان، فالاستنشاق: هو إدخال الماء في الأنف، والاستنثار: هو إخراجه، وكل واحد منهما يستلزم الآخر، فالاستنشاق يعقبه استنثار والاستنثار يسبقه استنشاق.
قوله: [(وذكر الوضوء ثلاثاً)].
يعني: أنه غسل وجهه ثلاثاً ويديه ثلاثاً.
قوله: [(ومسح برأسه ثم غسل رجليه)].
ولم يذكر العدد، وهذا يحمل على أنه مرة واحدة، لأن تكرار المسح يصير بمثابة الغسل، والحكم هو المسح وليس الغسل.
قوله: [(ثم غسل رجليه)].
يعني: غسل رجليه ثلاثاً.
قوله: [(رأيت رسول الله ﷺ توضأ مثل ما رأيتموني توضأت)، ثم ساق نحو حديث الزهري وأتم].
يعني: حديث الزهري الذي تقدم.
стр. 416
تراجم رجال إسناد حديث عثمان في صفة وضوء النبي من طريق رابعة
قوله: [حدثنا إبراهيم بن موسى].
هو إبراهيم بن موسى الرازي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا عيسى].
هو عيسى بن يونس وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا عبيد الله يعني ابن أبي زياد].
عبيد الله بن أبي زياد ليس بالقوي، أخرج حديثه أبو داود والترمذي وابن ماجة.
[عن عبد الله بن عبيد بن عمير].
عبد الله بن عبيد بن عمير ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.
[عن أبي علقمة].
هو أبي علقمة المصري مولى بني هاشم وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.
[أن عثمان].
عثمان مر ذكره.
стр. 417
شرح حديث عثمان في صفة وضوء النبي من طريق خامسة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا يحيى بن آدم حدثنا إسرائيل عن عامر بن شقيق بن جمرة عن شقيق بن سلمة قال: (رأيت عثمان بن عفان غسل ذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، ومسح رأسه ثلاثاً، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل هذا).
قال أبو داود: رواه وكيع عن إسرائيل قال: (توضأ ثلاثاً فقط)].
أورد أبو داود حديث عثمان ﵁ من طريق أخرى مختصراً وفيه أنه غسل ذراعيه ثلاثاً ومسح رأسه ثلاثاً، وهذه هي الرواية الثانية عند أبي داود التي فيها ذكر المسح للرأس ثلاثاً، والرواية الأولى هي التي فيها عبد الرحمن بن وردان، وهو مقبول، وهذه الرواية فيها شخص ضعيف.
قوله: (رأيت عثمان بن عفان غسل ذراعيه ثلاثاً ثلاثاً ومسح رأسه ثلاثاً، وقال: رأيت رسول ﷺ فعل هذا)].
هذا فيه اختصار فليس فعل الرسول ﷺ هو هذا فقط، وإنما ذكر الوضوء كاملاً ولكنه اختصره هنا.
стр. 418
تراجم رجال إسناد حديث عثمان في صفة وضوء النبي من طريق خامسة
قوله: [حدثنا هارون بن عبد الله].
هو هارون بن عبد الله الحمال البغدادي، والحمال لقب، وهو بغدادي ثقة، أخرج حديثه مسلم وأصحاب السنن.
[حدثنا يحيى بن آدم].
يحيى بن آدم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا إسرائيل].
هو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عامر بن شقيق بن جمرة].
عامر بن شقيق بن جمرة لين الحديث، أخرج حديثه أبو داود والترمذي وابن ماجة.
[عن شقيق بن سلمة].
شقيق بن سلمة هو أبو وائل، وهو مشهور بكنيته ومشهور باسمه، فيأتي كثيراً أبو وائل ويأتي في بعض الأحيان شقيق بن سلمة كما هنا، وهذا من قبيل معرفة الكنى والأسماء، وفائدتها ألا يظن الشخص الواحد شخصين، بحيث لو جاء أبو وائل مرة في إسناد وجاء في إسناد آخر شقيق بن سلمة فإن الذي لا يعرف يظن أن هذا شخص وهذا شخص، ومن يعرف أن شقيق بن سلمة كنيته أبو وائل لا يلتبس عليه الأمر، وهو ثقة مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، ولم يلق النبي ﷺ ، وهو من كبار التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قال: رأيت عثمان بن عفان].
عثمان ﵁ قد مر ذكره.
[قال أبو داود: رواه وكيع عن إسرائيل قال: (توضأ ثلاثاً فقط)].
يعني: ذكر أبو داود ﵀ أن وكيعاً رواه عن إسرائيل وقال: (توضأ ثلاثاً فقط)، يعني: أنه غسل وجهه ثلاثاً ويديه ثلاثاً وهكذا.
стр. 419
شرح سنن أبي داود [٠٢١]
لقد روى صفة وضوء النبي ﷺ عدة من الصحابة، فذكروا أن أعضاء الوضوء منها المغسول ومنها الممسوح، ومنها ما فيه التثليث والتثنية والإفراد، فأعلى الكمال التثليث وأوسطه التثنية وأدناه الإفراد، بخلاف الرأس، فإن الراجح أن المسح مرة واحدة فقط، وذكر العدد فيه غير صحيح.
стр. 420
تابع صفة وضوء النبي ﷺ
стр. 421
شرح حديث علي في صفة وضوء النبي ﷺ
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن خالد بن علقمة عن عبد خير قال: (أتانا علي ﵁ وقد صلى، فدعا بطهور، فقلنا: ما يصنع بالطهور وقد صلى؟ ما يريد إلا ليعلمنا، فأتي بإناء فيه ماء وطست، فأفرغ من الإناء على يمينه فغسل يديه ثلاثاً، ثم تمضمض واستنثر ثلاثاً، فمضمض ونثر من الكف الذي يأخذ فيه، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يده اليمنى ثلاثاً، وغسل يده الشمال ثلاثاً، ثم جعل يده في الإناء فمسح برأسه مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثاً، ورجله الشمال ثلاثاً، ثم قال: من سره أن يعلم وضوء رسول الله ﷺ فهو هذا)].
سبق أن مر ذكر جملة من الطرق للأحاديث الواردة عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه في صفة وضوء رسول الله ﷺ ، وبعد هذا بدأ الإمام أبو داود ﵀ بذكر الطرق الواردة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وهذه أول طريق من تلك الطرق الواردة عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهي كغيرها من الطرق المتقدمة عن عثمان ﵁، وكذلك الطرق التي ستأتي عن جماعة من الصحابة في صفة وضوء رسول الله ﷺ ، وأنه كان يغسل يديه قبل إدخالهما الإناء ثلاث مرات، وقد ذكرنا أن هذا مستحب، لأنه يجب عند القيام من نوم الليل، أي: غسل اليدين قبل إدخالها في الإناء ثلاثاً، وأن الرسول ﷺ تمضمض واستنثر ثلاثاً، وعرفنا أن المضمضة هي إدخال الماء في الماء وتحريكه فيه ثم مجه، وأن الاستنثار والاستنشاق لفظان متلازمان؛ لأن الاستنشاق يعقبه الاستنثار، والاستنثار يسبقه استنشاق، فمن ذكر الاستنثار اقتصر على ما يكون في آخر الأمر، وهو إخراج الماء من الأنف بعد إدخاله فيه بالاستنشاق، ومن ذكر الاستنشاق اقتصر على ما يكون في أول الأمر، وهو إدخال الماء في الأنف.
والمقصود من ذلك أن الرسول ﷺ أدخل الماء في أنفه ثلاث مرات وأخرجه ثلاث مرات، كل مرة يستنشق ثم يستنثر، وهذا يدل على ما دلت عليه الأحاديث أو الطرق المتعددة بأن المضمضة والاستنشاق مطلوبان.
وقد اختلف العلماء في حكمهما: فمنهم من قال بوجوبهما تبعاً للوجه، ومنهم من قال باستحبابهما.
قوله: (ثم غسل وجهه ثلاث مرات)، أي: أن الغسل للوجه يكون ثلاث مرات، ثم الغسل لليد اليمنى إلى المرفقين أي: مع المرفقين ثلاث مرات، واليسرى كذلك، ثم المسح على الرأس مرة واحدة، ثم غسل الرجل اليمنى ثلاثاً، ثم غسل الرجل اليسرى ثلاثاً، وهذا هو الحد الأكمل لصفة الوضوء، وذلك بأن يغسل الإنسان ثلاث مرات عدا الرأس فإنه يمسح مرة واحدة، ولا يجوز الزيادة على ذلك، بل هذا هوا لحد الأعلى، وإن غسل مرتين مرتين، أو مرة واحدة أو غسل بعض الأعضاء مرة وبعضها مرتين وبعضها ثلاثاً، فإن ذلك كله سائغ، والحد الأدنى هو غسلة مستوعبة للأعضاء، بحيث لا يترك شيئاً من فروض الوضوء إلا وقد استوعبته، وإن فعل ثانية مع الواحدة فهو حسن، وإن فعل ثالثة مع الاثنتين فهو حسن، ولكنه لا يجوز الزيادة على ذلك.
وحديث علي ﵁ هو كالأحاديث المتقدمة التي فيها بيان هذا الوصف لوضوء رسول الله ﷺ ، وعلي ﵁ وأرضاه جاءهم بعدما صلى، ودعا بطهور، والطهور هو الماء الذي يتوضأ به، وهو بفتح الطاء، كالوضوء، أي: الماء الذي يتطهر به ويتوضأ به، والطهور بالضم هو فعل الوضوء وفعل التطهر، ولما طلب ماءً ليتوضأ وقد صلى فهموا أنه ما أراد إلا أن يعلمهم الوضوء، وأنه أراد أن يتوضأ والناس يرونه ويشاهدونه؛ حتى يعرفوا كيفية وضوء رسول الله ﷺ ، وهذا يدلنا على ما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم وأرضاهم من الحرص على بيان السنن وكمال النصح للأمة، وأنهم قد أدوا الشيء الذي تلقوه من رسول الله ﵊ على التمام والكمال، فهم ﵃ أرضاهم الواسطة بين الناس وبين رسول الله ﷺ ، وما عرف الناس حقاً وهدى إلا عن طريقهم ﵃ وأرضاهم.
فكونه ﵁ يطلب ماءً ليتوضأ وقد فرغ من الصلاة والناس يشاهدونه ويعاينونه فهم فهموا هذا الفهم وقالوا: ما يريد إلا ليعلمنا، ثم إنه أفرغ على يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثاً، وهذا يدلنا على استحباب هذا الفعل حتى ولو كانت اليد طاهرة ولا نجاسة فيها، إلا أن هذا مستحب، ولكن إذا علم فيها نجاسة فيجب غسلها خارج الإناء، وألا تدخل في الإناء إلا وهي نظيفة، ويدخل في ذلك القيام من نوم الليل كما ذكرنا قبل أنه يجب غسلها قبل إدخالها الإناء.
قوله: [قال عبد خير: (أتانا علي ﵁ وقد صلى فدعا بطهور، فقلنا: ما يصنع بالطهور وقد صلى؟ ما يريد إلا ليعلمنا)].
يعني: أنهم قالوا هذا إما في أنفسهم أو أنه أسر بعضهم إلى بعض وتحدث بعضهم إلى بعض، وقالوا: ما يصنع بالطهور وقد صلى؟ ثم قالوا: ما يريد إلا أن يعلمنا.
قوله: [(فأتي بإناء فيه ماء وطست)].
الطست هو: إناء، وفي الغالب أنه يكون واسعاً.
وعطف الطست على الإناء قيل: إنه من عطف الترادف، وأن المقصود بذلك أن الطست هو الذي فيه الماء، وقد جاء في بعض الروايات: (أن الطست فيه ماء).
وقيل: عطف الطست على الإناء؛ لأن الإناء فيه ماء وهو يريد أن يتوضأ بحيث تتساقط قطرات الماء من الأعضاء في الطست.
لكن القول الأول هو الأظهر من جهة أن ذكر الطست قد جاء في بعض الروايات أنه كان فيه الماء، فيكون المقصود أنه أتي بإناء هو طست، وفيه ماء للوضوء فتوضأ به.
قوله: [(فأفرغ من الإناء على يمينه فغسل يديه ثلاثاً، ثم تمضمض واستنثر ثلاثاً، فمضمض ونثر من الكف الذي يأخذ فيه)].
وهذا فيه أن المضمضة والاستنشاق تكون من كف واحدة، بحيث يأخذ غرفة من ماء فيجعل بعضها في فمه للمضمضة والباقي يستنشقه في أنفه ويخرجه، فيتمضمض ويستنشق من كف واحدة، يفعل ذلك ثلاث مرات بثلاث غرفات.
قوله: [(ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يده اليمنى ثلاثاً، وغسل يده الشمال ثلاثاً، ثم جعل يده في الإناء فمسح برأسه مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثاً ورجله الشمال ثلاثاً)].
وهذا بيان صفة الوضوء الكامل لرسول الله ﷺ الذي هو غسل جميع الأعضاء ثلاثاً إلا الرأس، فإنه يمسح مرة واحدة ولا يغسل ولا يكرر؛ لأن المقصود هو المسح، ولو كرر لكان التكرار غسلاً وفرضه المسح، ويكون المسح مرة واحدة.
قوله: [(ثم قال: من سره أن يعلم وضوء رسول الله ﷺ فهو هذا)].
أي: الذي فعلته وأنتم تنظرون، وهذه الكلمة التي قالها في آخر الحديث وفي آخر العمل تبين الذي فهموه من فعله وأنه أراد أن يعلمهم.
والمضمضة والاستنشاق من الواجبات، وقد جاء تخصيصهما والتنصيص عليهما.
стр. 422
تراجم رجال إسناد حديث علي في صفة وضوء النبي ﷺ
قوله: [حدثنا مسدد].
هو مسدد بن مسرهد وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا أبو عوانة].
هو أبو عوانة وضاح بن عبد الله اليشكري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي عوانة، وهو غير أبي عوانة المتأخر الذي استخرج على صحيح مسلم.
والذي له الكتاب الذي يقال له: (صحيح أبي عوانة)، ويقال له: (مستخرج أبي عوانة)، ويقال له: (مسند أبي عوانة) وهو كتاب واحد، فهو مسند؛ لأنه أتى بالأسانيد قال: حدثنا فلان، وهو مستخرج؛ لأنه بناه على صحيح مسلم، والمستخرج هو الذي يأتي به الراوي أو المحدث ويلتقي مع صاحب الكتاب في شيوخه ومن فوقهم، ولا يمر بصاحب الكتاب، هذا هو المستخرج، ويقال له: (صحيح أبي عوانة)؛ لأنه مستخرج على الصحيح.
فـ أبو عوانة اليشكري متقدم، وذاك متأخر.
[عن خالد بن علقمة].
خالد بن علقمة وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة وعلق له الترمذي في الطهارة في باب وضوء النبي ﷺ كيف كان.
ومجرد التعليق بالنسبة لصحيح البخاري لم يكونوا يذكرونه في الرجال، وذلك باعتبار أنه روى له تعليقاً، ولم يرو له في الأصول، ويميز بين من يعلق عنه البخاري ومن روى له في الأصول، فيرمز بـ (خ) لمن روى له في الأصول، ويرمز لمن روى له تعليقاً بـ (خت)، أما غيره فالذي يظهر أنهم ما كانوا يرمزون لهذا، وقد سبق أن مر بنا بعض الإضافات أو الإشارات التي ذكرها أبو داود عن بعض الرواة الذين لم يرو لهم في الأصول.
[عن عبد خير].
هو عبد خير بن يزيد الهمداني وهو ثقة، أخرج له أصحاب السنن.
[قال: أتانا علي].
هو علي بن أبي طالب ﵁ أمير المؤمنين ورابع الخلفاء الراشدين الهادين المهديين أبو الحسنين صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
стр. 423
حكم التعبيد لغير الله
وعبد خير الهمداني اسمه عبد خير، والتعبيد إنما يكون لله ، وقد أجمع أهل العلم على تحريم كل اسم معبد لغير الله، قال ابن حزم: حاشا عبد المطلب؛ لأنه جاء عن الرسول ﷺ أنه كان يقول: (أنا ابن عبد المطلب).
ومن المعلوم أن هذا شيء كان متقدماً ولا يمكن تغييره، لكن جاء في بعض الصحابة من اسمه عبد المطلب ولم يغير الرسول ﷺ اسمه، كما غير بعض الأسماء التي هي معبدة لغير الله، قالوا: فدل هذا على أن اسم عبد المطلب مستثنى؛ لأن الرسول ﷺ لم يغيره، ولكن كما هو معلوم عند التسمية يختار الاسم الذي لا إشكال فيه، وأما هذا ففيه إشكال، كيف وقد جاء فيه أنه معبد لغير الله؟ لكن كون الرسول ﷺ أقره وكان في بعض أقاربه من يسمى عبد المطلب ولم يغير النبي ﷺ اسمه، فدل على أن التسمية في ذلك جائزة، لكن الأولى خلافها، وذلك بأن يكون التعبيد لله فقط.
стр. 424
شرح حديث علي في صفة وضوء النبي من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن علي الحلواني حدثنا حسين بن علي الجعفي عن زائدة حدثنا خالد بن علقمة الهمداني عن عبد خير قال: (صلى علي ﵁ الغداة ثم دخل الرحبة، فدعا بماء، فأتاه الغلام بإناء فيه ماء وطست، قال: فأخذ الإناء بيده اليمنى فأفرغ على يده اليسرى وغسل كفيه ثلاثاً، ثم أدخل يده اليمنى في الإناء فمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً)، ثم ساق قريباً من حديث أبي عوانة، قال: (ثم مسح رأسه مقدمه ومؤخره مرة) ثم ساق الحديث نحوه].
أورد أبو داود ﵀ حديث علي بن أبي طالب ﵁ من طريق أخرى، وأحال فيها على الطريق المتقدمة، إلا أن فيها بعض الفروق، فمن الفروق التي فيها: أنه بين كيفية مسح الرأس، وأن المسح يكون للرأس كله المقدم والمؤخر، وجاء بيان ذلك بأنه يقبل ويدبر يبدأ من مقدم رأسه حتى ينتهي إلى قفاه، ثم يرجع إلى المكان الذي بدأ منه مرة واحدة.
قوله: [عن عبد خير قال: (صلى علي ﵁ الغداة)].
الغداة: هي الفجر، يعني: أنه صلى بالناس الفجر ثم جاء إلى الرحبة، والرحبة مكان بالكوفة.
قوله: (ثم دخل الرحبة فدعا بماء، فأتاه الغلام بإناء فيه ماء وطست، قال: فأخذ الإناء بيده اليمنى، فأفرغ على يده اليسرى وغسل كفيه ثلاثاً)].
وهذا فيه مثل ما في الذي قبله، يعني: أنه غسل كفيه ثلاثاً إلا أنه أخذ الإناء باليمنى ووضع الماء في اليسرى، ثم استعمل اليدين بحيث غسلهما بتلك الكف أو ذلك الماء الذي صبه في الكف اليسرى.
قوله: (ثم أدخل يده اليمنى في الإناء فمضمض ثلاثاً).
يعني: أنه بعدما غسل يديه ثلاثاً خارج الإناء أدخل يده اليمنى في الإناء؛ لأنها بعدما حصلت لها النظافة بغسلها غمسها، واستخرج ماءً ليتمضمض منه فتمضمض ثلاثاً.
قوله: [ثم ساق قريباً من حديث أبي عوانة].
أي: المتقدم في الطريق السابقة.
قوله: [(ثم مسح رأسه مقدمه ومؤخره مرة)].
هذا فيه بيان أن المسح مرة واحدة، وأنه يكون لجميع الرأس وليس لبعضه دون بعضه، بل له كله مقدمه ومؤخره.
قوله: [ثم ساق الحديث نحوه].
يعني: نحو حديث أبي عوانة المتقدم.
стр. 425
تراجم رجال إسناد حديث علي في صفة وضوء النبي من طريق ثانية
قوله: [حدثنا الحسن بن علي الحلواني].
الحسن بن علي الحلواني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي.
[حدثنا الحسين بن علي الجعفي].
الحسين بن علي الجعفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن زائدة].
هو زائدة بن قدامة وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا خالد بن علقمة الهمداني عن عبد خير قال: صلى علي].
قد مر ذكر هؤلاء الثلاثة.
следующие страницы →